وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) .

قوله عز وجل: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ) قال قتادة : يعني مشركي مكة. وقال مقاتل هم خمسة نفر: عبد الله بن أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم. ( قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ) هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك ( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ) ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينـزلها الله فقلْ أنت من عند نفسك، ( أَوْ بَدِّلْهُ ) فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالا أو مكان حلال حراما، ( قُل ) لهم يا محمد، ( مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ) من قِبَلِ نفسي ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ) أي: ما أتبع إلا ما يوحي إليّ فيما آمركم به وأنهاكم عنه، ( إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) .

( قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ) يعني: لو شاء الله ما أنـزل القرآن عليّ. ( وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ ) أي: ولا أعلمكم الله. قرأ البزي عن ابن كثير: « ولأدراكم به » بالقصر به على الإيجاب، يريد: ولا علّمكم به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: « ولا أنذرتُكم به » من الإنذار. ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا ) حينا وهو أربعون سنة، ( مِنْ قَبْلِهِ ) من قبل نـزول القرآن ولم آتكم بشيء. ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أنه ليس من قِبَلي، ولبث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وروى أنس: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ستين سنة. والأول أشهر وأظهر .

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) .

قوله تعالى: ( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) فزعم أن له شريكا أو ولدا ( أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) لا ينجو المشركون.

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ) إن عصوه وتركوا عبادته، ( وَلا يَنْفَعُهُمْ ) إن عبدوه، يعني: الأصنام، ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ) أتخبرون الله، ( بِمَا لا يَعْلَمُ ) الله صحته. ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكا، أو عنده شفيعا بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! ( فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) قرأ حمزة والكسائي: « تشركون » بالتاء، ها هنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة الروم، وقرأ الآخرون كلها بالياء.

قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً ) أي: على الإسلام. وقد ذكرنا الاختلاف فيه في سورة البقرة ( فَاخْتَلَفُوا ) وتفرَّقوا إلى مؤمن وكافر، ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) بأن جعل لكل أمة أجلا. وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بنـزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلا بينهم، ( فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك، مضت في حكمه أنه: لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.

وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) .

( وَيَقُولُون ) يعني: أهل مكة، ( لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ ) أي: على محمد صلى الله عليه وسلم ( آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ) على ما نقترحه، ( فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ) يعني: قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك ولا يعلمه إلا هو. وقيل: الغيب نـزول الآية لا يعلم متى ينـزل أحد غيره، ( فَانْتَظِرُوا ) نـزولها ( إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل.