وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 )
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا
أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ
كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 )
( وَقَالُوا ) يعني
الكفار الذين يحشرون إلى النار, (
لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي
أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) تم الكلام هاهنا. وقال الله
تعالى: ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وليس
هذا من جواب الجلود, ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .
( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) أي: تستخفون [ عند
أكثر أهل العلم ] . وقال مجاهد: تتقون. وقال
قتادة: تظنون. ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ
اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا
أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا
الحميدي, أخبرنا سفيان, أخبرنا منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن عبد الله بن
مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي, أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم, قليل
فقه قلوبهم, فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا
ولا يسمع إن أخفينا, وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا,
فأنـزل الله تعالى: « وما كنتم تستترون أن يشهد
عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون
» . قيل: الثقفي, عبد ياليل, وختناه القرشيان: ربيعة, وصفوان
بن أمية.
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي
ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ
الْمُعْتَبِينَ ( 24 )
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 25 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 )
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 )
قوله تعالى: (
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ )
أهلككم, أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون, أرداكم. قال ابن عباس: طرحكم
في النار, ( فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . ثم
أخبر عن حالهم فقال:
(
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) مسكن
لهم, ( وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا )
يسترضوا ويطلبوا العتبى, ( فَمَا هُمْ مِنَ
الْمُعْتَبِينَ ) المرضين, والمعتب الذي قبل
عتابه وأجيب إلى ما سأل, يقال: أعتبني فلان, أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي,
واستعتبته: طلبت منه أن يعتب, أي: يرضى.
(
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ ) أي: بعثنا ووكلنا, وقال
مقاتل: هيأنا. وقال الزجاج: سببنا لهم. ( قرناء
) نظراء من الشياطين حتى أضلوهم, (
فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر
الدنيا حتى آثروه على الآخرة, ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) من أمر
الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث, (
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ ) [ مع
أمم ] . ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) .
(
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من مشركي قريش, ( لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) قال ابن
عباس: يعني الغطوا فيه, وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدًا يقرأ فعارضوه
بالرجز والشعر واللغو. قال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير. وقال الضحاك:
أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول . وقال السدي: صيحوا في وجهه. (
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) محمدًا على قراءته.
(
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي ) يعني بأسوأ الذي, أي: بأقبح
الذي, ( كَانُوا يَعْمَلُونَ ) في
الدنيا وهو الشرك بالله.
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ
اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 28 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ( 29 )
( ذَلِكَ ) الذي
ذكرت من العذاب الشديد, ( جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ ) ثم بين
ذلك الجزاء فقال: ( النَّارُ ) أي: هو
النار, ( لَهُمْ فِيهَا ) أي: في
النار, ( دَارُ الْخُلْدِ ) دار
الإقامة لا انتقال منها, ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) .
( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: في
النار يقولون. ( رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ
أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) يعنون
إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية, (
نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ) في
النار, ( لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ ) ليكونا
في الدرك الأسفل من النار. قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابًا منا.