وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )

( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) قال مقاتل: لكان خيرًا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعًا وتطلقهم بلا فداء, ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

وقال قتادة: نـزلت في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب .

ويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد, فإن مَدْحَنا زين, وَذَمَّنا شين, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين, فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت, ولكن هاتوا » , فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس, وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: « قم فأجبه » , فأجابه, وقام شاعرهم فذكر أبياتًا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: « أجبه » فأجابه. فقام الأقرع بن حابس, فقال: إن محمدًا لَمُؤْتًى له والله ما أدري هذا الأمر, تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما يضرك ما كان قبل هذا » ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم, وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه, فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم, وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فنـزل فيهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الآيات الأربع إلى قوله: « غفور رحيم » .

وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيًا فنحن أسعد الناس به, وإن يكن ملكًا نعش في جنابه, فجاؤوا فجعلوا ينادونه, يا محمد يا محمد, فأنـزل الله: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم « . »

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( 6 )

قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) الآية, نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط, بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقًا, وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية, فلما سمع به القوم تلقوه تعظيمًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي, فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهَمَّ أن يغزوهم, فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عز وجل, فبدا له الرجوع, فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا, وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله, فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه, وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم, وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار, ففعل ذلك خالد, ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء, فأخذ منهم صدقاتهم, ولم ير منهم إلا الطاعة والخير, فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر, فأنـزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ) يعني الوليد بن عقبة ( بِنَبَإٍ ) بخبر, ( فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا ) كي لا تصيبوا بالقتل والقتال, ( قَوْمًا ) برآء, ( بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) من إصابتكم بالخطأ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 )

( وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ) فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه, فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا, ( لَوْ يُطِيعُكُمْ ) أي الرسول, ( فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ ) مما تخبرونه به فيحكم برأيكم, ( لَعَنِتُّمْ ) لأثمتم وهلكتم, والعنت: الإثم والهلاك. ( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ ) فجعله أحب الأديان إليكم, ( وَزَيَّنَهُ ) حسنه, ( فِي قُلُوبِكُمْ ) حتى اخترتموه, وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ ) قال ابن عباس: يريد الكذب, ( وَالْعِصْيَانَ ) جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر, وقال: ( أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) المهتدون.

فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 )

( فَضْلا ) أي كان هذا فضلا ( مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .

قوله عز وجل: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) الآية.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد, حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: إن أنسًا قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي, فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون معه, وهي أرض سبخة, فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني, والله لقد آذاني نتن حمارك, فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك, فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما, فغضب لكل واحد منهما أصحابه, فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال, فبلغنا أنها نـزلت: « وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما » .

ويروى أنها لما نـزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض.

وقال قتادة: نـزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما, فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة, لكثرة عشيرته, وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه, فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال, ولم يكن قتال بالسيوف .

وقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل, وكان بينها وبين زوجها شيء فرقى بها إلى عُلية وحبسها, فبلغ ذلك قومها فجاؤوا, وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال, فأنـزل الله عز وجل: « وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما » بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا ) تعدت إحداهما, ( عَلَى الأخْرَى ) وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله, ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ) ترجع, ( إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) في كتابه, ( فَإِنْ فَاءَتْ ) رجعت إلى الحق, ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ) بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله, ( وَأَقْسِطُوا ) اعدلوا, ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) .

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 )

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) في الدين والولاية, ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) إذا اختلفا واقتتلا قرأ يعقوب « بين إخوتكم » بالتاء على الجمع, ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره, ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .

[ أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ] ، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي, أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا الليث, عن عقيل, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه, من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته, ومن فَرَّجَ عن مسلم كُرْبَةً فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة, ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة » .

وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان, لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين, يدل عليه ما روي عن الحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل- وهو القدوة- في قتال أهل البغي, عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا من الشرك فروا, فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا .

والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل, فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل, ونصبوا إمامًا فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته, فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم, وإن لم يذكروا مظلمة, وأصروا على بغيهم, قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته, ثم الحكم في قتالهم أن لا يُتَّبع مُدْبِرُهُم ولا يقتل أسيرهم, ولا يذفف على جريحهم, نادى منادي عليّ رضي الله عنه يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح .وأُتي عليٌ رضي الله عنه يوم صفين بأسير فقال له: لا أقتلك صبرًا إني أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو مال فلا ضمان عليه.

قال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول, وأُتلف فيها أموال كثيرة, ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم, وجرى الحكم عليهم, فما علمتُه اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه.

أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم, أو لم يكن لهم تأويل, أو لم ينصبوا إماما فلا يتعرض لهم إن لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين, فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق.

روي أن عليًّا رضي الله عنه سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله تعالى, فقال عليٌّ: كلمة حق أريد بها باطل, لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله, ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نبدؤكم بقتال .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 11 )

وقوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ ) الآية, قال ابن عباس: نـزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر, فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه, فيسمع ما يقول, فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ ركعة من صلاة الفجر ] ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم, فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد, فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسًا يجلس فيه قام قائمًا كما هو, فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس, ويقول: تفسحوا تفسحوا, فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل, فقال له: تفسح, فقال الرجل: قد أصبت مجلسًا فاجلس, فجلس ثابت خلفه مغضبًا, فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل, فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان, فقال ثابت: ابن فلانة, وذكر أُمًّا له كان يعير بها في الجاهلية, فنكَّسَ الرجل رأسه واستحيا, فأنـزل الله تعالى هذه الآية .

وقال الضحاك: نـزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم, كانوا يستهزؤون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة, لما رأوا من رثاثة حالهم, فأنـزل الله تعالى في الذين آمنوا منهم : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ) أي رجال من رجال. و « القوم » : اسم يجمع الرجال والنساء, وقد يختص بجمع الرجال, ( عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) .

روي عن أنس أنها نـزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عيرن أم سلمة بالقصر .

وعن عكرمة عن ابن عباس: أنها نـزلت في صفية بنت حيي بن أخطب, قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين . ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) أي لا يعب بعضكم بعضًا, ولا يطعن بعضكم على بعض, ( وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) التنابز: التفاعل من النبز, وهو اللقب, وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به.

قال عكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق يا كافر.

وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم, فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني, فنهوا عن ذلك .

قال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا خنـزير.

وروي عن ابن عباس قال: « التنابز بالألقاب » : أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف عن عمله.

( بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوق بَعْدَ الإيمَانِ ) . أي بئس الاسم أن يقول: يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب, وقيل معناه: إن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق, وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان, فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق, ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ) من ذلك, ( فَأُولَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ )