يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 )

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ يعني على الصراط ( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ) يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة.

وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه »

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويَقِدُ مرة.

وقال الضحاك ومقاتل: « يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم » كتبهم، يريد أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم . وتقول لهم الملائكة: ( بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا ) قرأ الأعمش وحمزة : « أَنِظرونا » بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل انتظرونا. وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انْظُرْني وأَنْظِرْني، يعني انتظرني. ( نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) نستضيء من نوركم، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورًا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورًا خديعةً لهم، وهو قوله عز وجل وَهُوَ خَادِعُهُمْ ( النساء - 142 ) فبيناهم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحًا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ( التحريم - 8 ) مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم

( قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ) قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم

( فَالْتَمِسُوا نُورًا ) فاطلبوا هناك لأنفسكم نورًا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ) أي سور، و « الباء » صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار ( لَه ) أي لذلك السور ( بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة ( وَظَاهِرُه ) أي خارج ذلك السور ( مِنْ قِبَلِهِ ) أي من قبل ذلك الظاهر ( الْعَذَابُ ) وهو النار.

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 )

( يُنَادُونَهُم ) روي عن عبد الله بن عمر قال: إن السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم .

وقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى « باب الرحمة » في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ الآية . « ينادونهم » يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجز بينهم بالسور وبقوا في الظلمة:

( أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) في الدنيا نصلي ونصوم؟ ( قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة ( وَتَرَبَّصْتُم ) بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منهُ ( وَارْتَبْتُمْ ) شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به ( وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِي ) الأباطيل وما كنتم تتمنون من نـزول الدوائر بالمؤمنين ( حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ) يعني الموت ( وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار .

فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 16 )

( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: « تؤخذ » بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء ( فِدْيَةٌ ) بدل وعوض بأن تُفْدوا أنفسكم من العذاب ( وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني المشركين ( مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ) صاحبكم وأولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب ( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) قوله عز وجل: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) قال الكلبي ومقاتل: نـزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنـزلت: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف - 3 ) فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء اللهُ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنـزل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ( الزمر - 23 ) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنـزلت هذه الآية. فعلى هذا التأويل، قوله « ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله » يعني في العلانية وباللسان.

وقال آخرون نـزلت في المؤمنين قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: « ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله » إلا أربع سنين .

وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نـزول القرآن، فقال: « ألم يأن » ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تخشع: تَرِقَّ وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله ( وَمَا نـزلَ ) قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها ( مِنَ الْحَقِّ ) وهو القرآن ( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ) وهم اليهود والنصارى ( فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم ( فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله والمعنى أن الله عز وجل ينهي المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.

روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قرَّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤا القرآن فقال لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم .

( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 )

( اعلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحيِي الأرضَ بَعدَ مَوتِهَا قَد بَيَّنَا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ) قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من « التصديق » أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) بالصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل ( يُضَاعَفُ لَهُمُ ) ذلك القرض ( وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) ثواب حسن وهو الجنة.