وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ
إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ
( 82 )
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 83 )
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الْمُجْرِمِينَ ( 84 )
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا
تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ ( 85 )
قوله عز وجل: ( وَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ) قال
بعضهم لبعض: ( أَخْرِجُوهُمْ ) يعني:
لوطا وأهل دينه, ( مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ
أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) يتنـزهون عن أدبار الرجال.
(
فَأَنْجَيْنَاهُ ) يعني: لوطا, (
وَأَهْلَهُ ) المؤمنين, وقيل: أهله: ابنتاه, ( إِلا
امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) يعني:
الباقين في العذاب, وقيل: معناه كانت من الباقين المعمرين, قد أتى عليها دهر طويل
فهلكت مع من هلك من قوم لوط, وإنما قال: « من
الغابرين » لأنه أراد: ممن بقي من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال
قال: « من الغابرين » .
(
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ) يعني:
حجارة من سجيل. قال وهب: الكبريت والنار, (
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) قال
أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطر, وفي الرحمة: مطر.
قوله تعالى: ( وَإِلَى
مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) أي: وأرسلنا إلى ولد مدين -
وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام - وهم أصحاب الأيكة: أخاهم شعيبا في
النسب لا في الدين. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وقال ابن
إسحاق: هو شعيب بن ميكائيل بن يسخر بن مدين بن إبراهيم, وأم ميكائيل بنت لوط.
وقيل: هو شعيب بن يثرون بن مدين وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن
مراجعته قومه, وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.
( قَالَ
يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ
بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) فإن قيل: ما معنى قوله تعالى:
« قد جاءتكم بينة من ربكم » ولم تكن
لهم آية؟.
قيل: قد كانت لهم آية إلا أنها
لم تذكر, وليست كل الآيات مذكورة في القرآن.
وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب.
(
فَأَوْفُوا الْكَيْلَ ) أتموا الكيل, ( وَالْمِيزَانَ
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) لا
تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها, ( وَلا
تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ) أي:
ببعث الرسل والأمر بالعدل, وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم, (
ذَلِكُمْ ) الذي ذكرت لكم وأمرتكم به, ( خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) مصدقين
بما أقول.
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ
صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ
وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ
وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 86 )
( وَلا
تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ ) أي: على كل طريق, (
تُوعِدُونَ ) تهددون, ( وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ ) دين الله, ( مَنْ
آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ) زيغا,
وقيل: تطلبون الاعوجاج في الدين والعدول عن القصد, وذلك أنهم كانوا يجلسون على
الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب, إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون
المؤمنين بالقتل ويخوفونهم, وقال السدي: كانوا عشارين. (
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ ) فكثر
عددهم, ( وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) أي:
آخر أمر قوم لوط.
وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ
مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا
فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ( 87 )
( وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ
مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا ) أي: إن
اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين, (
فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ) بتعذيب
المكذبين وإنجاء المصدقين, ( وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
)