عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ( 6 ) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ( 7 ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ( 8 )

( عَيْنًا ) نصب تبعًا للكافور. وقيل: [ هو ] نصب على المدح. وقيل: أعني عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين ( يَشْرَبُ بِهَا ) [ قيل: يشربها ] والباء صلة وقيل بها أي منها ( عِبَادَ اللَّهِ ) قال ابن عباس أولياء الله ( يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) أي يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له نهر يفجره هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد. ( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ) هذا من صفاتهم في الدنيا أي كانوا في الدنيا كذلك.

قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة، وغيرها من الواجبات ومعنى النذر: الإيجاب.

وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه » ( وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ) فاشيًا ممتدًا، يقال: استطار الصبح، إذا امتد وانتشر.

قال مقاتل: كان شره فاشيًا في السماوات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وكورت الشمس والقمر، وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء. ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ) أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل ( مِسْكِينًا ) فقيرًا لا مال له ( وَيَتِيمًا ) صغيرًا لا أب له ( وَأَسِيرًا ) قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك. وقيل: المرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان » أي أسراء.

واختلفوا في سبب نـزول هذه الآية، قال مقاتل: نـزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا .

وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نـزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، [ فقبض الشعير ] فطحن ثلثه فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، فلما تمَّ إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه .

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ( 9 ) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ( 10 ) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ( 11 ) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ( 12 )

( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ) والشُّكور مصدر كالعُقود والدُّخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم. ( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا ) تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، نسب العبوس إلى اليوم، كما يقال: يوم صائم وليل قائم. وقيل وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة ( قَمْطَرِيرًا ) قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: « القمطرير » : الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس. قال الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه، و « القمطرير » الشديد، قال الأخفش: « القمطرير » أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، يقال: يوم قمطرير وقماطر، إذا كان شديدًا كريهًا، واقْمَطَّر اليوم فهو مُقْمَطِر. ( فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ) الذي يخافون ( وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً ) حسنا في وجوههم، ( وَسُرُورًا ) في قلوبهم. ( وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا ) على طاعة الله واجتناب معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. وقال عطاء: على الجوع. ( جَنَّةً وَحَرِيرًا ) قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير.

مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا ( 13 ) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا ( 14 ) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ( 15 ) قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ( 17 ) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ( 18 )

( مُتَّكِئِينَ ) نصب على الحال ( فِيهَا ) في الجنة ( عَلَى الأرَائِكِ ) السرُر في الحِجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا ( لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا ) أي [ صيفًا ] ولا شتاء. قال مقاتل: يعني شمسًا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد. ( وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا ) أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب « دانية » بالعطف على قوله « متكئين » وقيل: على موضع قوله: « لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا » ويرون « دانيةً » وقيل: على المدح ( وَذُلِّلَتْ ) سُخرت وقُربت ( قُطُوفُهَا ) ثمارها ( تَذْلِيلا * وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآَنِيةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ) يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا. ( قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ ) قال المفسرون: أراد بياض الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في داخلها من خارجها.

قال الكلبي إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها ( قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ) قدروا الكأس على قدر ريِّهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون. ( وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ) يشوق ويطرب، والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدا، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له في الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: يشربها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة . ( عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ) قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا وقال مجاهد: حديدةٌ [ شديدة ] الجْرَية . وقال [ أبو العالية ] ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان وشراب الجنة على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك. قال الزجَّاج: سميت سلسبيلا لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في الحلق، ومعنى قوله: « تسمى » أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا صفة لا اسم.

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ( 19 ) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ( 20 ) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ( 21 )

( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ) قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوما. وقال أهل المعاني: إنما شُبِّهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا صفًا لشبهوا بالمنظوم. ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ) أي إذا [ رأيت ] ببصرك ونظرت به ثَمَّ يعني في الجنة ( رَأَيْتَ نَعِيمًا ) لا يوصف ( وَمُلْكًا كَبِيرًا ) وهو أن أدناهم منـزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه. وقال مقاتل والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه. وقيل: ملكًا لا زوال له. ( عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ ) قرأ أهل المدينة وحمزة: « عاليْهِم » ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على [ الصفة، أي فوقهم، وهو نصب على الظرف ] ( ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ) قرأ نافع وحفص « خضر وإستبرق » [ مرفوعا ] عطفا على الثياب، وقرأهما حمزة والكسائي مجرورين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر « خضر » بالجر و « إستبرقٌ » بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة والشام على ضده [ فالرفع على ] نعت الثياب [ والجر ] على نعت السندس [ وإستبرق بالرفع على أنه معطوف على وثياب إستبرقٍ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي أهل القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز، وأما جر إستبرق فعلى أنه معطوف على سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه، وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما كما تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين ] .

( وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) قيل: طاهرًا من الأقذار والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا.

وقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولا نجسًا ولكنه يصير رشحًا في أبدانهم، [ ريحه كريح المسك ] ، وذلك أنهم يؤتون بالطعام، فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فيطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحًا يخرج من جلودهم [ ريحًا ] أطيب من المسك الإذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم.

وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نـزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد.

إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ( 22 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلا ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ( 24 )

( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم، ( وَكَانَ سَعْيُكُمْ ) عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكورا، قال عطاء: شكرتكم عليه [ فأثيبكم ] أفضل الثواب. قوله عز وجل: ( إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنـزيلا ) قال ابن عباس: متفرقًا آية بعد آية، ولم ينـزل جملة واحدة. ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ ) يعني من مشركي مكة ( آثِمًا أَوْ كَفُورًا ) يعني وكفورًا، والألف صلة.

قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن عنقه .

وقال مقاتل: أراد بـ « الآثم » عتبة بن ربيعة وبـ « الكفور » الوليد بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنـزل الله هذه الآية .

وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا ( 25 )

وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلَا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ [ يعني صلاة المغرب والعشاء ]