وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 )

( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. [ قال مجاهد وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، ( وَاسْتَوَى ) أي: بلغ أربعين سنة ] ، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى شبابه ( آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ) أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 )

قوله تعالى: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ ) يعني: دخل موسى المدينة. قال السدي: هي مدينة « منف » من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية « حابين » على رأس فرسخين من مصر. وقيل: مدينة « عين الشمس » ، ( عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة. وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء. واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال السدي: وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض « منف » فدخلها نصف النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عز وجل: ( وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، قالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به .

وروي عن علي في قوله: « حين غفلة » كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. ( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ ) يختصمان ويتنازعان، ( هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ ) بني إسرائيل، ( وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ ) من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي من عدوه من القبط، قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: « هذا من شيعته وهذا من عدوه » أي: هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد موسى رجلان يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منـزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى، فقال للفرعوني: خل سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال الفرعوني لقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، ( فَوَكَزَهُ مُوسَى ) وقرأ ابن مسعود: « فلكزه موسى » ، ومعناهما واحد، وهو الضرب بجمع الكف. وقيل: « الوكز » الضرب في الصدر و « اللكز » في الظهر. وقال الفراء: معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثا وثمانين وضربه في صدره، ( فَقَضَى عَلَيْهِ ) أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى عليه السلام، ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، ( قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) أي: بين الضلالة.

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 )

( قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بقتل القبطي من غير أمر، ( فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )

( قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) بالمغفرة، ( فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا ) عونا، ( لِلْمُجْرِمِينَ ) قال ابن عباس: للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل، قال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني.

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 ) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 ) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 )

( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ ) أي: في المدينة التي قتل فيها القبطي، ( خَائِفًا ) من قتله القبطي، ( يَتَرَقَّبُ ) ينتظر سوءا، والترقب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، ( فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ) يستغيثه ويصيح به من بُعْدٍ. قال ابن عباس: أُتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، ( قَالَ لَهُ مُوسَى ) للإسرائيلي: ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) ظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، والأول أصوب، وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإسرائيلي.

( فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا ) وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله: إنك لغوي مبين، ( قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ ) ما تريد، ( إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ ) بالقتل ظلما، ( وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى هوالذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم.

( وَجَاءَ رَجُلٌ ) من شيعة موسى، ( مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ) أي: من آخرها، قال أكثر أهل التأويل: اسمه « حزبيل » مؤمن من آل فرعون، وقيل: اسمه « شمعون » ، وقيل: « شمعان » ، ( يَسْعَى ) أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذروه حتى أخذ طريقا آخر، ( قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ ) يعني: أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك، ( لِيَقْتُلُوك ) قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، ( فَاخْرُجْ ) من المدينة، ( إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) في الأمر لك بالخروج.

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 21 )

( فَخَرَجَ مِنْهَا ) موسى، ( خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ) أي: ينتظر الطلب، ( قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه فقال اركبوا ثنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق.