وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ
تُخْرَجُونَ ( 11 )
وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ
وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا
عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ
عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ ( 13 )
وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 )
( وَالَّذِي نـزلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً بِقَدَرٍ ) أي بقدر حاجتكم إليه لا كما
أنـزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم. (
فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ ) أي كما
أحيينا هذه البلدة [ الميتة ] بالمطر
كذلك, ( تُخْرَجُونَ ) من
قبوركم أحياء.
(
وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ ) أي الأصناف (
كُلَّهَا ) ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ
الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ) في
البر والبحر.
(
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ) ذكر الكناية لأنه ردها إلى « ما » . ( ثُمَّ
تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ ) بتسخير
المراكب في البر والبحر, ( وَتَقُولُوا سُبْحَانَ
الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ) ذلل لنا هذا, ( وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) مطيقين, وقيل: ضابطين.
( وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا
لَمُنْقَلِبُونَ ) لمنصرفون في المعاد.
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي, أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن
محمد الصفار, أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن
أبي إسحاق, أخبرني علي بن ربيعة أنه شهد عليًا رضي الله عنه حين ركب فلما وضع رجله
في الركاب قال: بسم الله, فلما استوى قال: الحمد لله, ثم قال: سبحان الذي سخر لنا
هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون, ثم حمد ثلاثًا وكبر ثلاثًا, ثم
قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, ثم ضحك,
فقال: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما
فعلت, وقال مثل ما قلت, ثم ضحك, فقلنا: ما يضحكك يا نبي الله؟ قال: « العبد
» , أو قال: « عجبت للعبد إذا قال لا إله
إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت, يعلم أنه لا يغفر الذنوب
إلا هو » .
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ
جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ
اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 )
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ
مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 )
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 )
قوله عز وجل: (
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ) أي
نصيبًا وبعضًا وهو قولهم: الملائكة بنات الله, ومعنى الجعل- هاهنا- الحكم بالشيء
والقول, كما تقول: جعلت زيدًا أفضل الناس, أي وصفته وحكمت به, ( إِنَّ
الإنْسَانَ ) يعني الكافر, (
لَكَفُورٌ ) جحود لنعم الله, (
مُبِينٌ ) ظاهر الكفران.
( أَمِ
اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ) هذا
استفهام توبيخ وإنكار, يقول: اتخذ ربكم لنفسه البنات, (
وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ) ؟ كقوله: أَفَأَصْفَاكُمْ
رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ( الإسراء- 40 ) .
(
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ) بما
جعل لله شبهًا, وذلك أن ولد كل شيء يشبهه, يعني إذا بشر أحدهم بالبنات كما ذكر في
سورة النحل: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا
وَهُوَ كَظِيمٌ , ( النحل- 58 ) من
الحزن والغيظ.
(
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ ) قرأ حمزة والكسائي وحفص: « ينشأ » بضم
الياء وفتح النون وتشديد الشين, أي يربى, وقرأ الآخرون بفتح الياء وسكون النون
وتخفيف الشين, أي ينبت ويكبر, ( فِي الْحِلْيَةِ ) في
الزينة يعني النساء, ( وَهُوَ فِي الْخِصَامِ
غَيْرُ مُبِينٍ ) في المخاصمة غير مبين للحجة
من ضعفهن وسفههن, قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها
إلا تكلمت بالحجة عليها.
وفي محل « من » ثلاثة
أوجه: الرفع على الابتداء, والنصب على الإضمار, مجازه: أو من ينشؤ في الحلية
يجعلونه بنات الله, والخفض ردا على قوله: « مما
يخلق » , وقوله: « بما ضرب » .
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ
الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ
شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ( 19 )
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ
عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 )
(
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ) قرأ
أهل الكوفة, وأبو عمرو: « عباد الرحمن » بالباء
والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (
الأنبياء- 26 ) , وقرأ الآخرون: « عند
الرحمن » بالنون ونصب الدال على الظرف, وتصديقه قوله عز وجل: إِنَّ
الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ( الأعراف- 206 ) الآية,
( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) قرأ
أهل المدينة على ما لم يسم فاعله, ولين الهمزة الثانية بعد همزة الاستفهام, أي:
أحضروا خلقهم, وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا خلقهم حين خلقوا, وهذا كقوله:
أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (
الصافات- 150 ) , ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ) على
الملائكة أنهم بنات الله, ( وَيُسْأَلُونَ ) عنها.
قال الكلبي ومقاتل: لما قالوا
هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « ما
يدريكم أنهم إناث؟ » قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن
نشهد أنهم لم يكذبوا, فقال الله تعالى: « سَتُكْتَبُ
شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ » , عنها في الآخرة.
(
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) يعني
الملائكة, قاله قتادة ومقاتل والكلبي, قال مجاهد: يعني الأوثان, وإنما لم يعجل
عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتها. قال الله تعالى: ( مَا
لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) فيما يقولون ( إِنْ
هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) ما هم إلا كاذبون في قولهم:
إن الله تعالى رضي منا بعبادتها, وقيل: إن هم إلا يخرصون, في قولهم: إن الملائكة
إناث وإنهم بنات الله.
( أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ ) أي من
قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله, (
فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ) .
بَلْ قَالُوا إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 )
( بَلْ قَالُوا إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ ) على
دين وملة, قال مجاهد: على إمام ( وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
مُهْتَدُونَ ) جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين.