وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ
لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا
إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ
بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ( 21 )
قوله عز وجل: (
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا ) أي: أطلعنا (
عَلَيْهِمْ ) يقال: عثرت على الشيء: إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري أي:
أطلعته ( لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) يعني
قوم بيدروس الذين أنكروا البعث ( وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ
فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) قال
ابن عباس: يتنازعون في البنيان فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس
لأنهم على ديننا وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل نسبنا.
وقال عكرمة: تنازعوا في البعث,
فقال المسلمون: البعث للأجساد والأرواح معا, وقال قوم: للأرواح دون الأجساد فبعثهم
الله تعالى وأراهم أن البعث للأجساد والأرواح.
وقيل: تنازعوا في مدة لبثهم.
وقيل: في عددهم.
( فَقَالُوا ابْنُوا
عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى
أَمْرِهِمْ ) بيدروس الملك وأصحابه (
لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا )
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ
رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا
بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً
ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ( 22 )
(
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ) روي أن
السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم
فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد - وكان يعقوبيا- : كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم وقال
العاقب - وكان نسطوريا- : كانوا خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون: كانوا سبعة
ثامنهم كلبهم فحقق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى فقال: (
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ
كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) أي: ظنا وحدسا من غير يقين
ولم يقل هذا في حق السبعة فقال: (
وَيَقُولُونَ ) يعني: المسلمين (
سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ )
اختلفوا في الواو في قوله: (
وَثَامِنُهُمْ ) قيل: تركها وذكرها سواء.
وقيل: هي واو الحكم والتحقيق
كأنه حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حقق هذا القول بقوله (
وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) والثامن لا يكون إلا بعد
السابع.
وقيل: هذه واو الثمانية وذلك أن
العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد كامن
عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة نظيره قوله تعالى التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ
الْحَامِدُونَ إلى قوله: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ (
التوبة- 112 ) وقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عَسَى رَبُّهُ إِنْ
طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ
مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا
( التحريم- 5 ) .
( قُلْ
رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ) أي: بعددهم ( مَا
يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ ) أي: إلا قليل من الناس. قال
ابن عباس: أنا من القليل كانوا سبعة.
وقال محمد بن إسحاق: كانوا
ثمانية قرأ: ( وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) أي:
حافظهم والصحيح هو الأول.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هم
مكسلمينا ويمليخا ومرطونس وبينونس وسارينونس وذو نوانس وكشفيططنونس وهو الراعي والكلب
قطمير .
( فَلا
تُمَارِ فِيهِمْ ) أي: لا تجادل ولا تقل في
عددهم وشأنهم ( إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا ) إلا
بظاهر ما قصصنا عليك يقول: حسبك ما قصصت عليك فلا تزد عليه وقف عنده ( وَلا
تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ ) من أهل الكتاب (
أَحَدًا ) أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك.
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ( 23 ) إِلا
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ
يَهْدِيَنِي رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ( 24 )
( وَلا
تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ) يعني:
إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله وذلك أن
أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل
إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نـزلت هذه الآية . ( وَلا
تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) يعني:
إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله وذلك أن
أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل
إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نـزلت هذه الآية .
(
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) قال
ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن.
وجوز ابن عباس الاستثناء
المنقطع وإن كان إلى سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان
فإن بعد فلا يصح. ولم [ يجوز باستثناء ] جماعة
حتى يكون متصلا بالكلام وقال عكرمة: معنى الآية: واذكر ربك إذا غضبت .
وقال وهب: مكتوب في الإنجيل:
ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.
وقال الضحاك والسدي: هذا في
الصلاة.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا
الحسن بن أحمد المخلدي حدثنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن
قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من نسي
صلاة فليصلها إذا ذكرها » .
(
وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) أي:
يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد .
وقيل: أمر الله نبيه أن يذكره
إذا نسي شيئا ويسأله أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه .
ويقال: هو أن القوم لما سألوه
عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من
الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث أتاه من علم
الغيب المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف .
وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن
يقوله مع قوله « إن شاء الله » إذا ذكر
الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان « إن شاء
الله » فتوبته من ذلك أن يقول: « عسى أن
يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا » .
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ( 25 )
قوله عز وجل (
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ) يعني: أصحاب الكهف. قال
بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك. ولو كان خبرا من الله عز وجل عن قدر
لبثهم لم يكن لقوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا وجه وهذا قول قتادة.
ويدل عليه قراءة ابن مسعود: « وقالوا لبثوا في كهفهم » ثم رد
الله تعالى عليهم فقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا .
وقال الآخرون: هذا إخبار من
الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو الأصح.
[
وأما قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا فمعناه: أن الأمر من مدة لبثهم ] كما
ذكرنا فإن نازعوك فيها فأجبهم وقل: الله أعلم بما لبثوا أي: هو أعلم منكم وقد
أخبرنا بمدة لبثهم.
وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن
هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم
وقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا يعني: بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا
لا يعلمه إلا الله
قوله تعالى: (
ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ ) قرأ حمزة والكسائي «
ثلثمائة » بلا تنوين وقرأ الآخرون بالتنوين.
فإن قيل: لم قال ثلثمائة سنين [ ولم
يقل سنة؟ ] .
قيل: نـزل قوله: « ولبثوا
في كهفهم ثلثمائة » فقالوا: أياما أو شهورا أو
سنين؟ فنـزلت « سنين » .
قال الفراء: ومن العرب من يضع
سنين في موضع سنة.
وقيل: معناه ولبثوا في كهفهم
سنين ثلثمائة.
(
وَازْدَادُوا تِسْعًا ) قال الكلبي قالت نصارى نجران
أما ثلثمائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها فنـزلت.
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ
مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ( 26 )
( قُلِ
اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ) روي عن
علي أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلثمائة
قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلثمائة
تسع سنين فلذلك قال: وَازْدَادُوا تِسْعًا .
( لَهُ
غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) فالغيب ما يغيب عن إدراك
والله عز وجل لا يغيب عن إدراكه شيء.
(
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ) أي: ما أبصر الله بكل موجود
وأسمعه لكل مسموع! أي: لا يغيب عن سمعه وبصره شيء.
( مَا
لَهُمْ ) أي: ما لأهل السموات والأرض ( مِنْ
دُونِهِ ) أي من دون الله ( مِنْ
وَلِيٍّ ) ناصر ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ
أَحَدًا ) قرأ ابن عامر ويعقوب: « ولا
تشرك » بالتاء على المخاطبة والنهي وقرأ الآخرون بالياء أي: لا يشرك
الله في حكمه أحدا. وقيل: « الحكم » هنا علم
الغيب أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا.
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ
مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ
مُلْتَحَدًا ( 27 )
قوله عز وجل: (
وَاتْلُ ) واقرأ يا محمد ( مَا
أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ) يعني
القرآن واتبع ما فيه ( لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) قال
الكلبي: لا مغير للقرآن. وقيل: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه. (
وَلَنْ تَجِدَ ) أنت ( مِنْ
دُونِهِ ) إن لم تتبع القرآن (
مُلْتَحَدًا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرزا. وقال الحسن: مدخلا.
وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: معدلا. وقيل: مهربا. وأصله من الميل.