الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 )

قوله تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه ( يَعْرِفُونَه ) يعني يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ( كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد أنـزل على نبيه ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد إنه رسول الله حق من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت ( وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ثم قال

( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي هذا الحق خبر مبتدأ مضمر وقيل رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق من ربك ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الشاكين.

قوله تعالى: ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ) أي لأهل كل ملة قبلة والوجهة اسم للمتوجه إليه ( هُوَ مُوَلِّيهَا ) أي مستقبلها ومقبل إليها يقال: وليته ووليت إليه: إذا أقبلت إليه ، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. قال مجاهد: هو موليها وجهه، وقال الأخفش، هو كناية عن الله عز وجل يعني الله مولي الأمم إلى قبلتهم وقرأ ابن عامر: مولاها، أي: المستقبل مصروف إليها ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) أي إلى الخيرات، يريد: بادروا بالطاعات، والمراد المبادرة إلى القبول ( أَيْنَمَا تَكُونُوا ) أنتم وأهل الكتاب ( يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

قوله تعالى ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) قرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 )

( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) وإنما كرر لتأكيد النسخ ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) اختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله ( إِلا ) فقال بعضهم: معناه حولت القبلة إلى الكعبة ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) إذا توجهتم إلى غيرها فيقولون ليست لكم قبلة ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قريش واليهود فأما قريش فتقول رجع محمد إلى الكعبة، لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه، فكذلك يرجع إلى ديننا، وأما اليهود فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل برأيه وقال قوم ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) يعني اليهود وكانت حجتهم على طريق المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس أنهم كانوا يقولون ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن.

وقوله ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) مشركو مكة، وحجتهم: أنهم قالوا - لما صرفت قبلتهم إلى الكعبة إن محمدا قد تحير في دينه وسيعود إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا، وهذا معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة، وعلى هذين التأويلين يكون الاستثناء صحيحا، وقوله ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يعني لا حجة لأحد عليكم إلا لمشركي قريش فإنهم يحاجونكم فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل والظلم والاحتجاج بالباطل يسمى حجة كما قال الله تعالى حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ( 16- الشورى ) وموضع ( الَّذِين ) خفض كأنه قال سوى الذين ظلموا قاله الكسائي وقال الفراء نصب بالاستثناء.

قوله تعالى: ( مِنْهُم ) يعني من الناس وقيل هذا استثناء منقطع عن الكلام الأول، معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل، كما قال الله تعالى مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ( 157- النساء ) يعني لكن يتبعون الظن فهو كقول الرجل ما بسلك عندي حق إلا أن تظلم.

قال أبو روق ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ ) يعني اليهود ( عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) وذلك أنهم عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فحوله الله تعالى لئلا يكون لهم حجة فيقولون: إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت، فلما حول إليها ذهبت حجتهم ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يعني إلا أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق. وقال أبو عبيدة قوله ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ليس باستثناء ولكن « إلا » في موضع واو العطف يعني: والذين ظلموا أيضا لا يكون لهم حجة كما قال الشاعر:

وكــــل أخ مفارقـــه أخـــوه لعمـــر أبيـــك إلا الفرقـــدان

معناه والفرقدان أيضا يتفرقان، فمعنى الآية فتوجهوا إلى الكعبة ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ ) يعني اليهود ( عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) فيقولوا لم تركتم الكعبة وهي قبلة إبراهيم وأنتم على دينه ولا الذين ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لم ترك محمد قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة اليهود ( فَلا تَخْشَوْهُمْ ) في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم بالمجادلة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ( وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ) عطف على قوله ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام.

قال: سعيد بن جبير لا يتم نعمة على مسلم إلا أن يدخله الله الجنة ( وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) لكي تهتدوا من الضلالة ولعل وعسى من الله واجب.

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151 )

قوله تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ) هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا قال محمد بن جرير: دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين - إحداهما - قال: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ( 128- البقرة ) والثانية قوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ ( 129- البقرة ) فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية وقال مجاهد وعطاء والكلبي: هي متعلقة بما بعدها وهو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ معناه كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب.

( رَسُولا مِنْكُمْ ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) يعني القرآن ( وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) قيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن ( وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) الأحكام وشرائع الإسلام.

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 )

( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وقال سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في الشدة والبلاء، بيانه فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144- الصافات ) .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمر بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: « أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن القاضي وثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا أبو عبد الملك الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنا منذر بن زياد عن صخر بن جويرية عن الحسن عن أنس قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أناملي هذه العشر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، وإن هرولت إلي سعيت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي أخبرنا إسماعيل بن عبد الله عن أبي الدرداء عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: « أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: « أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى » .

قوله تعالى: ( وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) يعني واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد كفره.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 )

قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالعون والنصرة.