وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا
عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ( 34 )
وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 )
( وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا ) من
فضة, ( وَسُرُرًا ) أي:
وجعلنا لهم سررًا من فضة, ( عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ) .
( وَزُخْرُفًا ) أي
وجعلنا مع ذلك لهم زخرفًا وهو الذهب, نظيره: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ
زُخْرُفٍ ( الإسراء- 93 ) , (
وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قرأ
حمزة وعاصم: « لما » بالتشديد على معنى: وما كل ذلك
إلا متاع الحياة الدنيا فكان: « لما » بمعنى
إلا وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا, فيكون: « إن »
للابتداء, و « ما » صلة, يريد: إن هذا كله متاع
الحياة الدنيا يزول ويذهب, ( وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ
لِلْمُتَّقِينَ ) خاصة يعني الجنة.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد القاضي, أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني, أخبرنا
أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام,
أخبرنا أحمد بن سيار القرشي, حدثنا عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم, حدثنا أبو بكر بن
منظور, عن أبي حازم, عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو
كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها قطرة ماء » .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد
الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب
الكسائي, أخبرنا عبد الله, أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله الخلال, أخبرنا عبد
الله بن المبارك, عن [ مجالد ] بن
سعيد, عن قيس بن أبي حازم, عن المستورد ابن شداد أخي بني فهر قال: كنت في الركب
الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة, فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « أترون هذه هانت على أهلها حين
ألقوها » ؟ قالوا: من هوانها ألقوها, قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها » .
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ
الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 )
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
مُهْتَدُونَ ( 37 )
قوله عز وجل: (
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) أي
يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه, ولم يرج ثوابه, يقال: عشوت إلى النار أعشو
عشوًا, إذا قصدتها مهتديًا بها, وعشوت عنها: أعرضت عنها, كما يقول: عدلت إلى فلان,
وعدلت عنه, وملت إليه, وملت عنه. قال القرظي : يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو
القرآن. قال أبو عبيدة والأخفش: يظلم بصرف بصره عنه. قال الخليل بن أحمد: أصل
العشو النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس: « ومن
يعش » بفتح الشين أي يعم, يقال عشى يعشى عشًا إذا عمي فهو أعشى,
وامرأة عشواء. ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ) قرأ
يعقوب: « يقيض » بالياء, والباقون بالنون, نسبب
له شيطانًا ونضمه إليه ونسلطه عليه. (
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) لا يفارقه, يزين له العمى
ويخيل إليه أنه على الهدى.
(
وَإِنَّهُمْ ) يعني الشياطين, (
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) أي
ليمنعونهم عن الهدى وجمع الكناية لأن قوله: « ومن
يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا » في
مذهبٍ جمعٌ وإن كان اللفظ على الواحد, (
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) ويحسب
كفار بني آدم أنهم على الهدى.
حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ
يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 38 )
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ
مُشْتَرِكُونَ ( 39 )
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ ( 40 )
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 )
(
حَتَّى إِذَا جَاءَنَا ) قرأ أهل العراق غير أبي بكر: « جاءنا
» على الواحد يعنون الكافر, وقرأ الآخرون: جاءانا, على التثنية
يعنون الكافر وقرينه, جعلا في سلسلة واحدة. ( قَالَ
) الكافر لقرينه الشيطان: ( يَا
لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ ) أي بعد
ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر: القمران,
ولأبي بكر وعمر: العمران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء, والأول
أصح, ( فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) قال
أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى
النار.
(
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ) في الآخرة, ( إِذْ
ظَلَمْتُمْ ) أشركتم في الدنيا, (
أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) يعني
لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم شيئًا من العذاب, لأن لكل
واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار
والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الدنيا
[ في الكفر ] .
(
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ ) يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا يؤمنون.
(
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ) بأن نميتك قبل أن نعذبهم, (
فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) بالقتل
بعدك.
أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي
وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 )
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 )
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ( 44 )
وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 )
( أَوْ
نُرِيَنَّكَ ) في حياتك, (
الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ ) من العذاب, (
فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ )
قادرون, متى شئنا عذبناهم, وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر, هذا قول أكثر
المفسرين, وقال الحسن وقتادة: عنى به أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم,
وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته, فأكرم الله نبيه وذهب
به ولم يره في أمته إلا الذي يقر عينه, وأبقى النقمة بعده. وروي أن النبي صلى الله
عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكًا منبسطًا حتى قبضه الله.
(
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .
(
وَإِنَّهُ ) يعني القرآن, (
لَذِكْرٌ لَكَ ) لشرف لك, (
وَلِقَوْمِكَ ) من قريش, نظيره: لَقَدْ أَنْـزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا
فِيهِ ذِكْرُكُمْ ( الأنبياء- 10 ) , أي
شرفكم, ( وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) عن حقه
وأداء شكره, روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن
هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نـزلت هذه الآية, فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا؟
قال: لقريش.
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا عبد الرحمن بن شريح, أخبرنا أبو القاسم البغوي, حدثنا علي بن الجعد, أخبرنا
عاصم بن محمد بن زيد, عن أبيه, عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن
معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن هذا
الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين » .
وقال مجاهد: القوم هم العرب,
فالقرآن لهم شرف إذ نـزل بلغتهم, ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب, حتى
يكون [ الأكثر لقريش ولبني هاشم.
وقيل: « ذكر لك
» : شرف لك بما أعطاك من الحكمة, « ولقومك
» المؤمنين بما هداهم ] الله
به, « وسوف تسئلون » عن
القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه.
قوله عز وجل: (
وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ )
اختلفوا في هؤلاء المسئولين:
قال عطاء عن ابن عباس: لما أسري
بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له آدم وولده من المرسلين, فَأَذَّنَ جبريل ثم
أقام, وقال: يا محمد تقدم فصل بهم, فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد ( من
أرسلنا من قبلك من رسلنا ) , الآية, فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « لا أسأل فقد اكتفيت » , وهذا
قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد, قالوا: جمع الله له المرسلين ليلة أسري به
وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل.
وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني
أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهو قول ابن
عباس في سائر الروايات, ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل
عليه قراءة عبد الله وأبيّ: « واسئل الذين أرسلنا إليهم
قبلك رسلنا » , ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول
ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى
بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 46 )
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ( 47 )
قوله عز وجل: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ
إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ
مِنْهَا يَضْحَكُونَ ) استهزاء.