إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ
جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( 74 ) لا
يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 )
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 )
وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ( 77 )
( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ )
المشركين, ( فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ
الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَامَالِكُ ) .
يدعون خازن النار, ( لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) ليمتنا
ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة, ( قَالَ
إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) مقيمون في العذاب.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي
توبة, أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد
الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك, عن
سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة يذكره عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال
[ النبي صلى الله عليه وسلم ] : إن
أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عاما, ثم يرد عليهم إنكم ماكثون, قال:
هانت - والله- دعوتهم على مالك وعلى رب مالك, ثم يدعون ربهم فيقولون: رَبَّنَا
غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ , قال: فيسكت عنهم قدر
الدنيا مرتين, ثم يرد عليهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ , قال: فوالله ما
نبس القوم بعدها بكلمة, وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم, فشبه أصواتهم
بأصوات الحمير, أولها زفير وآخرها شهيق.
لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ( 78 ) أَمْ
أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ( 79 ) أَمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا
لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) قُلْ
إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ( 81 )
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 )
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
( 83 ) .
( لَقَدْ جِئْنَاكُمْ
بِالْحَقِّ ) يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق, (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) .
( أَمْ
أَبْرَمُوا ) أم أحكموا (
أَمْرًا ) في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم, (
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) محكمون أمرًا في مجازاتهم,
قال مجاهد: إن كادوا شرا كدتهم مثله.
( أَمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) ما
يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم, ( بَلَى
) نسمع ذلك ونعلم, (
ورسلنا ) أيضًا من الملائكة يعني الحفظة, (
لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) .
( قُلْ
إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) يعني
إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم, فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له
ولا ولد. وروي عن ابن عباس: ( إِنْ كَانَ ) أي ما
كان للرحمن ولد, فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك, جعل: « إن » بمعنى
الجحد.
وقال السدي: معناه لو كان
للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك, ولكن لا ولد له.
وقيل: «
العابدين » بمعنى الآنفين, أي: أنا أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم.
ويقال: معناه: أنا أول من غضب
للرحمن أن يقال له ولد, يقال: عبد يعبد إذا أنف وغضب.
وقال قوم: قل ما يقال: عبد فهو
عابد, إنما يقال: فهو عبد.
ثم نـزه نفسه فقال: (
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) عما
يقولون من الكذب.
(
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ) في باطلهم, (
وَيَلْعَبُوا ) في دنياهم, (
حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) يعني يوم
القيامة.
وَهُوَ الَّذِي فِي
السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 )
وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) وَلا
يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ
بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 86 )
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
( 87 )
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ
عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
( وَهُوَ الَّذِي فِي
السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ) [ قال
قتادة: يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو ] ، (
وَهُوَ الْحَكِيمُ ) في تدبير خلقه, (
الْعَلِيمُ ) بمصالحهم.
( وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) قرأ ابن كثير والكسائي « يرجعون
» بالياء, والآخرون بالتاء.
( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ) وهم
عيسى وعزير والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله, ولهم الشفاعة, وعلى هذا يكون « من » في محل
الرفع, وقيل: « من » في محل الخفض, وأراد بالذين
يدعون عيسى وعزير والملائكة, يعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق,
والأول أصح, وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد, (
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) بقلوبهم ما شهدوا به
بألسنتهم.
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) يصرفون
عن عبادته.
( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ ) يعني
قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيًا إلى ربه: يا رب, ( إِنَّ
هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) قرأ عاصم وحمزة « وقيله
» بجر اللام والهاء, على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا
رب, وقرأ الآخرون بالنصب, وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم
ونجواهم وقيله يا رب, والثاني: وقال قيله.
( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ ) أعرض
عنهم, ( وَقُلْ سَلامٌ ) معناه:
المتاركة, كقوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (
القصص- 55 ) , ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) قرأ
أهل المدينة والشام بالتاء, والباقون بالياء, قال مقاتل: نسختها آية السيف.