إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 )

قوله عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئًا. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « الاستقامة » أن تستقيم على الأمر والنهي, ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض . وقال ابن عباس: استقاموا على أداء الفرائض .

وقال الحسن: استقاموا على أمر الله تعالى, فعملوا بطاعته, واجتنبوا معصيته.

وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله.

وقال مقاتل: استقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.

قوله عز وجل: ( تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) قال ابن عباس: عند الموت. وقال قتادة ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم. قال وكيع بن الجراح: البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. ( أَلا تَخَافُوا ) من الموت. وقال مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة. ( وَلا تَحْزَنُوا ) على ما خلفتم من أهل وولد, فإنا نخلفكم في ذلك كله. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم ، ( وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) .

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 ) نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 ) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )

( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ) تقول لهم الملائكة الذين تنـزل عليهم بالبشارة: نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم, ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) [ أي: في الدنيا والآخرة. وقال السدي: تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا, ونحن أولياؤكم في الآخرة ] يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) من الكرامات واللذات, ( وَلَكُمْ فِيهَا ) في الجنة, ( مَا تَدَّعُونَ ) تتمنون.

( نـزلا ) رزقًا, ( مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) .

قوله عز وجل: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) إلى طاعته, ( وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) قال ابن سيرين [ والسدي وابن عباس ] : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب إليه, وعمل صالحًا في إجابته, وقال: إنني من المسلمين.

وقالت عائشة: أرى هذه الآية نـزلت في المؤذنين.

وقال عكرمة: هو المؤذن أبو إمامة الباهلي, « وعمل صالحًا » : صلى ركعتين بين الأذان والإقامة.

وقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ, حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي, حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة, حدثنا عبد الله بن زيد المقري, حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بين كل أذانين صلاة » , ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: « لمن شاء » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال سفيان: لا أعلمه إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة » .

وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )

قوله عز وجل: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) قال الفراء: « لا » هاهنا صلة, معناه: ولا تستوي الحسنة والسيئة, يعني الصبر والغضب, والحلم والجهل, والعفو والإساءة. ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب, وبالحلم عند الجهل, وبالعفو عند الإساءة. ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ) يعني: إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك, وصار الذي بينك وبينه عداوة, ( كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) كالصديق والقريب. قال مقاتل بن حيان: نـزلت في أبي سفيان بن حرب, وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم, ثم أسلم فصار وليًا بالإسلام, حميمًا بالقرابة.

وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 ) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 )

( وَمَا يُلَقَّاهَا ) ما يلقى هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة, ( إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا ) على كظم الغيظ واحتمال المكروه, ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) في الخير والثواب, وقال قتادة: « الحظ العظيم » : الجنة, أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.

( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لاستعاذتك وأقوالك, ( الْعَلِيمُ ) بأفعالك وأحوالك.

قوله عز وجل: ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ) إنما قال: « خلقهن » بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير, ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث, ( إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) .

( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ) عن السجود, ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) يعني الملائكة ( يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) لا يملون ولا يفترون.