سورة الحجر

 

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ( 1 ) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ( 2 )

( الر ) قيل: معناه: أنا الله أرى ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ) أي: هذه آيات الكتاب, ( وَقُرْآنٍ ) أي: وآيات قرآن ( مُبِينٍ ) أي: بيَّن الحلال من الحرام والحق من الباطل.

فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب ثم قال ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) وكلاهما واحد؟

قلنا: قد قيل كل واحد يفيد فائدة أخرى, فإن الكتاب: ما يكتب, والقرآن: ما يجمع بعضه إلى بعض.

وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل, وبالقرآن هذا الكتاب.

( رُبَمَا ) قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها, وهما لغتان, ورُبَّ للتقليل وكم للتكثير, ورُبَّ تدخل على الاسم, ورُبَما على الفعل, يقال: رُبَّ رجل جاءني, ورُبَمَا جاءني رجل, وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها. ( يَوَدُّ ) يتمنى ( الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ) .

واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام.

قال الضحاك: حالة المعاينة .

وقيل: يوم القيامة.

والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار.

وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا اجتمع أهل النار في النار, ومعهم من شاء الله من أهل القبلة, قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى, قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها, فيغضب الله تعالى لهم [ بفضل رحمته ] فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها, فحينئذ يودُّ الذين كفروا لَوْ كانوا مسلمين . »

فإن قيل: كيف قال « ربما » وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟

قلنا: قد تذكر « ربما » للتكثير, أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا.

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 3 )

( ذَرْهُمْ ) يا محمد, يعني: الذين كفروا ( يَأْكُلُوا ) في الدنيا ( وَيَتَمَتَّعُوا ) من لذاتهم ( وَيُلْهِهِمُ ) يشغلهم ( الأمَلُ ) عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا, وهذا تهديد ووعيد.

وقال بعضُ أهل العلم: « ذرهم » تهديد, وقوله: « فسوف يعلمون » تهديد آخر, فمتى يهنأ العيش بين تهديدين؟

والآية نسختها آية القتال .

وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ( 5 ) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ( 8 ) إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( 9 )

( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ) أي: من أهل قرية ( إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ) أي: أجل مضروب لا يتقدم عليه, ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه, ولا يتأخر عنهم.

( مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ) « من » صلة, ( وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ) أي: الموت لا يتقدم ولا يتأخر, وقيل: العذاب المضروب.

( وَقَالُوا ) يعني: مشركي مكة ( يَا أَيُّهَا الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ) أي: القرآن, وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم ( إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ) وذكروا تنـزيل الذكر على سبيل الاستهزاء.

( لَوْ مَا ) هلا ( تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ ) شاهدين لك بالصدق على ما تقول ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) إنك نبي .

( مَا نُنَـزِّلُ الْمَلائِكَةَ ) قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين « الملائكة » نصب, وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي « الملائكة » رفع، وقرأ الباقون بالتاء وفتحها وفتح الزاي « الملائكة » رفع. ( إِلا بِالْحَقِّ ) أي: بالعذاب ولو نـزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب, ( وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ) أي: مؤخرين, وقد كان الكفار يطلبون إنـزال الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: إنهم لو نـزلوا أعيانًا لزال عن الكفار الإمهال وعُذِّبوا في الحال.

( إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ ) يعني القرآن ( وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) أي: نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه, أو ينقصوا منه, أو يبدلوا, قال الله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ( فصلت- 42 ) والباطل: هو إبليس, لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه.

وقيل الهاء في « له » راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جلّ ذكره: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( المائدة- 67 ) .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ ( 10 ) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 11 ) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 12 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ( 13 ) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) .

قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ) أي: رسلا ( فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ ) أي: في [ الأمم والقرون الماضية ] .

والشيعة: هم القوم المجتمعون المتفقة كلمتهم.

( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) كما فعلوا بك, ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

( كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ ) أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين, كذلك [ نسلكه: ندخله ] ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ) يعني: مشركي مكة قومك. وفيه ردٌّ على القدرية .

( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ( وَقَدْ خَلَتْ ) مضت ( سُنَّةُ الأوَّلِينَ ) أي: وقائع الله تعالى بالإهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية, يخوِّف أهل مكة.

( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ) يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة ( بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ) أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها, وهم يرونها عيانا, هذا قول الأكثرين.

وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون. والأول أصح .

لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ( 15 )

( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ ) سُدَّت ( أَبْصَارُنَا ) قاله ابن عباس .

وقال الحسن: سحرت.

وقال قتادة: أخذت .

وقال الكلبي: عميت .

وقرأ ابن كثير « سُكِرَتْ » بالتخفيف, أي: حُبست ومُنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء. ( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) أي: عمل فينا السحر فَسَحَرَنا محمد - صلى الله عليه وسلم - .