إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( 10 )

( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ ) يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا, ( إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا حاتم بن إسماعيل, عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد, أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, عن مسلم بن الحجاج, حدثنا يحيى بن يحيى, حدثنا يزيد بن زريع, عن خالد, عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج, عن معقل بن يسار, قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس, وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه, ونحن أربع عشرة مائة, قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر .

قال أبو عيسى: معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت, أي لا نـزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل, وبايعه آخرون, وقالوا: لا نفر .

( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم.

وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه, ويد الله فوق أيديهم في المبايعة.

قال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة .

( فَمَنْ نَكَثَ ) نقض البيعة, ( فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) عليه وباله, ( وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ) ثبت على البيعة, ( فَسَيُؤْتِيهِ ) قرأ أهل العراق « فسيؤتيه » بالياء, وقرأ الآخرون بالنون, ( أَجْرًا عَظِيمًا ) وهو الجنة.

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( 11 )

( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ ) قال ابن عباس, ومجاهد: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة, وأشجع وأسلم, وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب, أو يصدوه عن البيت, فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربًا, فتثاقل عنه كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل, فأنـزل الله تعالى فيهم : « سيقول لك المخلفون من الأعراب » يعني الذين خلفهم الله عز وجل عن صحبتك, إذا انصرفت إليهم فعاتبهم على التخلف.

( شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ) يعني النساء والذراري, أي لم يكن لنا من يخلفنا فيهم ( فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ) تخلفنا عنك, فكذبهم الله عز وجل في اعتذارهم, فقال:

( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) من أمر الاستغفار, فإنهم لا يبالون استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا.

( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا ) [ سوءًا ] ، ( أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ) قرأ حمزة والكسائي: « ضرا » بضم الضاد, وقرأ الآخرون بفتحها لأنه قابله بالنفع والنفع ضد الضر, وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر, ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم, فأخبرهم أنه: إن أراد بهم شيئًا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه. ( بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) .

بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ( 12 ) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ( 13 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 14 )

( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ) أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون, ( وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ) زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم, ( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ) وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا وأصحابه أكلة رأس, فلا يرجعون, فأين تذهبون معه, انتظروا ما يكون من أمرهم. ( وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ) هلكى لا تصلحون لخير.

( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) .

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا ( 15 )

( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ ) يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية, ( إِذَا انْطَلَقْتُمْ ) سرتم وذهبتم [ أيها المؤمنون ] ، ( إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ) يعني غنائم خيبر, ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها, وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضًا عن غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئًا.

قال الله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) قرأ حمزة والكسائي: « كلم الله » بغير ألف جمع كلمة, وقرأ الآخرون: « كلام الله » , يريدون أن يغيروا مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة.

وقال مقاتل: يعني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يسير منهم أحد.

وقال ابن زيد: هو قول الله عز وجل: فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا ( التوبة- 83 ) , والأول أصوب, وعليه عامة أهل التأويل.

( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا ) إلى خيبر, ( كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب, ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ) أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم, ( بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ ) لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين, ( إِلا قَلِيلا ) منهم وهو من صدق الله والرسول.