الجزء التاسع عشر

 

سورة الفرقان

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( 1 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( 2 )

( تَبَارَكَ ) تفاعل, من البركة. عن ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة, دليله قول الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظَّم, ( الَّذِي نـزلَ الْفُرْقَانَ ) أي: القرآن, ( عَلَى عَبْدِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم. ( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) أي: للجن والإنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم . ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) مما يطلق عليه صفة المخلوق, ( فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) فسواه وهيأه لما يصلح له, لا خلل فيه ولا تفاوت, وقيل: قدَّر لكل شيء تقديرًا من الأجل والرزق, فجرت المقادير على ما خلق.

 

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا ( 3 ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ( 4 ) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 6 )

قوله عز وجل: ( وَاتَّخَذُوا ) يعني عبدة الأوثان, ( مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) يعني: الأصنام, ( لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) أي: دفع ضر ولا جلب نفع, ( وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً ) أي: إماتةً وإحياءً, ( وَلا نُشُورًا ) أي: بعثا بعد الموت. ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني: المشركين, يعني: النضر بن الحارث وأصحابه, ( إِنَّ هَذَا ) ما هذا القرآن, ( إِلا إِفْكٌ ) كذب, ( افْتَرَاه ) اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم, ( وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ) قال مجاهد: يعني اليهود . وقال الحسن: هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر, ويسار, وعداس بن عبيد, كانوا بمكة من أهل الكتاب, فزعم المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم, قال الله تعالى: ( فَقَدْ جَاءُوا ) يعني قائلي هذه المقالة, ( ظُلْمًا وَزُورًا ) أي: بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب, يعني جاؤوا شركًا وكذبًا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء. ( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ) يعني النضر بن الحارث كان يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سَطَّره الأولون مثل حديث رستم واسفنديار « اكتتبها » : انتسخها محمد من جبر, ويسار, وعداس, ومعنى « اكتتب » يعني طلب أن يكتب له, لأنه كان لا يكتب, ( فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ ) يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها, ( بُكْرَةً وَأَصِيلا ) غدوة وعشيًا. قال الله عز وجل ردًا عليهم: ( قُلْ أَنـزلَهُ ) يعني القرآن, ( الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ) يعني الغيب, ( فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا )

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ( 7 ) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ( 8 ) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ( 9 ) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ( 10 )

( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ) يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم, ( يَأْكُلُ الطَّعَامَ ) كما نأكل نحن, ( وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ ) يلتمس المعاش كما نمشي, فلا يجوز أن يمتاز عنَّا بالنبوة, وكانوا يقولون له: لست أنت بمَلَك ولا بملِك, لأنك تأكل والمَلَك لا يأكل, ولست بملِك لأن الملِك لا يتسوق, وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميًا, ومشيه في الأسواق لتواضعه, وكان ذلك صفة له, وشيءٌ من ذلك لا ينافي النبوة. ( لَوْلا أُنـزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ) فيصدقه, ( فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ) داعيًا. ( أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنـز ) أي: ينـزل عليه كنـز من السماء ينفقه, فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش, ( أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ ) بستان, ( يَأْكُلُ مِنْهَا ) قرأ حمزة والكسائي: « نأكل » بالنون أي: نأكل نحن منها, ( وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا ) مخدوعًا. وقيل: مصروفًا عن الحق. ( انْظُرْ ) يا محمد, ( كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ ) يعني الأشباه, فقالوا: مسحور, محتاج, وغيره, ( فَضَلُّوا ) عن الحق, ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا ) إلى الهدى ومخرجًا عن الضلالة. ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ) الذي قالوا, أو أفضل من الكنـز والبستان الذي ذكروا, وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيرًا من المشي في الأسواق والتماس المعاش . ثم بين ذلك الخير فقال: ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ) بيوتًا مشيدة, والعرب تسمي كل بيت مشيَّد قصرًا, وقرأ ابن كثير, وابن عامر, وعاصم برواية أبي بكر: « ويجعلُ » برفع اللام, وقرأ الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله: « إن شاء جعل لك » .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني, أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحارث, أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك, عن يحيى بن أيوب, حدثني عبد الله بن زخر, عن علي بن يزيد, عن القاسم بن أبي عبد الرحمن, عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب, ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا, وقال ثلاثًا أو نحو هذا, فإذا جعت تضرعتُ إليك وذكرتُك, وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك » .

حدثنا أبو طاهر المُطَهَّرُ بن علي بن عبيد الله الفارسي, أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني, أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ, أخبرنا أبو يعلى, حدثنا محمد بن بكار, حدثنا أبو معشر عن سعيد يعني المقبري, عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب, جاءني مَلَكٌ إن حُجِزْتَهُ لتساوي الكعبة, فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام, ويقول: إن شئتَ نبيًا عبدًا, وإن شئت نبيًا مَلِكًا, فنظرت إلى جبريل فأشار إليَّ أنْ ضَعْ نفسك, فقلت: نبيًا عبدًا » قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا يقول: « آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد » .

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ( 11 )

قوله عز وجل: ( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ) بالقيامة, ( وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ) نارًا مستعرة. إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قال الكلبي والسدي: من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. وقيل: خمسمائة سنة. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا » . قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى:

 

إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ( 12 )

( إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) وقيل إذا رأتهم زبانيتها. ( سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا ) غليانًا, كالغضبان إذا غَلَى صدره من الغضب. ( وَزَفِيرًا ) صوتًا. فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا وعلموا أن لها تغيظًا وسمعوا لها زفيرًا, كما قال الشاعر:

ورأيــتُ زوجَــكِ فــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا ورُمْحًـــا

أي وحاملا رمحًا . وقيل: سمعوا لها تغيظًا, أي: صوت التغيظ من التلهب والتوقد, قال عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى مَلَك مُقرَّب ولا نبي مرسل إلا خرَّ لوجهه.

وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ( 13 ) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ( 14 ) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا ( 15 )

( وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا ) قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزجُّ . في الرمح, ( مُقَرَّنِينَ ) مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل, ( دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ) قال ابن عباس: ويلا. وقال الضحاك: هلاكًا, وفي الحديث: « إن أول من يكسى حلة من النار إبليس, فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه, وذريتُه من خلفه, وهو يقول: يا ثبوراه, وهم ينادون: يا ثبورهم, حتى يقفوا على النار فينادون: يا ثبوراه, وينادي: يا ثبورهم, فيقال لهم ( لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ) قيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة, فادعوا أدعية كثيرة. قوله عز وجل: ( قُلْ أَذَلِكَ ) يعني الذي ذكرته من صفة النار وأهلها, ( خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً ) ثوابًا, ( وَمَصِيرًا ) مرجعًا. »

لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ( 16 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ( 18 ) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ( 19 )

( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا ) مطلوبًا, وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ( آل عمران- 194 ) , يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدًا, وعدهم على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ( غافر- 8 ) . ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ) قرأ ابن كثير, وأبو جعفر, ويعقوب, وحفص: ( يَحْشُرُهُمْ ) بالياء, وقرأ الباقون بالنون, ( وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) قال مجاهد: من الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام, ثم يخاطبهم ( فَيَقُولُ ) قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء, ( أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ) أخطأوا الطريق. ( قَالُوا سُبْحَانَكَ ) نـزهوا الله من أن يكون معه إله, ( مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ) يعني: ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك, بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقرأ أبو جعفر « أن نُتَّخَذَ » بضم النون وفتح الخاء, فتكون « من » الثاني صلة. ( وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ ) في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة, ( حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ) تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه, ( وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ) يعني هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان, رجل يقال له بائر, وقوم بور, وأصله من البوار وهو الكساد والفساد, ومنه بوار السلعة وهو كسادها. وقيل هو اسم مصدر كالزور, يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. ( فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ) هذا خطاب مع المشركين, أي: كذبكم المعبودون, ( بِمَا تَقُولُونَ ) إنهم آلهة, ( فَمَا تَسْتَطِيعُونَ ) قرأ حفص بالتاء يعني العابدين, وقرأ الآخرون بالياء يعني: الآلهة. ( صَرْفًا ) يعني: صرفًا من العذاب عن أنفسهم, ( وَلا نَصْرًا ) يعني: ولا نصر أنفسهم. وقيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم. وقيل: « الصرف » : الحيلة, ومنه قول العرب: إنه ليصرف, أي: يحتال, ( وَمَنْ يَظْلِمْ ) يشرك, ( مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا )

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ( 20 )

قوله عز وجل: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) يا محمد, ( إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ) روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عيرَّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق, أنـزل الله عز وجل هذه الآية . يعني: ما أنا إلا رسول وما كنتُ بِدْعًا من الرسل, وهم كانوا بشرًا يأكلون الطعام, ( وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ ) وقيل: معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال في موضع آخر: مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ( فصلت- 43 ) .

( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ) أي بلية, فالغني فتنة للفقير, يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض, والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم, وترون من خلافهم, وتتبعوا الهدى. وقيل: نـزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أَنِف, وقال: أُسْلِمُ بعده فيكون له عليَّ السابقة والفضل؟! فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام, فذلك افتتان بعضهم ببعض, وهذا قول الكلبي وقال مقاتل: نـزلت في أبي جهل, والوليد بن عقبة, والعاص بن وائل, والنضر بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر, وابن مسعود, وعمارًا, وبلالا وصهيبًا, وعامرَ بن فهيرة, وذويهم, قالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء؟. وقال: نـزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش, كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدًا من موالينا وأراذلنا, فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين: ( أَتَصْبِرُون ) يعني على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى.

( وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) بمن صبر وبمن جزع. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن, أخبرنا أبو العباس الأصم, حدثنا زكريا بن يحيى المروزي, حدثنا سفيان بن عيينة, عن أبي الزناد عن الأعرج, عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فُضِّلَ عليه في المال والجسم فلينظر إلى مَنْ دونه في المال والجسم » .

 

وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ( 22 )

قوله عز وجل: ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ) أي: لا يخافون البعث, قال الفرَّاء: « الرجاء » بمعنى الخوف, لغة تهامة, ومنه قوله تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ( نوح- 13 ) , أي: لا تخافون لله عظمة. ( لَوْلا أُنـزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ ) فتخبرنا أن محمدًا صادق, ( أَوْ نَرَى رَبَّنَا ) فيخبرنا بذلك. ( لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا ) أي: تعظموا. ( فِي أَنْفُسِهِمْ ) بهذه المقالة, ( وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) قال مجاهد: « عتوًا » طغوا في القول و « العتُّو » : أشد الكفر وأفحشُ الظلم, وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ ) عند الموت. وقيل: في القيامة. ( لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) للكافرين, وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة, ويقولون للكفار: لا بشرى لكم, هكذا قال عطية, وقال بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين, أي: لا بشارة لهم بالجنة, كما يُبَشَّرُ المؤمنون. ( وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ) قال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة حرامًا محرمًا أن يدخل الجنة, إلا من قال لا إله إلا الله. وقال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حرامًا محرمًا عليكم أن يكون لكم البشرى. وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج: كانت العرب إذا نـزلت بهم شدة رأوا ما يكرهون, قالوا حجرًا محجورًا, فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة. قال مجاهد: يعني عَوْذًا معاذًا, يستعيذون به من الملائكة .

وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ( 23 ) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ( 24 )

( وَقَدِمْنَا ) وعمدنا, ( إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) أي: باطلا لا ثواب له, فهم لم يعملوه لله عز وجل. واختلفوا في « الهباء » , قال علي « هو ما يرى في الكُوَّة إذا وقع ضوء الشمس فيها كالغبار, ولا يمس بالأيدي, ولا يرى في الظل » , وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد, و « المنثور » : المتفرق. وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر. وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدوابِّ عند السير. وقيل: « الهباء المنثور » : ما يرى في الكوة, و « الهباء المنبث » : هو ما تطيره الرياح من سنابك الخيل . قوله عز وجل: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ) أي: من هؤلاء المشركين المتكبرين, ( وَأَحْسَنُ مَقِيلا ) موضع قائلة, يعني: أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة, وأهل النار في النار, وقرأ « ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم » هكذا كان يقرأ . وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله, وقال القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة. قال الأزهري: « القيلولة » و « المقيل » : الاستراحة نصف النهار, وإن لم يكن مع ذلك نوم, لأن الله تعالى قال: « وأحسن مقيلا » , والجنة لا نوم فيها. ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس .

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ( 26 ) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ( 27 )

قوله عز وجل: ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ ) أي: عن الغمام, الباء وعن يتعاقبان, كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس, وتشقق بمعنى تتشقق, أدغموا إحدى التاءين, وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا, وفي سورة « ق » بحذف إحدى التاءين, وقرأ الآخرون بالتشديد, أي: تتشق بالغمام, وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة, ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. ( وَنـزلَ الْمَلائِكَةُ تَنـزيلا ) قرأ ابن كثير: و « نُنـزلُ » بنونين خفيف ورفع اللام, « الملائكةَ » نصب, قال ابن عباس: تشقق السماء الدنيا فينـزل أهلها, وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس, ثم تشقق السماء الثانية فينـزل أهلها, وهم أكثر ممن في السماء الدنيا, ومن الجن والإنس, ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها, ثم ينـزل الكروبيون ثم حملة العرش . ( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ) أي: [ الملك ] الذي هو الملك الحق حقًا ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضى غيره. ( وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) شديدًا, فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمن عسيرا, وجاء في الحديث: « أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا » ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط, وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا فدعا إليه أشراف قومه, وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعامًا فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله » فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه, وكان عقبة صديقًا لأبَيِّ بن خلف, فلما أخبر أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ قال: لا والله ما صبأت, ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له, فاستحييتُ أن يخرج من بيتي ولم يطعم, فشهدت له فطعم, فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه, ففعل ذلك عقبة, فقال عليه السلام: « لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوتُ رأسك بالسيف » فقتل عقبة يوم بدر صبرًا. وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده

وقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فاحترق خداه, وكان أثر ذلك فيه حتى الموت . وقال الشعبي كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة, فقال أمية: وجهي من وجهك حرام أن بايعت محمدًا, فكفر وارتدَّ, فأنـزل الله عز وجل: « ويوم يعض الظالم » يعني: عقبة بن أبي معيط بن عبد شمس بن مناف « على يديه » ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله, وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. قال عطاء: يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه ثم تنبتان, ثم يأكل هكذا, كلما نبتت يده أكلها تحسرا على ما فعل. ( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ ) في الدنيا, ( مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم, واتخذت معه سبيلا إلى الهدى. قرأ أبو عمرو: « يَا ليتني اتخذت » بفتح الياء, والآخرون بإسكانها.

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا ( 29 )

( يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ) يعني: أبي بن خلف. ( لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ) عن الإيمان والقرآن, ( بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ) يعني: الذكر مع الرسول, ( وَكَانَ الشَّيْطَانُ ) وهو كل متمرد عات من الإنس والجن, وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. ( لِلإنْسَانِ خَذُولا ) أي: تاركًا يتركه ويتبرأ منه عند نـزول البلاء والعذاب, وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله. أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن العلاء, أخبرنا أبو أسامة, عن يزيد, عن أبي بردة, عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مَثَلُ الجليسِ الصالح والسوءِ, كحامِلْ المسك ونافخِ الكِير, فحاملُ المسك إمَّا أن يُحْذِيَك وإمَّا أن تبتاع منه, وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيبة, ونافخُ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك, وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة » .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك, عن حياة بن شريح, أخبرني سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التُّجيـبـي أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري - قال سالم: أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي » . أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن كساب النيسابوري, أخبرنا أبو العباس الأصم, حدثنا حميد بن عياش الرملي, أخبرنا مؤمل بن إسماعيل, حدثنا زهير بن محمد الخراساني, حدثنا موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المرءُ على دين خليلهِ فلينظْر أحدُكم من يُخَالِلُ » .

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( 30 )

( وَقَالَ الرَّسُولُ ) يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: ( يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) أي: متروكًا فأعرضوا عنه, ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل: جعلوه بمنـزلة الهجر وهو الهذيان, والقوي السيء, فزعموا أنه شعر وسحر, وهو قول النخعي ومجاهد. وقيل: قال الرسول يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم يشكوا قومه إلى الله يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا فعزَّاه الله تعالى فقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ( 31 ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ( 32 )

( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا ) يعني: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا, ( لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) يعني: المشركين. قال مقاتل: يقول لا يَكْبُرَنَّ عليك, فإن الأنبياء قبلك قد لَقِيَتْ هذا من قومهم, فاصبر لأمري كما صبروا, فإني ناصرك وهاديك, ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نـزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) كما أنـزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود. قال الله تعالى: ( كَذَلِكَ ) فَعَلْتُ, ( لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ) أي: أنـزلناه متفرقًا ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه, فإن الكتب أنـزلت على الأنبياء يكتبون ويقرءون, وأنـزل الله القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ, ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ, ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور, ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. ( وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ) قال ابن عباس: بيَّنَّاه بيانًا, والترتيل: التبيين في ترسل وتثبت. وقال السدي: فصَّلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقًا, آيةً بعد آية.

 

وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا ( 34 )

( وَلا يَأْتُونَكَ ) يا محمد يعني: هؤلاء المشركين, ( بِمَثَل ) يضربونه في إبطال أمرك ( إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ) يعني بما ترد به ما جاءوا به من المثل وتبطله, فسمي ما يوردون من الشبه مثلا وسمي ما يدفع به الشبه حقًا, ( وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) أي: بيانًا وتفصيلا و « التفسير » : تفعيل, من الفَسْر, وهو كشف ما قد غطي. ثم ذكرَ مآل هؤلاء المشركين فقال: ( الَّذِينَ ) [ أي: هم الذين ] ( يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) فيساقون ويجرون, ( إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ) أي: مكانة ومنـزلة, ويقال: منـزلا ومصيرًا, ( وَأَضَلُّ سَبِيلا ) أخطأُ طريقًا.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ( 35 ) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ( 36 ) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ( 37 ) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ( 38 )

( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ) مُعِيَنًا وظهيرًا . ( فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) يعني القبط, ( فَدَمَّرْنَاهُمْ ) فيه إضمار, أي: فكذبوهما فدمرناهم, ( تَدْمِيرًا ) أهلكناهم إهلاكًا. ( وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ) أي: الرسول, ومن كذب رسولا واحدًا فقد كذب جميع الرسل, فلذلك ذكر بلفظ الجمع. ( أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ) يعني: لمن بعدهم عبرة, ( وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ) في الآخرة, ( عَذَابًا أَلِيمًا ) سوى ما حلَّ به من عاجل العذاب. ( وَعَادًا وَثَمُودَ ) أي: وأهلكنا عادًا وثمود, ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) اختلفوا فيهم, قال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودًا عليها, وأصحابَ مواشي, يعبدون الأصنام, فوجَّه الله إليهم شعيبًا يدعوهم إلى الإسلام, فتمادوا في طغيانهم, وفي أذى شعيب عليه السلام, فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر, فخسف بهم وبديارهم ورباعهم, فهلكوا جميعًا. و « الرسُّ » : البئر, وكل ركية لم تُطْوَ بالحجارة والآجر فهو رسٌّ. وقال قتادة والكلبي: « الرس » بئر بفَلْج اليمامة, قتلوا نبيهم فأهلكهم الله عز وجل. وقال بعضهم: هم بقية ثمود قوم صالح, وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( الحج- 45 ) . وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله تعالى. وقال كعب ومقاتل والسدي: « الرس » : بئر بإنطاكية قتلوا فيها حبيبًا النجار, وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود, [ والرسُّ هو الأخدود ] الذي حفروه. وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر . وقيل: الرسُّ المعدن, وجمعه رساس. ( وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ) أي: وأهلكنا قرونًا كثيرًا بين عاد وأصحاب الرس.

وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ( 39 ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ( 40 ) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ( 41 ) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ( 42 ) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ( 43 )

( وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ ) أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم, فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار ( وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ) أي: أهلكنا إهلاكًا. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرًا. قال الزجاج: كل شيء كسرتُه وفتَّته فقد تبَّرتَه. ( وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ) يعني الحجارة, وهي قريات قوم لوط, وكانت خمس قرى, فأهلك الله أربعًا منها, ونجت واحدة, وهي أصغرها, وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث, ( أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ) إذ مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتذكروا, لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام, ( بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ ) لا يخافون, ( نُشُورًا ) بعثًا. قوله عز وجل: ( وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ ) يعني: ما يتخذونك, ( إِلا هُزُوًا ) أي: مهزوءًا به, نـزلت في أبي جهلٍ, كان إذ مرَّ بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئًا: ( أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ) ؟! ( إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا ) أي: قد قارب أن يضلنا, ( عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ) أي: لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها, ( وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ) من أَخطأُ طريقًا. ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرًا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر فعبده. وقال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوي حجرًا فعبده ما حاله عندي؟ ( أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ) أي: حافظًا, يقول: أفأنت عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة من يهوى من دون الله؟ أي: لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال.

 

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ( 44 ) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ( 47 )

( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ) ما تقول سماع طالب الإفهام, ( أَوْ يَعْقِلُونَ ) ما يعاينون من الحجج والإعلام, ( إِنْ هُمْ ) ما هم, ( إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ) لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها, وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق, ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم, ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون. قوله عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) معناه ألم ترَ إلى مَدِّ ربِّك الظلَّ, وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس, جعله ممدودًا لأنه ظل لا شمس معه, كما قال: « في ظل الجنة » , وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( الواقعة- 30 ) إذ لم يكن معه شمس. ( وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ) دائمًا ثابتًا لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة: « الظل » : ما نسخته الشمس, وهو بالغداة, و « الفيء » : ما نسخ الشمس, وهو بعد الزوال, سُمِّي فيئًا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب, ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ) أي: على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل, ولولا النور لما عرفت الظلمة, والأشياء تعرف بأضدادها. ( ثُمَّ قَبَضْنَاهُ ) يعني الظل, ( إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ) بالشمس التي تأتي عليه, و « القبض » : جمع المنبسط من الشيء, معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس, فإذا طلعت الشمس قبض الله الظلَّ جزءًا فجزءًا « قبضا يسيرا » , أي: خفيًا. ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ) أي: سترًا تستترون به, يريد أن ظلمته تغشى كل شيء, كاللباس الذي يشتمل على لابسه, ( وَالنَّوْمَ سُبَاتًا ) راحةً لأبدانكم وقطعًا لعملكم, وأصل « السبت » : القطع, والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. ( وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ) أي: يقظة وزمانًا, تنتشرون فيه لابتغاء الرزق, وتنتشرون لأشغالكم.

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ( 48 )

( وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) يعني المطر ( وَأَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره, فهو اسم لما يتطهر به, كالسَّحور اسم لما يتسحر به, والفَطور اسم لما يفطر به, والدليل عليه ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » وأراد به المطهِّر, فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحَدَث والنجاسة, كما قال في آية أخرى: وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ( الأنفال- 11 ) , فثبت به أن التطهير يختص بالماء.

وذهب أصحاب الرأي إلى أن « الطهور » هو الطاهر, حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة, مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها . ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها. وذهب بعضهم إلى أن « الطهور » ما يتكرر منه التطهير, كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر, والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر, وهو قول مالك, حتى جوَّز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة . وإن وقع في الماء شيء غيرَّ طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته؟ نظر: إن كان الواقع شيئًا لا يمكن صون الماء عنه, كالطين والتراب وأوراق الأشجار, لا تزول, فيجوز الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره, وكذلك لو وقع فيه ما لا يخالطه, كالدهن يصب فيه فيتروح الماء برائحته يجوز الطهارة به, لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة. وإن كان شيئا يمكن صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول [ طهوريته فلا يجوز الوضوء به. وإن لم يتغير أحد أوصافه, ينظر: إن كان الواقع فيه شيئًا طاهرًا لا تزول ] طهوريته, فتجوز الطهارة به, سواء كان الماء قليلا أو كثيرًا, وإن كان الواقع فيه شيئًا نجسًا, ينظر: فإن كان الماء قليلا أقل من القلتين ينجس الماء, وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به. والقلتان خمس قرب, ووزنه خمسمائة رطل, والدليل عليه ما: أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري, أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي, حدثنا عبد الرحيم بن المنيب, أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن جعفر بن الزبير, عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر, عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يَرِدُه من الدوابِّ والسِّباع؟ فقال: « إذا كان الماء قُلَّتين ليس يحمل الخبث » وهذا قول الشافعي, وأحمد, وإسحاق, وجماعة من أهل الحديث: أن الماء إذا بلغ هذا الحدّ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه .

وذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه, وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري. واحتجوا بما: أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنفي, أخبرنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري, حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم, حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه, حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج, عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى في الحيض ولحوم الكلاب والنتن, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الماء طهور لا ينجسه شيء » .

لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ( 50 )

قوله عز وجل: ( لِنُحْيِيَ بِهِ ) أي: بالمطر, ( بَلْدَةً مَيْتًا ) ولم يقل: « ميتة » لأنه رجع به إلى الموضع والمكان, ( وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا ) أي: نسقي من ذلك الماء أنعامًا, ( وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ) أي: بشرًا كثيرًا, والأناسي: [ جمع أنسي, وقيل ] جمع إنسان, وأصله: « أناسين » مثل: بستان وبساتين, فجعل الياء عوضًا عن النون. ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ) يعني: المطر, مرة ببلدة ومرة ببلد آخر. قال ابن عباس: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض, وقرأ هذه الآية . وهذا كما روي مرفوعًا: « ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء » .

وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به وابن مسعود يرفعه قال: « ليس من سنة بأمطر من أخرى, ولكن الله قسم هذه الأرزاق, فجعلها في السماء الدنيا, في هذا القطر ينـزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم, وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم, فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار » . وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذًا ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.

( لِيَذَّكَّرُوا ) أي: ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى, ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ) جحودا, وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا. أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن أنس, عن صالح بن كيسان, عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود, عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال « أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي, وكافر بالكواكب, وأما من قال: مطرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب »

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ( 51 ) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ( 52 ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ( 54 )

قوله عز وجل: ( وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ) رسولا ينذرهم, ولكن بعثناك إلى القرى كلها, وحملناك ثقل النذارة جميعها, لتستوجب بصبرك عليه ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. ( فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ) فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) أي: بالقرآن, ( جِهَادًا كَبِيرًا ) شديدًا. ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر, وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج, وأصل « المرج » : الخلط والإرسال, يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء, ( هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ) شديد العذوبة, و « الفرات » : أعذب المياه, ( وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ) شديد الملوحة. وقيل: أُجاج أي: مرّ ( وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ) أي: حاجزًا بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب, ( وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) أي: سترًا ممنوعًا فلا يبغيان, ولا يفسد الملحُ العَذْبَ. ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ ) من النطفة, ( بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ) أي: جعله ذا نسب وصهر, قيل: « النسب » ما لا يحل نكاحه, و « الصهر » : ما يحل نكاحه, فالنسبُ ما يوجب الحرمة, والصهرُ ما لا يوجبها, وقيل: - وهو الصحيح- : النسب: من القرابة, والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة, وهو السبب المحرم للنكاح, وقد ذكرنا أن الله تعالى حرم بالنسب سبعًا وبالسبب سبعًا, في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ( النساء- 23 ) , ( وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا )

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ( 55 )

( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يعني: هؤلاء المشركين, ( مَا لا يَنْفَعُهُمْ ) إن عبدوه, ( وَلا يَضُرُّهُمْ ) إن تركوه, ( وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) أي: معينًا للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: أي: يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرًا, أي: هينًا ذليلا كما يقال الرجل: جعلني بظهير, أي: جعلني هينًا. ويقال: ظهرت به, إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه.

 

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( 56 ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ( 57 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ( 59 )

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) أي: منذرًا. ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ) على تبليغ الوحي, ( مِنْ أَجْرٍ ) فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه, ( إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ) هذا من الاستثناء المنقطع, مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك, والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرًا ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته. ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) أي: صل له شكرًا على نعمه. وقيل: قل: سبحان الله, والحمد لله. ( وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) عالمًا فيجازيهم بها. ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ) بالرحمن. قال الكلبي: يقول فاسأل الخبير [ بذلك, يعني: بما ذكر من خلق السماوات والأرض والاستواء على العرش. وقيل: ] الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقًا به, والمعنى: أيها الإنسان لا ترجح في طلب العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى « عن » , أي: فاسأل عنه خبيرا وهو الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ( 60 ) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ( 62 )

( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ) ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة, يعنون مسيلمة الكذاب, كانوا يسمونه رحمن اليمامة. ( أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ) قرأ حمزة والكسائي « يأمرنا » بالياء, أي: لما يأمرنا محمد بالسجود له, وقرأ الآخرون بالتاء, أي: لما تأمرنا أنت يا محمد, ( وَزَادَهُم ) يعني: زادهم قول القائل لهم: « اسجدوا للرحمن » ( نُفُورًا ) عن الدين والإيمان. قوله عز وجل ( تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ) قال الحسن ومجاهد وقتادة: « البروج » : هي النجوم الكبار, سميت بروجًا لظهورها, وقال عطية العوفي: « بروجًا » أي: قصورًا فيها الحرس كما قال: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ( النساء- 78 ) . وقال عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة, وهي الحمل, والثور, والجوزاء, والسرطان, والأسد, والسنبلة, والميزان, والعقرب, والقوس, والجدي, والدلو, والحوت, فالحمل والعقرب بيتا المريخ, والثور والميزان بيتا الزهرة, والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد, والسرطان بيت القمر, والأسد بيت الشمس, والقوس والحوت بيتا المشتري, والجدي والدلو بيتا زحل, وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات, فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية, والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية, والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية, والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.

( وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ) يعني الشمس, كما قال: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ( نوح- 16 ) , وقرأ حمزة والكسائي: « سُرُجًا » بالجمع, يعني النجوم. ( وَقَمَرًا مُنِيرًا ) والقمر قد دخل في « السُّرْج » على قراءة من قرأ بالجمع, غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة, كما قال: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( الرحمن - 68 ) , خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة. ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ) اختلفوا فيها, قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني خلفًا وعوضًا, يقوم أحدهما مقام صاحبه, فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر. قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب, قال فاتتني الصلاةُ الليلةَ, فقال: أدرِكْ ما فاتك من ليلتك في نهارك, فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكَّر . [ قال مجاهد: يعني جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض . وقال ابن زيد وغيره ] يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان . ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ ) قرأ حمزة بتخفيف الذال والكاف وضمها من الذكر, وقرأ الآخرون بتشديدهما أي: يتذكر ويتعظ ( أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) قال مجاهد: أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما.

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ( 63 )

قوله عز وجل: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ) أي: أفاضل العباد. وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل, وإلا فالخلق كلهم عباد الله. ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) أي: بالسكينة والوقار متواضعين غير أَشِرين ولا مرحين, ولا متكبرين. وقال الحسن: علماء وحكماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون, وإن سُفه عليهم حلموا, و « الهَوْن » في اللغة: الرفق واللين . ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ) يعني السفهاء بما يكرهون, ( قَالُوا سَلامًا ) قال مجاهد: سدادًا من القول . وقال مقاتل بن حيان: قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا, وليس المراد منه السلام المعروف. وروي عن الحسن: معناه سلموا عليهم, دليله قوله عز وجل: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ( القصص- 55 ) . قال الكلبي وأبو العالية: هذا قبل أن يؤمر بالقتال, ثم نسختها آية القتال . وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم, ثم قرأ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا قال: هذا وصف ليلهم.

وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( 65 ) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 66 ) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( 67 )

قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ) يقال لمن أدرك الليل: بات, نام أو لم ينم, يقال: بات فلان قَلِقًا, والمعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة, ( سُجَّدًا ) على وجوههم, ( وَقِيَامًا ) على أقدامهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا . أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا أبو نعيم عن سفيان, عن عثمان بن حكيم, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة, عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل, ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله » قوله عز وجل: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ) أي: مُلِحًا دائمًا, لازمًا غير مفارقٍ من عذب به من الكفار, ومنه سمي الغريم لطلبه حقه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إياه. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه, فبقوا في النار. قال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم. و « الغرام » : الشر اللازم, وقيل: « غرامًا » هلاكًا. ( إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) أي: بئس موضع قرار وإقامة. ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ) قرأ ابن كثير وأهل البصرة « يقتروا » بفتح الياء وكسر التاء, وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء, وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء, وكلها بلغات صحيحة. يقال: أقتر وقترَّ بالتشديد, وقترّ يُقَتِّر. واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار, فقال بعضهم: « الإسراف » : النفقة في معصية الله وإن قلت, و « الإقتار » : منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج. وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله . وقال قوم: « الإسراف » : مجاوزة الحد في الإنفاق, حتى يدخل في حد التبذير, و « الإقتار » : التقصير عمَّا لا بدَّ منه, وهذا معنى قول إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف . ( وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) قصدًا وسطًا بين الإسراف والإقتار, حسنة بين السيئتين. قال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, كانوا لا يأكلون طعامًا للتنعم واللذة, ولا يلبسون ثوبًا للجمال, ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم, ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويُكِنُّهم من الحر والقر . قال عمر بن الخطاب: كفى سرفًا أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا اشتراه فأكله

 

وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( 68 )

قوله عز وجل: ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) الآية. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا إبراهيم بن موسى, أخبرنا هشام بن يوسف بن جريج أخبرهم قال: قال يعلى وهو يعلى بن مسلم, أن سعيد بن جبير, أخبره عن ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة, فنـزلت: « والذين لا يدعون مع الله إلها آخر » .

( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ) ونـزل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ( الزمر- 53 ) .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا جرير عن الأعمش, عن أبي وائل, عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: « أن تدعو لله ندًا وهو خلقك » قال « ثم أي؟ قال: » أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك « , قال: ثم أي؟ قال: » أن تزاني حليلة جارك « , فأنـزل الله تصديقها: » والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما « قوله عز وجل: ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) أي: شيئًا من هذه الأفعال, ( يَلْقَ أَثَامًا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما يريد جزاء الإثم. وقال أبو عبيدة: » الآثام « : العقوبة. وقال مجاهد: » الآثام « : واد في جهنم, يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى في الحديث: » الغي والآثام بئران يسيل فيها صديد أهل النار « . »

يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( 69 ) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 70 )

( يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) قرأ ابن عامر وأبو بكر « يُضَاعفُ » و « يخلدُ » برفع الفاء والدال على الابتداء, وشدد بن عامر: « يضعف » , وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط. ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) قال قتادة: إلا من تاب من ذنبه, وآمن بربه, وعمل عملا صالحًا فيما بينه وبين ربه. أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله, حدثنا موسى بن محمد, حدثنا موسى بن هارون الحمال, حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي, حدثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر, عن علي بن يزيد, عن يوسف بن مهران, عن ابن عباس, قال: قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ، الآية, ثم نـزلت: ( إِلا مَنْ تَابَ ) فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه بـ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ( الفتح 1 - 2 )

( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا؛ قال ابن عباس, وسعيد بن جبير, والحسن, ومجاهد, والسدي, والضحاك: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام, فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين, وبالزنا عفة وإحصانًا . وقال قوم: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسناتٍ يوم القيامة وهو قول سعيد بن المسيب, ومكحول, يدل عليه ما: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي أحمد الخزاعي, أخبرنا الهيثم بن كليب, أخبرنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا أبو عمار الحسين بن خريت, حدثنا وكيع, حدثنا الأعمش, عن المعرور بن سويد, عن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار, يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه, ويخبأ عنه كبارها, فيقال له عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا, وهو مقر لا ينكر, وهو مشفق من كبارها, فيقال: أعطُوه مكان كل سيئة عملها حسنة, فيقول: ربِّ إنَّ لي ذنوبًا ما أراها هاهنا , قال أبو ذر: لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدتْ نواجذه . وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات, ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة. »

وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( 71 )

قوله عز وجل: ( وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) قال بعض أهل العلم: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا, يعني: من تاب من الشرك وعمل صالحًا, أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يَزْنِ, ( فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ) أي: يعود إليه بعد الموت, ( مَتَابًا ) حسنًا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى, فالتوبة الأولى وهو قوله: « ومن تاب » رجوع عن الشرك, والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة. وقال بعضهم: هذه الآية أيضًا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. وقوله: ( يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ) خبر بمعنى الأمر, أي: ليتب إلى الله. وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.

وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( 72 )

( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) قال الضحاك وأكثر المفسرين: يعني الشرك . وقال علي بن طلحة: يعني شهادة الزور. وكان عمر بن الخطاب: يجلد شاهد الزور أربعين جلدة, ويسخم وجهه, ويطوف به في السوق . وقال ابن جريج: يعني الكذب وقال مجاهد: يعني أعياد المشركين . وقيل: النَّوْح قال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم . وقال محمد بن الحنفية: لا يشهدون اللهو والغناء . قال ابن مسعود: « الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع » . وأصل « الزور » تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته, فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق

( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا, وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد, نظيره قوله: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ( القصص- 55 ) , قال السدي: وهي منسوخة بآية القتال قال الحسن والكلبي: « اللغو » : المعاصي كلها, يعني إذا مروا بمجلس اللهو والباطل مروا كرامًا مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنـزه وأكرم نفسه عنه .

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ( 73 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( 74 )

( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا ) لم يقعوا ولم يسقطوا, ( عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ) كأنهم صم عمي, بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال القتيـبـي لم يتغافلوا عنها, كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها. ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ) قرأ بغير ألف: أبو عمرو, والكسائي, وأبو بكر. وقرأ الباقون بالألف على الجمع, ( قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) أي: أولادًا أبرارًا أتقياء, يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعينُنا بذلك. قال القرظي: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله الحسن, ووحَّد القُرَّةَ لأنها مصدر, وأصلها من البرد, لأن العرب تتأذى من الحر وتستروح إلى البرد, وتذكر قرة العين عند السرور, وسخنة العين عند الحزن, ويقال: دمع العين عند السرور بارد, وعند الحزن حار. وقال الأزهري: معنى قرة الأعين: أن يصادف قلبه من يرضاه, فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) أي: أئمة يقتدون في الخير بنا, ولم يقل: أئمة, كقوله تعالى: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( الشعراء- 16 ) , وقيل: أراد أئمة كقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ( الشعراء- 77 ) , أي: أعداء, ويقال: أميرنا هؤلاء, أي: أمراؤنا. وقيل: لأنه مصدر كالصيام والقيام, يقال: أم إمامًا, كما يقال: قام قيامًا, وصام صيامًا. قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة, كما قال: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ( السجدة- 24 ) , ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ( القصص- 41 ) , وقيل: هذا من المقلوب, يعني: واجعل المتقين لنا إمامًا, واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم, وهو قول مجاهد.

أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا ( 75 ) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( 76 ) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ( 77 )

( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ ) أي: يثابون, ( الْغُرْفَة ) أي: الدرجة الرفيعة في الجنة, و « الغرفة » : كل بناء مرتفع عال. وقال عطاء: يريد غرف الدر والزبرجد والياقوت في الجنة, ( بِمَا صَبَرُوا ) على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات ( وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا ) قرأ حمزة, والكسائي, وأبو بكر: بفتح الياء وتخفيف القاف, كما قال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( مريم- 59 ) , وقرأ الآخرون بضم الياء وتشديد القاف كما قال: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ( الإنسان- 11 ) , وقوله: ( تَحِيَّةً ) أي مُلْكًا, وقيل: بقاءً دائمًا, ( وَسَلامًا ) أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام, ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: « سلامًا » أي: سلامة من الآفات. ( خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) أي: موضع قرار وإقامة. ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ) قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة يقال: ما عبأت به شيئًا أي: لم أعدّه, فوجوده وعدمه سواء, مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده, ( لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) إيَّاه, وقيل: لولا إيمانكم, وقيل: لولا عبادتكم, وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام, فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني إنه خلقكم لعبادته, كما قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات- 56 ) وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: « قل ما يعبأ » ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة, أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم, كما قال الله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ( النساء- 147 ) . وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد, كما قال: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ ( العنكبوت- 65 ) , وقال: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( الأنعام- 42 ) . وقيل: « قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم » يقول: ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.

( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) أيها الكافرون, يخاطب أهل مكة, يعني: إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) هذا تهديده لهم, أي: يكون تكذيبكم لزامًا, قال ابن عباس: موتًا. وقال أبو عبيدة: هلاكًا وقال ابن زيد: قتالا. والمعنى: يكون التكذيب لازمًا لمن كذب, فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جرير عذابًا دائمًا لازمًا وهلاكًا مقيمًا يلحق بعضكم ببعض. واختلفوا فيه, فقال قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل, يعني: أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة, لازمًا لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, أخبرنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا عمر بن حفص بن غياث, أخبرنا أبي, أخبرنا الأعمش, حدثنا مسلم, عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدُّخَان, والقمر, والرُّوم, والبَطْشَةُ, واللِّزام « ( فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة.»

 

سورة الشعراء

 

مكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله ( والشعراء يتبعهم الغاوون )

وروينا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أعطيت طه والطواسين من [ اللوح المحفوظ ] »

بسم الله الرحمن الرحيم

طسم ( 1 ) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 )

( طسم ) قرأ حمزة, والكسائي, وأبو بكر: طسم, وطس, وحم, ويس بكسر الطاء والياء والحاء, وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر, وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم, وأظهر النون من يس عند الميم في « طسم » : أبو جعفر, وحمزة, وأخفاها الآخرون. وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: « طسم » عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قَسَمٌ, وهو من أسماء الله تعالى, وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه . ( تِلْكَ ) أي: هذه الآيات, ( آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ )

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ( 4 )

( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ) قاتل نفسك, ( أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) أي: إن لم يؤمنوا, وذلك حين كذبه أهل مكة فشقَّ عليه ذلك, وكان يحرص على إيمانهم, فأنـزل الله هذه الآية. ( إِنْ نَشَأْ نُنـزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ) قال قتادة: لو شاء الله لأنـزل عليهم آية يذلون بها, فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره, لا يعمل أحد منهم بعده معصية.

وقوله عز وجل: ( خَاضِعِينَ ) ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق, وفيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق, فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم, لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون, فجعل الفعل أولا للأعناق, ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر, وهو قوله « هم » على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر, وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن, كقوله: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ( الحج- 10 ) و أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( الإسراء- 13 ) . وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء, أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق الجماعات, يقال: جاء القوم عنقًا عنقًا, أي: جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رءوس الآي ليكون على نسق واحد .

وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ( 5 ) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 6 ) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 )

( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ) وعظ وتذكير, ( مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ ) أي: محدث إنـزاله, فهو محدث في التنـزيل. قال الكلبي: كلما نـزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول, ( إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ) أي: عن الإيمان به. ( فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ ) أي: فسوف يأتيهم, ( أَنْبَاءُ ) أخبار وعواقب, ( مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) صنف وضرب, ( كَرِيمٍ ) حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام, يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها, وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم, ومن دخل النار فهو لئيم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذي ذكرت, ( لآيَةً ) دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي, ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) مصدقين, أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: « كان » هاهنا صلة, مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ) العزيز بالنقمة من أعدائه, ( الرَّحِيمُ ) ذو الرحمة بأوليائه. قوله عز وجل: ( وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى ) واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار, ( أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية, وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.

قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ ( 11 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 17 )

( قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ ) ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ( قَالَ ) يعني موسى, ( رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) ( وَيَضِيقُ صَدْرِي ) من تكذيبهم إياي, ( وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه, قرأ يعقوب « ويضيق » , « ولا ينطلق » بنصب القافين على معنى وأن يضيق, وقرأ العامة برفعهما ردًّا على قوله: « إني أخاف » , ( فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ) ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.

( وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ) أي: دعوى ذنب, وهو قتله القبطي, ( فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) أي: يقتلونني به. ( قَالَ ) الله تعالى, ( كَلا ) أي: لن يقتلوك, ( فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ) سامعون ما يقولون, ذكر « معكم » بلفظ الجمع, وهما اثنان, أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. ( فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ولم يقل: رسولا رب العالمين, لأنه أراد الرسالة, أي: أنا ذو رسالة رب العالمين, كما قال كُثَيِّر:

لقـد كَـذَبَ الوَاشُـونَ مَا بُحْتُ عِندَهُم بســـرٍّ ولا أَرْسَــلْتُهُمْ برسُــولِ

أي: بالرسالة, وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع, تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي, كما قال الله تعالى: وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ( الكهف- 50 ) , وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين ( أَنْ أَرْسِلْ ) أي: بأن أرسل, ( مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) إلى فلسطين, ولا تستعبدهم, وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة, وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا, فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.

وفي القصة أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا, والمِكْتَلُ معلَّق في رأس العصا, وفيه زاده, فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حين تدعو فرعون إلى الله, فخرجت أمهما وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع موسى لقولها, وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقَّا الباب, ففزع البوَّابون وقال من بالباب؟ وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين, فذهب البواب إلى فرعون وقال: إنَّ مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين, فترك حتى أصبح, ثم دعاهما. وروي أنهما انطلقا جميعًا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه, فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين, فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه, فدخلا عليه وأدَّيا رسالة الله عز وجل, فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته.

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 19 )

( قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ) صبيًّا, ( وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) وهو ثلاثون سنة. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ ) يعني: قتل القبطي, ( وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) قال الحسن والسدي: يعني وأنت من الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه. وقال أكثر المفسرين: معنى قوله: « وأنت من الكافرين » , أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي, يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسًا, وكفرت بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس, وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية .

 

قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 )

( قَالَ ) موسى, ( فَعَلْتُهَا إِذًا ) أي: فعلت ما فعلت حينئذ, ( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) أي: من الجاهلين, أي لم يأتني من الله شيء . وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل: من المخطئين.

فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 21 ) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 22 )

( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ) إلى مدين, ( فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا ) يعني النبوة, وقال مقاتل: يعني العلم والفهم, ( وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ( وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) اختلفوا في تأويلها: فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم على الإنكار. فمن قال هو إقرار, قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه, ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل, ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل مجازه: بلى وتلك نعمة علي أن عبدت بني إسرائيل, وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال قوله: « وتلك نعمة » هو على طريق الاستفهام, أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام, كقوله: فَهُمُ الْخَالِدُونَ ( الأنبياء- 34 ) ؟ قال الشاعر

تَــرُوحُ مــن الحــيِّ أو تَبْتَكِـرْ ومــاذا يَضُــرُّكَ لــو تَنْتَظِــرْ?

أي: أتروح من الحي؟ قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:

لَــمْ أَنْسَ يــومَ الرَّحِــيلِ وِفقَتَهـا وَطرْفُهــا فــي دموعِهــا غَـرِقُ

وقولُهـــا والركـــابُ واقفـــةٌ تَـــتْرُكنِي هكـــذا وتَنْطَلِـــقُ?

أي: أتتركني, يقول: تَمُنُّ عليَّ أن ربَّيتني, وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟. أو يريد: كيف تمنَّ عليَّ بالتربية وقد استعبدت قومي, ومن أهين قومه ذُلّ, فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ. وقيل معناه تمن علي بالتربية. وقوله: ( أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي: باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم, دُفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم, فأي نعمة لك علي؟ قوله: ( عَبَّدْتَ ) أي: اتخذتهم عبيدًا, يقال: عبَّدتُ فلانًا, وأعبدته, وتعبدته, واستعبدته, أي: اتخذته عبدًا.

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 23 ) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 26 ) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ( 27 ) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 28 ) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ( 30 )

( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ) يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي؟ يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه بـ « ما » , وهو سؤال عن جنس الشيء, والله منـزه عن الجنسية, فأجابه موسى عليه السلام بذكر أفعاله التي يعجز عن الإتيان بمثلها. ( قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) إنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل, فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى. ( قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ ) من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة, قال لهم فرعون استبعادًا لقول موسى: ( أَلا تَسْتَمِعُونَ ) وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم. فزادهم موسى في البيان. ( قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) ( قَالَ ) يعني: فرعون: ( إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته, وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل, فزاد موسى في البيان: ( قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) ( قَالَ ) فرعون - حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب- تكبرا عن الحق: ( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) من المحبوسين, قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل, لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردًا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئًا, يهوي به في الأرض. ( قَالَ ) له موسى حين توعده بالسجن: ( أَوَلَوْ جِئْتُكَ ) أي: وإن جئتك, ( بِشَيْءٍ مُبِينٍ ) بآية مبينة, ومعنى الآية: أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان.

قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ( 32 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 33 ) قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ( 35 ) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 36 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ( 37 ) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 )

( قَالَ ) له فرعون, ( فَأْتِ بِهِ ) فإنا لن نسجنك حينئذ, ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) ( فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ) فقال: وهل غيرها؟. ( وَنـزعَ ) موسى , ( يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) ( قَالَ ) فرعون ( لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ) ( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ) ؟ ( قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ) . ( يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ) . ( فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت, في أول يوم من السنة, وهو يوم النيروز. ( وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ) لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة؟

 

لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ( 41 ) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 )

( لَعَلَّنَا ) لكي, ( نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ) لموسى, وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء, وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما. ( فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ) . ( قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) . ( قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) .

فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ( 44 ) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ( 46 ) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ( 48 ) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 )

( فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ) . ( فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) . ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ) . ( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) . ( رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) . ( قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) . ( قَالُوا لا ضَيْرَ ) لا ضرر, ( إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ) ( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) من أهل زماننا. ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر.

وروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت, ثم اذبحوا أولاد الضأن, فاضربوا بدمائها على أبوابكم, فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتا على بابه دم, وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم, ثم اخبزوا خبزًا فطيرًا فإنه أسرع لكم ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر, فيأتيك أمري, ففعل ذلك, فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه, قتلوا أبكارنا من أنفسنا, وأخذوا أموالنا. فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف, وخرج فرعون في الكرسي العظيم .

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 58 )

( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ) يحشرون الناس يعني: الشُّرَطَ ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش, وذكر بعضهم: أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم: ( إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ ) عصابة ( قَلِيلُونَ ) والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير, وجمعها شراذم. قال أهل التفسير: كانت الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ستمائة وسبعين ألفا ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. . ( وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ) يقال: غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه, والغيظ والغضب واحد, يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها, وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا. ( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) قرأ أهل الحجاز والبصرة: « حذرون » و « فرهين » بغير ألف, وقرأ الآخرون « حاذرون » و « فارهين » بالألف فيهما, وهما لغتان. وقال أهل التفسير: حاذرون, أي: مُؤْدُون ومقوون, أي: ذوو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح ومعنى « حذرون » أي: خائفون شرهم. وقال الزجاج: « الحاذر » : المستعد, و « الحَذِر » : المتيقظ. وقال الفراء: « الحاذر » : الذي يحذرك الآن, و « الحذر » : المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرًا, والحَذَر: اجتناب الشيء خوفًا منه. ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ ) وفي القصة: البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل, ( وَعُيُونٍ ) أنهار جارية. ( وَكُنُوزٍ ) يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزًا لأنه لم يعط حق الله منها, وما لم يعط حق الله منه فهو كنـز وإن كان ظاهرًا, قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام, كل غلام على فرس عتيق, في عنق كل فرس طوق من ذهب, ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) أي: مجلس حسن, قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد, وسعيد بن جبير: هي المنابر . وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مَخُوصة بالذهب.

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 59 ) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 )

( كَذَلِكَ ) كما وصفنا, ( وَأَوْرَثْنَاهَا ) بهلاكهم, ( بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه, فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. ( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ) أي: لحقوهم في وقت إشراق الشمس, وهو إضاءتها, أي: أدرك قوم فرعون موسى وأصحابَهُ وقت شروق الشمس.

 

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 )

( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ) أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه, وكسر حمزة الراء من « تراءى » وفتحها الآخرون. ( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) أي: سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم. ( قَالَ ) موسى ثقة بوعد الله إياه: ( كَلا ) لن يدركونا, ( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) يدلني على طريق النجاة. ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ ) أي: فضربه « فانفلق » فانشقَّ, ( فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ ) قطعة من الماء, ( كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) كالجبل الضخم, قال ابن جريج وغيره لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح, والبحر يرمي بموج مثل الجبال, فقال يوشع: يا مكلم الله أين أُمرتَ فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا, فخاض يوشع الماء وجاز البحر, ما يواري حافر دابته الماء. وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله أين أُمرتَ؟ قال: هاهنا, فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزَّبَدُ من شدقيه, ثم أقحمه البحر, فارتسب في الماء, وذهب القوم يصنعون مثل ذلك, فلم يقدروا, فجعل موسى لا يدري كيف يصنع, فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر, فضربه فانفلق, فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتلْ سَرْجه ولا لِبْدُه.

وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ( 69 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ( 70 ) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ( 71 ) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 )

( وَأَزْلَفْنَا ) يعني: وقرَّبْنَا ( ثَمَّ الآخَرِينَ ) يعني: قوم فرعون, يقول: قدمناهم إلى البحر, وقربناهم إلى الهلاك, وقال أبو عبيدة: « وأزلفنا » : جمعنا, ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجَمْع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل, ويقولون: ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل, وكان يَزَعُ قوم فرعون, وكانوا يقولون: ما رأينا أحسن زعة من هذا . ( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ) . ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ) فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ساكنًا قبل ذلك, فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي: من أهل مصر, قيل: لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل المؤمن, ومريم بنت ناقوسا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) العزيز في الانتقام من أعدائه, الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. قوله: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ) . قوله: ( إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ) أي شيءٍ تعبدون؟. ( قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ) أي: نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: ( فَنَظَلُّ ) لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار, دون الليل, يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار. ( قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ ) أي: هل يسمعون دعاءكم, ( إِذْ تَدْعُونَ ) قال ابن عباس يسمعون لكم. ( أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ ) قيل بالرزق, ( أَوْ يَضُرُّونَ ) إن تركتم عبادتها.

قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 )

( قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) معناه: إنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعًا, ولا تدفع ضرًا, لكن اقتدينا بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين. ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ ) الأولون. ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ) أي: أعداء لي, ووحَّده على معنى أن كلَّ معبودٍ لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة كما قال تعالى: سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( مريم- 82 ) . وقال الفرَّاء هو من المقلوب, أراد: فإني عدوٌّ لهم, لأن من عاديته فقد عاداك. وقيل: « فإنهم عدو لي » على معنى إني لا أتولاهم ولا أطلب من جهتهم نفعًا, كما لا يُتَوَلَّى العدو, ولا يُطْلب من جهته النفع.

قوله: ( إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) اختلفوا في هذا الاستثناء, قيل: هو استثناء منقطع, كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي . وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله, فقال إبراهيم: كل من تعبدون أعدائي إلا ربَّ العالمين . وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين, فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل: معناه إلا من عَبَدَ ربَّ العالمين. ثم وصف معبوده فقال: ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) أي: يرشدني إلى طريق النجاة. ( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ) أي: يرزقني ويغذني بالطعام والشراب, فهو رازقي ومن عنده رزقي.

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 )

( وَإِذَا مَرِضْتُ ) أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء كله من الله, استعمالا لحسن الأدب كما قال الخَضِرُ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ( الكهف- 79 ) , وقال: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ( الكهف- 82 ) . ( فَهُوَ يَشْفِينِ ) أي: يبرئني من المرض. ( وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ) أدخل « ثم » هاهنا للتراخي, أي: يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة. ( وَالَّذِي أَطْمَعُ ) أي: أرجو, ( أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: إِنِّي سَقِيمٌ , وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا , وقوله لسارة: « هذه أختي » , وزاد الحسن وقوله للكواكب: هَذَا رَبِّي . وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي, أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي, أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا حفص بن غياث, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة قالت : قلت يا رسول الله: ابن جدعان, كان في الجاهلية يصل الرحم, ويطعم المساكين, فهل ذاك نافعه؟ قال: « لا ينفعه إنه لم يقل يوما, رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه, وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا ) قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وقال الكلبي: النبوة ( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) بمن قبلي من النبيين في المنـزلة والدرجة.

 

وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ( 84 ) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ( 85 )

( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) أي: ثناء حسنًا, وذكرًا جميلا وقبولا عامًا في الأمم التي تجيء بعدي, فأعطاه الله ذلك, فجعل كل أهل الأديان يتولَّونه ويثنون عليه. قال القتيـبـي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به. ( وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ) أي: ممن تعطيه جنة النعيم.

وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ( 86 ) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 90 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ( 91 ) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ( 96 )

( وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ) وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله, كما سبق ذكره في سورة التوبة. ( وَلا تُخْزِنِي ) لا تفضحني, ( يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ( يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) أي: خالص من الشرك والشك فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد, هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح, وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ( البقرة- 10 ) , قال ابن عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة . ( وَأُزْلِفَتِ ) قربت ( الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ( وَبُرِّزَتِ ) أظهرت, ( الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ) للكافرين. ( وَقِيلَ لَهُمْ ) يوم القيامة, ( أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ) ( مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ ) يمنعونكم من العذاب, ( أَوْ يَنْتَصِرُونَ ) لأنفسهم. ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دُهْوِرُوا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح بعضهم على بعض. وقال القتيـبـي: ألقوا على رءوسهم. ( هُمْ وَالْغَاوُونَ ) يعني: الشياطين, قال قتادة, ومقاتل. وقال الكلبي: كفرة الجن. ( وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ) وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته. ( قَالُوا ) أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين, ( وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ) مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضًا.

تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 98 ) وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 104 ) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ( 105 )

( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . ( إِذْ نُسَوِّيكُمْ ) نعدلكم, ( بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) فنعبدكم. ( وَمَا أَضَلَّنَا ) أي: ما دعانا إلى الضلال, ( إِلا الْمُجْرِمُونَ ) قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أوَّلونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة: يعني: إبليس, وابن آدم الأول, وهو قابيل, لأنه أول من سن القتل, وأنواع المعاصي. ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ) أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. ( وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) أي: قريب يشفع لنا, يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون, والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين. أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه, حدثنا محمد بن الحسين اليقطيني, أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي, حدثنا صفوان بن صالح, حدثنا الوليد بن مسلم, حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان, وصديقه في الجحيم, فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة, فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم » قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. ( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ) أي: رجعة إلى الدنيا, ( فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) العزيز الذي لا يغالب, فالله عزيز, وهو في وصف عزته رحيم. قوله عز وجل: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ) قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد أرأيت قوله: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ) و كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ و كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء الأول, فإذا كذبوا واحدًا فقد كذبوا الرسل أجمعين.

إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 106 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 108 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 109 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 110 ) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ ( 111 )

( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ ) في النسب لا في الدين. ( نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ ) ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) على الوحي. ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) بطاعته وعبادته, ( وَأَطِيعُونِ ) فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد. ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ ) ثوابي, ( إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) . ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ) قرأ يعقوب: « وأتباعك الأرذلون » السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة الحاكة والأساكفة.

 

قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 112 ) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ( 113 ) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ( 114 ) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 115 ) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( 116 )

( قَالَ ) نوح, ( وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم, وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله, ولي منهم ظاهر أمرهم. ( إِنْ حِسَابُهُمْ ) ما حسابهم, ( إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجَّاج: الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم. ( وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) . ( قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ ) عما تقول, ( لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ) قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: من المشتومين.

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 118 ) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 119 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ( 120 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 121 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 122 ) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 127 ) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 )

( قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ ) فاحكم, ( بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ) حكمًا, ( وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان كلها. ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ ) أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح, وأهله: من بقي من قومه. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) قوله عز وجل: ( كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ ) ( إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ) يعني في النسب لا في الدين, ( أَلا تَتَّقُونَ ) ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) على الرسالة, قال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة, فكيف تتهموني اليوم؟. ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) ( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ) قال الوالبي عن ابن عباس: أي: بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق, وهو رواية العوفي عن ابن عباس, وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظرة. ( آيَةً ) أي: علامة, ( تَعْبَثُونَ ) بمن مر بالطريق, والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر عليهم هود اتخاذها, بدليل قوله: ( تَعْبَثُونَ ) أي: تلعبون, وهم كانوا يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الريع: المكان المرتفع

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 131 ) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ( 132 ) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 ) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ( 136 )

( وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ ) قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: قصورًا مشيدة. وعن الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء, يعني الحياض, واحدتها مصنعة ( لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) أي: كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون. ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ ) أخذتم وسطوتم, ( بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) قتلا بالسيف وضربًا بالسوط, « والجبَّار » : الذي يقتل ويضرب على الغضب. ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) . ( وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون, ثم ذكر ما أعطاهم فقال: ( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ) ( وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) أي: بساتين وأنهار. ( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ) قال ابن عباس: إن عصيتموني, ( عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا ) أي: مُسْتَوٍ عندنا, ( أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ ) الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا.

 

إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ( 137 )

( إِنْ هَذَا ) ما هذا, ( إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ ) قرأ ابن كثير, وأبو جعفر, وأبو عمرو, والكسائي, ويعقوب: « خَلْق » بفتح الخاء وسكون اللام, أي: اختلاق الأولين وكذبهم دليل هذه القراءة قوله تعالى: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ( العنكبوت- 17 ) , وقرأ الآخرون « خُلُق » بضم الخاء واللام, أي: عادة الأولين من قبلنا, وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 142 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 143 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 144 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 145 ) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ( 146 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 147 ) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ( 148 )

( وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ( فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) قوله عز وجل: ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا ) أي: في الدنيا ( آمِنِينَ ) من العذاب. ( فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا ) ثمرها, يريد ما يطلع منها من الثمر, ( هَضِيمٌ ) قال ابن عباس: لطيف, ومنه: هضيم الكشح, إذا كان لطيفًا. وروى عطية عنه: يانع نضيج. وقال عكرمة: هو اللَّيِّن. وقال الحسن: هو الرخو. وقال مجاهد: متهشم متفتت إذا مُسَّ, وذلك أنه ما دام رطبا فهو هضيم, فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضًا [ حتى هضم بعضه بعضا ] أي: كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعومة. وقيل: هضيم أي: هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته .

وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ( 149 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 150 ) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ( 151 ) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 152 ) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 153 ) مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 154 ) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 155 )

( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) وقرئ: « فرهين » قيل: معناهما واحد . وقيل: فارهين أي: حادقين بنحتها, من قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره, ومن قرأ « فرهين » قال ابن عباس: أَشِرين بطِرِين . وقال عكرمة: ناعمين. وقال مجاهد: شرهين. قال قتادة: معجبين بصنيعكم, قال السدي: متجبرين. وقال أبو عبيدة: مرحين. وقال الأخفش فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: مدحته ومدهته. قال الضحاك: كَيِّسِينَ . ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة. ( الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ ) بالمعاصي, ( وَلا يُصْلِحُونَ ) لا يطيعون الله فيما أمرهم به. ( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ) قال مجاهد وقتادة: من المسحورين المخدوعين, أي: ممن سُحِر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب, يقال: سحره, أي: علله بالطعام والشراب, يريد: إنك تأكل الطعام والشراب ولست بَمَلك, بل: ( مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ ) على صحة ما تقول, ( إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) أنك رسول الله إلينا. ( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ ) حظ ونصيب من الماء, ( وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ )

وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 156 ) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ( 157 ) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 158 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 159 )

( وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ) بعقر, ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ ) على عقرها حين رأوا العذاب. ( فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )

 

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ( 160 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 161 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 162 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 163 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 164 ) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ( 165 ) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ( 166 ) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ( 167 ) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ( 168 ) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ( 169 ) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ( 171 )

قوله تعالى: ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ ) قال مقاتل: يعني جماع الرجال. ( مِنَ الْعَالَمِينَ ) يعني من بني آدم. ( وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ) قال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال, ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ) معتدون, مجاوزون الحلال إلى الحرام. ( قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) من قريتنا. ( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ) المبغضين, ثم دعا فقال: ( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ ) من العمل الخبيث. قال الله تعالى: ( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ) وهي امرأة لوط, بقِيَتْ في العذاب والهلاك.

ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ( 172 ) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 173 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 174 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 175 ) كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ( 176 ) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 177 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 178 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 179 ) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 180 ) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 ) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 183 )

( ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ) أي: أهلكناكم. ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) قوله عز وجل: ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ) وهم قوم شعيب عليه السلام, قرأ العراقيون: « الآيكة » هاهنا وفي « ص » بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء, وقرأ الآخرون: « ليكة » بفتح اللام والتاء غير مهموز, جعلوها اسم البلد, وهو لا ينصرف, ولم يختلفوا في سورة « الحجر » و « ق » أنهما مهموزان مكسوران, والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف. ( إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ) ولم يقل أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب, فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم, وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. ( أَلا تَتَّقُونَ ) ( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة. ( أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ) الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن.

 

وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ ( 184 )

وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الخليقة, ( الأوَّلِينَ ) يعني: الأمم المتقدمين, والجبلة: الخَلْق, يقال: جُبل أي: خُلق.

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 191 ) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ( 193 ) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 )

( قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ) أي: من نقصان الكيل والوزن, وهو مجازيكم بأعمالكم, وليس العذاب إليَّ وما عليّ إلا الدعوة. ( فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ) وذلك أنه أخذهم حرّ شديد, فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرًا فخرجوا, فأظلَّتهم سحابة, وهي الظلة, فاجتمعوا تحتها, فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا, ذكرناه في سورة هود. ( إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) قوله عز وجل: ( وَإِنَّهُ ) يعني القرآن. ( لَتَنـزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ( نـزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ ) قرأ أهل الحجاز, وأبو عمرو, وحفص: « نـزل » خفيف, « الروحُ الأمينُ » برفع الحاء والنون, أي « نـزل جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نـزل الله به جبريل, لقوله عز وجل: » وإنه لتنـزيل رب العالمين « . ( عَلَى قَلْبِكَ ) يا محمد حتى وعيته, ( لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) المخوفين. ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) [ قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ما فيه ] . »

وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ ( 196 ) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 197 ) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 )

( وَإِنَّهُ ) أي: ذِكْرُ إنـزال القرآن, قاله أكثر المفسرين. وقال مقاتل: ذِكْرُ محمد صلى الله عليه وسلم ونعته, ( لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ ) ( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً ) [ قرأ ابن عامر: « تكن » بالتاء « آية » بالرفع, جعل الآية اسمًا وخبره: ( أَنْ يَعْلَمَهُ ) وقرأ الآخرون بالياء, « آية » ] نصب , جعلوا الآية خبر يكن, معناه: أو لم يكن لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل آية, أي: علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم, لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل, كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم, وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه . قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم, فقالوا: إن هذا لزمانه, وإنا نجد في التوراة نعتَه وصفته, فكان ذلك آية على صدقه .

قوله تعالى: ( أَنْ يَعْلَمَهُ ) يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم, ( عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) قال عطية: كانوا خمسة عبد الله بن سلام, وابن يامين, وثعلبة, وأسد, وأسيد . ( وَلَوْ نـزلْنَاهُ ) يعني القرآن, ( عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ ) جمع الأعجمي, وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في النسب, والعجمي: منسوب إلى العجم, وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو نـزلناه على رجل ليس بعربي اللسان. ( فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ) بغير لغة العرب, ( مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ) وقالوا: ما نفقه قولك, نظيره قوله عز وجل: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ( فصلت- 44 ) , وقيل: معناه ولو نـزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفةً من اتّباعه. ( كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ ) قال ابن عباس, والحسن, ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب ( فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ )

لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ( 201 ) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 ) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ( 206 )

( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي: بالقرآن, ( حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ ) يعني: عند الموت. ( فَيَأْتِيَهُمْ ) يعني: العذاب, ( بَغْتَةً ) فجأة, ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) به في الدنيا. ( فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ) أي: لنؤمن ونصدق, يتمنون الرجعة والنَّظِرَة. قال مقاتل: لما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب, قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ) كثيرة في الدنيا, يعني: كفار مكة, ولم نهلكهم. ( ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ) يعني: بالعذاب.

 

مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 209 ) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ( 210 ) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 )

( مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) به في تلك السنين. والمعنى: أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئًا, ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. ( وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ ) رسل ينذرونهم. ( ذِكْرَى ) محلها نصب, أي: ينذرونهم, تذكره, وقيل: رفع أي: تلك ذكرى, ( وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ) في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم. ( وَمَا تَنـزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ) وذلك أن المشركين كانوا يقولون إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم, فقال جل ذكره: « وما تنـزلت به » , أي: بالقرآن, الشياطين. ( وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ ) أن ينـزلوا بالقرآن, ( وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ) ذلك. ( إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ ) أي: عن استراق السمع من السماء, ( لَمَعْزُولُونَ ) أي: محجوبون بالشهب مرجومون. ( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحذر به غيره, يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك.

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ( 214 )

( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) روى محمد بن إسحاق, عن عبد الغفار بن القاسم, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب, عن عبد الله بن عباس, عن علي بن أبي طالب. قال: لما نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يا علي إن الله يأمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره, فصمتُّ عليها جاءني جبريل, فقال لي: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك, فاصنع لنا صاعًا من طعام واجعل عليه رِجْلَ شاةٍ, واملأ لنا عُسًّا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أُمرتُ به » . قال علي رضي الله عنه: ففعلت ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم دعوتهم له, وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه, فيهم أعمامه أبو طالب, وحمزة, والعباس, وأبو لهب, فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به, فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم, فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة, ثم قال: « خذوا باسم الله » فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة, وايْمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: « اسقِ القومَ » فجئتهم بذلك العُسِّ, فشربوا حتى رووا جميعًا, وايمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم, فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال الغد: « يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعتَ من القوم فتفرق القوم قبل أن أكلمهم, فَعُدَّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم » , ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فَقَرَّبْتُه, ففعل كما فعل بالأمس, فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة. وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه, فأيكم يوازرني على أمري هذا؟ ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم, فأحجم القوم عنها جميعًا, فقلت - وأنا أحدثهم سنًا- أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. قال: فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم, فاسمعوا له وأطيعوا » , فقام القوم يضحكون, ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا يوسف بن موسى, حدثنا أبو أسامة, حدثنا الأعمش, حدثنا عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نـزلت: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) « ورهطك منهم المخلصين » خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا, فهتف يا صاحباه, فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: « أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ » ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قال: « فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » فقال أبو لهب: تبًا لك ما جمعتنا إلا لهذا, ثم قام: فنـزلت « تبت يدا أبي لهب وقد تب » هكذا قرأ الأعمش يومئذ .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا عمر بن حفص بن غياث, حدثنا أبي, حدثنا الأعمش, حدثني عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: لما نـزلت ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) صَعِدَ النبي على الصفا فجعل ينادي: « يا بني فهر, يا بني عدي - لبطون قريش- حتى اجتمعوا, فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو, فجاء أبو لهب وقريش, فقال: أرأيتَكم لو أخبرتُكم أنَّ خيلا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيِّ؟ قالوا: نعم, ما جربنا عليك إلا صدقًا, قال: » فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ « , فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنـزلت: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أغنى عنه ماله وما كسب »

وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 )

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب, عن الزهري, أخبرني سعيد بن المسيب, وأبو سلمة بن عبد الرحمن, أنا أبا هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزل الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ فقال: « يا معشر قريش, أو كلمة نحوها, اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا, يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئَا, يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئَا, يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئَا, ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا » .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري, أخبرني جدي أبو سهل بن عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز, أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن قتادة, عن مطرف بن عبد الله بن الشخير, عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جَهِلْتُم ممَّا علَّمني يومي هذا, وإنه قال: إن كلَّ مالٍ نَحَلْتُه عبادي فهو لهم حلال, وإني خلقت عبادي حُنَفَاءَ كلهم, فأتتهم الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم, وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم, وأَمَرْتهم أن يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطانًا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتَهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب, وإن الله تعالى أمرني أن أخوف قريشًا, فقلت: يا رب إنهم إذا يَثْلَغُوا رأسي حتى يدعوه خُبْزَةً, فقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك, وقد أنـزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء, تقرؤه في المنام واليقظة, فاغزهم نُغْزِك, وأنفق ننفق عليك, وابعثْ جيشًا نمدِدْك بخمسة أمثالهم, وقاتلْ بمن أطاعك من عصاك, ثم قال: أهل الجنة ثلاثة: إمام مُقْسِط, ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم, ورجل غني متصدق, وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دِين له, الذين هم فيكم تبعٌ لا يتبعون بذلك أهلا ولا مالا ورجل إن أصبح أصبح يخادعك عن أهلك ومالك, ورجل لا يخفي له طمع - وإن دق- إلا ذهب به, والشِّنْظِيرُ الفاحش. قال: وذكر البخل والكذب » . قوله عز وجل: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 ) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 )

( فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) من الكفر وعبادة غير الله . ( وَتَوَكَّلْ ) قرأ أهل المدينة, والشام: « فتوكل » بالفاء, وكذلك هو في مصاحفهم وقرأ الباقون بالواو « وتوكل » , ( عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) ليكفيك كيد الأعداء. ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ) إلى صلاتك, عن أكثر المفسرين. وقال مجاهد: الذي يراك أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. ( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) أي: يرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: في الساجدين أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي مع المصلين في الجماعة, يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين, فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « هل ترون قبلتي هاهنا, فوالله ما يخفي علي خشوعكم ولا ركوعكم, إني لأراكم من وراء ظهري » وقال الحسن: « وتقلبك في الساجدين » أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقال سعيد بن جبير: يعني وتصرفك في أحوالك, كما كانت الأنبياء من قبلك. والساجدون: هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة . ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 222 ) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ( 223 ) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ( 224 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ( 225 )

( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ ) أخبركم, ( عَلَى مَنْ تَنـزلُ الشَّيَاطِينُ ) هذا جواب قولهم: تنـزل عليه شيطان, ثم بين فقال: ( تَنـزلُ ) أي: تتنـزل, ( عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ ) كذاب, ( أَثِيمٍ ) فاجر, قال قتادة: هم الكَهَنَةُ, يسترق الجنُّ السمعَ ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس. وهو قوله عز وجل: ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) ( يُلْقُونَ السَّمْعَ ) أي: يستمعون من الملائكة مستقرين, فيلقون إلى الكهنة, ( وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ) لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. قوله عز وجل: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذكر مقاتل أسماءهم, فقال: منهم عبد الله بن الزبعري السهمي, وهبيرة بن أبي وهب المخزومي, ومشافع بن عبد مناف. وأبو عزة بن عبد الله الجمحي, وأمية بن أبي الصلت الثقفي, تكلموا بالكذب وبالباطل, وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد. وقالوا الشعر, واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, ويروون عنهم وذلك . قوله: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ) هم الرواة الذين يروون هجاء [ النبي صلى الله عليه وسلم و المسلمين. وقال قتادة ومجاهد: الغاوون هم الشياطين. وقال الضحاك: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين, ومع كل واحد منهما غواة من قومه, وهم السفهاء فنـزلت هذه الآية. وهي رواية عطية عن ابن عباس . ( أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ ) [ من أودية الكلام ] ( يَهِيمُونَ ) جائرون وعن طريق الحق حائدون, والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون وقال مجاهد: في كل فن يفتنون. وقال قتادة: يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون بالباطل فالوادي مَثَلٌ لفنون الكلام, كما يقال: أنا في وادٍ وأنت في واد. وقيل: « في كل وادٍ يهيمون » أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون القوافي.

وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 )

( وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ ) أي: يكذبون في شعرهم, يقولون: فعلنا وفعلنا, وهم كذبة. أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح, أخبرنا أبو القاسم البغوي, حدثنا علي بن الجعد, أخبرنا شعبة عن الأعمش, عن ذكوان, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لأن يمتلئَ جوفُ أحدِكم قَيْحًا, خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا » ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية, ويهجون شعراء الكفار, وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, منهم حسان بن ثابت, وعبد الله بن رواحة, وكعب بن مالك, فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي, أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار, حدثنا أحمد بن منصور الرمادي, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن الزهري, عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك, عن أبيه, أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنـزل في الشعر ما أنـزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه, والذي نفسي بيده لكأنَّما ترمونهم به نَضْحَ النَّبل » .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي, أخبرنا الهيثم بن كليب, أخبرنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا إسحاق بن منصور, أخبرنا عبد الرزاق, أخبرنا جعفر بن سليمان, حدثنا ثابت, عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول:

خَــلُّوا بَنِــي الكفَّـارِ عـن سَـبيلهِ اليــومَ نضــربُكم عـلى تنـزيلـهِ

ضربًــا يُـزيل الهَـامَ عـن مَقِيْلـهِ ويُــذْهِلُ الخــليلَ عــن خلِيلِــه

فقال له عمر: يا ابنَ رواحةَ بين يديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حَرَم الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « خلِّ عنه يا عمر, فلهي أسرع فيهم من نَضْحِ النَّبْلِ » أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا حجاج بن منهال, حدثنا شعبة, أخبرني عدي أنه سمع البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: « اهجهم أو هاجهم وجبريل معك » .

أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم الخزاعي, أخبرنا الهيثم بن كليب, حدثنا أبو عيسى, حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حجر - المعنى واحد- قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يُؤيّد حَسانَ بروح القدس, ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله » . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر, أخبرنا عبد الغفار بن محمد, حدثنا محمد بن عيسى الجلودي, حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث, حدثني أبي عن جدي, حدثنا خالد بن زيد, حدثني سعيد بن أبي هلال عن عمارة بن غزية, عن محمد بن إبراهيم, عن أبي عن سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اهجوُا قريشًا فإنه أشدُّ عليهم من رشق النبل » , فأرسل إلى ابن رواحة فقال: « اهْجُهُمْ » , فهجاهم فلم يُرْضِ, فأرسل إلى كعب بن مالك, ثم أرسل إلى حسان بن ثابت, فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه, فجعل يحرِّكه, فقال: والذي بعثك بالحق لأفْرِيَنَّهم بلساني فَرْيَ الأدِيم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تَعْجَل, فإن أبا بكر أعلم قريشٍ بأنسابها, وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي » , فأتاه حسان ثم رجع, فقال: يا رسول الله قد خلص لي نسبك, والذي بعثك بالحق لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: « إن روح القُدُس لا يزال يؤيدك, ما نافحت عن الله ورسوله » , وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « هاجهم حسَّانُ فشفى واشتفى » , قال حسان:

هَجَــوْتَ محــمدًا فَــأَجبتُ عنـه وعنــدَ اللــه فــي ذاكَ الجــزاءُ

هجــوتَ محــمدًا بَــرًّا حَنِيفًــا رســولَ اللــه شــيمتُه الوفــاءُ

فــإنَّ أبـــي ووالـدتي وعِـرضِي لِعِــرضِ محــمدٍ منكــمْ وقــاءُ

فمَــنْ يهجـو رسـولَ اللـه منكـم ويَمْدَحُـــهُ وينصـــرُه ســـواءُ

وجــبريلُ رســولُ اللــه فينــا وروحُ القُـــدْس ليس لــه كِفَــاءُ

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري, أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن من الشعر لحكمة » قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: الشعر كلام, فمنه حسنٌ, ومنه قبيح, فخذ الحسنَ ودع القبيح وقال الشعبي: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر, وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر, وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده؛ فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها فقال:

أمــن آل نعـم أنـت غـاد فمبكـر غــداة غــد أم رائــح فمهجــر

فأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها, وهي قريبة من سبعين بيتًا, ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها, وكان حفظها بمرة واحدة. ( وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ) أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله, ( وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ) قال مقاتل: انتصروا من المشركين, لأنهم بدءوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين فقال: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) أي مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى جهنم والسعير. والله أعلم .

 

سورة النمل

 

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ( 1 ) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ( 4 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ ( 5 )

( طس ) قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى, وقد سبق الكلام في حروف الهجاء . ( تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ ) أي: هذه آيات القرآن, ( وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) أي: وآيات كتاب مبين. ( هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) يعني: هو هدى من الضلالة, وبشرى للمؤمنين المصدقين به بالجنة. ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) . ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ ) القبيحة حتى رأوها حسنة, ( فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) أي: يترددون فيها متحيرين. ( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ ) شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر, ( وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ ) لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 8 )

( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ) أي: تؤتى القرآن وتلقن ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) أي: وحيا من عند الله الحكيم العليم. قوله عز وجل: ( إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ ) أي: واذكر يا محمد إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: ( إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) [ أي: أبصرت نارًا ] . ( سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ ) أي: امكثوا مكانكم, سآتيكم بخبر عن الطريق, وكان قد ترك الطريق, ( أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ ) قرأ أهل الكوفة: « بشهاب » بالتنوين, جعلوا القبس نعتًا للشهاب, وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة, وهو إضافة الشيء إلى نفسه, لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى, وهو العود الذي في أحد طرفيه نار, وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور, مثل العمود, والعرب تسمي كل أبيضٍ ذي نور شهابًا, والقبس: القطعة من النار, ( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) تستدفئون من البرد, وكان ذلك في شدة الشتاء. ( فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) أي: بورك على من في النار أو من في النار, والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه, وبارك عليه, بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة, معناه: بورك في من طلب النار, وهو موسى عليه السلام, ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) وهم الملائكة الذين حول النار, ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار, وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة, كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور, ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا, و « من في النار » هم الملائكة, وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح, و « من حولها » هو موسى لأنه كان بالقرب منها, ولم يكن فيها. وقيل: « من في النار ومن حولها » جميعًا الملائكة. وقيل: « من في النار » موسى و « من حولها » الملائكة, وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبًا منها, كما يقال: بلغ فلان المنـزل, إذا قرب منه, وإن لم يبلغه بعد. وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيًّا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها, و « من » قد تأتي بمعنى ما, كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ( النور- 45 ) , و « ما » قد يكون صلة في الكلام, كقوله جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ ( ص- 11 ) , ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها, وهم الملائكة وموسى عليهم السلام, وسمَّى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ .

وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: ( بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ ) يعني قُدس من في النار, وهو الله, عنى به نفسه, على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها كما روي: أنه مكتوب في التوراة: « جاء الله من سيناء, وأشرف من ساعين, واستعلى من جبال فاران » فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها, ومن ساعين بعثة المسيح منها, ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها, وفاران مكة . قيل: كان ذلك نوره عز وجل. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها, والنار إحدى حجب الله تعالى, كما جاء في الحديث: « حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » ثم نـزه الله نفسه وهو المنـزه من كل سوء وعيب, فقال جل ذكره. ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )

يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 )

ثم تعرف إلى موسى بصفاته, فقال: ( يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) والهاء في قوله ( إِنَّهُ ) عماد, وليس بكناية, وقيل: هي كناية عن الأمر والشأن, أي: الأمر والشأن, أي: المعبود أنا

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 )

ثم أرى موسى آية على قدرته, فقال: ( وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ) تتحرك, ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها, ( وَلَّى مُدْبِرًا ) هرب من الخوف, ( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) لم يرجع, يقال: عقب فلان إذا رجع, وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت, فقال الله عز وجل: ( يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) يريد إذا آمنتهم لا يخافون, أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا يفارقهم, قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أنا أخشاكم لله » . وقوله: ( إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) واختلف في هذا الاستثناء, قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك, ثم تاب فقال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي, فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم, فإن أصابه أخافه حتى يتوب, فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحًا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استُغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه, تقديره: فمن ظَلَمَ ثم بدَّل حسنًا بعد سوء فإني غفور رحيم .

وقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم, بل هو استثناء من المتروك في الكلام, معناه: لا يخاف لديَّ المرسلون, إنما الخوف على غيرهم من الظالمين, إلا من ظلم ثم تاب, وهذا من الاستثناء المنقطع, معناه لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف, فإن تاب وبدَّل حسنًا بعد سوء فإن الله غفور رحيم, يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه .

وقال بعض النحويين: « إلا » هاهنا بمعنى: « ولا » يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء, يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون, كقوله تعالى: لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ( البقرة- 150 ) , يعني: ولا الذين ظلموا

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 )

ثم أراه الله آية أخرى فقال: ( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) والجيب حيث جيب من القميص, أي: قطع, قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار, فأدخل يده في جيبه وأخرجها, فإذا هي تبرق مثل البرق, فذلك قوله: ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) من غير برص, ( فِي تِسْعِ آيَاتٍ ) يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن, ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) ( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً ) بينة واضحة يبصر بها, ( قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) ظاهر.

 

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 )

( وَجَحَدُوا بِهَا ) أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله, ( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) أي: علموا أنها من عند الله, قوله: ( ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) أي: شركًا وتكبرًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى, ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) قوله عز وجل: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ) أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال, ( وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا ) بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس ( عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ )

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 )

( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ) نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده وكان لداود تسعة عشر ابنًا, وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك, وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكًا من داود وأقضى منه, وكان داود أشد تعبدًا من سليمان, وكان سليمان شاكرًا لنعم الله تعالى.

( وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) سمَّى صوت الطير منطقًا لحصول الفهم منه, كما يفهم من كلام الناس. روي عن كعب قال صاح وَرَشان عند سليمان عليه السلام, فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول لدوا للموت وابنُوا للخراب, وصاحت فاختة, فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: إنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا, وصاح طاووس, فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: كما تدين تدان, وصاح هدهد, فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم, وصاح صرد, فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين, قال: وصاحت طوطى, فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول: كل حي ميت وكل حديد بال, وصاح خطاف, فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: قدموا خيرًا تجدوه, وهدرت حمامة, فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه, وصاح قمري, فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى, قال: والغراب يدعو على العشَّار, والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلا الله, والقطاة تقول: من سكت سلم, والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه, والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس, والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده, والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان, فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: الرحمن على العرش استوى.

وعن فرقد السبخي قال مر سليمان على بلبل فوق شجر يحرك رأسه ويميل ذنبه, فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا الله ونبيه أعلم, قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا, قال: سلوا تفقهًا ولا تسألوا تعنتًا, قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره, والديك في صقيعه, والضفدع في نقيقه, والحمار في نهيقه, والفرس في صهيله, وماذا يقول الزرزور والدراج؟ قال: نعم, أما القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد, وأما الديك فيقول: اذكروا الله يا غافلين, وأما الضفدع فيقول: سبحان المعبود في لجج البحار, وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشار, وأما الفرس فيقول: إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح, وأما الزرزور فيقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رازق, وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى, قال: فأسلم اليهود وحسن إسلامهم.

وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم, عش ما شئت آخره الموت, وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس, وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد, وإذا صاح الخطاف, قرأ: الحمد لله رب العالمين, ويمد الضالين كما يمد القارئ. قوله تعالى: ( وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يؤتى الأنبياء والملوك, قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح, ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) الزيادة الظاهرة على ما أعطى غيرنا. وروي أن سليمان عليه السلام أعطي مشارق الأرض ومغاربها, فملك سبعمائة سنة وستة أشهر, ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع وأعطي على ذلك منطق كل شيء, وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة .

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 )

قوله عز وجل: ( وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ ) في مسيره له, ( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) فهم يكفون. قال قتادة: كان على كل صف من جنوده وزعة ترد [ أولها على آخراها ] لئلا يتقدموا في المسير, والوازع الحابس, وهو النقيب. وقال مقاتل: يوزعون يساقون, وقال السدي: يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع. قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكر سليمان مائة فرسخ, خمسة وعشرون منها للإنس, وخمسة وعشرون للجن, وخمسة وعشرون للوحش, وخمسة وعشرون للطير, وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب, فيها ثلثمائة صريحة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه, ويأمر الرخاء فتسير به, وأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح, فأخبرتك .

حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 )

قوله عز وجل: ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ ) روي عن وهب بن منبه عن كعب قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه, وقد اتخذ مطابخ ومخابز يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام, يسع كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه, فيطبخ الطباخون, ويخبز الخبازون, وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض, والريح تهوي بهم, فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان, طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه, ورأى حول البيت أصنامًا تعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت, فأوحى الله إلى البيت ما يبكيك؟ فقال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مرّوا عليّ فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي, والأصنام تُعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أنْ لا تبكِ, فإني سوف أملؤك وجوهًا سُجَّدًا, وأنـزل فيك قرآنًا جديدًا وأبعث منك نبيًا في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ, وأجعل فيك عمّارًا من خلقي يعبدونني, وأفرض على عبادي فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها, ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها, وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير وادٍ من الطائف, فأتى على وادي النمل, هكذا قال كعب: إنه وادٍ بالطائف. وقال قتادة ومقاتل: هو أرض بالشام. وقيل: واد كان يسكنه الجن, وأولئك النمل مراكبهم

وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب . وقيل: كالبخاتي. والمشهور: أنه النمل الصغير. وقال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين. وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت: ( قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ) ولم تقل: ادخلن, لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين, ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) لا يكسرنكم, ( سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ ) والحطم الكسر, ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) فسمع سليمان قولها, وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية, قال مقاتل: كان اسمها جرمى . فإن قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كان جنوده ركبانًا وفيهم مشاة على الأرض تطوى لهم. وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم. ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم. ويروى أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم.

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 )

قوله عز وجل: ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا ) قال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله ( ضَاحِكًا ) أي: متبسمًا. قيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك. أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا يحيى بن سليمان, حدثني ابن وهب, أخبرنا عمرو, هو ابن الحارث, أخبرنا النضر, حدثه عن سليمان بن يسار, عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لَهَوَاتِه, إنما كان يتبسم . أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني, أخبرنا أبو القاسم الخزاعي, أخبرنا الهيثم بن كليب, حدثنا أبو عيسى, حدثنا قتيبة بن سعيد, حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء قال: ما رأيتُ أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجبًا, لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك, ثم حمد سليمان ربَّه على ما أنعم عليه. ( وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ) ألهمني, ( أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) أي: أدخلني في جملتهم, وأثبت اسمى مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم, قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم, وإسماعيل, وإسحاق, ويعقوب, ومن بعدهم من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك من عبادك الصالحين.

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ( 20 )

قوله عز وجل: ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ) أي: طلبها وبحث عنها, والتفقد: طلب ما فُقِد, ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير, ( فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) أي: ما للهدهد لا أراه؟. تقول العرب: ما لي أراك كئيبًا؟ أي: مالك؟ والهدهد: طائر معروف. وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه, قيل: إخلاله بالنوبة, وذلك أن سليمان كان إذا نـزل منـزلا يظله وجنده الطيرُ من الشمس, فأصابته الشمس من موضع الهدهد, فنظر فرآه خاليًا.

وروي عن ابن عباس: أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء وكان يعرف موضع الماء ويرى الماء تحت الأرض, كما يرى في الزجاجة, ويعرف قربه وبعده فينقر الأرض, ثم تجيء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف انظر ما تقول, إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب, فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه, فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وفي رواية: إذا نـزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر . فنـزل سليمان منـزلا فاحتاج إلى الماء فطلبوا فلم يجدوا, فتفقد الهدهد ليدل على الماء, فقال: ما لي لا أرى الهدهد, على تقرير أنه مع جنوده, وهو لا يراه, ثم أدركه الشك في غيبته, فقال: ( أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ) يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة, وقيل: « أم » بمعنى « بل » , ثم أوعده على غيبته, فقال: لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا

لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 21 )

( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) واختلفوا في العذاب الذي أوعده به, فأظهر الأقاويل أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطًا, لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض . وقال مقاتل وابن حيان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه. وقيل: لأودعنّه القفص. وقيل: لأفرقن بينه وبين إلفه. وقيل: لأحبسنّه مع ضده. ( أَوْ لأذْبَحَنَّهُ ) لأقطعن حلقه, ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) بحجة بينة في غيبته, وعذر ظاهر, قرأ ابن كثير: « ليأتيني » بنونين, الأولى مشددة, وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة.

وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم, فتجهز للمسير, واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ, فحملهم الريح, فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم, وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا, يعطى النصر على جميع من ناوأه, وتبلغ هيبته مسيرة شهر, القريب والبعيد عنده في الحق سواء, لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: يدين بدين الحنيفية, فطوبى لمن أدركه وآمن به, فقالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب, فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل, قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه, ثم خرج من مكة صباحًا, وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال, وذلك مسيرة شهر, فرأى أرضًا حسناء تزهو خضرتها فأحب النـزول بها ليصلي ويتغدى, فلما نـزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنـزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها, ففعل ذلك, فنظر يمينًا وشمالا فرأى بستانًا لبلقيس, فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه, وكان اسم هدْهد سليمان « يعفور » واسم هدهد اليمن « عنفير » , فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. فقال: ومن سليمان؟ قال ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح, فمن أين أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد, قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس, وإن لصاحبكم ملكًا عظيمًا ولكن ليس ملك بلقيس دونه, فإنها ملكة اليمن كلها, وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد, تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل, فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء, قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة, فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها, وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر. قال: فلما نـزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نـزل على غير ماء, فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا, فتفقد الطير, ففقد الهدهد, فدعا عريف الطير - وهو النسر- فسأله عن الهدهد, فقال: أصلح الله الملك, ما أدري أين هو, وما أرسلته مكانًا, فغضب عند ذلك سليمان, وقال: ( لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) الآية. ثم دعا العقاب سيد الطير فقال: علي بالهدهد الساعة, فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينًا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن, فانقض العقاب نحوه يريده, فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده, فقال: بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء, قال: فولى عنه العقاب, وقال له: ويلك ثكلتك أمك, إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك, ثم طارا متوجهين نحو سليمان, فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير, فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ ولقد توعدك نبي الله, وأخبراه بما قال, فقال الهدهد: أوَما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى, قال: « أو ليأتيني بسلطان مبين » , قال: فنجوت إذًا, ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدًا على كرسيه, فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله, فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعًا لسليمان, فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال: أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا, فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى, فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه, ثم سأله فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ( 22 )

( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) قرأ عاصم ويعقوب: ( فَمَكَثَ ) بفتح الكاف, وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان, ( غَيْرَ بَعِيدٍ ) أي: غير طويل, ( فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ) والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته, يقول: علمتُ ما لم تعلم, وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك, ( وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ ) قرأ أبو عمرو, والبزي عن ابن كثير من « سبأ » [ و « لسبأ » في سورة سبأ, مفتوحة الهمزة, وقرأ القواص عن ابن كثير ] ساكنة بلا همزة, وقرأ الآخرون بالإجراء, فمن لم يجره جعله اسم البلد, ومن أجراه جعله اسم رجل, فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: « كان رجلا له عشرة من البنين تَيَامَنَ منهم ستة وتشاءم أربعة » . ( بِنَبَإٍ ) بخبر, ( يَقِينٍ ) فقال سليمان: وما ذاك؟ قال:

 

إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 )

( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ) وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل, من نسل يعرب بن قحطان, وكان أبوها ملكًا عظيم الشأن, قد ولد له أربعون ملكًا هو آخرهم, وكان يملك أرض اليمن كلها, وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤًا لي, وأبى أن يتزوج فيهم, فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن, فولدت له بلقيس, [ ولم يكن له ولد غيرها, وجاء في الحديث: إن إحدى أبوي بلقيس كان جنيًا . فلما مات أبو بلقيس ] طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون, فملَّكوا عليهم رجلا وافترقوا فرقتين, كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن, ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن, فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه, فلما رأت ذلك بلقيس أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه, فأجابها الملك, وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك, فقالت لا أرغب عنك, كفؤ كريم, فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم, فجمعهم وخطبها إليهم, فقالوا: لا نراها تفعل هذا, فقال لهم: إنها ابتدأتني فأنا أحب أن تسمعوا قولها فجاؤوها, فذكروا لها, فقالت: نعم أحببت الولد. فزوجوها منه, فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها, فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر, ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منـزلها, فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على باب دارها, فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرًا وخديعة منها, فاجتمعوا إليها وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك, فملكوها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, أخبرنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا عثمان بن الهيثم, أخبرنا عوف, عن الحسن, عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: « لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » . قوله تعالى: ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة, ( وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ) سرير ضخم كان مضروبًا من الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر, وقوائمه من الياقوت والزمرد, وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا: وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا. وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعًا وطوله في السماء ثمانين ذراعًا. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعًا وعرضه أربعين ذراعا وارتفاعه ثلاثين ذراعًا.

وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ( 24 ) أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ( 25 ) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 26 ) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 27 )

( أَلا يَسْجُدُوا ) قرأ أبو جعفر والكسائي: « أَلا يسجدوا » بالتخفيف, وإذا وقفوا يقفون « ألا يا » : ألا يا ثم يبتدئون: « اسجدوا » , على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا, وجعلوه أمرًا من عند الله مستأنفًا, وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة « يا » عليها, وذكر بعضهم سماعًا من العرب: أَلا يا ارحمونا, يريدون ألا يا قوم, وقال الأخطل:

أَلا يـا اسْـلَمِي يـا هِنْـدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ وإنْ كـانَ حَيَّانَـا عِـدًا آخِـرَ الدَّهْـرِ

يريد: ألا يا اسلمي يا هند, وعلى هذا يكون قوله « أَلا » كلامًا معترضًا من غير القصة, إما من الهدهد, وإما من سليمان. قال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف يعني: يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ الآخرون: « ألا يسجدوا » بالتشديد, بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا, ( لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ) أي: الخفي المخبَّأ, ( فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي: ما خبأت. قال أكثر المفسرين: خبء السماء: المطر, وخبء الأرض: النبات. وفي قراءة عبد الله: « يخرج الخبء من السموات والأرض » , و « من » و « في » يتعاقبان, تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم, يريد: منكم. وقيل: معنى « الخبء » الغيب, يريد: يعلم غيب السموات والأرض. ( وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ) قرأ الكسائي, وحفص, عن عاصم: بالتاء فيهما, لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء. ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) أي: هو المستحقُّ للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيمًا فهو صغير حقير في جنب عرشه عز وجل, تم هاهنا كلام الهدهد, فلما فرغ الهدهد من كلامه. ( قَالَ ) سليمان للهدهد: ( سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ ) فيما أخبرت, ( أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ؟ فدلَّهم الهدهد على الماء, فاحتفروا الركايا وروي الناس والدواب, ثم كتب سليمان كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم, السلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فلا تعلوا علي واتوني مسلمين. قال ابن جريج لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة: وكذلك الأنبياء كانت تكتب جُمَلا لا يطيلون ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد ( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ )

اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ( 28 ) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ( 29 )

( اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ) قرأ أبو عمرو, وعاصم, وحمزة: ساكنة الهاء, ويختلسها أبو جعفر, ويعقوب وقالون كسرًا, [ والآخرون بالإشباع كسرًا ] , ( ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ) تَنحَ عنهم فكنْ قريبًا منهم, ( فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ) يردُّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهبْ بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون, ثم تول عنهم, أي: انصرف إليَّ, فأخذ الهدهد الكتاب فأتى به إلى بلقيس, وكانت بأرض يقال لها « مأرب » من صنعاء على ثلاثة أيام, فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب, وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها, فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها, فألقى الكتاب على نحرها, هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه, حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حِجْرها.

وقال ابن منبه, وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع, فإذا نظرت إليها سجدت لها, فجاء الهدهد الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم, فلما استبطأت الشمس قامت تنظر, فرمى بالصحيفة إليها, فأخذت بلقيس الكتاب, وكانت قارئة, فلما رأت الخاتم أُرعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه, وعرفت أن الذي أرسل الكتاب إليها أعظم مُلْكًا منها, فقرأت الكتاب, وتأخر الهدهد غير بعيد, فجاءت حتى قعدت على سرير مملكتها وجمعت الملأ من قومها, وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وعن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف [ قَيْل, مع كل قيل مائة ألف ] والقَيْل الملك دون الملك الأعظم, وقال قتادة ومقاتل: كان أهل مشورتها ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف, قال: فجاءوا وأخذوا مجالسهم . ( قَالَتْ ) هم بلقيس: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ ) وهم أشراف الناس وكبراؤهم ( إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) قال عطاء والضحاك: سمته كريمًا لأنه كان مختومًا. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كرامة الكتاب ختمه » وقال قتادة ومقاتل: « كتاب كريم » أي: حسنٌ, وهو اختيار الزجاج, وقال: حسن ما فيه, وروي عن ابن عباس: « كريم » , أي: شريف لشرف صاحبه, وقيل: سمته كريمًا لأنه كان مصدرًا ببسم الله الرحمن الرحيم ثم بينت ممن الكتاب فقالت: ( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ )

إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 30 ) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 31 ) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ( 33 ) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 )

( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ ) وبينت المكتوب فقالت: ( وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ ) قال ابن عباس: أي: لا تتكبروا علي. وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي. معناه: لا تمتنعوا من الإجابة, فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر, ( وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) مؤمنين طائعين. قيل: هو من الإسلام, وقيل: هو من الاستسلام. ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ) أشيروا علي فيما عرض لي, وأجيبوني فيما أشاوركم فيه, ( مَا كُنْتُ قَاطِعَةً ) قاضية وفاصلة, ( أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ) [ أي: تحضرون ] . ( قَالُوا ) مجيبين لها: ( نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ ) في القتال, ( وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ) عند الحرب, قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرة العدد, وبالبأس الشديد الشجاعة, وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك, ثم قالوا: ( وَالأمْرُ إِلَيْكِ ) أيتها الملكة في القتال وتركه, ( فَانْظُرِي ) من الرأي, ( مَاذَا تَأْمُرِينَ ) تجدينا لأمرك مطيعين. ( قَالَتْ ) بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً ) عنوة, ( أَفْسَدُوهَا ) خربوها, ( وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) أي: أهانوا أشرافها وكبراءها, كي يستقيم لهم الأمر, تحذِّرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم, وتناهى الخبر عنها هاهنا, فصدق الله قولها فقال: ( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) أي: كما قالت هي يفعلون.

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( 35 )

ثم قالت: ( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ ) والهدية هي: العطية على طريق الملاطفة. وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست, فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم, أي: إلى سليمان وقومه, بهدية أُصانِعُه بها عن ملكي وأختبره بها أَمِلكٌ هو أم نبي؟ فإن يكن ملكًا قبل الهدية وانصرف, وإن كان نبيًا لم يقبل الهدية ولم يُرْضِه منّا إلا أن نتبعه على دينه, فذلك قوله تعالى: ( فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) [ فأهدت إليه ] وصفاء ووصائف, قال ابن عباس ألبستهم لباسًا واحدًا كي لا يُعْرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان. واختلفوا في عددهم, فقال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة وقال مجاهد: [ ومقاتل ] مائتا غلام ومائتا جارية.

وقال قتادة, وسعيد بن جبير: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج. وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج. وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية, فألبست الغلمان لباس الجواري, وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب, وفي أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر, وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق, وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون, على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون, وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة, وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع, وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود الألنجوج, وعمدت إلى حقه فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب, ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو, وضمت إليه, رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل, وكتبت معه كتابًا بنسْخة الهدية, وقالت فيه: إن كنتَ نبيًا فميِّزْ بين الوصائف والوصفاء, وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها, واثقب الدر ثقبًا مستويًا, وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جنّ. وأمرت بلقيس الغلمان, فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء, وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال.

ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره, فإنّا أعزّ منه, وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهَّم قوله, ورد الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا, وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان فأخبره الخبر كله, فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا, ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة, وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا, شُرفها من الذهب والفضة, ثم قال: أي الدوابِّ أحسن مما رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دوابًا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواصٍ, فقال: عليّ بها الساعة, فأتوا بها, فقال: شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة, وألقُوا لها علوفَتها فيها, ثم قال للجن: عليّ بأولادكم, فاجتمع خلق كثير, فأقامهم على يمين الميدان ويساره, ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره, ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره, وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفًا فراسخ, وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير, فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لِبَنِ الذهب والفضة, تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا, وفي بعض الروايات [ أن سليمان ] لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم, فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان, فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب, ففزعوا, فقالت لهم الشياطين: جُوزوا فلا بأس عليكم, فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش, حتى وقفوا بين يدي سليمان, فنظر إليهم سليمان نظرًا حسنًا بوجه طلق, وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له, وأعطاه كتاب الملكة, فنظر فيه, ثم قال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها, وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة, فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة, وجزعة مثقوبة معوجة الثقب, فقال الرسول: صدقت, فاثقب الدرة, وأدخل الخيط في الخرزة, فقال سليمان: من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم الجن, فلم يكن عندهم علم ذلك, ثم سأل الشياطين, فقالوا: نرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر, فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة, فقال لك ذلك.

وروي أنه جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف, فجعل لها ذلك, فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر, فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه, قال: لك ذلك, ثم ميز بين الجواري والغلمان, بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم, فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه, والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه, وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها, والغلام على ظهر الساعد, وكانت الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدرًا, فميّز بينهم بذلك, ثم ردّ سليمان الهدية, كما قال الله تعالى:

 

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 )

( فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ ) قرأ حمزة, ويعقوب: « أتمدوني » بنون واحدة مشددة وإثبات الياء, وقرأ الآخرون: بنونين خفيفين, ويثبت الياء أهل الحجاز والبصرة, والآخرون يحذفونها, ( فَمَا آتَانِ اللَّهُ ) أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك, ( خَيْرٌ ) أفضل, ( مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها, تفرحون بإهداء بعضكم لبعض, فأما أنا فلا أفرح بها, وليست الدنيا من حاجتي, لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا, ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة, ثم قال للمنذر بن عمرو وأمير الوفد: ارْجِعْ إِلَيْهِمْ

ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 37 ) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ( 38 )

( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ) بالهدية, ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ ) لا طاقة لهم, ( بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا ) أي: من أرضهم وبلادهم وهي سبأ, ( أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان, قالت: قد عرفت - والله- ما هذا بملك وما لنا به طاقة, فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك, ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور لها, ثم أغلقت دونه الأبواب, ووكلت به حراسًا يحفظونه, ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قِبَلِك وسرير ملكي, لا يخلص إليه أحد ولا يرينَّه حتى آتيك, ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل, وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن, تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه, فخرج يوما فجلس على سرير ملكه, فرأى رهجا قريبا منه, فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نـزلت منا بهذا المكان, وكان على مسيرة فرسخ من سليمان, قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ, فأقبل سليمان حينئذ على جنوده. ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) أي: مؤمنين, وقال ابن عباس: طائعين. واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها, فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها, فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها . وقيل: ليريها قدرة الله عز وجل وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها .

وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد, فأحب أن يراه . قال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها .

قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 )

( قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ ) وهو المارد القوي, قال وهب: اسمه كوذى وقيل: ذكوان, قال ابن عباس: العفريت الداهية. وقال الضحاك: هو الخبيث. وقال الربيع: الغليظ, قال الفراء: القوي الشديد, وقيل: هو صخرة الجني, وكان بمنـزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه, ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ) أي: من مجلسك الذي تقضي فيه, [ قال ابن عباس: وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه ] إلى منتهى النهار, ( وَإِنِّي عَلَيْهِ ) أي: على حمله, ( لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ) على ما فيه من الجواهر, فقال سليمان: أريد أسرع من هذا. فـ ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ ) واختلفوا فيه فقال بعضهم هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام. وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا, وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. وروى جويبر, ومقاتل, عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن آصف قال لسليمان حين صلى: مد عينيك حتى ينتهي طرفك, فمد سليمان عينيه, فنظر نحو اليمين, ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به خدا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان.

وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغاب عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان. وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين. واختلفوا في الدعاء [ الذي دعا به ] آصف, فقال مجاهد, ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الكلبي: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة. وروي عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان, قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما: ( أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال سليمان: هات, قال: أنت النبي ابن النبي, وليس أحد أوجه عند الله منك, فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك, فقال: صدقت, ففعل ذلك, فجيء بالعرش في الوقت.

وقوله تعالى: ( قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) قال سعيد بن جبير: يعني: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى, وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. قال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه, حتى أمثله بين يديك, ( فَلَمَّا رَآهُ ) يعني: رأى سليمان العرش, ( مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ ) محمولا إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف, ( قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ ) نعمته, ( أَمْ أَكْفُرُ ) [ فلا أشكرها ] ( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) أي: يعود نفع شكره إليه, وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها, لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة, ( وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ ) عن شكره, ( كَرِيمٌ ) بإفضال على من يكفر نعمه.

قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41 )

قوله تعالى: ( قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ) يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته, قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص, وروى أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله, وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر, ( نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي ) إلى عرشها فتعرفه, ( أَمْ تَكُونُ مِنَ ) الجاهلين, ( الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ) إليه, وإنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشى إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية, وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده, فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها, وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح .

فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 ) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ( 43 )

( فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ) قال مقاتل: عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل: نعم, خوفا من أن تكذب, ولم تقل: لا خوفا من التكذيب, قالت: كأنه هو, فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر. وقيل اشتبه عليها أمر العرش, لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها, وقيل لها: فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب, فقال: ( وَأُوتِينَا الْعِلْمَ ) بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل, ( مِنْ قَبْلِهَا ) من قبل الآية في العرش ( وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ) منقادين طائعين لأمر سليمان. وقيل قوله: « وأوتينا العلم من قبلها » قاله سليمان, يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة, وكنا مسلمين, هذا قول مجاهد . وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله عز وجل. قوله عز وجل: ( وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي: منعها ما كانت تعبد من دون الله, وهو الشمس, أن تعبد الله, أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله, فعلى هذا التأويل يكون « ما » في محل الرفع .

وقيل: معناه [ صدها عن عبادة الله لا نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في عقلها شيئا, بل كانت تعبد من دون الله ] . وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله, أي: منعها ذلك وحال بينها وبينه, فيكون محل « ما » نصبا. ( إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ) هذا استئناف, أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس, فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 44 )

قوله عز وجل: ( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ) الآية, وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها, لما قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار, وهي شعراء الساقين, أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي: قصرا من زجاج, وقيل بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا, وقيل: الصرح صحن الدار, وأجرى تحته الماء, وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما, ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس. وقيل: اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع, فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف فلما جلس على السرير دعا بلقيس, فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح.

( فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً ) وهي معظم الماء, ( وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ) لتخوضه إلى سليمان, فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين, فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنه وناداها ( قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ) مملس مستو, ( مِنْ قَوَارِيرَ ) وليس بماء, ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام, وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت, و ( قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ) بالكفر. وقال مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك, ( وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي: أخلصت له التوحيد. وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة, قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني, وكان القتل علي أهون من هذا, فقولها: « ظلمت نفسي » تعني بذلك الظن.

واختلفوا في أمرها بعد إسلامها, قال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله بن عتبة: هل تزوجها سليمان؟ قال: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين, يعني: لا علم لنا وراء ذلك. وقال بعضهم: تزوجها, ولما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها, فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى, فقالت المرأة: لم تمسني حديدة قط, فكره سليمان الموسى, وقال: إنها تقطع ساقيها, فسأل الجن فقالوا: لا ندري, ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حيلة حتى تكون كالفضة البيضاء, فاتخذوا النورة والحمام, فكانت النورة والحمامات من يومئذ فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا, وأقرها على ملكها, وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا, وهي: سلحين, وبينون, وعمدان. ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام, يبتكر من الشام إلى اليمن, ومن اليمن إلى الشام, وولدت له فيما ذكر وروي عن وهب قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك أزوجكه, قالت: ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم, إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك, ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك, فقالت: زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همذان فزوجه إياها, ثم ردها إلى اليمن, وسلط زوجها ذا تبع على اليمن, ودعا زوبعة أمير جن اليمن, فقال: اعمل لذي تبع ما استعملك فيه, فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان, فلما أن حال الحول, وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات, فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا, وانقضى ملك ذي تبع, وملك بلقيس مع ملك سليمان . وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.

 

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 46 ) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ( 47 )

قوله عز وجل: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ ) [ أي: أن ] ( اعْبُدُوا اللَّهَ ) وحده, ( فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ ) [ مؤمن وكافر ] ( يَخْتَصِمُونَ ) في الدين, قال مقاتل: واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ , إلى قوله: يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( الأعراف- 75- 77 ) . فـ ( قَالَ ) لهم صالح, ( يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ ) بالبلاء والعقوبة, ( قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) العافية والرحمة, ( لَوْلا ) هلا ( تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ ) بالتوبة من كفركم, ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ( قَالُوا اطَّيَّرْنَا ) أي: تشاءمنا, وأصله: تطيرنا, ( بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ) قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا, فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك. ( قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) أي: ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره, وهو مكتوب عليكم, سمي طائرا لسرعة نـزوله بالإنسان, فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله لكفركم. وقيل: طائركم أي: عملكم عند الله, سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء. ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ ) قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر, نظيره قوله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ( الأنبياء- 35 ) , وقال محمد بن كعب القرظي: تعذبون.

وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( 49 ) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 )

قوله تعالى: ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ) يعني: مدينة ثمود, وهي الحجر, ( تِسْعَةُ رَهْطٍ ) من أبناء أشرافهم, ( يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة, وهم غواة قوم صالح, ورأسهم قدار بن سالف, وهو الذي تولى عقرها, كانوا يعملون بالمعاصي. قالوا ( تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ ) تحالفوا, يقول بعضهم لبعض: أي: احلفوا بالله أيها القوم. وموضع « تقاسموا » جزم على الأمر, وقال قوم: محله نصب على الفعل الماضي, يعني: أنهم تحالفوا وتواثقوا, تقديره: قالوا متقاسمين بالله, ( لَنُبَيِّتَنَّهُ ) أي: لنقتلنه بياتا أي: ليلا ( وَأَهْلَهُ ) أي: وقومه الذين أسلموا معه, وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي « لتبيتنه » و « لتقولن » بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب, وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل, ( ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ) أي: لولي دمه, ( مَا شَهِدْنَا ) ما حضرنا, ( مَهْلِكَ أَهْلِهِ ) أي: إهلاكهم, ولا ندري من قتله, ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله, ( وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) في قولنا ما شهدنا ذلك. ( وَمَكَرُوا مَكْرًا ) غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به, ( وَمَكَرْنَا مَكْرًا ) جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم, ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا ) قرأ أهل الكوفة « أنا » بفتح الألف ردا على العاقبة, أي: كانت العاقبة أنا دمرناهم, وقرأ الآخرون: « إنا » بالكسر على الاسئناف, ( دَمَّرْنَاهُمْ ) أي: أهلكناهم التسعة. واختلفوا في كيفية هلاكهم, قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه, فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم, فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة, فقتلهم. قال مقاتل: نـزلوا في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح, فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. ( وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) أهلكهم الله بالصيحة.

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 53 ) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 54 ) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 55 )

( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) نصب على الحال أي: خالية, ( بِمَا ظَلَمُوا ) أي: بظلمهم وكفرهم, ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) لعبرة, ( لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) قدرتنا. ( وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف. قوله تعالى: ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ) وهي الفعلة القبيحة, ( وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أي: تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون عُتُوًّا منهم. ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ )