وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا
إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ
شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 )
( وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا
إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ) فرأوهم عيانا, (
وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى ) بإحيائنا إياهم فشهدوا لك
بالنبوة كما سألوا, ( وَحَشَرْنَا )
وجمعنا, ( عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ) قرأ
أهل المدينة وابن عامر « قبلا » بكسر
القاف وفتح الباء, أي معاينة, وقرأ الآخرون بضم القاف والباء, هو جمع قبيل, وهو
الكفيل, مثل رغيف ورُغف, وقضيب وقُضُب أي: ضُمناء وكُفلاء, وقيل: هو جمع قبيل وهو
القبيلة, أي: فوجا فوجا, وقيل: هو بمعنى المقابلة والمواجهة, من قولهم: أتيتك قبلا
لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه, ( مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) ذلك, (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ )
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
يَفْتَرُونَ ( 112 )
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ
وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113
)
(
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ) أي:
أعداء فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم, يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم, فكذلك
جعلنا لكل نبي قبلك أعداء, ثم فسّرهم فقال: (
شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ ) قال عكرمة والضحاك والسدي
والكلبي: معناه شياطين الإنس التي مع الإنس, وشياطين الجن التي مع الجن, وليس
للإنس شياطين, وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا
منهم إلى الجن, وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه, وهم
الذين يلتقون في كل حين, فيقول [ شيطان ] الإنس
[ لشيطان ] الجن:
أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله, وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك, فذلك
وحي بعضهم إلى بعض.
قال قتادة ومجاهد والحسن: إن من
الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين, والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء, قالوا: إن
الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس
فأغراه بالمؤمن ليفتنه, يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس » ؟ فقلت:
يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: « نعم,
هم شر من شياطين الجن » .
وقال مالك بن دينار: إن شياطين
الإنس أشد عليّ من شياطين الجن, وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن,
وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا.
قوله تعالى: (
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) أي: يلقي, (
زُخْرُفَ الْقَوْلِ ) وهو قول مموّه مزين بالباطل
لا معنى تحته, ( غُرُورًا ) يعني:
لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم, يغرونهم غرورا, والغرور: القول
الباطل, ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) أي: ما
ألقاه الشيطان من الوسوسة [ في القلوب ] (
فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )
(
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) أي:
تميل إليه, والصغو: الميل, يقال: صغو فلان معك, أي: ميله, والفعل منه: صغى يصغي,
صغا, وصغى يصغى, ويصغو صغوا, والهاء في « إليه » راجعة
إلى زخرف القول: ( وَلِيَرْضَوْهُ
وَلِيَقْتَرِفُوا ) ليكتسبوا, ( مَا
هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) يقال: اقترف فلان مالا إذا
اكتسبه, وقال تعالى: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً (
الشورى, 23 ) , وقال الزجاج: أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون.
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي
حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114
) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا
مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115
) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا
يَخْرُصُونَ ( 116 )
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 )
قوله عز وجل: (
أَفَغَيْرَ اللَّهِ ) فيه إضمار أي: قل لهم يا محمد
أفغير الله, ( أَبْتَغِي ) أطلب (
حَكَمًا ) قاضيا بيني وبينكم, وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله
عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به, (
وَهُوَ الَّذِي أَنْـزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا ) مبينا
فيه أمره ونهيه, يعني: القرآن, وقيل: مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا وعشرا, كما قال:
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ( الفرقان, 32 ) , (
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني: علماء
اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل, وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب, وقال
عطاء: هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, والمراد بالكتاب هو القرآن, (
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَـزَّلٌ ) يعني: القرآن, قرأ ابن عامر [
وحفص ] « منـزل »
بالتشديد من التنـزيل لأنه أنـزل نجوما متفرقة, وقرأ الآخرون بالتخفيف من
الإنـزال, لقوله تعالى: « وهو الذي أنـزل إليكم الكتاب
» , ( مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) من
الشاكين أنهم يعلمون ذلك.
قوله عز وجل: (
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) قرأ أهل الكوفة ويعقوب « كلمة » على
التوحيد, وقرأ الآخرون ( كلمات )
بالجمع, وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده, (
صِدْقًا وَعَدْلا ) أي: صدقا في الوعد والوعيد,
وعدلا في الأمر والنهي, قال قتادة ومقاتل: صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم, ( لا
مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) قال ابن عباس: لا رادّ لقضائه
ولا مغيّر لحكمه ولا خلف لوعده, (
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) قيل: أراد بالكلمات القرآن لا
مبدّل له, لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون.
(
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) عن دين
الله, وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة, وقيل: أراد أنهم جادلوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة, وقالوا: أتأكلون ما تقتلون ولا
تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ فقال: (
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ ) أي:
وإن تطعهم في أكل الميتة ( يضلوك عن سبيل الله ) , ( إِنْ
يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ) يريد أن دينهم الذي هم عليه
ظن [ وهوى ] لم يأخذوه عن بصيرة, (
وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) يكذبون.
( إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ) قيل:
موضع « من » نصب بنـزع حرف الصفة, أي: بمن
يضل, وقال الزجاج: موضعه رفع بالابتداء, ولفظها لفظ الاستفهام, والمعنى: إن ربك هو
أعلم أيُّ الناس من يضل عن سبيله, (
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أخبر
أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه.
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ( 118
)
قوله عز وجل: (
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) أي:
كلوا مما ذبح على اسم الله, ( إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ
مُؤْمِنِينَ ) وذلك أنهم كانوا يُحرّمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات,
فقيل لهم: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله.