كَيْفَ يَكُونُ
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ
عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ
فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 7 ) .
قوله تعالى: (
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ) هذا
على وجه التعجب, ومعناه جحد, أي: لا يكون لهم عهد عند الله, ولا عند رسوله, وهم
يغدرون وينقضون العهد, ثم استثنى فقال جلَّ وعلا ( إِلا
الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) قال
ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الحديبية.
قال الله تعالى: ( فَمَا
اسْتَقَامُوا لَكُمْ ) أي: على العهد, (
فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) فلم يستقيموا, ونقضوا العهد,
وأعانوا بني بكر على خزاعة, فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح
أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إما أن يُسلموا, وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا ,
فأسلموا قبل الأربعة الأشهر.
قال السدي والكلبي وابن إسحاق:
هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مُدْلج وبنو ضُمْرة وبنو الدَّيل, وهم الذين كانوا
قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية, ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني
بكر, فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة.
وهذا القول أقرب إلى الصواب؛
لأن هذه الآيات نـزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة, فكيف يقول لشيء قد مضى: « فما
استقاموا لكم فاستقيموا لهم » ؟ وإنما هم الذين قال عز وجل:
إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا
كما نقصتكم قريش, ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم. ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُتَّقِينَ ) .
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا
عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ( 8 ) .
قوله تعالى: (
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) هذا
مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله [ كيف
] وإن يظهروا عليكم! ( لا
يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً ) قال
الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم, لا يرقبوا: لا
يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن عباس
والضحاك: قرابة. وقال يمان: رَحِما. وقال قتادة: الإلُّ الحَلِفُ. وقال السدي: هو
العهد. وكذلك الذمة, إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو
الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: « جبر
إلّ » بالتشديد, يعني: « عبد
الله » . وفي الخبر أن ناسًا قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة
الكذاب, فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرءوا , فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن
هذا الكلام لم يخرج من إل, أي: من الله.
والدليل على هذا التأويل قراءة
عكرمة « لا يرقبون في مؤمن إيلا » بالياء,
يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. (
يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ) أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما
في قلوبهم, ( وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ )
الإيمان, ( وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) .
فإن قيل: هذا في المشركين وكلهم
فاسقون فكيف قال: « وأكثرهم فاسقون » ؟
قيل: أراد بالفسق: نقض العهد,
وكان في المشركين مَنْ وفى بعهده, وأكثرهم نقضوا, فلهذا قال: «
وأكثرهم فاسقون » .
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ
ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا
يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 )
فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي
الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 ) .
(
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ) وذلك
أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم
إياها أبو سفيان. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفاءه, (
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ) فمنعوا الناس من الدخول في
دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن أهل الطائف أمدُّوهم بالأموال
ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم, (
إِنَّهُمْ سَاءَ ) بئس ( مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
( لا
يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً ) يقول:
لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يُبْقون عليكم لو ظهروا, (
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) بنقض
العهد.
( فَإِنْ
تَابُوا ) من الشرك, (
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ ) أي:
فهم إخوانكم, ( فِي الدِّينِ ) لهم ما
لكم وعليهم ما عليكم, ( وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ ) ونبين
الآيات ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) قال
ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة
فمن لم يزك فلا صلاة له.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن
إسماعيل, حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع, حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري,
حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده, وكفر من كفر
من العرب, قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى
يقولوا لا إله إلا الله, فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله » ؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن
من فرَّق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق المال, والله لو منعوني عناقا كانوا
يؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله
عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال, فعرفت أنه الحق .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أنبأنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن
إسماعيل, حدثنا عمرو بن عباس, حدثنا ابن المهدي, حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن
سِِيَاهٍ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا: فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة
رسوله » .
وَإِنْ نَكَثُوا
أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ( 12 ) .
قوله تعالى: (
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ) نقضوا عهودهم, ( مِنْ
بَعْدِ عَهْدِهِمْ ) عقدهم, يعني: مشركي قريش, (
وَطَعَنُوا ) قدحوا ( فِي دِينِكُمْ ) عابوه.
فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد, (
فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) قرأ
أهل الكوفة والشام: « أئمة » بهمزتين
حيث كان, وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رءوس المشركين وقادتهم
من أهل مكة.
قال ابن عباس: نـزلت في أبي
سفيان بن حرب, وأبي جهل بن هشام, وسهيل بن عمرو, وعكرمة بن أبي جهل, وسائر رؤساء
قريش يومئذ الذين نقضوا العهد, وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول وقال مجاهد: هم أهل
فارس والروم .
وقال حذيفة بن اليمان: ما
قُوتِل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد (
إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ ) أي: لا عهود لهم, جمع يمين.
قال قطرب: لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر: « لا
إيمان لهم » بكسر الألف, أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل: هو من
الأمان, أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم, (
لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) أي: لكي ينتهوا عن الطعن في
دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر.
أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا
نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) .
ثم حض المسلمين على القتال, فقال جل ذكره: ( أَلا
تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ) نقضوا
عهودهم, وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على قتال خزاعة. (
وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ) من مكة
حين اجتمعوا في دار الندوة, ( وَهُمْ بَدَءُوكُمْ )
بالقتال, ( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) يعني:
يوم بدر, وذلك أنهم قالوا حين سَلِمَ العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه.
وقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدءوا بقتال خزاعة حلفاء
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
( أَتَخْشَوْنَهُمْ ) أتخافونهم
فتتركون قتالهم؟ ( فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَوْهُ ) في ترك قتالهم, ( إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .