الجزء  السابع والعشرون

 

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ( 34 ) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 35 ) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 36 ) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ ( 37 )

( فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) . ( قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) , يعني: قوم لوط.

( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً ) , معلّمة, ( عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ) , قال ابن عباس: للمشركين, والشرك أسرف الذنوب وأعظمها.

( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا ) , أي: في قرى قوم لوط, ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) , وذلك قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ( هود- 81 ) .

( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ ) , أي غير أهل بيت, ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) , يعني لوطًا وابنتيه, وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.

( وَتَرَكْنَا فِيهَا ) , أي في مدينة قوم لوط, ( آيَةً ) , عبرة , ( لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ ) , أي: علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم.

وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 38 ) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 ) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 ) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ( 43 ) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 44 ) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 )

( وَفِي مُوسَى ) , أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو معطوف على قوله: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ , [ وفي موسى ] ( إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) , بحجة ظاهرة.

( فَتَوَلَّى ) , فأعرض وأدبر عن الإيمان, ( بِرُكْنِهِ ) , أي بجمعه وجنوده الذين كانوا يتقوى بهم, كالركن الذي يقوى به البنيان, نظيره: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( هود- 80 ) , ( وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) , قال أبو عبيدة: « أو » بمعنى الواو.

( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) , أغرقناهم فيه, ( وَهُوَ مُلِيمٌ ) أي: آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسول.

( وَفِي عَادٍ ) , أي: وفي إهلاك عاد أيضًا آية, ( إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) , وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرًا ولا تحمل مطرًا .

( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ ) , من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم, ( إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) , كالشيء الهالك البالي , وهو نبات الأرض إذا يبس وَدِيسَ. قال مجاهد: كالتبن اليابس. قال قتادة: كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي.

( وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ) , يعني وقت فناء آجالهم, وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام .

( فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) , يعني بعد مضي الأيام الثلاثة, وهي الموت في قول ابن عباس, قال مقاتل: يعني العذاب, و « الصاعقة » : كل عذاب مهلك, وقرأ الكسائي: « الصعقة » , وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة, ( وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) , يرون ذلك عيانًا.

( فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ ) , فما قاموا بعد نـزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة, ( وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ) , ممتنعين مِنَّا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 46 ) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 ) وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ( 48 ) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 )

( وَقَوْمَ نُوحٍ ) , قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: « وقوم » بجر الميم, أي: وفي قوم نوح, وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى, وهو أن قوله: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ , معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. ( مِنْ قَبْلُ ) , أي: من قبل هؤلاء, وهم عاد وثمود وقوم فرعون. ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) .

( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ) , بقوة وقدرة, ( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) , قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه أيضًا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو سعة. قال الضحاك: أغنياء, دليله: قوله عز وجل: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ( البقرة - 236 ) , قال الحسن: مطيقون.

( وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا ) , بسطناها ومهدناها لكم, ( فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) , الباسطون نحن: قال ابن عباس: نعم ما وَطَّأتُ لعبادي.

( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) , صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض, والشمس والقمر, والليل والنهار, والبر والبحر, والسهل والجبل, والشتاء والصيف, والجن والإنس, والذكر والأنثى, والنور والظلمة, والإيمان والكفر, والسعادة والشقاوة, والحق والباطل, والحلو والمر. ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) , فتعلمون أن خالق الأزواج فرد.

( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ) , فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه, بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله, ( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) .

 

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 )

( كَذَلِكَ ) , أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك, ( مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من قبل كفار مكة, ( مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) .

أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )

قال الله تعالى: ( أَتَوَاصَوْا بِهِ ) , أي: أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضًا بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ, ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) , قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك , ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) , فأعرض عنهم, ( فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) , لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.

قال المفسرون: لما نـزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه, وظنوا أن الوحي قد انقطع, وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم, فأنـزل الله تعالى: ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) , فطابت أنفسهم .

قال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة, فإن الذكرى تنفع من [ سبق ] في علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم.

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) , قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين, يدل عليه قراءة ابن عباس: « وما خلقت الجن والإنس - من المؤمنين - إلا ليعبدون » , ثم قال في أخرى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ( الأعراف- 179 ) .

وقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي, وهذا معنى قول زيد بن أسلم, قال: هو على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة.

وقال علي بن أبي طالب: « إلا ليعبدون » أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي, يؤيده قوله عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا . ( التوبة- 31 ) .

وقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده, دليله: قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ( الزخرف- 87 ) .

وقيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا, ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد, فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله, متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.

وقيل: « إلا ليعبدون » إلا ليوحدوني, فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء, وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء, بيانه قوله عز وجل: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . ( العنكبوت- 65 ) .

مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 )

( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ) , أي: أن يرزقوا أحدًا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم, ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) , أي: أن يطعموا أحدًا من خلقي, وإنما أسند الإطعام إلى نفسه, لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث يقول الله تعالى: « استطعمتك فلم تطعمني » أي: لم تطعم عبدي, ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال:

( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) , يعني: لجميع خلقه, ( ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) , وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة.

( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) , كفروا من أهل مكة, ( ذَنُوبًا ) , نصيبًا من العذاب ( مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) , مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود, وأصل « الذَّنُوب » في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء, ثم استعمل في الحظ والنصيب, ( فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) , بالعذاب يعني أنهم أُخِّروا إلى يوم القيامة.

يدل عليه قوله عز وجل: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) . ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) يعني: يوم القيامة, وقيل: يوم بدر .

 

سورة الطور

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 )

( وَالطُّورِ ) أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة, أقسم الله تعالى به .

( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) مكتوب.

( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) « والرق » : ما يكتب فيه, وهو أديم الصحف, و « المنشور » : المبسوط, واختلفوا في هذا الكتاب, قال الكلبي: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم.

وقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة منشورة, فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. دليله قوله عز وجل: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا , ( الإسراء- 13 ) .

( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) بكثرة الغاشية والأهل, وهو بيت في السماء حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له: الضُّرَاح, حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض, يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدًا .

( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يعني: السماء, نظيره قوله عز وجل: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا . ( الأنبياء- 32 ) .

وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 )

( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال محمد بن كعب القرظي والضحاك: يعني الموقد المحمى بمنـزلة التنور المسجور, وهو قول ابن عباس, وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم, كما قال الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ , ( التكوير- 6 ) وجاء في الحديث عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يركبن رجل بحرًا إلا غازيًا أو معتمرًا أو حاجًا, فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا » .

وقال مجاهد والكلبي: « المسجور » : المملوء, يقال: سجرت الإناء إذا ملأته.

وقال الحسن, وقتادة, وأبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب

وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالمالح.

وروى الضحاك عن النـزال بن سبرة عن عليّ أنه قال في البحر المسجور: هو بحر تحت العرش, غمره كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين, فيه ماء غليظ يقال له: بحر الحيوان. يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحًا فينبتون في قبورهم . هذا قول مقاتل: أقسم الله بهذه الأشياء . ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) نازل كائن.

( مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) مانع قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب, وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ وَالطُّورِ إلى قوله « إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع » , فكأنما صدع قلبي حين سمعته, ولم يكن أسلم يومئذ, قال: فأسلمت خوفًا من نـزول العذاب, وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب .

يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 )

( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) أي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤَ السفينة. قال قتادة: تتحرك. قال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض. وقيل: تضطرب, و « المور » يجمع هذه المعاني, فهو في اللغة: الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب.

( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ) فتزول عن أماكنها وتصير هباءً منثورًا .

( فَوَيْل ) فشدة عذاب, ( يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) يخوضون في الباطل يلعبون غافلين لاهين.

( يَوْمَ يُدَعُّونَ ) يدفعون, ( إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) دفعًا بعنف وجفوة, وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم, ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم, ثم يدفعون بهم إلى النار دفعًا على وجوههم, وزجًّا في أقفيتهم حتى يَرِدُوا النار, فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها:

( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) في الدنيا.

 

أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 18 )

ثم بَيَّنَ أنه متى يقع فقال:

( أَفَسِحْرٌ هَذَا ) وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى السحر, وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر, فَوُبِّخوا به, وقيل لهم: ( أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ) .

( اصْلَوْهَا ) قاسوا شدتها, ( فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ) الصبر والجزع, ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ ) معجبين بذلك ناعمين ( بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) ويقال لهم:

كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 )

( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا ) مأمون العاقبة من التخمة والسقم, ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .

( مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) موضوعة بعضها إلى جنب بعض, ( وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) .

( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ ) قرأ أبو عمرو: « وأتبعناهم » , بقطع الألف على التعظيم, « ذرياتهم » , بالألف وكسر التاء فيهما لقوله: « ألحقنا بهم » « وما ألتناهم » , ليكون الكلام على نسق واحد.

وقرأ الآخرون: « واتبعتهم » بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء الأخيرة.

ثم اختلفوا في « ذريتهم » : قرأ أهل المدينة الأولى بغير ألف وضم التاء, والثانية بالألف وكسر التاء, وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر التاء في الثانية, وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ونصبها في الثانية.

واختلفوا في معنى الآية, فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان, يعني: أولادهم الصغار والكبار, فالكبار بإيمانهم بأنفسهم, والصغار بإيمان آبائهم, فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعًا لأحد الأبوين ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) المؤمنين [ في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم ] تكرمة لآبائهم لتقرَّ بذلك أعينهم. وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.

وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول الضحاك, ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما, أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه, يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه, من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئًا, فذلك قوله: ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ ) قرأ ابن كثير بكسر اللام, والباقون بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء ( مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الحديثي, حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي, حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا عمرو بن مرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل, لتقرَّ بهم عينه » , ثم قرأ: « والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم » , إلى آخر الآية .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري, حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثني عثمان ابن أبي شيبة, حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن عليّ رضي الله عنه قال: سألتْ خديجة رضي الله تعالى عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هما في النار » , فلما رأى الكراهة في وجهها, قال: « لو رأيتِ مكانهما لأبغضتهما » , قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: « في الجنة » ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن المؤمنين وأولادهم في الجنة, وإن المشركين وأولادهم في النار » , ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « والذين آمنوا واتَّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم » .

( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) قال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار, والمؤمن لا يكون مرتهنًا, لقوله عز وجل: « كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ , ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال: »

وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 25 ) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 )

( وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ ) زيادة على ما كان لهم, ( وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) من أنواع اللحمان .

( يَتَنَازَعُون ) يتعاطون ويتناولون, ( فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا ) وهو الباطل, وروي ذلك عن قتادة, وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. وقال القتيـبي: لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا, ( وَلا تَأْثِيمٌ ) أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر. وقيل: لا يأثمون في شربها.

( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) بالخدمة, ( غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ ) في الحسن والبياض والصفاء, ( لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف.

قال عبدالله بن عمر: وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام, وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه .

وروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون, فكيف المخدوم؟ .

وعن قتادة أيضًا قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: « فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » .

( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) يسأل بعضهم بعضًا في الجنة. قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا .

( قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا ) في الدنيا ( مُشْفِقِينَ ) خائفين من العذاب .

فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 )

( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) بالمغفرة, ( وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: « السموم » اسم من أسماء جهنم .

( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ ) في الدنيا, ( نَدْعُوهُ ) نخلص له العبادة, ( إِنَّه ) قرأ أهل المدينة [ والكسائي ] « أنه » بفتح الألف, أي: لأنه أو بأنه, وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف, ( هُوَ الْبَرُّ ) قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد ( الرَّحِيمُ ) .

( فَذَكِّرْ ) يا محمد بالقرآن أهل مكة, ( فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) برحمته وعصمته, ( بِكَاهِنٍ ) تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي, ( وَلا مَجْنُونٍ ) نـزلت في الذين اقتسموا عِقَابَ مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر .

( أَمْ يَقُولُونَ ) بل يقولون, يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين, ( شَاعِرٌ ) أي: هو شاعر, ( نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء, ويتفرق أصحابه وإن أباه مات شابًا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه, و « المنون » يكون بمعنى الدهر, ويكون بمعنى الموت, سُمِّيَا بذلك لأنهما يقطعان الأجل .

( قُلْ تَرَبَّصُوا ) انتظروا بي الموت, ( فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) [ من المنتظرين ] حتى يأتي أمر الله فيكم, فعُذِّبوا يوم بدر بالسيف .

 

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 32 )

( أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ ) عقولهم, ( بِهَذَا ) وذلك أن عظماء قريش كانوا يُوصَفُون بالأحلام والعقول, فأزرى الله بعقولهم حين لم تتميز لهم معرفة الحق من الباطل, ( أَمْ هُمْ ) بل هم ( قَوْمٌ طَاغُونَ ) .

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ( 34 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ( 37 )

( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ) أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه, « والتقول » , تكلف القول, ولا يستعمل إلا في الكذب, ليس الأمر كما زعموا, ( بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ) بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة فقال: ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ ) ,أي: مثل القرآن ونظمه وحسن بيانه, ( إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ) أن محمدًا يقوله من قِبَل نفسه .

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) قال ابن عباس: من غير رَبٍّ, ومعناه: أَخُلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون, لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم, فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق, ( أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) لأنفسهم وذلك في البطلان أشد, لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟

فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقًا فليؤمنوا به, ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي.

وقال الزجَّاج: معناه: أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثًا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون, فهو كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء أي: لغير شيء, أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر؟

( أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْض ) فيكونوا هم الخالقين, ليس الأمر كذلك, ( بَل لا يُوقِنُونَ ) .

( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ ) قال عكرمة: يعني النبوة. قال مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: خزائن المطر والرزق, ( أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) المسلطون الجبارون, قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي, يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين والصاد جميعًا, قرأ ابن عامر بالسين هاهنا وقوله: « بمسيطر » , وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما, وقرأ ابن كثير هاهنا بالسين و « بمصيطر » بالصاد, وقرأ الآخرون بالصاد فيهما.

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 38 ) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 )

( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ) مرقًى ومصعد إلى السماء, ( يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ) أي يستمعون عليه الوحي, كقوله: وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ( طه- 71 ) أي: عليها, معناه: ألهم سُلَّمٌ يرتقون به إلى السماء, فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي, فهم مستمسكون به كذلك؟ ( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ) إن ادعوا ذلك, ( بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) حجة بينة.

( أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون, كقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( الصافات- 149 ) .

( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا ) جُعْلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين, ( فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) أثقلهم ذلك المغرم الذي تسألهم, فمنعهم من ذلك عن الإسلام.

( أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ) أي: علم ما غاب عنهم, حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل.

وقال قتادة: هذا جواب لقولهم: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ , يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ ( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) أي: يحكمون, والكتاب: الحكم, قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: « أقضي بينكما بكتاب الله » أي بحكم الله.

وقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟

( أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ) مكرًا بك ليهلكوك؟ ( فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ) أي: هم المجزيون بكيدهم, يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم, ويحيق مكرهم بهم, وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر.

أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ( 44 ) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ( 45 ) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 46 ) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 47 ) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ( 48 )

( أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ) يرزقهم وينصرهم؟ ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر « أم » كله استفهام وليس بعطف.

( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا ) قطعة, ( مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا ) هذا جواب لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ , يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم, ( يَقُولُوا ) - لمعاندتهم- هذا, ( سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) بعضه على بعض يسقينا.

( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا ) يعاينوا, ( يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ) أي: يموتون, حتى يعاينوا الموت, قرأ ابن عامر وعاصم يصعقون بضم الياء, أي: يهلكون.

( يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) أي: لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع.

( وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) [ كفروا ] ( عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ ) أي: عذابًا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر, وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو عذاب القبر. ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أن العذاب نازل بهم.

( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ) إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم, ( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) أي بمرأىً مِنَّا, قال ابن عباس: نرى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجَّاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك. ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) قال سعيد بن جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك, فإن كان المجلس خيرًا ازددت فيه إحسانًا, وإن كان غير ذلك كان كفارة له .

أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال, أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البَرْوَنْجِرْدي, أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي, حدثنا أحمد بن عبدالله القرشي, حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج, عن موسى بن عقبة, عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من جلس مجلسًا وكثر فيه لَغَطُهُ, فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت, أستغفرك وأتوب إليك, إلا كان كفارة لما بينهما » .

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صَلِّ لله حين تقوم من مقامك .

وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: « سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك » .

أخبرنا أبو عثمان الضبي, أخبرنا أبو محمد الجراحي, حدثنا أبو العباس المحبوبي, حدثنا أبو عيسى الترمذي, حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال: حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال, عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: « سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك » .

وقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة.

أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني, أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي, أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي, حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث, حدثنا محمد بن نافع، حدثنا زيد بن حباب, أخبرني معاوية بن صالح, أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام كَبَّرَ الله عشرًا, وحمد الله عشرا, وسبح الله عشرًا, وهلل عشرًا, واستغفر عشرًا, وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني, ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة « . »

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ( 49 )

( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) أي: صلِّ له, قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء. ( وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) يعني الركعتين قبل صلاة الفجر, وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح, هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هو فريضة صلاة الصبح.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن ابن شهاب, عن محمد بن جبير بن مطعم, عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور .

 

سورة النجم

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ( 1 )

( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ) قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهُويُّه مَغِيبه والعرب تسمي الثريا نجمًا.

وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: « ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رُفع » وأراد بالنجم الثريا.

وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نَجَمَ السِّنُّ والقرنُ والنبتُ: إذا طلع.

وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما تُرمى به الشياطين عند استراقهم السمع.

وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجمًا لأنه نـزل نجومًا متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيمًا، والمفرَّق: مُنَجَّمًا، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي.

« الهُوِّيُّ » : النـزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: « النجم » هو النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( الرحمن- 6 ) ، وهُويُّه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم إذ نـزل من السماء ليلة المعراج، و « الهوي » : النـزول، يقال: هوى يهوي هويًا [ إذا نـزل ] مثل مضى يمضي مضيًا.

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ( 2 ) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ( 4 ) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 ) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ( 7 )

وجواب القسم: قوله: ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ) يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى ( وَمَا غَوَى ) ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه.

( إِنْ هُوَ ) ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن ( إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) أي: وحي من الله يوحى إليه.

( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) جبريل، والقوى جمع القوة.

( ذُو مِرَّةٍ ) قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. ( فَاسْتَوَى ) يعني: جبريل.

( وَهُو ) يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون استوى هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا ( النمل- 67 ) عطف الآباء على المكنى في كُنَّا من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج ( بِالأفُقِ الأعْلَى ) وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: « فاستوى » يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيًا عليه، فنـزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ( 9 )

قوله عز وجل: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) اختلفوا في معناه:

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: « ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى » ؟ قالت: « ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيباني قال: سألت زِرًّا عن قوله: « فكان قاب قوسين أو أدنى » ، قال: أخبرنا عبد الله - يعني ابن مسعود- أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح .

فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض « فتدلى » فنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه « قاب قوسين أو أدنى » ، بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو .

وقال آخرون: ثم دنا الربُّ عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا الجبار ربُّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، « والتدلي » هو النـزول إلى الشيء حتى يقرب منه.

وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه .

وقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.

ومعنى قوله: « قاب قوسين » أي قدر قوسين، و « القاب » و « القيب » و « القاد » و « القيد » : عبارة عن المقدار، و « القوس » : ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوَتَر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.

وقال عبد الله بن مسعود: « قاب قوسين » أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و « القوس » : الذراع يقاس بها كل شيء، « أو أدنى » : بل أقرب.

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ( 10 )

( فَأَوْحَى ) أي: أوحى الله ( إِلَى عَبْدِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل .

قال سعيد بن جبير: أوحى إليه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ( الضحى- 6 ) إلى قوله تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ، ( الشرح- 4 ) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك .

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ( 11 )

( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) قرأ أبو جعفر « ما كذَّب الفؤاد » بتشديد الذال أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زِرٍّ عن عبد الله قال: « ما كذب الفؤاد ما رأى » قال: رأى جبريل له ستمائة جناح .

وقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: « ما كذب الفؤاد ما رأى » . وَلَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرَى قال: رآه بفؤاده مرتين .

وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرؤية .

وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم يَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام:

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، ( الأنعام- 103 ) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ( الشورى- 51 ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ( لقمان- 34 ) ومن حدثك أنه كتم شيئًا فقد كذب، ثم قرأت: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ( المائدة- 67 ) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن [ شقيق ] عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ رَبَّكَ؟ قال: « نورٌ أَنَّى أراه » .

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ( 12 ) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ( 14 )

( أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ) قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: « أفتمرونه » بفتح التاء [ وسكون الميم ] بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريتَ الرجلَ حقَّه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: « أفتمارونه » بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه .

( وَلَقَدْ رَآهُ نـزلَةً أُخْرَى ) يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نـزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.

( عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) وعلى قول ابن عباس معنى: « نـزلة أخرى » هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسأله التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نـزلة، فرأى ربه في بعضها، وروينا عنه: « أنه رأى ربه بفؤاده مرتين » وعنه: « أنه رأى بعينه » قوله: « عند سدرة المنتهى » روينا عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ، قال: فراش من ذهب .

وروينا في حديث المعراج: « ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة » .

« والسدرة » شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق. قال هلال بن [ يساف ] : سأل ابن عباس كعبًا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى، قال: « يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال » .

وقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله تعالى في سورة الرعد .

عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( 15 ) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ( 17 ) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ( 18 )

( عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ) قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء.

( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) قال ابن مسعود: فراش من ذهب.

وروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إليّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة » .

وقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: « رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى » .

( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينًا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا.

( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ، ( الإسراء- 1 ) وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح .

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [ عن عبد الله ] « لقد رأى من آيات ربه الكبرى » ؟ قال: رأى رفرفًا أخضر سَدَّ أُفُقَ السماء .

أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى ( 19 )

قوله عز وجل: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى ) هذه أسماء أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما « اللات » قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده .

وقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: « اللات » بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه .

وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ويجمع رِسْلَها ثم يتخذ منها حيسًا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات .

وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات.

وأما « العزى » : قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها بالفأس ويقول:

يا عزّ كفــرانَك لا سبحـانَك إني رأيت اللــهَ قد أهـانَك

فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها.

ويقال: إن خالدًا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: « تلك العزى ولن تعبد أبدا » .

وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها.

وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.

وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ( 20 )

( وَمَنَاة ) قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن العرب سَمَّتْ زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها .

واختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء.

وأما قوله: ( الثَّالِثَةَ الأخْرَى ) [ فالثالثة ] نعت لمناة، أي: الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: مَآرِبُ أُخْرَى ( طه- 18 ) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة.

ومعنى الآية: أَفَرَأَيْتُمُ : أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك.

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ( 21 ) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ( 23 )

فقال الله تعالى منكرًا عليهم: ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة.

قرأ ابن كثير: « ضئزى » بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز.

قال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزًا، وضاز يضوز ضوزًا، وضاز يُضَاز ضازًا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوًا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.

( إِنْ هِيَ ) ما هذه الأصنام ( إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنـزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ) في قولهم إنها آلهة ( وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ ) وما زين لهم الشيطان ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار.

أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ( 24 ) فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى ( 25 ) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ( 26 )

( أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى ) أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؟

( فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى ) ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى، لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه .

( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ ) يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله ( لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ ) في الشفاعة ( لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: « شفاعتهم » والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: « وكم من ملك » الكثرة، فهو كقوله: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ( الحاقة- 47 ) .

 

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى ( 27 ) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ( 28 ) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 29 ) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ( 30 )

( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأنْثَى ) أي: بتسمية الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله.

( وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ) قال مقاتل: [ معناه ] ما يستيقنون أنهم [ بنات الله ] ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) « والحق » بمعنى العلم، أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: « الحق » بمعنى العذاب، [ أي: أظنهم لا ينقذهم من العذاب شيء ] .

( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا ) يعني القرآن. وقيل: الإيمان ( وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ) .

ثم صغر رأيهم فقال: ( ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) أي: ذلك نهاية علمهم وقدر عقولهم أن آثروا الدنيا على الآخرة.

وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) أي: هو عالم بالفريقين فيجازيهم.

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ( 32 )

( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا ) فاللام في قوله: « ليجزي » متعلق بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا وأشركوا: بما عملوا من الشرك ( وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) وحدوا ربهم: « بالحسنى » بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، ولذلك قال: « ولله ما في السماوات وما في الأرض » .

ثم وصفهم فقال: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ ) اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ ومجاهد، والحسن ] ، ورواية عطاء عن ابن عباس .

قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك .

وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: « إلا اللمم » ، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم .

وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: « إلا اللمم » ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنْ تغفرِ اللهمَّ تغفرْ جَمًّا وأيّ عبدٍ لك لا ألمّا » .

وأصل « اللمم والإلمام » : ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة.

وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنـزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم .

وقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: « إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه » .

ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد: « العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد [ زناها ] البطش، والرجل زناها الخطى » .

وقال الكلبي: « اللمم » على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدًّا في الدنيا ولا عذابًا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه .

وقال سعيد بن المسيب: هو ما لَمَّ على القلب أي خطر .

وقال الحسين بن الفضل: « اللمم » النظرة من غير تعمدٍ، فهو مغفور، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب .

( إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: ( هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ ) أي خلق أباكم آدم من التراب ( وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ ) جمع جنين، سمي جنينًا لاجتنانه في البطن ( فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها .

قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فأنـزل الله تعالى هذه الآية ( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى.

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ( 33 )

قوله عز وجل: ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ) نـزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن الذي عاتبه إن هو [ وافقه ] أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنـزل الله عز وجل « أفرأيت الذي تولى » أدبر عن الإيمان.

وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ( 34 ) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ( 35 ) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ( 36 ) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 )

( وَأَعْطَى ) صاحبه ( قَلِيلا وَأَكْدَى ) بخل بالباقي.

وقال مقاتل: « أعطى » يعني الوليد « قليلا » من الخير بلسانه، ثم « أكدى » : يعني قطعه وأمسك ولم يقم على العطية.

وقال السدي: نـزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور .

وقال محمد بن كعب القرظي نـزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق ، فذلك قوله: « وأعطى قليلا وأكدى » أي لم يؤمن به، ومعنى « أكدى » : يعني قطع، وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل، إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل.

( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ) ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.

( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ ) لم يخبر ( بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ) يعني: أسفار التوراة.

( وَإِبْرَاهِيم ) في صحف إبراهيم عليه السلام ( الَّذِي وَفَّى ) تمم وأكمل ما أمر به.

قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه

قال مجاهد: وَفَّى بما فرض عليه .

قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه .

وقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفَّى سهام الإسلام. وهو قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ( البقرة- 124 ) والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفَّى ميثاق المناسك.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إبراهيم الذي وفى [ صلى ] أربع ركعات أول النهار » .

أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر الشيباني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال: « ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره » .

أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( 38 )

ثم بيَّن ما في صحفهما فقال: ( أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله: « ألا تزر وازرة وزر أخرى » .

وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ( 39 )

( وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) أي: عمل، كقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( الليل- 4 ) وهذا أيضًا في صحف إبراهيم وموسى.

وقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ( الطور- 21 ) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.

وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيًا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: « نعم ولك أجر » .

وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: « نعم » .

وقال الربيع بن أنس: « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى » يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له .

وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير

ويروى أن عبد الله بن أبيّ كان أعطى العباس قميصًا ألبسه إياه، فلما مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه، فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها .

وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ( 41 ) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ( 42 )

( وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) في ميزانه يوم القيامة، [ مأخوذة ] من: أريته الشيء.

( ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى ) الأكمل والأتم أي: يجزى الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر:

إنْ أجزِ علقـمةَ بنَ سعـدٍ سَعْيَـه لـم أجـزِه ببــلاءِ يـومٍ واحـدٍ

فجمع بين اللغتين.

( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ) أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الشيباني أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن محمد المصري، أخبرنا أبو إسحاق ابن منصور الصعدي ، أخبرنا العباس بن زفر، عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « وأن إلى ربك المنتهى » ، قال: « لا فكرة في الرب » ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق » فإنه لا تحيط به الفكرة.

وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ( 44 )

( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ) فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.

قال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - .

وقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل .

( وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ) أي: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.

 

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ( 45 ) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ( 46 ) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ( 47 )

( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) من كل حيوان.

( مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) أي: تصب في الرحم، يقال: منى الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقال آخرون: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته.

( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة.

وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ( 48 ) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى ( 50 )

( وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ) قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال وأقنى أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية.

قال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم.

وقال قتادة والحسن: « أقنى » : أخدم.

وقال ابن عباس: « أغنى وأقنى » : أعطى فأرضى.

قال مجاهد ومقاتل: « أقنى » : أرضى بما أعطى وقنع.

وقال ابن زيد: « أغنى » : أكثر « وأقنى » : أقل وقرأ: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ، ( الإسراء- 30 ) وقال الأخفش: « أقنى » : أفقر. وقال ابن كيسان: أولد .

( وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ) وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعريان، يقال لإحداهما العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك لأنها أخفى من الأخرى، والمجرة بينهما. وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضًا والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى .

( وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى ) قرأ أهل المدينة والبصرة بلام مشددة بعد الدال، ويهمز وَاوَه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنا، تريد: قم الآن، ويكون الوقف عند « عادا » ، والابتداء « أولى » ، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها لام مضمومة، [ ويجوز الابتداء: لولى ] بحذف الهمزة المفتوحة.

وقرأ الآخرون: « عادًا الأولى » ، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، فكان لهم عقب، فكانوا عادًا الأخرى.

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ( 52 ) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ( 53 ) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ( 55 ) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى ( 56 ) أَزِفَتِ الآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ( 58 ) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ( 60 )

( وَثَمُودَ ) قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة ( فَمَا أَبْقَى ) منهم أحدًا.

( وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ ) أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود ( إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ) لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب.

( وَالْمُؤْتَفِكَةَ ) قرى قوم لوط ( أَهْوَى ) أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى السماء.

( فَغَشَّاهَا ) ألبسها الله ( مَا غَشَّى ) يعني: الحجارة المنضودة المسومة.

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ ) نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة ( تَتَمَارَى ) تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب.

( هَذَا نَذِيرٌ ) يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم ( مِنَ النُّذُرِ الأولَى ) أي: رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة: يقول: أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله.

( أَزِفَتِ الآزِفَةُ ) دنت القيامة واقتربت الساعة.

( لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ) أي: مظهرة مقيمة كقوله تعالى: لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ، ( الأعراف- 187 ) والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس كاشفة. ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره.

وقيل: معناه: ليس لها راد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك.

( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ) يعني القرآن ( تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ ) يعني: استهزاء ( وَلا تَبْكُونَ ) مما فيه من الوعيد.

وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ( 61 ) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ( 62 )

( وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ) لاهون غافلون، و « السمود » : الغفلة عن الشيء واللهو، يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا . وقال الضحاك: أشِرُون بَطِرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. فقيل له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض .

( فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ) أي: واعبدوه.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة أنـزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف .

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ابن أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم « والنجم » فلم يسجد فيها .

قلت : فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد.

وذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.

 

سورة القمر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 )

( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) دنت القيامة ( وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما .

وقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اشهدوا » .

وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك .

وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: [ انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السُّفّار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنـزل الله عز وجل: « اقتربت الساعة وانشق القمر » .

وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 )

( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة. وقال أبو العالية [ والضحاك ] : « مستمر » أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صَلُبَ واشتدَّ وأمررته إذا أحكمت فَتْله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم .

( وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل. ( وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ) قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، [ والشر مستقر بأهل الشر ] .

وقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار .

وقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة.

وقرأ أبو جعفر « مستقر » بكسر الراء، ولا وجه له .

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 )

( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ ) يعني: أهل مكة ( مِنَ الأنْبَاءِ ) أخبار الأمم المكذبة في القرآن ( مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ) [ متناهي ] ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا.

( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ) يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية ( فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ) يجوز أن تكون « ما » نفيًا على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهامًا والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( يونس - 101 ) و « النذر » : جمع نذير.

( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) أعرض عنهم نسختها آية القتال . قيل: ها هنا وقف تام. وقيل: ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِ ) أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس ( إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ) [ منكر ] فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظامًا، قرأ ابن كثير: « نكر » بسكون الكاف، والآخرون بضمها.

 

خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 )

( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: « خاشعا » على الواحد، وقرأ الآخرون: « خشعا » - بضم الخاء وتشديد الشين - على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم، وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر:

ورجــالٍ حسَـنٍ أوجُهُـهُم من إيادِ بنِ نــزارِ بنِ مَعَـد .

وفي قراءة عبد الله : « خاشعة أبصارهم » أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب .

( يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ ) من القبور ( كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) مُنْبَثّ حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيرها: كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ، ( القارعة - 4 ) وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض.

مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 ) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ( 13 )

( مُهْطِعِينَ ) مسرعين مقبلين ( إِلَى الدَّاعِي ) إلى صوت إسرافيل ( يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) يوم صعب شديد.

قوله عز وجل: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ ) أي: قبل أهل مكة ( قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا ) نوحًاُ ( وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ( الشعراء - 116 ) وقال مجاهد: معنى: ازدجر أي: استطير جنونًا.

( فَدَعَا ) نوح ( رَبَّه ) وقال ( أَنِّي مَغْلُوبٌ ) مقهور ( فَانْتَصِرْ ) فانتقم لي منهم.

( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) مُنْصَبّ انصبابًا شديدًا، لم ينقطع أربعين يومًا، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض.

( وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ ) يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: « فالتقى الماء » والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعدًا؛ لأن الماء يكون جمعًا وواحدًا. وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. ( عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) أي: قضى عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر.

( وَحَمَلْنَاهُ ) يعني: نوحًا ( عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة ( وَدُسُرٍ ) أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دِسَارٌ ودسيرٌ، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدُّسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها. وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها.

تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 )

( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم للمودَّع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا ( جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) [ قال مقاتل بن حيان ] : يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابًا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: « مَنْ » بمعنى ما أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما [ صنع ] بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: « جزاء لمن كان كَفَرَ » بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاءً لمن كان كفر بالله وكذب رسوله.

( وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا ) يعني: [ الفعلة التي ] فعلنا ( آيَةً ) يُعْتَبَر بها. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله [ بباقر دي ] من أرض الجزيرة. عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: « فهل من مدكر » أو مذكر؟ قال: سمعت عبد الله يقرؤها « فهل من مدكر » ، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها: « فهل من مدكر » دالا .

( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارًا ونذرًا، كقولهم أنفقت إنفاقًا ونفقةً، وأيقنت إيقانًا ويقينًا، أقيم الاسم مقام المصدر.

( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ) سهلنا ( الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن « فهل من مدكر » ، متعظ بمواعظه.

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 )

( كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) شديدة الهبوب ( فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ) شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يُبْقِ منهم أحدًا إلا أهلكه. قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.

( تَنـزعُ النَّاسَ ) تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت تنـزع الناس من قبورهم ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ ) قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. ( منقعر ) [ منقطع ] من مكانه ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد وإنما قال: « أعجاز نخل » وهي أصولها التي قطعت فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسادهم بلا رؤوس.

( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ) بالإنذار الذي جاءهم به صالح.

( فَقَالُوا أَبَشَرًا ) آدميًا ( مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ ) ونحن جماعة كثيرة وهو واحد ( إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ ) خطأ وذهاب عن الصواب ( وَسُعُر ) قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذًا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. قال سفيان ابن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسُعُر: أي: بعد عن الحق.

( أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْه ) أأنـزل الذكر الوحي ( مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، « والأشر » : المرح والتجبُّر.

سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ( 26 ) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 )

( سَيَعْلَمُونَ ) قرأ ابن عامر وحمزة: « ستعلمون » بالتاء على معنى قال صالح لهم، وقرأ الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: ( سَيَعْلَمُونَ غَدًا ) حين ينـزل بهم العذاب. وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر « الغد » للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غدًا ( مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ ) .

( إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ ) أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله تعالى: ( إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ ) محنة واختبارًا لهم ( فَارْتَقِبْهُمْ ) فانتظر ما هم صانعون ( وَاصْطَبِرْ ) واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من الأذى.

 

وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 ) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ( 29 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 30 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ( 31 )

( وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) وبين الناقة يوم لها ويوم لهم، وإنما قال بينهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غَلَّبت بني آدم على البهائم ( كُلُّ شِرْبٍ ) نصيب من الماء ( مُحْتَضَرٌ ) يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يومها حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن.

( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ) وهو قدار بن سالف ( فَتَعَاطَى ) فتناول الناقة بسيفه ( فَعَقَرَ ) أي: فعقرها.

( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) ثم بين عذابهم فقال:

( إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ) قال عطاء: يريد صيحة جبريل عليه السلام ( فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجرة والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم .

وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح . والمعنى: أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطبًا فيبس: هشيمًا.

وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة . وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط .

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ( 33 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 ) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ( 37 )

( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا ) ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى وقال الضحاك: يعني صغار الحصى. وقيل: « الحصباء » هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب الرامي فيكون المعنى على هذا: أرسلنا عليهم عذابًا يحصبهم أي: يرميهم بالحجارة، ثم استثنى فقال: ( إِلا آلَ لُوطٍ ) يعني لوطًا وابنتيه ( نَجَّيْنَاهُمْ ) من العذاب ( بِسَحَرٍ ) .

( نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ) أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم ( كَذَلِك ) كما أنعمنا على آل لوط ( نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) قال مقاتل: من وَحَّدَ الله لم يعذبه مع المشركين.

( وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ ) لوط ( بَطْشَتَنَا ) أخذنا إياهم بالعقوبة ( فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) شكوا بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا.

( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ ) طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل [ للوط ] : خَلِّ بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميًا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميًا لا يبصرون. قوله: « فطمسنا أعينهم » أي: صيرناها كسائر الوجه لا يُرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا. ( فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ) أي: [ ما أنذركم ] به لوط من العذاب.

وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 ) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ( 39 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 )

( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ) جاءهم وقت الصبح ( عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ) دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق.

( فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ) يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي أنذرهم بها موسى.

( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا ) وهي الآيات التسع ( فَأَخَذْنَاهُمْ ) بالعذاب ( أَخْذَ عَزِيزٍ ) غالب في انتقامه ( مُقْتَدِر ) قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خَوَّف أهل مكة فقال:

( أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي: ليسوا بأقوى منهم ( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ ) العذاب ( فِي الزُّبُرِ ) في الكتب، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.

( أَمْ يَقُولُونَ ) يعني: كفار مكة ( نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) قال الكلبي: نحن جميع أمرنا [ منتصر ] من أعدائنا المعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي.

قال الله تعالى: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ) قرأ يعقوب: « سنهزم » بالنون « الجمع » نصبٌ وقرأ الآخرون بالياء وضمها، « الجمع » رفع على غير تسمية الفاعل، يعني: كفار مكة ( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) يعني: الأدبار فَوَحَّد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته يوم بدر: « اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم » ، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك - وهو في الدرع - فخرج وهو يقول: « سيهزم الجمع ويولون الدبر » .

بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ( 46 ) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 )

( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نـزلت: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ جميعًا « والساعة أدهى وأمر » أعظم داهيةً وأشدُّ مرارةً من الأسر والقتل يوم بدر.

( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ) المشركين ( فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) قيل: « في ضلال » بعد عن الحق. قال الضحاك: « وسعر » أي: نار تسعر عليهم: وقيل: « ضلال » ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، « وسعر » : نار مسعرة، قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب .

ثم بين عذابهم فقال: ( يَوْمَ يُسْحَبُونَ ) يجرون ( فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) ويقال لهم ( ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) .

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( 49 )

( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له.

أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي، أخبرنا أبو [ معشر ] يعقوب بن عبد الجليل بن يعقوب، حدثنا أبو يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنـزلت هذه الآية: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ إلى قوله: « إنا كل شيء خلقناه بقدر » .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبد الرحمن [ الحبلى ] عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء » .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس اليماني قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: « كل شيء بقدر الله » ، قال: وسمعت عبد الله بن [ عمر ] رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز » .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيبابي، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أخبرنا يعلى بن عبيد، [ وعبيد الله ] بن موسى وأبو نعيم عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر - زاد [ عبيد الله ] : خيره وشره » .

ورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن عليّ ولم يقل: عن رجل، وهذا أصح .

 

وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 )

( وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) ( وَاحِدَةٌ ) . يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة

وقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.

( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ) أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة.

( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.

( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ ) يعني فعله الأشياع من خير وشر ( فِي الزُّبُرِ ) في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ .

( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ) من الخلق وأعمالهم وآجالهم ( مُسْتَطَرٌ ) مكتوب، يقال: سطرت واستطرت وكتبت واكتتبت.

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 )

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ) بساتين ( وَنَهَرٍ ) أي أنهار، ووحَّده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج « ونُهُر » ، بضمتين جمع نهار يعني: نهارًا لا ليل لهم.

( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ) في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم ( عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) ملك قادر لا يعجزه شيء. قال [ جعفر ] الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يُقْعِد، فيه إلا أهل الصدق.

 

سورة الرحمن

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

الرَّحْمَنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الإِنْسَانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( 4 )

( الرَّحْمَنُ ) قيل: نـزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ . وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعمله بشر .

( عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) قال الكلبي: علم القرآن محمدا. وقيل: ( عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) يسره للذكر.

( خَلَقَ الإِنْسَانَ ) يعني آدم عليه السلام, قاله ابن عباس وقتادة. ( عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) أسماء كل شيء، وقيل :علمه اللغات كلها, وكان آدم يتكلم بسبعمائة [ ألف ] لغة أفضلها العربية.

وقال الآخرون: ( الإِنْسَانَ ) اسم جنس, وأراد به جميع الناس « علمه البيان » النطق والكتابة والفهم والإفهام, حتى عرف ما يقول وما يقال له. هذا قول أبي العالية وابن زيد والحسن.

وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به.

وقال ابن كيسان: ( خَلَقَ الإِنْسَانَ ) يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم « علمه البيان » يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين [ عن ] الأولين والآخرين وعن يوم الدين.

الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( 6 ) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 7 ) أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ( 9 ) وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ( 10 ) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ ( 11 )

( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) , قال مجاهد: كحسبان الرحى. وقال غيره :أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها, قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئًا. وقال الضحاك: يجريان بقدر, والحسبان يكون مصدر حسبت حسابًا وحسبانًا, مثل الغفران والكفران, والرجحان والنقصان, وقد يكون جمع الحساب كالشبهان والركبان.

( وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) , النجم ما ليس له ساق من النبات , والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال : يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ( النحل- 48 ) قال مجاهد: النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه.

( وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ) , فوق الأرض, ( وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ) , قال مجاهد: أراد بالميزان العدل . المعنى: أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: ( أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ) , أي لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف, وأصل الوزن التقدير ( أَلا تَطْغَوْا ) يعني لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان.

( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ ) , بالعدل, وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل. قال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب, ( وَلا تُخْسِرُوا ) , ولا تنقصوا ( الْمِيزَانَ ) , ولا تطففوا في الكيل والوزن.

( وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ) , للخلق الذين بثهم فيها .

( فِيهَا فَاكِهَةٌ ) , يعني: أنواع الفواكه, قال ابن كيسان: يعني ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى, ( وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ ) , الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق, واحدها كِمٌ, وكل ما ستر شيئًا فهو كم وكمة, ومنه كم القميص, ويقال للقلنسوة كُمَّةٌ, قال الضحاك: « ذات الأكمام » أي ذات الغلف. وقال الحسن: أكمامها: لفيفها. [ وقال ابن زيد: هو الطلع قبل أن ينشق ] .

وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 13 )

( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ) , أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في الأرض قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن كيسان: ( الْعَصْفِ ) ورق كل شيء يخرج منه الحب, يبدو أولا ورقًا وهو العصف ثم يكون سوقًا, ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب .وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو التبن. وهو قول الضحاك وقتادة. وقال عطية عنه :هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس, نظيره: كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( الفيل- 5 ) .

( وَالرَّيْحَانُ ) , هو الرزق في قول الأكثرين, قال ابن عباس: كل ريحان في القرآن فهو رزق. وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم, قال الضحاك: ( الْعَصْفِ ) :هو التبن. و « الريحان » ثمرته.

وقراءة العامة: ( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ) , كلها مرفوعات بالرد على الفاكهة. وقرأ ابن عامر ( وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ) بنصب الباء والنون وذا بالألف على معنى: خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء. وقرأ حمزة والكسائي ( وَالرَّيْحَانُ ) بالجر عطفًا على العصف فذكر قوت الناس والأنعام, ثم خاطب الجن والإنس فقال:

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) , أيها الثقلان, يريد من هذه الأشياء المذكورة. وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرًا للنعمة وتأكيدًا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع, يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها, كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا؟ فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرًا.

وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله تعالى: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ ( ق- 24 ) .

وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها, ثم قال : « ما لي أراكم سكوتًا لَلْجِنّ، [ كانوا ] أحسن منكم ردًا, ما قرأت عليهم هذه الآية مرة » فبأي آلاء ربكما تكذبان « إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب, فلك الحمد » .

خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 16 )

( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) .

( وَخَلَقَ الْجَانَّ ) وهو أبو الجن. وقال الضحاك: هو إبليس, ( مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه. قال مجاهد: وهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت, من قولهم: مرج أمر القوم, إذا اختلط. ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )

 

رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( 19 ) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 21 )

( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ) مشرق الصيف ومشرق الشتاء . ( وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) مغرب الصيف ومغرب الشتاء. ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) العذب والمالح أرسلهما وخلاهما ( يَلْتَقِيَانِ ) .

( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ ) حاجز من قدرة الله تعالى , ( لا يَبْغِيَانِ ) لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه .وقال قتادة: لا يطغيان على الناس بالغرق . وقال الحسن: ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ) بحر الروم وبحر الهند, وأنتم الحاجز بينهما. وعن قتادة أيضًا: بحر فارس وبحر الروم بينهما برزخ يعني الجزائر. قال مجاهد والضحاك: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 26 ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 28 )

( يَخْرُجُ مِنْهُمَا ) قرأ أهل المدينة والبصرة: ( يُخْرَجُ ) بضم الياء وفتح الراء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء, ( اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) وإنما يخرج من المالح دون العذب وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل, كما قال عز وجل: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ( الأنعام - 130 ) . وكانت الرسل من الإنس دون الجن. وقال بعضهم يخرج من ماء السماء وماء البحر. قال ابن جريج: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة، واللؤلؤة: ما عظم من الدر, والمرجان: صغارها. وقال مقاتل ومجاهد على الضد من هذا. وقيل: « المرجان » الخرز الأحمر. وقال عطاء الخراساني: هو اليسر . ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( وَلَهُ الْجَوَارِ ) السفن الكبار , ( الْمُنْشَآتُ ) قرأ حمزة وأبو بكر: « المنشِئات » بكسر الشين , أي: المنشئات للسير [ يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير ] . وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات , وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض . وقيل: هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشئات. وقيل المخلوقات المسخرات, ( فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ) كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل, شبه السفن في البحر, بالجبال في البر ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا ) أي على الأرض من حيوان فإنه هالك ( فَانٍ ) .

( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ ) , ذو العظمة والكبرياء ( وَالإِكْرَامِ ) , أي مكرم أنبيائه وأوليائه بلطفه مع جلاله وعظمته . ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 )

( يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) , من ملك وإنس وجن. وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض. قال ابن عباس: فأهل السموات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرحمة [ والرزق والتوبة والمغفرة ] وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأله الملائكة أيضًا لهم الرزق والمغفرة .

( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) , قال مقاتل: نـزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا .

قال المفسرون: من شأنه أن يحيي ويميت, ويرزق, ويعز قومًا, ويذل قومًا, ويشفي مريضًا, ويفك عانيًا ويفرج مكروبًا, ويجيب داعيًا, ويعطي سائلا ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي - إملاء- أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى البزاز, أخبرنا يحيى بن الربيع المكي, أخبرنا سفيان بن عيينة, أخبرنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن مما خلق الله عز وجل لوحًا من درة بيضاء, دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة, يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله: « كل يوم هو في شأن » .

قال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة, فالشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا: الإخبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة, والإعطاء والمنع, وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب, والثواب والعقاب .

وقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر, عسكرًا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات, وعسكرًا من الأرحام إلى الدنيا, وعسكرًا من الدنيا إلى القبور, ثم يرتحلون جميعًا إلى الله عز وجل.

قال الحسين بن الفضل: هو سَوْقُ المقادير إلى المواقيت . وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية: كل يوم له إلى العبيد بر جديد .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 30 ) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 32 ) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ( 33 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ ) , قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ بالياء لقوله: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ , وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ وَلَهُ الْجَوَارِ فأتبع الخبر .

وقرأ الآخرون بالنون, وليس المراد منه الفراغ عن شغل, لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولكنه وعيد من الله تعالى [ للخلق ] بالمحاسبة, كقول القائل: لأتفرغن لك, وما به شغل, وهذا قول ابن عباس والضحاك وإنما حسن هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن.

وقال آخرون: معناه: سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم, كقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغتَ لي. وقال بعضهم: إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم، فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، فيتمَّ ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل.

( أَيُّهَا الثَّقَلانِ ) , أي الجن والإنس, سميا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتًا، قال الله تعالى: وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا , ( الزلزلة- 2 ) وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل, قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي » فجعلهما ثقلين إعظامًا لقدرهما.

وقال جعفر بن محمد الصادق: سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا ) , أي تجوزوا وتخرجوا, ( مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي من جوانبهما وأطرافهما, ( فَانْفُذُوا ) معناه إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض: فاهربوا واخرجوا منها. [ والمعنى ] حيثما كنتم أدرككم الموت, كما قال جل ذكره: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ , ( النساء- 78 ) وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا, ( لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) أي: بملك, وقيل بحجة, والسلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر, فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان, يريد حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني. وروي عن ابن عباس قال: معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله عز وجل . وقيل قوله: « إلا بسلطان » أي إلا إلى سلطان كقوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ( يوسف- 100 ) أي إليّ .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ( 35 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ، وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا الآية فذلك قوله عز وجل:

( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ ) , قرأ ابن كثير: بكسر الشين والآخرون بضمها , وهما لغتان, مثل صوار من البقر وصوار. وهو اللهيب الذي لا دخان فيه هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد هو اللهب الأخضر المنقطع من النار, ( وَنُحَاسٌ ) , قرأ ابن كثير وأبو عمرو « ونحاس » بجر السين عطفًا على النار, وقرأ الباقون برفعها عطفًا على الشواظ.

قال سعيد بن جبير والكلبي: « النحاس » : الدخان وهو رواية عطاء عن ابن عباس.

ومعنى الرفع يرسل عليكما شواظ, ويرسل نحاس, أي يرسل هذا مرة وهذا مرة, ويجوز أن يرسلا معًا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر, ومن كسر بالعطف على النار يكون ضعيفًا؛ لأنه لا يكون شواظ من نحاس, فيجوز أن يكون تقديره: شواظ من نار وشيء من نحاس, على أنه حكي أن الشواظ لا يكون من النار والدخان جميعًا.

قال مجاهد وقتادة: النحاس هو الصُّفْر المذاب يصب على رؤوسهم, وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وقال عبد الله بن مسعود: هو المهل.

( فَلا تَنْتَصِرَانِ ) , أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون لكم ناصر منه.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 36 ) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( فَإِذَا انْشَقَّتِ ) , [ انفرجت ] ( السَّمَاءُ ) , فصارت أبوابًا لنـزول الملائكة ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) , أي كلون الفرس الورد, وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة, قال قتادة: إنها اليوم خضراء, ويكون لها يومئذ لون آخر يضرب إلى الحمرة.

وقيل: إنها تتلون ألوانًا يومئذ كلون الفرس الورد يكون في الربيع أصفر وفي أول الشتاء أحمر فإذا اشتد الشتاء كان أغبر فشبه السماء في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه.

( كَالدِّهَانِ ) , جمع دهن. شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل, وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه, وهو قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع.

وقال عطاء بن أبي رباح: ( كَالدِّهَانِ ) كعصير الزيت يتلون في الساعة ألوانًا.

وقال مقاتل: كدهن الورد الصافي. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم.

وقال الكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه أدهنة ودهن ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) . ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ) , قال الحسن وقتادة: لا يسئلون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم، لأن الله عز وجل علمها منهم, وكتبت الملائكة عليهم, وهي رواية العوفي عن ابن عباس .

وعنه أيضًا: لا تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. دليله: ما بعده, وهذا قول مجاهد .

وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ , ( الحجر - 92 ) , قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم, ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟

وعن عكرمة أنه قال: إنها مواطن, يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.

وعن ابن عباس أيضًا: لا يسألون سؤال شفقة ورحمة وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.

وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 40 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )

 

يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ( 41 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 42 ) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 45 )

( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) , وهو سواد الوجوه وزرقة العيون, كما قال جل ذكره: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ , ( آل عمران- 106 ) ( فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ) , تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار, ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

ثم يقال لهم: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) المشركون ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قد انتهى حره. قال الزجَّاج: أَنَى يأنى فهو آن إذا انتهى في النضج, والمعنى: أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل, وهو قوله وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ , ( الكهف- 29 ) وقال كعب الأحبار: ( آنٍ ) واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تنخلع أوصالهم, ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقًا جديدًا فيلقون في النار وذلك قوله: ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) .

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ إلى ههنا مواعظ وزواجر وتخويف. وكل ذلك نعمة من الله تعالى , لأنها تزجر عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 47 )

ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه فقال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ) أي: مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية والشهوة. وقيل: قيام ربه عليه, بيانه قوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ( الرعد- 33 ) , وقال إبراهيم ومجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من مخافة الله . ( جَنَّتَانِ ) , قال مقاتل: جنة عدن وجنة نعيم . قال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه ربه وجنة لتركه شهوته .

قال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعلمه ما عرض له من محرم تركه من خشية الله وما عمل من خير أفضى به إلى الله , لا يحب أن يطلع عليه أحد .

وقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا بالليل والنهار .

أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي, أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي, حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يونس, أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني, وأخبرنا محمد بن عبيد الهمداني, أخبرنا هاشم بن القاسم عن أبي عقيل هو الثقفي عن يزيد بن سنان سمعت [ بكير ] بن فيروز قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنـزل, ألا إن سلعة الله غالية, ألا إن سلعة الله الجنة » .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي, أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني, أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري, أخبرنا أحمد بن علي الكشمهيني, أخبرنا علي بن حجر, أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن عبد العزي عن عطاء بن يسار, عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولمن خاف مقام ربه جنتان « فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » ولمن خاف مقام ربه جنتان « . فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: » وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء « ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) . »

ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( 48 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 49 ) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ( 50 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 51 ) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ( 52 )

ثم وصف الجنتين فقال:

( ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) , أغصان, واحدها فنن, وهو الغصن المستقيم طولا. وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي. وقال عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. قال الحسن: ذواتا ظلال. قال ابن عباس: ألوان. قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان الفاكهة, واحدها فَن من قولهم أفنن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه وضروب. وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. وقال قتادة: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ) , قال ابن عباس: بالكرامة والزيادة على أهل الجنة. قال الحسن: تجريان بالماء الزلال, إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ) صنفان ونوعان قيل: معناه: إن فيهما من كل ما يتفكه به ضربين رطبًا ويابسًا. قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 53 ) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ( 54 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 55 ) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ ) , جمع فراش, ( بَطَائِنُهَا ) , جمع بطانة, وهي التي تحت الظهارة. وقال الزجَّاج: وهي مما يلي الأرض. ( مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) وهو ما غلظ من الديباج. قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر ؟ وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق, فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله عز وجل: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة - 17 ) وعنه أيضًا قال: بطائنها من إستبرق فظواهرها من نور جامد . وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر .

( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) , الجنى ما يجتنى من الثمار, يريد: ثمرها دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله, إن شاء قائمًا وإن شاء قاعدًا . قال قتادة: لا يردُّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك. ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .

( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) غاضات الأعين, قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. ولا يردن غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك, فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك . ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ) لم يجامعهن ولم [ يفترعهن ] وأصله من الطمث, وهو الدم ومنه قيل للحائض: طامث, كأنه قال: لم تدمهن بالجماع, ( إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) , قال الزجَّاج: فيه دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي. قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه .

قال مقاتل في قوله: ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) , لأنهن خلقن في الجنة. فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة.

وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يُمْسَسْنَ منذ أنشئن خَلْقًا, وهو قول الكلبي يعني: لم يجامعن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان .

وقرأ طلحة بن مصرف: « لا يطمثهن » بضم الميم فيهما.

وقرأ الكسائي إحداهما بالضم, فإن كسر الأولى ضم الثانية وإن ضم الأولى كسر الثانية, لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب عليّ رضي الله عنه فأسمعهم يقرؤون: لم يطمثهن بالرفع, وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله بن مسعود فأسمعهم يقرؤون بكسر الميم, وكان الكسائي يضم إحداهما ويكسر الأخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 57 ) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ( 58 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ) , قال قتادة: صفاء الياقوت في بياض المرجان.

وروينا عن أبي سعيد في صفة أهل الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة, يرى مخ سوقهن دون لحمهما ودمائهما وجلدهما » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا أبو اليمان، أنا شعيب, أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين على إثرهم كأشد كوكب إضاءة, قلوبهم على قلب رجل واحد, لا اختلاف بينهم ولا تباغض, لكل امرىء منهم زوجتان كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحُسْن, يسبحون الله بكرة وعشيًا لا يسقمون ولا يبولون ولا يتغوطون, ولا يتفلون, ولا يتمخطون, آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب, ووقود مجامرهم الألوة، ورشحهم المسك » .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين, أخبرنا هارون بن محمد بن هارون, أخبرنا حازم بن يحيى الحلواني, أخبرنا سهيل بن عثمان العسكري, أخبرنا عبيدة بن حميد, عن عطاء بن السائب, عن عمرو بن ميمون عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن المرأة من أهل الجنة لَيُرَى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير, ومخها, إن الله تعالى يقول: كأنهن الياقوت والمرجان, فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه » .

وقال عمرو بن ميمون: « إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء » .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 59 ) هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ( 60 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ) ,أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟ .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرني ابن فنجويه, أخبرنا [ ابن شيبة ] ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام, أخبرنا الحجاج بن يوسف المكتب, أخبرنا بشر بن الحسين, عن الزبير بن عدي, عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هل جزاء الإحسان إلا الإحسان » ثم قال: [ هل تدرون ما قال ربكم؟ « قالوا: الله ورسوله أعلم ] قال: » يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة « . »

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 61 ) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ( 62 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) , أي من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: من دونهما في الدرج. وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل. وقال أبو موسى الأشعري: جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين. وقال ابن جريج: هن أربع جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل من فاكهة زوجان، وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ .

أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, أخبرنا علي بن عبد الله, أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد, عن أبي عمران, عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس, عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما, وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما, وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن » .

وقال الكسائي: « ومن دونهما جنتان » أي أمامهما وقبلهما, يدل عليه قول الضحاك: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت.

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 63 ) مُدْهَامَّتَانِ ( 64 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 65 ) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ( 66 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 67 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( مُدْهَامَّتَانِ ) , ناعمتان سوداوان من ريهما وشدة خضرتهما, لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد, يقال: إدهام الزرع إذا علاه السواد ريًا ادهيمامًا فهو مدهام.

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ) , فوارتان بالماء لا تنقطعان. « والنضخ » : فوران الماء من العين, قال ابن عباس: تنضخان بالخير والبركة على أهل الجنة ، وقال ابن مسعود: تنضخان بالمسك والكافور على أولياء الله . وقال أنس بن مالك: تنضخان بالمسك والعنبر في دور أهل الجنة كطش المطر . ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )

 

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 )

( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) , قال بعضهم: ليس النخل والرمان من الفاكهة والعامة على أنها من الفاكهة, وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل ، كما قال تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ( البقرة- 98 ) .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة, أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث, أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي, أخبرنا عبد الله بن محمود, أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال, أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان, عن حماد, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر, وورقها ذهب أحمر, وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم وحللهم, وثمرها أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 69 ) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ( 70 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 71 ) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ( 72 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 73 ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 75 ) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ( 76 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) فِيهِنَّ , يعني في الجنات الأربع , ( خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ) روى الحسن عن أبيه عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن قوله: ( خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ) , قال: « خيرات الأخلاق حسان الوجوه » .

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( حُورٌ مَقْصُورَاتٌ ) محبوسات مستورات في الحجال, يقال: امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة مستورة لا تخرج. وقال مجاهد: يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين لهم بدلا.

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى [ أهل ] الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأت ما بينهما ريحًا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها » .

( فِي الْخِيَامِ ) جمع خيمة, أخبرنا عبد الواحد المليحي, أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي, أخبرنا محمد بن يوسف, حدثنا محمد بن إسماعيل, حدثنا محمد بن المثنى, أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد, أخبرنا عمران الجوني, عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس, عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة, عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن » .

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ ) , قال سعيد بن جبير: « الرفرف » : رياض الجنة. « خضر » : مخضبة. ويروى ذلك عن ابن عباس, واحدتها رفرفة, وقال: الرفارف جمع الجمع. وقيل: « الرفرف » : البسط, وهو قول الحسن ومقاتل والقرظي وروى العوفي عن ابن عباس: « الرفرف » : فضول المجالس والبسط.

وقال الضحاك وقتادة: هي مجالس خضر فوق الفرش. وقال ابن كيسان: هي المرافق. وقال ابن عيينة الزرابي. وقال غيره: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف.

( وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ) هي الزرابي والطنافس الثخان, وهي جُمْعٌ, واحدتها عبقرية, وقال قتادة: « العبقري » عتاق الزرابي, وقال أبو العالية: هي الطنافس المخملة إلى الرقة. وقال القتيـبي: كل ثوب موشَّى عند العرب: عبقري.

وقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.

قال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب: عبقريٌّ, ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: « فلم أر عبقريًا يفري فريه » .

فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 77 ) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ( 78 )

( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ) قرأ أهل الشام ذُو الْجَلالِ بالواو وكذلك هو في مصاحفهم إجراء على الاسم.

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني, أخبرنا أبو محمد بن محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي, أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم, حدثنا أبو بكر الجوربذي, أخبرنا أحمد بن حرب, أخبرنا أبو معاوية الضرير عن عاصمٍ عن عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سَلَّمَ من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول: « اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام » .

 

سورة الواقعة

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 1 ) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ( 2 ) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ( 3 ) إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ( 5 )

( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) إذا قامت القيامة. وقيل: إذا نـزلت صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة .

( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا ) لمجيئها ( كَاذِبَةٌ ) كذب كقوله: لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ( الغاشية - 11 ) أي: لغو يعني أنها تقع صدقًا وحقًا. و « الكاذبة » اسم كالعافية والنازلة.

( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) تخفض أقواما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة. وقال عطاء عن ابن عباس: تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع أقواما كانوا في الدنيا مستضعفين .

( إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ) حركت وزلزلت زلزالا قال الكلبي: إن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقًا. قال المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها وأصل « الرج » في اللغة: التحريك يقال: رججته فارتج.

( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ) [ قال عطاء ومقاتل ومجاهد ] فتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا. وقال الكلبي: سيرت على وجه الأرض تسييرا. قال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت نظيرها: فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ( طه - 105 ) قال ابن كيسان جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.

فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ( 6 ) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ( 7 ) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 )

( فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ) غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء .

( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ) أصنافا ( ثَلاثَةً ) , ثم فسرها فقال:

( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله تعالى لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي . وقال الضحاك: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم وكانت أعمارهم في طاعة الله وهم التابعون بإحسان ثم عجب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ( مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) وهذا كما يقال: زيد ما زيد ! يراد زيد شديد.

( وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) يعني أصحاب الشمال والعرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى ومنه يسمى الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.

وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية وقال الله لهم: هؤلاء في النار ولا أبالي.

وقال الضحاك: هم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم. وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم وكانت أعمارهم في المعاصي .

( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) قال ابن عباس: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة. وقال عكرمة: السابقون إلى الإسلام. قال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين . دليله: قوله: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ( التوبة - 100 ) .

قال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.

وقال مقاتل: إلى إجابة الأنبياء بالإيمان .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إلى الصلوات الخمس. وقال الضحاك: إلى الجهاد .

وقال سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر . قال الله تعالى: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ( الحديد - 21 ) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ( آل عمران - 133 )

ثم أثنى عليهم فقال: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ قال ابن كيسان: والسابقون إلى كل ما دعا الله إليه.

وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة . وقيل: هم أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله . وقال القرظي: إلى كل خير.

أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ( 14 ) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ( 15 ) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ( 16 )

( أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) من الله . ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ) أي من الأمم الماضية من لدن آدم عليه السلام إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم والثلة: جماعة غير محصورة العدد.

( وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) يعني من هذه الأمة قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام وصدقوهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم.

( عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ) منسوجة كما توضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض. قال المفسرون: هي موصولة منسوجة بالذهب والجواهر. وقال الضحاك: موضونة مصفوفة.

( مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ) لا ينظر بعضهم في قفا بعض.

 

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 18 ) لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) وَحُورٌ عِينٌ ( 22 )

( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) للخدمة ( وِلْدَانٌ ) [ غلمان ] ( مُخَلَّدُونَ ) لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وقال الفراء: [ تقول العرب لمن كبر ولم يشمط: إنه مخلد ] .

قال ابن كيسان: يعني ولدانا لا يحولون من حالة إلى حالة.

قال سعيد بن جبير: مقرَّطون، يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالخَلَد، وهو القُرْط .

قال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها لأن الجنة لا ولادة فيها فهم خدام أهل الجنة . ( بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ) فالأكواب: جمع كوب، وهي الأقداح المستديرة الأفواه، لا آذان لها ولا عرى، والأباريق وهي: ذوات الخراطيم، سميت أباريق لبريق لونها من الصفاء. ( وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) خمر جارية. ( لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ) لا تصدع رءوسهم من شربها ( وَلا يُنْـزِفُونَ ) أي لا يسكرون [ هذا إذا قرئ بفتح الزاي ومن كسر فمعناه لا ينفد شرابهم ] . ( وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ) يختارون ما يشتهون يقال تخيرت الشيء إذا أخذت خيره . ( وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) قال ابن عباس يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى ويقال إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب . ( وَحُورٌ عِينٌ ) قرأ أبو جعفر، وحمزة والكسائي: بكسر الراء والنون، أي: وبحورٍ عينٍ، أتبعه قوله: ( بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ) « وفاكهة ولحم طير » في الإعراب وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا يطاف بهن، كقول الشاعر:

إذا مــا الغانيــات بــرزن يومـا وزججــن الحواجــب والعيونــا

والعين لا تزجج وإنما تكحل، ومثله كثير. وقيل: معناه ويكرمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.

وقرأ الباقون بالرفع، أي: ويطوف عليهم حور عين. وقال الأخفش رفع على معنى لهم حور عين، وجاء في تفسيره: « حور عين » بيض ضخام العيون.

كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ( 23 ) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ( 25 ) إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ( 26 ) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 )

( كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي. ويروى: أنه يسطع نور في الجنة، قالوا: وما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها.

ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت ليضحك من نحرها وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. ( جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .

( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا ) ( إِلا قِيلا ) أي قولا ( سَلامًا سَلامًا ) نصبهما اتباعا لقوله ( قِيلا ) أي يسمعون قيلا سلامًا سلامًا. قال عطاء: يحيي بعضهم بعضا بالسلام. ثم ذكر أصحاب اليمين وعجَّب من شأنهم فقال جل ذكره: ( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ) ( فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ) لا شوك فيه كأنه خُضِد شوكة، أي قطع ونـزع منهُ، هذا قول ابن عباس وعكرمة .

وقال الحسن. لا يعقر الأيدي. قال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من الباقلاء وغيره بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قال الضحاك ومجاهد: هو الموقر حملا .

قال سعيد بن جبير: ثمارها أعظم من القلال. .

قال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وَج - وهو واد مخصب بالطائف - فأعجبهم سدرها وقالوا يا ليت لنا مثل هذا فأنـزل الله هذه الآية .

وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ( 31 )

( وَطَلْحٍ ) أي: موز، واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين. وقال الحسن: ليس هو بالموز ولكنه شجر له ظل بارد طيب. قال الفراءُ وأبو عبيدة: الطلح عند العرب: شجر عظام لها شوك.

وروى [ مجالد ] عن الحسن بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي اللهُ عنه: ( وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ) فقال: وما شأن الطلح؟ إنما هو: طلع منضود، ثم قرأ: طَلْعُهَا هَضِيمٌ قلت: يا أمير المؤمنين إنها في المصحف بالحاء أفلا تحولها؟ فقال: إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول.

و « المنضود » المتراكم الذي قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره، ليست هو سوق بارزة قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنائها ثمر كله. ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي لا ينقطع: ممدود.

أخبرنا أبو علي حسان ابن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها » .

وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) قال: شجرة في الجنة على ساق العرش يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا . ( وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ) مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع

وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ( 34 ) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ( 35 ) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ( 36 )

( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ) ( لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ) قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمتنع من أحد أراد أخذها. وقال بعضهم: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، كما ينقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن. وقال القتيـبي: يعني لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.

وجاء في الحديث: « ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل الله مكانها ضعفين » . ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) قال علي: ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) على الأسرة. وقال جماعة من المفسرين: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن حبيش، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي حدثنا أبو كريب، حدثنا رِشْدِين بن سعد، عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) قال: « إن ارتفاعها لَكَما بين السماء والأرض وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام »

وقيل أراد بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة ( مَرْفُوعَةٍ ) رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا دليل هذا التأويل قوله في عقبه: ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ) خلقناهن خلقًا جديدًا قال ابن عباس: يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر. ( فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ) عذارى.

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي عن الهيثم بن كليب الشاشي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا عبد بن حميد، أخبرنا مصعب ابن المقدام، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: « يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز » ، قال: فولَّت تبكي قال: « أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ( إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا ) »

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الخطيب، أخبرنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي ببغداد، أخبرنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي حدثنا سفيان الثوري عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « إنا أنشأناهن إنشاءً » قال: عجائز، كن في الدنيا عمشا رمصا. فجعلهن أبكارًا .

وقال المسيب بن شريك: هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. .

وذكر المسيب عن غيره: أنهن فضّلنَ على الحور العين بصلاتهن في الدنيا .

وقال مقاتل وغيره: هن الحور العين أنشأهن اللهُ لم يقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع

عُرُبًا أَتْرَابًا ( 37 )

( عُرُبًا ) قرأ حمزة وإسماعيل عن نافع وأبو بكر: « عُرْبًا » ساكنة الراء، الباقون بضمها وهي جمع « عَروب » أي: عواشق متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.

وقال عكرمة عنه: مَلِقَة. وقال عكرمة: غَنِجَة. وقال أسامة بن زيد عن أبيه: « عربًا » حسنات الكلام.

( أَتْرَابًا ) مستويات في السن على سن واحد.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة حدثنا الفريابي عن علي بن أبي شيبة أخبرنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يدخل أهل الجنةِ الجنةَ جردًا مردًا بيضًا جعادًا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع » .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد، حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة [ من لؤلؤ وزبرجد وياقوت ] . كما بين الجابية إلى صنعاء » .

وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك » .

وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يرَدُّون أبناء ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار » .

وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب » .

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر الحارثي أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن سليم عن الحجاج بن عتاب العبدي عن عبد الله بن معبد الرماني عن أبي هريرة قال: أدنى أهل الجنة منـزلة - وما منهم دنيء - لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم، مع كل واحد منهم طريفة ليست مع صاحبه .

لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 38 ) ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ( 39 ) وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ( 40 )

قوله عز وجل ( لأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين. ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ) من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة. ( وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ) من مؤمني هذه الأمة هذا قول عطاء ومقاتل.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد العدل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا عيسى بن المساور، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عيسى بن موسى عن عروة بن رويم قال: لما أنـزل الله على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ بكى عمر رضي الله عنهُ وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه ومن ينجو منا قليل؟ فأنـزل الله عز وجل: ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: قد أنـزل الله عز وجل فيما قلت فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من آدم إلينا ثلة ومنى إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله . »

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: عُرضت عليّ الأمم فجعل يمر النبي ومعه الرجلُ والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهطُ والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق فرجوت أن يكونوا أمتي فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون » فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: نعم فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال عليه السلام: « قد سبقك بها عكاشة »

ورواه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « عرضتْ عليَّ الأنبياء الليلة بأتباعها حتى أتى علي موسى عليه السلام في كبكبة بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل، قلت: رب فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك، فإذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، رب رضيت، قيل انظر عن يسارك، فإذا الأفق قد سدَّ بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت: فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب لهم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، وإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرًا » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: « أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر » .

وذهب جماعة إلى أن الثُّلتين جميعا من هذه الأمة وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك، قالوا: ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ ) من سابقي هذه الأمة ( وثلة من الآخرين ) من آخر هذه الأمة في آخر الزمان.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد الدينوري حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هما جميعا من أمتي »

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 ) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 ) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 ) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 47 ) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ( 48 ) قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 )

قوله تعالى: ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ) ( فِي سَمُومٍ ) ريح حارة ( وَحَمِيمٍ ) ماء حار ( وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ) دخان شديد السواد، تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود. وقال ابن كيسان: « اليحموم » اسم من أسماء النار. ( لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ) قال قتادة: لا بارد المنـزل ولا كريم المنظر. وقال سعيد بن المسيب: ولا كريم ولا حسن نظيره مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( الشعراء - 7 ) . وقال مقاتل: طيب. ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ ) يعني في الدنيا ( مُتْرَفِينَ ) منعمين. ( وَكَانُوا يُصِرُّونَ ) يقيمون ( عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) على الذنب الكبير وهو الشرك . وقال الشعبي: ( الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) اليمين الغموس . ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك. ( وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) قرأ أبو جعفر، ونافع والكسائي ويعقوب: ( أَئِذَا ) مستفهمًا « إنَّا » بتركه، وقرأ الآخرون بالاستفهام فيهما.

 

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ( 51 ) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ( 52 ) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 53 ) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( 55 ) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ( 56 ) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ( 58 ) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 )

( أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: ( شُرْبَ ) بضم الشين. وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان، فالفتح على المصدر، والضم اسم بمعنى المصدر كالضَّعف والضُّعف و ( الْهِيمِ ) الإبل العطاش، قال عكرمة وقتادة: الهيام: داء يصيب الإبل لا تروى معه، ولا تزال تشرب حتى تهلك. يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء، والإبل هيم. وقال الضحاك وابن عيينة: ( الْهِيمِ ) الأرض السهلة ذات الرمل.

( هَذَا نُزُلُهُمْ ) يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم، ( يَوْمَ الدِّينِ ) يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله: ( نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ ) قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك ( فَلَوْلا ) فهلا ( تُصَدِّقُونَ ) بالبعث. ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ) تصبون في الأرحام من النطف. ( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ) يعني أأنتم تخلقونه ما تمنون بشرًا ( أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا ) قرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وهما لغتان ( بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ) قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيًا وشابًا. وقال الضحاك: تقديره: إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء، فعلى هذا يكون معنى « قَدَّرْنَا » : قضينا.

( وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ) بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك قوله عز وجل: ( عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ )

عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 )

فذلك قوله عز وجل: ( عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ ) يعني: نأتي بخلق مثلكم بدلا منكمُ، ( وَنُنْشِئَكُمْ ) نخلقكم ( فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ) من الصور، قال مجاهد: في أي خلق شئنا .

وقال الحسن: أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بمن كان قبلكم يعني: إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك. وقال سعيد بن المسيب: « فيما لا تعلمون » يعني: في حواصل طير سود، تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن . ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى ) الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئًا. ( فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ) أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم. ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ) يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذر. ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ) تنبتونه ( أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) المنبتون. ( لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا ) قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه وقيل: هشيمًا لا ينتفع به في مطعم وغذاء ( فَظَلْتُمْ ) وأصله: فظللتم حذفت إحدى اللامين تخفيفا. ( تَفَكَّهُونَ ) تتعجبون بما نـزل بكم في زرعكم [ وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل. وقيل تندمون على نفقاتكم ] وهو قول يمان نظيره: فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ( الكهف - 42 ) وقال الحسن: تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت تلك العقوبة. وقال عكرمة : تتلاومون. وقال ابن كيسان: تحزنون. قال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو من الأضداد، تقول العرب: « تفكهت » أي: تنعمت و « تفكهت » أي: حزنت. ( إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) قرأ أبو بكر عن عاصم « أئنا » بهمزتين وقرأ الآخرون على الخبر، ومجاز الآية: فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرمون. وقال مجاهد وعكرمة لمولَع بنا. وقال ابن عباس وقتادة: معذبون، والغرام العذاب. وقال الضحاك وابن كيسان: غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمًا علينا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، وهو قوله:

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ( 73 )

( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) محدودون ممنوعون، أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع. ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ) السحاب، واحدتها: مُزْنَة ( أَمْ نَحْنُ الْمُنْـزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا ) قال ابن عباس: شديد الملوحة، قال الحسن: مُرًّا. ( فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ) ( أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ) تقدحون وتستخرجون من زَنْدكم. ( أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا ) التي تقدح منها [ النار ] وهي المرخ والعفار ( أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ) [ يعني نار الدنيا ] تذكرة للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر جهنم قاله عكرمة ومجاهد ومقاتل. وقال عطاء: موعظة يتعظ بها المؤمن.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيهُ حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم » قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: « فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا » .

( وَمَتَاعًا ) بُلْغة ومنفعة ( لِلْمُقْوِينَ ) المسافرين و « المقوي » : النازل في الأرض والقِيُّ والقوا هو: القفر الخالية البعيدة من العمران، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها. والمعنى: أنه ينتفع بها أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك أنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضُّلال وغير ذلك من المنافع، هذا قول أكثر المفسرين.

وقال مجاهد وعكرمة: « للمقوين » يعني للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز.

قال الحسن: بُلْغة للمسافرين، يتبلغون بها إلى أسفارهم، يحملونها في الخرق والجواليق.

وقال ابن زيد: للجائعين تقول العرب: أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت شيئا.

قال قطرب: « المقوي » من الأضداد، يقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، ويقال للغني: مقوٍ، لقوَّته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابه وكثر مالهُ، وصار إلى حالة القوة. والمعنى أن فيها متاعًا للأغنياء والفقراء جميعًا لا غنى لأحد عنها.

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 )

( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) . قوله عز وجلّ: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) ، قال أكثر المفسرين: معناه: أقسمُ و « لا » صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: فَلأقْسِمُ على التحقيق. وقيل: قوله « فلا » رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم، فقال: ( أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) قرأ حمزة والكسائي: « بموقع » على التوحيد. وقرأ الآخرون بمواقع على الجمع. قال ابن عباس: أراد نجوم القرآن، فإنه كان ينـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقًا نجومًا. وقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ومساقطها. وقال عطاء بن أبي رباح: أراد منازلها. وقال الحسن: أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة.

( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ ) ، يعني هذا الكتاب وهو موضع القسم.

 

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ( 78 )

( لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) عزيز مكرم لأنه كلام الله. قال بعض أهل المعاني: الكريم الذين من شأنه أن يعطي الخير الكثير. ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) مصون عند الله في اللوح المحفوظ، محفوظ من الشياطين.

لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 )

( لا يَمَسُّهُ ) أي ذلك الكتاب المكنون، ( إِلا الْمُطَهَّرُونَ ) وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة، يروى هذا عن أنس، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة وابن زيد: أنهم الملائكة، وروى حسان عن الكلبي قال: هم السفرة الكرام البررة.

وروى محمد بن الفضيل عنه لا يقرؤه إلا الموحِّدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن.

قال الفَّراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به .

وقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات، وظاهر الآية نفيٌ ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسُّهُ، وهو قول عطاء وطاووس، وسالم، والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه. والأول قول أكثر الفقهاء.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر .

والمراد بالقرآن: المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع. كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو » . وأراد به المصحف .

تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 80 ) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 )

( تَنْـزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي القرآن منـزل من عند رب العالمين. سُمِّي المنـزل: تنـزيلا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قَدْر، وللمخلوق: خَلْق. ( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ ) يعني القرآن ( أَنْتُمْ ) يا أهل مكة ( مُدْهِنُونَ ) قال ابن عباس: مكذبون. وقال مقاتل بن حيان: كافرون نظيره: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ( القلم - 9 ) والمدهن والمداهن: الكذاب والمنافق وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر هذا أصلهُ، ثم قيل للمكذب: مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر. ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ) حظكم ونصيبكم من القرآن ( أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) قال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. وقال جماعة من المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون.

وقال الهيثم بن عدي: إن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان بمعنى ما شكر وهذا في الاستسقاء بالأنواء، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مُطِرْنا بنَوْء كذا، ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي: شكركم بما رزقتم، يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد ابن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: « هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب » . ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد: فنـزلت هذه الآية فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ إلى قوله: « وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون » ( الواقعة - 82 ) .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، أخبرنا أبو يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما أنـزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينـزل الله تعالى الغيث فيقولون: مطرنا بكوكب كذا وكذا » .

فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 87 ) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ( 89 )

قوله عز وجل: ( فَلَوْلا ) فهلا ( إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) أي بلغت النفس الحلقوم عند الموت. ( وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ) يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون إليه متى تخرج نفسه. وقيل: معنى قوله ( تَنْظُرُونَ ) أي إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا. ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ) بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ( وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) الذين حضروه. ( فَلَوْلا ) فهلا ( إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) مملوكين وقال أكثرهم: محاسبين ومجزيين. ( تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله: ( فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ) وعن قوله: ( فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) بجواب واحد. ومثله قوله عز وجل: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ( البقرة - 38 ) أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر كما تقولون - أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي - فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل فآمنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال: ( فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) ( فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) وهم السابقون . ( فَرَوْح ) قرأ يعقوب ( فَرَوْحٌ ) بضم الراء والباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة: الروح الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم.

ومن قرأ بالفتح معناه: فله رَوْح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة.

( وَرَيْحَانٌ ) استراحة . وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: هو الرزق بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان اللهُ أي رزق الله.

وقال آخرون: هو الريحان الذي يشَمُّ. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. .

( وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) قال أبو بكر الوراق: « الرَّوح » النجاة من النار، و « الريحان » دخول دار القرار.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 90 ) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 91 ) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 )

( وَأَمَّا إِنْ كَانَ ) المتوفى ( مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم، فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة.

قال مقاتل: هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم.

وقال الفراء وغيره: مسلَّم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب اليمين: مسلَّم لك إنك من أصحاب اليمين وألفيت إن كالرجل يقول إني مسافر عن قليل، فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: ( فَسَلامٌ لَكَ ) أي عليك من أصحاب اليمين. ( وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ) بالبعث ( الضَّالِّينَ ) عن الهدى وهم أصحاب المشئمة.

فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ( 93 ) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 )

( فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ ) فالذي يعد لهم حميم جهنم. ( وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) وإدخال نار عظيمة. ( إِنَّ هَذَا ) يعني ما ذكر من قصة المحتضرين ( لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) أي الحق اليقين أضافه إلى نفسه. ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) قيل: فصلِّ بذكر ربك وأَمْرِه وقيل: « الباء » زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا ابن أبي شيبة، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم « فسبح باسم ربك العظيم » قال: « اجعلوها في ركوعكم » ولما نـزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم .

أخبرنا أبو عثمان الضبي أخبرنا أبو محمد الجراحي حدثنا أبو العباس المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن المُسْتَوْرِد، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: « سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ » .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم » .

أخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجُلْفري حدثني أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي بدمشق، حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان بن حَذلَم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. « من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا » وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا.

 

سورة الحديد

مدنية وآياتها تسع وعشرون

بسم الله الرحمن الرحيم

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 2 ) هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 )

( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ) يعني هو « الأول » قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو ولم يكن شيء موجودًا و « الآخر » بعد فناء كل شيء، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو، و « الظاهر » الغالب العالي على كل شيء و « الباطن » العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس .

وقال يمان: « هو الأول » القديم و « الآخر » الرحيم و « الظاهر » الحليم و « الباطن » العليم.

وقال السدي: هو الأول ببره إذ عرَّفك توحيده، والآخر بجوده إذْ عرَّفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذْ وفقك للسجود لهُ والباطن بستره إذْ عصيته فستر عليك.

وقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر - رضي الله تعالى عنه - كعبًا عن هذه الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن.

( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير ابن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: « اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منـزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقضِ عني الدين واغنني من الفقر » . وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 5 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 )

( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْـزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) .

( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يخاطب كفار مكة ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) مملَّكين فيه: يعني: المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشًا فكانوا في ذلك المال خلفاء عمن مضوا. ( فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) .

وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 9 ) وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 10 )

( وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ) قرأ أبو عمرو: « أُخِذ » بضم الهمزة وكسر الخاء ( مِيثَاقَكُمْ ) برفع القاف على ما لم يسمَّ فاعله. وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء والقاف، أي: أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، قاله مجاهد.

وقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) يومًا، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونـزول القرآن. ( هُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم ( آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) [ يعني القرآن ] . ( لِيُخْرِجَكُمْ ) الله بالقرآن ( مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) وقيل: ليخرجكم الرسول بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان ( وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) .

( وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله وبالجهاد فقال: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ) يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين، وقال الشعبي: هو صلح الحديبية ( وَقَاتَلَ ) يقول: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع من أنفق وقاتل بعده ( أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن هذه الآية نـزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فإنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله في سبيل الله .

وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق رضي الله عنهُ، وعليه عباءة قد خلَّها في صدره بخلال، فنـزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: « أنفق ماله عليَّ قبل الفتح » قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي راضٍ إني عن ربي راضٍ . »

( وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) أي كلا الفريقين وعدهم الله الجنة . قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها. وقرأ ابن عامر: " وكلٌّ " بالرفع ( وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) . مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 11 )

 

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 )

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ يعني على الصراط ( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ) يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة.

وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه »

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويَقِدُ مرة.

وقال الضحاك ومقاتل: « يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم » كتبهم، يريد أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم . وتقول لهم الملائكة: ( بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا ) قرأ الأعمش وحمزة : « أَنِظرونا » بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل انتظرونا. وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انْظُرْني وأَنْظِرْني، يعني انتظرني. ( نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) نستضيء من نوركم، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورًا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورًا خديعةً لهم، وهو قوله عز وجل وَهُوَ خَادِعُهُمْ ( النساء - 142 ) فبيناهم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحًا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا ( التحريم - 8 ) مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم

( قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ ) قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم

( فَالْتَمِسُوا نُورًا ) فاطلبوا هناك لأنفسكم نورًا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ ) أي سور، و « الباء » صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار ( لَه ) أي لذلك السور ( بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة ( وَظَاهِرُه ) أي خارج ذلك السور ( مِنْ قِبَلِهِ ) أي من قبل ذلك الظاهر ( الْعَذَابُ ) وهو النار.

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 )

( يُنَادُونَهُم ) روي عن عبد الله بن عمر قال: إن السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم .

وقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى « باب الرحمة » في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ الآية . « ينادونهم » يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجز بينهم بالسور وبقوا في الظلمة:

( أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) في الدنيا نصلي ونصوم؟ ( قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة ( وَتَرَبَّصْتُم ) بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منهُ ( وَارْتَبْتُمْ ) شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به ( وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِي ) الأباطيل وما كنتم تتمنون من نـزول الدوائر بالمؤمنين ( حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ) يعني الموت ( وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار .

فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 ) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 16 )

( فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ) قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: « تؤخذ » بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء ( فِدْيَةٌ ) بدل وعوض بأن تُفْدوا أنفسكم من العذاب ( وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) يعني المشركين ( مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ) صاحبكم وأولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب ( وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) قوله عز وجل: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) قال الكلبي ومقاتل: نـزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنـزلت: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف - 3 ) فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء اللهُ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنـزل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ( الزمر - 23 ) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنـزلت هذه الآية. فعلى هذا التأويل، قوله « ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله » يعني في العلانية وباللسان.

وقال آخرون نـزلت في المؤمنين قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: « ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله » إلا أربع سنين .

وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نـزول القرآن، فقال: « ألم يأن » ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تخشع: تَرِقَّ وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله ( وَمَا نـزلَ ) قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها ( مِنَ الْحَقِّ ) وهو القرآن ( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ) وهم اليهود والنصارى ( فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ) الزمان بينهم وبين أنبيائهم ( فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله والمعنى أن الله عز وجل ينهي المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.

روي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قرَّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤا القرآن فقال لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم .

( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 )

( اعلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحيِي الأرضَ بَعدَ مَوتِهَا قَد بَيَّنَا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ ) قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من « التصديق » أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد ( وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) بالصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل ( يُضَاعَفُ لَهُمُ ) ذلك القرض ( وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) ثواب حسن وهو الجنة.

 

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 19 )

( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) والصدِّيق: الكثيرالصدق، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية.

قال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. ( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) اختلفوا في نظم هذه الآية، منهم من قال: هي متصلة بما قبلها، و « الواو » واو النسق، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين. قال الضحاك: هم الذين سميناهم. قال مجاهد: كل مؤمن صديق شهيد، وتلا هذه الآية .

وقال قوم: تم الكلام عند قوله: « هم الصديقون » ثم ابتدأ فقال: والشهداء عند ربهم، و « الواو » واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة. ثم اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، يروى ذلك عن ابن عباس هو قول مقاتل بن حيان. وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله .

( لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) بما عملوا من العمل الصالح ( وَنُورُهُم ) على الصراط ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( 20 )

قوله عز وجل: ( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) أي: أن الحياة الدنيا، و « ما » صلة، أي: إن الحياة في هذه الدار ( لَعِب ) باطل لا حاصل له ( وَلَهْوٌ ) فرح ثم ينقضي ( وَزِينَة ) منظر تتزينون به ( وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) يَفْخر به بعضكم على بعض ( وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ ) أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب لها مثلا فقال: ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ ) أي: الزراع ( نَبَاتُه ) ما نبت من ذلك الغيث ( ثُمَّ يَهِيجُ ) ييبس ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) بعد خضرته ونضرته ( ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ) يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى ( وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) قال مقاتل: لأعداء الله ( وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ) لأوليائه وأهل طاعته.

( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 23 ) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 )

( سَابِقُوا ) سارعوا ( إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) لو وُصل بعضها ببعض ( أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) فبين أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله. قوله عز وجل: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ ) يعني: قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار ( وَلا فِي أَنْفُسِكُم ) يعني: الأمراض وفقد الأولاد ( إِلا فِي كِتَابٍ ) يعني: اللوح المحفوظ ( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ) من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. قال ابن عباس: من قبل أن نبرأ المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النَّسَمَة ( إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) أي إثبات ذلك على كثرته هيِّن على الله عز وجل. ( لِكَيْلا تَأْسَوْا ) تحزنوا ( عَلَى مَا فَاتَكُمْ ) من الدنيا ( وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) قرأ أبو عمرو بقصر الألف، لقوله « فاتكم » فجعل الفعل لهُ وقرأ الآخرون ( آتَاكُمْ ) بمد الألف، أي: أعطاكم. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا ( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) متكبر بما أوتي من الدنيا « فخور » يفخر به على الناس.

قال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت . ( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال. وقيل: هو رفع بالابتداء وخبره فيما بعده. ( وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَل ) أي: يعرض عن الإيمان ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) قرأ أهل المدينة والشام: « فإن الله الغني » بإسقاط « هو » وكذلك هو في مصاحفهم.

 

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 )

قوله عز وجل ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) بالآيات والحجج ( وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) يعني: العدل. وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به أي: ووضعنا الميزان كما قال: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( الرحمن - 7 ) ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) ليتعاملوا بينهم بالعدل.

( وَأَنـزلْنَا الْحَدِيد ) روي عن ابن عمر يرفعه: إن الله أنـزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح وقال أهل المعاني معنى قوله: « أنـزلنا الحديد » [ أنشأنا وأحدثنا أي: أخرج لهم الحديد ] من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه.

وقال قطرب هذا من النـزل كما يقال: أنـزل الأمير على فلان نـزلا حسنًا فمعنى الآية: أنه جعل ذلك نـزلا لهم. ومثله قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ( الزمر - 6 ) . ( فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) قوة شديدة يعني: السلاح للحرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب ( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة ( وَلِيَعْلَمَ اللَّه ) أي: أرسلنا رسلنا وأنـزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلَم الله وليرى الله ( مَنْ يَنْصُرُهُ ) أي: دينه ( وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) أي: قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب ( إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) قوي في أمره، عزيز في ملكه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 26 ) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 27 )

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) [ على دينه ] ( رَأْفَةً ) وهي أشد الرقة ( وَرَحْمَةً ) كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ( الفتح - 29 ) ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) من قبل أنفسهم، وليس هذا بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال: وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قِبَل أنفسهم ( مَا كَتَبْنَاهَا ) أي ما فرضناها ( عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه ) يعني: ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهُّب، وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وذلك قوله تعالى: ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم ) وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة ( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه الصلاة والسلام.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا الصعق بن حَزْن، عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: « ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم » فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون » .

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فَهُزِم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو له فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية: « وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا » الآية. « فآتينا الذين آمنوا منهم » يعني من ثبتوا عليها أجرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد، والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع

وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله »

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوارة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤن التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتهم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملوكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِد عليكم ولا نمر بكم، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه الصلاة والسلام، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غيَّر الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: « ورهبانية ابتدعوها » أي ابتدعها هؤلاء الصالحون ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) يعني الآخرين الذين جاؤا من بعدهم ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم ) يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله « وكثير منهم فاسقون » هم الذين جاءوا من بعدهم، قال: فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل انحط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير من ديره وآمنوا به

فقال الله عز وجل:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 )

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ) الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم ( وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم ( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ) نصيبين ( مِنْ رَحْمَتِهِ ) يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام، والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله وَرَحْمَةً ثم ابتدأ: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنـزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة والختان، فما رعوها يعني: الطاعة والملة حَقَّ رِعَايَتِهَا كناية عن غير مذكور فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وهم أهل الرأفة والرحمة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ وهم الذين ابتدعواالرهبانية، وإليه ذهب مجاهد.

معنى قوله: إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [ على هذا التأويل: ما أمرناهم وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرناهم بالترهب ] .

قوله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) بموسى وعيسى ( اتَّقُوا اللَّهَ ) وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم « يؤتكم كفلين من رحمته » .

وروينا عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده »

( وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) قال ابن عباس ومقاتل: يعني على الصراط، كما قال: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ( التحريم - 8 ) ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النور هو القرآن. وقال مجاهد: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلا واضحًا في الدين تهتدون به ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وقيل: لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله عز وجل: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ( القصص - 54 ) قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا وأما من لم يؤمن منا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنـزل الله تعالى: « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته » فجعل لهم الأجرين إذا آمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وزادهم النور والمغفرة ثم قال: ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ) ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ) قال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فأنـزل الله تعالى « لئلا يعلم أهل الكتاب » .

قال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج [ منا ] . نبي يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، فأنـزل الله تعالى « لئلا يعلم أهل الكتاب » أي ليعلم و « لا » صلة ( أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله ( وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال الله تعالى: هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ » قالوا: لا قال: « فإنه فضلي أعطيه من شئت » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقي عملكم، وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر قوما آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور »