وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا
رَشَدًا ( 14 )
( وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ ) وهم الذين آمنوا بمحمد صلى
الله عليه وسلم ( وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ) الجائرون
العادلون عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندا، يقال: أقسط الرجل إذا
عدل فهو مسقط، وقسط إذا جار فهو قاسط (
فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ) أي:
قصدوا طريق الحق وتوخَّوه.
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ( 15 )
وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ( 16 )
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا
صَعَدًا ( 17 )
(
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ ) الذين كفروا (
فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) كانوا وقود النار يوم
القيامة. ثم رجع إلى كفار مكة فقال: (
وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ )
اختلفوا في تأويلها فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا
مؤمنين مطيعين ( لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً
غَدَقًا ) كثيرًا قال مقاتل: وذلك بعدما رفع عنهم المطر سبع سنين.
وقالوا معناه لو آمنوا لوسّعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالا كثيرًا وعيشًا
رغدًا وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال: وَلَوْ
أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ
رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ الآية (
المائدة- 66 ) وقال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ الآية (
الأعراف- 96 ) . وقوله تعالى: (
لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيما
خُوِّلوا. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل
والحسن.
وقال آخرون: معناها وأن لو
استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرًا ولوسعنا عليهم لنفتنهم
فيه، عقوبةً لهم واستدراجًا حتى يفتتنوا بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد
بن أسلم والكلبي وابن كيسان، كما قال الله: «
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
» الآية ( الأنعام- 44 ) .
(
وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ ) قرأ
أهل الكوفة ويعقوب: « يسلكه » بالياء
وقرأ الآخرون بالنون، أي: ندخله (
عَذَابًا صَعَدًا ) قال ابن عباس: شاقًا والمعنى
ذا صعد أي: ذا مشقة. قال قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن:
لا يزداد إلا شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على [
الناس ] .
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ( 18 )
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ
لِبَدًا ( 19 )
(
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) يعني المواضع التي بنيت
للصلاة وذكر الله ( فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ
أَحَدًا ) قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم
أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد
بها المساجد كلها .
وقال الحسن: أراد بها البقاع
كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدًا للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال سعيد بن جبير: قالت الجن
للنبي صلى الله عليه وسلم كيف لنا أن [
نأتي المسجد وأن ] نشهد معك الصلاة ونحن ناءون؟
فنـزلت: « وأن المساجد لله » .
وروي عن سعيد بن جبير أيضا: أن
المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة: الجبهة واليدان
والركبتان والقدمان؟ يقول: هذه الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا
تسجدوا عليها لغيره .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد
بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد
الله محمد بن يعقوب، حدثنا علي بن الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا حدثنا يعلى
بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء:
الجبهة - وأشار بيده إليها - واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا
الشعر » .
فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة
فواحدها مسجِد بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجَد بفتح الجيم. (
وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ ) قرأ
نافع وأبو بكر بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها « لما
قام عبد الله » يعني النبي صلى الله عليه وسلم
( يَدْعُوهُ ) يعني
يعبده ويقرأ القرآن، ذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن (
كَادُوا ) يعني الجن (
يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) أي يركب بعضهم بعضًا ويزدحمون
حرصًا على استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير عنه: هذا من
قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به في الصلاة .
وقال الحسن وقتادة وابن زيد
يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق
الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر، وينصره
على من ناوأه .
وقرأ هشام عن ابن عامر: « لُبدًا
» بضم اللام، وأصل « اللبد
» الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه سمى اللبد الذي يفرش لتراكمه،
وتلبد الشعر: إذا تراكم.
قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي
وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ( 20 ) قُلْ
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ( 21 ) قُلْ
إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ
مُلْتَحَدًا ( 22 ) إِلا
بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ
لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( 23 )
( قُلْ
إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ) قرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة: « قل » على
الأمر، وقرأ الآخرون: « قال » يعني
رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنما أدعو ربي » قال
مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد جئت بأمر عظيم فارجع
عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ربي ( وَلا
أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) ( قُلْ
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ) لا
أقدر أن أدفع عنكم ضرًا ( وَلا رَشَدًا ) أي لا
أسوق إليكم رشدًا أي: خيرًا يعني أن الله يملكه. ( قُلْ
إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) لن
يمنعني من أحد إن عصيته ( وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ
مُلْتَحَدًا ) ملجأ أميل إليه. ومعنى «
الملتحد » أي: المائل. قال السدي: حرزًا. وقال الكلبي: مدخلا في الأرض
مثل السِّرب. ( إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ
وَرِسَالاتِهِ ) ففيه الجوار والأمن والنجاة،
قاله الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، يعني التبليغ. وقال قتادة:
إلا بلاغًا من الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه. وقيل: لا أملك لكم ضرًا
ولا رشدًا لكن أبلغ بلاغًا من الله فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت (
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ولم
يؤمن ( فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )
حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا
يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ( 24 ) قُلْ
إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ( 25 )
عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ( 26 ) إِلا
مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
خَلْفِهِ رَصَدًا ( 27 )
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ
وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ( 28 )
( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا
يُوعَدُونَ ) يعني العذاب يوم القيامة (
فَسَيَعْلَمُونَ ) عند نـزول العذاب ( مَنْ
أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ) أهم أم
المؤمنون. ( قُلْ إِنْ أَدْرِي ) [ أي
ما أدري ] ( أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ ) يعني
العذاب وقيل القيامة ( أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي
أَمَدًا ) أجلا وغاية تطول مدتها يعني: أن علم وقت العذاب غيب لا
يعلمه إلا الله. ( عَالِمُ الْغَيْبِ ) رفع
على نعت قوله « ربي » وقيل: هو عالم الغيب ( فَلا
يُظْهِرُ ) لا يطلع ( عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ) ( إِلا
مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره
على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر عن الغيب (
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ) ذكر بعض
الجهات دلالة على جميعها رصدًا أي: يجعل بين يديه وخلفه حفظة من الملائكة يحفظونه
من الشياطين أن يسترقوا السمع، ومن الجن أن يستمعوا الوحي فيلقوا إلى الكهنة.
قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة
مَلَك يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدًا من الملائكة يحرسونه ويطردون
الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان، فاحذره وإذا جاءه ملك
قالوا له: هذا رسول ربك . ( لِيَعْلَمَ ) قرأ
يعقوب: « ليُعلم » بضم الياء أي ليعلم الناس ( أَنْ ) الرسل
( قَدْ أَبْلَغُوا ) وقرأ
الآخرون بفتح الياء أي: « لَيعلم » الرسول،
أن الملائكة قد أبلغوا ( رِسَالاتِ رَبِّهِمْ
وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ ) أي: علم الله ما عند الرسل
فلم يخفَ عليه شيء ( وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ
عَدَدًا ) قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق فلم يَفُتْه علم
شيءٍ حتى مثاقيل الذر والخردل. ونصب « عددًا
» على الحال، وإن شئت على المصدر، أي عدَّ [
عدَّا ] .