خطبة إسلامية مكتوبة

قِيمَةُ الْوَقْتِ وَالزَّمَنِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِم

الشيخ د صالح بن مقبل العصيميالتربيةأحوال القلوب
وقت القراءة≈ 4 د
عدد الكلمات696
الأجزاءالأولى والثانية
موضوعات مرتبطة7
لديك تقدم محفوظ في هذه الخطبة:

بطاقة سريعة

تبدأ الخطبة بمحاور واضحة، وأولها: اهتمام الإسلام بالوقت

عناصر الخطبة

  1. اهتمام الإسلام بالوقت
  2. تحسر أهل الجنة على ضياع الأوقات
  3. أسباب تفريط الناس في أوقاتهم
  4. قيمة الوقت عند السلف
  5. كيفية الاستفادة من أوقاتنا

مقتطف من الخطبة

وَلَقَدْ فَرَّطَ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فِي أَوْقَاتِهِمْ؛ بَعْضُهُمْ بِسَبَبِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِ لِقِيمَةِ الْوَقْتِ، وَبَعْضُهُمْ بِسَبَبِ التَّكَاسُلِ وَالتَّسْوِيفِ, وَهُمَا سِلَاحَانِ قَاتِلَانِ لِأَوْقَاتِ النّاسِ، وَبَعْضُهُمْ بِسَبَبِ الصُّحْبَةِ السَّيِّئَةِ؛ فَالرَّفْقَةُ السَّيِّئَةُ تَعْمَلُ عَلَى قَتْلِ دِينِ وَأَخْلَاقِ وَأوْقَاتِ أَصْحَابِهِمْ...

الخطبة الأولى

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا, أمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ: الزَّمَنُ وَالْوَقْتُ مِنْ أَثْمَنِ الأَشْيَاءِ الَّتِيْ لا يَسْتَطِيْعُ الْإِنْسَانُ شِرَاءَهَا، فَهُوَ يَمُرُ بِسُرْعَةٍ، وَلَا يُمْكِن أنْ يَعُوْد الزَّمَنُ إِلَى الْوَرَاءِ, فإن لِلْوَقْتِ في الْإِسْلَامِ -وَخَاصَةً عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ- قِيمَةً عَظِيمَةً؛ فَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ، مَا ذَهَبَ مِنْهُ لَا يَعُودُ، وَمَنْ فَرَّطَ فِي وَقْتِهِ وَعُمُرِهِ فَقَدْ فَرَّطَ فِي خَيْرٍ كَبِيرٍ؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُضَيِّعُ عُمُرَهُ وَوَقْتَه، وَلا يُحْسِنُ اسْتِثْمَارَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ؛ بَلْ رُبَّمَا قَضَاهُ فِيمَا يَضُرُّهُ, فِي مَجَالِسِ الْغَفْلَةِ وَاللَّهْوِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ.

وَقَدْ اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِالْوَقْتِ وَبَيَّنَ أَهَمِّيَّتَهُ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كَمَا فِي الصَّحِيحِ: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"، فَالْخَاسِرُ وَقْتَهُ مَغْبُونٌ كَالَّذِي يَبِيعُ سِلْعَتَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا تَسْتَحِقُّ، أَوْ يَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَحِقُّ.

والوقتُ أنفَسُ ما عُنيتَ بِحِفْظِهِ *** وَأَرَاهُ أَسْهَلُ مَا عَلَيْكَ يضيعُ

وَلَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهَا!، وَمِنْ أَوَّلِ مَا يُسْألُ عَنْهُ الْعبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْوَقْتُ؛ "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ: عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ؟، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ؟"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ)، وَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"(رَوَاهُ الْحَاكِمُ).

وَلَقَدْ فَرَّطَ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ فِي أَوْقَاتِهِمْ؛ بَعْضُهُمْ بِسَبَبِ عَدَمِ إِدْرَاكِهِ لِقِيمَةِ الْوَقْتِ، وَبَعْضُهُمْ بِسَبَبِ التَّكَاسُلِ وَالتَّسْوِيفِ, وَهُمَا سِلَاحَانِ قَاتِلَانِ لِأَوْقَاتِ النّاسِ، وَبَعْضُهُمْ بِسَبَبِ الصُّحْبَةِ السَّيِّئَةِ؛ فَالرَّفْقَةُ السَّيِّئَةُ تَعْمَلُ عَلَى قَتْلِ دِينِ وَأَخْلَاقِ وَأوْقَاتِ أَصْحَابِهِمْ، وَنَحْنُ فِي الْإِجَازَةِ، فَفُرْصَةٌ لِلْأَبْنَاءِ وَالْبَنَاتِ لاسْتِثْمَارِ أَوْقَاتِهِمْ، وَالسَّيْرِ عَلَى نَهْجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبهِمْ وَطَرِيقِهِمْ, يُبَادِرُونَ إِلَى اسْتِغْلَالِ أَوْقَاتِهِمْ.

إِذَا كَانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ المَصِيفِ *** وَيُبْسُ الخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا

وَيُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ *** فَأَخْذُكَ لِلْعِلْمِ قُلْ لِي: مَتَى؟!

قَالَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "يَا عُمَرُ! وَاعْلَمْ أَنَّ للهِ عَمَلًا بِالنَّهَارِ لَا يقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ للهِ عَمَلًا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ بِالنَّهَارِ", وَيَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمِ غَرَبَتْ شَمْسُه؛ نَقَصَ فِيهِ أَجْلِي، وَلَمْ يَزْدَدْ فِيهِ عَمَلِي", وَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ".

وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّه كَانَ يَقُولُ: "إِنِّي لَأَمْقُتُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا, لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ", يَقُولُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي وَقَوْمَتِي"؛ يَعْنِيْ: يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ الأَجْرُ مِنَ اللهِ.

وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاه- يَقُولُ عَنْ حَالِ السَّلَفِ: "أَدْرَكْتُ أَقْوامًا كَانُوا عَلَى أَوْقَاتِهِمْ أَشَدَّ حِرْصًا مِنْكُمْ عَلَى دَرَاهِمِكُمْ وَدَنَانِيرِكُمْ!", قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ -رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاه-: "ابْنُ آدَم! إِنَّ الْأَيَّام تَعْمَلُ فِيْكَ؛ فَاسْبِقْهَا وَاعْمَل فِيْهَا".

اللَّهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَاخْتِمْ بِالصَّالِحَاتِ آجَالَنَا, أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً.

أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.

عباد الله: فَتَنْظِيمُ الْوَقْتِ، وَالتَّخْطِيطُ لَهُ، وَتَحْدِيدُ الْأَوْلَوِيَّاتِ، وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ عَلَى التَّقْصِيرِ، وَاغْتِنَامُ أَوْقَاتِ الْفَرَاغ، وَإِنْجَازُ الْأعْمَالِ فِيهَا، وَقِرَاءَةُ حَيَاةِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ، وَالْمُوَازَنةُ بَيْنَ مَسْؤُولِيَّاتِهِ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ جَانِبٍ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ لِمَا أَصْلُهُ التَّأْخِيرُ، وَلَا تَأْخِيرٌ لِمَا أَصْلُهُ التَّقْدِيمُ؛ مَنْهَجُ سَلَفِ الْأُمَةِ الصَّالِح.

قالَ ابنُ القيمِّ -رَحِمَنَا اللهُ وَإِيَّاه-: "وأعظمُ هذِهِ الإضاعاتِ إضاعتانِ, هُمَا أصْلُ كُلِّ إضاعةٍ: إضاعةُ القلبِ، وإضاعةُ الوقتِ؛ فإضاعةُ القَلْبِ مِنْ إيثارِ الدنيا على الآخِرَةِ، وإضاعةُ الوقتِ مِنْ طولِ الأمَلِ، فاجتمعَ الفسادُ كُلُّهُ في اتِّباعِ الهوى وطولِ الأمَلِ، والصلاحُ كُلُّه في اتِّـباعِ الهُدى والاستعدادِ لِلقاءِ".

لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها *** إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بَانِيْهَا

فَإِن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها *** وَإِن بَناها بَشَرٍّ خابَ بَانِيْهَا

خطب مرتبطة بالموضوع