الجزء الرابع والعشرون
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ
عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى
لِلْكَافِرِينَ ( 32 )
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 )
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 )
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 )
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 36 )
قوله عز وجل: (
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ ) فزعم
أن له ولدًا وشريكًا, ( وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ )
بالقرآن, ( إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى ) منـزل
ومقام, ( لِلْكَافِرِينَ )
استفهام بمعنى التقرير.
(
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) قال
ابن عباس: « والذي جاء بالصدق » يعني
رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله « وصدق
به » الرسول أيضًا بلغه إلى الخلق. وقال السدي: « والذي
جاء بالصدق » جبريل جاء بالقرآن, « وصدق
به » محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول. وقال الكلبي وأبو
العالية: « والذي جاء بالصدق » رسول
الله صلى الله عليه وسلم « وصدق به » أبو بكر
رضي الله عنه. وقال قتادة ومقاتل: « والذي
جاء بالصدق » رسول الله صلى الله عليه وسلم « وصدق
به » هم المؤمنون, لقوله عز وجل: (
أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) وقال عطاء: « والذي
جاء بالصدق » الأنبياء « وصدق به »
الأتباع, وحينئذ يكون الذي بمعنى: الذين, كقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ
الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ( البقرة- 17 ) ثم
قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (
البقرة- 17 ) وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاءوا به في
الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به. (
أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) .
( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ
عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ) يسترها عليهم بالمغفرة, (
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قال
مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ.
قوله عز وجل: (
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) ؟
يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم, وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: « عباده
» بالجمع يعني: الأنبياء عليهم السلام, قصدهم قومهم بالسوء كما
قال: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ( غافر-
5 ) فكفاهم الله شر من عاداهم, (
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) وذلك
أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة الأوثان. وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا
أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) .
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا
لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ( 37 )
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) قُلْ
يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 40 )
( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا
لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ) منيع
في ملكه, منتقم من أعدائه. ( ولئن سألتهم من خلق السموات
والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر ) بشدة
وبلاء, ( هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ
) بنعمة وبركة, ( هَلْ
هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ) قرأ أهل البصرة: « كاشفات
» و « ممسكات »
بالتنوين, « ضره » « ورحمته
» بنصب الراء والتاء, وقرأ الآخرون بلا تنوين وجر الراء والتاء
على الإضافة, قال مقاتل: فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا, فقال
الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ
حَسْبِيَ اللَّهُ ) ، ثقتي به واعتمادي عليه, (
عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) يثق به
الواثقون.
( قُلْ
يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) أي:
ينـزل عليه عذاب دائم.
إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا
يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 )
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 )
(
إِنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) وبال
ضلالته عليه, ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِوَكِيلٍ ) بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ولا تؤاخذ بهم.
قوله عز وجل: (
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ ) أي: الأرواح, ( حِينَ
مَوْتِهَا ) فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء أجلها, وقوله: ( حِينَ
مَوْتِهَا ) يريد موت أجسادها. (
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ ) يريد يتوفى الأنفس التي لم
تمت, ( فِي مَنَامِهَا ) والتي
تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز, ولكل إنسان نفسان:
إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس, والأخرى نفس
التمييز وهي التي تفارقه إذا نام, وهو بعد النوم يتنفس (
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) فلا
يردها إلى الجسد.
قرأ حمزة والكسائي: « قضى » بضم
القاف وكسر الضاد وفتح الياء, « الموت » رفع على
ما لم يسم فاعله, وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد, « الموت
» نصب لقوله عز وجل: « الله
يتوفى الأنفس » (
وَيُرْسِلُ الأخْرَى ) ويرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها
الموت إلى الجسد, ( إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) إلى أن
يأتي وقت موته.
ويقال: للإنسان نفس وروح, فعند
النوم تخرج النفس وتبقي الروح. وعن عليّ قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في
الجسد, فبذلك يرى الرؤيا, فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة.
ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله, فإذا
أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده, وأرسل أرواح الأحياء حتى
ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها.
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثنا أحمد بن يونس, حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد
المقبري, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه, ثم
يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها, وإن أرسلتها فاحفظها
بما تحفظ به عبادك الصالحين »
( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح, وإرسال ما يرسل منها.
قال مقاتل: لعلامات لقوم
يتفكرون في أمر البعث, يعني: إن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على
البعث.
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ
( 43 ) قُلْ
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 )
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 )
( أَمِ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ ) يا
محمد, ( أَوَلَوْ كَانُوا ) وإن
كانوا يعني الآلهة, ( لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ) من
الشفاعة, ( وَلا يَعْقِلُونَ ) أنكم
تعبدونهم. وجواب هذا محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.
( قُلْ
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا
بإذنه, ( لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
) . ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ ) نفرت, وقال ابن عباس ومجاهد
ومقاتل: انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. وأصل الاشمئزاز النفور
والاستكبار, ( قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) .
(
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) يعني:
الأصنام ( إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )
يفرحون, قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم
فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلى, ففرح به الكفار .
( قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ،
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني,
أخبرنا أبو عوانة, حدثنا السلمي, حدثنا النضر بن محمد, حدثنا عكرمة بن عمار,
أخبرنا يحيى بن أبي كثير, حدثنا أبو سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بم كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة من الليل؟ قالت: كان يقول: « اللهم
رب جبريل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم
بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من
تشاء إلى صراط مستقيم » .
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ
ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ
سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ
يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 )
قوله عز وجل: (
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ
اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) قال
مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. قال
السدي: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات, والمعنى: أنهم كانوا يتقربون إلى الله
بعبادة الأصنام, فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وروي أن محمد
بن المنكدر جزع عند الموت, فقيل له في ذلك فقال: أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب .
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 48 )
فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ( 50 )
(
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) أي:
مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء الله. (
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) .
(
فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ ) شدة, (
دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ )
أعطيناه ( نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) أي:
على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل: على خير علمه الله عندي, وذكر الكناية
لأن المراد من النعمة الإنعام, ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) [
يعني: تلك النعمة فتنة ] استدراج من الله تعالى
وامتحان وبلية. وقيل: بل كلمته التي قالها فتنة. (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أنه
استدراج وامتحان.
( قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ ) قال مقاتل: يعني قارون فإنه
قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (
القصص- 78 ) ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ ) فما أغنى عنهم الكفر من
العذاب شيئًا.
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا
كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا
كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 )
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )
( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا ) أي: جزاؤها يعني العذاب. ثم أوعد كفار مكة فقال: (
وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا
هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) بفائتين لأن مرجعهم إلى الله
عز وجل.
(
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ) أي:
يوسع الرزق لمن يشاء, ( وَيَقْدِرُ ) أي:
يقتر على من يشاء, ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
قوله عز وجل: ( قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ )
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن
ناسًا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا, وزنوا وأكثروا, فأتوا النبي صلى الله
عليه وسلم وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة, فنـزلت
هذه الآية .
وقال عطاء بن أبي رباح عن ابن
عباس رضي الله عنهما: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى
الإسلام, فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق
آثامًا, يضاعف له العذاب, وأنا قد فعلت ذلك كله, فأنـزل الله عز وجل: إِلا مَنْ
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ( مريم-
60 ) فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟
فأنـزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ( النساء: 48 ، 116 ) فقال
وحشي: أراني بعد في شبهة, فلا أدري يغفر لي أم لا؟ فأنـزل الله تعالى: « قل يا
عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » , فقال
وحشي: نعم هذا, فجاء وأسلم , فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال:
بل للمسلمين عامة .
وروي عن ابن عمر قال: نـزلت هذه
الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا
ثم فتنوا وعذبوا, فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا ولا عدلا
أبدًا, قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه, فأنـزل الله تعالى هذه الآيات,
فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى
أولئك النفر فأسلموا وهاجروا .
وروى مقاتل بن حيان عن نافع عن
ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: ليس بشيء
من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نـزلت: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( محمد- 33 ) فلما
نـزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش, قال:
فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها قلنا قد هلك, فنـزلت هذه الآية, فكففنا عن
القول في ذلك, فكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليه, وإن لم يصب منها
شيئًا رجونا له , وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر .
وروي عن ابن مسعود أنه دخل
المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال, فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم
تقنط الناس؟ ثم قرأ: « يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » .
أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي,
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الحموي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم
الشاشي, حدثنا [ عبد الله ] بن
حميد, حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا: حدثنا حماد بن
سلمة عن ثابت, عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: « ( يا
عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا
) ولا يبالي » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل
حدثنا محمد بن بشار, حدثنا محمد ابن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق
الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان في
بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا, ثم خرج يسأل فأتى راهبًا فسأله, فقال:
هل لي من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به المائة, فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا,
فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, فأوحى
الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي, وقال: قيسوا ما بينهما فوجد
إلى هذه أقرب بشبر فغفر له » .
ورواه مسلم بن الحجاج عن محمد
بن المثنى العنبري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة بهذا الإسناد, وقال: « فدل
على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال له: لا فقتله
وكمل به مائة, ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم, فقال له: قتلت مائة نفس
فهل لي من توبة؟ فقال: نعم, ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا
فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء,
فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت, فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة
العذاب, فأتاهم ملك من صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى
أيتهما كان أدنى فهو له, فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد, فقبضته ملائكة
الرحمة » .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي,
أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي, أخبرنا أبو
مصعب, عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « قال رجل - لم يعمل خيرًا قط - لأهله إذا مات فحرقوه, ثم
اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا
يعذبه أحدا من العالمين, قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم, فأمر الله البحر فجمع ما
فيه وأمر البر فجمع ما فيه, ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت
أعلم, فغفر له » .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد
الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا أبو الحسين
محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله
الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار, حدثنا ضمضم بن جوس قال: دخلت
مسجد المدينة فناداني شيخ, فقال: يا يماني تعال, وما أعرفه, فقال: لا تقولن لرجل:
والله لا يغفر الله لك أبدًا, ولا يدخلك الله الجنة, قلت: ومن أنت يرحمك الله؟
قال: أبو هريرة, قال فقلت: إن هذه الكلمة [
يقولها ] أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه, قال: فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه
مذنب, فجعل يقول: أقصر أقصر عما أنت فيه, قال فيقول: خلني وربي, قال: حتى وجده
يومًا على ذنب استعظمه, فقال: أقصر, فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا؟ فقال:
والله لا يغفر الله لك أبدًا, ولا يدخلك الجنة أبدًا. قال: فبعث الله إليهما ملكًا
فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده, فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي, وقال للآخر: أتستطيع
أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب, فقال اذهبوا به إلى النار » قال أبو
هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته .
قوله عز وجل: ( إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) .
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر
القفال, أخبرنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن يونس الخطيب, حدثنا محمد بن يعقوب
الأصم, حدثنا أبو قلابة, حدثنا أبو عاصم, حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار
عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: إِلا اللَّمَمَ (
النجم- 32 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن تغفـر اللهـم تغفـر جمـا وأي عبـــد لــك لا ألمـــا
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ
( 54 ) وَاتَّبِعُوا
أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 )
قوله عز وجل: (
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة,
( وَأَسْلِمُوا لَهُ ) أخلصوا
له التوحيد, ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا
تُنْصَرُونَ ) .
(
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يعني:
القرآن, والقرآن كله حسن, ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا
معصيته, فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه, وذكر الأدون لئلا ترغب فيه, وذكر الأحسن
لتؤثره. قال السدي: « الأحسن » ما أمر
الله به في الكتاب, ( مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) .
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ ( 56 )
( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) يعني:
لئلا تقول نفس, كقوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (
النحل- 15 ) أي: لئلا تميد بكم, قال المبرد: أي بادروا واحذروا أن تقول
نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول, ( يَا
حَسْرَتَا ) يا ندامتا, والتحسر الاغتمام على ما فات, وأراد: يا حسرتي,
على الإضافة, لكن العرب تحول ياء الكناية ألفًا في الاستغاثة, فتقول: يا حسرتا ويا
ندامتا, وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة, وكذلك قرأ أبو جعفر ( يا حسرتاي
) , وقيل: معنى قوله: « يا
حسرتا » يا أيتها الحسرة هذا وقتك, ( عَلَى
مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) قال
الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق
الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء
الله. والعرب تسمي الجنب جانبًا (
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ )
المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة
الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ
الْكَافِرِينَ ( 59 )
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ
مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 )
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 )
( أَوْ
تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ
حِينَ تَرَى الْعَذَابَ ) عيانًا, ( لَوْ
أَنَّ لِي كَرَّةً ) رجعة إلى الدنيا, (
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) الموحدين.
ثم يقال لهذا القائل: ( بَلَى
قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي ) يعني: القرآن, (
فَكَذَّبْتَ بِهَا ) وقلت إنها ليست من الله, (
وَاسْتَكْبَرْتَ ) تكبرت عن الإيمان بها, (
وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .
( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ) فزعموا
أن له ولدًا وشريكًا, ( وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) عن
الإيمان.
( وَيُنَجِّي اللَّهُ
الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) قرأ
حمزة, والكسائي, وأبو بكر: « بمفازاتهم » بالألف
على الجمع أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة, وقرأ الآخرون: «
بمفازتهم » على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز, أي: ينجيهم بفوزهم من
النار بأعمالهم الحسنة, قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز, والجمع حسن كالسعادة
والسعادات ( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ) لا
يصيبهم المكروه, ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ( 64 )
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 )
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 )
( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) أي:
الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها. ( له
مقاليد السموات والأرض ) مفاتيح خزائن السموات والأرض واحدها
مقلاد, مثل مفتاح, ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات
والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن المطر وخزائن النبات. (
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) .
قوله عز وجل: ( قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) ؟ قال
مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام «
تأمرونني » بنونين خفيفتين على الأصل, وقرأ أهل المدينة بنون واحدة
خفيفة على الحذف , وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام.
( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ
وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) الذي
عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم, والمراد منه غيره. وقيل:
هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره, لأن الله تعالى عصمه من الشرك. ( وَلَتَكُونَنَّ
مِنَ الْخَاسِرِينَ ) .
( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لإنعامه عليك.
قوله عز وجل: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ما
عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: (
وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي,
أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا آدم, حدثنا شيبان عن منصور عن
إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: « يا محمد إنا نجد أن الله يجعل
السموات على إصبع والأرضين على إصبع, والشجر على إصبع, والماء والثرى على إصبع,
وسائر الخلق على إصبع, فيقول: أنا الملك, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت
نواجذه تصديقًا لقول الحبر, ثم قرأ: » وما
قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة « . »
ورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن فضيل بن
عياض عن منصور, وقال: « والجبال والشجر على إصبع,
وقال: ثم يهزهن هزًا, فيقول: ( أنا الملك أنا الله ) » .
أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن
إبراهيم الثعلبي, أخبرني الحسين بن فنجويه, حدثنا عمر بن الخطاب, حدثنا عبد الله
بن الفضل, حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا أبو أسامة, عن عمر بن حمزة, عن سالم بن
عبد الله, أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يطوي
الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى, ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون
أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله, ثم يقول: أنا الملك أين
الجبارون أين المتكبرون » , هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن
أبي بكر بن أبي شيبة .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني,
حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد
الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, حدثنا عبد الله بن المبارك, عن
يونس عن الزهري, حدثني سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: « يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه, ثم يقول:
أنا الملك أين ملوك الأرض » .
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )
قوله عز وجل: (
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) ماتوا
من الفزع وهي النفخة الأولى, ( إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) اختلفوا
في الذين استثناهم الله عز وجل, وقد ذكرناهم في سورة النمل ، قال الحسن: إلا من
شاء الله يعني الله وحده, ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ ) أي: في
الصور, ( أُخْرَى ) أي: مرة أخرى, (
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) [ من
قبورهم ] ينتظرون أمر الله فيهم.
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثنا محمد, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ما بين النفختين أربعون » قالوا:
أربعون يومًا؟ قال: « أبيت » ,
قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: « أبيت » ,
قالوا: أربعون سنة؟ قال: « أبيت » , قال: « ثم
ينـزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا
عظم واحد, وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة . »
وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ
رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 )
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 70 )
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ
( 71 )
قوله عز وجل: (
وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ ) أضاءت, (
بِنُورِ رَبِّهَا ) بنور خالقها, وذلك حين يتجلى
الرب لفصل القضاء بين خلقه, فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم
الصحو. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها, وأراد بالأرض عرصات القيامة, (
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) أي: كتاب الأعمال, (
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) قال
ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة, وهم أمة محمد صلى الله عليه
وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة, يدل عليه قوله تعالى: وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ
مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ( ق- 21 ) (
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أي: بالعدل, (
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا
ينقص من حسناتهم.
(
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ) أي:
ثواب ما عملت, ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا
يَفْعَلُونَ ) قال عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا
إلى شاهد.
(
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ ) سوقًا
عنيفًا, ( زُمَرًا ) أفواجًا بعضها على إثر بعض,
كل أمة على حدة قال أبو عبيدة والأخفش: « زمرًا
» أي: جماعات في تفرقة, واحدتها زمرة ( حَتَّى
إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) السبعة
وكانت مغلقة قبل ذلك, قرأ أهل الكوفة « فتحت,
وفتحت » بالتخفيف, وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير (
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ) توبيخًا وتقريعًا لهم, (
أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) من
أنفسكم ( يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ ) وجبت,
( كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) وهو
قوله عز وجل: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( هود-
119 ) .
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 )
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا
جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ
طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ( 73 )
( قِيلَ
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ
زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) قال
الكوفيون: هذه الواو زائدة حتى تكون جوابًا لقوله: « حتى
إذا جاءوها » كما في سوق الكفار, وهذا كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ
آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً (
الأنبياء- 48 ) [ أي: ضياء ] والواو
زائدة.
وقيل: الواو واو الحال, مجازه:
وقد فتحت أبوابها, فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم, وحذفها في الآية
الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم.
فإذا لم تجعل الواو زائدة في
قوله: « وفتحت » اختلفوا في جواب قوله: « وقال
لهم خزنتها » والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال
لهم خزنتها. وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف, تقديره: « حتى
إذا جاءوها وفتحت أبوابها, وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين » دخلوها,
فحذف « دخلوها » لدلالة الكلام عليه.
(
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ) يريد
أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم المقام. قال
قتادة: هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض
حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة, فقال لهم رضوان وأصحابه: « سلام
عليكم طبتم فادخلوها خالدين » .
وروي عن عليّ عليه السلام قال:
سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان
فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره, ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه, وتلقيهم
الملائكة على أبواب الجنة يقولون: (
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) .
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 74 )
( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) أي: أرض
الجنة. وهو قوله عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (
الأنبياء- 105 ) (
نَتَبَوَّأُ ) ننـزل, ( مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ
نَشَاءُ ) قال الله تعالى: (
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) ثواب المطيعين.
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 75 )
(
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) أي:
محدقين محيطين بالعرش, مطيفين بحوافيه أي: بجوانبه, (
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) قيل:
هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد, لأن التكليف [
يزول ] في ذلك اليوم (
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أي: قضي بين أهل الجنة والنار
بالعدل, ( وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يقول
أهل الجنة: شكرًا لله, حين تم وعد الله لهم.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي, أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان, حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن
عبد الجبار الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا عبيد الله بن موسى, حدثنا
إسرائيل, عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل
انطلق يرتاد لأهله منـزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على
روضات دمثات ، فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب, فقيل له: إن مثل
الغيث الأول مثل عظم القرآن, وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل الـ حم في القرآن
.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي,
أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو محمد الرومي, حدثنا أبو العباس السراج,
حدثنا قتيبة, حدثنا ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه
عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ولباب والقرآن الحواميم . وقال ابن مسعود: إذا وقعت
في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن . وقال سعد بن إبراهيم: كن - آل حم-
يسمين العرائس .
سورة غافر
مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 )
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غَافِرِ
الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا
هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 )
قوله عز وجل: ( حم ) قد سبق
الكلام في حروف التهجي . قال السدي عن ابن عباس: حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة
عنه قال: آلر, وحم, ونون, حروف « الرحمن » مقطعة .
وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان,
والميم افتتاح أسمائه: مالك مجيد منان. وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو
كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حم, بضم الحاء وتشديد الميم . وقرأ حمزة والكسائي
وأبو بكر: حم بكسر الحاء, والباقون بفتحها.
(
تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ ) ساتر
الذنب, ( وَقَابِلِ التَّوْبِ ) يعني
التوبة, مصدر تاب يتوب توبًا. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم. قال
ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله, [
وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله ] (
شَدِيدِ الْعِقَابِ ) لمن لا يقول لا إله إلا الله,
( ذِي الطَّوْلِ ) ذي
الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: « ذي
الطول » : ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو النعم.
وقيل: ذو القدرة. وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) .
مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ
اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 )
( مَا
يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ ) في دفع آيات الله بالتكذيب
والإنكار, ( إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال
أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: « ما
يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ
لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( البقرة- 176 ) . »
أخبرنا أبو سعيد الشريحي,
أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا عبد الله بن أحمد, حدثنا محمد بن خالد, أخبرنا
داود بن سليمان, أخبرنا عبد الله بن حميد, حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن
ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
« إن جدالا في القرآن كفر » .
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي, أخبرنا أبو الحسين بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار, حدثنا أحمد
بن منصور الرمادي, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتمارون في القرآن,
فقال: « إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه
ببعض, وإنما نـزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا, فلا تكذبوا بعضه ببعض, فما علمتم منه
فقولوه, وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه » .
قوله تعالى: ( فَلا
يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) تصرفهم
في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم, فإن عاقبة أمرهم العذاب, نظيره قوله
عز وجل: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( آل
عمران- 196 ) .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ
وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ
لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ
فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ( 5 )
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
النَّارِ ( 6 )
(
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) وهم
الكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح, (
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) قال
ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذًا, (
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا )
ليبطلوا, ( بِهِ الْحَقَّ ) الذي
جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا (
إبراهيم- 10 ) , و لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ (
الفرقان- 21 ) ونحو ذلك, (
فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) .
(
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ) يعني:
كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت, ( عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوا ) من قومك, (
أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم
أصحاب النار.
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ
الْجَحِيمِ ( 7 )
قوله عز وجل: (
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ) حملة
العرش والطائفون به وهم الكروبيون, وهم سادة الملائكة. قال ابن عباس: حملة العرش
ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، ويروى أن أقدامهم في تخوم
الأرضين, والأرضون والسموات إلى حجزهم, وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت,
سبحان ذي الملك والملكوت, سبحان الحي الذي لا يموت, سبوح قدوس رب الملائكة والروح.
وقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى, ورؤوسهم خرقت
العرش, وهم خشوع لا يرفعون طرفهم, وهم أشد خوفًا من أهل السماء السابعة, وأهل
السماء السابعة أشد خوفًا من أهل السماء التي تليها, والتي تليها أشد خوفًا من
التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجابًا من نور.
وروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين
شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام » .
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: [ إن
ما ] بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير
المسرع ثلاثين ألف عام, والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور, لا يستطيع أن
ينظر إليه خلق من خلق الله, والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة.
وقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من
نور, وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة.
وقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة, صف
خلف صف يطوفون بالعرش, يقبل هؤلاء [
ويدبر ] هؤلاء, فإذا استقبل بعضهم بعضًا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء, ومن
ورائهم سبعون ألف صف قيام, أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم, فإذا سمعوا
تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم, فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأجلك أنت
الله لا إله غيرك, أنت الأكبر, الخلق كلهم لك راجعون. ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف
من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا
يسبحه الآخر, ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام, وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
أربعمائة عام, واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابًا من نار,
وسبعين حجابًا من ظلمة, وسبعين حجابًا من نور, وسبعين حجابًا من در أبيض, وسبعين
حجابًا من ياقوت أحمر, [ وسبعين حجابًا من ياقوت
أصفر ] وسبعين حجابًا من زبرجد أخضر, وسبعين حجابًا من ثلج, وسبعين
حجابًا من ماء, وسبعين حجابًا من برد, وما لا يعلمه إلا الله تعالى. قال: ولكل
واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه, وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان,
ولكل واحد منهم أربعة أجنحة, أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق,
وأما جناحان فيهفو بهما, ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد .
قوله عز وجل: (
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) يصدقون
بأنه واحد لا شريك له.
أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا
أبو جعفر الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي, حدثنا
جعفر بن سليمان, حدثنا هارون بن رباب, حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ثمانية,
فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك, وأربعة منهم
يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, قال: وكأنهم ينظرون
ذنوب بني آدم .
قوله عز وجل: (
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا ) يعني
يقولون ربنا, ( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ
رَحْمَةً وَعِلْمًا ) قيل: نصب على التفسير, وقيل:
على النقل, أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، (
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) دينك (
وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) قال [
مطرف ] : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة, وأغش الخلق
للمؤمنين هم الشياطين .
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 )
(
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين
أمي, أين ولدي أين زوجي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك, فيقول: إني كنت أعمل لي
ولهم, فيقال: أدخلوهم الجنة .
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ( 9 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 )
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 )
( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ )
العقوبات, ( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ ) أي:
ومن تقه السيئات يعني العقوبات, وقيل: جزاء السيئات, (
يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .
قوله عز وجل: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ ) يوم القيامة وهم في النار وقد
مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم, وعاينوا العذاب, فيقال لهم: (
لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى
الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) يعني لمقت الله إياكم في
الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب
بكم.
(
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال
ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما- وقتادة والضحاك: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم
فأحياهم الله في الدنيا, ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها, ثم أحياهم للبعث يوم
القيامة, فهما موتتان وحياتان ، وهذا كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (
البقرة- 28 ) , وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال,
ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة . (
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) أي: من
خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك, نظيره: هَلْ إِلَى مَرَدٍّ
مِنْ سَبِيلٍ ( الشورى- 44 ) .
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ
اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ
الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) هُوَ
الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا
يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ ( 13 )
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 14 )
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 )
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 )
قال الله تعالى: (
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) وفيه
متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه, مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك, وهذا
العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم, إذا قيل لا إله إلا الله
[ كفرتم ] وقلتم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ
إِلَهًا وَاحِدًا ( ص- 5 ) (
وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ ) غيره, (
تُؤْمِنُوا ) تصدقوا ذلك الشرك, (
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) الذي
لا أعلى منه ولا أكبر.
( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ
آيَاتِهِ وَيُنـزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ) يعني:
المطر الذي هو سبب الأرزاق, ( وَمَا يَتَذَكَّرُ ) وما
يتعظ بهذه الآيات, ( إِلا مَنْ يُنِيبُ ) يرجع
إلى الله تعالى في جميع أموره.
( فَادْعُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) الطاعة والعبادة. (
وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) .
( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ) رافع
درجات الأنبياء والأولياء في الجنة, ( ذُو
الْعَرْشِ ) خالقه ومالكه, (
يُلْقِي الرُّوحَ ) ينـزل الوحي, سماه روحًا لأنه
تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح, ( مِنْ
أَمْرِهِ ) قال ابن عباس: من قضائه. وقيل: من قوله. وقال مقاتل: بأمره.
( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ ) أي:
لينذر النبي بالوحي, ( يَوْمَ التَّلاقِ ) وقرأ
يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق, يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض.
قال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال
ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون.
وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله .
( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) خارجون
من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء, ( لا
يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ ) من أعمالهم وأحوالهم, (
شَيْءٌ ) يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق: (
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم ) فلا أحد يجيبه, فيجيب نفسه
فيقول: ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) الذي
قهر الخلق بالموت.
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 17 )
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ
مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( 18 )
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 )
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ
بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 )
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي
الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
مِنْ وَاقٍ ( 21 )
(
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) يجزى
المحسن بإحسانه, والمسيء بإساءته, ( لا
ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) .
(
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) يعني:
يوم القيامة, سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب, نظيره قوله عز وجل:
أَزِفَتِ الآزِفَةُ ( النجم- 57 ) أي:
قربت القيامة ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى
الْحَنَاجِرِ ) وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر,
فلا هي تعود إلى أماكنها, ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا, (
كَاظِمِين ) مكروبين ممتلئين خوفًا وحزنًا, والكظم تردد الغيظ والخوف
والحزن في القلب حتى يضيق به. ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
حَمِيمٍ ) قريب ينفعهم, ( وَلا
شَفِيعٍ يُطَاعُ ) فيشفع فيهم.
( يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأعْيُنِ ) أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل. قال مجاهد:
وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. ( وَمَا
تُخْفِي الصُّدُورُ ) .
( وَاللَّهُ يَقْضِي
بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) [
يعني الأوثان ] ( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) لأنها
لا تعلم شيئًا ولا تقدر على شيء, قرأ نافع [
وابن عامر ] : « تدعون » بالتاء,
وقرأ الآخرون بالياء. ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
( أَوَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا
مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) قرأ
ابن عامر: « منكم » بالكاف, وكذلك هو في مصاحفهم,
( وَآثَارًا فِي الأرْضِ ) فلم
ينفعهم ذلك ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ
مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) يدفع عنهم العذاب.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ
تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ
قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 22 )
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 23 )
إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 )
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ
الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ
إِلا فِي ضَلالٍ ( 25 )
(
ذَلِكَ ) أي: ذلك العذاب الذي نـزل بهم, (
بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) .
قوله عز وجل: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ
مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا ) يعني فرعون وقومه (
اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) قال
قتادة: هذا غير القتل الأول, لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان, فلما بعث موسى
- عليه السلام- أعاد القتل عليهم, فمعناه أعيدوا عليهم القتل (
وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى
ومظاهرته, ( وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ ) وما
مكر فرعون وقومه واحتيالهم, ( إِلا فِي ضَلالٍ ) أي:
يذهب كيدهم باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي
أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ
أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ( 26 )
(
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ) لملئه, (
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) وإنما قال هذا لأنه كان في
خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفًا من الهلاك (
وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم
أنه أرسله إلينا فيمنعه منا, ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ ) يغير, ( دِينَكُمْ ) الذي
أنتم عليه, ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ ) قرأ
يعقوب وأهل الكوفة « أو أن يظهر » وقرأ
الآخرون « وأن يظهر » وقرأ
أهل المدينة والبصرة وحفص « يظهر » بضم
الياء وكسر الهاء على التعدية, ( الْفَسَادَ ) نصب
لقوله: « أن يبدل دينكم » حتى
يكون الفعلان على نسق واحد, وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على اللزوم, « الفساد
» رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره.
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ
بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ( 27 )
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ
رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ
رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 )
( وَقَالَ مُوسَى ) لما
توعده فرعون بالقتل, ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي
وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) .
واختلفوا في هذا المؤمن: قال
مقاتل والسدي: كان قبطيًا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال: وَجَاءَ
رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى (
القصص- 20 ) , وقال قوم: كان إسرائيليًا, ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن
يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس, وأكثر العلماء. وقال ابن
إسحاق: كان اسمه [ جبران ] .
وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبًا (
أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) لأن
يقول ربي الله، ( وَقَدْ جَاءَكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي: بما يدل على صدقه, (
وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ) لا
يضركم ذلك, ( وَإِنْ يَكُ صَادِقًا )
فكذبتموه, ( يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ) قال
أبو عبيد: المراد بالبعض الكل, أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من
العذاب. قال الليث: « بعض » صلة,
يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال:
أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم, فذكر البعض ليوجب
الكل, ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي ) إلى
دينه, ( مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ) [
مشرك ] ( كَذَّابٌ ) على
الله.
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم, حدثني الأوزاعي, حدثني يحيى بن أبي
كثير, حدثني محمد بن إبراهيم التيمي, حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن
عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم, قال:
بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط
فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه, فخنقه به خنقًا
شديدًا, فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم » .
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ
جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا
سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 29 )
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ
الأَحْزَابِ ( 30 )
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا
اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ( 31 )
وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 )
( يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ ) غالبين
في أرض مصر, ( فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ ) من
يمنعنا من عذاب الله, ( إِنْ جَاءَنَا ) والمعنى
لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب, وقتل النبي فإنه لا مانع من
عذاب الله إن حل بكم, ( قَالَ فِرْعَوْنُ مَا
أُرِيكُمْ ) من الرأي والنصيحة, ( إِلا
مَا أَرَى ) لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم, ( وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) ما
أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.
(
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ
الأحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ
بَعْدِهِمْ ) أي: مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب, ( وَمَا
اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ) أي: لا
يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم.
( وَيَا
قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ) يوم
القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضًا, فينادي أصحاب الجنة أصحاب
النار, وأصحاب النار أصحاب الجنة, وينادى أصحاب الأعراف, وينادى بالسعادة
والشقاوة, ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا, وفلان ابن فلان
قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا, وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا
موت, ويا أهل النار خلود فلا موت.
وقرأ ابن عباس والضحاك: « يوم
التناد » بتشديد الدال أي: يوم التنافر, وذلك أنهم هربوا فندوا في
الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها.
قال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا
زفير النار ندوا هربًا فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا,
فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه, فذلك قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى
أَرْجَائِهَا ( الحاقة- 17 ) وقوله:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ
أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا (
الرحمن- 33 ) .
يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا
لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 )
( يَوْمَ تُوَلُّونَ
مُدْبِرِينَ ) منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وقال مجاهد: فارين غير
معجزين ( مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) يعصمكم
من عذابه, ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) .
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ
مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ
حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ( 34 ) الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا
عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 )
(
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ ) يعني
يوسف بن يعقوب « من قبل » أي: من
قبل موسى, ( بِالْبَيِّنَاتِ ) يعني
قوله: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( يوسف-
39 ) ( فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ
مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ ) قال ابن عباس: من عبادة الله
وحده لا شريك له, ( حَتَّى إِذَا هَلَكَ ) مات (
قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا ) أي:
أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة, (
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ) مشرك,
( مُرْتَابٌ ) شاك.
(
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ) قال الزجاج:
هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها
بالتكذيب ( بِغَيْرِ سُلْطَانٍ ) حجة (
أَتَاهُم ) [ من الله ] (
كَبُرَ مَقْتًا ) أي: كبر ذلك الجدال مقتًا, (
عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) قرأ أبو عمرو وابن عامر « قلب »
بالتنوين, وقرأ الآخرون بالإضافة, دليله قراءة عبد الله بن مسعود « على
قلب كل متكبر جبار » .
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا
هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ( 36 ) أَسْبَابَ
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا
كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ( 37 )
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 38 ) يَا
قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ
دَارُ الْقَرَارِ ( 39 ) مَنْ
عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 40 )
(
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ) لوزيره: ( يَا
هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ) والصرح: البناء الظاهر الذي
لا يخفى على الناظر وإن بعد, وأصله من التصريح وهو الإظهار, (
لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ ) . (
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) يعني: طرقها وأبوابها من سماء
إلى سماء, ( فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) قراءة
العامة برفع العين نسقًا على قوله: « أبلغ
الأسباب » وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج, على
جواب « لعل » بالفاء, (
وَإِنِّي لأظُنُّهُ ) يعني موسى, (
كَاذِبًا ) فيما يقول إن له ربًا غيري, (
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) قرأ
أهل الكوفة ويعقوب: « وصد » بضم
الصاد نسقًا على قوله: « زين لفرعون » قال ابن
عباس: صده الله عن سبيل الهدى. وقرأ الآخرون بالفتح أي: صد فرعون الناس عن السبيل.
( وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ) يعني:
وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك. (
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) طريق
الهدى.
( يَا
قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ) متعة
تنتفعون بها مدة ثم تنقطع, ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ
دَارُ الْقَرَارِ ) التي لا تزول.
( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا
يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
) قال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير.
وَيَا قَوْمِ مَا لِي
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 )
( وَيَا
قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ) يعني:
ما لكم, كما تقول: ما لي أراك حزينًا؟ أي: ما لك؟ يقول: أخبروني عنكم؟ كيف هذه
الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله, (
وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ) ؟ إلى الشرك الذي يوجب النار,
ثم فسر فقال:
تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا
جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا
فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ( 43 )
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 44 )
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ ( 45 )
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( 46 )
( تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) في انتقامه ممن كفر, الغفار
لذنوب أهل التوحيد.
( لا جَرَمَ ) حقًا,
( أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) أي:
إلى الوثن, ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ ) قال
السدي: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة, يعني ليست له استجابة دعوة. وقيل:
ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدعي الربوبية, ولا تدعو إلى
عبادتها, وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. (
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ) مرجعنا
إلى الله فيجازي كلا بما يستحق, (
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ ) المشركين, ( هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ) .
( فَسَتَذْكُرُونَ
مَا أَقُولُ لَكُمْ ) إذا عاينتم العذاب حين لا
ينفعكم الذكر, ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى
اللَّهِ ) وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم, ( إِنَّ
اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) يعلم المحق من المبطل, ثم خرج
المؤمن من بينهم, فطلبوه فلم يقدروا عليه.
وذلك قوله عز وجل (
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) [ ما
أرادوا به من الشر ] قال قتادة: نجا مع موسى وكان
قبطيًا, ( وَحَاقَ ) نـزل, ( بِآلِ
فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) الغرق في الدنيا, والنار في
الآخرة.
وذلك قوله عز وجل: (
النَّارُ ) هي رفع على البدل من السوء, (
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) صباحًا
ومساءً, قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم
مرتين, تغدو وتروح إلى النار, ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة .
وقال قتادة, ومقاتل, والسدي,
والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيًا ما دامت الدنيا.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي,
أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة,
وإن كان من أهل النار فمن أهل النار, فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم
القيامة » .
ثم أخبر الله عن مستقرهم يوم
القيامة فقال: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا ) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر: « الساعة
» « أدخلوا » بحذف
الألف والوصل, وبضمها في الابتداء, وضم الخاء من الدخول, أي: يقال لهم: ادخلوا يا « آل
فرعون أشد العذاب » , وقرأ الآخرون « أدخلوا
» بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال, أي: يقال للملائكة:
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال ابن عباس: يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا
يعذبون به منذ أغرقوا.
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي
النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ( 47 )
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ
بَيْنَ الْعِبَادِ ( 48 )
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ
عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( 49 )
( وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي
النَّارِ ) أي: اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون, يعني أهل النار في
النار, ( فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا
كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ) في الدنيا, (
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ) والتبع
يكون واحدًا وجمعًا في قول أهل البصرة, وواحده تابع, وقال أهل الكوفة: هو جمع لا
واحد له, وجمعه أتباع.
( قَالَ الَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ ) حين اشتد عليهم العذاب, (
لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ
) .
قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ( 50 )
(
قَالُوا ) يعني خزنة جهنم لهم, ( أَوَ لَمْ
تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا ) أنتم
إذًا ربكم, إنا لا ندعو لكم, لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب. قال الله
تعالى: ( وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) أي:
يبطل ويضل ولا ينفعهم.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ( 51 )
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ
سُوءُ الدَّارِ ( 52 )
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ( 53 )
هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ( 54 )
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( 55 )
إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 )
قوله عز وجل (
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) قال
ابن عباس: بالغلبة والقهر. وقال الضحاك: بالحجة, وفي الآخرة بالعذر. وقيل:
بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة, وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين, فهم
منصورون بالحجة على من خالفهم, وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك
أعدائهم, ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم, كما نصر يحيى بن زكريا لما
قتل, قتل به سبعون ألفًا, فهم منصورون بأحد هذه الوجوه, (
وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) يعني: يوم القيامة يقوم
الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب.
( يَوْمَ لا يَنْفَعُ
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل
منهم, وإن تابوا لم ينفعهم, ( وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ) البعد
من الرحمة, ( وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) يعني
جهنم.
(
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ) قال
مقاتل: الهدى من الضلالة, يعني التوراة, (
وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) [ التوراة
] .
( هُدًى
وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) .
( فَاصْبِر ) يا
محمد على أذاهم, ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) في
إظهار دينك وإهلاك أعدائك ( حَق ) قال
الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر ، (
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) هذا تعبد من الله ليزيده به
درجة وليصير سنة لمن بعده, ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) صلِّ
شاكرًا لربك ( بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ ) قال
الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.
( إِنَّ
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي
صُدُورِهِمْ ) ما في قلوبهم, والصدر موضع القلب, فكنى به عن القلب لقرب
الجوار, ( إِلا كِبْرٌ ) قال
ابن عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة, ( مَا
هُمْ بِبَالِغِيهِ ) قال مجاهد: ما هم ببالغي
مقتضى ذلك الكبر, لأن الله عز وجل مذلهم.
قال ابن قتيبة: إن في صدورهم
إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع في أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك.
قال أهل التفسير: نـزلت في
اليهود, وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن صاحبنا المسيح بن داود -
يعنون الدجال- يخرج في آخر الزمان, فيبلغ سلطانه في البر والبحر, ويرد الملك إلينا
، قال الله تعالى: ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) من
فتنة الدجال, ( إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ ) .
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 57 )
(
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) مع
عظمهما, ( أَكْبَر ) أعظم في الصدور, ( مِنْ
خَلْقِ النَّاسِ ) أي: من إعادتهم بعد الموت, (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) يعني الكفار, ( لا
يَعْلَمُونَ ) حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها. وقال قوم: « أكبر » [ أي:
أعظم ] من خلق الدجال, (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) يعني
اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال.
وروي عن هشام بن عامر قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما بين
خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من خلق الدجال » .
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن
أحمد الطاهري, أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار, [
أخبرنا محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري, حدثنا عبد الرزاق
] حدثنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد
الأنصارية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال, فقال: « إن بين
يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها, والأرض ثلث نباتها, والثانية تمسك
السماء ثلثي قطرها, والأرض ثلثي نباتها, والثالثة تمسك السماء قطرها كله, والأرض
نباتها كله, فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك, وإن من أشد فتنته
أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك أليس تعلم أني ربك؟ قال: فيقول:
بلى, فيتمثل له نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعًا وأعظمه أسنمة, قال: ويأتي الرجل قد
مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأخاك ألست تعلم أني ربك؟
فيقول: بلى, فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه » . قالت:
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته, ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما
حدثهم, قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء؟ فقلت: يا رسول الله لقد خلعت
أفئدتنا بذكر الدجال, قال: « إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه,
وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن » , قالت
أسماء فقلت: يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينًا فما نخبزه حتى نجوع فكيف
بالمؤمنين يومئذ؟ قال: « يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من
التسبيح والتقديس » .
وبهذا الإسناد قال: أخبرنا
معمر, عن ابن خثيم, عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « يمكث الدجال في الأرض أربعين
سنة, السنة كالشهر, والشهر كالجمعة, والجمعة كاليوم, واليوم كاضطرام السعفة في
النار » .
أخبرنا أبو سعيد الطاهري, أخبرنا
جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار, أخبرنا محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق
الدبري, حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول
الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله, ثم ذكر الدجال
فقال: « إني لأنذركموه, وما من نبي إلا أنذر قومه, لقد أنذر نوح
قومه, ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن الله ليس
بأعور » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا
موسى بن إسماعيل, حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: « إن الله لا يخفى عليكم, إن
الله ليس بأعور, وأشار بيده إلى عينه, وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى, كأن
عينه عنبة طافية » .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر
الجرجاني, أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي, أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي, حدثنا
إبراهيم بن محمد بن سفيان, حدثنا مسلم بن الحجاج, حدثنا علي بن حجر, حدثنا شعيب بن
صفوان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو بن مسعود الأنصاري
قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: حدثني ما سمعت من رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الدجال؟ قال: « إن
الدجال يخرج وإن معه ماء ونارًا, فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق, وأما الذي
يراه الناس نارًا فماء بارد عذب, فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا فإنه
ماء عذب طيب » فقال عقبة: وأنا قد سمعته, تصديقًا لحذيفة .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثني إبراهيم بن المنذر, حدثنا ابن الوليد, حدثنا ابن عمرو وهو الأوزاعي, حدثنا
إسحاق, حدثني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ليس من
بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة, ليس من نقابها إلا عليه الملائكة صافين
يحرسونها, [ ثم ] ترجف المدينة بأهلها ثلاث
رجفات, فيخرج إليه كل كافر ومنافق » .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن
الفضل الخرقي, أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن
عمر الجوهري, حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني, حدثنا علي بن حجر, حدثنا إسماعيل بن
جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يأتي
المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة, حتى ينـزل دبر أحد, ثم تصرف الملائكة وجهه
قبل الشام, وهناك يهلك » .
أخبرنا أبو سعيد الطاهري,
أخبرنا جدي عبد الصمد البزار, أخبرنا محمد بن زكريا العذافري, أخبرنا إسحاق
الدبري, ثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يتبع الدجال من أمتي سبعون
ألفًا عليهم السيجان » ويرويه أبو أمامة رضي الله عنه
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « مع
الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف محلى » .
وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ
قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ( 58 )
قوله تعالى: ( وَمَا
يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) قرأ
أهل الكوفة « تتذكرون » بالتاء, وقرأ الآخرون بالياء,
لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم.
إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا
رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 )
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( 60 )
( إِنَّ
السَّاعَةَ ) أي: القيامة (
لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) .
( وقال
ربكم ادعوني استجب لكم ) أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم
وأغفر لكم, فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة.
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان, حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار
الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن منصور عن أبي
ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول على المنبر: « إن الدعاء هو العبادة » ثم قرأ:
« ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم
داخرين » .
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
علي الدورقي, حدثنا أبو الحسن علي بن يوسف الشيرازي, أخبرنا أبو الحسن أحمد بن
محمد بن موسى القرشي ببغداد, حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء, حدثنا أحمد بن بديل,
حدثنا وكيع, حدثنا أبو المليح قال: سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: « من لم يدع الله غضب الله عليه
» .
وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال,
( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) قرأ
ابن كثير وأبو جعفر وأبو بكر: « سيدخلون » بضم
الياء وفتح الخاء, وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء, « داخرين
» صاغرين ذليلين.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 )
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ ( 62 )
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 )
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 64 ) هُوَ
الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 65 )
( اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
) .
(
كَذَلِك ) يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك, (
يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) .
(
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا )
فراشًا, ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) سقفًا
كالقبة, ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) قال
مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس: خلق ابن آدم قائمًا معتدلا يأكل ويتناول
بيده, وغير ابن آدم يتناول بفيه. (
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) قيل:
من غير رزق الدواب ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال
الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر, مجازه: فادعوه واحمدوه.
وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال:
من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين, فذلك قوله عز وجل:
« فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين » .
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ
مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 66 )
( قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ
رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) وذلك
حين دعي إلى الكفر.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ( 68 )
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ
( 69 )
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ
الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 )
( هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ
يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ) أي: أطفالا ( ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
مِنْ قَبْلُ ) أي: من قبل أن يصير شيخًا, (
وَلِتَبْلُغُوا ) جميعًا, (
أَجَلا مُسَمًّى ) وقتًا معلومًا محدودًا لا
تجاوزونه, يريد أجل الحياة إلى الموت, (
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم
وقدرته.
( هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ) يعني:
القرآن, يقولون ليس من عند الله, (
أَنَّى يُصْرَفُونَ ) كيف يصرفون عن دين الحق. قيل:
هم المشركون . وعن محمد بن سيرين وجماعة: أنها نـزلت في القدرية .
( إِذِ الأغْلالُ فِي
أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ) [
يجرون ] .
فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي
النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 )
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 ) مِنْ
دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ
شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ( 74 )
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا
كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 )
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 )
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( 77 )
( فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي
النَّارِ يُسْجَرُونَ ) قال مقاتل: توقد بهم النار.
وقال مجاهد: يصيرون وقودًا للنار. ( ثُمَّ
قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) يعني الأصنام,
( قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا )
فقدناهم فلا نراهم ( بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو
مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ) قيل: أنكروا. وقيل: معناه بل
لم نكن ندعو من قبل شيئًا ينفع ويضر. وقال الحسين بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من
قبل شيئًا, أي: ضاعت عبادتنا لها, كما يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئًا. قال
الله عز وجل: ( كَذَلِكَ ) أي:
كما أضل هؤلاء, ( يُضِلُّ اللَّهُ
الْكَافِرِينَ ) .
( ذَلِكُم ) العذاب
الذي نـزل بكم, ( بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ ) تبطرون
وتأشرون, ( فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَمْرَحُونَ ) تفرحون وتختالون.
(
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) بنصرك,
( حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) من
العذاب في حياتك, ( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل أن
يحل ذلك بهم, ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْمُبْطِلُونَ ( 78 )
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ ( 79 )
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 )
(
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ ) خبرهم
في القرآن, ( وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ
لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ) بأمر
الله وإرادته, ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ
اللَّهِ ) قضاؤه بين الأنبياء والأمم, (
قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) .
(
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا ) بعضها,
( وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ) في أصوافها
وأوبارها وأشعارها وألبانها ( وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ) تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد
ولتبلغوا عليها حاجاتكم, ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى
الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) أي: على الإبل في البر وعلى
السفن في البحر. نظيره: قوله تعالى: وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (
الإسراء- 70 ) .
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ
آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 )
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي
الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 )
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ
الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 )
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 )
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 )
(
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) دلائل قدرته, (
فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ) .
(
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي
الأرْضِ ) يعني: مصانعهم وقصورهم, ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ ) لم ينفعهم, ( مَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ ) وقيل: هو بمعنى الاستفهام,
ومجازه: أي شيء أغنى عنهم كسبهم؟
( فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ
رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا ) رضوا ( بِمَا
عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) قال مجاهد: هو قولهم نحن
أعلم, لن نبعث ولن نعذب, سمي ذلك علمًا على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة
جهل. ( وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ *
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) يعني: تبرأنا مما كنا نعدل
بالله.
( فَلَمْ
يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا )
عذابنا, ( سُنَّةَ اللَّهِ ) قيل:
نصبها بنـزع الخافض, أي: كسنة الله. وقيل: على المصدر. وقيل: على الإغراء أي:
احذروا سنة الله ( الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي
عِبَادِهِ ) وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا, ولا ينفعهم
إيمانهم عند معاينة العذاب. ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْكَافِرُونَ ) بذهاب الدارين, قال الزجاج:
الكافر خاسر في كل وقت, ولكنهم يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.
سورة فصلت
مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ
مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 )
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 )
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 )
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا
وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 )
( حم تَنـزيلٌ مِنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال الأخفش: « تنـزيل
» مبتدأ, وخبره قوله عز وجل: (
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) . (
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) بينت آياته, (
قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) اللسان
العربي, ولو كان بغير لسانهم ما علموه ونصب قرآنًا بوقوع البيان عليه أي: فصلناه
قرآنًا.
( بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) نعتان
للقرآن أي: بشيرًا لأولياء الله, ونذيرًا لأعدائه, (
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) لا
يصغون إليه تكبرًا.
(
وَقَالُوا ) يعني مشركي مكة, (
قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) في أغطية, (
مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ) فلا نفقه ما تقول, ( وَفِي
آذَانِنَا وَقْرٌ ) صمم فلا نسمع ما تقول,
والمعنى: إنا في ترك القبول عندك بمنـزلة من لا يفهم ولا يسمع, (
وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ) خلاف
في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول, (
فَاعْمَلْ ) أنت على دينك, (
إِنَّنَا عَامِلُونَ ) على ديننا.
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا
إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 )
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 7 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 8 )
( قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) يعني
كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم, وهو قوله: (
يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) قال
الحسن: علمه الله التواضع, ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) توجهوا
إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله, (
وَاسْتَغْفِرُوهُ ) من ذنوبكم, (
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) .
( الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ ) قال ابن عباس: الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة
الأنفس, والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقال الحسن وقتادة: لا
يقرون بالزكاة, ولا يرون إيتاءها واجبًا, وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن
قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا
يتصدقون. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم (
وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ) .
( إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) قال
ابن عباس: غير مقطوع. وقال مقاتل: غير منقوص, ومنه « المنون
» لأنه ينقص مُنَّة الإنسان وقوته, وقيل: غير ممنون عليهم به.
وقال مجاهد: غير محسوب.
وقال السدي: نـزلت هذه الآية في
المرضى والزمنى والهرمى, إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون
فيه.
أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي, أخبرنا أبو الحسين بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار, حدثنا أحمد
بن منصور الرمادي, حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن خيثمة
بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة, ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له
مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إليّ » .
قُلْ أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا
ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9 )
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 )
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ
اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 11 )
قوله عز وجل: ( قُلْ
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) يوم
الأحد والاثنين, ( وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .
( وَجَعَلَ فِيهَا ) أي في
الأرض, ( رَوَاسِيَ ) جبالا
ثوابت, ( مِنْ فَوْقِهَا ) من فوق
الأرض, ( وَبَارَكَ فِيهَا ) أي: في
الأرض, بما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار, (
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) قال الحسن ومقاتل: قسم في
الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقال عكرمة والضحاك: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في
الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد . قال الكلبي: قدر الخبز لأهل
قطر, والتمر لأهل قطر, والذرة لأهل قطر, والسمك لأهل قطر, وكذلك أقواتها. ( فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ) يريد خلق ما في الأرض, وقدر
الأقوات في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام, رد
الآخر على الأول في الذكر, كما تقول: تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين, وإحداهما هي
التي تزوجتها بالأمس, ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) قرأ
أبو جعفر « سواء » رفع على الابتداء, أي: هي سواء
[ وقرأ يعقوب بالجر على نعت قوله: « في
أربعة أيام » , وقرأ الآخرون « سواء » ] نصب
على المصدر, أي: استوت سواء أي: استواء, ومعناه: سواء للسائلين عن ذلك. قال قتادة
والسدي: من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ولا نقصان جوابًا لمن سأل: في كم
خلقت الأرض والأقوات؟
( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَاءِ ) أي: عمد إلى خلق السماء, (
وَهِيَ دُخَانٌ ) وكان ذلك الدخان بخار الماء,
( فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) أي:
ائتيا ما آمركما أي: افعلاه, كما يقال: ائت ما هو الأحسن, أي: افعله.
وقال طاوس عن ابن عباس: ائتيا: أعطيا ، يعني أخرجا ما خلقت
فيكما من المنافع لمصالح العباد.
[ قال ابن عباس ] : قال
الله عز وجل: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك, وأنت يا أرض فشقي أنهارك
وأخرجي ثمارك ونباتك, وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعًا وإلا ألجأتكما إلى ذلك [ حتى
تفعلاه كرها ] فأجابتا بالطوع, و (
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) [ ولم
يقل طائعتين ] ، لأنه ذهب به إلى السموات والأرض ومن فيهن, مجازه: أتينا
بما فينا طائعين, فلما وصفهما بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل.
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 )
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ
جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا
إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا
أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( 14 )
(
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) أي: أتمهن
وفرغ من خلقهن, ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ
أَمْرَهَا ) قال عطاء عن ابن عباس: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة
وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله.
وقال قتادة والسدي: يعني خلق
فيها شمسها وقمرها ونجومها.
وقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء
ما أراد من الأمر والنهي, وذلك يوم الخميس والجمعة.
( وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) كواكب, (
وَحِفْظًا ) لها ونصب « حفظًا » على
المصدر, أي: حفظناها بالكواكب حفظًا من الشياطين الذين يسترقون السمع, (
ذَلِكَ ) الذي ذكر من صنعه, (
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ) في ملكه, (
الْعَلِيمِ ) بحفظه . قوله عز وجل: (
فَإِنْ أَعْرَضُوا ) يعني: هؤلاء المشركين عن
الإيمان بعد هذا البيان, ( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ )
خوفتكم, ( صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) أي:
هلاكًا مثل هلاكهم, والصاعقة المهلكة من كل شيء.
( إِذْ جَاءَتْهُمُ ) يعني:
عادا وثمودا, ( الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) أراد بقوله: ( مِنْ
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ) الرسل الذين أرسلوا إلى
آبائهم من قبلهم, ( وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) يعني:
ومن بعد الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم الذين أرسلوا إليهم, هود وصالح, فالكناية
في قوله « من بين أيديهم » راجعة
إلى [ عاد وثمود ] وفي
قوله: [ ( وَمِنْ خَلْفِهِمْ )
راجعة إلى الرسل ] ( أَنْ
لا ) بأن لا ( تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ
قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنـزلَ ) بدل
هؤلاء الرسل, ( مَلائِكَةً ) أي: لو
شاء ربنا دعوة [ الخلق ] لأنـزل
ملائكة, ( فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي,
أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, حدثنا عبد الله بن حامد الأصفهاني, حدثنا أحمد بن محمد
بن يحيى العبيدي, أخبرنا أحمد بن مجدة بن العريان, حدثنا الحماني, حدثنا ابن فضيل,
عن الأجلح, عن الذيال بن حرملة, عن جابر بن عبد الله قال: قال الملأ من قريش وأبو
جهل: قد التبس علينا أمر محمد, فلو التمستم رجلا عالمًا بالشعر والكهانة والسحر,
فأتاه فكلمه, ثم أتانا ببيان من أمره, فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة
والسحر, وعلمت من ذلك علمًا, وما يخفى عليّ أن كان كذلك أو لا فأتاه فلما خرج إليه
قال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم
تشتم آلهتنا؟ وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسًا ما
بقيت, وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش، وإن كان بك المال
جمعنا لك ما تستغني أنت وعقبك من بعدك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا
يتكلم, فلما فرغ, قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بسم
الله الرحمن الرحيم » حم * تَنْزِيلٌ مِنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ , إلى قوله: « فإن
أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود » ,
الآية. فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله, ولم يخرج إلى قريش فاحتبس
عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى دين محمد, وقد
أعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته, فانطلقوا بنا إليه, فانطلقوا إليه, فقال
أبو جهل: والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى دين محمد وأعجبك طعامه, قال:
فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد, فغضب عتبة وأقسم أن
لا يكلم محمدًا أبدا, وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته
وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء, والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر, وقرأ السورة
إلى قوله: « فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود » الآية
فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف, وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب,
فخفت أن ينـزل بكم العذاب.
وقال محمد بن كعب القرظي: حدثت
أن عتبة بن ربيعة كان سيدًا حليمًا, قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله
صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه
وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها, فنعطيه ويكف عنا, وذلك حين أسلم حمزة
ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون, فقالوا: بلى يا أبا
الوليد فقم إليه فكلمه, فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم,
فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب, وإنك
قد أتيت قومك بأمر عظيم, فرقت جماعتهم, وسفهت أحلامهم, وعبت آلهتهم, وكفرت من مضى
من آبائهم, فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها, فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: قل يا أبا الوليد, فقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به مالا جمعنا
لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفًا سودناك علينا, وإن كان هذا
الذي بك رئيًا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب, ولعل هذا شعر جاش به صدرك, فإنكم
لعمري بني عبد المطلب تقدرون ذلك ما لا يقدر عليه غيركم, حتى إذا فرغ, فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم, قال: فاستمع
مني, قال: أفعل, فقال صلى الله عليه وسلم: « بسم
الله الرحمن الرحيم » حم * تَنْزِيلٌ مِنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا , ثم
مضى فيها يقرأ, فلما سمعها عتبة أنصت له, وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع
منه, حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد, ثم قال: قد سمعت يا
أبا الوليد فأنت وذاك, فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد
جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به, فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا
الوليد؟ فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط, ما هو بالشعر ولا
السحر ولا الكهانة, يا معشر قريش, أطيعوني, خلوا ما بين هذا الرجل وبين ما هو فيه
واعتزلوه, فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ, فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم,
وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم, فأنتم أسعد الناس به, فقالوا: سحرك
والله يا أبا الوليد بلسانه, قال: هذا رأيي لكم, فاصنعوا ما بدا لكم.
فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 15 )
قوله عز وجل: (
فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) وذلك أن هودًا عليه السلام
هددهم بالعذاب, فقالوا: من أشد منا قوة؟ نحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا,
وكانوا ذوي أجسام طوال, قال الله تعالى ردًّا عليهم: (
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً
وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) .
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 )
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى
فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 )
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) .
( فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) عاصفة شديدة الصوت, من الصرة
وهي الصيحة. وقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد, ( فِي
أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
ويعقوب « نحسات » بسكون الحاء, وقرأ الآخرون
بكسرها أي: نكدات مشئومات ذات نحوس. وقال الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين,
ودامت الرياح عليهم من غير مطر, (
لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ ) أي:
عذاب الهون والذل, ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى ) أشد إهانة (
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) .
(
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ )
دعوناهم, قاله مجاهد, وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على
الخير والشر, كقوله: هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ (
الإنسان- 3 ) , ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى ) فاختاروا الكفر على الإيمان,
( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ ) [ أي:
هلكة العذاب ] ، ( الْهُونِ ) أي: ذي
الهون, أي: الهوان, وهو الذي يهينهم ويخزيهم, ( بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ ) . (
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * وَيَوْمَ يُحْشَرُ
أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ ) قرأ
نافع ويعقوب: « نحشر » بالنون, « أعداء
» نصب, وقرأ الآخرون بالياء ورفعها وفتح الشين « أعداء
» رفع أي: يجمع إلى النار, (
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) يساقون ويدفعون إلى النار,
وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا.
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 20 )
( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ) جاءوا
النار, ( شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ
وَجُلُودُهُمْ ) أي: بشراتهم, ( بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) قال السدي وجماعة: المراد
بالجلود الفروج. وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم.
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ
وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا
تَعْمَلُونَ ( 22 )
(
وَقَالُوا ) يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار, (
لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي
أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) تم الكلام هاهنا. وقال الله
تعالى: ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وليس
هذا من جواب الجلود, ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .
( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ) أي: تستخفون [ عند
أكثر أهل العلم ] . وقال مجاهد: تتقون. وقال
قتادة: تظنون. ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ
اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ) .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل,
حدثنا الحميدي, أخبرنا سفيان, أخبرنا منصور, عن مجاهد, عن أبي معمر, عن عبد الله
بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي, أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم,
قليل فقه قلوبهم, فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن
جهرنا ولا يسمع إن أخفينا, وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا
أخفينا, فأنـزل الله تعالى: « وما كنتم تستترون أن يشهد
عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون
» . قيل: الثقفي, عبد ياليل, وختناه القرشيان: ربيعة, وصفوان
بن أمية.
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي
ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ
مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 )
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 25 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 )
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 )
قوله تعالى: ( وَذَلِكُمْ
ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ )
أهلككم, أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون, أرداكم. قال ابن عباس: طرحكم
في النار, ( فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . ثم
أخبر عن حالهم فقال:
(
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) مسكن
لهم, ( وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا )
يسترضوا ويطلبوا العتبى, ( فَمَا هُمْ مِنَ
الْمُعْتَبِينَ ) المرضين, والمعتب الذي قبل
عتابه وأجيب إلى ما سأل, يقال: أعتبني فلان, أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي,
واستعتبته: طلبت منه أن يعتب, أي: يرضى.
( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ ) أي:
بعثنا ووكلنا, وقال مقاتل: هيأنا. وقال الزجاج: سببنا لهم. ( قرناء
) نظراء من الشياطين حتى أضلوهم, (
فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) من أمر
الدنيا حتى آثروه على الآخرة, ( وَمَا خَلْفَهُمْ ) من أمر
الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث, (
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ ) [ مع
أمم ] . ( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) .
(
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من مشركي قريش, ( لا
تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) قال
ابن عباس: يعني الغطوا فيه, وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدًا يقرأ
فعارضوه بالرجز والشعر واللغو. قال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير. وقال
الضحاك: أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول . وقال السدي: صيحوا في وجهه. (
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) محمدًا على قراءته.
(
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي ) يعني بأسوأ الذي, أي: بأقبح
الذي, ( كَانُوا يَعْمَلُونَ ) في
الدنيا وهو الشرك بالله.
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ
اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 28 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ( 29 )
( ذَلِكَ ) الذي
ذكرت من العذاب الشديد, ( جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ ) ثم بين
ذلك الجزاء فقال: ( النَّارُ ) أي: هو
النار, ( لَهُمْ فِيهَا ) أي: في
النار, ( دَارُ الْخُلْدِ ) دار
الإقامة لا انتقال منها, ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا
بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) .
( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: في
النار يقولون. ( رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ
أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) يعنون
إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية, (
نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ) في
النار, ( لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ ) ليكونا
في الدرك الأسفل من النار. قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابًا منا.
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا
تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
( 30 )
قوله عز وجل: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) سئل
أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئًا.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «
الاستقامة » أن تستقيم على الأمر والنهي, ولا تروغ روغان الثعلب. وقال
عثمان بن عفان رضي الله عنه: أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: أدوا
الفرائض . وقال ابن عباس: استقاموا على أداء الفرائض .
وقال الحسن: استقاموا على أمر
الله تعالى, فعملوا بطاعته, واجتنبوا معصيته.
وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا
على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله.
وقال مقاتل: استقاموا على
المعرفة ولم يرتدوا. وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا
فارزقنا الاستقامة.
قوله عز وجل: (
تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) قال
ابن عباس: عند الموت. وقال قتادة ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم. قال وكيع بن الجراح:
البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. ( أَلا
تَخَافُوا ) من الموت. وقال مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر
الآخرة. ( وَلا تَحْزَنُوا ) على ما
خلفتم من أهل وولد, فإنا نخلفكم في ذلك كله. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا
تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم ، (
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) .
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 )
نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 )
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 )
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ ) تقول
لهم الملائكة الذين تنـزل عليهم بالبشارة: نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم, ( فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) [ أي:
في الدنيا والآخرة. وقال السدي: تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في
الدنيا, ونحن أولياؤكم في الآخرة ] يقولون
لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا
تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) من الكرامات واللذات, (
وَلَكُمْ فِيهَا ) في الجنة, ( مَا
تَدَّعُونَ ) تتمنون.
( نـزلا
) رزقًا, ( مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) .
قوله عز وجل: (
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) إلى
طاعته, ( وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) قال
ابن سيرين [ والسدي وابن عباس ] : هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: هو
المؤمن الذي أجاب الله في دعوته, ودعا الناس إلى ما أجاب إليه, وعمل صالحًا في
إجابته, وقال: إنني من المسلمين.
وقالت عائشة: أرى هذه الآية
نـزلت في المؤذنين.
وقال عكرمة: هو المؤذن أبو
إمامة الباهلي, « وعمل صالحًا » : صلى
ركعتين بين الأذان والإقامة.
وقال قيس بن أبي حازم: هو
الصلاة بين الأذان والإقامة.
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن
العباس الحميدي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ, حدثنا أبو عبد الله
الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي, حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة, حدثنا عبد الله بن
زيد المقري, حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بين كل
أذانين صلاة » , ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: « لمن
شاء » .
أخبرنا عبد الواحد المليحي,
أخبرنا أبو منصور السمعاني, حدثنا أبو جعفر الرياني, حدثنا حميد بن زنجويه, حدثنا
محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك
قال سفيان: لا أعلمه إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يرد
الدعاء بين الأذان والإقامة » .
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ
وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
قوله عز وجل: ( وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) قال
الفراء: « لا » هاهنا صلة, معناه: ولا تستوي
الحسنة والسيئة, يعني الصبر والغضب, والحلم والجهل, والعفو والإساءة. (
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) قال
ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب, وبالحلم عند الجهل, وبالعفو عند الإساءة. (
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ) يعني:
إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك, وصار الذي بينك وبينه عداوة, (
كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) كالصديق والقريب. قال مقاتل
بن حيان: نـزلت في أبي سفيان بن حرب, وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته
بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم, ثم أسلم فصار وليًا
بالإسلام, حميمًا بالقرابة.
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 )
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 )
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا
لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 )
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 )
( وَمَا يُلَقَّاهَا ) ما
يلقى هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة, ( إِلا
الَّذِينَ صَبَرُوا ) على كظم الغيظ واحتمال
المكروه, ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) في
الخير والثواب, وقال قتادة: « الحظ العظيم » :
الجنة, أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.
( وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نـزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ )
لاستعاذتك وأقوالك, ( الْعَلِيمُ )
بأفعالك وأحوالك.
قوله عز وجل: (
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا
لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ) إنما
قال: « خلقهن » بالتأنيث لأنه أجراها على طريق
جمع التكسير, ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث, ( إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) .
( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ) عن
السجود, ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) يعني
الملائكة ( يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
) لا يملون ولا يفترون.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ
يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 )
(
وَمِنْ آيَاتِهِ ) دلائل قدرته, (
أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً ) يابسة
غبراء لا نبات فيها, ( فَإِذَا أَنـزلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي
الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
( إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) يميلون
عن الحق في أدلتنا, قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط.
قال قتادة: يكذبون في آياتنا. قال السدي: يعاندون ويشاقون.
قال مقاتل: نـزلت في أبي جهل.
( لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا
أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ) وهو أبو جهل, (
خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قيل:
هو حمزة, وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. (
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) أمر تهديد ووعيد, (
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) عالم
فيجازيكم به.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) مَا
يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو
مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ( 43 )
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ( 44 )
( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ) بالقرآن, (
لَمَّا جَاءَهُمْ ) ثم أخذ في وصف الذكر وترك
جواب: « إن الذين كفروا » , على
تقدير: الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم. وقيل: خبره قوله من بعد: « أولئك
ينادون من مكان بعيد » . (
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) قال الكلبي عن ابن عباس رضي
الله عنهما: كريم على الله. قال قتادة: أعزه الله عز وجل عزًا فلا يجد الباطل إليه
سبيلا .
وهو قوله: ( لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) قال
قتادة والسدي: الباطل: هو الشيطان, لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه .
قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من
أن ينقص منه, فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه, وعلى
هذا معنى « الباطل » : الزيادة والنقصان.
وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب
من الكتب التي قبله, ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله. (
تَنـزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ثم عزى نبيه صلى الله عليه
وسلم على تكذيبهم.
فقال: ( مَا
يُقَالُ لَكَ ) من الأذى, ( إِلا
مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) يقول:
إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك: ساحر, كما يقال لك وكذبوا كما كذبت, ( إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ) لمن تاب وآمن بك ( وَذُو
عِقَابٍ أَلِيمٍ ) لمن أصر على التكذيب.
(
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ أي: جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس, ( قُرْآنًا
أَعْجَمِيًّا ) بغير لغة العرب, ( لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) هلا بينت
آياته بالعربية حتى نفهمها, ( أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) يعني: أكتاب أعجمي
ورسول عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار, أي: أنهم كانوا يقولون: المنـزل عليه
عربي والمنـزل أعجمي.
قال مقاتل: وذلك أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار, غلام عامر بن الحضرمي, وكان يهوديًا
أعجميًا, يكنى أبا فكيهة, فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده, وقال: إنك
تعلم محمدًا, فقال يسار: هو يعلمني, فأنـزل الله تعالى هذه الآية:
( قُلْ ) يا محمد, ( هُوَ )
يعني القرآن, ( لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) هدى من الضلالة وشفاء لما في
القلوب, وقيل: شفاء من الأوجاع.
( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا
عنه فلا ينتفعون به, ( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) أي: أنهم لا
يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم, وهذا مثل لقلة
انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ
لِلْعَبِيدِ ( 46 )
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ )
فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في كتابك, ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
) في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن, ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) لفرغ من عذابهم
وعجل إهلاكهم, ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ) من صدقك, ( مُرِيبٍ ) موقع لهم
الريبة.
( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ
فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) .