الجزء الثاني
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ
النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ
الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142
) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا
جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا
عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143
)
قوله تعالى: (
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ) الجهال ( مِنَ
النَّاسِ مَا وَلاهُمْ ) صرفهم وحولهم ( عَنْ
قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) يعني
بيت المقدس والقبلة فعلة من المقابلة نـزلت في اليهود ومشركي مكة طعنوا في تحويل
القبلة من بيت المقدس إلى مكة، فقالوا لمشركي مكة: قد تردد على محمد أمره فاشتاق
إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم فقال الله تعالى: ( قُلْ
لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) له
والخلق عبيده. ( يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
(
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) نـزلت
في رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإن قبلتنا
قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا عدل بين الناس، فقال معاذ: إنا على حق وعدل
فأنـزل الله تعالى: ( وَكَذَلِك ) أي
وهكذا، وقيل: الكاف للتشبيه أي كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم (
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) مردودة
على قوله: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ( 130 -
البقرة ) أي عدلا خيارا قال الله تعالى: قَالَ أَوْسَطُهُمْ ( 28-
القلم ) أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، وقال الكلبي يعني
أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين.
وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد بن الحسين الوراق أنا أبو عبد الله محمد بن
زكريا بن يحيى أنا أبو الصلت أنا حماد بن زيد أنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد
العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على
رءوس النخل وأطراف الحيطان، قال: « أما
إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة
توفي سبعين أمة هي آخرها وأخيرها وأكرمها على الله تعالى » .
قوله تعالى: (
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) يوم
القيامة أن الرسل قد بلغتهم، قال ابن جريج: قلت لعطاء، ما معنى قوله تعالى لتكونوا
شهداء على الناس؟ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من يترك الحق من
الناس أجمعين ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ ) محمد
صلى الله عليه وسلم ( عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) معدلا
مزكيا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار
الأمم الماضية: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8-
الملك ) فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيسأل الله
الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة - وهو
أعلم بهم - إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد
بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة
فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنـزلت عليه كتابا، أخبرتنا فيه تبليغ الرسل وأنت صادق
فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد
بصدقهم.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا أبو أسامة قال الأعمش أخبرنا أبو صالح عن
أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يجاء
بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيسأل أمته هل بلغكم؟
فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: من شهودك فيقول محمد وأمته » فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم « فيجاء بكم فتشهدون » ثم قرأ
رسول الله صلى الله عليه وسلم « وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا » قوله
تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ) أي
تحويلها يعني بيت المقدس، فيكون من باب حذف المضاف، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني
للجعل محذوفا، على تقدير وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، وقيل معناه التي
أنت عليها، وهي الكعبة كقوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أي أنتم.
( إِلا
لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ) فإن
قيل ما معنى قوله: « إلا لنعلم » وهو
عالم بالأشياء كلها قبل كونها قيل: أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب،
فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب، إنما يتعلق بما يوجد معناه ليعلم العلم
الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب، وقيل: إلا لنعلم أي: لنرى ونميز من يتبع
الرسول في القبلة ( مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ ) فيرتد وفي الحديث إن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين
إلى اليهودية، وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه، وقال أهل المعاني: معناه إلا
لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب
لهداية قوم وضلالة قوم، وقد يأتي لفظ الاستقبال بمعنى الماضي كما قال الله تعالى
فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ( 91-
البقرة ) أي فلم قتلتموهم (
وَإِنْ كَانَتْ ) أي قد كانت أي تولية الكعبة
وقيل: الكتابة راجعة إلى القبلة، وقيل: إلى الكعبة قال الزجاج: وإن كانت التحويلة
( لَكَبِيرَة ) ثقيلة
شديدة ( إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) أي
هداهم الله، قال سيبويه: « وإن » تأكيد
يشبه اليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها ( وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) وذلك
أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت
المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات
منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون إنما الهدى ما أمر الله به،
والضلالة ما نهى الله عنه.
قالوا: فما شهادتكم على من مات
منكم على قبلتنا؟ وكان قد مات قبل أن تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من
بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق
عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة
إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنـزل الله تعالى ( وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) يعني
صلاتكم إلى بيت المقدس ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ
لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) قرأ أهل الحجاز وابن عامر
وحفص لرءوف مشبع على وزن فعول، لأن أكثر أسماء الله تعالى على فعول وفعيل، كالغفور
والشكور والرحيم والكريم وغيرها، وأبو جعفر يلين الهمزة وقرأ الآخرون بالاختلاس
على وزن فعل قال جرير:
تــرى للمســلمين عليــك حقــا كفعــل الواحــد الـرءوف الرحـيم
والـرأفة أشـد الرحمـة.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144
)
قوله تعالى: ( قَدْ
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ) هذه
الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة، وأمر القبلة
أول ما نسخ من أمور الشرع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا
يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت
المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته
في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس وكان يحب أن
يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد: كان يحب
ذلك لأجل اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا
ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة
أبي إبراهيم عليه السلام، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك، فسل
أنت ربك فإنك عند الله عز وجل بمكان [
فرجع ] جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم
النظر إلى السماء رجاء أن ينـزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنـزل الله تعالى ( قَدْ
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً )
فلنحولنك إلى قبلة ( تَرْضَاهَا ) أي
تحبها وتهواها ( فول ) أي حول
( وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي
نحوه وأراد به الكعبة والحرام المحرم (
وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ ) من بر أو بحر أو شرق أو غرب (
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) عند الصلاة.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال سمعت
ابن عباس رضي الله عنهما: قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في
نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة ( وقال
هذه القبلة ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا عمرو بن خالد أخبرنا زهير أخبرنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نـزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه
صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل
البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر
على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي
قبل المقدس لأنه قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وقال:
البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول
فيهم، فأنـزل الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ .
وكان تحويل القبلة في رجب بعد
زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، قال مجاهد وغيره: نـزلت هذه الآية ورسول الله صلى
الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في
الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك
المسجد مسجد القبلتين. وقيل: كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين، وأهل قباء وصل
إليهم الخبر في صلاة الصبح.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد
السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن
عبد الصمد الهاشمي السامري أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس
عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ
جاءهم آت وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنـزل عليه الليلة قرآن
وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى
الكعبة .
فلما تحولت القبلة قالت اليهود:
يا محمد ما هو إلا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى
الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره؟ فأنـزل الله (
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ) يعني
أمر الكعبة ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) ثم
هددهم فقال ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) قرأ
أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء قال ابن عباس يريد أنكم يا معشر
المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم وقرأ الباقون بالياء يعني
ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم في الدنيا والآخرة.
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ
قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ
الظَّالِمِينَ ( 145 )
قوله تعالى (
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) يعني
اليهود والنصارى قالوا: ائتنا بآية على ما تقول فقال الله تعالى (
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ) معجزة
( مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ) يعني
الكعبة ( وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ
بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) لأن اليهود تستقبل بيت المقدس
وهو المغرب والنصارى تستقبل المشرق وقبلة المسلمين الكعبة.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد
الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى
محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا
عبد الله بن جعفر المخزومي عن عثمان الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « القبلة ما بين المشرق والمغرب
»
وأراد به في حق أهل المشرق، وأراد بالمشرق: مشرق الشتاء في
أقصر يوم في السنة، وبالمغرب: مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب
الصيف في هذا الوقت على يمينه ومشرق الشتاء على يساره كان وجهه إلى القبلة (
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ) مرادهم
الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به الأمة، ( مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) الحق
في القبلة، ( إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ )
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146
) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ
الْمُمْتَرِينَ ( 147 )
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا
تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ( 148 )
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ
لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149
)
قوله تعالى: (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يعني
مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه (
يَعْرِفُونَه ) يعني يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ( كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) من بين الصبيان، قال عمر بن
الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد أنـزل على نبيه (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ
) فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين
رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني، فقال
عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد إنه رسول الله حق من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا
ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت (
وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) يعني
صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة (
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ثم قال
(
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي هذا الحق خبر مبتدأ مضمر
وقيل رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق من ربك ( فَلا
تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الشاكين.
قوله تعالى: (
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ) أي لأهل كل ملة قبلة والوجهة
اسم للمتوجه إليه ( هُوَ مُوَلِّيهَا ) أي
مستقبلها ومقبل إليها يقال: وليته ووليت إليه: إذا أقبلت إليه ، ووليت عنه إذا
أدبرت عنه. قال مجاهد: هو موليها وجهه، وقال الأخفش، هو كناية عن الله عز وجل يعني
الله مولي الأمم إلى قبلتهم وقرأ ابن عامر: مولاها، أي: المستقبل مصروف إليها (
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) أي إلى الخيرات، يريد: بادروا
بالطاعات، والمراد المبادرة إلى القبول (
أَيْنَمَا تَكُونُوا ) أنتم وأهل الكتاب (
يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم
( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
قوله تعالى (
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ
لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) قرأ
أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي
عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150
)
( وَمِنْ
حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا
كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) وإنما
كرر لتأكيد النسخ ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا )
اختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله ( إِلا ) فقال
بعضهم: معناه حولت القبلة إلى الكعبة (
لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) إذا
توجهتم إلى غيرها فيقولون ليست لكم قبلة ( إِلا
الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قريش واليهود فأما قريش فتقول
رجع محمد إلى الكعبة، لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه، فكذلك يرجع إلى ديننا،
وأما اليهود فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل برأيه
وقال قوم ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) يعني
اليهود وكانت حجتهم على طريق المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس أنهم
كانوا يقولون ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن.
وقوله ( إِلا
الَّذِينَ ظَلَمُوا ) مشركو مكة، وحجتهم: أنهم
قالوا - لما صرفت قبلتهم إلى الكعبة إن محمدا قد تحير في دينه وسيعود إلى ملتنا
كما عاد إلى قبلتنا، وهذا معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة، وعلى هذين التأويلين يكون
الاستثناء صحيحا، وقوله ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يعني
لا حجة لأحد عليكم إلا لمشركي قريش فإنهم يحاجونكم فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل
والظلم والاحتجاج بالباطل يسمى حجة كما قال الله تعالى حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ ( 16- الشورى ) وموضع
( الَّذِين ) خفض
كأنه قال سوى الذين ظلموا قاله الكسائي وقال الفراء نصب بالاستثناء.
قوله تعالى: (
مِنْهُم ) يعني من الناس وقيل هذا استثناء منقطع عن الكلام الأول،
معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل، كما قال الله تعالى مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ
عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ( 157-
النساء ) يعني لكن يتبعون الظن فهو كقول الرجل ما بسلك عندي حق إلا
أن تظلم.
قال أبو روق (
لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ ) يعني اليهود (
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) وذلك أنهم عرفوا أن الكعبة
قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فحوله الله تعالى لئلا يكون
لهم حجة فيقولون: إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت، فلما
حول إليها ذهبت حجتهم ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يعني
إلا أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق. وقال أبو عبيدة قوله ( إِلا
الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ليس باستثناء ولكن « إلا » في موضع
واو العطف يعني: والذين ظلموا أيضا لا يكون لهم حجة كما قال الشاعر:
وكــــل أخ مفارقـــه أخـــوه لعمـــر أبيـــك إلا
الفرقـــدان
معناه والفرقدان أيضا يتفرقان،
فمعنى الآية فتوجهوا إلى الكعبة (
لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ ) يعني اليهود (
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) فيقولوا لم تركتم الكعبة وهي
قبلة إبراهيم وأنتم على دينه ولا الذين ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لم ترك محمد
قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة اليهود ( فَلا
تَخْشَوْهُمْ ) في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم بالمجادلة فإني وليكم
أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ( وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ
نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ) عطف على قوله (
لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) ولكي
أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية، وقال
علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام.
قال: سعيد بن جبير لا يتم نعمة
على مسلم إلا أن يدخله الله الجنة (
وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) لكي تهتدوا من الضلالة ولعل
وعسى من الله واجب.
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ
رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ( 151
)
قوله تعالى: ( كَمَا
أَرْسَلْنَا فِيكُمْ ) هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى
شيء يرجع إليه فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم
رسولا قال محمد بن جرير: دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين - إحداهما - قال:
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً
لَكَ ( 128- البقرة )
والثانية قوله: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ ( 129-
البقرة ) فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد إجابة
الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم
لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية وقال مجاهد
وعطاء والكلبي: هي متعلقة بما بعدها وهو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ معناه
كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما
أرسلنا فيكم يا معشر العرب.
(
رَسُولا مِنْكُمْ ) يعني محمدا صلى الله عليه
وسلم ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) يعني
القرآن ( وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) قيل:
الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن (
وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )
الأحكام وشرائع الإسلام.
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152
)
(
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) قال ابن عباس: اذكروني
بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وقال سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في
الشدة والبلاء، بيانه فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي
بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144-
الصافات ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا عمر بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي
هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: « أنا
عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني
في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي
ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد بن القاضي وثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني قال:
حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن
سليمان أخبرنا أبو عبد الملك الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنا منذر بن
زياد عن صخر بن جويرية عن الحسن عن أنس قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى
الله عليه وسلم عدد أناملي هذه العشر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ
ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا
دنوت منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، وإن هرولت إلي سعيت إليك، وإن سألتني
أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا
يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي أخبرنا إسماعيل بن عبد الله عن أبي الدرداء عن
أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: « أنا مع
عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا
إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: « أن
تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى » .
قوله تعالى: (
وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ) يعني
واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد
كفره.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153
)
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالعون والنصرة.
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ
يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154
)
( وَلا
تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ) نـزلت في
قتلى بدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار
كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها
فأنـزل الله تعالى: ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ
يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ) كما
قال في شهداء أحد وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169-
آل عمران ) قال الحسن إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم
على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة
وعشية فيصل إليهم الوجع.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ
مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ
إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ ( 156 )
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُونَ ( 157 )
قوله تعالى: (
وَلَنَبْلُوَنَّكُم ) أي ولنختبرنكم يا أمة محمد،
واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من
العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به (
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ ) قال ابن عباس يعني خوف العدو
( وَالْجُوعِ ) يعني
القحط ( وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ )
بالخسران والهلاك ( وَالأنْفُسِ ) يعني
بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب (
وَالثَّمَرَاتِ ) يعني الجوائح في الثمار وحكي
عن الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من الأموال
أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة
قلبه.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن
عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن
سلمة عن أبي سنان قال دفنت ابني سنانا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت
الخروج أخذ بيدي فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك عن عرزب عن أبي موسى
الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا
مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا نعم، قال أقبضتم
ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم، قال فماذا قال عبدي؟ قالوا استرجع وحمدك قال: ابنوا له
بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد » .
( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) على
البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال:
(
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ) عبيدا
وملكا ( وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) في
الآخرة.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا
حميد بن زنجويه أخبرنا محاضر بن المورع أخبرنا سعد عن عمر بن كثير بن أفلح أخبرنا
مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول
إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره
الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها » قالت أم
سلمة لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها.
فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد
في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه
السلام ألا تسمع لقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ( 84-
يوسف ) .
( أُولَئِكَ
) أهل هذه الصفة (
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) صلوات
أي رحمة فإن الصلاة من الله الرحمة ورحمة ذكرها الله تأكيدا وجميع الصلوات، أي:
رحمة بعد رحمة ( وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُونَ ) إلى الاسترجاع وقيل إلى الحق
والصواب وقيل إلى الجنة والثواب، قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة
فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية.
وقد وردت أخبار في ثواب أهل
البلاء وأجر الصابرين منها ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو
علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا
أبو مصعب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت
أبا الحباب سعيد بن يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم « من يرد الله به خيرا يصب منه » .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الملك بن عمرو أخبرنا زهير بن محمد عن محمد بن
عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « ما يصيب المسلم من نصب ولا
وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه
» . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور
السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا محمد بن عبيد أخبرنا
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله لي أن يشفيني قال « إن شئت
دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك » قالت:
بل أصبر ولا حساب علي .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن أبي نـزار أخبرنا أبو منصور
العباس بن الفضل النضروي أخبرنا أحمد بن نجدة أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني
أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم هو ابن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد قال: سئل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاء قال: «
الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلي الله الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا
ابتلي على قدر ذلك وإن كان في دينه رقة هون عليه فما يزال كذلك حتى يمشي على الأرض
وما له من ذنب » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا
عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس
بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن عظم
الجزاء عند الله مع عظم البلاء فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا
ومن سخط فله السخط » .
أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد
الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي
أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من
خطيئة » .
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أخبرنا أبو علي
إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا
معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن
يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تستحصد » .
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن
منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن
عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « عجب
للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر. فالمؤمن يؤجر
في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته » .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ
شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )
قوله تعالى: ( إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الصفا
جمع صفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى ونواة ونوى،
والمروة: الحجر الرخو، وجمعها مروات، وجمع الكثير مرو، مثل تمرة وتمرات وتمر.
وإنما عنى بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف
واللام، وشعائر الله أعلام دينه، أصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل
ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة
فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر الله ومثلها المشاعر، والمراد بالشعائر هاهنا:
المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته، فالصفا والمروة منها حتى يطاف بهما جميعا
( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ) فالحج
في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة ( فَلا
جُنَاحَ عَلَيْهِ ) أي لا إثم عليه، وأصله من جنح
أي مال عن القصد ( أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) أي
يدور بهما، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء.
وسبب نـزول هذه الآية أنه كان
على الصفا والمروة صنمان أساف ونائلة، وكان أساف على الصفا ونائلة على المروة،
وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما
جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل
الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله .
واختلف أهل العلم في حكم هذه
الآية ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة فذهب جماعة إلى وجوبه وهو
قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه
تطوع وهو قول ابن عباس وبه قال ابن سيرين ومجاهد وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب
الرأي. وقال الثوري وأصحاب الرأي على من تركه دم .
واحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد
الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو
العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد
الله بن مؤمل العائذي عن عمرو بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية
بنت شيبة قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة - اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار -
قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول
إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول « اسعوا فإن الله كتب عليكم
السعي » .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد
السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن
هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول
الله تعالى ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ
بِهِمَا ) فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو
كانت كما تقول كانت « فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما
» إنما أنـزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت
مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام
سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنـزل الله تعالى ( إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ) الآية.
قال عاصم: قلت لأنس بن مالك
أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية
حتى أنـزل الله تعالى ( إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ )
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن
محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول « نبدأ
بما بدأ الله تعالى به » فبدأ بالصفا. وقال كان إذا وقف
على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك. وقال:
كان إذا نـزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي يسعى حتى يخرج منه.
قال مجاهد - رحمه الله - : حج
موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه عباءتان قطوانيتان ، فطاف البيت ثم صعد الصفا
ودعا ثم هبط إلى السعي وهو يلبي فيقول لبيك اللهم لبيك. فقال الله تعالى لبيك عبدي
وأنا معك فخر موسى عليه السلام ساجدا.
قوله تعالى: (
وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ) قرأ حمزة والكسائي بالياء
وتشديد الطاء وجزم العين وكذلك الثانية فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ
لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا ( 184- البقرة ) بمعنى
يتطوع ووافق يعقوب في الأولى وقرأ الباقون بالتاء وفتح العين في الماضي وقال
مجاهد: معناه فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة. وقال مقاتل والكلبي: فمن تطوع: أي
زاد في الطواف بعد الواجب. وقيل من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة
عليه وقال الحسن وغيره: أراد سائر الأعمال يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة
وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات (
فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ ) مجاز لعبده بعمله (
عَلِيمٌ ) بنيته. والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق.
يشكر اليسير ويعطي الكثير.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
اللاعِنُونَ ( 159 ) إِلا
الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160
)
قوله تعالى: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ
بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ) نـزلت
في علماء اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام
التي كانت في التوراة ( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللَّهُ ) وأصل اللعن الطرد والبعد (
وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ) أي يسألون الله أن يلعنهم
ويقولون: اللهم العنهم. واختلفوا في هؤلاء اللاعنين، قال ابن عباس: جميع الخلائق
إلا الجن والإنس. وقال قتادة: هم الملائكة وقال عطاء: الجن والإنس وقال الحسن:
جميع عباد الله. قال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة
على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وقال مجاهد:
اللاعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وقالت هذا من شؤم
ذنوب بني آدم ثم استثنى فقال:
( إِلا
الَّذِينَ تَابُوا ) من الكفر (
وَأَصْلَحُوا ) أسلموا وأصلحوا الأعمال فيما بينهم وبين ربهم (
وَبَيَّنُوا ) ما كتموا (
فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم (
وَأَنَا التَّوَّابُ ) الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة
عني إلي ( الرَّحِيمُ ) بهم
بعد إقبالهم علي.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 161 )
خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 162
) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( 163 )
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
) أي لعنة الملائكة 22/ب (
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) قال أبو العالية: هذا يوم
القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس فإن قيل فقد
قال ( وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )
والملعون هو من جملة الناس فكيف يلعن نفسه؟ قيل يلعن نفسه في القيامة قال الله
تعالى: وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ( 25-
العنكبوت ) وقيل إنهم يلعنون الظالمين والكافرين ومن يلعن الظالمين
والكافرين وهو منهم فقد لعن نفسه.
( خَالِدِينَ فِيهَا ) مقيمين
في اللعنة وقيل في النار ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ
الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) لا
يمهلون ولا يؤجلون وقال أبو العالية: لا ينظرون فيعتذروا كقوله تعالى وَلا
يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 36-
المرسلات ) .
قوله تعالى: (
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) سبب
نـزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنـزل الله تعالى
هذه الآية وسورة الإخلاص والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني
أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم
عن عبد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن في هاتين الآيتين اسم الله
الأعظم » ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا
هو الرحمن الرحيم ) و اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا
هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .
قال أبو الضحى لما نـزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا
يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنـزل الله عز وجل
إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164
)
( إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ذكر
السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس
آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها
من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها
وبسطها وسعتها وما ترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر
والنبات.
قوله تعالى: (
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) أي تعاقبهما
في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده نظيره
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ( 62-
الفرقان ) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة
والنقصان. والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع. والنهار جمعه نهر وقدم الليل على
النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله تعالى وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ
مِنْهُ النَّهَارَ ( 37- يس ) .
( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي
فِي الْبَحْرِ ) يعني السفن واحده وجمعه سواء
فإذا أريد به الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالى: في الواحد والتذكير إِذْ
أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140-
الصافات ) وقال في الجمع والتأنيث حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي
الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ( 22-
يونس ) .
( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي
فِي الْبَحْرِ ) الآية في الفلك تسخيرها
وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء ( بِمَا
يَنْفَعُ النَّاسَ ) يعني ركوبها والحمل عليها في
التجارات والمكاسب وأنواع المطالب ( وَمَا
أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ) يعني
المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله الماء في السحاب ثم من السحاب ينـزل
وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ينـزل من السماء
إلى السحاب ثم من السحاب ينـزل إلى الأرض (
فَأَحْيَا بِهِ ) أي بالماء (
الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي بعد يبوستها وجدوبتها ( وَبَثَّ
فِيهَا ) أي فرق فيها ( مِنْ
كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ )
قرأ حمزة والكسائي الريح بغير
ألف وقرأ الباقون بالألف وكل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها
وتوحيدها إلا في الذاريات الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41-
الذاريات ) اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم
الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ( 46- الروم ) اتفقوا
على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على الجمع، والقراء مختلفون فيها، والريح يذكر
ويؤنث، وتصريفها أنها تتصرف إلى الجنوب والشمال والقبول والدبور والنكباء .
وقيل: تصريفها أنها تارة تكون
لينا وتارة تكون عاصفا وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة قال ابن عباس: أعظم جنود
الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لأنها تريح النفوس قال شريح القاضي: ما هبت
ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصبا والشمال
والجنوب أما الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل الرياح ثمانية: أربعة
للرحمة وأربعة للعذاب. فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات
وأما التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في البحر (
وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ ) أي الغيم المذلل سمي سحابا
لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر (
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين تجيء
الرعد والبرق والسحاب.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعَذَابِ ( 165 )
قوله تعالى: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ) أي
أصناما يعبدونها ( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ
اللَّهِ ) أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون
الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في
المحبة ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) أي
أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما
ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن
معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال:
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ( 65-
العنكبوت ) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء
.
قال سعيد بن جبير: إن الله عز
وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنم مع
أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين وهم بين
أيدي الكفار: « إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم »
فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش (
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) وقيل
إنما قال ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ) لأن
الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال
الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ( 54-
المائدة ) .
قوله تعالى: (
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قرأ
نافع وابن عامر ويعقوب ولو ترى بالتاء وقرأ الآخرون بالياء وجواب لو هاهنا محذوف
ومثله كثير في القرآن كقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ
الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ (
الرعد:31 ) يعني لكان هذا القرآن فمن قرأ بالتاء معناه ولو ترى يا محمد
الذين ظلموا أنفسهم في شدة العذاب لرأيت أمرا عظيما، قيل: معناه قل يا محمد: أيها
الظالم لو ترى الذين ظلموا أو أشركوا في شدة العقاب لرأيت أمرا فظيعا، ومن قرأ
بالياء معناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب أي لو رأوا شدة عذاب
الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوا من الأصنام لا
ينفعهم.
قوله تعالى: ( إِذْ
يَرَوْنَ ) قرأ ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها (
الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ
) أي بأن القوة لله جميعا معناه لرأوا وأيقنوا أن القوة لله
جميعا.
وقرأ أبو جعفر ويعقوب إن القوة
وإن الله بكسر الألف على الاستئناف والكلام تام عند قوله ( إِذْ
يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) مع إضمار الجواب
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ
اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ
الأَسْبَابُ ( 166 )
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ
كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ
عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167
)
( إِذْ
تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ ) هذا في
يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض، هذا قول أكثر
المفسرين، وقال السدي: هم الشياطين يتبرءون من الإنس (
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ) أي عنهم (
الأسْبَاب ) أي الصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصداقات
وصارت مخالتهم عداوة، وقال ابن جريج: الأرحام كما قال الله تعالى: فَلا أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ( 101- المؤمنون ) وقال
السدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا كما قال الله تعالى
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ( 23-
الفرقان ) .
وأصل السبب ما يوصل به إلى
الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنة يقال للحبل سبب وللطريق سبب.
(
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) يعني الأتباع ( لَوْ
أَنَّ لَنَا كَرَّةً ) أي رجعة إلى الدنيا (
فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ) أي من المتبوعين ( كَمَا
تَبَرَّءُوا مِنَّا ) اليوم (
كَذَلِك ) أي كما أراهم العذاب كذلك (
يُرِيهِمُ اللَّهُ ) وقيل كتبرئ بعضهم من بعض
يريهم الله ( أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ ) ندامات
( عَلَيْهِمْ ) جمع
حسرة قيل يريهم الله ما ارتكبوا من السيئات فيتحسرون لِمَ عملوا، وقيل يريهم ما
تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها وقال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله الأوثان
رجاء أن تقربهم إلى الله عز وجل، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا
وندموا. قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله
فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون
ويتحسرون ( وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار )
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا
مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 )
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ
مَا لا تَعْلَمُونَ ( 169 )
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ) نـزلت
في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام
والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فالحلال ما أحله الشرع طيبا، قيل: ما يستطاب
ويستلذ، والمسلم يستطيب الحلال ويعاف الحرام، وقيل الطيب الطاهر ( وَلا
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) قرأ أبو
جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء والباقون بسكونها وخطوات الشيطان
آثاره وزلاته، وقيل هي النذر في المعاصي. وقال أبو عبيدة: هي المحقرات من الذنوب.
وقال الزجاج: طرقه ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
مُبِينٌ ) بين العداوة وقيل مظهر العداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه
السجود لآدم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة.
وأبان يكون لازما ومتعديا ثم ذكر عداوته فقال: (
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ ) أي
بالإثم وأصل السوء ما يسوء صاحبه وهو مصدر ساء يسوء سوأ ومساءة أي أحزنه، وسوأته
فساء أي حزنته فحزن ( وَالْفَحْشَاء )
المعاصي وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالسراء والضراء. روى باذان عن ابن عباس
قال: الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد والسوء من الذنوب ما لا حد فيه. وقال
السدي: هي الزنا وقيل هي البخل ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى
اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) تحريم الحرث والأنعام.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ
آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ( 170
) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ
بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا
يَعْقِلُونَ ( 171 )
قوله تعالى: (
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ) قيل
هذه قصة مستأنفة والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس قال:
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة ومالك
بن عوف قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا
خيرا وأعلم منا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية ، وقيل الآية متصلة بما قبلها وهي
نازلة في مشركي العرب وكفار قريش والهاء والميم عائدة إلى قوله وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ( 165-
البقرة ) ( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
أَلْفَيْنَا ) أي ما وجدنا (
عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) عبادة الأصنام، وقيل معناه:
وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنـزل الله في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث
والأنعام والبحيرة والسائبة. والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى يَا
أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا ( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ) قرأ
الكسائي: بل نتبع بإدغام اللام في النون. وكذلك يدغم لام هل وبل في التاء والثاء
والزاي والسين والصاد والطاء والظاء ووافق حمزة في التاء والثاء والسين ( مَا
أَلْفَيْنَا ) ما وجدنا (
عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) التحريم والتحليل.
قال تعالى: (
أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ ) أي كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم
( لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ) والواو
في « أولو » واو العطف، ويقال لها واو
التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والمعنى أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا
لا يعقلون شيئا، لفظه عام ومعناه الخصوص. أي لا يعقلون شيئا من أمور الدين لأنهم
كانوا يعقلون أمر الدنيا ( وَلا يَهْتَدُونَ ) ثم ضرب
الله مثلا فقال جل ذكره:
( ومثل الذين كفروا كمثل الذي
ينعق بما لا يسمع ) والنعيق والنعق صوت الراعي
بالغنم معناه مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل كمثل
الراعي الذي ينعق بالغنم، وقيل مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم كمثل الراعي ينعق
بالغنم وهي لا تسمع ( إِلا دُعَاءً ) صوتا ( ونداء
) فأضاف المثل إلى الذين كفروا لدلالة الكلام عليه كما في
قوله تعالى وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ( 82-
يوسف ) معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما
يقال لها، كذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إنما يسمع صوتك. وقيل: معناه: ومثل الذين
كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا
تفقه من الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى للمنعوق به والكلام خارج عن الناعق
وهو فاش في كلام العرب يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لإيضاح المعنى عندهم، يقولون
فلان يخافك كخوف الأسد، أي كخوفه من الأسد. وقال تعالى مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ ( 76- القصص ) وإنما
العصبة تنوء بالمفاتيح وقيل معناه مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه
ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في غناء من الدعاء
والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء كما قال
تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا
اسْتَجَابُوا لَكُمْ ( 14- فاطر ) .
وقيل معنى الآية ومثل الذين
كفروا في دعاء الأوثان كمثل الذي يصيح في جوف الجبال فيسمع صوتا يقال له: الصدى لا
يفهم منه شيئا، فمعنى الآية كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء
( صم ) تقول العرب لمن لا يسمع ولا
يعقل: كأنه أصم ( بكم ) عن
الخير لا يقولونه ( عمي ) عن
الهدى لا يبصرونه ( فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ )
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا
إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173
)
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ ) حلالات
( مَا رَزَقْنَاكُمْ )
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن
عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن
أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به
المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا
صَالِحًا ( 51- المؤمنون ) وقال ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثم ذكر
الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه
حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك » (
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ) على نعمه ( إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ثم بين المحرمات فقال:
(
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ) قرأ
أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد والباقون يشددون البعض. والميتة كل ما لم
تدرك ذكاته مما يذبح ( والدم ) أراد
به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ( 145-
الأنعام ) واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد
والطحال فأحلها.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب
أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن
سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أحلت
لنا ميتتان ودمان، الميتتان الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال » (
وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ ) أراد به جميع أجزائه فعبر عن
ذلك باللحم لأنه معظمه ( وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ
اللَّهِ ) أي ما ذبح للأصنام والطواغيت، وأصل الإهلال رفع الصوت.
وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل
ذابح وإن لم يجهر بالتسمية مهل. وقال الربيع بن أنس وغيره ( وَمَا
أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ) قال ما ذكر عليه اسم غير
الله. ( فَمَنِ اضْطُرَّ ) بكسر
النون وأخواته عاصم وحمزة، ووافق أبو عمرو إلا في اللام والواو مثل قُلِ ادْعُوا
اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ ( 110-
الإسراء ) ويعقوب إلا في الواو، ووافق ابن عامر في التنوين، والباقون
كلهم بالضم، فمن كسر قال: لأن الجزم يحرك إلى الكسر، ومن ضم فلضمة أول الفعل نقل
حركتها إلى ما قبلها، وأبو جعفر بكسر الطاء ومعناه فمن اضطر إلى أكل ميتة أي أحوج
وألجئ إليه ( غير ) نصب على الحال، وقيل على
الاستثناء وإذا رأيت ( غير ) يصلح
في موضعها ( لا ) فهي حال، وإذا صلح في موضعها
( إلا ) فهي استثناء ( بَاغٍ
وَلا عَادٍ ) أصل البغي قصد الفساد، يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى
إلى الفساد، وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم
واختلفوا في معنى قوله ( غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ ) فقال
بعضهم ( غَيْرَ بَاغٍ ) أي:
خارج على السلطان، ولا عاد: معتد عاص بسفره، بأن خرج لقطع الطريق أو لفساد في
الأرض. وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقالوا لا يجوز للعاصي بسفره أن
يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا أن يترخص برخص المسافر حتى يتوب، وبه قال الشافعي
رحمه الله: لأن إباحته له إعانة له على فساده، وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان
راجعان إلى الأكل واختلفوا في تفصيله. فقال الحسن وقتادة (
غَيْرَ بَاغٍ ) لا تأكله من غير اضطرار ( وَلا
عَادٍ ) أي لا يعدو لشبعه. وقيل (
غَيْرَ بَاغٍ ) أي غير طالبها وهو يجد غيرها ( وَلا
عَادٍ ) أي غير متعد ما حد له فما يأكل حتى يشبع ولكن يأكل منها
قوتا مقدار ما يمسك رمقه. وقال مقاتل بن حيان (
غَيْرَ بَاغٍ ) أي مستحل لها ( وَلا
عَادٍ ) أي متزود منها. وقيل (
غَيْرَ بَاغٍ ) أي غير مجاوز للقدر الذي أحل له ( وَلا
عَادٍ ) أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه قال مسروق: من اضطر إلى
الميتة والدم ولحم الخنـزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار.
واختلف العلماء في مقدار ما يحل
للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم مقدار ما يسد رمقه. وهو قول أبي حنيفة رضي الله
عنه وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه . والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال
مالك رحمه الله تعالى. وقال سهل بن عبد الله (
غَيْرَ بَاغٍ ) مفارق للجماعة ( وَلا
عَادٍ ) مبتدع مخالف للسنة ولم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند
الضرورة ( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أي فلا
حرج عليه في أكلها ( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ) لمن
أكل في حال الاضطرار ( رَحِيمٌ ) حيث
رخص للعباد في ذلك.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا
أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 174
)
قوله تعالى: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ) « نـزلت في
رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن
يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب
مأكلهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم
أخرجوها إليهم، فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى
الله عليه وسلم فلم يتبعوه » فأنـزل الله تعالى ( إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ) يعني
صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته (
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ) أي بالمكتوم (
ثَمَنًا قَلِيلا ) أي عوضا يسيرا يعني المآكل
التي يصيبونها من سفلتهم ( أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ
فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ ) يعني إلا ما يؤديهم إلى النار
وهو الرشوة والحرام وثمن الدين، فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا
النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم ( وَلا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي لا
يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ. وقيل: أراد به أنه يكون عليهم
غضبان، كما يقال: فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان ( وَلا
يُزَكِّيهِمْ ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب (
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
أُولَئِكَ الَّذِينَ
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 175 )
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176
)
( أُولَئِكَ الَّذِينَ
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) قال عطاء والسدي: هو ما:
استفهام معناه ما الذي صبرهم على النار وأي شيء يصبرهم على النار حتى تركوا الحق
واتبعوا الباطل وقال الحسن وقتادة: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على
العمل الذي يقربهم إلى النار قال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما
أدومهم عليه
( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ
نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) يعني ذلك العذاب بأن الله
نـزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به وحينئذ يكون ذلك في محل الرفع وقال بعضهم
محله نصب معناه فعلنا ذلك بهم بأن الله أي لأن الله نـزل الكتاب بالحق فاختلفوا
فيه وقيل معناه ذلك أي فعلهم الذي يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله
من أجل أن الله نـزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ( 7-
البقرة ) ( وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ ) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ( لَفِي
شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) أي في خلاف وضلال بعيد.
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ
تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ
وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ
الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 177
)
قوله تعالى: (
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) قرأ
حمزة وحفص: ليس البر بنصب الراء، والباقون برفعها، فمن رفعها جعل (
الْبِر ) اسم ليس، وخبره قوله: أن تولوا، تقديره: ليس البر توليتكم
وجوهكم. كقوله تعالى مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا ( 25-
الجاثية ) . والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة واختلفوا في
المخاطبين بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود كانت
تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم: أن البر
في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه في هذه الآية
وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان. وقال الآخرون: المراد بها المؤمنون وذلك أن
الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نـزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة
إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة.
ولما هاجر رسول الله صلى الله
عليه وسلم ونـزلت الفرائض وحددت الحدود وصرفت القبلة إلى الكعبة أنـزل الله هذه
الآية فقال: ( لَيْسَ الْبِرَّ ) أي كله
أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك (
وَلَكِنَّ الْبِرَّ ) ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا
القول ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك. (
وَلَكِنَّ الْبِرَّ ) قرأ نافع وابن عامر ولكن
خفيفة النون البر رفع وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر.
قوله تعالى: ( مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ ) جعل من وهي اسم خبر للبر وهو
فعل ولا يقال البر زيد واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موضع المصدر جعله خبرا
للبر كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وأنشد
الفراء:
لعمـرك مـا الفتيـان أن تنبـت
اللحى ولكنمــا الفتيـان كـل فتـى نـدي
فجعل نبات اللحى خبرا للفتى
وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن بالله فاستغنى بذكر الأول عن الثاني
كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله
تعالى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ( 163-
آل عمران ) أي ذو درجات وقيل معناه ولكن البار من آمن بالله كقوله
تعالى وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ( 132-
طه ) أي للمتقي والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى.
(
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ ) (
وَالْكِتَاب ) يعني الكتب المنـزلة (
وَالنَّبِيِّينَ ) أجمع (
وَآتَى الْمَالَ ) أعطى المال ( عَلَى
حُبِّهِ ) اختلفوا في هذه الكناية فقال أكثر أهل التفسير: إنها راجعة
إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال قال ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت
صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد ثنا عمارة بن القعقاع أنا أبو زرعة
أخبرنا أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي
الصدقة أعظم أجرا؟ قال: « أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى
الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد
كان لفلان » .
وقيل هي عائدة على الله عز وجل
أي على حب الله تعالى.
( ذَوِي
الْقُرْبَى ) أهل القرابة.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن
إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس
المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا قتيبة أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم
الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « الصدقة على المسكين صدقة وعلى
ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة » .
قوله تعالى: (
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) قال
مجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته
الطريق، وقيل: هو الضيف ينـزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه » (
وَالسَّائِلِين ) يعني الطالبين.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن
أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد الرحمن بن بجيد عن جدته وهي أم بجيد أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « ردوا السائل ولو بظلف محرق » وفي
رواية قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن لم
تجدي شيئا إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه » قوله
تعالى ( وَفِي الرِّقَابِ ) يعني
المكاتبين قاله أكثر المفسرين، وقيل: عتق النسمة وفك الرقبة وقيل: فداء الأسارى (
وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ ) وأعطى
الزكاة ( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ) فيما
بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس ( إِذَا
عَاهَدُوا ) يعني إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا، وإذا
عاهدوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، واختلفوا في رفع قوله
والموفون قيل هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل
تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا ثم قال: هم والموفون كذا، وقيل رفع على
الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال (
وَالصَّابِرِينَ ) وفي نصبها أربعة أوجه:
قال أبو عبيدة: نصبها على تطاول
الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الكلام والنسق ومثله في سورة النساء
وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ( سورة النساء : 162 )
وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى ، وقيل معناه أعني الصابرين، وقيل نصبه نسقا على
قوله ذوي القربى أي وآتى الصابرين.
وقال الخليل: نصب على المدح
والعرب تنصب الكلام على المدح والذم [
كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فالمدح
كقوله تعالى وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ ( 162-
النساء ) ] .
والذم كقوله تعالى مَلْعُونِينَ
أَيْنَمَا ثُقِفُوا ( 61- الأحزاب ) .
قوله تعالى ( فِي
الْبَأْسَاءِ ) أي الشدة والفقر (
وَالضَّرَّاء ) المرض والزمانة (
وَحِينَ الْبَأْسِ ) أي القتال والحرب.
أخبرنا المطهر بن علي بن عبد
الله الفارسي أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني أخبرنا أبو محمد عبد الله
بن محمد بن جعفر بن حبان أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي أخبرنا علي بن الجعد
أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما
يكون أحد أقرب إلى العدو منه . يعني إذا اشتد الحرب (
أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) في إيمانهم (
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ )
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ
شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ
تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 178 )
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) قال
الشعبي والكلبي وقتادة: نـزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في
الجاهلية قبل الإسلام بقليل وكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى
جاء الإسلام، قال مقاتل بن حيان: كانت بين بني قريظة والنضير، وقال سعيد بن جبير:
كانت بين الأوس والخزرج، وقالوا جميعا كان لأحد الحيين على الآخر طول في الكثرة
والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم
وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات
أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية
وأمر بالمساواة فرضوا وأسلموا .
قوله (
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) أي فرض عليكم القصاص ( فِي
الْقَتْلَى ) والقصاص المساواة والمماثلة في الجراحات والديات، وأصله من
قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله.
ثم بين المماثلة فقال: (
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى ) وجملة
الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو
الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم الذكر إذا قتل بالذكر
وبالأنثى، وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر
بعبد، ولا والد بولد، ولا مسلم بذمي، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والولد
بالوالد. هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب
أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن
سليمان أنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: « سألت
عليا رضي الله عنه هل عندك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ فقال لا
والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن وما في هذه
الصحيفة، قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بكافر » . وروي
عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد » . وذهب
الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، وإلى أن الحر يقتل
بالعبد، والحديث حجة لمن لم يوجب القصاص على المسلم بقتل الذمي، وتقتل الجماعة
بالواحد. « روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة أو خمسة
برجل قتلوه غيلة، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا » ويجري
القصاص في الأطراف كما يجري في النفوس إلا في شيء واحد وهو أن الصحيح السوي يقتل
بالمريض الزمن، وفي الأطراف لو قطع يدا شلاء أو ناقصة بأصبع لا تقطع بها الصحيحة
الكاملة، وذهب أصحاب الرأي إلى أن القصاص في الأطراف لا يجري إلا بين حرين أو
حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى ولا بين العبيد ولا بين الحر والعبد، وعند
الآخرين الطرف في القصاص مقيس على النفس .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا عبد الله بن منير أنه سمع عبد الله بن بكر السهمي أخبرنا حميد عن
أنس بن النضر أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا فعرضوا
الأرش فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع
لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أنس
كتاب الله القصاص » فرضي القوم فعفوا، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم « إن من عباد الله من لو أقسم
على الله لأبره » .
قوله تعالى (
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) أي ترك
له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر
المفسرين، قالوا: العفو أن يقبل الدية في قتل العمد وقوله ( من
أخيه ) أي من دم أخيه وأراد بالأخ المقتول والكنايتان في قوله ( لَه ) ( مِنْ
أَخِيهِ ) ترجعان إلى من وهو القاتل، وقوله شيء دليل على أن بعض
الأولياء إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل.
قوله تعالى: (
فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) أي على الطالب للدية أن يتبع
بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه.
(
وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) أي على المطلوب منه أداء
الدية بالإحسان من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ومذهب
أكثر العلماء من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص على الدية فله
أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل، وقال قوم: لا دية له إلا برضاء القاتل، وهو قول
الحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وحجة المذهب الأول ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد
الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع
أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي
سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ثم
أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا
فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل » .
قوله تعالى: (
ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) أي ذلك
الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة، وذلك أن القصاص في
النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع
النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين
العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة.
(
فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ) فقتل الجاني بعد العفو وقبول
الدية ( فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أن
يقتل قصاصا، قال ابن جريج: يتحتم قتله حتى لا يقبل العفو، وفي الآية دليل على أن
القاتل لا يصير كافرا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الْقِصَاصُ ) وقال في آخر الآية (
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) وأراد
به أخوة الإيمان، فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل.
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ
حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 179
)
قوله تعالى: (
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) أي
بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل يقتل يمتنع عن القتل، فيكون فيه
بقاؤه وبقاء من هم بقتله، وقيل في المثل: « القتل
قلل القتل » وقيل في المثل: « القتل
أنفى للقتل » وقيل معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة، فإنه إذا اقتص منه
حيي في الآخرة وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة ( يَا
أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي
تنتهون عن القتل مخافة القود.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180
)
قوله تعالى: (
كُتِبَ عَلَيْكُمُ ) أي فرض عليكم ( إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) أي جاءه أسباب الموت وآثاره
من العلل والأمراض ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ) أي
مالا نظيره قوله تعالى وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ( 272-
البقرة ) ( الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ) كانت الوصية فريضة في ابتداء
الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم نسخت بآية الميراث .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد
بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا
حماد بن سلمة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال:
كنت آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « إن
الله قد أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث » فذهب
جماعة إلى أن وجوبها صار منسوخا في حق الأقارب الذين يرثون وبقي وجوبها في حق
الذين لا يرثون من الوالدين والأقارب، وهو قول ابن عباس وطاووس وقتادة والحسن قال
طاووس: من أوصى لقوم سماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي
قرابته، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب صار منسوخا في حق الكافة وهي حتمية في حق
الذين لا يرثون.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا طاهر بن أحمد أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي
فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه » .
قوله تعالى: (
بالمعروف ) يريد يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع
الفقير، قال ابن مسعود: الوصية للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج.
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم
الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن
سفيان الثوري عن سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن سعد بن مالك قال جاءني النبي
صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي بمالي كله؟
قال لا قلت: فالشطر؟ قال لا قلت: فالثلث؟ قال: « الثلث
والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم
» .
وعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال
لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت كم
عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله ( إِنْ
تَرَكَ خَيْرًا ) وإن هذا شيء يسير فاترك
لعيالك
وقال علي رضي الله عنه: لأن
أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي
بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك. وقال الحسن البصري رضي الله عنه يوصي بالسدس أو
الخمس أو الربع، وقال الشعبي إنما كانوا يوصون بالخمس أو الربع.
قوله تعالى: (
حَقًّا ) نصب على المصدر وقيل على المفعول أي جعل الوصية حقا ( عَلَى
الْمُتَّقِينَ ) المؤمنين
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا
سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 )
قوله تعالى: (
فَمَنْ بَدَّلَهُ ) أي غير الوصية في الأوصياء أو
الأولياء أو الشهود ( بَعْدَمَا سَمِعَهُ ) أي بعد
ما سمع قول الموصي، ولذلك ذكر الكناية مع كون الوصية مؤنثة، وقيل الكناية راجعة
إلى الإيصاء كقوله تعالى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ( 275-
البقرة ) رد الكناية إلى الوعظ (
فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) والميت
بريء منه ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ) لما أوصى
به الموصي ( عَلِيمٌ ) بتبديل المبدل، أو سميع
لوصيته عليم بنيته.
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ
جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183
)
قوله تعالى (
فَمَنْ خَافَ ) أي علم، كقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا
حُدُودَ اللَّهِ ( 229- البقرة ) أي
علمتم ( مِنْ مُوصٍ ) قرأ
حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد، كقوله تعالى: مَا وَصَّى
بِهِ نُوحًا ( 13- الشورى )
وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ ( 8- العنكبوت ) وقرأ
الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد، كقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي
أَوْلادِكُمْ ( 11- النساء ) مِنْ
بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ( 11-
النساء ) ( جَنَفًا ) أي
جورا وعدولا عن الحق، والجنف: الميل ( أَوْ
إِثْمًا ) أي ظلما، قال السدي وعكرمة والربيع: الجنف الخطأ والإثم
العمد ( فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ )
واختلفوا في معنى الآية، قال مجاهد: معناها أن الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصي فرآه
يميل إما بتقصير أو إسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج على من حضره أن
يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر للموصى وللورثة، وقال آخرون: إنه أراد به أنه
إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور
المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل
والحق، فلا إثم عليه أي: فلا حرج عليه ( إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقال طاووس: جنفة توليجة، وهو
أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته.
قال الكلبي: كان الأولياء
والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نـزول قوله تعالى « فمن
بدله بعدما سمعه » الآية وإن استغرق المال كله
ولم يبق للورثة شيء، ثم نسخها قوله تعالى: « فَمَنْ
خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا » الآية، قال ابن زيد: فعجز
الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى، وعجز الموصي أن يصلح
فانتزع الله تعالى ذلك منهم ففرض الفرائض.
روي عن أبي هريرة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: « إن الرجل ليعمل أو المرأة
بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار » ثم قرأ
أبو هريرة: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ إلى قوله غَيْرَ
مُضَارٍّ .
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) أي فرض
وأوجب، والصوم والصيام في اللغة الإمساك يقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة،
لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة ومنه قوله تعالى:
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ( 26-
مريم ) أي صمتا لأنه إمساك عن الكلام، وفي الشريعة الصوم وهو
الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص ( كَمَا
كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
الأنبياء والأمم، واختلفوا في هذا التشبيه فقال سعيد بن جبير: كان صوم من قبلنا من
العتمة إلى الليلة القابلة كما كان في ابتداء الإسلام.
وقال جماعة من أهل العلم: أراد
أن صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا، فربما كان يقع في الحر الشديد
والبرد الشديد، وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم
ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف، فجعلوه في
الربيع وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين، ثم إن ملكهم اشتكى فمه
فجعل لله عليه إن هو برئ من وجعه أن يزيد في صومهم. أسبوعا فبرئ فزاد فيه أسبوعا
ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوما، وقال مجاهد: أصابهم
موتان، فقالوا زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد، قال الشعبي: لو صمت
السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن
النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل
القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، فذلك قوله
تعالى: ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ) يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر
النفس وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ
خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
تَعْلَمُونَ ( 184 )
( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) قيل:
كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا، وصوم يوم عاشوراء فصاموا
كذلك من الربيع إلى شهر رمضان سبعة عشر شهرا، ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس: أول
ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة والصوم، ويقال: نـزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر
وأيام، قال محمد بن إسحاق كانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر
رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة.
حدثنا أبو الحسن الشيرازي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: « كان
يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء،
فمن شاء صامه، ومن شاء تركه » .
وقيل المراد من قوله (
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) شهر رمضان وهي غير منسوخة
ونصب أياما على الظرف، أي في أيام معدودات، وقيل: على التفسير، وقيل: على هو خبر
ما لم يسم فاعله ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ ) أي
فأفطر فعدة ( مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي
فعليه عدة، والعدد والعدة واحد ( مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي غير
ايام مرضه وسفره، وأخر في موضع خفض لكنها لا تنصرف فلذلك نصبت.
قوله تعالى: (
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) اختلف العلماء في تأويل هذه
الآية وحكمها فذهب أكثرهم إلى أن الآية منسوخة، وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع
وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا
ويفدوا، خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ
التخيير ونـزلت العزيمة بقوله تعالى: (
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) وقال
قتادة: هي خاصة في حق الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم، ولكن يشق عليه رخص له في أن
يفطر ويفدي ثم نسخ. وقال الحسن: هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم المرض وهو
مستطيع للصوم خير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي، ثم نسخ بقوله تعالى: (
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )
وثبتت الرخصة للذين لا يطيقون،
وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ومعناه: وعلى الذين كانوا يطيقونه في
حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم، وقرأ ابن عباس: (
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ) بضم الياء وفتح الطاء
وتخفيفها وفتح الواو وتشديدها، أي يكلفون الصوم وتأويله على الشيخ الكبير والمرأة
الكبيرة لا يستطيعان الصوم، والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه فهم يكلفون الصوم ولا
يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكينا وهو قول سعيد بن جبير، وجعل
الآية محكمة.
قوله تعالى: (
فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) قرأ أهل المدينة والشام
مضافا، وكذلك في المائدة: كَفَّارَةٌ طَعَامُ أضاف الفدية إلى الطعام، وإن كان
واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9- ق ) وقولهم
مسجد الجامع وربيع الأول، وقرأ الآخرون: فدية وكفارة منونة، طعام رفع وقرأ مساكين
بالجمع هنا أهل المدينة والشام، والآخرون على التوحيد، فمن جمع نصب النون ومن وحد
خفض النون ونونها، والفدية: الجزاء، ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من
الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، هذا قول
فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء أهل العراق: عليه لكل مسكين نصف صاع لكل يوم يفطر،
وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره، وقال بعض الفقهاء ما كان المفطر
يتقوته يومه الذي أفطره، وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره.
(
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) أي زاد
على مسكين واحد فأطعم مكان كل يوم مسكينين فأكثر، قاله مجاهد وعطاء وطاووس، وقيل:
من زاد على القدر الواجب عليه فأعطى صاعا وعليه مد فهو خير له.
(
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) ذهب إلى النسخ قال معناه
الصوم خير له من الفدية، وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو
خير له من أن يفطر ويفدي ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) واعلم
أنه لا رخصة لمؤمن مكلف في إفطار رمضان إلا لثلاثة: أحدهم يجب عليه القضاء
والكفارة، والثاني عليه القضاء دون الكفارة، والثالث عليه الكفارة دون القضاء أما
الذي عليه القضاء والكفارة فالحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما فإنهما تفطران
وتقضيان وعليهما مع القضاء الفدية، وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال مجاهد
وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، وقال قوم لا فدية عليهما، وبه قال الحسن وعطاء
وإبراهيم النخعي والزهري وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وأما الذي عليه
القضاء دون الكفارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء.
وأما الذي عليه الكفارة دون
القضاء فالشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185
)
ثم بين الله تعالى أيام الصيام
فقال: ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) رفعه
على معنى هو شهر رمضان، وقال الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان وسمي الشهر شهرا
لشهرته، وأما رمضان فقد قال مجاهد: هو اسم من أسماء الله تعالى، يقال شهر رمضان
كما يقال شهر الله، والصحيح أنه اسم للشهر سمي به من الرمضاء وهي الحجارة المحماة
وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة.
قوله تعالى: (
الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) سمي
القرآن قرآنا لأنه يجمع السور والآي والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد
والوعيد.
وأصل القرء الجمع وقد يحذف الهمز
منه فيقال، قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وقرأ ابن كثير: القرآن بفتح الراء غير
مهموز، وكذلك كان يقرأ الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب
كالتوراة والإنجيل، وروي عن مقسم عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل (
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) إِنَّا
أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1-
القدر ) ، وقوله: إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ( 3-
الدخان ) وقد نـزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: وَقُرْآنًا
فَرَقْنَاهُ ( 106- الإسراء ) فقال
أنـزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت
العزة في السماء الدنيا، ثم نـزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله
عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله تعالى فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ
النُّجُومِ ( 75- الواقعة ) قال
داود بن أبي هند: قلت للشعبي: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
أُنْـزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) أما كان ينـزل في سائر
الشهور؟ قال: بلى، ولكن جبرائيل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في رمضان ما
نـزل إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، وينسيه ما يشاء.
وروي عن أبي ذر عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: « أنـزلت صحف إبراهيم عليه
السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في أول ليلة من رمضان، وأنـزلت توراة
موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنـزل الإنجيل على عيسى عليه السلام
في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنـزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان
وأنـزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست
بقين بعدها . »
قوله تعالى: ( هُدًى
لِلنَّاسِ ) من الضلالة، وهدى في محل نصب على القطع لأن القرآن معرفة
وهدى نكرة ( وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى ) أي دلالات
واضحات من الحلال والحرام والحدود والأحكام (
وَالْفُرْقَان ) أي الفارق بين الحق والباطل.
قوله تعالى: (
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) أي فمن
كان مقيما في الحضر فأدركه الشهر واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم
سافر، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز له الفطر، وبه قال عبيدة السلماني
لقوله تعالى ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) أي
الشهر كله وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له
أن يفطر، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهر كله فليصمه أي الشهر كله، ومن لم يشهد
منكم الشهر كله فليصم ما شهد منه والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا
زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن
عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى
مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه، فكانوا
يأخذون بالأحدث فلأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى: (
وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أباح
الفطر لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ
ثبوته في المنسوخ، واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، فذهب أهل الظاهر إلى أن ما
يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين. قال طريف بن تمام العطاردي
دخلت على محمد بن سيرين. في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه وجعت أصبعي هذه، وقال الحسن
وإبراهيم النخعي هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدأ وذهب الأكثرون إلى أنه مرض
يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر وإن
لم يجهده فهو كالصحيح. وأما السفر، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل
العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم
قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله
عليه وسلم: « ليس من البر الصوم في السفر » وذلك
عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل عليه ما أخبرنا به
عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف
أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن
الأنصاري قال سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن جابر بن عبد الله قال: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا؟
قالوا هذا صائم، فقال « ليس من البر الصوم في السفر » .
والدليل على جواز الصوم ما
حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو نعيم
الإسفراييني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو أمية أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا
حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: « كنا
نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب
الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم » .
واختلفوا في أفضل الأمرين،
فقالت طائفة: الفطر في السفر أفضل من الصوم، روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن
المسيب والشعبي، وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال
إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه لقوله تعالى:
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ ) وهو قول مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز، ومن أصبح مقيما
صائما ثم سافر في أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم عند أكثر أهل العلم،
وقالت طائفة: له أن يفطر، وهو قول الشعبي وبه قال أحمد، أما المسافر إذا أصبح
صائما فيجوز له أن يفطر بالاتفاق، والدليل عليه ما أخبر عبد الوهاب بن محمد الخطيب
أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا
الشافعي أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم،
فصام الناس معه، فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من
ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا
صاموا، فقال « أولئك العصاة » .
واختلفوا في السفر الذي يبيح
الفطر، فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة إلى مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه
الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قوله تعالى: (
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) بإباحة
الفطر في المرض والسفر ( وَلا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ ) قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم السين، وقرأ
الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك
أحبهما إلى الله عز وجل ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) قرأ
أبو بكر بتشديد الميم وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( 3- المائدة ) والواو
في قوله تعالى: ولتكملوا العدة واو النسق، واللام لام كي، تقديره: ويريد لكي
تكملوا العدة، أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، وقال
عطاء: ( وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ) أي عدد
أيام الشهر.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد
الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع
أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا
حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين » .
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي أخبرنا
محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم، صوموا
لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا » .
(
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ) ولتعظموا الله ( عَلَى
مَا هَدَاكُمْ ) أرشدكم إلى ما رضي به من صوم
شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل.
قال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة
الفطر. وروي عن الشافعي وعن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة
الفطر يجهرون بالتكبير، وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية.
(
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) الله على نعمه، وقد وردت
أخبار في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن
الحسني المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد
محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن
سلام حدثني إسماعيل بن جعفر عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا دخل رمضان صفدت الشياطين،
وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار » .
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن
إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس
محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد
بن العلاء أخبرنا أبو بكر محمد بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
كان أول ليلة في شهر رمضان صفدت الشياطين ومرده الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح
منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل
ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة » .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر
بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ابن عمر بن محمد التجيبي
المصري بها المعروف بابن النحاس قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد
العنـزي البصري بمكة المعروف بابن الأعرابي؟ أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح
الزعفراني أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من صام
رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر
له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نـزار حدثنا
الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الصفار أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد
بن أبي إسحاق العنـزي أخبرنا علي بن حجر بن إياس السعدي أخبرنا يوسف بن زياد عن
علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: « يا
أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم - وفي رواية قد أطلكم بالطاء - أطل: أشرف، شهر
عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة،
وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه،
ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه
الجنة، وشهر المواساة - أي المساهمة - وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائما كان
له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره
شيء » قالوا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « يعطي الله هذا الثواب لمن فطر
صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من
حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له
وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من
النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم
عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله
وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من
النار » .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين
بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر
بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أخبرنا وكيع عن
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل عمل
ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم
فإنه لي وأنا أجزي به، يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان،
فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فِيْهِ أطيب عند الله من ريح المسك،
الصوم جنة، الصوم جنة » .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن
سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « في
الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون » .
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي
توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا
عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك
عن راشد بن سعد عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الصيام
والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشراب والشهوات
بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان » .
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي
عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186
)
قوله تعالى: (
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) روى
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال يهود أهل المدينة: يا محمد
كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وإن غلظ
كل سماء مثل ذلك، فنـزلت هذه الآية، وقال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي صلى الله
عليه وسلم، فقالوا أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنـزل الله تعالى: « وإذا
سألك عبادي عني فإني قريب » وفيه إضمار كأنه قال: فقل لهم
إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء كما قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16- ق ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي
أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي
عثمان عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو
قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، أشرف الناس على واد فرفعوا
أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون
سميعا قريبا وهو معكم » .
قوله تعالى: (
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) قرأ
أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل، والباقون بحذفها
وصلا ووقفا، وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في
التلاوة، ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط
وصلا ووقفا ( فَلْيَسْتَجِيبُوا ) قيل:
الاستجابة بمعنى الإجابة، أي: فليجيبوا لي بالطاعة، والإجابة في اللغة: الطاعة
وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء، ومن العبد الطاعة، وقيل: فليستجيبوا
لي أي ليستدعوا مني الإجابة، وحقيقته فليطيعوني (
وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) لكي
يهتدوا، فإن قيل فما وجه قوله تعالى: (
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء ههنا
الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما،
تقديرهما: ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ) إن
شئت، كما قال: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ( 41-
الأنعام ) أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت
الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن
محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن
زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن زيد حدثه عن أبي
إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يستجيب
الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل » قالوا
وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: « يقول
قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب، فلا أراك تستجيب لي، فيستحسر عند ذلك فيدع الدعاء
» .
وقيل هو عام، ومعنى قوله (
أُجِيب ) أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما
إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله
فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة، وقيل معنى الآية أنه لا يخيِّب دعاءه،
فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به
سوءا والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا
أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا ابن ثوبان وهو
عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت
رضي الله عنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما على
الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء
مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم » وقيل:
إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته
ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته، وقيل: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب
الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في
الدعاء فلا يستحق الإجابة.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ
لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ
اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ
إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 187
)
قوله تعالى: (
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ) فالرفث
كناية عن الجماع، قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يكنى كل ما ذكر في القرآن
من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما عنى به الجماع وقال الزجاج:
الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ابتداء
الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو
يرقد قبلها، فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والنساء إلى الليلة
القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء فلما اغتسل
أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر
إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت
رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: « ما كنت جديرا بذلك يا عمر » فقام
رجال واعترفوا بمثله فنـزل في عمر وأصحابه: .
(
أُحِلَّ لَكُمْ ) أي أبيح لكم (
لَيْلَةَ الصِّيَامِ ) أي في ليلة الصيام (
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ ) أي سكن
لكم ( وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) أي سكن
لهن دليله. قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ( 189-
الأعراف ) وقيل لا يسكن شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي
كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل
واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، وقال الربيع بن أنس: هن فراش لكم وأنتم لحاف
لهن، قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك وقيل: اللباس اسم
لما يواري الشيء فيجوز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء في
الحديث: « من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه » (
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ) أي
تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء، قال البراء: لما نـزل صوم رمضان كانوا
لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنـزل الله تعالى « علم
الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم » (
فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) تجاوز عنكم (
وَعَفَا عَنْكُمْ ) محا ذنوبكم (
فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ) جامعوهن حلالا سميت المجامعة
مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهم لصاحبه، (
وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) أي
فاطلبوا ما قضى الله لكم، وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، قاله
أكثر المفسرين، قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه وقال قتادة: وابتغوا
الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ، وقال
معاذ بن جبل: وابتغوا ما كتب الله لكم يعني ليلة القدر.
قوله: (
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ ) نـزلت
في رجل من الأنصار اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمه،
وقال الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض له
وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن
تطعمه شيئا سخينا فأخذت تعمل له سخينة، وكان في الابتداء من صلى العشاء ونام حرم
عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هي به قد نام وكان قد أعيا وكل
فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، فأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار
حتى غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا فذكر له ماله فاغتم لذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل (
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ) يعني في ليالي الصوم (
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ ) يعني
بياض النهار من سواد الليل، سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتدا
كالخيط.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ثنا أبو حازم عن
سهل بن سعد قال: أنـزلت ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ ) ولم
ينـزل قوله: ( مِنَ الْفَجْرِ ) فكان
رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال
يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنـزل الله تعالى بعده ( مِنَ
الْفَجْرِ ) فعلموا إنما يعني بهما الليل والنهار.
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا الحجاج بن منهال أخبرنا هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي
بن حاتم قال: لما نـزلت ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ ) عمدت
إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما وإلى الليل
فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال « إنما
ذلك سواد الليل وبياض النهار » .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن
شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم » قال « كان
ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت » واعلم
أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب يطلع أولا مستطيلا كذنب السرحان يصعد إلى
السماء فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم، ثم يغيب فيطلع
بعده الفجر الصادق مستطيرا ينتشر سريعا في الأفق، فبطلوعه يدخل النهار ويحرم
الطعام والشراب على الصائم.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن
إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس
المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد ويوسف بن عيسى قالا أخبرنا وكيع عن
أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « لا يمنعكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر
المستطير في الأفق » .
قوله تعالى: ( ثُمَّ
أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ )
فالصائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا
غربت حصل الفطر.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان أخبرنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول:
سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس
فقد أفطر الصائم » .
قوله تعالى: ( وَلا
تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) [ وقد
نويتم الاعتكاف في المساجد وليس المراد عن مباشرتهن في المساجد لأن ذلك ممنوع منه
في غير الاعتكاف ] والعكوف هو الإقامة على الشيء
والاعتكاف في الشرع هو الإقامة في المسجد على عبادة الله، وهو سنة ولا يجوز في غير
المسجد ويجوز في جميع المساجد.
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن
عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم « أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى،
ثم اعتكف أزواجه من بعده » والآية نـزلت في نفر من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى
أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل، فرجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى
يفرغوا من اعتكافهم، فالجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد به الاعتكاف، أما ما دون
الجماع من المباشرات كالقبلة واللمس بالشهوة، فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند
أكثر أهل العلم وهو أظهر قولي الشافعي، كما لا يبطل به الحج، وقالت طائفة يبطل بها
اعتكافه وهو قول مالك، وقيل إن أنـزل بطل اعتكافه وإن لم ينـزل فلا كالصوم، وأما
اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن
شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه
فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان » .
قوله تعالى: ( تِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ ) يعني تلك الأحكام التي ذكرها
في الصيام والاعتكاف، حدود أي: ما منع الله عنها، قال السدي: شروط الله، وقال شهر
بن حوشب: فرائض الله، وأصل الحد في اللغة المنع، ومنه يقال للبواب حداد، لأنه يمنع
الناس من الدخول، وحدود الله ما منع الناس من مخالفتها ( فَلا
تَقْرَبُوهَا ) فلا تأتوها (
كَذَلِك ) هكذا ( يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) لكي
يتقوها فينجوا من العذاب.
وَلا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
( 188 )
قوله تعالى: ( وَلا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) قيل
نـزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عايش لكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبني عليها، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم للحضرمي ( ألك بينة ) ؟ قال
لا قال: ( فلك يمينه ) فانطلق
ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما إن
حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض ) فأنـزل
الله هذه الآية ( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) أي لا يأكل بعضكم مال بعض
بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل الشيء الذاهب، والأكل
بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة
المغني ونحوهما، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة (
وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ) أي
تلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل الإدلاء: إرسال الدلو
وإلقاؤه في البئر يقال: أدلى دلوه إذا أرسله، ودلاه يدلوه إذا أخرجه قال ابن عباس:
هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم فيه إلى الحاكم،
وهو يعرف أن الحق عليه وإنه أثم بمنعه، قال مجاهد في هذه الآية: لا تخاصم وأنت
ظالم، قال الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور وقوله (
وَتُدْلُوا ) في محل الجزم بتكرير حرف النهي، معناه ولا تدلوا بها إلى
الحكام، وقيل معناه: ولا تأكلوا بالباطل وتنسبونه إلى الحكام، قال قتادة: لا تدل
بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما، وكان شريح
القاضي يقول: إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني
من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما. »
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد
الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع
أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة
عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنما
أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو
ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار
» .
قوله تعالى: (
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا ) طائفة ( مِنْ
أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ ) بالظلم وقال ابن عباس:
باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه (
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنكم مبطلون.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ
تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا
الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 189
)
قوله تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ) نـزلت في معاذ بن جبل وثعلبة
بن غنم الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ
نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة ؟ فأنـزل الله تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ ) وهي جمع هلال مثل رداء وأردية
سمي هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا
صرخ حين يولد وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية ( قُلْ
هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ) جمع
ميقات أي فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون
وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة (
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا )
قال أهل التفسير: كان الناس في
الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا
بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج
أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل
ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون من الحمس وهم قريش
وكنانة [ وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو مضر بن
معاوية سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة والصلابة ] فدخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار
يقال له رفاعة بن التابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « لم دخلت من الباب وأنت محرم؟
قال رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إني
أحمس « فقال الرجل إن كنت أحمسيا فإني أحمسي رضيت بهديك وسمتك
ودينك فأنـزل الله تعالى هذه الآية وقال الزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا
بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له
الحاجة بعدما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول
بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقول في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغنا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل على
أثره من الأنصار من بني سلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم » لم فعلت
ذلك؟ قال لأني رأيتك دخلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني
أحمس » فقال الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنـزل الله
تعالى ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) .
قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة
والكسائي وأبو بكر: والغيوب والجيوب والعيون وشيوخا بكسر أوائلهن لمكان الياء وقرأ
الباقون بالضم على الأصل وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي « جيوبهن
» بكسر الجيم، وقرأ أبو بكر وحمزة « الغيوب
» بكسر العين (
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ) أي:
البر: بر من اتقى.
(
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) في حال
الإحرام ( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ ( 190 )
( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ) أي في طاعة الله (
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) كان في ابتداء الإسلام أمر
الله تعالى رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى
المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بهذه الآية، وقال الربيع بن أنس: هذه أول آية
نـزلت في القتال ثم أمره بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فصارت هذه الآية منسوخة بها، وقيل نسخ بقوله
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ قريب من سبعين آية وقوله ( وَلا
تَعْتَدُوا ) أي لا تبدؤهم بالقتال وقيل: هذه الآية محكمة غير منسوخة أمر
النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المقاتلين ومعنى قوله: ( وَلا
تَعْتَدُوا ) أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير والرهبان ولا
من ألقى إليكم السلام هذا قول ابن عباس ومجاهد:
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر
بن سهل القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أنا يحيى بن
بكير أنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن
بريدة عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: « اغزوا
بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تقتلوا امرأة ولا
وليدا ولا شيخا كبيرا » وقال الكلبي عن أبي صالح عن
ابن عباس نـزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خرج مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نـزلوا الحديبية فصدهم
المشركون عن البيت الحرام فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكة عام
قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت فلما كان العام القابل تجهز رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش بما قالوا وأن يصدوهم عن البيت
الحرام وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم
فأنـزل الله تعالى ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ) يعني محرمين (
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) يعني قريشا ( وَلا
تَعْتَدُوا ) فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين ( إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )
وَاقْتُلُوهُمْ
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ
أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ ( 191
)
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ
إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193
)
قوله
تعالى: (
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) قيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق
والبصر بالأمور، ومعناه واقتلوهم حيث بصرتم مقاتلتهم وتمكنتم من قتلهم ( وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ
أَخْرَجُوكُمْ ) وذلك
أنهم أخرجوا المسلمين من مكة، فقال: أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
الْقَتْلِ ) يعني
شركهم بالله عز وجل أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام ( وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ
فَاقْتُلُوهُمْ ) قرأ
حمزة والكسائي: ( ولا
تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ) بغير
ألف فيهن من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم، تقول العرب: قتلنا بني فلان وإنما
قتلوا بعضهم، وقرأ الباقون بالألف من القتال وكان هذا في ابتداء الإسلام كان لا
يحل بدايتهم بالقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخا بقوله تعالى: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا
تَكُونَ فِتْنَةٌ ) هذا
قول قتادة، وقال مقاتل بن حيان قوله ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أي حيث أدركتموهم في الحل
والحرم، صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) ثم نسختها آية السيف في براءة
فهي ناسخة منسوخة. وقال مجاهد وجماعة: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال
في الحرم.
( كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِينَ )
( فَإِنِ انْتَهَوْا ) عن القتال والكفر ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي غفور لما سلف رحيم بالعباد
( وَقَاتِلُوهُم ) يعني المشركين ( حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) أي شرك يعني قاتلوهم حتى
يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل ( وَيَكُونَ الدِّينُ ) أي الطاعة والعبادة ( لله ) وحده فلا يعبد شيء دونه.
قال
نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال ما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني
أن الله تعالى قد حرم دم أخي، قال: ألا تسمع ما ذكره الله عز وجل وَإِنْ
طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ( 9- الحجرات ) قال يا ابن أخي: لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من
أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل فيها وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
( 93-
النساء ) قال
ألم يقل الله (
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) قال قد
فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن
في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة وكان الدين كله لله،
وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، وعن سعيد بن جبير
قال: قال رجل لابن عمر: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟ كان
محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على
الملك ( فإن
انتهوا ) عن
الكفر وأسلموا ( فَلا
عُدْوَانَ ) فلا
سبيل ( إلا
على الظالمين ) قاله
ابن عباس. يدل عليه قوله تعالى أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ
عَلَيَّ ( 28-
القصص ) وقال
أهل المعاني: العدوان الظلم، أي فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل ( إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ ) الذين بقوا على الشرك وما
يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلما، وسماه عدوانا على طريق المجازاة
والمقابلة، كما قال فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ وكقوله تعالى
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ( 40- الشورى ) وسمي الكافر ظالما لأنه يضع العبادة في غير موضعها.
الشَّهْرُ
الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 )
قوله تعالى:
(
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ) نـزلت في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج
معتمرا في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف
عامه ذلك ويرجع العام القابل فيقضي عمرته، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
عامه ذلك ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع من الهجرة فذلك
معنى قوله تعالى (
الشَّهْرُ الْحَرَامُ ) يعني
ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم فيه عمرتكم سنة سبع ( بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ) يعني ذا القعدة الذي صددتم
فيه عن البيت سنة ست (
وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ) جمع
حرمة، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام،
والقصاص المساواة والمماثلة وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، وقيل هذا في أمر
القتال معناه: إن بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإنه قصاص بما
فعلوا فيه (
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) وقاتلوهم (
بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) سمي الجزاء باسم الابتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ( 40- الشورى ) (
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )
وَأَنْفِقُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 )
قوله
تعالى: (
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أراد به الجهاد وكل خير هو في سبيل الله، ولكن إطلاقه ينصرف
إلى الجهاد ( وَلا
تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) قيل: الباء في قوله تعالى ( بِأَيْدِيكُم ) زائدة، يريد: ولا تلقوا أيديكم، أي أنفسكم ( إِلَى التَّهْلُكَةِ ) عبر عن النفس بالأيدي كقوله
تعالى فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( 30- الشورى ) أي بما كسبتم، وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، أي لا تلقوا
أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة أي الهلاك، وقيل: التهلكة كل شيء يصير عاقبته إلى
الهلاك، أي ولا تأخذوا في ذلك، وقيل: التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه، والهلاك ما لا
يمكن الاحتراز عنه، والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلا في الشرك، واختلفوا في
تأويل هذه الآية فقال بعضهم: هذا في البخل وترك الإنفاق. يقول ( ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة ) بترك
الإنفاق في سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس:
في هذه الآية: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم
إني لا أجد شيئا، وقال: السدي بها: أنفق في سبيل الله ولو عقالا ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ
إِلَى التَّهْلُكَةِ ) ولا
تقل: ليس عندي شيء، وقال: سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله تعالى
بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل الله، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء،
فأنـزل الله هذه الآية، وقال مجاهد فيها: لا يمنعنكم من نفقة في حق خيفة العيلة.
أخبرنا
أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن
علي بن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا أبو غسان أخبرنا
خالد بن عبد الله الواسطي أخبرنا واصل مولى أبي عيينة عن بشار بن أبي سيف عن
الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غضيف قال: أتينا أبا عبيدة نعوده قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من
أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر
أمثالها »
وقال زيد
بن أسلم: كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن يقطع بهم، وإما أن كانوا
عيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله، ومن لم يكن عنده شيء
ينفقه فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيلقي بيده إلى التهلكة، فالتهلكة: أن يهلك من
الجوع والعطش أو بالمشي، وقيل: أنـزلت الآية في ترك الجهاد، قال أبو أيوب
الأنصاري: نـزلت فينا معشر الأنصار وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله
قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو
رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنـزل الله تعالى ( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) فالتهلكة الإقامة في الأهل
والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها
بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية وهم يستسقون به.
وروي عن
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه
بالغزو مات على شعبة من النفاق » .
وقال
محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله
تعالى، قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من
رحمة الله، وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، قال الله تعالى: إِنَّهُ
لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ( 87- يوسف ) .
قوله
تعالى: (
وَأَحْسِنُوا ) [ أي أحسنوا أعمالكم
وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء ( إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ]
وَأَتِمُّوا
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ( 196
)
قوله عز
وجل (
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) قرأ علقمة وإبراهيم النخعي ( وأقيموا الحج والعمرة لله ) واختلفوا في إتمامهما فقال
بعضهم: هو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وهو قول ابن عباس وعلقمة
وإبراهيم النخعي ومجاهد، وأركان الحج خمسة .. الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف
الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير. وللحج تحللان، وأسباب
التحلل ثلاثة: رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق، فإذا وجد شيئان من
هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل الأول، وبالثلاث حصل التحلل الثاني، وبعد التحلل
الأول تستبيح جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وبعد الثاني يستبيح الكل، وأركان
العمرة أربعة: الإحرام، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق، وقال
سعيد بن جبير وطاووس: تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرة
أهلك، وسئل علي بن أبي طالب عن قوله تعالى: ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) قال أن تحرم بهما من دويرة
أهلك ومثله عن ابن مسعود، وقال قتادة: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، [ فإن كانت في أشهر الحج ] ثم أقام حتى حج فهي متعة،
وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه
كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة وقال الضحاك: إتمامها أن تكون
النفقة حلالا وينتهي عما نهى الله عنه، وقال سفيان الثوري: إتمامها أن تخرج من
أهلك لهما، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة.
قال عمر
بن الخطاب: الوفد كثير والحاج قليل، واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع
إليه سبيلا واختلفوا في وجوب العمرة فذهب أكثر أهل العلم إلى وجوبها وهو قول عمر
وعلي وابن عمر وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: والله إن العمرة لقرينة الحج في
كتاب الله، قال الله تعالى: « وأتموا
الحج والعمرة لله » وبه قال
عطاء وطاووس وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوري والشافعي في أصح قوليه، وذهب
قوم إلى أنها سنة وهو قول جابر وبه قال ( الشافعي ) وإليه
ذهب مالك وأهل العراق وتأولوا قوله تعالى ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) على معنى أتموهما إذا دخلتم
فيهما، أما ابتداء الشروع فيها فتطوع، واحتج من لم يوجبهما بما روي عن محمد بن
المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل
عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: ( لا
وأن تعتمروا خير لكم ) والقول
الأول أصح ومعنى قوله (
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) أي ابتدءوهما، فإذا دخلتم فيهما فأتموهما فهو أمر بالإبتداء
والإتمام أي أقيموهما كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ( 187- البقرة ) أي ابتدءوه وأتموه.
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا
حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن
عاصم عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تابعوا بين الحج والعمرة
فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج
المبرور جزاء إلا الجنة » وقال
ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك
سبيلا كما قال الله تعالى (
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) زاد بعد ذلك فهو خير تطوع، واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء
الحج والعمرة على ثلاثة أوجه:
الإفراد
والتمتع والقران، فصورة الإفراد أن يفرد الحج، ثم بعد الفراغ منه يعتمر وصورة
التمتع أن يعتمر في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة، يحرم بالحج من مكة
فيحج في هذا العام، وصورة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم
يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنا، واختلفوا في الأفضل من هذه
الوجوه: فذهب جماعة إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القران وهو قول مالك
والشافعي لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق
الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن
عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة،
ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالعمرة
فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر.
أخبرنا
عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس
الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن
أبيه عن جابر رضي الله عنه وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي إلا الحج، ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة
، وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وذهب قوم إلى أن القرآن
أفضل وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي
أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم
أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النميري أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري أخبرنا حميد
قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « لبيك بحج وعمرة » .
وذهب قوم
إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية واحتجوا بما أخبرنا
عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف
أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يحيى بن بكير أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن
سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه
وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه
وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما
قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس « من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه،
ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، وليقصر وليتحلل، ثم
ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله،
فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا، فركع حين
قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا
والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر
وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس. »
وعن عروة
أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى
الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
قال
شيخنا الإمام رضي الله عنه، قد اختلف الرواية في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم
كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما موجزا أن أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه
ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن فيها ويجوز في لغة
العرب إضافة ( الشيء
) إلى
الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له كما يقال بنى فلان دارا، وأريد أنه أمر
ببنائها، وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا، وإنما أمر برجمه واختار
الشافعي الإفراد لرواية جابر وعائشة وابن عمر، وقدمها على رواية غيرهم لتقدم صحبة
جابر النبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء قصة حجة الوداع وآخرها، ولفضل
حفظ عائشة رضي الله عنها، وقرب ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
ومال
الشافعي في « اختلاف
الأحاديث » إلى
التمتع، وقال ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه
مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافا على أن التمتع بالعمرة إلى الحج
وإفراد الحج والقران، واسع كله وقال: من قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على
ما لا يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا
يكون مقيما على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه بالحج قال الشيخ الإمام رحمه الله: ومما
يدل على أنه كان متمتعا أن الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة، وقد روينا عن ابن
شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ حجة الوداع بالعمرة إلى
الحج وقال ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم ] في تمتعه بالعمرة إلى الحج،
فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر وقال ابن عباس: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم » هذه
عمرة استمتعنا بها « . »
وقال سعد
بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.
قال
الشيخ الإمام: وما روي عن جابر أنه قال: خرجنا لا ننوي إلا الحج - لا ينافي التمتع
لأن خروجهم كان لقصد الحج، ثم منهم من قدم العمرة، ومنهم من أهل بالحج إلى أن أمره
النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله متعة قوله تعالى: ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ) اختلف العلماء في الإحصار
الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى
البيت الحرام والمعنى في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة،
يبيح له التحلل، وبه قال ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء
وقتادة وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق وقالوا: لأن الإحصار
في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض، وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو
ذهاب نفقة يقال: منه أحصر فهو محصر وما كان من حبس عدو أو سجن يقال: منه حصر فهو
محصور، وإنما جعل هاهنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض إذ كان في معناه،
واحتجوا بما روي عن عكرمة عن الحجاج ابن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « من كسر
أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل » .
قال
عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق. وذهب جماعة إلى أنه لا يباح له
التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر العدو، وروي معناه عن
ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإليه ذهب
الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد.
وقال
ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا منعه عن السير
فهو محصر، واحتجوا بأن نـزول هذه الآية في قصة الحديبية وكان ذلك حبسا من جهة
العدو ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية ( فَإِذَا أَمِنْتُمْ ) والأمن يكون من الخوف، وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو بما ثبت
عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر
والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام كما روي أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: « حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني » .
ثم
المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس، والهدي شاة وهو المراد من قوله تعالى ( فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ ) ومحل
ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام
الحديبية بها، وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم،
ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل، وهو قول أهل العراق.
واختلف
القول في المحصر إذا لم يجد هديا ففي قول لا بدل له فيتحلل والهدي في ذمته إلى أن
يجد، والقول الثاني: له بدل، فعلى هذا اختلف القول فيه، ففي قول عليه صوم التمتع،
وفي قول تقوم الشاة بدراهم ويجعل الدراهم طعاما فيتصدق، به فإن عجز عن الإطعام صام
عن كل مد من الطعام يوما كما في فدية الطيب واللبس فإن المحرم إذا احتاج إلى ستر
رأسه لحر أو برد أو إلى لبس قميص، أو مرض فاحتاج إلى مداواته بدواء فيه طيب فعل،
وعليه الفدية، وفديته على الترتيب والتعديل فعليه ذبح شاة فإن لم يجد يقوم الشاة
بدراهم والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوما. ثم المحصر
إن كان إحرامه بغرض قد استقر عليه فذلك الغرض في ذمته وإن كان بحج تطوع فهل عليه
القضاء؟ اختلفوا فيه فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي، وذهب
قوم إلى أن عليه القضاء، وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وأصحاب الرأي.
قوله
تعالى ( فَمَا
اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) [ أي فعليه ما تيسر من الهدي
] ومحله
رفع وقيل: ما في محل النصب أي فاهدي ما استيسر والهدي جمع هدية وهي اسم لكل ما
يهدى إلى بيت الله تقربا إليه، وما استيسر من الهدي شاة، قاله علي بن أبي طالب
وابن عباس، لأنه أقرب إلى اليسر، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة وأوسطه بقرة
وأدناه شاة.
قوله
تعالى: ( وَلا
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ) اختلفوا في المحل الذي يحل
المحصر يبلغ هديه إليه فقال بعضهم: هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في
الحل أو في الحرم، ومعنى محله: حيث يحل ذبحه فيه وأكله.
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا
محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني
الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: فلما فرغ
من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: « قوموا فانحروا ثم احلقوا،
فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم
سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك فاخرج، ثم لا
تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج ولم يكلم أحدا منهم
حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم
يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما » وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم، فإن كان حاجا فمحله يوم
النحر، وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه الحرم قوله تعالى ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ
مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ) معناه لا تحلقوا رءوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى
حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من هوام أو صداع ( فَفِدْيَة ) فيه إضمار، أي: فحلق فعليه فدية نـزلت في كعب بن عجرة.
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا
محمد بن إسماعيل أخبرنا الحسن بن خلف أخبرنا إسحاق بن يوسف عن أبي بشر ورقاء عن
ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم
فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم
يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنـزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أويهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام .
قوله
تعالى: (
فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ) أي
ثلاثة أيام ( أَوْ
صَدَقَةٍ ) أي
ثلاثة آصع على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع ( أَوْ نُسُكٍ ) واحدتها نسيكة أي ذبيحة، أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها
شاة، أيتها شاء ذبح، فهذه الفدية على التخيير والتقدير، ويتخير بين أن يذبح أو
يصوم أو يتصدق، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم
إلا هديا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء، قوله
تعالى: ( فَإِذَا
أَمِنْتُمْ ) أي من
خوفكم وبرأتم من مرضكم (
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) اختلفوا في هذه المتعة فذهب
عبد الله بن الزبير إلى أن معناه: فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة يخرج
من إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج
فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل، وقال بعضهم معناه ( فَإِذَا أَمِنْتُمْ ) وقد حللتم من إحرامكم بعد
الإحصار ولم تقضوا عمرة، وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة، فاعتمرتم في أشهر الحج
ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج، فعليكم ما استيسر من
الهدي، وهو قول علقمة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقال ابن عباس وعطاء وجماعة:
هو الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام حلالا بمكة
حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه
بالحج، فمعنى التمتع هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورا عليه في
الإحرام إلى إحرامه بالحج.
ولوجوب
دم التمتع أربع شرائط: أحدهما أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، والثاني أن يحج بعد
الفراغ من العمرة في هذه السنة، والثالث أن يحرم بالحج في مكة ولا يعود إلى
الميقات لإحرامه، الرابع أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، فمتى وجدت هذه
الشرائط فعليه ما استيسر من الهدي، وهو دم شاة يذبحه يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد
ما أحرم بالحج يجوز عند بعض أهل العلم كدماء الجنايات، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز
قبل يوم النحر كدم الأضحية.
قوله
تعالى: (
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ) أي صوموا ثلاثة أيام، يصوم
يوما قبل التروية ويوم التروية، ويوم عرفة، ولو صام قبله بعدما أحرم بالحج يجوز،
ولا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى جواز صوم
الثلاث أيام التشريق.
يروى ذلك
عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
قوله
تعالى: (
وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) أي
صوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أهليكم وبلدكم، فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله
لا يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقيل يجوز أن
يصومها بعد الفراغ من أعمال الحج، وهو المراد من الرجوع المذكور في الآية.
قوله
تعالى (
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) ذكرها
على وجه التأكيد وهذا لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى
فضل شرح وزيادة بيان، وقيل: فيه تقديم وتأخير يعني فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج
وسبعة إذا رجعتم فهي عشرة كاملة وقيل: كاملة في الثواب والأجر، وقيل: كاملة فيما
أريد به من إقامة الصوم بدل الهدي وقيل: كاملة بشروطها وحدودها، وقيل لفظه خبر
ومعناه أمر أي فأكملوها ولا تنقصوها ( ذَلِك ) أي هذا
الحكم (
لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) واختلفوا في حاضري المسجد
الحرام، فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة وهو قول مالك، وقيل: هم أهل الحرم وبه قال
طاووس من التابعين وقال ابن جريج: أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلتان، وقال الشافعي
رحمه الله: كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد
الحرام، وقال عكرمة: هم من دون الميقات، وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول
أصحاب الرأي، ودم القران كدم التمتع والمكي إذا قرن أو تمتع فلا هدي عليه، قال
عكرمة: سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى
الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول الله: « اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة
إلا من قلد الهدي » . فطفنا
بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب ثم أمرنا عشية التروية أن
نهل بالحج، فإذا فرغنا فقد تم حجنا وعلينا الهدي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج
والعمرة فإن الله أنـزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله
تعالى: (
ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) .
ومن فاته
الحج، وفواته يكون بفوات الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر يوم النحر، فإنه يتحلل بعمل
العمرة، وعليه القضاء من قابل والفدية وهي على الترتيب والتقدير كفدية التمتع
والقران.
أخبرنا
أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب
عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هناد بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن
الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد، كنا نظن أن هذا اليوم يوم
عرفة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة
وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا
واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) في أداء الأوامر ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ ) على
ارتكاب المناهي.
الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ
وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي
الأَلْبَابِ ( 197
)
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا
أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
( 198
)
قوله
تعالى: (
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) أي وقت
الحج أشهر معلومات وهي: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم
النحر، ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من اللفظين صحيح
غير مختلف، فمن قال عشر عبر به عن الليالي ومن قال تسع عبر به عن الأيام، فإن آخر
أيامها يوم عرفة، وهو يوم التاسع وإنما قال أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث
لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره فتقول العرب أتيتك يوم الخميس
وإنما أتاه في ساعة منه، ويقول زرتك العام، وإنما زاره في بعضه، وقيل الاثنان فما
فوقهما جماعة لأن معنى الجمع ضم الشيء إلى الشيء، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة
جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعة وقد ذكر الله تعالى الاثنين بلفظ الجمع
فقال فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ( 4- التحريم ) أي قلباكما، وقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر شوالا
وذا القعدة وذا الحجة كملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل
الرمي والذبح والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى فكانت في حكم الجمع ( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ
الْحَجَّ ) أي فمن
أوجب على نفسه الحج بالإحرام والتلبية وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر
الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد
وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال ينعقد إحرامه بالعمرة لأن الله تعالى خص هذه
الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه علق
الصلوات بالمواقيت ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لا ينعقد إحرامه عن الفرض
وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة رضي الله
عنهم، وأما العمرة: فجميع أيام السنة لها إلا أن يكون متلبسا بالحج، وروي عن أنس
أنه كان بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر.
قوله
تعالى: ( فَلا
رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ) قرأ
ابن كثير وأهل البصرة ( فَلا
رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ) بالرفع
والتنوين فيهما، وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين كقوله تعالى ( وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) وقرأ أبو جعفر كلها بالرفع
والتنوين، واختلفوا في الرفث: قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر هو الجماع وهو قول
الحسن ومجاهد وعمرو بن دينار وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي، وقال علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش
من الكلام قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس رضي الله عنه بذنب بعيره فجعل يلويه وهو
يحدو ويقول:
وهـــن
يمشــين بنــا هميســا إن تصــدق الطــير ننـك لميسـا
فقلت له
أترفث وأنت محرم، فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء، قال طاووس: الرفث التعريض
للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن، وقال عطاء: الرفث قول الرجل للمرأة في حال
الإحرام إذا حللت أصبتك، وقيل: الرفث الفحش والقول القبيح، أما الفسوق: قال ابن
عباس: هو المعاصي كلها وهو قول طاووس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع
والقرظي، وقال ابن عمر: هو ما نهي عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم
الأظافر، وأخذ الأشعار، وما أشبههما وقال إبراهيم وعطاء ومجاهد؛ هو السباب بدليل
قول النبي صلى الله عليه وسلم « سباب
المسلم فسوق وقتاله كفر » وقال
الضحاك هو التنابز بالألقاب بدليل قوله تعالى: وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ
بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ ( 11- الحجرات ) .
أخبرنا
عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف
أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا سيار أبو الحكم قال سمعت أبا حازم يقول:
سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من حج لله فلم يرفث ولم يفسق
رجع كيوم ولدته أمه » .
قوله
تعالى ( وَلا
جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) قال
ابن مسعود وابن عباس: الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول عمرو بن
دينار وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء وقتادة، وقال القاسم بن محمد: هو أن
يقول بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا، وقال القرظي: كانت قريش إذا اجتمعت
بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم وقال مقاتل: هو
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج: « اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة
إلا من قلد الهدي » قالوا
كيف نجعله عمرة وقد سمينا الحج؟ فهذا جدالهم، وقال ابن زيد: كانوا يقفون مواقف
مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه، وقيل: هو ما كان عليه أهل
الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وكان
بعضهم يحج في ذي الحجة فكل يقول ما فعلته فهو الصواب، فقال جل ذكره ( وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) أي استقر أمر الحج على ما
فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي
صلى الله عليه وسلم: « ألا إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض » قال مجاهد: معناه ولا شك في
الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء قال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي، ومعناها نهي،
أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله تعالى لا رَيْبَ فِيهِ أي لا ترتابوا « وما تفعلوا من خير يعلمه الله
» أي لا
يخفى عليه فيجازيكم به.
قوله
تعالى: (
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) نـزلت في ناس من أهل اليمن
كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون نحن متوكلون، ويقولون: نحن نحج بيت الله فلا
يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وربما يفضي بهم الحال إلى النهب والغصب، فقال
الله عز وجل (
وَتَزَوَّدُوا ) أي ما
تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل التفسير: الكعك والزبيب والسويق والتمر
ونحوها (
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) من السؤال والنهب ( وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ ) يا ذوي العقول.
قوله
تعالى: (
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل
أخبرنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من
التجارة فيها فأنـزل الله تعالى (
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ ) في مواسم الحج، قرأ ابن عباس
كذا ، وروي عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري في هذا الوجه،
يعني إلى مكة، فيزعمون أن لا حج لنا، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما
يطوفون وترمون كما يرمون؟ قلت بلى، قال: أنت حاج: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه
وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه بشيء حتى نـزل جبريل بهذه الآية ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ) أي حرج ( أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا ) أي رزقا ( مِنْ رَبِّكُمْ ) يعني بالتجارة في مواسم الحج
(
فَإِذَا أَفَضْتُمْ ) دفعتم،
والإفاضة: دفع بكثرة وأصله من قول العرب: أفاض الرجل ماء أي صبه ( مِنْ عَرَفَاتٍ ) هي جمع عرفة، جمع بما حولها
وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق.
واختلفوا
في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة فقال عطاء: كان جبريل عليه
السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت؟ فيقول عرفت فسمي ذلك المكان
عرفات واليوم عرفة، وقال الضحاك: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع
بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا
فسمي اليوم يوم عرفة والموضع عرفات، وقال السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج
وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له فخرج فلما
بلغ الجمرة عند العقبة استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة
فطار فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبر فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه
وكبر فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما
نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت
فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، أي قرب إلى جمع، فسمي
المزدلفة.
وروي عن
أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في
منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي فكر، أمن الله تعالى هذه
الرؤيا أم من الشيطان؟ فسمي اليوم يوم التروية، ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانيا فلما
أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي اليوم يوم عرفة، وقيل سمي بذلك لأن الناس
يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم، وقيل سمي بذلك من العرف وهو الطيب، وسمي منى لأنه
يمنى فيه الدم أي يصب فيكون فيه الفروث والدماء ولا يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة
عنها فتكون طيبة.
قوله
تعالى: (
فَاذْكُرُوا اللَّهَ )
بالدعاء والتلبية (
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) ما بين
جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر، وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر،
وسمي مشعرا من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج، وأصل الحرام: من المنع فهو،
ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وسمي المزدلفة جمعا: لأنه يجمع فيه بين صلاتي
العشاء، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس، ومن جَمْعٍ قبل طلوعها من يوم
النحر.
قال
طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن مزدلفة بعد أن تطلع
الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه.
أخبرنا
أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب
عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه
يقول: « دفع
رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نـزل فبال، ثم توضأ فلم
يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة يا رسول الله قال: فقال الصلاة أمامك، فركب فلما جاء
المزدلفة نـزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان
بعيره في منـزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا » .
وقال
جابر: « دفع رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد
وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له
الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه
وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس » .
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا
محمد بن إسماعيل أخبرنا زهير بن حرب أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا أبي عن يونس الأيلي
عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أسامة بن زيد
كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة
إلى منى، قال: فكلاهما قال : « لم يزل
النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة » .
قوله
تعالى: (
وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ) أي
واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه ( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ
قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) أي وقد
كنتم، وقيل: وما كنتم من قبله إلا من الضالين. كقوله تعالى: وَإِنْ نَظُنُّكَ
لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 186-
الشعراء ) أي:
وما نظنك إلا من الكاذبين، والهاء في قوله « من قبله » راجعة
إلى الهدى، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناية عن غير مذكور.
ثُمَّ
أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199
)
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ
أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ( 201
)
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 202 )
قوله
تعالى: ( ثُمَّ
أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) قال أهل التفسير، كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها، وهم
الحمس، يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله، وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم ولا
نخرج منه، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات، وسائر الناس كانوا يقفون
بعرفات، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة، فأمرهم الله أن يقفوا
بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس، وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام، وقال بعضهم خاطب به جميع المسلمين.
وقوله
تعالى ( مِنْ
حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) من
جَمْعٍ أي ثم أفيضوا من جمع إلى منى، وقالوا لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من
جمع، فكيف يسوغ أن يقول فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم
أفيضوا من عرفات؟ والأول قول أكثر أهل التفسير.
وفي
الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام.
وقيل: ثم
بمعنى الواو أي وأفيضوا، كقوله تعالى: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ( 17- البلد ) وأما الناس فهم العرب كلهم
غير الحمس.
وقال
الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وقال الضحاك: الناس هاهنا إبراهيم عليه السلام وحده
كقوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ( 54- النساء ) وأراد محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ويقال هذا الذي يقتدى
به ويكون لسان قومه وقال الزهري: الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة
سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء ويقال: هو آدم نسي عهد الله حين
أكل من الشجرة.
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا
محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه
قال: سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، قال هشام: والنص فوق
العنق.
أخبرنا
عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا
محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن سويد حدثني عمرو بن
أبي عمرو مولى المطلب قال أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس
أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم
وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: « أيها الناس عليكم بالسكينة
فإن البر ليس بالإيضاع ، (
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) »
قوله
تعالى: (
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ) أي فرغتم من حجكم وذبحتم نسائككم، أي ذبائحكم، يقال: نسك
الرجل ينسك نسكا إذا ذبح نسيكته، وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ ) بالتكبير والتحميد والثناء
عليه (
كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم ) وذلك
أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت فذكرت مفاخر آبائها، فأمرهم الله
تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم.
قال ابن عباس
وعطاء: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أن الصبي أول ما
يتكلم يلهج بذكر أبيه لا بذكر غيره فيقول الله فاذكروا الله لا غير كذكر الصبي
أباه أو أشد، وسئل ابن عباس عن قوله ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم ) فقيل قد يأتي على الرجل اليوم
ولا يذكر فيه أباه، قال ابن عباس: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك
لوالديك إذا شتما، وقوله تعالى ( أَوْ
أَشَدَّ ذِكْرًا ) يعني:
وأشد ذكرا، وبل أشد، أي وأكثر ذكرا ( فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا ) أراد
به المشركين كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا يقولون اللهم أعطنا
غنما وإبلا وبقرا وعبيدا، وكان الرجل يقوم فيقول يارب: إن أبي كان عظيم القبة كبير
الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته، قال قتادة هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق
ولها عمل ونصب ( وَمَا
لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) حظ
ونصيب
( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ) يعني
المؤمنين، واختلفوا في معنى الحسنتين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدنيا
حسنة: امرأة صالحة، وفي الآخرة حسنة: الجنة.
أخبرنا
أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الطوسي أخبرنا
أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد أنا الحارث بن أبي أسامة أنا أبو عبد الرحمن المقري
أخبرنا حيوة وابن لهيعة قالا أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي
يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « الدنيا
كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة » وقال الحسن: في الدنيا حسنة: العلم والعبادة، وفي الآخرة
حسنة، الجنة، وقال السدي وابن حبان: ( فِي الدُّنْيَا حَسَنَة ) رزقا حلالا وعملا صالحا، ( وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة ) المغفرة والثواب.
أخبرنا
أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث
أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم
بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن
زحر عن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « أغبط
أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة، ربه فأطاعه في السر،
وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثم ( نفض بيده ) فقال: عجلت منيته قلت بواكيه
قل تراثه » .
وقال
قتادة: في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. وقال عوف في هذه الآية: من آتاه الله
الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
أخبرنا
الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني الطوسي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش
الزيادي أخبرنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور السمسار أخبرنا أبو حاتم محمد
بن إدريس الحنظلي الرازي أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا حميد الطويل عن
ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
رجلا قد صار مثل الفرخ فقال: « هل كنت
تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ فقال يا رسول الله كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني
به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال: سبحان الله إذن لا تستطيعه ولا تطيقه فهلا
قلت » اللهم
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار « . »
أخبرنا [ أبو الحسن محمد بن محمد
السرخسي أخبرنا ] أبو
الحسن أحمد بن محمد بن أبي إسحاق الحجاجي أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن
الدعولي أخبرنا محمد بن مشكان أخبرنا أبو داود أخبرنا شعبة عن ثابت عن أنس قال: « كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يكثر أن يقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . »
أخبرنا
عبد الوهاب بن محمد الكسائي أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس
الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن
جريج عن يحيى بن عبيد مولى السائب عن أبيه عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود « ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » .
قوله
تعالى (
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ) حظ ( مِمَّا كَسَبُوا ) من الخير والدعاء والثواب
والجزاء (
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يعني
إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا إلى روية ولا فكر.
قال الحسن:
أسرع من لمح البصر وقيل: معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو كائن لا محالة فهو
قريب، قال الله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ( 17- الشوري ) .
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي
أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203
)
قوله تعالى (
وَاذْكُرُوا اللَّهَ ) يعني التكبيرات أدبار الصلاة
وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات ( فِي أَيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ ) الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي
الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ( 20-
يوسف ) والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر. هذا قول
أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس المعلومات: يوم النحر ويومان بعده والمعدودات
أيام التشريق، وعن علي قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقال عطاء عن
ابن عباس المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن كعب: هما شيء
واحد وهي أيام التشريق، وروي عن نبيشة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله » .
ومن الذكر في أيام التشريق:
التكبير، واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد الله بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك
الأيام خلف الصلاة وفي المجلس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس
بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية. والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق
الحاج وغير الحاج عند عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ
التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام التشريق، يروى
ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال مكحول، وإليه ذهب أبو يوسف رضي الله عنه، وذهب
قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من يوم
النحر، يروى ذلك عن بن مسعود رضي الله عنه وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم يبتدأ عقيب
صلاة الظهر من يوم النحر ويختتم بعد الصبح من آخر أيام التشريق، يروى ذلك عن ابن
عباس وبه قال مالك والشافعي، قال الشافعي لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قبل
هذا الوقت التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر، ولفظ التكبير: كان
سعيد بن جبير والحسن يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا - وهو قول
أهل المدينة، وإليه ذهب الشافعي، وقال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وعند أهل
العراق يكبر اثنتين يروى ذلك عن ابن مسعود.
قوله تعالى: (
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أراد
أن من نفر من الحاج في اليوم الثاني من أيام التشريق ( فَلا
إِثْمَ عَلَيْهِ ) وذلك أن على الحاج أن يبيت
بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين
حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاج
ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر فيدع البيتوتة الليلة
الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع لقوله تعالى (
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) ومن لم
ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر، قوله تعالى (
وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) يعني
لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ومن تأخر حتى ينفر في اليوم
الثالث ( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) في
تأخره. وقيل: معناه ( فَمَنْ تَعَجَّلَ ) فقد
ترخص ( فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ )
بالترخص ( وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بترك
الترخص وقيل معناه رجع مغفورا له، لا ذنب عليه تعجل أو تأخر، كما روينا من « حج فلم
يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه » وهذا
قول علي وابن مسعود.
قوله تعالى: (
لِمَنِ اتَّقَى ) أي لمن اتقى أن يصيب في حجه
شيئا نهاه الله عنه كما قال: « من حج فلم يرفث ولم يفسق » قال ابن
مسعود: إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن
ابن عباس معناه ( لِمَنِ اتَّقَى ) الصيد
لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إئمه أن اتقى
فيما بقي من عمره [ (
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ] .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي
قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ( 204
) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205
) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ
بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 206
) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207
)
قوله تعالى: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال
الكلبي ومقاتل وعطاء: نـزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبي
وسمي الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول إني لأحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان
منافقا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى مجلسه فنـزل قوله تعالى ( وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي
تستحسنه ويعظم في قلبك، ويقال في الاستحسان أعجبني كذا وفي الكراهية والإنكار عجبت
من كذا ( وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) يعني
قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب (
وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) أي شديد الخصومة، يقال لددت
يا هذا وأنت تلد لدا ولدادة، فإذا أردت أنه غلب على خصمه قلت: لده يلده لدا، يقال:
رجل ألد وامرأة لداء وقوم لد، قال الله تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ( 97-
مريم ) . قال الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه،
وتأويله: أنه في أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب، والخصام مصدر
خاصمه خصاما ومخاصمة قاله أبو عبيدة: وقال الزجاج: هو جمع خصم يقال: خصم وخصام
وخصوم مثل بحر وبحار وبحور قال الحسن: ألد الخصام أي كاذب القول، قال قتادة: شديد
القسوة في المعصية، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن
إسماعيل أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أبغض الرجال إلى الله
تعالى الألد الخصم »
(
وَإِذَا تَوَلَّى ) أي أدبر وأعرض عنك ( سَعَى
فِي الأرْضِ ) أي عمل فيها، وقيل: سار فيها ومشى (
لِيُفْسِدَ فِيهَا ) قال ابن جريج قطع الرحم وسفك
دماء المسلمين ( وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ ) وذلك أن الأخنس كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلة فأحرق
زروعهم وأهلك مواشيهم
قال مقاتل: خرج إلى الطائف
مقتضيا مالا له على غريم فأحرق له كدسا وعقر له أتانا، والنسل: نسل كل دابة والناس
منهم، وقال الضحاك: ( وَإِذَا تَوَلَّى ) أي ملك
الأمر وصار واليا ( سَعَى فِي الأرْضِ ) قال
مجاهد: في قوله عز وجل ( وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي
الأرْضِ ) قال إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم فأمسك الله المطر وأهلك
الحرث والنسل ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
الْفَسَادَ ) أي لا يرضى بالفساد، قال سعيد بن المسيب: قطع الدرهم من
الفساد في الأرض.
قوله ( وَإِذَا
قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ ) أي خف الله (
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ ) أي
حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة،
وقيل معناه ( أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ ) للإثم
الذي في قلبه، فأقام الباء مقام اللام.
قوله ( فَحَسْبُهُ
جَهَنَّمُ ) أي كافية (
وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) أي الفراش، قال عبد الله بن
مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال: للعبد اتق الله فيقول: عليك بنفسك.
وروي أنه قيل لعمر بن الخطاب:
اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل.
قوله تعالى: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) أي
لطلب رضا الله تعالى ( وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ ) روي عن ابن عباس والضحاك: أن هذه الآية نـزلت في سرية
الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة:
إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا
منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد
الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم
عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: بعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنـزلوا ببطن الرجيع بين
مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكة
وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فركب سبعون
رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ذكروا لحي من
هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى
وجدوا مأكلهم التمر في منـزل نـزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس
بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله
بن طارق، ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء
المشركين ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط
به المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد
وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر
فأرسل الله رجلا من الدبر - وهي الزنابير - فحمت عاصما فلم يقدروا عليه فسمي حمي
الدبر فقالوا دعوه حتى تسمي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء وأمطرت مطرا
كالعزالي فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من
المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى الله تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس
مشركا أبدا.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر
أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في
حياته.
وأسر المشركون خبيب بن عدي
الأنصاري، وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن
عامر بن نوفل بن عبد مناف ليقتلوه بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر،
فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بنات الحارث موسى ليستحد
بها فأعارته فدرج بني لها وهي غافلة فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على
فخذه والموسى بيده، فصاحت المرأة فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن
الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله
لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، إن
كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ثم إنهم خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن
يصلبوه فقال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فكان خبيب هو أول من سن لكل مسلم
قتل صبرا الصلاة، فركع ركعتين، ثم قال لولا أن يحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم
أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول:
فلســت أبـالي حـين أقتـل مسـلما عـلى أي شـق كان في الله
مصرعي
وذلــك فــي ذات الإلـه وإن يشـأ يبـارك عـلى أوصـال شـلو
ممزع
فصلبوه حيا فقال اللهم: إنك
تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، ثم قام أبو سروعة عقبة بن
الحرث فقتله.
ويقال: كان رجل من المشركين
يقال له سلامان، أبو ميسرة، معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتق الله
فما زاده ذلك إلا عتوا فطعنه فأنفذه وذلك قوله عز وجل (
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ ) يعني سلامان.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعثه مع مولى
له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله بأبيه واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب
فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن
بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا صلى الله عليه وسلم
الآن في مكانه الذي هو فيه يصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان:
ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله النسطاس. فلما بلغ
النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال لأصحابه أيكم ( ينـزل
) خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا يا رسول الله
وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم
ليلأ وإذا حول الخشبة أربعون رجلا من المشركين نائمون نشاوى فأنـزلاه فإذا هو رطب
ينثني لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون
الدم والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا
خبيبا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته
الأرض فسمي بليع الأرض.
فقال الزبير: ما جراكم علينا يا
معشر قريش، ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد
المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يدافعان عن شبليهما فإن شئتم
ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، وقدما على رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من
أصحابك فنـزل في الزبير والمقداد بن الأسود (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) حين
شريا أنفسهما لإنـزال خبيب عن خشبته .
وقال أكثر المفسرين: نـزلت في
صهيب بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوهم، فقال لهم صهيب
إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني
وديني؟ ففعلوا، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فأقام بمكة ما شاء الله ثم خرج إلى
المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر ربح بيعك يا أبا يحيى، فقال
له صهيب: وبيعك فلا تتحسر، قال صهيب: ما ذاك؟ فقال قد أنـزل الله فيك، وقرأ عليه
هذه الآية.
وقال سعيد بن المسيب وعطاء:
أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من مشركي قريش فنـزل عن
راحلته ونثل ما كان في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني لمن أرماكم
رجلا والله لا أضع سهما مما في كنانتي إلا في قلب رجل منكم وأيم الله لا تصلون إلي
حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ثم افعلوا ما شئتم، وإن
شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنـزل الله هذه
الآية .
وقال الحسن: أتدرون فيمن نـزلت
هذه الآية؟ نـزلت في المسلم يلقى الكافر فيقول له قل لا إله إلا الله فيأبى أن
يقولها، فقال المسلم والله لأشرين نفسي لله. فتقدم فقاتل وحده حتى قتل.
وقيل نـزلت الآية في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، قال ابن عباس: أرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر
هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال وأنا أشري نفسي لله فقاتله
فاقتتل الرجلان لذلك، وكان علي إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة، وسمع
عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) فقال
عمر إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر فقتل.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا
عبد الرحمن بن شريح أخبرنا أبو القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرني حماد بن
سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال « أفضل
الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر » .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208
) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ
الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209
) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي
ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ
تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 210 )
قوله تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) قرأ
أهل الحجاز والكسائي السلم هاهنا بفتح السين وقرأ الباقون بكسرها، وفي سورة
الأنفال وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ بالكسر، وقرأ أبو بكر والباقون بالفتح، وفي
سورة محمد صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة وأبو بكر.
نـزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام
النضيري وأصحابه، وذلك أنهم كانوا يعظمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعد
ما أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا
بالليل فأنـزل الله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) أي في
الإسلام، قال مجاهد في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم (
كَافَّة ) أي جميعا، وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين
عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح سلم،
قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم فعد الصلاة، والزكاة،
والصوم، والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: قد خاب
من لا سهم له.
( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ ) أي آثاره فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغيره (
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ )
أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان
أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد
القاسم بن سلام أخبرنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي
صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا، أفترى أن
نكتب بعضها؟ فقال: « أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود
والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » .
( فَإِنْ زَلَلْتُمْ ) أي
ضللتم، وقيل: ملتم، يقال زلت قدمه تزل زلا وزللا إذا دحضت، قال ابن عباس: يعني
الشرك، قال قتادة: قد علم الله أنه سيزل زالون من الناس فتقدم في ذلك وأوعد فيه
ليكون له به الحجة عليهم ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ
الْبَيِّنَاتُ ) أي الدلالات الواضحات (
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) في
نقمته ( حَكِيمٌ ) في أمره، فالعزيز: هو الغالب
الذي لا يفوته شيء والحكيم: ذو الإصابة في الأمر.
قوله تعالى ( هَلْ
يَنْظُرُونَ ) أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات
الشيطان يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد، فإذا كان النظر مقرونا بذكر الله أو
بذكر الوجه أو إلى، لم يكن إلا بمعنى الرؤية ( إِلا
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ ) جمع
ظلة ( مِنَ الْغَمَامِ ) السحاب
الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن
إلا لبني إسرائيل في تيههم: قال مقاتل: كهيئة الضباب أبيض، قال الحسن: في سترة من
الغمام فلا ينظر [ إليه ] أهل
الأرض ( وَالْمَلائِكَة ) قرأ
أبو جعفر بالخفض عطفا على الغمام، تقديره: مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير
في العسكر، أي مع العسكر، وقرأ الباقون الرفع على معنى: إلا أن يأتيهم الله
والملائكة في ظلل من الغمام، والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان
بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منـزه عن سمات الحدث،
على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة.
قال الكلبي: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول والزهري
والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون
فيها وفي أمثالها: أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله
به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله تعالى
ورسوله.
قوله تعالى: (
وَقُضِيَ الأمْرُ ) أي وجب العذاب، وفرغ من
الحساب، وذلك فصل ( الله ) القضاء
بالحق بين الخلق يوم القيامة ( وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ
الأمُورُ ) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم
وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم.
سَلْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ
نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 211 )
قوله
تعالى: ( سَلْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي سل
يا محمد يهود المدينة ( كَمْ
آتَيْنَاهُمْ ) أعطينا
آباءهم وأسلافهم ( مِنْ
آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) دلالة
واضحة على نبوة موسى عليه السلام، مثل العصا واليد البيضاء، وفلق البحر وغيرها.
وقيل: معناها الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على نبوة محمد صلى الله
عليه وسلم.
( وَمَنْ يُبَدِّلْ ) يغير ( نِعْمَةَ اللَّهِ ) كتاب الله، وقيل: عهد الله
وقيل: من ينكر الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )
زُيِّنَ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ
يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 212
)
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 213 )
( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) الأكثرون على أن المزين هو
الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة،
فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها، وقال الزجاج: زين لهم
الشيطان، قيل نـزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما
بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد ( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ
آمَنُوا ) أي
يستهزءون بالفقراء من المؤمنين.
قال ابن
عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وخبابا
وأمثالهم، وقال مقاتل: نـزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتنعمون
في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون انظروا إلى هؤلاء
الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال عطاء: نـزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة
والنضير وبني قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني
قريظة والنضير بغير قتال (
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) لفقرهم (
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ) يعني
هؤلاء الفقراء (
فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) لأنهم
في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين.
أخبرنا
أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار
أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق الدبري أخبرنا عبد الرزاق
أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم « وقفت
على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها
النساء وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار
» .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد
بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عبد العزيز بن أبي
حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس: هذا والله
حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم
مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول
الله إن هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع
وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هذا خير من ملء الأرض مثل هذا
» .
( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال ابن عباس: يعني كثيرا
بغير مقدار، لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل، يريد: يوسع على من يشاء ويبسط
لمن يشاء من عباده، وقال الضحاك: يعني من غير تبعة يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في
الآخرة، وقيل: هذا يرجع إلى الله تعالى، معناه: يقتر على من يشاء ويبسط لمن يشاء
ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه ولا يعطي القليل من
يحتاج إليه فلا يعترض عليه، ولا يحاسب فيما يرزق ولا يقال لم أعطيت هذا وحرمت هذا؟
ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ وقيل معناه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى
حساب ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما يكون بما يخاف من نفاذ خزائنه.
قوله
تعالى ( كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) على
دين واحد، قال مجاهد: أراد آدم وحده، كان أمة واحدة، قال سمي الواحد بلفظ الجمع
لأنه أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس فانتشروا
وكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا ( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ) قال الحسن وعطاء: كان الناس
من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم، فبعث الله
نوحا وغيره من النبيين . وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح
وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن
نوح فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيين.
وقال
الكلبي هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح.
وروي عن
ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كفارا كلهم فبعث
الله إبراهيم وغيره من النبيين، وقيل: كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو
بن لحي. وروي عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم،
وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين كلهم، ولم يكونوا أمة واحدة قط
غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم نظيره في سورة يونس وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا
أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ) ( 19- يونس ) وجملتهم مائة ألف وأربعة
وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن باسم العلم
ثمانية وعشرون نبيا (
مُبَشِّرِين )
بالثواب من آمن وأطاع (
وَمُنْذِرِينَ ) محذرين
بالعقاب من كفر وعصى (
وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ) أي
الكتب، تقديره وأنـزل مع كل واحد منهم الكتاب ( بِالْحَقِّ ) بالعدل والصدق ( لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ) قرأ أبو جعفر ( لِيَحْكُم ) بضم الياء وفتح الكاف هاهنا
وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما ( الحكم ) به، وقراءة العامة بفتح الياء
وضم الكاف، أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى هَذَا كِتَابُنَا
يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ( 29-
الجاثية ) . وقيل
معناه ليحكم كل نبي بكتابه (
فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ) أي في الكتاب ( إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ ) أي أعطوا الكتاب ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) يعني أحكام التوراة والإنجيل،
قال الفراء: ولاختلافهم معنيان:
أحدهما
كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضٍ ( 150-
النساء ) والآخر
تحريفهم كتاب الله قال الله تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ( 46- النساء ) وقيل الآية راجعة إلى محمد
صلى الله عليه وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب ( مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) صفة محمد صلى الله عليه وسلم
في كتبهم (
بَغْيًا ) ظلما
وحسدا (
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) أي لما اختلفوا فيه ( مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ) بعلمه وإرادته فيهم. قال ابن
زيد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى
المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام
فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام، فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد
فهدانا الله للجمعة واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود كان يهوديا،
وقالت النصارى كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته
اليهود لفرية وجعلته النصارى إلها وهدانا الله للحق فيه ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا
إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214
)
قوله
تعالى: ( أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) قال قتادة والسدي: نـزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب
المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال الله
تعالى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ( 10- الأحزاب ) وقيل نـزلت في حرب أحد.
وقال
عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر،
لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله
ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم النفاق
فأنـزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم ( أَمْ حَسِبْتُمْ ) أي: أحسبتم، والميم صلة، قاله الفراء، وقال الزجاج: بل
حسبتم، ومعنى الآية: أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ( وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ) وما صلة ( مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا ) شبه الذين مضوا ( مِنْ قَبْلِكُمْ ) النبيين والمؤمنين ( مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ ) الفقر والشدة والبلاء ( وَالضَّرَّاءُ ) المرض والزمانة ( وَزُلْزِلُوا ) أي حركوا بأنواع البلايا
والرزايا وخوفوا (
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ) ما زال البلاء بهم حتى
استبطؤوا النصر.
قال الله
تعالى: ( أَلا
إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) قرأ
نافع حتى يقول الرسول بالرفع معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى
في معنى الماضي ولفظه ( لفظ ) المستقبل فلك فيه الوجهان
الرفع والنصب، فالنصب على ظاهر الكلام، لأن حتى تنصب الفعل المستقبل، والرفع لأن
معناه الماضي، وحتى لا تعمل في الماضي.
يَسْأَلُونَكَ
مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215
)
قوله
تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ) نـزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال فقال: يا
رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنـزل الله تعالى ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
يُنْفِقُونَ ) وفي
قوله (
مَاذَا ) وجهان
من الإعراب أحدهما أن يكون محله نصبا بقوله ( ينفقون ) تقديره
أي شيء ينفقون والآخر أن يكون رفعا بما، ومعناه ما الذي ينفقون ( قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ
خَيْرٍ ) أي من
مال (
فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) يجازيكم به قال أهل التفسير:
كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 )
قوله تعالى: (
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ) أي فرض عليكم الجهاد، واختلف العلماء
في حكم هذه الآية فقال عطاء: الجهاد تطوع، والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى:
فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى
الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ( 95-
النساء ) ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يكن يعده الحسنى، وجرى بعضهم
على ظاهر الآية، وقال: الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن
إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي
أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبيّ الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن
حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي
عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من مات
ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق » .
وقال قوم، وعليه الجمهور: إن
الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد
السلام، قال الزهري والأوزاعي: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا، فمن غزا
فبها ونعمت ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد.
قوله تعالى: (
وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) أي شاق عليكم قال بعض أهل
المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس
وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى، وقال عكرمة، نسخها قوله تعالى:
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا .
قال الله تعالى: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) لأن في الغزو إحدى الحسنيين
إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة (
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا ) يعني القعود عن الغزو (
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) لما فيه من فوات الغنيمة
والأجر ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ
أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ
يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ ( 217 )
قوله تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ) سبب
نـزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش، وهو ابن
عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين على
رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد
بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن
عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير
وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال له: « سر على
اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نـزلت فافتح الكتاب واقرأه على
أصحابك ثم امض لما أمرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك » فسار
عبد الله يومين ثم نـزل وفتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر
على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنـزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك
تأتينا منها بخير، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك، وقال
إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع، ثم
مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من
الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه
فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نـزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف.
فبينما هم كذلك إذ مرت عير
لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن
كيسان مولى هشام بن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله
المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله
بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس
عكاشة فوق ثم أشرفوا عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم، فأمنوهم، وكان ذلك في
آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم
وقالوا لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقعة
القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من
المشركين [ وهو أول قتيل في الهجرة وأدى النبي صلى الله عليه وسلم
دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش. قال مجاهد وغيره لأنه كان بين رسول الله صلى
الله عليه وسلم وبين قريش عهد، وادع أهل مكة سنتين أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه ]
واستأسر الحكم وعثمان فكانا أول
أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم، واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر
الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الحرائب وعير بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين
وقالوا: يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه!
وبلغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير
والأسيرين، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أنهم قد
هلكوا وسقط في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله إنا قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا
فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك،
فأنـزل الله تعالى هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها
الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في
الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال « بل
نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما » فلما
قدما فاداهما، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالمدينة، فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها
كافرا وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه
فتحطما جميعا فقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فهذا سبب نـزول هذه الآية
قوله تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ) يعني
رجبا سمي بذلك لتحريم القتال فيه.
(
قِتَالٍ فِيهِ ) أي عن قتال فيه ( قُلْ ) يا
محمد ( قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) عظيم،
تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال ( وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ ) أي فصدكم المسلمين عن الإسلام (
وَكُفْرٌ بِهِ ) أي كفركم بالله (
وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي المسجد الحرام وقيل وصدكم
عن المسجد الحرام ( وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ) أي
إخراج أهل المسجد ( مِنْهُ أَكْبَرُ ) وأعظم
وزرا ( عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ ) أي
الشرك الذي أنتم عليه ( أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) أي من
قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فلما نـزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى
مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج
رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت الحرام، ثم قال: ( وَلا
يَزَالُونَ ) يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له مثل عسى (
يُقَاتِلُونَكُم ) يا معشر المؤمنين (
حَتَّى يَرُدُّوكُمْ ) يصرفوكم ( عَنْ
دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ ) جزم
بالنسق ( وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ ) بطلت (
أَعْمَالُهُم ) حسناتهم ( فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218
)
قال أصحاب السرية يا رسول الله
هل نؤجر على وجهنا هذا، وهل نطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا؟ فأنـزل الله تعالى ( إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ) فارقوا
عشائرهم ومنازلهم وأموالهم ( وَجَاهَدُوا )
المشركين ( فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) طاعة
لله، فجعلها جهادا، ( أُولَئِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَةَ اللَّهِ ) أخبر أنهم على رجاء الرحمة (
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا
أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 219
)
قوله تعالى: (
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ) الآية،
نـزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما
مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنـزل الله هذه الآية .
وجملة القول في تحريم الخمر على ما قال المفسرون أن الله
أنـزل في الخمر أربع آيات نـزلت بمكة وهي: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ( 67-
النحل ) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم نـزلت في
مسألة عمر ومعاذ بن جبل ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) فلما نـزلت
هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله قد تقدم في تحريم الخمر » فتركها قوم لقوله ( إثم
كبير ) وشربها قوم لقوله (
ومنافع للناس ) إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدموا
بعضهم ليصلي بهم فقرأ « قل يا أيها الكافرون أعبد ما
تعبدون » هكذا إلى آخر السورة بحذف « لا » فأنـزل
الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ
سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ( 43-
النساء ) فحرم السكر في أوقات الصلاة، فلما نـزلت هذه الآية تركها
قوم، وقالوا لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة
وشربوها في غير حين الصلاة، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه
السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحوا إذا جاء وقت الظهر، واتخذ عتبان بن مالك صنيعا
ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا
منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك (
وانتسبوا ) وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار وفخر
لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا رأيك في
الخمر بيانا شافيا، فأنـزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة: إلى قوله ( فهل
أنتم منتهون ) .
وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله عنه انتهينا
يا رب، قال أنس حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيئا
أشد من الخمر .
[ وعن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: لما نـزلت الآية في سورة المائدة حرمت الخمر فخرجنا بالحباب إلى الطريق
فصببنا ما فيها فمنا كسر صبه ومنا من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت أزقة المدينة
بعد ذلك حينا فلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها ] .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله
النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم
أخبرنا ابن علية أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: قال لي أنس بن مالك ما كان لنا
خمر غير فضيخكم وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: حرمت
الخمر. فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر
الرجل .
عن أنس: سميت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتي تختمر
وتتغير، وعن ابن المسيب: لأنها تركت حتى صفا صفوها، ورسب كدرها، واختلف الفقهاء في
ماهية الخمر، فقال قوم: هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل النار
فيه، واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربه ويفسق ويكفر مستحلها، وذهب
سفيان الثوري وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ولا يحرم ما يتخذ من
غيرهما كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانيد إلا أن يسكر منه فيحرم،
وقالوا إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره، وإن طبخ حتى
ذهب ثلثاه قالوا هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام، ويحتجون بما روي أن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ذهب
ثلثاه وبقي ثلثه.
ورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث.
وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالا وهو قول إسماعيل
بن عليه.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر
فقليله حرام يحد شاربه.
واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد
أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سئل رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن البتع فقال: « كل شراب أسكر فهو حرام »
أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن
علي بن عبد الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي
الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « ما أسكر كثيره فقليله حرام » .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغفار بن
محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن
الحجاج أنا أبو الربيع العتكي أخبرنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل
مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ولم يتب لم
يشربها في الآخرة » .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله
النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أحمد بن أبي رجاء أنا يحيى، بن
أبي حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال : « إنه قد نـزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من العنب
والتمر، والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل » وروى
الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من
العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن من
الشعير خمرا » فثبت أن الخمر لا يختص بما يتخذ من العنب أو الرطب.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق
الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن
الخطاب خرج عليهم فقال إني وجدت من فلان ريح شراب، وزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل
عما شرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاما ، وما روي عن عمر وأبي عبيدة
ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون مسكرا. وسئل ابن عباس عن الباذق
فقال سبق محمد الباذق فما أسكر فهو حرام.
قوله تعالى: (
وَالْمَيْسِرِ ) يعني القمار، قال ابن عباس:
كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله
وماله فأنـزل الله تعالى هذه الآية، والميسر: مفعل من قولهم يسر لي الشيء إذا وجب
ييسر يسرا وميسرا، ثم قيل للقمار ميسر وللمقامر ياسر ويسر، وكان أصل الميسر في
الجزور وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزؤونها عشرة
أجزاء ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام، لسبعة منها أنصباء
وهي: الفذ وله نصيب واحد، والتوأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أسهم، والحلس وله
أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة منها: لا
أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة
ويضعونها على يدي رجل عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحا منها
باسم رجل منهم، فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن خرج له واحد من
الثلاثة التي لا أنصباء لها كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله.
وقال بعضهم كان لا يأخذ شيئا ولا يغرم ويكون ذلك القدح لغوا
ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون
من لم يفعل ذلك ويسمونه البرم وهو أصل القمار الذي كانت تفعله العرب. والمراد من
الآية أنواع القمار كلها، قال طاووس وعطاء ومجاهد: كل شيء فيه قمار فهو من الميسر
حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وروي عن علي رضي الله عنه في النرد والشطرنج
أنهما من الميسر.
قوله تعالى: ( قُلْ
فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) وزر عظيم من المخاصمة
والمشاتمة وقول الفحش، قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ الباقون
بالباء فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة. إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ
أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91- المائدة ) (
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) فمنفعة الخمر اللذة عند شربها
والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة
المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير
عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء.
( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ
نَفْعِهِمَا ) قال الضحاك وغيره: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل
35/أ التحريم، وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم وهو ما يحصل من العداوة
والبغضاء.
قوله تعالى: (
وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ) وذلك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق؟ فقال ( قُلِ
الْعَفْوَ ) قرأ أبو عمرو العفو بالرفع، معناه: الذي ينفقون هو العفو.
وقرأ الآخرون بالنصب، على معنى قل: أنفقوا العفو.
واختلفوا في معنى العفو، فقال قتادة وعطاء والسدي: هو ما فضل
عن الحاجة، وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم
هذه الآية، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال مجاهد: معناه: التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى
كلا على الناس.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر
محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا إبراهيم
بن عبد الله بن عمر الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى
واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول » وقال
عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى وَالَّذِينَ إِذَا
أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ( 67-
الفرقان ) وقال طاووس: ما يسر، والعفو: اليسر من كل شيء ( ومنه
قوله تعالى ) خُذِ الْعَفْوَ ( 199-
الأعراف ) أي الميسور من أخلاق الناس.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن
محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار قال صلى الله عليه وسلم: « أنفقه
على نفسك » قال: عندي آخر قال: « أنفقه
على ولدك » قال: عندي آخر قال: « أنفقه
على أهلك » قال: عندي آخر قال: « أنفقه
على خادمك » قال: عندي آخر قال: « أنت
أعلم » .
قوله تعالى: (
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ ) قال
الزجاج: إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة، لأن الجماعة معناها القبيل
كأنه قال: كذلك أيها القبيل، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطابه
يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَاءَ ( 1- الطلاق ) .
قوله تعالى: (
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ قيل:
معناه يبين الله لكم الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة
فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في
العقبى، وقال أكثر المفسرين: معناها هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا
والآخرة، ( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) في
زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها.
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ
تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 220
)
قوله تعالى: (
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ) قال
ابن عباس وقتادة: لما نـزل قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( 152- الأنعام ) وقوله تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا الآية ( 10-
النساء ) تحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى عزلوا
أموال اليتامى عن أموالهم حتى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا
يأكلونه حتى يفسد، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل
الله تعالى هذه الآية: ( قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ
) أي ( الإصلاح لأموالهم ) من غير
أجرة ولا أخذ عوض خير لكم وأعظم أجرا، لما لكم في ذلك من الثواب، وخير لهم، لما في
ذلك من توفر أموالهم عليهم، قال مجاهد: يوسع عليهم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام
اليتيم ( وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ) هذه
إباحة المخالطة أي وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم
وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما
تصيبون من أموالهم ( فَإِخْوَانُكُم ) أي فهم
إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح
والرضا ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ )
لأموالهم ( مِنَ الْمُصْلِحِ ) لها
يعني الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد
الإصلاح ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ ) أي
لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم، وقال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من
أموال اليتامي موبقا لكم، وأصل العنت الشدة والمشقة. ومعناه: كلفكم في كل شيء ما
يشق عليكم ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ )
والعزيز الذي يأمر بعزة - سهل على العباد أو شق عليهم (
حَكِيم ) فيما صنع من تدبيره وترك الإعنات.
وَلا تَنْكِحُوا
الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ
وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا
وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ
بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 221
)
قوله تعالى: ( وَلا
تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) سبب
نـزول هذه الآية أن أبا مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة
ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق،
وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها ويحك يا
عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم، ولكن
أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فقالت أبي تتبرم؟ ثم استغاثت
عليه فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال: يا
رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟ فأنـزل الله تعالى ( وَلا
تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) .
وقيل: الآية منسوخة في حق
الكتابيات بقوله تعالى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ ( 5- المائدة ) فإن
قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال
أبو الحسن بن فارس لأن من يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غيره، وقال
قتادة وسعيد بن جبير: أراد بالمشركات الوثنيات، فإن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة
بنت فرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت تحته، وتزوج طلحة بن عبد الله نصرانية، وتزوج
حذيفة يهودية [ فكتب إليه عمر رضي الله
عنه خل سبيلها. فكتب إليه أتزعم أنها حرام؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف
أن تعاطوا المومسات منهن ] .
قوله تعالى: ( وَلأمَةٌ
مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ )
بجمالها ومالها، نـزلت في خنساء وليدة سوداء، كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة:
يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى، على سوادك ودمامتك فأعتقها وتزوجها، وقال السدي
نـزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها ثم فزع فأتى
النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى الله عليه وسلم وما هي يا عبد
الله؟ قال: هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء
وتصلي فقال: « هذه مؤمنة » قال عبد
الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ذلك فطعن عليه ناس من
المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنـزل الله تعالى هذه الآية
قوله تعالى: ( وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) هذا
إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك (
وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِك ) يعني
المشركين 35/ب ( يَدْعُونَ إِلَى النَّار ) أي إلى
الأعمال الموجبة للنار ( وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى
الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ) أي
بقضائه وإرادته ( وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ ) أي أوامره ونواهيه (
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) يتعظون.
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا
تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 )
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا
لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ
الْمُؤْمِنِينَ ( 223 )
قوله تعالى: (
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) أخبرنا
أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد
الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان بن الأشعث
السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك
أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها
ولم يجامعوها في البيت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنـزل الله
تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى
فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) الآية
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح » فقالت
اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير
وعباد بن بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن اليهود تقول
كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا
أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما .
قوله تعالى: (
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ) أي عن
الحيض وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا كالسير والمسير، وأصل الحيض الانفجار
والسيلان وقوله ( قُلْ هُوَ أَذًى ) أي
قذر، والأذى كل ما يكره من كل شيء (
فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) أراد
بالاعتزال ترك الوطء ( وَلا تَقْرَبُوهُنَّ ) أي لا
تجامعوهن، أما الملامسة والمضاجعة معها فجائزة.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا
قبيصة أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كنت
أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني أن أتزر
فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا
أبو أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعد بن
حفص أنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم سلمة قالت: « حضت
وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب
حيضي فلبستها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني
فأدخلني معه في الخميلة » .
أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله
بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد
بن حكيم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو أنا صدقة أنا وكيع أنا مسعر وسفيان عن
المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كنت
أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في وأتعرق
العرق فيتناوله فيضع فاه في موضع في » .
فوطء الحائض حرام، ومن فعله
يعصي الله عز وجل ويعزره الإمام، إن علم منه ذلك، واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة
عليه، فذهب أكثرهم إلى أنه لا كفارة عليه فيستغفر الله ويتوب إليه.
وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه
منهم: قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق، لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا
عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر
الرازي عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض قال: « إن كان
الدم عبيطا فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار » .
ويروى هذا موقوفا عن ابن عباس،
ويمنع الحيض جواز الصلاة ووجوبها، ويمنع جواز الصوم، ولا يمنع وجوبه، حتى إذا طهرت
يجب عليها قضاء الصوم ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك النفساء.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن
إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن
أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا علي بن حجر أنا علي بن مسهر عن عبيده بن
معتب الضبي عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت: « كنا
نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا
بقضاء الصلاة » .
ولا يجوز للحائض الطواف بالبيت
ولا الاعتكاف في المسجد، ولا مس المصحف، ولا قراءة القرآن، ولا يجوز للزوج
غشيانها.
أخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا
القاسم بن جعفر أنا أبو علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا مسدد أنا عبد الواحد بن زياد
أنا أفلت بن خليفة قال: حدثني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول جاء رسول الله
صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: « وجهوا
هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب » .
قوله تعالى: (
حَتَّى يَطْهُرْنَ ) قرأ عاصم برواية أبي بكر
وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء يعني: حتى يغتسلن، وقرأ الآخرون بسكون الطاء
وضم الهاء، فخفف، ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع دمهن (
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ) يعني اغتسلن (
فأتوهن ) أي فجامعوهن ( مِنْ
حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ) أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن
منه، وهو الفرج، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا
تعدوه إلى غيره أي اتقوا الأدبار، وقيل ( من ) بمعنى
( في ) أي في حيث أمركم الله تعالى
وهو الفرج، كقوله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ( 9-
الجمعة ) أي في يوم الجمعة وقيل (
فأتوهن ) الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن وهو الطهر، وقال ابن
الحنفية: من قبل الحلال دون الفجور، وقيل: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا
محرمات: وأتوهن وغشيانهن لكم حلال، واعلم أنه لا يرتفع تحريم شيء مما منعه الحيض
بانقطاع الدم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء إلا تحريم الصوم، فإن الحائض إذا
انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فوقع غسلها بالنهار صح صومها، والطلاق في حال الحيض
يكون بدعيا، وإذا طلقها بعد انقطاع الدم قبل الغسل لا يكون بدعيا، وذهب أبو حنيفة
رضي الله عنه إلى أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهي عدة عشرة أيام يجوز للزوج
غشيانها قبل الغسل، وقال مجاهد وطاووس: إذا غسلت فرجها جاز للزوج غشيانها قبل
الغسل.
وأكثر أهل العلم على التحريم ما
لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، لأن الله تعالى علق جواز وطئها بشرطين: بانقطاع
الدم والغسل، فقال ( حتى يطهرن ) يعني
من الحيض ( فإذا تطهرن ) يعني
اغتسلن ( فأتوهن ) ومن قرأ يطهرن بالتشديد
فالمراد من ذلك: الغسل كقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ( 6-
المائدة ) أي فاغتسلوا فدل على أن قبل الغسل لا يحل الوطء.
قوله تعالى: ( إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) قال
عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي: يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء من
الأحداث والنجاسات، وقال مقاتل بن حيان: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من
الشرك، وقال سعيد بن جبير: التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب، وقال مجاهد
التوابين من الذنوب لا يعودون فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها، والتواب: الذي
كلما أذنب تاب، نظيره قوله تعالى: فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ( 25-
الإسراء ) .
قوله تعالى: (
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) أخبرنا
أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد
الأصبهاني أخبرنا محمد بن يعقوب أنا ابن المنادي أنا يونس أنا يعقوب القمي عن جعفر
بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عمر إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يا رسول الله هلكت، قال وما
الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، وأوحى الله إليه (
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) يقول
أدبر وأقبل واتق الدبر والحيضة » .
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن
منيب أنا ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود
تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحول، فنـزلت (
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) .
وروى مجاهد عن ابن عباس قال كان
من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان
هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون منهن
مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من
الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرت عليه وقالت إنا كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع
ذلك وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل
الله تعالى ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) الآية
يعني موضع الولد ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى
شِئْتُمْ ) مقبلات ومدبرات ومستلقيات وأنى حرف استفهام يكون سؤالا عن
الحال والمحل معناه: كيف شئتم وحيث شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد، وقال عكرمة (
أَنَّى شِئْتُمْ ) إنما هو الفرج، ومثله عن
الحسن، وقيل ( حَرْثٌ لَكُمْ ) أي
مزرع لكم ومنبت للولد، بمنـزلة الأرض التي تزرع، وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن
محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر.
وقال سعيد بن المسيب هذا في
العزل، يعني إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا وسئل ابن عباس عن العزل فقال:
حرثك إن شئت فأعطش، وإن شئت فأرو، وروي عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا
تستأمر الجارية، وبه قال أحمد، وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي، وروى عن
مالك عن نافع قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية (
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) فقال أتدري فيم نـزلت هذه
الآية؟ قلت لا قال: نـزلت في رجل أتى امرأته في دبرها، فشق ذلك عليه فنـزلت هذه
الآية .
ويحكى عن مالك إباحة ذلك، وأنكر
ذلك أصحابه، وروي عن عبد الله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له يا أبا
عمر ما حديث يحدث نافع عن عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن
فقال: كذب العبد وأخطأ، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، والدليل
على تحريم الأدبار ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا أبو عمر محمد بن
علي بن شافع أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن
خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن
فقال النبي صلى الله عليه وسلم « في أي الخرمتين أو في أي
الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا فإن
الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن » .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي
أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الحافظ أنا عمر بن أحمد بن
القاسم النهاوندي أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي أنا عبد الله بن أبان
أنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ملعون
من أتى امرأته في دبرها » .
قوله تعالى: (
وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ) قال عطاء: التسمية عند الجماع
قال مجاهد ( وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ) يعني
إذا أتى أهله فليدع.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا
أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن إسماعيل أنا عثمان بن أبي شيبة أنا جرير عن
منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم « لو أن
أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما
رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا » . وقيل
قدموا لأنفسكم يعني: طلب الولد.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن
الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر
الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر عن العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح
يدعو له » وقيل: هو التزوج بالعفاف ليكون الولد صالحا.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا
أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى
عن عبيد الله حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر
بذات الدين تربت يداك » وقيل معنى الآية تقديم
الأفراط.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا
يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم » وقال
الكلبي والسدي: وقدموا لأنفسكم يعني الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية (
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ) صائرون
إليه فيجزيكم بأعمالكم ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ
عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 )
قوله تعالى: ( وَلا
تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ ) نـزلت
في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شيء،
فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه
قال: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي إلا أن تبر بيميني، فأنـزل الله هذه
الآية .
وقال ابن جريج: نـزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق
على مسطح حين خاض في حديث الإفك ، والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة
التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا
للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء ومعنى
الآية ( لا تجعلوا ) الحلف
بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت
بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر ( أَنْ
تَبَرُّوا ) معناه أن لا تبروا كقوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
أَنْ تَضِلُّوا ( 176- النساء ) أي
لئلا تضلوا ( وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق
الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال « من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا
منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير » .
لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 )
قوله تعالى: ( لا
يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) اللغو
كل مطرح من الكلام لا يعتد به، واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكورة في الآية
فقال قوم هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام، من غير عقد وقصد، كقول
القائل: لا والله وبلى والله وكلا والله.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد
الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا
الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول
الإنسان لا والله وبلى والله، ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال
الشافعي.
ويروى عن عائشة: أيمان اللغو ما
كانت في الهزل والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وقال قوم: هو أن
يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري
وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقالوا لا كفارة
فيه ولا إثم عليه، وقال علي: هو اليمين على الغضب، وبه قال طاووس وقال سعيد بن
جبير: هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها، بل يحنث ويكفر. وقال
مسروق: ليس عليه كفارة أيكفر خطوات الشيطان؟ وقال الشعبي في الرجل يحلف على
المعصية كفارته أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو
أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه
تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا [
أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، ويقول: هو كافر إن فعل كذا ] . فهذا
كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة وَلَوْ يُعَجِّلُ
اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ
أَجَلُهُمْ ( 11- يونس ) ، وقال
وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ( 11-
الإسراء ) .
قوله تعالى: (
وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) أي
عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته: فاليمين
بالله أن يقول: والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، واليمين
بأسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه، واليمين بصفاته كقوله: وعزة الله وعظمة الله
وجلال الله وقدرة الله ونحوها، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب
عليه الكفارة وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن أو على أنه لم يكن وقد كان، إن
كان عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس، وهو من الكبائر، وتجب فيه الكفارة
عند بعض أهل العلم، عالما كان أو جاهلا وبه قال الشافعي، ولا تجب عند بعضهم وهو
قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في سائر الكبائر
وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن حلف بغير الله مثل أن قال: والكعبة وبيت
الله ونبي الله، أو حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، فلا تجب عليه الكفارة إذا
حلف، وهو يمين مكروهة، قال الشافعي: وأخشى أن يكون معصية.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا
زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف
بأبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت » .
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ
نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ
عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227
) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي
أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 228
)
قوله تعالى: (
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) يؤلون
أي يحلفون، والألية: اليمين والمراد من الآية: اليمين على ترك وطء المرأة، قال
قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار
أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا
يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب
الله له أجلا في الإسلام، واختلف أهل العلم فيه: فذهب أكثرهم إلى أنه إن حلف أن لا
يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر، يكون موليا، فلا يتعرض له قبل مضي
أربعة أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر بالفيء أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة، والفيء
هو الرجوع عما قاله بالوطء، إن قدر عليه، وإن لم يقدر فبالقول، فإن لم يفء ولم
يطلق طلق عليه السلطان واحدة، وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو
الدرداء وابن عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم كلهم يقول بوقف المولي. وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد،
وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم: إذا مضت أربعة أشهر تقع
عليها طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال سفيان الثوري وأصحاب
الرأي.
وقال سعيد بن المسيب والزهري:
تقع طلقة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل هو
حالف، فإذا وطئها قبل مضي تلك المدة تجب عليه كفارة اليمين، ولو حلف أن لا يطأها
أربعة أشهر لا يكون موليا عند من يقول بالوقف بعد مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط
للوقف وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة. وعند من لا يقول بالوقف
يكون موليا، ويقع الطلاق بمضي المدة.
ومدة الإيلاء: أربعة أشهر في حق
الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه الله، لأنها ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع، وهو
قلة صبر المرأة عن الزوج، فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة.
وعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة
رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق، غير أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند
مالك برق الزوج، كما قالا في الطلاق.
قوله تعالى: (
تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) أي انتظار أربعة أشهر،
والتربص: التثبت والتوقف ( فَإِنْ فَاءُوا ) رجعوا
عن اليمين بالوطء ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ) وإذا وطئ خرج عن الإيلاء وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر
أهل العلم، وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعد
بالمغفرة فقال ( فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ) وذلك عند الأكثرين في إسقاط العقوبة لا في الكفارة، ولو قال
لزوجته: إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا، أو لله علي عتق رقبة أو صوم أو صلاة فهو
مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء، ويوقف بعد مضي المدة فإن فاء يقع الطلاق أو
العتق المعلق به، وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة اليمين في قول، وفي قول يلزمه ما
التزم في ذمته من الإعتاق والصلاة والصوم
(
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ) أي حققوه بالإيقاع (
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ) (
عَلِيمٌ ) بنياتهم، وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم
يطلقها زوجها، لأنه شرط فيه العزم، وقال: (
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) فدل
على أنه يقتضي مسموعا والقول هو الذي يسمع.
قوله تعالى: (
وَالْمُطَلَّقَات ) أي المخليات من حبال أزواجهن
( يَتَرَبَّصْنَ ) ينتظرن
( بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) فلا
يتزوجن، والقروء: جمع قرء، مثل فرع، وجمعه القليل أقرؤ والجمع الكثير أقراء،
واختلف أهل العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول عمر وعلي وابن
مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي
واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة « دعي
الصلاة أيام أقرائك » وإنما تدع المرأة الصلاة أيام
حيضها. وذهب جماعة إلى أنها الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة،
وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، واحتجوا بأن ابن
عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: « مره
فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر
الله أن يطلق لها النساء » .
فأخبر أن زمان العدة هو الطهر،
ومن جهة اللغة قول الشاعر:
ففـي كـل عـام أنـت جاشـم غزوة تشــد لأقصاهــا عـزيم عزائكـا
مورثــة مـالا وفـي الحـي رفعـة لمـا ضـاع فيهـا مـن قروء
نسائكا
وأراد به أنه كان يخرج إلى
الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة،
وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول
من يجعلها أطهارا وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا، قالت عائشة رضي الله
عنها: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها. ومن
ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة،
وهذا الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعا، يقال أقرأت
المرأة: إذا حاضت وأقرأت: إذا طهرت، فهي مقرئ، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن
العلاء وأبو عبيدة: هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان لقرئه ولقارئه أي
لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها، قال مالك بن الحارث الهذلي:
كــرهت العقـر عقـر بنـي شـليل إذا هبـــت لقارئهـــا
الريــاح
أي لوقتها، والقرء يصلح
للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت، والطهر مثله، وقيل: هو من القرأ وهو الحبس والجمع،
تقول العرب: ما قرأت الناقة سلا قط أي لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في
المقراة وهي الحوض أي جمعته، بترك همزها، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه، فعلى
هذا يكون الترجيح فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه، والحيض يرخيه ويرسله، وجملة
الحكم في العدد: أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة
بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى وَأُولاتُ الأَحْمَالِ
أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( 4-
الطلاق ) فإن لم تكن حاملا نظر: إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج
فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت
المرأة ممن تحيض، أو لا تحيض لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْرًا ( 234- البقرة ) وإن
وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل الدخول بها، فلا عدة عليها،
لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ
مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ( 49- الأحزاب ) .
وإن كان بعد الدخول نظر: إن
كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول
الله تعالى: وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ
ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ ( 4-
الطلاق ) .
وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة
أقراء لقوله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن
ثلاثة قروء ) وقوله ( يتربصن بأنفسهن ) لفظه
خبر ومعناه أمر، وعدة الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة، وإن كانت حائلا ففي
الوفاة عدتها شهران وخمس ليال، وفي الطلاق، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان، وإن
كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف: وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض. قال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن
لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا.
وقوله عز وجل: ( وَلا
يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ) قال
عكرمة: يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول: قد حضت الثالثة وقال ابن
عباس وقتادة: يعني الحمل، ومعنى الآية: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها
من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد ( إِنْ كُنَّ
يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) معناه
أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء كما تقول، أد
حقي إن كنت مؤمنا، يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين.
(
وَبُعُولَتُهُن ) يعني أزواجهن جمع بعل،
كالفحولة جمع فحل، سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك (
أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) أولى برجعتهن إليهم ( فِي
ذَلِكَ ) أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار كما
كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق أمرأته فإذا قرب انقضاء عدتها، راجعها
ثم تركها مدة، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد
بذلك تطويل العدة عليها ( وَلَهُن ) أي
للنساء على الأزواج مثل الذي عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس في معناه: إني
أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال: (
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن
الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي
أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا
أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قلت يا
رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: « أن
تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا
في البيت »
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر
الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو
إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا
حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: دخلنا على جابر بن عبد
الله فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرد قصة حجة الوداع إلى
أن ذكر خطبته يوم عرفة قال: « فاتقوا الله في النساء، فإنهن
عوان عندكم، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن
أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم
رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله،
وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال
بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد » ثلاث
مرات.
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن يحيى أنا
يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن أكمل المؤمنين إيمانا
أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم » .
قوله تعالى: (
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) قال
ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد،
وقيل بالعقل، وقيل بالشهادة، وقيل بالميراث، وقيل بالدية وقيل بالطلاق، لأن الطلاق
بيد الرجال، وقيل بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة وقال القتيـبي وللرجال
عليهن درجة معناه فضيلة في الحق (
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي
ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى
رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله
عليه وسلم « لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » .
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا
مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ
حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 229
) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى
تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ
يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230
)
قوله تعالى: (
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ) روي عن عروة بن الزبير قال:
كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت
انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنـزلت هذه الآية (
الطَّلاقُ مَرَّتَانِ ) يعني الطلاق الذي يملك الرجعة
عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.
قوله تعالى: (
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ) قيل: أراد بالإمساك الرجعة
بعد الثانية، والصحيح أن المراد منه: الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا راجعها بعد
الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما يعرف في الشرع، من أداء
حقوق النكاح وحسن الصحبة ( أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) أن
يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة.
قوله تعالى: ( أَوْ
تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) وصريح اللفظ الذي يقع به
الطلاق من غير نية ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ
الطلاق فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول
بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، وإن لم يراجعها حتى انقضت
عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها، وإذن
وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ما لم تنكح زوجا غيره، وأما العبد إذا كانت
تحته امرأة، فطلقها طلقتين، فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.
واختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب
أكثرهم إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات،
والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني يعتبر في عدد الطلاق حال الرجل وفي قدر العدة
حال المرأة، وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء
وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أن الاعتبار
بالمرأة في عدد الطلاق فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على
زوجته الأمة إلا طلقتين وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.
قوله تعالى ( وَلا
يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ )
أعطيتموهن ( شَيْئًا ) المهور وغيرها ثم استثنى
الخلع فقال ( إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) نـزلت
في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال: حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن
شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت
له: إنه يسيء إلي ويضربني فقال: ارجعي إلى زوجك فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة
يديها تشكو زوجها قال: فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب فقال لها: ارجعي إلى
زوجك، فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه
زوجها وأرته آثارا بها من ضربه وقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: « ما لك
ولأهلك؟ » فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها
غيرك، فقال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها
فقالت: صدق يا رسول الله ولكن قد خشيت أن يهلكني فأخرجني منه، وقالت: يا رسول الله
ما كنت لأحدثك حديثا ينـزل الله عليك خلافه ، هو من أكرم الناس محبة لزوجته، ولكني
أبغضه فلا أنا ولا هو، قال ثابت: قد أعطيتها حديقة فلتردها علي وأخلي سبيلها فقال
لها: « تردين عليه حديقته وتملكين أمرك » ؟ قالت:
نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
ثابت خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها » ففعل.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا
محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا زاهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا
خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى
الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني
أكره الكفر بعد الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أتردين
عليه حديقته » ؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اقبل
الحديقة وطلقها تطليقة » .
قوله تعالى: ( إِلا
أَنْ يَخَافَا ) أي يعلما ( أَلا
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه ) قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب ( إِلا
أَنْ يُخَافَا ) بضم الياء أي يعلم ذلك منهما،
يعني: يعلم القاضي والولي ذلك من الزوجين، بدليل قوله تعالى: (
فَإِنْ خِفْتُمْ ) فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم
يقل فإن خافا، وقرأ الآخرون ( يَخَافَا ) بفتح
الياء أي يعلم الزوجان من أنفسهما ( أَلا
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه ) تخاف المرأة أن تعصي الله في
أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن
يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها، إلا أن يكون النشوز من قبلها، فقالت: لا أطيع لك
أمرا ولا أطأ لك مضجعا ونحو ذلك.
قال الله تعالى: (
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا
افْتَدَتْ بِهِ ) أي فيما افتدت به المرأة
نفسها منه، قال الفراء: أراد بقوله (
عَلَيْهِمَا ) الزوج دون المرأة، فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى
نَسِيَا حُوتَهُمَا ( 61- الكهف ) ،
وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل: أراد أنه لا جناح عليهما جميعا، لا جناح على
المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطت به المال،
لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير الحق، ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا
أعطته طائعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وقال
الزهري: لا يجوز بأكثر مما أعطاها من المهر.
وقال سعيد بن المسيب: لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك
منه شيئا، ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا
سبب.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد
الله بن فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي
أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا عبد
الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق » أخبرنا
أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه أنا ابن أبي أنا محمد
بن عثمان بن أبي شيبة أنا أبي أنا أسامة عن حماد بن زيد عن أبي أيوب عن أبي قلابة
عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أيما
امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة » .
وقال طاووس: الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية، والآية
حرجت على وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا، وإذا طلق
الرجل امرأته بلفظ الطلاق على مال فقلبت وقعت البينونة وانتقص به العدد.
واختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة
ينتقص به عدد الطلاق، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب
وعطاء والحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو
أظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق وهو قول عبد الله
بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عكرمة وطاووس وإليه ذهب أحمد
وإسحاق، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع، ثم ذكر بعده
الطلقة الثالثة فقال، ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا
تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) ولو
كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا، ومن قال بالأول جعل الطلقة الثالثة: ( أو
تسريح بإحسان ) . قوله تعالى: (
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) أي هذه أوامر الله ونواهيه،
وحدود الله، ما منع الشرع من المجاوزة عنه ( فَلا
تَعْتَدُوهَا ) فلا تجاوزوها (
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )
قوله تعالى: (
فَإِنْ طَلَّقَهَا ) يعني الطلقة الثالثة ( فَلا
تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ) أي من بعد الطلقة الثالثة (
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) أي:
غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعا، نـزلت في تميمة وقيل في
عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك
القرظي فطلقها ثلاثا.
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن
عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت
طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقال: « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة » قالت
نعم قال: « لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته » .
وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك
الأول فلن نصدقك في الآخر. فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر
رضي الله عنه فقالت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول
فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه
وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه،
أتت عمر رضي الله عنه وقالت له: مثل ذلك فقال لها عمر رضي الله عنه: « لئن
رجعت إليه لأرجمنك » . قوله تعالى: (
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ) يعني
فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها ( فَلا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) يعني على المرأة وعلى الزوج الأول
( أَنْ يَتَرَاجَعَا ) يعني
بنكاح جديد ( إِنْ ظَنَّا ) أي
علما وقيل رجوا، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل ( أَنْ
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ) أي يكون بينهما الصلاح وحسن
الصحبة، وقال مجاهد: معناه إن علما أن نكاحهما على غير الدُّلْسَة، وأراد بالدلسة
التحليل، وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا تزوجت
المطلقة ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج الأول: فإن النكاح فاسد، وذهب جماعة إلى أنه
إن لم يشرط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها
صداق مثلها، غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك.
أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي أخبرنا أبو
القاسم حمزة بن يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن
الفرج أخبرنا عمرو بن خالد الحراني عن عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن أبي
واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: « لعن
المحلل والمحلل له » وقال نافع أتى رجل ابن عمر
فقال له: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها
للأول فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، « لعن
الله المحلل والمحلل له » (
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) يعني
يعلمون ما أمرهم الله تعالى به.
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ
الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231
)
قوله تعالى: (
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) الآية،
نـزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها
ثم طلقها، يقصد بذلك مضارتها. .
قوله تعالى: (
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) أي أشرفن على أن يبن بانقضاء
العدة، ولم يرد حقيقة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها،
فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، وفي قوله تعالى بعد هذا فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا
تَعْضُلُوهُنَّ حقيقة انقضاء العدة، والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة
إذا قرب منها وإذا دخلها ( فَأَمْسِكُوهُن ) أي
راجعوهن ( بِمَعْرُوفٍ ) قيل
المراجعة بالمعروف أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء.
( أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍ ) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن ( وَلا
تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ) أي لا
تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس (
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) أي أضر
بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى ( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ
اللَّهِ هُزُوًا ) قال الكلبي يعني قوله تعالى:
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وكل من خالف أمر الشرع فهو
متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو الدرداء هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول: كنت
لاعبا، ويعتق ويقول: مثل ذلك [ وينكح ويقول مثل ذلك ] .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن
الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمرو الجوهري أخبرنا
أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن أبي حبيب بن
أردك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال « ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة » . (
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )
بالإيمان ( وَمَا أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ ) يعني:
القرآن ( وَالْحِكْمَة ) يعني:
السنة، وقيل: مواعظ القرآن ( يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ
أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ
مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى
لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 232
)
(
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) نـزلت
في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن
عجلان فطلقها.
أخبرنا عبد الواحد المليحي
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا
أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني إبراهيم عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن
يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له:
زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان
رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنـزل الله تعالى ( فَلا
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) فقلت:
الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجتها إياه .
قوله تعالى: (
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) أي انقضت عدتهن ( فَلا
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) أي لا
تمنعوهن عن النكاح، والعضل: المنع، وأصله الضيق والشدة، يقال: عضلت المرأة إذا نشب
ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج، والداء العضال الذي لا يطاق، وفي الآية دليل على
أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي
عن العضل معنى، وقيل الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من الإضرار لأن ابتداء الآية
خطاب معهم، والأول أصح.
( إِذَا
تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) بعقد
حلال ومهر جائز ( ذَلِك ) أي ذلك
الذي ذكر من النهي ( يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ
مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) وإنما
قال ذلك موحدا، والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع: ذلكم، ثم كثر حتى
توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا كانت
الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر قيل هو خطاب للنبي صلى الله
عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال (
ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ ) أي خير لكم (
وَأَطْهَر ) لقلوبكم من الريبة وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما
علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما، ولم يؤمن من الأولياء
أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون (
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) أي
يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم.
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا
تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ
لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ
تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ
تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا
آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 233 )
قوله تعالى: (
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ) يعني:
المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا
أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في
سورة الطلاق: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ( 6-
الطلاق ) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها (
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ) أي سنتين، وذكر الكمال
للتأكيد كقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ( 196-
البقرة ) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا
وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ( 197-
البقرة ) ، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي
يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ( 203-
البقرة ) ، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم، ويقال أقام فلان بموضع كذا
حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان، أربعة
وعشرون شهرا، واختلف أهل العلم في هذا الحد، فمنهم من قال هو حد لبعض المولودين،
فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين
كاملين، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا، وإن وضعت لتسعة اشهر
فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا، كل
ذلك تمام ثلاثين شهرا لقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ( 15-
الأحقاف ) .
وقال قوم: هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن
حولين إلا باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن
يجتمعا عليه لقوله تعالى: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا
عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ) وهذا
قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: المراد من
الآية: بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين، فلا يحرم ما يكون
بعد الحولين، قال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنـزل
التخفيف فقال: ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ
الرَّضَاعَةَ ) أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيها دون ذلك حد محدود وإنما هو
على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به (
وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ) يعني الأب (
رِزْقُهُن ) طعامهن ( وَكِسْوَتُهُن ) لباسهن
( بِالْمَعْرُوفِ ) أي على
قدر الميسرة ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا ) أي
طاقتها ( لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ) قرأ
ابن كثير وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله ( لا
تُكَلَّفُ ) وأصله تضارر فأدغمت الراء في الراء، وقرأ الآخرون تضار بنصب
الراء، وقالوا: لما أدغمت الراء في الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ومعنى
الآية ( لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا ) فينـزع
الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه ( وَلا
مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه
بعدما ألفها، تضاره بذلك، وقيل معناه ( لا
تُضَارَّ وَالِدَةٌ ) فتكره على إرضاعه إذا كرهت
إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها، لأن ذلك ليس بواجب عليها ( وَلا
مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ) فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما
يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها.
فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على
الفعل المجهول، والوالدة والمولود له مفعولان، ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون
تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى ( لا
تُضَارَّ وَالِدَةٌ ) فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على
أبيه ( وَلا مَوْلُودٌ لَهُ ) أي لا
يضار الأب أم الصبي، فينـزعه منها ويمنعها من إرضاعه، وعلى هذه الأقوال يرجع
الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد، ويجوز أن يكون الضرار
راجعا إلى الصبي، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتى يموت أو لا
ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه ( لا
تضار والدة بولدها ) ولا أب بولده وكل هذه
الأقاويل مروية عن المفسرين.
قوله تعالى: (
وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ )
اختلفوا في هذا الوارث، فقال قوم: هو وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو
مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته، ثم اختلفوا في أي
وارث هو من ورثته فقال بعضهم: هو عصبة الصبي من الرجال مثل: الجد والأخ وابن الأخ
والعم وابن العم، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبه قال إبراهيم
والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا: إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت
عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه، وقيل: هو وارث الصبي من كان من الرجال
والنساء: وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا: يجبر على نفقته
كل وارث على قدر ميراثه عصبة كانوا أو غيرهم.
وقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، فمن ليس
بمحرم مثل ابن العم والمولى فغير مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وذهب
جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه، الذي هو وارث أبيه المتوفى تكون أجرة
رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا
الوالدان، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقيل هو الباقي من والدي المولود
بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة.
وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه وعلى الوارث ترك
المضارة، وبه قال الشعبي والزهري (
فَإِنْ أَرَادَا ) يعني الوالدين ( فِصَالا
) فطاما قبل الحولين ( عَنْ
تَرَاضٍ مِنْهُمَا ) أي اتفاق الوالدين (
وَتَشَاوُر ) أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت
لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي ( فَلا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) أي لا حرج عليهما في الفطام
قبل الحولين ( وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ ) أي
لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع
لبن أو أردن النكاح ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
إِذَا سَلَّمْتُم ) إلى أمهاتهم ( مَا
آتَيْتُمْ ) ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن، وقيل إذا سلمتم
أجور المراضع إليهن بالمعروف، قرأ ابن كثير ( مَا
آتَيْتُمْ ) وفي الروم وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا ( 39-
الروم ) بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال: أتيت جميلا إذا فعلته،
فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة يعني
إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه، وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون
الضرار ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234
)
قوله تعالى: (
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) أي
يموتون وتتوفى آجالهم، وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا (
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ) يتركون أزواجا (
يَتَرَبَّصْن ) ينتظرن ( بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) أي يعتددن بترك الزينة والطيب
والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل، وكانت
عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى
الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ( 240- البقرة ) ثم
نسخت بأربعة أشهر وعشرا.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد:
كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة عند أهل زوجها فأنـزل الله تعالى:
مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ فجعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت
سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل: غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ
خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ ( 240-
البقرة ) فالعدة كما هي واجبة عليها.
وقال: عطاء قال: ابن عباس رضي
الله عنهما: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاء خرجت، قال عطاء:
ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في
عدة الوفاة، وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء
كان فيه طيب أو لم يكن، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه طيب فلا
يجوز، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس
بالكحل الفارسي الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل
العلم منهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب
الرأي، وقال الشافعي رحمه الله: تكتحل به ليلا وتمسحه بالنهار.
قالت أم سلمة: دخل علي رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال « إنه
يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنـزعيه بالنهار » .
ولا يجوز لها الخضاب ولا لبس
الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس
الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر، ويجوز ما صبغ لغير زينة
كالسواد والكحلي وقال سفيان: لا تلبس المصبوغ بحال.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا
زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر
محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه
الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين
توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به
جارية ثم مست به بطنها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر « لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة
أشهر وعشرا » .
وقالت زينب: ثم دخلت على زينب
بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فدعت بطيب فمست به ثم قالت: والله ما لي بالطيب
من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر « لا يحل
لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة اشهر وعشرا » قالت
زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول:
جاءت امرأة إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها
أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا » ، ثم
قال: « إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي
بالبعرة على رأس الحول » قال حميد: فقلت لزينب: وما
ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت
حفشا أي بيتا صغيرا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم
تؤتي بدابة، حمار أو شاة أو طيرا فتفتض به، أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم
تخرج فتعطي بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره، وقال مالك:
تفتض أي تمسح جلدها.
وقال سعيد بن المسيب: الحكمة في
هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد، ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن
لنصف مدة الحمل أربعة أشهر وعشرا قريبا من نصف مدة الحمل، وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث
لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها
الليالي فيقولون صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار.
وقال المبرد: إنما أنث العشر
لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم وليلة، وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا
فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وروي عن علي وابن عباس
رضي الله عنهم أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وقال عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه: أنـزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى
سورة الطلاق وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ( 4-
الطلاق ) نـزلت بعد قوله تعالى « يتربصن
بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا » في سورة البقرة فحمله على
النسخ، وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة
عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت.
قوله تعالى (
فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) أي انقضت عدتهن ( فَلا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) خطاب للأولياء (
فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ ) أي من
اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي، وقيل فيما فعلن من التزين للرجال
زينة لا ينكرها الشرع ( بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) والإحداد واجب على المرأة في
عدة الوفاة، أما المعتدة عن الطلاق نُظِر فإن كانت رجعية فلا إحداد عليها في العدة
لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها، وفي البائنة بالخلع والطلقات
الثلاثة قولان: أحدهما: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو قول سعيد بن
المسيب، وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا إحداد عليها وهو قول عطاء، وبه قال مالك.
وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ
فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي
أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا
تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا
عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 235 )
قوله تعالى: ( وَلا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ) أي
النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء، والتعريض في الكلام ما يفهم به
السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول: رب راغب
فيك، من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب،
وإني من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ولئن تزوجتك لأحسنن
إليك، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت
فيه، وقال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه.
روي أن سكينة بنت حنظلة بانت من
زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من
قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام
فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي
من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم
سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منـزلته من الله عز وجل وهو متحامل على
يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده .
والتعريض بالخطبة جائز في عدة
الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر: إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها
كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان والرضاع: يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن للزوج
نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا.
وهل يجوز للغير تعريضا؟ فيه
قولان: أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا، والثاني لا يجوز لأن المعاودة لصاحب العدة
كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة.
وقوله تعالى: ( مِنْ
خِطْبَةِ النِّسَاءِ ) الخطبة التماس النكاح وهي
مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة، وقال الأخفش: الخطبة الذكر، والخطبة التشهد
فيكون معناه: فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن، ( أَوْ
أَكْنَنْتُمْ ) أضمرتم ( فِي أَنْفُسِكُمْ ) نكاحهن
يقال: أكننت الشيء وكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته
سترته، وقال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء (
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ )
بقلوبكم ( وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا )
اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم: هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل
الزّنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك، هذا قول
الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال زيد بن
أسلم: أي لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك.
وقال مجاهد: هو قول الرجل لا
تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال الشعبي والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره،
وقال عكرمة: لا ينكحها ولا يخطبها في العدة.
قال الشافعي: السر هو الجماع،
وقال الكلبي: أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة
وأشباه ذلك، ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرئ القيس:
ألا زعمــت بسباســة القـوم أننـي كــبرت وألا يحسـن السـر
أمثـالي
إنما قيل للزنا والجماع سر لأنه
يكون في خفاء بين الرجل والمرأة.
قوله تعالى: ( إِلا
أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا ) ما
ذكرنا من التعريض بالخطبة.
قوله تعالى: ( وَلا
تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) أي لا
تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله أي: حتى تنقضي العدة
وسماها الله كتابا لأنها فرض من الله كقوله تعالى: « كتب
عليكم » أي فرض عليكم (
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ) أي
فخافوا الله ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) لا يعجل
بالعقوبة.
لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236
)
قوله تعالى: ( لا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا،
نـزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل
أن يمسها فنـزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « متعها
ولو بقلنسوتك » قرأ حمزة والكسائي « ما لم
تماسوهن » بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة لأن بدن كل واحد
منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ( 3-
المجادلة ) وقرأ الباقون (
تَمَسُّوهُن ) بلا ألف لأن الغشيان يكون من فعل الرجل دليله قوله تعالى:
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ( 47- آل عمران ) .
قوله تعالى ( أَوْ
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي توجبوا لهن صداقا فإن قيل
فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق قيل: الطلاق قطع سبب الوصلة وجاء في الحديث « أبغض
الحلال إلى الله تعالى الطلاق » .
فنفى الجناح عنه إذا كان الفراق
أروح من الإمساك، وقيل معناه لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس
والفرض بصداق ولا نفقة، وقيل: لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم
حائضا كانت المرأة أو طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف
المدخول بها فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض (
وَمَتِّعُوهُنَّ ) أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن
به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد ( عَلَى
الْمُوسِعِ ) أي على الغني (
قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ ) أي الفقير (
قَدَرُه ) أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي
وحفص قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما لغتان وقيل: القدر بسكون
الدال المصدر وبالفتح الاسم، متاعا: نصب على المصدر أي متعوهن (
مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ) أي بما أمركم الله به من غير
ظلم ( حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) وبيان
حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة
بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض قبل المسيس فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف
المهر المفروض.
واختلفوا في المطلقة بعد الدخول
بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب
جماعة إلى أنها تستحق المتعة لقوله تعالى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ ( 241- البقرة ) وهو
قول عبد الله بن عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن محمد وإليه ذهب الشافعي لأن
استحقاقها المهر بمقابلة ما أتلف عليها من منفعة البضع فلها المتعة على وحشة
الفراق، فعلى القول الأول لا متعة إلا لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس، وعلى
القول الثاني لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وقال
عبد الله بن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها فحسبها نصف
المهر.
قال الزهري: متعتان يقضي
بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
فأما التي يقضي بها السلطان فهي
المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله تعالى (
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) والتي تلزمه فيما بينه وبين
الله تعالى ولا يقضي بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله تعالى: حَقًّا
عَلَى الْمُتَّقِينَ
وذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى
أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله
تعالى: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ( 241-
البقرة ) ولقوله تعالى في سورة الأحزاب: «
فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا » ( 49-
الأحزاب ) وقالا معنى قوله تعالى ( لا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا
لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي أو لم تفرضوا لهن فريضة،
وقال بعضهم: المتعة غير واجبة والأمر بها أمر ندب واستحباب.
وروي أن رجلا طلق امرأته وقد
دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح: لا تأب أن تكون من المحسنين ولا
تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره على ذلك.
واختلفوا في قدر المتعة فروي عن
ابن عباس: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب، درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية أو
شيء من الورق وبه قال الشعبي والزهري وهذا مذهب الشافعي، وقال: أعلاها على الموسع
خادم وأوسطها ثوب وأقلها أقل ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهما، وطلق عبد الرحمن بن
عوف امرأته وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه امرأة له
بعشرة آلاف درهم فقالت: « متاع قليل من حبيب مفارق » .
وقال أبو حنيفة رحمه الله:
مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر
حال الزوج في العسر واليسر، ومن حكم الآية: أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير
مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها
عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل
الفرض والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه
لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كما لو
طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى أن لها المهر لأن الموت كالدخول في تقرير
المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى وهو قول الثوري وأصحاب
الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض
لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط
وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى
الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي
الله عنه .
وقال الشافعي رحمه الله: فإن
ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن
لم يثبت فلا مهر لها ولها الميراث، وكان علي يقول: في حديث بروع لا يقبل قول
أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا
فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ
النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ
بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 237
)
وقوله تعالى: (
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) هذا في
المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض، وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها
كمال المهر المفروض، والمراد بالمس المذكور في الآية: الجماع، واختلف أهل العلم
فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن يدخل بها فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها
إلا نصف الصداق، ولا عدة عليها لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر،
ولم يوجب العدة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه
الله.
وقال قوم: يجب لها كمال المهر، وعليها العدة، لما روي عن عمر
رضي الله عنه أنه قال: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ومثله عن زيد بن ثابت،
وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على تقدير
الصداق، وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب فَمَا لَكُمْ
عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ ( 49-
الأحزاب ) فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية، وأوجب
للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض ولا متاع لها.
وقوله تعالى (
وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) أي
سميتم لهن مهرا ( فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) أي لها
نصف المهر المسمى ( إِلا أَنْ يَعْفُونَ ) يعني
النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج.
قوله تعالى: ( أَوْ
يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )
اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وبه قال ابن عباس
رضي الله عنه، معناه: إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى الزوج إن كانت ثيبا من
أهل العفو، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكرا أو غير جائزة الأمر
فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة، وذهب بعضهم إلى أنه
إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها، وقال
بعضهم: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وهو قول علي، وبه قال سعيد بن المسيب
وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة، وقالوا: لا يجوز لوليها ترك الشيء من
الصداق، بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا يجوز
له أن يهب شيئا من مالها، وقالوا: معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها
فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق،
فعلى هذا التأويل وجه الآية: الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في كل حال قبل
الطلاق أو بعده ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى ) موضعه رفع الابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى، أي إلى التقوى،
والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر
معناه: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى ( وَلا
تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) أي إفضال بعضكم على بعض
بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان ( إِنَّ
اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ( 238
) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا
أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ
( 239 )
قوله تعالى: (
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ) أي
واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها، ثم خص من
بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط
الشيء: خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال
قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر، وبه قال عطاء
وعكرمة ومجاهد، وإليه مال مالك والشافعي، لأن الله تعالى قال: (
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) والقنوت طول القيام، وصلاة
الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين
الصلوات فقال الله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا
( 78- الإسراء ) ، يعني
تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار،
ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها.
وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر،
وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد، لأنها في وسط النهار وهي
أوسط صلاة النهار في الطول.
أخبرنا عمر بن عبد العزيز
أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا محمد بن
المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم قال: سمعت الزبرقان يحدث
عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم منها، فنـزلت: ( حَافِظُوا عَلَى
الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ) .
وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة
العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود
وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة
والحسن.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي
أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن
أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه
قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني (
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ) فلما
بلغتها آذنتها فأملت علي ( حَافِظُوا عَلَى
الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى ) « صلاة
العصر » ( وَقُومُوا لِلَّهِ
قَانِتِينَ ) قالت عائشة رضي الله عنها: سمعتها من رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن
زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: قلنا
لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: « شغلونا
عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا » ولأنها
صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا
أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن
إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع
بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله » .
وقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب
لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها، ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء
وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم هي إحدى
الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء
جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى
الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها.
قوله تعالى: (
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) أي مطيعين، قال الشعبي وعطاء
وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ والقنوت: الطاعة، قال الله تعالى أُمَّةً قَانِتًا
( 120- النحل ) أي
مطيعا.
وقال الكلبي ومقاتل: لكل أهل
دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين، وقيل القنوت السكوت
عما لا يجوز التكلم به في الصلاة.
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن
إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن
أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي
خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم خلف
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نـزلت
( وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) فأمرنا
بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وقال مجاهد: خاشعين، وقال: من
القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي
يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا
إلا ناسيا، وقيل: المراد من القنوت طول القيام.
أخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو
محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا
سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي
الصلاة أفضل؟ قال: « طول القنوت » وقيل (
قَانِتِين ) أي داعين.
دليله ما روي عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على أحياء من
سليم على رعل وذكوان وعصية، وقيل معناه مصلين لقوله تعالى أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ
آنَاءَ اللَّيْلِ ( الزمر- 9 ) أي
مصل.
قوله تعالى: (
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا ) (
فرجالا ) أي رجالة يقال: راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام
ونائم ونيام ( أَوْ رُكْبَانًا ) على
دوابهم وهو جمع راكب، معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف
فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة
يصلي حيث كان وجهه راجلا أو راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومئ بالركوع
والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف منه
على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز.
والصلاة في حال الخوف على أقسام
فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام سيأتي بيانها في سورة النساء إن شاء الله
تعالى، ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم، وروي عن مجاهد عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر
أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة:
أنه يصلي في حال شدة الخوف ركعة، وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال وضرب الناس
بعضهم بعضا فقل « سبحان الله والحمد لله ولا
إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك » ( فَإِذَا
أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ) أي فصلوا الصلوات الخمس تامة
بحقوقها ( كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى
الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا
فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 240
)
قوله تعالى: (
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ) يا
معشر الرجال ( وَيَذَرُون ) أي
يتركون ( أَزْوَاجًا ) أي
زوجات ( وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ ) قرأ
أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على معنى فليوصوا وصية، وقرأ الباقون
بالرفع أي كتب عليكم الوصية ( مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ) متاعا
نصب على المصدر أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل الله ذلك لهن متاعا، والمتاع نفقة سنة
لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه (
غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) نصب على الحال، وقيل بنـزع
حرف على الصفة أي من غير إخراج، نـزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له
حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فأنـزل الله
هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط
امرأته شيئا، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا وكانت عدة الوفاة
في ابتداء الإسلام حولا كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام
الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج، ولم يكن
لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان
كذلك حتى نـزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة
الحول بأربعة أشهر وعشر.
قوله تعالى: (
فَإِنْ خَرَجْنَ ) يعني من قبل أنفسهن قبل الحول
من غير إخراج الورثة ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) يا
أولياء الميت ( فِي مَا فَعَلْنَ فِي
أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ) يعني التزين للنكاح، ولرفع
الجناح عن الرجال وجهان:
أحدهما: لا جناح عليكم في قطع
النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول.
والآخر: لا جناح عليكم في ترك
منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى
بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن
نسخه بأربعة أشهر وعشر.
(
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241
) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ ( 242 )
(
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) إنما
أعاد ذكر المتعة هاهنا لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي
هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة، وقيل: إنه لما نـزل قوله تعالى :
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ إلى قوله
حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ( 236- البقرة ) قال
رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فقال الله تعالى: (
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ ) جعل المتعة لهن بلام التمليك
فقال: ( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) يعني
المؤمنين المتقين الشرك.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا
مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا
ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 )
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244
) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 )
قوله تعالى: (
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ) قال
أكثر أهل التفسير: كانت قرية يقال لها: داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون، فخرجت
طائفة منها وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع
الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما
صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون
من قابل فهرب عامة أهلها، وخرجوا حتى نـزلوا واديا أفيح فلما نـزلوا المكان الذي
يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا فماتوا
جميعا.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق
الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرع بلغه أن الوباء قد وقع بالشام
فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » فرجع
عمر من سرغ، قال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك
بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم، فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت
فاعتلوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع
منها الوباء، فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى
الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم
حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم الله تعالى: موتوا،
عقوبة لهم، فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى
انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة دون
السباع وتركوهم فيها .
واختلفوا في مبلغ عددهم، قال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف،
وقال وهب: أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، وقال أبو روق: عشرة آلاف،
وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفا، وقال ابن جريج: أربعون ألفا، وقال عطاء بن أبي
رباح: سبعون ألفا، وأولى الأقاويل: قول من قال كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن
الله تعالى قال « وهم ألوف » والألوف
جمع الكثير وجمعه القليل آلاف، ولا يقال لما دون عشرة آلاف ألوف، قالوا: فأتت على
ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له حزقيل بن بودى ثالث
خلفاء بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل كان
بعد موسى يوشع بن نون ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لأن أمه
كانت عجوزا فسألت الله الولد بعد ما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها، قال الحسن
ومقاتل: هو ذو الكفل وسمي حزقيل ذا الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل،
فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى الله
تعالى إليه تريد أن أريك آية؟ قال نعم: فأحياهم الله وقيل: دعا حزقيل ربه أن
يحييهم فأحياهم.
وقال مقاتل والكلبي: هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد
ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال:
يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا لا قوم
لي، فأوحى الله تعالى إليه: أني جعلت حياتهم إليك، قال حزقيل: احيوا بإذن الله
فعاشوا.
قال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا
إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم، لا
يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: وإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط
من اليهود تلك الريح، قال قتادة: مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة
لهم ثم بعثوا ليستوفوا مدة آجالهم [ ولو
جاءت آجالهم ] ما بعثوا فذلك قوله تعالى: (
أَلَمْ تَرَ ) أي ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب.
قال أهل المعاني: هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم؟ كما تقول: ألم
تر إلى ما يصنع فلان؟ وكل ما في القرآن ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه
وسلم فهذا وجهه ( إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا
مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ ) جمع
ألف وقيل مؤتلفة قلوبهم جمع آلف مثل قاعد وقعود، والصحيح أن المراد منه العدد (
حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خوف الموت (
فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ) أمر تحويل كقوله كُونُوا
قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 65- البقرة ) ( ثُمَّ
أَحْيَاهُمْ ) بعد موتهم ( إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) قيل هو
على العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) أما
الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية الشكر.
( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ) أي في طاعة الله أعداء الله (
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) قال
أكثر أهل التفسير: هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من
ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا: وقيل: الخطاب
لهذه الأمة، أمرهم بالجهاد.
قوله تعالى: ( مَنْ
ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) القرض
اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء
ما وعدهم من الثواب قرضا، لأنهم يعملونه لطلب ثوابه، قال الكسائي: القرض ما أسلفت
من عمل صالح أو سيئ، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي به القرض لأنه يقطع من ماله
شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله، وقيل في الآية اختصار مجازه: من ذا الذي يقرض عباد
الله والمحتاجين من خلقه، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ ( 57- الأحزاب ) أي
يؤذون عباد الله، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تعالى يقول يوم
القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟
قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي » .
قوله تعالى: (
يُقْرِضُ اللَّهَ ) أي ينفق في طاعة الله (
قَرْضًا حَسَنًا ) قال الحسين بن علي الواقدي:
يعني محتسبا، طيبة بها نفسه، وقال ابن المبارك: من مال حلال وقيل لا يمن به ولا
يؤذي ( فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ) قرأ
ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب « فيضعفه
» وبابه بالتشديد، ووافق أبو عمرو في سورة الأحزاب وقرأ
الآخرون « فيضاعفه » بالألف مخففا وهما لغتان،
ودليل التشديد قوله ( أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) لأن
التشديد للتكثير، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء، وكذلك في سورة الحديد
على جواب الاستفهام، وقيل بإضمار أن، وقرأ الآخرون برفع الفاء نسقا على قوله: يقرض
( أَضْعَافًا كَثِيرَةً ) قال
السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقيل سبعمائة ضعف (
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ) قرأ أهل البصرة وحمزة يبسط،
هاهنا وفي الأعراف، بسطة، بالسين كنظائرهما، وقرأهما الآخرون بالصاد قيل يقبض
بإمساك الرزق والنفس والتقتير ويبسط بالتوسيع وقيل يقبض بقبول التوبة والصدقة
ويبسط بالخلف والثواب، وقيل هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مد له في
عمره فقد بسط له، وقيل هذا في القلوب، لما أمرهم الله تعالى بالصدقة أخبر أنهم لا
يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، قال: يقبض بعض القلوب فلا ينشط بخير ويبسط بعضها فيقدم
لنفسه خيرا كما جاء في الحديث « القلوب بين أصبعين من أصابع
الرحمن يقلبها الله كيف يشاء » الحديث.
( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي إلى
الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم، وقال قتادة: الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير
مذكور، أي من التراب خلقهم وإليه يعودون.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ
ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا
نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 246
)
قوله تعالى (
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ) والملأ
من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه،
كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء ( مِنْ
بَعْدِ مُوسَى ) أي من بعد موت موسى ( إِذْ
قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ) واختلفوا في ذلك النبي فقال
قتادة هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليه السلام وقال السدي: اسمه شمعون،
وإنما سمي شمعون، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت
غلاما فسمته سمعون تقول سمع الله تعالى دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية، وهو
شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب، وقال سائر المفسرين: هو اشمويل وهو
بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة، وقال مقاتل: هو من نسل هارون، وقال مجاهد: هو
أشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة.
وقال وهب وابن إسحاق والكلبي
وغيرهم: كان سبب مسألتهم إياه ذلك لما مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني
إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم
خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت
الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد لله حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس
نبيا فدعاهم إلى الله تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم
بتجديد ما نسوا من التوراة، ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله ثم
قبضه الله، وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا فظهر لهم عدو يقال له البلشاثا، وهم
قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على
بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء
ملوكهم أربعين وأربعمائة غلاما، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، ولقي بنو
إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدير أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا،
فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما
ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت
غلاما، فسمته أشمويل تقول: سمع الله تعالى دعائي، فكبر الغلام فأسلمته ليتعلم
التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل
وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه أحدا فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا
أشمويل، فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لا
فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم، فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام
يا أبت دعوتني؟ فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني ( فرجع
الغلام فنام ) فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك
فبلغهم رسالة ربك، فإن الله عز وجل قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا:
استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل
الله، آية من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة
الملوك لأنبيائهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير
عليه برشده ويأتيه بالخبر من ربه، قال وهب بن منبه: بعث الله تعالى أشمويل نبيا
فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا
لأشمويل: ( ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) جزم
على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك ( قَالَ
هَلْ عَسَيْتُمْ ) استفهام شك.
قرأ نافع: عسيتم بكسر السين كل
القرآن، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة بدليل قوله تعالى: ( عسى
ربكم ) ( إِنْ كُتِبَ ) فرض (
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ) مع ذلك الملك ( أَلا
تُقَاتِلُوا ) أن لا تفوا بما تقولوا معه (
قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه ) فإن قيل
فما وجه دخول أن في هذا الموضع والعرب لا تقول مالك أن لا تفعل وإنما يقال ما لك
لا تفعل؟ قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فالإثبات كقوله تعالى: مَا لَكَ أَلا
تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ( 32- الحجر ) والحذف
كقوله تعالى: ( ما لكم لا تؤمنون بالله ) ( 8- الحديد
) وقال الكسائي: معناه وما لنا في أن لا نقاتل فحذف « في » وقال
الفراء: أي وما يمنعنا أن لا نقاتل في سبيل الله كقوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَلا
تَسْجُدَ ( 12- الأعراف ) وقال
الأخفش: « أن » هاهنا زائدة معناه: وما لنا لا
نقاتل في سبيل الله ( وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ
دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ) أي أخرج من غلب عليهم من
ديارهم، ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكا
نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم وأوطانهم وإنما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية
أنهم قالوا مجيبين لنبيهم: إنما كنا نـزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا
يظهر علينا عدونا، فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ونمنع نساءنا
وأولادنا.
قال الله تعالى: (
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا ) أعرضوا
عن الجهاد وضيعوا أمر الله ( إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ) الذين
عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ
الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً
مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي
الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ ( 247 )
(
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) وذلك
أن أشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل: له
إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن فإذا
دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملكه
عليهم، وكان طالوت اسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب سمي
طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه، وكان رجلا دباغا يعمل الأديم قاله
وهب، وقال السدي: كان رجلا سقاء يسقي على حمار له من النيل فضل حماره فخرج في
طلبه، وقيل كان خربندجا، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاما له في
طلبها فمر ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر
الحمر ليرشدنا ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نش
الدهن الذي في القرن فقام أشمويل عليه السلام فقاس طالوت بالعصا فكانت طوله، فقال
لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي
أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني
إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟ ( قال
بلى ) قال فبأي آية قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان
كذلك.
ثم قال لبني إسرائيل: إن الله
قد بعث لكم طالوت ملكا ( قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ
الْمُلْكُ عَلَيْنَا ) أي من أين يكون له الملك
علينا ( وَنَحْنُ أَحَقُّ ) أولى (
بِالْمُلْكِ مِنْهُ ) وإنما قالوا ذلك لأنه كان في
بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه
كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن
طالوت من أحدهما إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا
ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله تعالى عليهم ونـزع الملك والنبوة
عنهم وكانوا يسمونه سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من
سبط المملكة ومع ذلك قالوا هو فقير (
وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ ) اختاره
( عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً ) فضيلة
وسعة ( فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) وذلك
أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته وقيل: إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك، وقال
الكلبي ( وزاده بسطة في العلم ) بالحرب
وفي ( الجسم ) بالطول وقيل الجسم بالجمال وكان
طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم (
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) قيل
الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى، والعليم العالم، وقيل العالم بما كان
والعليم بما يكون فقالوا له: فما آية ملكه؟ فقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم
التابوت فذلك قوله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ
الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248
)
( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ
إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ) وكانت
قصة التابوت أن الله تعالى أنـزل تابوتا على آدم فيه صورة الأنبياء عليهم السلام،
وكان من عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم
بعد ذلك عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل
لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى فكان
موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام، ثم
تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى ( فِيهِ
سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) اختلفوا في السكينة ما هي قال
علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وعن
مجاهد: شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له
عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصر
وكانوا إذا خرجوا وضعوا التابوت قدامهم فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هي طست من ذهب من الجنة كان
يغسل فيه قلوب الأنبياء، وعن وهب بن منبه قال: هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا
في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون ، وقال عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من الآيات
فيسكنون إليها، وقال قتادة والكلبي: السكينة فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم
ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا (
وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ) يعني
موسى وهارون أنفسهما كان فيه لوحان من التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت وكان فيه
عصا موسى ونعلاه وعمامة هارون وعصاه وقفيز من المن الذي كان ينـزل على بني
إسرائيل، فكان التابوت عند بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم
وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوهم فلما عصوا وفسدوا سلط
الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت.
وكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى العالم الذي ربى إشمويل عليه
السلام ابنان شابان وكان عيلى حبرهم وصاحب قربانهم فأحدث ابناه في القربان شيئا لم
يكن فيه وذلك أنه كان لعيلى منوط القربان الذي كانوا ينوطونه به كلابين، فما أخرجا
كان للكاهن الذي ينوطه، فجعل ابناه كلاليب وكان النساء يصلين في بيت المقدس
فيتشبثان بهن فأوحى الله تعالى إلى إشمويل عليه السلام انطلق إلى عيلى فقل له منعك
حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنـزعن
الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهم، فأخبر إشمويل عيلى بذلك ففزع فزعا شديدا
فسار إليهم عدو ممن حولهم فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا
وأخرجا معهما التابوت فلما تهيئوا للقتال جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه
رجل وهو قاعد على كرسيه وأخبره أن الناس قد انهزموا وأن ابنيك قد قتلا قال فما فعل
التابوت؟ قال ذهب به العدو، فشهق ووقع على قفاه من كرسيه ومات فمرج أمر بني
إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوه البينة فقال لهم نبيهم: إن آية
ملكه أن يأتيكم التابوت.
وكانت قصة التابوت، أن الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من
قرى فلسطين يقال لها ازدود وجعلوه في بيت صنم لهم، ووضعوه تحت الصنم الأعظم،
فأصبحوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت
فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة
فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم
حتى هلك أكثرهم فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له
شيء، فأخرجوه إلى قرية كذا فبعث الله على أهل تلك القرية فأرا فكانت الفأرة تبيت
مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه فأخرجوه إلى الصحراء فدفنوه في مخرأة لهم
فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج فتحيروا، فقالت لهم امرأة كانت عندهم
من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا
التابوت فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت
ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما
أربعة من الملائكة يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما
وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما فلم
يرع بني إسرائيل إلا بالتابوت فكبروا وحمدوا الله فذلك قوله تعالى (
تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ ) أي تسوقه، وقال ابن عباس رضي
الله عنهما: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى
وضعته عند طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت
الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم، وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى
عند يوشع بن نون فبقي هناك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقروا بملكه ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً ) لعبرة (
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) قال
ابن عباس رضي الله عنهما: إن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل
يوم القيامة .
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ
بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ
غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ
هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ
فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 249 )
(
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ) أي خرج
بهم، وأصل الفصل: القطع، يعني قطع مستقره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس
بالجنود، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل، وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلف عنه إلا كبير
لهرمه أو مريض لمرضه أو معذور لعذره، وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في
النصر، فتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى، لا يخرج معي
رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة يشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج
امرأة ولم يبن بها ولا أبتغي إلا الشباب النشيط الفارغ فاجتمع له ثمانون ألفا ممن
شرطه وكان في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا: إن المياه قليلة
لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا.
( قَالَ
) طالوت ( إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
) مختبركم ليرى طاعتكم - وهو أعلم - (
بِنَهَر ) قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين، وقال قتادة نهر بين
الأردن وفلسطين عذب ( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّي ) أي ليس من أهل ديني وطاعتي (
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ) يشربه (
فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ) قرأ
أهل الحجاز وأبو عمرو « غرفة » بفتح الغين
وقرأ الآخرون بضم الغين وهما لغتان، قال الكسائي: الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف
من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر (
فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ) نصب
على الاستثناء واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا، فقال السدي: كانوا أربعة آلاف
وقال غيره: ثلاثمائة وبضعة عشر وهو الصحيح.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا
أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن
رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه
إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة .
ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر فلما
وصلوا إلى النهر وقد ألقي عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل فمن
اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة
الواحدة لشربه وحمله ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم
العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ولم يشهدوا
الفتح.
وقيل كلهم جاوزوا ولكن لم يحضر القتال
إلا الذين لم يشربوا ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ ) يعني
النهر ( هُو ) يعني طالوت (
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) يعني القليل (
قَالُوا ) يعني الذين شربوا وخالفوا أمر الله، وكانوا أهل شك ونفاق ( لا
طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ) قال
ابن عباس رضي الله عنهما والسدي: فانحرفوا ولم يجاوزوا ( قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ ) يستيقنون (
أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ) الذين ثبتوا مع طالوت ( كَمْ
مِنْ فِئَةٍ ) جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في
الرفع وفئين في الخفض والنصب ( قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) بقضائه وإرادته (
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) بالنصر والمعونة.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 250
)
( وَلَمَّا بَرَزُوا ) يعني
طالوت وجنوده يعني المؤمنين ( لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ )
المشركين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى (
قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا ) أنـزل
واصبب ( صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ) قلوبنا
( وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ )
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ
اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 251
) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252
)
( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ
اللَّهِ ) أي بعلم الله تعالى (
وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ) وصفة قتله: قال أهل التفسير
عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا
له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي
شيئا إلا صرعته فقال: أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مرة أخرى
فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته فأخذت بأذنيه فلم
يهجني، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك ثم أتاه يوما آخر فقال: يا
أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا سبح معي، فقال: أبشر يا بني
فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز إلي من
يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في
عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل
طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس وتنور
في حديد فقيل إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي
الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في
هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم
أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت فدعا طالوت إيشا
فقال: اعرض علي بنيك فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري فجعل يعرضهم على القرن
فلا يرى شيئا فقال: لإيشا هل بقي لك ولد غيرهم فقال لا فقال النبي: يا رب إنه زعم
أن لا ولد له غيرهم، فقال كذب، فقال النبي: إن ربي كذبك فقال: صدق الله يا نبي
الله إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته (
فخلفته ) في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكذا، وكان داود رجلا قصيرا
مسقاما مصفارا أزرق أمعر ، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال
بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ولا
يخوض بهما الماء فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس
أرحم فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك
ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال: نعم قال: وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على
قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم إليه
فأفتح لحييه عنها وأضرقها إلى قفاه، فرده إلى عسكره، فمر داود عليه السلام في
طريقه بحجر فناداه الحجر يا داود احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا،
فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا
وكذا فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت
فوضعها في مخلاته، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه
طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم انصرف إلى الملك
فقال من حوله : جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال: ما شأنك؟ فقال: إن الله إن
لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا، فدعني أقاتل كما أريد، قال: فافعل ما شئت
قال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت وكان جالوت من
أشد الرجال وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد
فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب فقال له: أنت تبرز إلي؟ قال: نعم.
وكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام، قال: فأتيتني
بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب، قال لا جرم لأقسمن
لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال داود: باسم
إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم
أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور
داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه
وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا
فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح المسلمون فرحا شديدا، وانصرفوا إلى
المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت وقال أنجز لي ما
وعدتني، فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما شرطت علي صداقا وليس لي
شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف فإذا قتلت
منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم
غلفته في خيط حتى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي
فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره، فحسده
طالوت وأراد قتله فأخبر ذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت لداود إنك
مقتول في هذه الليلة قال: ومن يقتلني؟ قالت أبي قال وهل أجرمت جرما قالت: حدثني من
لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى تنظر مصداق ذلك، فقال: لئن كان أراد الله
ذلك لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق خمر فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه
ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لها: أين بعلك؟ فقالت: هو نائم على
السرير فضربه بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما
كان أكثر شربه للخمر، وخرج.
فلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما
طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه،
ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب
فدخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه
وسهما عن شماله ثم خرج، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله
تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم
في حلقي وما أنا بالذي آمنه، فلما كانت القابلة أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل
عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع
شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك
سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد
داود يمشي في البرية فقال: اليوم أقتله فركض على أثره، فاشتد داود وكان إذا فزع لم
يدرك، فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت
إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه
ومضى، فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على
طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، وأغرى بقتل
العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله، حتى أتى بامرأة
تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها الخباز وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم
فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه
الناس.
وكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبدا
يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت
أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فقال: ما لك
أيها الملك؟ قال: هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال الخباز:
إنما مثلك مثل ملك نـزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال: لا تتركوا في القرية
ديكا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى
ندلج فقالوا له: وهل تركت ديكا نسمع صوته؟ ولكن هل تركت عالما في الأرض؟ فازداد
حزنا وبكاء فلما رأى الخباز ذلك قال له: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله
قال: لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها
أسألها هل لي من توبة؟ وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت
نساؤهم فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت فخلفه خلفه ثم دخله
عليها فقال لها: ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك، قالت: بلى،
قال: فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة؟ فغشي عليها من الفرق فقال
لها: إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة؟ قالت: لا والله لا أعلم لطالوت
توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟ فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ثم نادت
يا صاحب القبر فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم
قال: ما لكم أقامت القيامة؟ قالت: لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟ قال إشمويل:
يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته وجئت أطلب التوبة قال:
كم لك من الولد؟ قال عشرة رجال، قال: ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك
وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى
تقتل آخرهم؟ ثم رجع إشمويل إلى القبر وسقط ميتا، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن
لا يتابعه ولده وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال
لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: نعم نفديك بما قدرنا عليه
قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا: فاعرض علينا فذكر لهم القصة،
قالوا: وإنك لمقتول قال: نعم، قالوا: فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا
بالذي سألت، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا
ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال: قتلت عدوك فقال داود: ما
أنت بالذي تحيا بعده، فضرب عنقه، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو
إسرائيل إلى داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم. قال الكلبي والضحاك: ملك
داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود
فذلك قوله تعالى: ( وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَالْحِكْمَةَ ) يعني: النبوة؛ جمع الله لداود
بين الملك والنبوة ولم يكن من قبل، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، وقيل:
الملك والحكمة هو العلم مع العمل. قوله تعالى: (
وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) قال الكلبي وغيره يعني: صنعة
الدروع وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وقيل منطق الطير ( وكلام
الحكل ) والنمل والكلام الحسن وقيل هو الزبور وقيل هو الصوت الطيب
والألحان فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش
حتى يأخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد الماء (
الجاري ) ويسكن الريح.
وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما هو أن الله تعالى
أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النار
وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فلا يحدث في الهواء حدث
إلا صلصلت السلسلة، فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ، وكانوا
يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له
حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فتناولها، ومن كان كاذبا لم
ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم المكر والخديعة فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلا
جوهرة ثمينة فلما استردها أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى
عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد
علي الوديعة فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة،
فتناولها بيده فقيل للمنكر قم أنت فتناولها فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازي هذه
فاحفظها حتى أتناول السلسلة فأخذها عنده ثم قام المنكر نحو السلسلة فأخذها فقال
الرجل: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني
السلسلة فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة.
قوله تعالى: (
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) قرأ
أهل المدينة ويعقوب « دفاع الله » بالألف
هاهنا وفي سورة الحج، وقرأ الآخرون بغير الألف لأن الله تعالى لا يغالبه أحد وهو
الدافع وحده، ومن قرأ بالألف قال: قد يكون الدفاع من واحد مثل قول العرب: أحسن
الله عنك الدفاع، قال ابن عباس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب
المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا المساجد والبلاد، وقال سائر
المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن
فيها، ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا
أبو عبد الله بن فنجويه أنا أبو بكر بن خرجة أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبو
حميد الحمصي أنا يحيى بن سعيد العطار أنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة
عن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء » ثم قرأ «
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ » (
لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ )