لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ( 102 ) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 )

( لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ) يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نـزلوا منازلهم في الجنة, والحس والحسيس: الصوت الخفي: ( وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ) مقيمون كما قال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ( الزخرف: 71 ) . ( لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ ) قال ابن عباس: الفزع الأكبر: النفخة الأخيرة بدليل قوله عز وجل: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ( النمل: 87 ) , قال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت, ويا أهل النار خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه . ( وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ) أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم, ويقولون: ( هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )

يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ( 104 ) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 )

( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ ) قرأ أبو جعفر: « تطوى » بالتاء وضمها وفتح الواو, و « السماء » رفع على المجهول, وقرأ العامة بالنون وفتحها وكسر الواو, و « السماء » نصب, ( كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع, وقرأ الآخرون للكتاب على الواحد, واختلفوا في السجل, فقال السدي: السجل ملك يكتب أعمال العباد, واللام زائدة, أي كطي السجل للكتب كقوله: رَدِفَ لَكُمْ ( النمل: 72 ) , اللام فيه زائدة, وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون: السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه كطي الصحيفة على مكتوبها, والسجل اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة, والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر, ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة, نظيره قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ( الأنعام: 94 ) , وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنكم محشورون حفاة عراة غرلا » , ثم قرأ: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ) ( وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) يعني الإعادة والبعث. قوله عز وجل: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ) قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب المنـزلة, والذكر أم الكتاب الذي عنده, والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ .

وقال ابن عباس والضحاك: الزبور التوراة والذكر الكتب المنـزلة من بعد التوراة .

وقال الشعبي: الزبور كتاب داود, [ والذكر التوراة. وقيل: الزبور زبور داود ] والذكر القرآن, وبعد بمعنى قبل, كقوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ( الكهف: 97 ) : أي أمامهم وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ( النازعات: 30 ) قبله, ( أَنَّ الأرْضَ ) يعني أرض الجنة, ( يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) قال مجاهد: يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ ( الزمر: 74 ) , وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. وقيل: أراد بالأرض الأرض المقدسة.

إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ( 106 ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ( 107 ) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ( 109 )

( إِنَّ فِي هَذَا ) أي في هذا القرآن, ( لَبَلاغًا ) وصولا إلى البغية, أي من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب. وقيل: بلاغا أي كفاية. يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية, والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر, ( لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ) أي المؤمنين الذين يعبدون الله, وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) قال ابن زيد: يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. [ وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له ] في الدنيا والآخرة, ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنما أنا رحمة مهداة » . ( قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أي أسلموا. ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ ) أي أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا, ( عَلَى سَوَاءٍ ) أي إنذار بين يستوي في علمه لا استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم, أي آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به, وقيل: لتستووا في الإيمان, ( وَإِنْ أَدْرِي ) أي وما أعلم. ( أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ ) يعني القيامة.

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ( 110 ) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 111 ) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ( 112 )

( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) . ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ ) أي لعل تأخير العذاب عنكم كناية عن غير مذكور, ( فِتْنَةٌ ) اختبار, ( لَكُم ) ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم, ( وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) أي تتمتعون إلى انقضاء آجالكم. ( قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ) قرأ حفص عن عاصم: ( قَالَ رَبِّ احْكُمْ ) والآخرون: « قل رب احكم » افصل بيني وبين من كذبني بالحق, فإن قيل كيف قال احكم بالحق والله لا يحكم إلا بالحق؟ قيل: الحق هاهنا بمعنى العذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر, نظيره قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ ( الأعراف: 89 ) , وقال أهل المعاني: معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه, والله تعالى يحكم بالحق طلب أو لم يطلب, ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق, ( وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) من الكذب والباطل.