الجزء  الثلاثون

 

سورة النبأ

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ( 1 ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( 2 ) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ( 3 ) كَلا سَيَعْلَمُونَ ( 4 ) ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ( 5 )

( عَمَّ ) أصلَه: « عن ما » فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف « ما » [ كقوله ] « فيم » و « بم » ؟ ( يَتَسَاءَلُونَ ) أي: عن أي شيء يتساءلون، هؤلاء المشركون؟ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ قال الزَّجاج: اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت [ أمره ] وشأنه. ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال: ( عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ) قال مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله: قوله: « قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ » ( ص- 67 ) وقال قتادة: هو البعث. ( الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) فمصدّق ومكذّب ( كَلا سَيَعْلَمُونَ ) « كلا » نفي لقولهم، « سيعلمون » عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور. ( ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ) وعيد لهم على أثر وعيد. وقال الضحاك: « كلا سيعلمون » يعني الكافرين، « ثم كلا سيعلمون » يعني: المؤمنين، ثم ذكر صنعائه ليعلموا توحيده فقال:

أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا ( 6 ) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ( 7 ) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ( 8 ) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ( 9 ) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ( 10 ) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ( 11 ) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ( 12 ) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ( 13 ) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ( 14 )

( أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا ) فراشًا. ( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) للأرض حتى لا تميد. ( وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ) أصنافًا ذكورًا وإناثًا. ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ) أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج: « السبات » أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جعلنا نومكم قطعًا لأعمالكم، لأن أصل السبت: القطع. ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ) غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته. ( وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) المعاش: العيش، وكل ما يعاش فيه فهو معاش، أي جعلنا النهار سببًا للمعاش والتصرف في المصالح. قال [ ابن عباس ] يريد: تبتغون فيه من فضل الله، وما قسم لكم من رزقه. ( وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ) يريد سبع سماوات. ( وَجَعَلْنَا سِرَاجًا ) [ يعني الشمس ] ( وَهَّاجًا ) مضيئًا منيرًا. قال الزجاج: الوهاج: الوقاد. قال مقاتل: جعل فيه نورًا وحرارةً، والوهج يجمع النور والحرارة. ( وَأَنـزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ) قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس.

قال الأزهري: هي الرياح ذوات الأعاصير، فعلى هذا التأويل تكون « من » بمعنى الباء أي بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر.

وقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: المعصرات هي السحاب وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.

قال الفراء: [ المعصرات السحائب ] [ التي ] تتحلب بالمطر ولا تمطر، كالمرأة المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض .

وقال ابن كيسان: هي المغيثات من قوله : فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ .

وقال الحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان: « من المعصرات » أي من السماوات.

( مَاءً ثَجَّاجًا ) أي صبابًا، وقال مجاهد: مدرارًا. وقال قتادة: متتابعًا يتلو بعضه بعضًا. وقال ابن زيد: كثيرًا.

لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ( 16 ) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ( 17 ) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ( 18 ) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ( 19 )

( لِنُخْرِجَ بِهِ ) أي بذلك الماء ( حَبًّا ) وهو ما يأكله الناس ( ونباتًا ) ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام. ( وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ) ملتفة بالشجر، واحدها لَفٌ وليف، وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفَّا، وجمعها لُفٌ، بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف. ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ) يوم القضاء بين الخلق ( كَانَ مِيقَاتًا ) لما وعد الله من الثواب والعقاب. ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ) زمرًا [ زمرًا ] من كل مكان للحساب. ( وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ ) قرأ أهل الكوفة: « فُتِحَتِ » بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي شُقَّت لنـزول الملائكة ( فَكَانَتْ أَبْوَابًا ) أي ذات أبواب. وقيل: تنحلّ، وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق.

وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ( 20 ) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ( 21 ) لِلطَّاغِينَ مَآبًا ( 22 ) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ( 23 )

( وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ ) عن وجه الأرض ( فَكَانَتْ سَرَابًا ) أي هباءً منبثًا لعين الناظر كالسراب. ( إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ) طريقًا وممرًا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار.

وقيل: « كانت مرصادا » أي: معدة لهم، يقال: أرصدت له [ الشيء ] إذا أعددته له.

وقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. « والمرصاد » المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. وقوله: « إن جهنم كانت مرصادا » أي ترصد الكفار.

وروى مقسم عن ابن عباس: أن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن [ أجابها ] تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ منه انطلق به إلى الجنة. ( لِلطَّاغِين ) للكافرين ( مَآبًا ) مرجعا يرجعون إليه. ( لابِثِينَ ) قرأ حمزة ويعقوب: « لَبِثِينَ » بغير ألف، وقرأ العامة « لابثين » [ بالألف ] وهما لغتان. ( فِيهَا أَحْقَابًا ) جمع حُقب، والحُقب الواحد: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة . روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقال مجاهد: « الأحقاب » ثلاثة وأربعون حقبًا كل حقب سبعون خريفًا، كل خريف سبعمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة.

قال الحسن: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: « لابثين فيها أحقابا » فوالله ما هو إلا [ إذا ] مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود .

وروى السدي عن مُرَّة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا.

وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها « فَلَنْ نَـزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا » يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل .

لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا ( 24 ) إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ( 25 ) جَزَاءً وِفَاقًا ( 26 ) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ( 27 ) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ( 28 ) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ( 29 )

( لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا ) روي عن ابن عباس: أن البرد النوم، ومثله قال الكسائي و [ قال ] أبو عبيدة، تقول العرب: منع البرد البردَ أي أذهب البرد النوم. وقال الحسن وعطاء: « لا يذوقون فيها بردًا » أي: روحًا وراحة. وقال مقاتل: « لا يذوقون فيها بردًا » ينفعهم من حر، « ولا شرابًا » ينفعهم من عطش. ( إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ) قال ابن عباس: « الغساق » الزمهرير يحرقهم ببرده. وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة « ص » ( جَزَاءً وِفَاقًا ) أي جزيناهم جزاء وافق أعمالهم. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. ( إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ) لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون. ( وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) أي بما جاءت به الأنبياء ( كِذَّابًا ) تكذيبًا، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون في مصدر التفعيل فِعَّال وقال: قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك أم القِصَّار؟ . ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ) أي وكل شيء من الأعمال بيَّناه في اللوح المحفوظ، كقوله: « وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ » ( يس- 12 ) .

فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ( 30 )

( فَذُوقُوا ) أي يقال لهم: فذوقوا، ( فَلَنْ نـزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا )

 

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ( 31 ) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ( 32 ) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ( 33 ) وَكَأْسًا دِهَاقًا ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ( 35 ) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ( 36 ) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ( 37 )

قوله عز وجل: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ) فوزًا ونجاةً من النار، وقال الضحاك: متنـزها. ( حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ) يريد أشجار الجنة وثمارها. ( وَكَوَاعِب ) جواري نواهد قد تكعبت ثُدِيُّهُن، واحدتها كاعب، ( أَتْرَابًا ) مستويات في السن. ( وَكَأْسًا دِهَاقًا ) قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد: مترعة مملوءة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة. قال عكرمة: صافية. ( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ) باطلا من الكلام ( وَلا كِذَّابًا ) تكذيبًا، لا يكذب بعضهم بعضًا. وقرأ الكسائي « كذابا » بالتخفيف مصدر [ كاذب ] كالمكاذبة، وقيل: هو الكذب. وقيل: هو بمعنى التكذيب كالمشدد. ( جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ) أي جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء « حسابًا » أي: كافيًا وافيًا، يقال: أحسبت فلانًا، أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة: « عطاء حسابا » أي كثيرًا وقيل: هو جزاء بقدر أعمالهم. ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ ) قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو: « ربُّ » رفع على الاستئناف و « الرحمن » خبره. وقرأ الآخرون بالجر اتباعًا لقوله: « من ربك » وقرأ ابن عامر، وعاصم، ويعقوب: « الرحمنِ » جرًا اتباعًا لقوله: « رب السماوات » وقرأ الآخرون بالرفع، فحمزة والكسائي يقرآن « ربِّ » بالخفض لقربه من قوله: « جزاءً من ربك » ويقرآن « الرحمنُ » بالرفع لبعده منه على الاستئناف، وقوله: ( لا يَمْلِكُونَ ) في موضع رفع، خبره.

ومعنى ( لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. وقال الكلبي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه.

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ( 38 )

( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ) أي في ذلك اليوم ( وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا ) واختلفوا في هذا الروح، قال الشعبي والضحاك: هو جبريل.

وقال عطاء عن ابن عباس: « الروح » ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقًا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدا، فيكون عظم خلقه مثلهم .

وعن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال، ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة، يسبح كل يوم اثني عشر [ ألف ] تسبيحة، يُخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده .

وقال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: « الروح » خلق على صورة بني آدم ليسوا بناس يقومون صفًا والملائكة صفًا، هؤلاء جند وهؤلاء جند.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: هم خلق على صورة بني آدم وما ينـزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم .

وقال الحسن: هم بنو آدم . ورواه قتادة عن ابن عباس، وقال: هذا مما كان يكتمه ابن عباس .

« والملائكة صفا » قال الشعبي: هما سماطا رب العالمين، يوم يقوم سماط من الروح وسماط من الملائكة.

( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ) في الدنيا، أي حقًا. وقيل: قال: لا إله إلا الله .

ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ( 39 ) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ( 40 )

( ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) الكائن الواقع يعني يوم القيامة ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ) مرجعًا وسبيلا بطاعته، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. ( إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ) يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب. ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتًا في صحيفته، ( وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا )

قال عبد الله بن عمرو: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم، وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا. ومثله عن مجاهد.

وقال مقاتل: يجمع الله الوحوش والهوام والطير فيقضي بينهم حتى يُقتصَ للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: أنا خلقتكم وسخرتكم لبني آدم وكنتم مطيعين إياهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي كنتم، كونوا ترابًا، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابًا، يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنـزير، وكنت اليوم ترابًا.

وعن [ أبي الزناد عبد الله بن ذكوان ] قال: إذا قضى الله بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا ترابًا فيعودون ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. وبه قال ليث بن [ أبي ] سليم: مؤمنو الجن يعودون ترابًا

وقيل: إن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم وأنه خلق من التراب وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب، قال: يا ليتني كنت ترابا. قال أبو هريرة فيقول: التراب لا ولا كرامة لك، من جعلك مثلي؟.

 

سورة النازعات

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ( 1 )

( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ) يعني الملائكة تنـزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يُغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد بعدما نـزعها حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده فهذا عمله بالكفار، و « الغَرْق » اسم أقيم مقام الإغراق، أي: والنازعات إغراقًا، والمراد بالإغراق المبالغة في المد.

قال ابن مسعود: ينـزعها ملك الموت [ وأعوانه ] من تحت كل شعرة ومن الأظافير وأصول القدمين [ ويرددها في جسده بعدما ينـزعها ] حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده بعدما ينـزعها، فهذا عمله بالكفار.

وقال مقاتل: ملك الموت وأعوانه ينـزعون [ أرواح ] الكفار كما ينـزع السفُّود الكثير الشُّعب من الصوف المبتل، فتخرج نفسه كالغريق في الماء.

وقال مجاهد: هو الموت ينـزع النفوس .

وقال السدي: هي النفس حين تغرق في الصدر

وقال الحسن وقتادة وابن كيسان: هي النجوم تنـزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب . وقال عطاء وعكرمة: هي القِسِيُّ . وقيل: الغزاة الرماة .

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ( 2 ) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ( 3 )

( وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ) [ هي ] الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلا رفيقًا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق، حكى الفَراء هذا القول، ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنْشَطْتُ العقال، إذا حللته، وأنشطته: إذا عقدته بأنشوطة . وفي الحديث: « كأنما أنشط من عقال » .

وعن ابن عباس: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، لما يرى من الكرامة لأنه تعرض عليه الجنة قبل أن يموت.

وقال علي بن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكرب والغم، والنَّشْط: الجذب والنـزع، يقال: نشطت الدلو نشطًا إذا نـزعتها قال الخليل: النشط والإنشاط مَدُّك الشيء إلى نفسك، حتى ينحل.

وقال مجاهد: هو الموت ينشط النفوس. وقال السدي: هي النفس تنشط من القدمين أي تجذب. وقال قتادة: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: نشط من بلد إلى بلد، إذا خرج في سرعة، ويقال: حمار ناشط، ينشط من بلد إلى بلد، وقال عطاء وعكرمة: هي [ الأوهاق ] . ( وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ) هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرفق به.

وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينـزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد يقال له سابح إذا أسرع في جريه.

وقيل: هي خيل الغزاة. وقال قتادة: هي النجوم والشمس [ والقمر ] قال الله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( الأنبياء- 33 ) .

وقال عطاء: هي السفن.

فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ( 4 ) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ( 5 )

( فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ) قال مجاهد: هي الملائكة [ تسبق ] ابن آدم بالخير والعمل الصالح.

وقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.

وعن ابن مسعود قال: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها شوقًا إلى لقاء الله وكرامته، وقد عاينت السرور.

وقال قتادة: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء: هي الخيل . ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) قال ابن عباس: هم الملائكة وُكّلوا بأمور عرَّفهم الله عز وجل العمل بها.

قال [ عبد الرحمن ] بن سابط: يدبر [ الأمور ] في الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، عليهم السلام، أما جبريل: فموكل بالريح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت: فموكل بقبض [ الأرواح ] وأما إسرافيل: فهو ينـزل بالأمر عليهم.

وجواب هذه الأقسام محذوف، على تقدير: لتبعثن ولتحاسبن .

وقيل: جوابه [ قوله ] إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى .

وقيل: فيه تقديم [ وتأخير ] تقديره: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة والنازعات غرقا .

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ( 6 ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ( 7 )

قوله عز وجل: ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ) يعني النفخة الأولى، يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع [ الخلائق ] . ( تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ) وهي النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة.

قال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله عز وجل .

وقال مجاهد: ترجف الراجفة تتزلزل الأرض والجبال، تتبعها الرادفة حين تنشق السماء، وتُحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة وقال عطاء: « الراجفة » القيامة و « الرادفة » البعث. وأصل الرجفة: الصوت والحركة.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا محمد بن هارون الحضرمي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام، وقال: « يا أيها الناس اذكروا الله، [ اذكروا الله ] جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، [ جاء الموت بما فيه ] » .

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ( 8 ) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ( 9 ) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ( 10 ) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ( 11 ) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ( 12 )

( قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ) خائفة قلقة مضطربة، وسمي « الوجيف » في السير، لشدة اضطرابه، يقال: وجف القلب ووجب وجوفًا ووجيفًا ووجوبًا ووجيبًا. وقال مجاهد: وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ( غافر- 18 ) . ( أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) ذليلة، كقوله: خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ( الشورى- 45 ) الآية. ( يَقُولُونَ ) يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت: ( أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ) أي: إلى أول الحال وابتداء الأمر، فنصير أحياءً بعد الموت كما كنا؟ تقول العرب: رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء، [ وأول الشيء ] .

وقال بعضهم: « الحافرة » وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة بمعنى المحفورة، كقوله: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي مرضية.

وقيل: سميت حافرة لأنها مستقر [ الحوافر ] أي أئنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدًا نمشي عليها؟ وقال ابن زيد: « الحافرة » النار. ( أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ) قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: « أئنا » ؟ مستفهمًا، « إذا » بتركه، ضده أبو جعفر، [ الباقون ] باستفهامهما، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو: « عظامًا ناخرة » ، وقرأ الآخرون « نخرة » وهما لغتان، مثل الطمع والطامع والحذر والحاذر، ومعناهما البالية، وفرّق قوم بينهما، فقالوا: النخرة: البالية، والناخرة: المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر، أي: تصوّت. ( قَالُوا ) يعني المنكرين ( تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ) رجعة خائبة، يعني إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت.

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ( 13 ) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ( 14 ) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ( 15 )

قال الله عز وجل ( فَإِنَّمَا هِيَ ) يعني النفخة الأخيرة ( زَجْرَة ) صيحة ( وَاحِدَةٌ ) يسمعونها. ( فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) يعني: وجه الأرض، أي صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض: ساهرة. قال بعض أهل اللغة تراهم سموها ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان: هي أرض الشام وقال قتادة: هي جهنم قوله عز وجل: ( هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) يقول: قد جاءك يا محمد حديث موسى.

 

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ( 16 ) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 17 ) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ( 19 ) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ( 20 )

(

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ( 16 ) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 17 ) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ( 18 ) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ( 19 ) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ( 20 )

( إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) فقال يا موسى ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) علا وتكبر وكفر بالله. ( فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ) قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاي: أي تتزكى وتتطهر من الشرك، وقرأ الآخرون [ بالتخفيف ] [ وأصله تتزكى فأدغمت التاء الثانية في الزاء في القراءة الأولى وحذفت في الثانية، ومعناه تتطهر من الشرك ] أي: تسلم وتصلح، قال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله. ( وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ) أي: أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده فتخشى عقابه. ( فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ) وهي العصا واليد البيضاء.

فَكَذَّبَ وَعَصَى ( 21 ) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ( 22 ) فَحَشَرَ فَنَادَى ( 23 ) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ( 24 ) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ( 25 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ( 26 ) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ( 29 ) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ( 30 )

( فَكَذَّب ) بأنهما من الله ( وَعَصَى ) ( ثُمَّ أَدْبَرَ ) تولى وأعرض عن الإيمان ( يَسْعَى ) يعمل بالفساد في الأرض. ( فَحَشَر ) فجمع قومه وجنوده ( فَنَادَى ) لما اجتمعوا. ( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى ) فلا رب فوقي. وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربكم وربها. ( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى ) قال الحسن وقتادة: عاقبه الله فجعله نكال الآخرة والأولى، أي في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار .

وقال مجاهد وجماعة من المفسرين: أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ( القصص- 38 ) وقوله: « أنا ربكم الأعلى » وكان بينهما أربعون سنة . ( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى ( لَعِبْرَة ) لعظة ( لِمَنْ يَخْشَى ) الله عز وجل. ثم خاطب منكري البعث فقال ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ) يعني أَخَلْقُكُم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد، كقوله لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ( غافر- 57 ) ثم وصف خلق السماء فقال: ( بَنَاهَا ) ( رَفَعَ سَمْكَهَا ) سقفها ( فَسَوَّاهَا ) بلا شطور [ ولا شقوق ] ولا فطور. ( وَأَغْطَشَ ) أظلم ( لَيْلَهَا ) والغطش والغبش الظلمة ( وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ) أبرز وأظهر نهارها ونورَها، وأضافهما إلى السماء لأن الظلمة والنور كلاهما ينـزل من السماء. ( وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ) بعد خلق السماء ( دَحَاهَا ) بسطها، والدَّحْو البسط. قال ابن عباس: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك.

وقيل: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله عز وجل: عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ( القلم- 13 ) أي مع ذلك.

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ( 31 ) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ( 32 ) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ( 33 ) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ( 34 ) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ( 36 ) فَأَمَّا مَنْ طَغَى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 38 ) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ( 39 ) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ( 40 ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ( 41 ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ( 42 ) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ( 43 ) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ( 44 )

( أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ ولأنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) يعني النفخة الثانية التي فيها البعث وقامت القيامة، وسميت القيامة: « طامة » لأنها تطم على كل هائلة من الأمور، فتعلو فوقها وتغمر ما سواها، و « الطامة » عند العرب: الداهية التي لا تُستطاع. ( يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى ) ما عمل في الدنيا من خير وشر. ( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ) قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق. ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى ) في كفره. ( وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) على الآخرة. ( فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ) عن المحارم التي تشتهيها، قال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها. ( فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ) متى ظهورها وثبوتها. ( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ) لست في شيء من علمها وذكرها، أي لا تعلمها. ( إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ) أي منتهى علمها عند الله.

إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ( 45 ) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ( 46 )

( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ) قرأ أبو جعفر: « منذر » بالتنوين أي [ أنما أنت ] مخوف من يخاف قيامها، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها. ( كَأَنَّهُم ) يعني كفار قريش ( يَوْمَ يَرَوْنَهَا ) يعاينون يوم القيامة ( لَمْ يَلْبَثُوا ) في الدنيا، وقيل: في قبورهم ( إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ) قال الفرَّاء: ليس للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار، ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية أو غداتها، إنما معناه: آخر يوم أو أوله، نظيره قوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ( الأحقاف- 35 ) .

 

سورة عبس

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ( 2 )

( عَبَسَ ) كلح ( وَتَوَلَّى ) أعرض بوجهه. ( أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى ) [ أي: لأن جاءه الأعمى ] وهو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بني لؤي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأبيّ بن خلف، وأخاه أمية، يدعوهم إلى الله، يرجو إسلامهم، فقال ابن أم مكتوم: [ يا رسول الله ] أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء، ولا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد والسفلة، فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنـزل الله هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما، قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء .

وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشَى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 ) كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 )

( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ) يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك، وقال ابن زيد: يسلم. ( أَوْ يَذَّكَّرُ ) يتعظ ( فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ) الموعظة قرأ عاصم: « فتنفعه » بنصب العين على جواب « لعل » بالفاء، وقراءة العامة بالرفع نسقا على قوله: « يذكر » . ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ) قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما له من المال. ( فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إلى كلامه، وقرأ أهل الحجاز: « تصَّدَّى » بتشديد الصاد على الإدغام، أي: تتصدى، وقرأ الآخرون بتخفيف الصاد على الحذف. ( وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى ) لا يؤمن ولا يهتدي، إن عليك إلا البلاغ. ( وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ) يمشي يعني: ابن أم مكتوم. ( وَهُوَ يَخْشَى ) الله عز وجل. ( فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) تتشاغل وتعرض [ عنه ] ( كَلا ) زجر، أي لا تفعل بعدها مثلها، ( إِنَّهَا ) يعني هذه الموعظة. وقال مقاتل: آيات القرآن ( تَذْكِرَةٌ ) موعظة وتذكير للخلق. ( فَمَنْ شَاءَ ) من عباد الله ( ذَكَرَهُ ) أي اتعظ به. وقال مقاتل: فمن شاء الله، ذكره وفهمه، واتعظ بمشيئته وتفهيمه، والهاء في « ذكره » راجعة إلى القرآن والتنـزيل والوعظ. ثم أخبر عن جلالته عنده فقال ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ) يعني اللوح المحفوظ. وقيل: كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ( الأعلى: 18- 19 ) .

مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرَامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 )

( مَرْفُوعَة ) رفيعة القدر عند الله عز وجل، وقيل: مرفوعة يعني في السماء السابعة. ( مُطَهَّرَةٍ ) لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة. ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) قال ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: سفرت أي كتبت. ومنه قيل [ للكاتب: سافر، و ] للكتاب: سِفْرٌ وجمعه: أسفار.

وقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. ثم أثنى عليهم فقال: ( كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) أي: كرام على الله، بررة مطيعين، جمع بار. قوله عز وجل: ( قُتِلَ الإنْسَانُ ) أي لعن الكافر. قال مقاتل: نـزلت في عتبة بن أبي لهب ( مَا أَكْفَرَهُ ) ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده، على طريق التعجب، قال الزجاج: معناه: اعجبوا أنتم من كفره. وقال الكلبي ومقاتل: هو « ما » الاستفهام، يعني: أي شيء حمله على الكفر؟ ثمَ بيَّن من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال: ( مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) لفظه استفهام ومعناه التقرير. ثم فسره فقال: ( مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) أطوارًا: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه، قال الكلبي: قدَّر خلقه، رأسه وعينيه ويديه ورجليه. ( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) أي طريق خروجه من بطن أمه. قال السدي ومقاتل، والحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل، سهل له العلم به، كما قال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ( الإنسان- 3 ) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( البلد- 10 ) وقيل: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدَّره عليه. ( ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) جعل له قبرًا يوارى فيه. قال الفراء: جعله مقبورًا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور. يقال: قبرت الميت إذا دفنته، وأقبره الله: أي صيَّره بحيث يقبر، وجعله ذا قبر، كما يقال: طردت فلانا والله أطرده أي صيره طريدًا .

ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ( 23 ) فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ( 27 ) وَعِنَبًا وَقَضْبًا ( 28 ) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ( 29 ) وَحَدَائِقَ غُلْبًا ( 30 ) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 )

( ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) أحياه بعد موته. ( كَلا ) ردًا عليه، أي: ليس كما يقول ويظن هذا الكافر، وقال الحسن: حقًا. ( لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) أي لم يفعل ما أمره [ الله به ] ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال: ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) ( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) كيف قدره ربه ودبره له وجعله سببًا لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. ثم بين فقال: ( أَنَّا ) قرأ أهل [ الكوفة ] « أنا » [ بالفتح ] على تكرير الخافض، مجازه: فلينظر إلى أنا وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف. ( صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ) يعني المطر. ( ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا ) بالنبات. ( فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ) يعني الحبوب التي يُتغذى بها. ( وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) وهو القت الرطب، سمي بذلك لأنه يقضب في كل الأيام أي يقطع. وقال الحسن: القضب: العلف للدواب. ( وَزَيْتُونًا ) وهو ما يعصر منه الزيت ( وَنَخْلا ) جمع نخلة. ( وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) غلاظ الأشجار، واحدها أغلب، ومنه قيل الغليظ الرقبة: أغلب. وقال مجاهد ومقاتل: الغلب: الملتفة الشجر بعضه في بعض، قال ابن عباس: طوالا. ( وَفَاكِهَةً ) يريد ألوان الفواكه ( وَأَبًّا ) يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس، مما يأكله الأنعام والدواب.

قال عكرمة: « الفاكهة » ما يأكله الناس، و « الأبُّ » ما يأكله الدواب. ومثله عن قتادة قال: الفاكهة لكم والأبُّ لأنعامكم.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت [ الأرض ] مما يأكل الناس والأنعام.

وروي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: « وفاكهة وأبًا » فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم .

وروى ابن شهاب عن أنس أنه سمع عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفنا فما الأبُّ؟ ثم رفض عصًا كانت بيده وقال: هذا [ والله ] لعَمْرُ الله التكلف، وما عليك يا ابن [ أم ] عمر أن لا تدري ما الأبُّ، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا [ تبين ] فدعوه .

مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ( 32 ) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 )

( مَتَاعًا لَكُمْ ) منفعة لكم يعني الفاكهة ( وَلأنْعَامِكُمْ ) يعني العشب. ثم ذكر القيامة فقال: ( فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ) يعني صيحة القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في الأسماع حتى تكاد تصمها. ( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه.

حكي عن قتادة قال في هذه الآية « يوم يفر المرء من أخيه [ وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ] » قال: يفر هابيل من قابيل، ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ولوط عليه السلام من صاحبته، ونوح عليه السلام من ابنه .

لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ( 41 )

( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) يشغله عن شأن غيره.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يبعث الناس حفاةً عراة غُرْلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: قد شُغِلَ الناس، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » . ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ) مشرقة مضيئة. ( ضَاحِكَة ) بالسرور ( مُسْتَبْشِرَةٌ ) فرحة بما نالت من كرامة الله عز وجل. ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) سواد وكآبة الهم [ والحزن ] ( تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف. قال ابن عباس: تغشاها ذلة. قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة: أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض.

أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 )

( أُولَئِكَ ) الذين يصنع بهم هذا، ( هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) جمع الكافر والفاجر.

 

سورة التكوير

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ( 1 )

( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سهل السرخسي إملاء أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا عبد الله بن بحير القاضي قال سمعت عبد الرحمن بن زيد الصنعاني قال سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أحب أن ينظر في أحوال القيامة فليقرأ: ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) »

قوله عز وجل ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: غورت. وقال مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لُفَّت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي، أكورها كورًا وكورتها تكويرًا، إذا لففتها وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها .

قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم [ القيامة ] في البحر، ثم يبعث عليها ريحًا دبورًا فتضربها فتصير نارًا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الشمس والقمر يكوران يوم القيامة » .

وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ( 4 ) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ( 5 ) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ( 6 )

( وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض، يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا فلا يبقى نجم إلا وقع. ( وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ) [ قلعت ] على وجه الأرض فصارت هباءً [ منثورًا ] . ( وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ) وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، واحدتها عُشَرَاء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب، « عطلت » تركت [ مهملة ] بلا راع أهملها أهلها، وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها، لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. ( وَإِذَا الْوُحُوشُ ) يعني دواب البر ( حُشِرَتْ ) جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حَشْرُها: موتها. وقال: حَشر كل شيءٍ الموتُ، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. وقال أبي بن كعب: اختلطت. ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) قرأ أهل مكة والبصرة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالشديد، قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارًا تضطرم، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب والملح، فصارت البحور كلها بحرًا واحدًا. وقال الكلبي: ملئت، وهذا أيضا معناه: « وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ » ( الطور- 6 ) والمسجور: المملوء، وقيل: صارت مياهها بحرًا واحدًا من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست، وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة.

وروى أبو العالية عن أبيّ بن كعب، قال ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، [ فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ] فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت، وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله: ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) [ اختلطت ] ( وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ ) قال: قالت الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى [ وانشقت السماء انشقاقة واحدة ] وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم .

وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ( 7 )

وعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا وستة في الآخرة، وهي ما ذكره بقوله عز وجل: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) وروى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار وهذا [ معنى ] قول عكرمة.

وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني.

قال الربيع بن خثيم: يحشر الرجل مع صاحب عمله. وقيل: زوجت النفوس بأعمالها.

وقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين.

وروي عن عكرمة قال: ( وإذا النفوس زوجت ) ردت الأرواح في الأجساد .

وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ( 9 ) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ( 10 ) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ( 11 )

( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ) وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، يقال: [ أود هذا ليس بصحيح من حيث البناء لأن الموؤدة من الوأد لا من الأود يقال ] وأد يئُد وأدا، فهو وائد، والمفعول مؤود.

روى عكرمة عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلامًا حبسته . ( بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) قرأ العامة على الفعل المجهول فيهما، وأبو جعفر يقرأ: « قتلت » بالتشديد ومعناه تُسْأل المؤودة، فيقال لها: بأي ذنب قُتِلَت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قُتلت بغير ذنب.

وروي أن جابر بن زيد كان يقرأ: « وإذ المؤودة سئلت * بأي ذنب قتلت » ومثله قرأ أبو الضحى. ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) قرأ أهل المدينة والشام وعاصم ويعقوب: « نشرت » بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، كقوله: « يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً » ( المدثر- 52 ) يعني صحائف الأعمال تنتشر للحساب. ( وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ) قال الفراء: نـزعت فطويت . وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ومعنى « الكشط » رفعك شيئا عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن السنام.

وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ( 12 ) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ( 13 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ( 14 ) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ( 18 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 )

( وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) قرأ أهل المدينة والشام، وحفص عن عاصم: « سُعِّرت » بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف أي: أوقدت لأعداء الله. ( وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ) قربت لأولياء الله. ( عَلِمَتْ ) عند ذلك ( نَفْسٌ ) أي: كل نفس ( مَا أَحْضَرَتْ ) من خير أو شر، وهذا جواب لقوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وما بعدها. قوله عز وجل: ( فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ) « لا » زائدة، معناه: أقسم بالخنس ( الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار، فتُخفى فلا تُرى.

وعن علي أيضا: أنها الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى، وتكنس تأوي إلى مجاريها.

وقال قوم: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجراها، أي: ترجع وراءها وتكنس: تستتر وقت اختفائها وغروبها، كما تكنس الظباء في مغارها.

وقال ابن زيد: معنى « الخنس » أنها تخنس أي: تتاخر عن مطالعها في كل عام تأخرًا تتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع، تخنس عنه. و « الكُنَّس » أي تكنس بالنهار فلا ترى. وروى الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الله أنها هي الوحش.

وقال سعيد بن جبير: هي الظباء. وهي رواية العوفي عن ابن عباس.

وأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء، والكنوس: أن تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش. ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) قال الحسن: أقبل بظلامه. وقال الآخرون: أدبر. تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير. ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) أقبل وبدا أوله، وقيل: امتد ضوءه وارتفع. ( إِنَّه ) يعني القرآن ( لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) يعني جبريل أي: نـزل به جبريل عن الله تعالى.

ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 ) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 )

( ذِي قُوَّةٍ ) وكان من قوته أنه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى [ أقصى ] جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من [ الطير ] ( عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ) في المنـزلة. ( مُطَاعٍ ثَمَّ ) أي في [ السماوات ] تطيعه الملائكة، ومِنْ طاعة الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله، ( أَمِينٍ ) على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه. ( وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) يقول لأهل مكة: وما صاحبكم يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم بمجنون. وهذا أيضا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نـزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، وما يقول يقوله من عند نفسه. ( وَلَقَدْ رَآهُ ) يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته ( بِالأفُقِ الْمُبِينِ ) وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، قاله مجاهد وقتادة.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن عليوة، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرنا ابن جريج، عن عكرمة [ ومقاتل ] عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: « إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء » قال لن تقوى على ذلك، قال: بلى، قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: بالأبطح، قال: لا يسعني، قال فهاهنا، قال: لا يسعني، قال: فبعرفات، قال: ذلك بالحري أن يسعني فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبّر وخرّ مغشيًا عليه. قال: فتحول جبريل في صورته فضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل [ الصعو ] يعني العصفور، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته .

وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 29 )

( وَمَا هُوَ ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( عَلَى الْغَيْبِ ) أي الوحي، وخبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبًا عنه من الأنباء والقصص، ( بِضَنِينٍ ) قرأ أهل مكة والبصرة والكسائي بالظاء أي بمتهم، يقال: فلان يظن بمال ويزن أي يتهم به: والظنة: التهمة، وقرأ الآخرون بالضاد أي يبخل، يقول إنه يأتيه علم الغيب فلا يبخل به عليكم بل يعلمكم ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانًا، تقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضنا وضنانة فأنا به ضَنينٌ أي بخيل. ( وَمَا هُوَ ) يعني القرآن ( بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ) قال الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) أي أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان؟ قال الزجاج: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم. ثم بيَّن فقال: ( إِنْ هُوَ ) أي ما القرآن ( إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) موعظة للخلق أجمعين. ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) أي يتبع الحق ويقيم عليه. ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدًا لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله ولا شرًّا إلا بخذلانه.

 

سورة الانفطار

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ( 2 ) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ( 3 ) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ( 4 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ( 5 ) يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 )

( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ) انشقت. ( وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ) تساقطت. ( وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) فُجّر بعضها في بعض واختلط العذب بالملح فصارت بحرًا واحدًا وقال الربيع: « فجرت » فاضت. ( وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من الموتى أحياءً يقال: بعثرت الحوض وبحثرتهُ إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه. ( عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) قيل: « ما قدمت » من عمل صالح أو سيئٍ « وأخرت » من سنة حسنة أو سيئة. وقيل: « ما قدمت » من الصدقات « وأخرت » من التركاتِ على ما ذكرنا في قوله: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( القيامة- 13 ) . ( يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ) ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك. والمعنى: ماذا أمنك من [ عذابه ] قال عطاء: نـزلت في الوليد بن المغيرة.

وقال الكلبي ومقاتل: نـزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي فلم يعاقبه الله عز وجلَّ فأنـزل الله هذه الآية يقول: ما الذي غرك بربك الكريم المتجاوز عنك إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان قال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه في أول [ مرة ] . وقال السدي: غره رفق الله به.

وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما [ علمت ] ؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.

وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة .

وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه فقال ما غرك بي؟ [ فأقول ] غرني بك بِرُّك بي سالفًا وآنفًا.

وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.

قال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم.

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ( 8 )

( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر « فَعَدَلك » بالتخفيف أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنًا وقبيحًا وطويلا وقصيرًا. وقرأ الآخرون بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء. ( فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ) قال مجاهد والكلبي ومقاتل: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم.

وجاء في الحديث: أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ « في أي صورة ما شاء ركبك » . وذكر الفراء قولا آخر: « في أي صورة ما شاء ركبك » إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة دابةٍ أو حيوان آخر.

كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 ) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ( 10 ) كِرَامًا كَاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ( 12 ) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ( 14 ) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ( 15 ) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ( 16 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ( 18 )

( كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ ) قرأ أبو جعفر بالياءِ وقرأ الآخرون بالتاء لقوله: « وإن عليكم لحافظين » ( بِالدِّين ) بالجزاء والحساب. ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ) رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. ( كِرَامًا ) على الله ( كَاتِبِين ) يكتبون أقوالكم وأعمالكم. ( يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) من خير أو شر. قوله عز وجل: ( إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ) الأبرار الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله عز وجل واجتناب معاصيه. ( وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) روي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: فأين أجد في كتاب الله؟ قال عند قوله: « إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم » قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( الأعراف- 56 ) . قوله عز وجل: ( يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ) يدخلونها يوم القيامة ثم عظَّم ذلك اليومَ فقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ) ثم كرر تعجبًا لشأنه فقال ( ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ )

يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 )

( يَوْمَ لا تَمْلِكُ ) قرأ أهل الكوفة والبصرة: « يوم » برفع الميمِ ردا على اليوم الأولِ وقرأ الآخرون بنصبهَا أي: في يومٍ يعني: هذه الأشياء في يوم لا تملك ( نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ) قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعةِ ( وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) أي لم يُملّكِ الله في ذلك اليوم أحدًا شيئًا كما ملكهم في الدنيا.

 

سورة المطففين

مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( 1 )

( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس. قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطففٌ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.

أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد علي الصيرفيُّ حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلديُّ أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظُ حدثنا عبد الرحمن بن بشرٍ حدثنا علي بن الحسين بن واقدٍ حدثني أبي حدثني يزيد النحوي أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنـزل الله عز وجل: « ويل للمطففين » فأحسنوا الكيل .

وقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينةَ ومعه صاعانِ يكيل بأحدهما ويكتال بالآخرِ فأنـزل الله هذه الآية .

فالله تعالى جعل الويل للمطففين. ثم بين أن المطففين من هم فقال:

الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ( 2 ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ( 3 ) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ( 5 ) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 6 )

( الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وأراد إذا اكتالوا من الناس أي أخذوا منهمْ و « مِنْ » و « على » متعاقبان.

قال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل [ الوزن ] [ وأراد: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن ] .

( وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناسِ يقال: وزنتك حقك وكلتك طعامكَ أي وزنت لك وكِلت لك كما يقال: نصحتك ونصحت لك وكسبتك وكسبت لك.

قال أبو عبيدة: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على « كالوا ووزنوا » ويبتدئ « هم يخسرون » وقال أبو عبيدة: والاختيار الأول يعني: أن كل واحدة كلمة واحدةُ لأنهم كتبوها بغير ألفٍ ولو كانتا مقطوعتين لكانت: « كالوا [ و ] وزنوا » بالألف كسائر الأفعال مثل جاءوا وقالوا: واتفقت المصاحف على إسقاط الألفِ ولأنه يقال في اللغة: كلتك ووزنتك كما يقال: كلت لك ووزنت لك. « يخسرون » أي ينقصونَ قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل والوزنَ فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم.

( أَلا يَظُنُّ ) يستيقن ( أُولَئِك ) الذين يفعلون ذلك ( أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ) يعني يوم القيامة.

( يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ ) [ من قبورهم ] ( لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي لأمره ولجزائه ولحسابه.

أخبرنا عبد الواحد المليحيُّ أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيميُّ أخبرنا محمد بن يوسفَ حدثنا محمد بن إسماعيلَ أخبرنا إبراهيم بن المنذرِ أخبرنا معنٌ حدثني مالكٌ عن نافعٍ عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه » .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهنيُّ أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارثِ حدثنا محمد بن يعقوب الكسائيُّ حدثنا عبد الله بن محمودٍ حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلَّالُ حدثنا عبد الله بن المباركِ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرٍ قال: [ حدثني سليم بن عامر ] حدثني المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون [ قدر ] ميل أو اثنين » - قال سليم: لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين؟ - قال: « فتصهرهم الشمس فيكون في العَرَق بقدر أعمالهمْ فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويهِ ومنهم من يلجمه إلجامًا » فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمَ وهو يشير بيده إلى فيه يقول: « ألجمه إلجامًا » .

 

كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 )

قوله عز وجل: ( كَلا ) ردع، أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، وقال الحسن: « كلا » ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقًا ( إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ ) الذي كتبت فيه أعمالهم ( لَفِي سِجِّينٍ ) قال عبد الله بن عمر، وقتادة ومجاهد، والضحاك: ( سِجِّينٍ ) هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا المسيب، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سجين » أسفل سبع أرضين، و « عليون » في السماء السابعة تحت العرش .

وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: « إن كتاب الفجار لفي سجين » قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبل فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس، فيخرج لها من سجين رِقّ، فيرقم ويختم، ويوضع تحت جند إبليس، لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة وإليه ذهب سعيد بن جبير، قال: سجين تحت جند إبليس.

وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.

وقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، خضرة السماوات منها يجعل كتاب الفجار فيها.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا قال: « سجين » صخرة تحت الأرض السفلى، تقلب، فيجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس.

وجاء في الحديث: « الفلق جبّ، في جهنم مغطى، وسجين حب في جهنم مفتوح » .

وقال عكرمة: « لفي سجين » أي: لفي خسار وضلال. وقال الأخفش: هو فعيل من السجن، كما يقال: فسيق وشريب، معناه: لفي حبس وضيق شديد.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ( 8 ) كِتَابٌ مَرْقُومٌ ( 9 )

( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ) [ قال الزجاج ] أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.

( كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) ليس هذا تفسير السجين، بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ أي هو كتاب مرقوم، أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. وقال قتادة ومقاتل: رقم عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر. وقيل: مختوم، بلغة حمير.

وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 10 ) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 11 ) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ( 12 ) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 13 ) كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 )

( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ *إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ * كَلا ) قال مقاتل: أي لا يؤمنون، ثم استأنف فقال: ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا إبراهيم بن حزيم الشاشي، أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكَشي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونـزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه » فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » .

وأصل « الرين » الغلبة، يقال: رانت الخمر، على عقله تَرِين، رَيْنًا وريونًا إذا غلبت عليه فسكر. ومعنى الآية، غلبت على قلوبهم المعاصي وأحاطت بها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. قال ابن عباس: « ران على قلوبهم » طبع عليها.

( كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ ) يوم القيامة ( لَمَحْجُوبُونَ ) [ قال ابن عباس: « كلا » يريد: لا يصدقون، ثم استأنف فقال: « إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون » ] قال بعضهم: عن كرامته ورحمته [ ممنوعون ] وقال قتادة: هو ألا ينظر إليهم ولا يزكيهم. وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا.

قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.

وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب [ الله ] أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه.

وقال الشافعي رضي الله عنه: في قوله: « كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون » دلالة على أن أولياء الله يرون الله .

ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ( 16 ) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 17 ) كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 )

ثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: ( ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ) لداخلو النار.

( ثُمَّ يُقَالُ ) أي تقول لهم الخزنة ( هَذَا ) أي هذا العذاب ( الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ )

( كَلا ) قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم بين محل كتاب الأبرار فقال: ( إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) روينا عن البراء مرفوعا: « إن عليين في السماء السابعة تحت العرش » .

وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه.

وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى.

وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى.

وقال بعض أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون.

وقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع، لا واحد له من لفظه، مثل عشرين وثلاثين .

وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتَابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 22 ) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ( 23 ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ( 26 )

( وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ ) ليس بتفسير عليين، أي مكتوب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار. وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة، وهو معنى قول مقاتل: وقولهم: رقم لهم يخبر. وتقدير الآية [ على ] التقديم والتأخير، مجازها: إن كتاب الأبرار [ كتاب ] مرقوم في عليين، وهو محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في سجين، وهو محل إبليس وجنده.

( يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) يعني الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. ( إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ ) إلى ما أعطاهم الله من الكرامة والنعمة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم كيف يعذبون.

( تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض، قال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: « تُعَرف » بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل « نضْرةُ » رفع، وقرأ الباقون بفتح التاء وكسر الراء « نضرةَ » نصب.

( يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ ) خمر صافية طيبة. قال مقاتل: الخمر البيضاء. ( مَخْتُوم ) ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، وقال مجاهد: « مختوم » أي مطين.

( خِتَامُه ) أي طينه ( مِسْكٌ ) كأنه ذهب إلى هذا المعنى، قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام [ خمر ] الدنيا طين. وقال ابن مسعود: « مختوم » أي ممزوج ختامه أي: آخر طعمه وعاقبته مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي آخر، وخَتْم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك.

وقراءة العامة « ختامه مسك » بتقديم التاء، وقرأ الكسائي « خاتمه » وهي قراءة علي وعلقمة، ومعناهما واحد، كما يقال: فلان كريم [ الطابع والطباع ] والختام والخاتم، آخر كل شيء.

( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، [ نظيره قوله تعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ( الصافات- 61 ) ] وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون وقال عطاء: فليستبق المستبقون، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره، أي يَضِنُّ.

وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 )

( وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ) شرب ينصبُّ عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم، وقيل: يجري [ في الهواء متسنما فينصبّ ] في أواني أهل الجنة على قدر ملئها، فإذا امتلأت أمسك. وهذا معنى قول قتادة.

وأصل الكلمة من العلو، يقال للشيء المرتفع: سنام، ومنه: سنام البعير. قال الضحاك: هو شراب اسمه تسنيم، وهو أشرف الشراب.

قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص [ للمؤمنين ] المقربين يشربونها صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة. وهو قوله: « ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون » .

وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: « من تسنيم » ؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ( السجدة- 17 ) .

( عَيْنًا ) نصب على الحال ( يشرب بها ) أي منها وقيل: يشرب بها المقربون صرفًا. قوله عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) أشركوا، يعني كفار قريش: أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأصحابهم من مترفي مكة ( كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) عمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. ( يَضْحَكُونَ ) وبهم يستهزءون.

وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ( 32 ) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ( 33 ) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ( 34 )

( وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ ) يعني من فقراء المؤمنين بالكفار ( يَتَغَامَزُونَ ) والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.

( وَإِذَا انْقَلَبُوا ) يعني الكفار ( إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ) معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.

( وَإِذَا رَأَوْهُمْ ) رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ( قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ) يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء.

( وَمَا أُرْسِلُوا ) يعني المشركين ( عَلَيْهِمْ ) يعني على المؤمنين ( حَافِظِينَ ) أعمالهم، أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم .

( فَالْيَوْم ) يعني في الآخرة ( الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ) قال أبو صالح: وذلك أنه يفتح للكفار في النار أبوابها، ويقال لهم: اخرجوا، فإذا رأوها مفتوحة أقبلوا إليها ليخرجوا، والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارًا والمؤمنون يضحكون.

وقال كعب: بين الجنة والنار كُوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوٍّ له، كان في الدنيا، اطلع عليه من تلك الكوى ، كما قال: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ( الصافات- 55 ) فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا، فذلك قوله عز وجل: « فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون »

 

عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ( 35 )

( عَلَى الأرَائِكِ ) [ من الدر والياقوت ] ( يَنْظُرُونَ ) إليهم في النار.

هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 )

قال الله تعالى: ( هَلْ ثُوِّبَ ) هل جوزي ( الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) أي جزاء استهزائهم بالمؤمنين. ومعنى الاستفهام هاهنا: التقرير. وثوب [ وأثيب ] وأثاب بمعنى واحد.

 

سورة الانشقاق

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ( 2 ) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ( 3 ) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ( 4 ) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ( 5 )

( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ) انشقاقها من علامات القيامة.

( وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ) أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الأذن وهو الاستماع، ( وَحُقَّتْ ) أي وحق لها أن تطيع ربها.

( وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ ) مد الأديم العكاظي، وزيد في سعتها. وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل.

( وَأَلْقَتْ ) أخرجت ( مَا فِيهَا ) من الموتى والكنوز ( وَتَخَلَّتْ ) [ خلت ] منها.

( وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ) واختلفوا في جواب « إذا » قيل: جوابه محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب.

وقيل جوابه: يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل كادح [ ما ] عمله.

وقيل: جوابه: « وأذنت » وحينئذ تكون « الواو » زائدة.

يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ( 6 ) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ( 11 ) وَيَصْلَى سَعِيرًا ( 12 )

ومعنى قوله: ( كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا ) أي ساعٍ إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثر. وقال قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا ( فَمُلاقِيهِ ) أي ملاقي جزاء عملك خيرًا كان أو شرًا.

( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ ) ديوان [ أعماله ] ( بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من حُوسب عُذّب » قالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله أوليس يقول الله عز وجل: « فسوف يحاسب حسابا يسيرا » ؟ قالت: فقال: « إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش [ في الحساب هلك ] . »

( وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ ) يعني في الجنة من الحور العين والآدميات ( مَسْرُورًا ) بما أوتي من الخير والكرامة.

( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ) فتغلُّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.

( فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ) ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، كقوله تعالى: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ( الفرقان- 13 ) .

( وَيَصْلَى سَعِيرًا ) قرأ أبو جعفر، وأهل البصرة، وعاصم، وحمزة: « ويصلى » بفتح الياء خفيفا كقوله: يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( الأعلى- 12 ) وقرأ الآخرون بضم الياء [ وفتح الصاد ] وتشديد اللام كقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( الواقعة- 94 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( الحاقة- 31 ) .

إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ( 15 ) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ( 17 ) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ( 18 ) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ( 19 )

( إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ) يعني في الدنيا، باتباع هواه وركوب شهوته.

( إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ) أن لن يرجع إلينا ولن يبعث ثم قال: ( بَلَى ) ( بَلَى ) أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث ( إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ) من يوم خلقه إلى أن بعثه.

قوله عز وجل: ( فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ) قال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة.

( وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ) أي جمع وضمَّ، يقال: وسقته أسقه وسقا، أي: جمعته، واستوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت. والمعنى: والليل وما جمع وضم ما كان بالنهار منتشرًا من الدواب، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه. روى منصور عن مجاهد قال: ما لف وأظلم عليه. وقال مقاتل بن حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب. وقال سعيد بن جبير. وما عمل فيه. ( وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ) اجتمع واستوى وتم نوره وهو في الأيام البيض. وقال قتادة: استدار، وهو افتعل من الوَسْق الذي هو الجمع.

( لَتَرْكَبُن ) قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: « لتركَبَنَّ » بفتح الباء يعني لتركبن يا محمد ( طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ) قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس: « لتركبن طبقا عن طبق » حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم .

وقيل: أراد به السماء تتغير لونًا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ « وشماله » وذكر من بعد: فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وأراد: لتركبُنَّ حالا بعد حال، وأمرًا بعد أمر في موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا. و « عن » بمعنى بعد.

وقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة [ ثم الموت ثم الحياة ] .

وقال عطاء: مرة فقيرًا ومرة غنيًا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حالٍ، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لتتبعن سنن من [ كان ] قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبِّ لتبعتموهم » قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟ .

فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 )

قوله عز وجل ( فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) استفهام إنكار.

( وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ) قال الكلبي ومقاتل: لا يصلُّون.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن مينا عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ » و « إذا السماء انشقت » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا معمر قال: سمعت أبي قال حدثني بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت، فسجد فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه .

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ( 22 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ( 23 ) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 )

( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ) بالقرآن والبعث.

( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ) في صدورهم من التكذيب. قال مجاهد: يكتمون. ( فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) غير مقطوع ولا منقوص.

 

سورة البروج

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ( 1 ) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ( 2 ) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ( 3 )

( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ) هو يوم القيامة. ( وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها خيرًا إلا استجاب الله له، أو يستعيذ [ به ] من شر إلا أعاذه منه » ، وهذا قول ابن عباس.

والأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر.

وروي عن ابن عمر: « الشاهد » يوم الجمعة، « والمشهود » يوم [ النحر ]

قال سعيد بن المسيب: « الشاهد » يوم التروية، « والمشهود » يوم عرفة.

وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: « الشاهد » محمد صلى الله عليه وسلم و « المشهود » : يوم القيامة، ثم تلا فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ( النساء- 41 ) ، وقال: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ . وقال عبد العزيز بن يحيى: « الشاهد » : محمد صلى الله عليه وسلم، و « المشهود » : الله عزّ وجلّ، بيانه قوله : وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا .

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: « الشاهد » آدم، و « المشهود » يوم القيامة.

وقال عكرمة : « الشاهد » الإنسان و « المشهود » يوم القيامة. وعنه أيضا: الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وتلا وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ( ق- 21 ) و وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( هود- 103 ) وقيل: الشاهد [ الحفظة والمشهود بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: الشاهد ] آدم وذريته، والمشهود يوم القيامة.

وروى الوالبي عن ابن عباس: الشاهد هو الله عز وجل والمشهود يوم القيامة.

وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم. بيانه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ( البقرة- 143 ) .

وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن جبير عن قوله: « وشاهد ومشهود » فقال: الشاهد هو الله والمشهود: نحن، بيانه: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( النساء- 79 ) وقيل: الشاهد أعضاء بني آدم، والمشهود ابن آدم، بيانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ الآية ( النور- 24 ) وقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ إلى قوله فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( آل عمران- 81 ) .

قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ( 4 )

( قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ ) أي: لعن، و « الأخدود » الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه: أخاديد واختلفوا فيهم:

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله بن سعدان الخطيب، أخبرني أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن قريش بن نوح بن رستم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكا [ ذلك ] إلى الراهب، فقال: إذا [ جئت ] الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا [ جئت ] أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ حجرًا ثم قال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت [ فاصبر ] فلا تدلَّ عليَّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي عز وجل، قال أَوَلَك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى [ فدعا بالمنشار ] فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقَّه به حتى وقع [ شقاه ] ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، [ فذهبوا به ] فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور [ إلى لجة بحر كذا ] فإن رجع عن دينه وإلا [ فاطرحوه في البحر ] فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم [ الله ] رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع [ السهم ] في كبد قوسه، ثم قال: بسم [ الله ] رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثًا فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نـزل بك حذرُك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت وأضرم بها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق » .

هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن [ هُدْبة بن خالد عن ] حماد بن سلمة .

وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى فوقع إلى أهل نجران [ فدعاهم ] فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من حِمْيَر وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخَّد الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفًا، ثم [ لما ] غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد الله بن التامر.

وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن خربة احتقرت في زمن عمر بن الخطاب فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا أميطت يده عنها انبعثت دمًا وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ربي الله، فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه

وروى عطاء عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شرحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم [ بسبعين سنة ] وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بدًا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم [ وكان ] في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت، فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل الملك [ ذلك ] فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك وخد أخدودًا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي، فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي [ عن الإسلام ] فإنك على الحق، ولا بأس عليك، فألقي الصبي في النار، وألقيت أمه على أثره .

وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: لما انهزم أهل إسفندهار قال عمر بن الخطاب: أي شيء يجري على المجوس من الأحكام فإنهم ليسوا بأهل كتاب؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر أحلت لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت، وما المخرج منه قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، وتقول: إن الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيبًا فقال: إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات، فقال الناس بأجمعهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا، أو نُقِرَّ به، ما جاءنا به نبي ولا أنـزل علينا فيه كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا فجرد فيهم السيف. فأبوا أن يقروا [ فخدَّ لهم أخدودًا ] وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى ولم يطعه قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله .

وقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء فخدوا لهم أخدودًا ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: أتكفرون أم نقذفكم في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وقال أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي، بعث [ نبي ] من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ علي رضي الله عنه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ الآية ( غافر- 78 ) فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذوا وأوثق ما أفلت منهم فخدوا أخدودًا فملؤها نارًا فمن تبع النبي رُمي فيها، ومن تابعهم تركوه، فجاءوا بامرأة ومعها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي: يا أماه مري ولا تنافقي.

وقال عكرمة: كانوا من النبط [ أحرقوا بالنار ] وقال مقاتل: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وواحدة بالشام، والأخرى بفارس، حرقوا [ بالنار ] أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو ذو نواس يوسف، فأما التي بالشام وفارس فلم ينـزل الله فيهما قرآنًا وأنـزل في التي كانت بنجران ، وذلك أن رجلا مسلمًا ممن يقرأ الإنجيل آجر نفسه في عمل، وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه [ فسأله فلم يخبره ] فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا من بين رجل وامرأة وهذا بعدما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخدَّ لهم في الأرض وأوقد فيها نارًا فعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وإن امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارًا لا تطفأ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعًا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فَقُذِف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانًا، فذلك قوله عز وجل: « قتل أصحاب الأخدود » .

النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 ) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 9 )

( النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) بدل من الأخدود، قال الربيع بن أنس: نَجَّى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم . ( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) أي: عند النار جلوس [ لتعذيب ] المؤمنين. قال مجاهد: كانوا قعودا على الكراسي [ عند الأخدود ] . ( وَهُم ) يعني الملك وأصحابه الذين خدّوا [ الأخدود ] ( عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم ( شُهُود ) حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون أن المؤمنين في ضلال حين تركوا عبادة الصنم. ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كرهوا منهم ( إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ) قال مقاتل ما عابوا منهم. وقيل: ما علموا فيهم عيبًا. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم بالله ( الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) من أفعالهم ( شَهِيد )

إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ( 10 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ( 11 ) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ( 16 ) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 )

( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ) عذبوا وأحرقوا ( الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، نظيره يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( الذاريات- 13 ) ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ) بكفرهم ( وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: ولهم عذاب الحريق [ في الدنيا، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي ] أحرقوا بها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، قاله الربيع بن أنس والكلبي. ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) واختلفوا في جواب القسم: فقال بعضهم: جوابه: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ يعني لقد قتل.

وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وقال قتادة: جوابه: ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخَذَ الظلمَة لشديدٌ، كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( هود- 102 ) . ( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم يعيدهم أحياءً بعد الموت. ( وَهُوَ الْغَفُورُ ) لذنوب المؤمنين ( الْوَدُودُ ) المحب لهم، وقيل: معناه المودود، كالحلوب والركوب، بمعنى المحلوب والمركوب. وقيل: يغفر ويود أن يغفر، وقيل: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. ( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) قرأ حمزة والكسائي: « المجيد » بالجر، على صفة العرش أي السرير العظيم. وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه بالكرم، فقال: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( المؤمنون- 116 ) ومعناه الكمال، والعرش: أحسن الأشياء وأكملها، وقرأ الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش. ( فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه. قوله عز وجل ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ) قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا على الأنبياء

فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 )

ثم بين من هم فقال: ( فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من قومك يا محمد ( فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ * بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) لك وللقرآن كدأب [ آل فرعون ] من قبلهم، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. ( واللَّهُ مِنَ وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ) ، عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، يقدر أن ينـزل بهم ما أنـزل بمن كان قبلهم. ( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ) ، كريم شريف كثير الخير، ليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة. ( فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظِ ) ، قرأ نافع: « محفوظ » بالرفع على نعت القرآن، فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( الحجر - 9 ) . وقرأ الآخرون بالجر على نعت اللوح ، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ ، وهو أم الكتاب ومنه نسخ الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، أخبرنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عزّ وجلّ وصدق بوعده واتبع رسله أدخله، قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.

قال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.

 

سورة الطارق

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ( 1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ( 2 ) النَّجْمُ الثَّاقِبُ ( 3 ) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ( 4 )

( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ) قال الكلبي: نـزلت في أبي طالب، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ماءً ثم نارًا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رُمي به، وهو آية من آيات الله عز وجل فعجب أبو طالب فأنـزل الله عز وجل: « والسماء والطارق » وهذا قسم، و « الطارق » النجم يظهر بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق.

( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ) ثم فسَّره فقال ( النَّجْمُ الثَّاقِبُ ) أي المضيء المنير، قال مجاهد: المتوهج، قال ابن زيد: أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم. وقيل: هو زُحَل، سُمي بذلك لارتفاعه، تقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب.

( إِنْ كُلُّ نَفْسٍ ) جواب القسم ( لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ) قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: « لما » بالتشديد، يعنون: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل يجعلون « لما » بمعنى « إلا » يقولون: نشدتك الله لما قمت، أي إلا قمت.

وقرأ الآخرون بالتخفيف، جعلوا « ما » صلة، مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ [ من ربها ] [ وتأويل الآية: كل نفس عليها حافظ من ربها ] يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير وشر.

قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة. قال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ويحفظ قولها وفعلها حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلي عنها.

فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ( 7 ) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ( 8 ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ( 9 )

( فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) أي من أي شيء خلقه ربه، أي فلينظر نظر المتفكر.

ثم بين فقال: ( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ) مدفوق أي مصبوب في الرحم، وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقوله: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ( الحاقة- 21 ) أي مرضية، والدفق: الصب، وأراد ماء الرجل وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما، وجعله واحدًا لامتزاجهما.

( يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ) يعني صلب الرجل وترائب المرأة، و « الترائب » جمع التربية، وهي عظام الصدر والنحر. قال ابن عباس: هي موضع القلادة من الصدر. وروى الوالبي عنه: بين ثديي المرأة. وقال قتادة: النحر. وقال ابن زيد: الصدر.

( إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ) قال مجاهد: على رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماءً كما كان من قبل لقادر. وقال مقاتل بن حيان: [ إن شاء رده ] من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته قادر وهذا أولى الأقاويل لقوله: ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ )

( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ) وذلك يوم القيامة تبلى السرائر، تظهر الخفايا قال قتادة ومقاتل: تختبر [ الأعمال ] قال عطاء بن أبي رباح: السرائر فرائض الأعمال، كالصوم والصلاة [ والوضوء ] والاغتسال من الجنابة، فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاء العبد لقال: صمت ولم يصم، وصليت، ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها.

قال ابن عمر: بيدي الله عز وجل يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في وجوه وشينًا في وجوه، يعني: من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.

فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ( 10 ) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ( 12 ) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ( 13 ) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ( 14 ) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ( 15 ) وَأَكِيدُ كَيْدًا ( 16 ) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ( 17 )

( فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ) أي ما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله.

ثم ذكر قَسَمًا آخر فقال: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ) أي ذات المطر لأنه يرجع كل عام ويتكرر. وقال ابن عباس: هو السحاب يرجع بالمطر.

( وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ) أي تتصدع وتنشَّق عن النبات والأشجار والأنهار.

وجواب القسم قوله: ( إِنَّه ) يعني القرآن ( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) حق وجدُّ يفصل بين الحق والباطل.

( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) باللعب والباطل.

ثم أخبر عن مشركي مكة فقال: ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ) يخافون النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه.

( وَأَكِيدُ كَيْدًا ) وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.

( فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ ) قال ابن عباس: هذا وعيد من الله عز وجل لهم ( أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ) قليلا ومعنى مهِّل وأمهل: أنظر ولا تعجل، فأخذهم الله يوم بدر، ونسخ الإمهال بآية السيف.

 

سورة الأعلى

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ( 1 )

( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى ) [ يعني ] قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ « سبح اسم ربك الأعلى » فقال: « سبحان ربي الأعلى » .

وقال قوم: معناه نـزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، وجعلوا الاسم صلة. ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدًا، لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا، إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا، فكان معنى سبِّح اسم ربك الأعلى: سبِّح ربك.

وقال آخرون: نـزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظّم، ولذكره محترم [ ولأوامره مطاوع ] وجعلوا الاسم بمعنى التسمية.

وقال ابن عباس: سبح [ اسم ربك الأعلى ] أي: صلِّ بأمر ربك الأعلى.

الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ( 3 ) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ( 5 )

( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فسوّى اليدين والرجلين والعينين. وقال الزجَّاج: خلق الإنسان مستويًا، ومعنى « سوى » عدل قامته.

( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) قرأ الكسائي: « قَدَر » بتخفيف الدال، وشددها الآخرون، وهما بمعنى واحدٍ.

وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراتعها.

وقال مقاتل والكلبي: قدر لكل شيء مسلكه، « فهدى » عرّفها كيف يأتي الذكر الأنثى.

وقيل: قدر الأرزاق وهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش.

وقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.

وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج من الرحم.

قال الواسطي: قدر السعادة والشقاوة عليهم، ثم يسر لكل واحد من الطائفتين سلوك [ سبيل ] ما قدر عليه.

( وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ) أنبت العشب وما ترعاه [ النَّعم ] من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض.

( فَجَعَلَه ) بعد الخضرة ( غُثَاءً ) هشيمًا باليًا، كالغثاء الذي تراه فوق السيل. ( أَحْوَى ) أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس اسودَّ.

سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ( 6 ) إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ( 7 ) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ( 8 ) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ( 9 ) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ( 11 ) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ( 12 )

( سَنُقْرِئُك ) سنعلمك بقراءة جبريل [ عليك ] ( فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ ) أن تنساه، وما نسخ الله تلاوته من القرآن، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ( البقرة - 106 ) والإنساء نوع من النسخ.

وقال مجاهد، والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نـزل عليه جبريل عليه السلام، لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها، فأنـزل الله تعالى: « سنقرئك فلا تنسى » [ فلم ينس بعد ] ذلك شيئًا . ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ ) من القول والفعل ( وَمَا يَخْفَى ) منهما، والمعنى: أنه يعلم السر والعلانية.

( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ) قال مقاتل: نهون عليك عمل أهل الجنة - وهو معنى قول ابن عباس - ونيسرك لأن تعمل خيرا. و « اليسرى » عمل الخير.

وقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة.

وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: أنه يعلم الجهر مما تقرؤه على جبريل إذا فرغ من التلاوة، « وما يخفى » ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده فقال: ( وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ) أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه.

( فَذَكِّر ) عِظْ بالقرآن ( إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ) الموعظة والتذكير. والمعنى: نفعت أو لم تنفع، وإنما لم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وأراد: الحر والبرد جميعًا.

( سَيَذَّكَّر ) يتعظ ( مَنْ يَخْشَى ) الله عز وجل.

( وَيَتَجَنَّبُهَا ) أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها ( الأشْقَى ) الشقي في علم الله.

( الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ) العظيمة والفظيعة، لأنها أعظم وأشد حرًا من نار الدنيا.

ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ( 13 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 )

( ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا ) فيستريح ( وَلا يَحْيَا ) حياة تنفعه.

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله. هذا قول عطاء وعكرمة، ورواية الوالبي وسعيد بن جبير عن ابن عباس وقال الحسن: من كان عمله زاكيًا .

وقال آخرون: هو صدقة الفطر، روي عن أبي سعيد الخدري في قوله: « قد أفلح من تزكى » قال: أعطى صدقة الفطر .

( وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) قال خرج إلى العيد فصلى، فكان ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية . وروى نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة - يعني من يوم العيد - قال: يا نافع أَخْرَجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا قال: فالآن فأخْرِجْ، فإنما نـزلت هذه الآية في هذا « قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى » وهو قول أبي العالية وابن سيرين.

وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر .

[ قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله ] يجوز أن يكون النـزول سابقا على الحكم كما قال: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: « أُحِلَّت لي ساعة من نهار » وكذلك نـزل بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( القمر- 45 ) قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب، في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر « وذكر اسم ربه فصلى » أي: وذكر ربه فصلى، قيل: الذكر: تكبيرات العيد، والصلاة: صلاة العيد، وقيل: الصلاة هاهنا الدعاء.

 

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 16 ) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 17 ) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ( 18 ) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ( 19 )

( بَلْ تُؤْثِرُونَ ) قرأ أبو عمرو، ويعقوب: [ يؤثرون ] بالياء، يعني: الأشْقَيْن الذين ذكروا، وقرأ الآخرون بالتاء، دليله: قراءة أبي بن كعب « بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا » [ والمراد بـ « الأشقى » الجمع، وإن كان على لفظ الواحد، لأن الشيء إذا دخله الألف واللام للجنس صار مستغرقًا، فكأنه قال: ويتجنبه الأشقون، ثم قال: « بل تؤثرون الحياة الدنيا » ]

( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية، فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا قال: لأن الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة نُعِتت لنا، وزويت عنّا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل .

( إِنَّ هَذَا ) يعني ما ذكر من قوله: « قد أفلح من تزكى » [ إلى تمام ] أربع آيات، ( لَفِي الصُّحُفِ الأولَى ) أي في الكتب الأولى التي أنـزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلي، وإيثار الخلق الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى.

ثم بيّن الصحف فقال: ( صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ) قال عكرمة والسدي: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى [ بن أيوب حدثنا سعيد بن كثير حدثنا ] يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما بـ « سبح اسم ربك الأعلى » و « قل يا أيها الكافرون » وفي الوتر بـ « قل هو الله أحد » و « قل أعوذ برب الفلق » و « قل أعوذ برب الناس » .

 

سورة الغاشية

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ( 1 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ( 2 ) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ( 3 )

( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) يعني: قد أتاك حديث القيامة، تغشى كل شيء بالأهوال.

( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ) يعني: يوم القيامة ( خَاشِعَة ) ذليلة.

( عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ) قال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عَبَدَة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم اجتهادًا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة، وهو قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. ومعنى النَّصبَ: الدأب في العمل بالتعب.

وقال عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في الآخرة في النار .

وقال بعضهم: عاملة في النار ناصبة فيها. قال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل، والأغلال. وبه قال قتادة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس .

قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل.

وقال الكلبي: يَجرُّون على وجوههم في النار.

[ وقال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار ] والكلام خرج على « الوجوه » والمراد منها أصحابها.

تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ( 4 ) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 )

( تَصْلَى نَارًا ) قرأ أهل البصرة وأبو بكر: « تُصلى » بضم التاء اعتبارًا بقوله: « تسقى من عين آنية » [ وقرأ الآخرون بفتح التاء ( نَارًا حَامِيَةً ) قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.

( تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها [ وِرْدًا ] عطاشًا. قال المفسرون: لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت. هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال: ( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ) قال مجاهد وعكرمة وقتادة: هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموها الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. وهو رواية العوفي عن ابن عباس. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس.

قال ابن زيد: أما في الدنيا فإن « الضريع » الشوك اليابس الذي يبس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار وجاء في الحديث عن ابن عباس: « الضريع: شيء في النار [ شبه ] الشوك أمرُّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرًا من النار » .

وقال أبو الدرداء، والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله عز جل: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ( محمد- 15 ) .

لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ( 11 ) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ( 12 ) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 )

قال المفسرون: فلما نـزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، وتسمى « شبرقًا » فإذا يبس لا يأكله شيء. فأنـزل الله: ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ )

ثم وصف أهل الجنة فقال: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ) قال مقاتل: في نعمة وكرامة.

( لِسَعْيِهَا ) في الدنيا ( رَاضِيَةٌ ) في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. ( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ) لغو وباطل، قرأ أهل مكة والبصرة: « لا يُسْمَع » بالياء وضمها، « لاغيةٌ » رفع. وقرأ نافع « لا تُسمع » بالتاء وضمها، « لاغية » رفع، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها « لاغية » [ بالنصب ] على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ( فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ) قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها.

( وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ) عندهم، جمع كوب، وهو الإبريق الذي لا عروة له.

( وَنَمَارِقُ ) وسائد ومرافق ( مَصْفُوفَةٌ ) بعضها بجنب بعض، واحدتها « نُمْرُقَة » بضم النون.

( وَزَرَابِيّ ) يعني البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل واحدتها زَرْبِيَّة، ( مَبْثُوثَةٌ ) مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس.

( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكرَّهم الله تعالى صنعه فقال: ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ ) [ من بين سائر الحيوانات ] ( كَيْفَ خُلِقَتْ ) وكانت الإبل من عيش العرب لهم فيها منافع كثيرة، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع.

وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم [ يشاهد ] الفيل إلا الشاذ منهم.

وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة.

وقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سُرُرِ الجنة وفُرُشِها، فقالوا: كيف نصعدها فأنـزل الله تعالى هذه الآية.

وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد بها. ثم هو [ لا خير فيه ] لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل أعز مال للعرب وأنفسها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن.

وقيل: [ إنها ] مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا إلى [ كناسة اسطبل ] حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت .

وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 )

( وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ) عن الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد.

( وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ) على وجه الأرض [ مرساة ] لا تزول.

( وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) [ بسطت ] قال عطاء عن ابن عباس: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، او يسطح مثل الأرض غيري؟.

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ( 22 ) إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ( 26 )

( فَذَكِّر ) [ أي: عظ يا محمد ] ( إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ) بمسلَّط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. نسختها آية القتال .

( إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ) استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير.

( فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ ) وهو أن يدخله النار وإنما قال « الأكبر » لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر.

( إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ) رجوعهم بعد الموت، يقال آب يؤب أَوْبًا وإِيَابًا، وقرأ أبو جعفر: « إيابهم » بتشديد الياء، وهو شاذ لم يُجِزْه أحد غير الزجَّاج فإنه قال يقال: أيَبَ إِيَّابَا، على: فعل فيعالا.

( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) يعني جزاءهم بعد المرجع إلى الله عز وجل.

 

سورة الفجر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيَالٍ عَشْرٍ ( 2 ) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ( 3 )

( وَالْفَجْرِ ) أقسم الله عز وجل بالفجر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو انفجار الصبح كل يوم وهو قول عكرمة، وقال عطية عنه: صلاة الفجر. وقال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السَّنة. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة لأنه [ قرنت ] به الليالي العشر.

( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) روي عن ابن عباس: أنها العشر الأوَل من ذي الحجة. وهو قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والكلبي.

وقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر [ الأواخر ] من شهر رمضان.

وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: هي العشر [ الأوائل ] من شهر رمضان.

وقال يمان بن رباب: هي العشر الأول من المحرم التي عاشِرُها يوم عاشوراء .

( وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) قرأ حمزة، والكسائي: « الوِتْر » بكسر الواو، وقرأ الآخرون بفتحها، واختلفوا في الشفع والوتر. قيل: « الشفع: الخلق » ، قال الله تعالى: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا و « الوَتْر » هو الله عز وجل. روي ذلك عن [ ابن مسعود وعن ] أبي سعيد الخدري، وهو قول عطية العوفي.

وقال مجاهد ومسروق: « الشفع » الخلق كله، كما قال الله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ( الذاريات- 49 ) الكفر والإيمان، والهدى والضلالة، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، والوتر هو الله عز وجل، قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( الإخلاص- 1 ) .

قال الحسن وابن زيد: « الشفع والوتر » الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر.

وروى قتادة عن الحسن قال: هو العدد منه شفع ومنه وتر. وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. وروى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعا، وروى عطية عن ابن عباس: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.

وعن عبد الله بن الزبير قال: « الشفع » يوم النفر الأول، و « الوتر » يوم النفر الأخير. روي أن رجلا سأله عن الشفع والوتر والليالي العشر؟ فقال: أما الشفع والوتر: فقول الله عز وجل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ( البقرة- 203 ) فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر: فالثمان وعرفة والنحر.

وقال مقاتل بن حيان: « الشفع » الأيام والليالي، و « الوتر » اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.

وقال الحسين بن الفضل: « الشفع » درجات الجنة لأنها ثمان، و « الوتر » دركات النار لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار.

وسئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: « الشفع » تضاد [ أخلاق ] المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى، و « الوتر » انفراد صفات الله عِزٌ بلا ذُل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا ممات .

وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ( 7 )

( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ) أي إذا سار وذهب كما قال تعالى وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( المدثر- 33 ) وقال قتادة: إذا جاء وأقبل، وأراد كل ليلة.

وقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة.

قرأ أهل الحجاز، والبصرة: « يسري » بالياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضًا، والباقون يحذفونها في الحالين، فمن حذف فلِوِفَاق رءوس الآي، ومن أثبت فلأنها لام الفعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف، نحو قوله: هو يقضي وأنا أقضي. وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء؟ فقال: الليل لا يسري، ولكن يسرى فيه، فهو مصروف، فلما صرفه بخسه حقه من الإعراب، كقوله: وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ولم يقل: « بغية » لأنها صرفت من باغية.

( هَلْ فِي ذَلِكَ ) أي فيما ذكرت ( قَسَم ) أي: مقنع ومكتفى في القسم ( لِذِي حِجْرٍ ) لذي عقل سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عمّا لا يحل ولا ينبغي، [ كما يسمى عقلا لأنه يعقله عن القبائح، ونُهى لأنه ينهى عما لا ينبغي ] وأصل « الحَجْر » المنع: وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ واعترض بين القسم وجوابه قوله عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ ) قال الفَّراء: ألم تُخْبرَ؟ وقال الزجاج: ألم تعلم؟ ومعناه التعجب. ( كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَم ) يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول أعمارًا وأشد قوة من هؤلاء. واختلفوا في إرم ذات العماد، فقال سعيد بن المسيب: « إرم ذات العماد » دمشق، وبه قال عكرمة.

وقال القرظي هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي أمَّة. وقيل: معناها: القديمة.

وقال قتادة، ومقاتل: هم قبيلة من عاد قال مقاتل: كان فيهم الملك، وكانوا [ بمَهَرَة ] وكان عاد أباهم، فنسبهم إليه، وهو إرم بن عاد بن إرم بن سام بن نوح.

وقال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح .

وقال الكلبي: « إرم » هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل الجزيرة، كان يقال: عاد إرم، وثمود إرم، فأهلك الله عادًا ثم ثمود، وبقي أهل السواد والجزيرة، وكانوا أهل عُمُدٍ وخيام وماشية سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع، ومنازلهم بوادي القرى، وهي التي يقول الله فيها:

الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ( 10 )

( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ) وسموا ذات العماد [ لهذا ] لأنهم كانوا أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قامتهم. قال ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد. وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعًا. وقوله ( لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ) أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً .

وقيل: سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم فشيد [ عنده ] ورفع بناءه، يقال: بناه شداد بن عاد على صفة لم يخلق في الدنيا مثله، وسار إليه في قومه، فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا.

( وَثَمُودَ ) أي: وبثمود، ( الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ ) قطعوا الحجر، واحدتها: صخرة، ( بِالْوَادِ ) يعني [ وادي القُرى ] كانوا يقطعون الجبال فيجعلون فيها بيوتًا. وأثبت ابن كثير ويعقوب الياء في الوادي وصلا ووقفًا على الأصل، وأثبتها ورش وصلا والآخرون بحذفها في الحالين على وفق رءوس الآي.

( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ ) سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، وقد ذكرناه في سورة ( ص ) .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسين بن علويه، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس: أن فرعون إنما سُمي « ذي الأوتاد » لأنه كانت امرأة، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان مؤمنًا كتم إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس مَنْ كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك من إلهٍ غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقتْ، فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدَّها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين، فقالت له: ولو عذبتني سبعين شهرًا ما كفرت بالله. وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قرب منها. وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على قلبك، وكانت رضيعًا، فقالت: لو ذبحت من على وجه الأرض على فيَّ ما كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها الصغرى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالا وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة. اصبري فإنك تُفْضِين إلى رحمة الله وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة، قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون، فلما رأيا ذلك انصرفا، فقال حزبيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة، ولم يظهر عليَّ أحد، فأيما هذان الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سُؤْله، وأيما هذين الرجلين أظهر عليَّ فعجل عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رءوس الملأ فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه.

قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها « آسية بنت مزاحم » فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي به فرعون، وأنا مسلمة وهو كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبًا منها، فقالت: يا فرعون أنت شرّ، الخلق وأخبثهم عمدت إلى الماشطة فقتلتها، قال: فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد أن ربي وربَّك ورب السماوات والأرض واحدٌ لا شريك له، فقال لها أبوها: يا آسية ألست من خير نساء [ العماليق ] وزوجك إله العماليق؟ قالت أعوذ بالله من ذلك، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجًا تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: اخرجا عني، فمدَّها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( التحريم- 11 ) فقبض الله روحها وأسكنها الجنة .

الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ( 13 ) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ( 14 )

( الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ) يعني عادا وثمود وفرعون، عملوا في الأرض بالمعاصي وتجبروا. ( فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ) قال قتادة: يعني لونًا من العذاب صبه عليهم، قال أهل المعاني: هذا على الاستعارة، لأن السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب. وقال الزجاج: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.

( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) قال ابن عباس: يعني بحيث يرى ويسمع ويبصر.

قال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد. قال مقاتل: ممر الناس عليه، والمرصاد، والمرصد: الطريق.

وقيل: مرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم.

وقال الحسن وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.

والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من هو بالمرصاد.

وقال السدي: أرصد الله النار على طريقهم حتى يهلكهم.

فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ( 16 ) كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 18 )

( فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ ) امتحنه ( رَبُّهُ ) بالنعمة ( فَأَكْرَمَه ) بالمال ( وَنَعَّمَه ) بما وسع عليه ( فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ) بما أعطاني.

( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ ) بالفقر ( فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) قرأ أبو جعفر وابن عامر « فقدَّر » بتشديد الدال، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان، أي ضيق عليه رزقه. وقيل: « قدر » بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. ( فَيَقُول، رَبِّي أَهَانَنِ ) أذلَّني بالفقر. وهذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلَّتِه. قال الكلبي ومقاتل: نـزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر، فردَّ الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة، فقال ( كَلا ) لم أَبْتَلِه بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى بتقديره، فيوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته.

قرأ أهل الحجاز والبصرة « أكرمني وأهانني » بإثبات الياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفًا.

( بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) قرأ أهل البصرة: « يكرمون، ويحضون، ويأكلون، ويحبون » بالياء فيهن، وقرأ الآخرون بالتاء، « لا تكرمون اليتيم » لا تحسنون إليه. وقيل: لا تعطونه حقه.

قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه.

( وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) أي لا تأمرون بإطعامه، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: « تحاضُّون » بفتح الحاء وألف بعدها، أي لا يحض بعضكم بعضًا عليه .

وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 ) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ( 23 )

( وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ ) أي الميراث ( أَكْلا لَمًّا ) شديدًا وهو أن يأكل نصيبه ونصيب غيره، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون نصيبهم.

قال ابن زيد: الأكل اللَّمُ: الذي يأكل كل شيء يجده، لا يسأل عنه أحلال هو أم حرام؟ ويأكل الذي له ولغيره، يقال: لممت ما على الخِوان إذا أتيت ما عليه فأكلته.

( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) أي كثيرًا، يعني: تحبون جمع المال وتولعون به، يقال: جم الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع.

( كَلا ) ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. وقال مقاتل: أي لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم، وإطعام المسكين، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال عز من قائل: ( إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا ) مرة بعد مرة، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر، فلم يبق على ظهرها شيء.

( وَجَاءَ رَبُّكَ ) قال الحسن: جاء أمره وقضاؤه وقال الكلبي: ينـزل ( وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة. قال الضحاك: أهل كل سماء إذا نـزلوا يوم القيامة كانوا صفًا مختلطين بالأرض ومن فيها فيكون سبع صفوف .

( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) قال عبد الله بن مسعود، ومقاتل في هذه الآية: [ جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها ] لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش ( يَوْمَئِذٍ ) يعني يوم يجاء بجهنم ( يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ ) يتعظ ويتوب الكافر ( وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ) قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له التوبة؟

 

يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ( 26 ) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 )

( يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) أي قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي في الآخرة، أي لآخرتي التي لا موت فيها.

( فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ) قرأ الكسائي ويعقوب « لا يُعذَّب » « ولا يُوثقَ » بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحدٌ [ في الدنيا ] كعذاب الله يومئذ، ولا يوثق كوثاقه [ أحد ] يومئذ.

وقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد.

وقرأ الآخرون بكسر الذال والثاء، أي: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كوثاقه أحد، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب، والوثاق: هو الإسار في السلاسل والأغلال.

قوله عز وجل: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) إلى ما وعد الله عز وجل المصدقة بما قال الله. وقال مجاهد: « المطمئنة » التي أيقنت أن الله تعالى ربها وصَبرت جأشًا لأمره وطاعته.

وقال الحسن: المؤمنة الموقنة، وقال عطية: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال الكلبي: الآمنة من عذاب الله.

وقيل: المطمئنة بذكر الله، بيانه: قوله وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ .

واختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت فيقال لها: ( ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ) إلى الله ( رَاضِيَة ) بالثواب ( مَرْضِيَّةً ) عنك.

وقال الحسن: إذا أراد الله قبضها اطمأنت إلى الله ورضيت عن الله ورضي الله عنها.

قال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل ملكين إليه وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رَوْح وريحان وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة. فلا تمر بباب إلا فتح لها ولا بِمَلَك إلا صلَّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره، سبعون ذراعًا عرضه، وسبعون ذراعًا طوله، وينبذ له فيه الريحان فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره.

وإن لم يكن جعل له نوره مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين وأرسل قطعة من بجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم وربك عليك غضبان .

وقال أبو صالح في قوله: « ارجعي إلى ربك راضية مرضية » قال: هذا عند خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: « ادخلي في عبادي وادخلي جنتي » .

وقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث يقال: ارجعي [ إلى ربك ] أي إلى صاحبك وجسدك، فيأمر الله الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وهذا قول عكرمة، وعطاء، والضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس.

وقال الحسن: معناه: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته، راضيةً عن الله بما أعد لك، مرضيةً، رضي عنك ربك.

فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ( 29 )

( فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ) أي مع عبادي في جنتي. وقيل: في جملة عبادي الصالحين المطيعين المصطفين، نظيره: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ .

وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 )

( وَادْخُلِي جَنَّتِي ) وقال بعض أهل الإشارة: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله هو سلوك سبيل الآخرة.

وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته، فجاء طائر لم [ نر ] على صورة خلقه فدخل نعشه، ثم لم [ نر ] خارجًا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ولم ندر من قرأها: « يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي » .

 

سورة البلد

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ( 2 )

( لا أُقْسِمُ ) يعني، أقسمُ ( بِهَذَا الْبَلَدِ ) يعني مكة ( وَأَنْتَ حِلٌّ ) أي حلال، ( بِهَذَا الْبَلَدِ ) تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم. أحل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل وَقَتل وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومِقْيَس بن صُبَابة وغيرهما ، فأحل دماء قوم وحرم دماء قوم فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .

والمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دلَّ ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له.

قال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: « وأنت حل بهذا البلد » قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا ويستحلون إخراجك وقتلك؟

وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ( 6 )

( وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ) يعني آدم عليه السلام وذريته. ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) روى الوالِبِيُّ عن ابن عباس: في نَصَب. قال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال قتادة: في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة.

وقال سعيد بن جبير: [ في شدة. وقال عطاء عن ابن عباس ] : في شدة خلق حمله وولادته ورضاعه، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته.

وقال عمرو بن دينار: عند نبات أسنانه. قال يمان: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وأصل الكَبَد: الشدة.

وقال مجاهد، وعكرمة، وعطية، والضحاك: يعني منتصبًا معتدل القامة، وكل شيء خلق فإنه يمشي مكبًا، وهي رواية مقسم عن ابن عباس، [ وأصل ] والكبد: الاستواء والاستقامة.

وقال ابن كيسان: منتصبًا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله له في خروجه انقلب رأسه إلى رجلي أمه.

وقال مقاتل: « في كبد » أي في قوة.

نـزلت في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن ينـزع من تحت قدميه إلا قطعًا ويبقى موضع قدميه. ( أَيَحْسَب ) يعني أبا الأشدين من قوته، ( أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) أي: يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله تعالى. وقيل: هو الوليد بن المغيرة. ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ ) يعني أنفقت ، ( مَالا لُبَدًا ) أي كثيرًا بعضه على بعض، من التلبيد، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أبو جعفر لُبَّدا بتشديد الباء على جمع لابد، مثل راكع وركع، وقرأ الآخرون بالتخفيف على جمع « لِبْدة » ، وقيل على الواحد مثل قُثَم وحُطَم.

أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 )

( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) قال سعيد بن جبير [ وقتادة: أيظن ] أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟

وقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنفقت كذا وكذا، ولم يكن أنفق جميع ما قال، يقول أيظن أن الله عز وجل لم يَرَ ذلك منه فيعلم مقدار نفقته، ثم ذكرَّه نعمه ليعتبر، فقال: ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ) قال قتادة: نِعَمُ الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر، وجاء في الحديث: أن الله عز وجل يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق . ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) قال أكثر المفسرين: طريق الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، كقوله: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا وقال محمد بن كعب عن ابن عباس: « وهديناه النجدين » قال: الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، والنجد: طريق في ارتفاع. ( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) يقول: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به من فك الرقاب وإطعام السَّغْبَان، فيكون خيرًا له من إنفاقه على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد وجماعة.

وقيل: « فلا اقتحم العقبة » أي لم يقتحمها ولا جاوزها. والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكْرُ العقبة هاهنا مَثَلٌ ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام، وهذا معنى قول قتادة.

وقيل: إنه شبَّه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها.

وروي عن ابن عمر: أن هذه العقبة جبل في جهنم .

وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله تعالى .

وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي: هي صراط يضرب على جهنم كحدِّ السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودًا وهبوطًا، وإن بجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفارس، ومنهم من يمر عليه كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم الزالُّون، ومنهم من يكردس في النار.

قال ابن زيد: يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة.

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 )

ثم بَيَّن ما هي فقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) ما اقتحام العقبة. قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال: « وما أدراك » فإنه أخبر به، وما قال: « وما يدريك » فإنه لم يخبر به. ( فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ ) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: « فكَّ » بفتح الكاف، « رَقَبةً » نصب، « أو أطْعَمَ » بفتح الهمزة والميم على الماضي. وقرأ الآخرون « فكُّ » برفع الكاف، « رقبة » جرًا، « أو إطعام » [ بكسر الهمزة، فألف بعد العين، ورفع الميم منونة ] على المصدر .

وأراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها، ومن أعتق رقبة كانت فداءه من النار.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني ابن الهادِ، عن عمر بن علي بن حسين، عن سعيد بن مرجانة قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السُّلمي، عن طلحة بن مصَرِّف اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علِّمني عملا يدخلني الجنة، قال: « لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتِق النسمَة وفكَّ الرقبة » ، قال: قلت: أَوَلَيْسَا واحدًا؟ قال: « لا عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمِنْحَة الوَكُوفُ وأنفق على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكفَّ لسلانك إلا من خير » .

وقال عكرمة قوله: « فكُّ رقبةٍ » ، يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة « أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبة » ، مجاعة، يقال: سَغَب يَسْغُب سَغْبًا إذا جاع.

يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 )

( يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) أي ذا قرابة، يريد يتيمًا بينك وبينه قرابة. ( أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ) قد لصق بالتراب من فقره وضره. وقال مجاهد عن ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. و « المتربة » مصدر تَرِبَ يَتْرَبُ تَرَبًا وَمَتْرَبَةُ إذا افتقر. ( ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) بين أن هذا القُرَب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل: « ثم » بمعنى الواو، ( وَتَوَاصَوْا ) أوصى بعضهم بعضًا، ( بِالصَّبْر ) على فرائض الله وأوامره، ( وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) برحمة الناس. ( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ) مطبقة عليهم أبوابها، لا يدخل فيها رَوْح ولا يخرج منها غم.

قرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص: بالهمزة هاهنا، وفي الهُمَزَة، وقرأ الآخرون بلا همز، وهما لغتان، يقال: آصدت الباب وأوصدته، إذا أغلقته وأطبقته، وقيل: معنى الهمز المطبقة وغير الهمز المغلقة .

 

سورة الشمس

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ( 1 ) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ( 2 ) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ( 4 ) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ( 5 ) وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ( 6 )

( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ) قال مجاهد والكلبي: ضوءها، والضحى: حين تطلع الشمس، فيصفو ضوءها، قال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: حرُّها، كقوله في طه وَلا تَضْحَى ، يعني لا يؤذيك الحر. ( وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ) تبعها، وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الزجَّاج: وذلك حين استدار، يعني كمل ضوءه تابعًا للشمس في الإنارة وذلك في الليالي البيض. ( وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا ) يعني إذا جلَّى الظلمة، كناية عن غير مذكور لكونه معروفًا. ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ) يعني يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. ( وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ) قال [ الكلبي ] . : ومن بناها، وخلقها كقوله: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ . ( النساء - 3 ) أي من طاب.

قال عطاء: والذي بناها. وقال الفَّراء والزجَّاج: « ما » بمعنى المصدر، أي وبنائها كقوله: بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ( يس - 27 ) . ( وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا ) بسطها.

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7 ) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( 8 )

( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ) عدَّل خلقها وسوَّى أعضاءها. قال عطاء: يريد جميع ما خلق من الجن والإنس. ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) قال ابن عباس في رواية على بن أبي طلحة: بيَّن لها الخير والشر. وقال في رواية عطية: علَّمها الطاعة والمعصية، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه: عرفها ما تأتي من الخير وما تتقي [ من الشر ] .

وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. قال ابن زيد: جعل فيها ذلك، يعني بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجَّاج هذا، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا يبين أن الله عز وجل خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا [ أحمد بن ] محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عروة بن ثابت الأنصاري، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أَرَأَيْتَ ما يعمل الناس [ ويتكادحون ] فيه أشيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم من قَدَرٍ سبق؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مما آتاهم به نبيهم وأُكِّدَت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قد قُضِيَ عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا، وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خَلْقُه ومِلْك، يدِه لا يُسْأَل عما يفعل وهم يُسْأَلون، فقال لي: سدَّدك الله، إنما سألتك لأختبر عقلك [ إن رجلا من جهينة أو مزينة ] أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيءٌ قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مما أتاهم نبيهم وأُكِّدت به عليهم الحجة؟ فقال: « لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم » ، قال قلت: ففيم العمل إذًا؟ قال: « من كان الله خلقه لإحدى المنـزلتين يهيئه الله لها، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: » ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها « »

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، أرأيتَ عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد، قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن فيمَ العمل، اليومَ، فيما جفَّتْ به الأقلام وجرت به المقادير؟ أو فيما يستقبل ؟ قال: « لا بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير » ، قال: ففيمَ العمل؟ فقال زهير: فقال كلمة خفيت عليَّ، فسألت عنها نسبتي بعد، فذكر أنه سمعها، فقال: « اعملوا فإن كُلا ميسرٌ لما خُلِقَ له » .

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( 9 ) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ( 10 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ( 11 )

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ) وهذا موضع القسم، أي فازت وسعدت نفسٌ زكاها الله، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة. ( وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) أي خابت وخسرت نفس أضلها الله فأفسدها.

وقال الحسن: معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله عز وجل، « وقد خاب من دساها » أهلكها وأضلها وحملها على المعصية، فجعل الفعل للنفس .

و « دساها » أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت السين الثانية ياء.

والمعنى هاهنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية.

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن أبي عثمان وعبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: « اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهمِّ وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها » . قوله عز وجل ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ) بطغيانها وعدوانها، أي الطغيان حملهم على التكذيب.

إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ( 12 ) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ( 14 ) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ( 15 )

( إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ) أي قام، والانبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث، أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث أشقاها وهو: قُدَار، بن سالف، وكان أشقر أزرق [ العينين ] قصيرًا قام لعقر الناقة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [ أخبرنا موسى بن إسماعيل ] ، حدثنا وهيب، حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] : « إذ انبعث أشقاها » ، انبعث لها رجل عزيز [ عارم ] منيع في أهله مثل أبي زَمَعَة « . ( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ) صالح عليه السلام، ( نَاقَةُ اللَّهِ ) أي احذروا عقر ناقة الله. وقال الزجاج: منصوب على معنى: ذروا ناقة الله، ( وَسُقْيَاهَا ) شربها، أي: ذروا ناقة الله وذروا شربها من الماء، [ فلا تعرضوا ] للماء يوم شربها. ( فَكَذَّبُوه ) يعني صالحًا، ( فَعَقَرُوهَا ) يعني الناقة. »

( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ) قال عطاء ومقاتل: فدمر عليهم ربهم فأهلكهم. قال المُؤرِّج: الدمدمة إهلاك باستئصال. ( بِذَنْبِهِمْ ) بتكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة، ( فَسَوَّاهَا ) فسوَّى الدمدمة عليهم جميعًا، وعمهم بها فلم يَفْلِتَ منهم أحد. وقال الفرَّاء: سوَّى الأمة وأنـزل العذاب بصغيرها وكبيرها، يعني سوَّى بينهم. ( وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ) قرأ أهل المدينة والشام: « فلا » بالفاء وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو، وهكذا في مصاحفهم ( عقباها ) عاقبتها.

قال الحسن : معناه : لا يخاف الله من أحد تبعةً في إهلاكهم. وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

وقال الضحاك، والسدي، والكلبي: هو راجع إلى العاقر، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها.

 

سورة الليل

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ( 1 ) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ( 2 ) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ( 3 ) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 ) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( 6 )

( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ) أي يغشى النهار بظلمة فيذهب بضوئه. ( وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ) بان وظهر من بين الظلمة. ( وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) يعني: ومن خلق، قيل هي « ما » المصدرية أي: وخلق الذكر والأنثى، قال مقاتل والكلبي: يعني آدم وحواء. وفي قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء: والذكر والأنثى. جواب القسم قوله: ( إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ) إن أعمالكم لمختلفة، فساعٍ في فكاك نفسه، وساعٍ في عطبها.

روى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كلّ، الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقُها أو مُوِبقُها » . ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ) ماله في سبيل الله، ( وَاتَّقَى ) ربه. ( وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) قال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس.

وقال مجاهد: بالجنة دليله: قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى يعني الجنة.

وقيل: « صدق بالحسنى » : أي بالخلف، أي أيقن أن الله تعالى سيخلفه. وهي رواية عكرمة عن ابن عباس.

وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله عز وجل الذي وعده أن يثيبه .

فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( 10 )

( فَسَنُيَسِّرُه ) فسنهيئه في الدنيا، ( لِلْيُسْرَى ) أي للخَلَّة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله عز وجل. ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ) بالنفقة في الخير، ( وَاسْتَغْنَى ) عن ثواب الله فلم يرغب فيه ( وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر عليه أن يأتي خيرًا.

وروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من نفس منفوسة إلا [ كتب الله ] مكانها من الجنة أو النار » فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: « لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة » ، ثم تلا فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى .

قيل: نـزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه فأنـزل الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إلى قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني: سعي أبي بكر وأمية .

وروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: كان لرجل من الأنصار نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، وكان صبيانه يتناولون منه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « بعنيها بنخلة في الجنة » فأبى، فخرج فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن تبيعها بحَشِ [ البستان ] ، يعني حائطا له، فقال له: هي لك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتشتريها مني بنخلة في الجنة؟ قال: « نعم » قال: هي لك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري فقال: « خذها » . فأنـزل الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إلى قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ سعي أبي ] الدحداح والأنصاري صاحب النخلة .

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [ يعني أبا ] الدحداح، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [ الثواب ] ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ) يعني الجنة، ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ) يعني الأنصاري ، ( وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ) يعني الثواب، ( فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) يعني النار .

وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ( 11 ) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ( 12 ) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ( 13 ) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ( 14 )

( وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ ) الذي بخل به، ( إِذَا تَرَدَّى ) قال مجاهد: إذا مات. وقال قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم. ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ) يعني البيان. قال الزجَّاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، وهو قول قتادة، قال: على الله بيان حلاله وحرامه.

قال الفراء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ( النحل - 9 ) يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد.

وقيل معناه: إن علينا للهدى والإضلال كقوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ ( آل عمران - 26 ) [ فاقتصر على الهدى لدلالة الكلام عليه كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ( النحل - 81 ) فاقتصر على ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه يدل عليه ] . ( وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى ) فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. ( فَأَنْذَرْتُكُم ) يا أهل مكة، ( نَارًا تَلَظَّى ) أي: تتلظى، يعني تتوقد وتتوهج .

 

لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى ( 17 )

( لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ ) الرسول، ( وَتَوَلَّى ) عن الإيمان. ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى ) يريد بالأشقى الشقي، وبالأتقى التقي.

الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 )

( الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ ) يعطي مالهُ ( يَتَزَكَّى ) يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا رياء ولا سمعة، يعني أبا بكر الصديق، في قول الجميع.

قال ابن الزبير: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال أبوه: أيْ بنيَّ لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك؟ قال: مَنْعَ ظهري أريد، فنـزل: « وسيجنبها الأتقى » ، إلى آخر السورة .

وذكر محمد بن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.

وقال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مرّ به أبو بكر يومًا وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل! عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيك؟ قال: قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ستَّ [ رقاب ] ، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزِنيِّرة فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى [ فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى ] ، وما تنفعان فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما تحطبان لها وهي تقول والله لا أعتقكما أبدًا. فقال أبو بكر: خلا يا أم فلان، فقالت: خلا أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال [ أبو بكر رضي الله عنه ] فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، ومر بجارية بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها فأعتقها .

وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس عبدٍ لأبي بكر ، صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركًا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له ، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلما قال له أمية أبيعه بغلامك نسطاس اغتنمه وباعه منه، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليدٍ كانت لبلال عنده فأنـزل الله:

وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ( 19 ) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضَى ( 21 )

( وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ) أي يجازيه ويكافئه عليها . ( إِلا ) لكن ( ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى ) يعني: لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيدٍ له عنده، ولكنه يفعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب رضاه. ( وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) بما يعطيه الله عز وجل في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل .

 

سورة الضحى

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالضُّحَى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ( 2 ) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ( 3 )

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنـزل الله عز وجل: ( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) .

وقيل: إن المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب.

وقال المفسرون سألت اليهود، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح؟ فقال: سأخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي .

وقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبريل عليه السلام عنه كون جَرْوٍ في بيته، فلما نـزل عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه، فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب [ أو ] صورة .

واختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن جريج : اثنا عشر يومًا. وقال ابن عباس: خمسة عشر يومًا. وقال مقاتل: أربعون يومًا.

قالوا: فقال المشركون: إن محمدًا ودّعه ربه وقلاه، فأنـزل الله تعالى هذه السورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك » ، فقال جبريل: « إني كنت أشدَّ شوقًا [ إليك ] ، ولكني عبدٌ مأمور » ، فأنـزل: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ( مريم - 64 ) .

قوله عز وجل: ( وَالضُّحَى ) أقسم بالضحى وأراد به النهار كله، بدليل أنه قابله بالليل [ فقال والليل ] إذا سجى، نظيره: قوله: « أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى » ( الأعراف - 98 ) أي نهارًا.

وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، واعتدال النهار في الحر والبرد والصيف والشتاء. ( وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقال الوالبي عنه: إذا ذهب، قال عطاء والضحاك: غطى كل شيء بالظلمة. وقال مجاهد: استوى. وقال قتادة وابن زيد: سكن واستقر ظلامه فلا يزداد بعد ذلك. يقال: ليل ساج وبحر ساج [ إذا كان ساكنًا ] . قوله تعالى: ( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ) هذا جواب القسم، أي ما تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك.

وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى ( 4 )

( وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى ) حدثنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم [ الصالحاني ] ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا » .

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ( 5 ) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ( 6 )

( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) قال عطاء عن ابن عباس: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.

وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك فيهم » .

وقال حرب بن شريح سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: « قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ » ، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله « ولسوف يعطيك ربك فترضى » من الثواب. وقيل: من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين، ( فَتَرْضَى )

ثم أخبره الله عز وجل عن حالته التي كان عليها قبل الوحي، وذكَّره نعمه فقال جل ذكره: ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ) أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي فقال: أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني، أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري، حدثنا محمد بن عيسى أنا أبو عمرو الجويني وأبو الربيع الزهراني قالا حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سألت ربي مسألة وودت أني لم أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت سليمان بن داود ملكًا عظيمًا، وآتيت فلانا كذا وآتيت فلانا كذا؟ قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى، أيْ ربِّ [ قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى أيْ ربِّ، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى أيْ ربِّ » ، وزاد غيره عن حماد قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعتُ عنك وزرك؟ قلت: بلى أيْ ربِّ ] .

ومعنى الآية: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا فقيرًا حين مات أبواك ولم يخلِّفا لك مالا ولا مأوى، فجعلت لك مأوىً تأوي إليه، وضمَّك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة.

وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ( 8 )

( وَوَجَدَكَ ضَالا ) يعني ضالا عما أنت عليه ( فَهَدَى ) أي: فهداك للتوحيد والنبوة.

قال الحسن والضحاك وابن كيسان: « ووجدك ضالا » عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، [ كما قال ] « وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ » ( يوسف - 3 ) وقال: « مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ » ( الشورى - 52 ) .

وقيل: ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه فرده إلى عبد المطلب.

وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء ناقةً إذ جاء إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة فمنَّ الله عليه بذلك . وقيل: وجدك ضالا [ ضال ] نفسك لا تدري من أنت، فعرفك نفسك وحالك. ( وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ) أي فقيرًا فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم.

وقال مقاتل: [ فأرضاك ] بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء. وقال: لم يكن غنيًا عن كثرة المال ولكن الله [ أرضاه ] بما آتاه وذلك حقيقة الغنى.

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنه قال أخبرنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليس الغنى عن كثرة العرضَ، ولكن الغنى غنى النفس » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزغرتاني . أخبرنا أحمد بن سعيد أخبرنا أبو يحيى محمد بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثني شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحُبلَي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنّعه الله بما آتاه » .

ثم أوصاه باليتامى والفقراء فقال:

فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 )

( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ) قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه ، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم.

أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا [ عبد الله ] بن محمود، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى [ بن ] سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خَيْر بيتٍ في المسلمين بيتٍ فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه » ، ثم قال بأصبعيه: « أنا وكافل اليتيم [ في الجنة ] هكذا [ وهو يشير ] بأصبعيه [ السبابة والوسطى ] » .

وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 )

( وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ) قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول: لا تنهره لا تزجره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.

وقال قتادة: رُدّ السائل برحمة ولين. قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة.

وقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون إلى أهليكم بشيء؟

وروي عن الحسن في قوله: « أما السائل فلا تنهر » ، قال: طالب العلم. ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) قال مجاهد يعني النبوة، روى عنه أبو بشر واختاره الزجاج وقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك [ الله ] .

وقال الليث عن مجاهد: يعني القرآن وهو قول الكلبي، أمره أن [ يقرأ به ] .

وقال مقاتل: اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من جبر اليتيم والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكرًا.

أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، حدثنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه، أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسين النصر أبادي، [ حدثنا علي بن سعيد النسوي ] أخبرنا سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل مولى الأنصاري، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من صُنع إليه معروف فليجز به، فإن لم يجد ما يُجزي به فليثن عليهِ فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعطَ كان كلابس ثوبين من زور » .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو القاسم بن منيع، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا وكيع عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن الوليد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: « من لم يشكرِ القليلَ لم يشكر الكثيرَ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى، التحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب » .

والسنة - في قراءة أهل مكة- أن يكبر من أول سورة « والضحى » على رأس كل سورة حتى يختم القرآن؛ فيقول: الله أكبر.

قال الشيخ الإمام الأجل محيي السنة ناصر الحديث قدوة الأئمة ناشر الدين ركن الإسلام إمام الأئمة مفتي الشرق أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله: كذلك قرأته على الإمام المقرئ أبي نصر محمد بن أحمد بن علي الحامدي بمرو، قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران، قال: قرأت على أبي علي محمد بن أحمد بن حامد الصفار المقرئ، قال: قرأت على أبي بكر محمد بن موسى الهاشمي، قال: قرأت على أبي ربيعة والحسين بن محمد الحداد، وهما قرأا على أبي الحسين بن أبي بزة وأخبرهما [ ابن أبي بزة ] أنه قرأ على عكرمة بن سليمان بن كثير المكي، وأخبره عكرمة أنه قرأ على شبل بن عباد وإسماعيل بن قسطنطين، وأخبراه أنهما قرأا على عبد الله بن كثير، وأخبرهما عبد الله [ بن كثير - رضي الله عنهم أجمعين ] أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب.

وأخبرنا الإمام المقرئ أبو نصر محمد بن أحمد بن علي وقرأت عليه بمرو، وقال: أنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد الزيدي بالتكبير، وقرأت عليه بثغر حران، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، وقرأت عليه بمدينة السلام، حدثنا أبو ربيعة محمد بن إسحاق الربعي، وقرأت عليه بمكة قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي [ بزة ] ، وقرأت عليه قال لي : قرأته على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد قال فلما بلغت « والضحى » قالا لي: كبر حتى تختم، مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس [ فأمره بذلك ] ، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك .

وكان سبب التكبير أن الوحي لما احتبس قال المشركون هجره شيطانه، وودعه، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فلما نـزل « والضحى » كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بنـزول الوحي، فاتخذوه سنة .

 

سورة الشرح

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 )

( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) ألم نفتح ونوسع ونليِّن لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. ( وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ) قال الحسن، ومجاهد وقتادة، والضحاك: وحططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهو كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ( الفتح - 2 ) .

وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك [ فأضافه ] إليه لاشتغال قلبه بهم، وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها . ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) أثقل ظهرك فأوهنه حتى سُمِعَ له نقيض، أي صوت. ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي المؤذن، حدثنا أبو بكر بن حبيب، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا صفوان يعني ابن صالح عبد الملك، حدثنا الوليد يعني بن مسلم، حدثني عبد الله بن لهيعة عن درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية « ورفعنا لك ذكرك » ؟ قال: قال الله تعالى: « إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي » .

وعن الحسن قال: « ورفعنا لك ذكرك » إذا ذكرت، ذكرتَ [ معي ] وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر، ولو أن عبدا عبد الله وصدّقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا.

وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله .

وقال الضحاك: لا تقبل صلاة [ إلا به ] ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد: [ ورفعنا لك ذكرك ] يعني بالتأذين.

وفيه يقول حسان بن ثابت:

ألــم تــر أن اللـه أرسـلَ عبـدَه ببرهانــه, واللــه أَعْــلى وأمجـد

أَغَـــرُّ عليــه للنبــوة خــاتمٌ مــن اللـه مشـهودٌ يَلـوُحُ ويشـهَدُ

وضـمَّ الإلـهُ اسـم النبـي مـع اسمه إذا قـال فـي الخـمس المـؤذنُ: أشهدُ

وشــقٌ لــه مــن اسـمه لِيُجِلّـه فـذو العَـرْشِ محـمودٌ وهـذا محمـدُ .

وقيل: رفع الله ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله.

ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة، فقال الله عز وجل:

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ( 6 )

( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرًا ورخاءً بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به، « إن مع العسر يسرا » كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء.

وقال الحسن لما نـزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أبشروا، قد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين » .

قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر حتى يدخل، إنه لن يغلب عسر يسرين .

قال المفسرون: ومعنى قوله: « لن يغلب عسر يسرين » أن الله تعالى كررّ العُسرَ بلفظ المعرفة واليُسْر بلفظ النكرة، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسمًا معرفًا، ثم أعادته كان الثاني هو الأول، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته مثله صار اثنين، وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول، كقولك: إذا كسبت، درهمًا أنفقت، درهمًا، فالثاني غير الأول، وإذا قلت: إذا كسبتَ درهمًا فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف، فكان عسرًا واحدًا، واليسر مكرر بلفظ [ التنكير ] ، فكانا يسرين، فكأنه قال: فإن مع العسر يسرا، إن مع ذلك العسر يسرا آخر.

وقال أبو علي [ الحسن ] بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب « النظم » تكلم الناس في قوله: « لن يغلب عسر يسرين » ، فلم يحصل منه غير قولهم: إن العسر معرفة واليسر نكرة، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران، وهذا قول مدخول، إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا [ إن مع الفارس سيفًا ] ، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدً والسيف اثنين، فمجاز قوله: « لن يغلب عسر يسرين » أن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مُقِلّ مخفّ، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فاغتَّم النبي لذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال: « فإن مع العسر يسرا » ، مجازه: لا يحزنك ما يقولون فإن مع العسر يسرًا في الدنيا عاجلا ثم أَنْجَزَه مَا وَعَدَهْ، وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده، حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبات السَّنِيَّة، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة، فقال: إن مع العسر يسرًا، والدليل على ابتدائه: تعريه من الفاء والواو، وهذا وعد لجميع المؤمنين، ومجازه: إن مع العسر يسرا، أي: إن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرًا في الآخرة، فربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقوله عليه السلام: « لن يغلب عسر يسرين » أي: لن يغلب عسر، الدنيا اليسرَ الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة، وإنما يغلب أحدهما، هو يسر الدنيا، وأما يسر الآخرة فدائم غير زائل، أي لا يجمعهما في الغلبة، كقوله صلى الله عليه وسلم : « شهرا عيد لا ينقصان » أي لا يجتمعان في النقصان.

فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 )

( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) أي فاتعب، والنَّصبَ: التعب، قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يُعْطِكَ .

[ وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة ] .

وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل .

وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع، لدنياك وآخرتك.

وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك .

وقال منصور عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربك وصَلِّ .

وقال حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر لذنبك وللمؤمنين.

وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )

( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ) قال عطاء: تضرع إليه راهبًا من النار راغبًا في الجنة. وقيل: فارغب إليه في جميع أحوالك. قال الزجاج: أي اجعل رغبتك إلى الله وحده.

 

سورة التين

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ( 3 ) .

( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ) قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء بن أبي رباح، ومقاتل، والكلبي: هو تينكم [ هذا ] الذي تأكلونه، وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت.

قيل: خص التين بالقسم لأنها فاكهة مخلصة لا عجم لها، شبيهة بفواكه الجنة. وخص الزيتون لكثرة منافعه، ولأنه شجرة مباركة جاء بها الحديث، وهو ثمر ودهن يصلح للاصطباغ والاصطباح.

وقال عكرمة: هما جبلان. قال قتادة: « التين » : الجبل الذي عليه دمشق، و « الزيتون » : الجبل الذي عليه بيت المقدس، لأنهما ينبتان التين والزيتون.

وقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: « التين » : مسجد دمشق، و « الزيتون » : مسجد بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: « التين » مسجد أصحاب الكهف، و « الزيتون » : مسجد إيليا. ( وَطُورِ سِينِينَ ) يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وذكرنا معناه عند قوله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ( المؤمنون - 20 ) . ( وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ) أي الآمن، يعني: مكة، يأمن فيه الناس في الجاهلية والإسلام، هذه كلها أقسام، والمقسم عليه قوله:

لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ( 5 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 )

( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) أي: أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، مُزَينَّا بالعقل والتمييز. ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) يريد إلى الهرم وأرذل العمر، فينقص عقله ويضعف بدنه، والسافلون: هم الضعفاء والزَّمْنَى والأطفال، فالشيخ الكبير [ أسفل ] من هؤلاء جميعا، [ « وأسفل سافلين » نكرة تعم الجنس، كما تقول: فلان أكرم قائم فإذا عرَّفت قلت: أكرم القائمين. وفي مصحف عبد الله « أسفل السافلين » ] .

وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد: يعني ثم رددناه إلى النار، يعني إلى أسفل السافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض.

قال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة، في صورة خنـزير. ثم استثنى فقال: ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا ) [ فإنهم لا يردون إلى النار. ومن قال بالقول الأول قال: رددناه أسفل سافلين، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم، فلا يكتب لهم حسنة إلا الذين آمنوا ] . ( وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) فإنه يكتب لهم بعد الهرم، والخرف، مثل الذي كانوا يعملون في حال الشباب والصحة.

قال ابن عباس: هم نفرٌ رُدوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله تعالى عذرهم. وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم .

قال عكرمة: لم يضر هذا الشيخ [ كبره ] إذ ختم الله له بأحسن ما كان يعمل .

وروى عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: « إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات » قال: « إلا الذين [ آمنوا ] » قرءوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ( فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) غير مقطوع، لأنه يكتب له كصالح ما كان يعمل. قال الضحاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزامًا للحجة:

فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْد بِالدِّينِ ( 7 ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( 8 )

( فَمَا يُكَذِّبُكَ ) [ أي: أمن يكذبك . وقيل: أي شيء يكذبك؟ أي يحملك على الكذب، وقيل على التكذيب ] أيها الإنسان، ( بَعْد ) أي بعد هذه الحجة والبرهان، ( بِالدِّينِ ) بالحساب والجزاء، والمعنى: ألا تتفكر في صورتك وشبابك وهرمك فتعتبر، وتقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذبك بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) بأقضى القاضين، قال مقاتل: [ أليس الله ] يحكم بينك وبين أهل التكذيب [ بك ] يا محمد.

وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى آخرها: » أليس الله بأحكم الحاكمين « فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: سمعت البراء بن عازب قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون .

 

سورة العلق

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ( 3 )

( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) أكثر المفسرين: على أن هذه السورة أول سورة نـزلت من القرآن، وأول ما نـزل خمس آيات من أولها إلى قوله: مَا لَمْ يَعْلَمْ .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصُّبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبُّد - الليالي ذوات العدد قبل أن يَنـزع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَهْد ثُم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، [ قال: فأخذني ] فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهْدُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة [ حتى بلغ مني الجهد ] ، ثم أرسلني، فقال: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زمِّلُوني زمِّلُوني فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: ما لِي ؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يُخْزِيك الله أبدا، إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقةَ بن نوفلَ بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنـزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذْ يُخْرِجُك قومُك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَوَ مُخْرِجيَّ [ هم ] ؟ قال: نعم لم يأت [ أحد بمثل ما ] جئتَ به إلا عُودِيَ، وإن يُدْرِكْنِي يومُكَ أَنْصُرْكَ نَصرًا مؤزَّرَا، ثم لم يمكث ورقة أن تُوفِّيَ، وفَتر الوحي .

وروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث في موضع آخر من كتابه، عن يحيى بن بُكَيْر بهذا الإسناد، وقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر قال الزهري، فأخبرني عروة عن عائشة وذكر الحديث، قال: « اقرأ باسم ربك الذي خلق » حتى بلغ مَا لَمْ يَعْلَمْ وزاد في آخره فقال: وَفَتَر الوحي فَتْرَةً حتى حَزِنَ النبيّ، صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا حتى يتردَّى من رءوس شواهقِ الجبال، فكلما أوفى بِذرْوة جبلٍ لكي يُلقيَ نفسه منه، تبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشهُ، وتقرُّ نفسهُ، فيرجعُ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بِذرْوة جبلٍ تبدىَّ له جبريل، فقال له مثل ذلك « .»

أخبرنا أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوراق أخبرنا مكي بن عبدان، أخبرنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول سورة نـزلت قوله عز وجل: « اقرأ باسم ربك » .

قال أبو عبيدة: مجازه: اقرأ اسم ربك، يعني أن الباء زائدة، والمعنى: اذكر اسمه، أُمِرَ أن يبتدئ القراءة باسم الله [ تأديبا ] .

( الَّذِي خَلَقَ ) قال الكلبي: يعني الخلائق، ثم فسره فقال: ( خَلَقَ الإنْسَانَ ) يعني [ خلق ] ابن آدم، ( مِنْ عَلَقٍ ) جمع علقة. ( اقْرَأ ) كرره تأكيدا، ثم استأنف فقال: ( وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ) فقال الكلبي: الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم بالعقوبة.

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ( 7 ) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ( 8 ) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ( 9 ) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ( 10 )

( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) يعني الخط والكتابة. ( عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) من أنواع الهدى والبيان. وقيل: علم آدم الأسماء كلها. وقيل: الإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم بيانه: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ( النساء - 113 ) . ( كَلا ) حقًا ( إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى ) ليتجاوز حده ويستكبر على ربه. ( إِنّ ) لأن ( رَآهُ اسْتَغْنَى ) أن رأى نفسه غنيا. قال الكلبي: يرتفع عن منـزلة إلى منـزلة في اللباس والطعام وغيرهما.

وقال مقاتل: نـزلت في أبي جهل، كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه، فذلك طغيانه. ( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) أي المرجع في الآخرة، [ « الرجعى » : مصدر على وزن فُعلْىَ ] . ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى ) نـزلت في أبي جهل، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي، قالا حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثني نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: [ واللات ] والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفِّرَن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، [ عزم ] ليطأ على رقبته، فما فَجَأَهُمْ منه إلا وهو ينكُص، على عقبيه، ويتَّقي بيديه، قال فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولا وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، قال: فأنـزل الله - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه- : « كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعي أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى » الآيات .

ومعنى « أرأيت » هاهنا تعجيب للمخاطب. وكرر هذه اللفظة للتأكيد:

أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ( 12 ) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ( 14 ) كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ( 16 )

أرأيت إن كان إلى الهدى يعني العبد المنهي وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ( أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) يعني بالإخلاص والتوحيد. ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ ) يعني أبا جهل، ( وَتَوَلَّى ) عن الإيمان.

وتقدير نظم الآية: أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى [ والمنهي ] على الهدى، آمِرٌ بالتقوى، والناهي مكذِّبٌ مُتَوَلِّ عن الإيمان، فما أعجب من هذا! ( أَلَمْ يَعْلَمْ ) يعني أبا جهل، ( بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) ذلك فيجازيه به. ( كَلا ) لا يعلم ذلك، ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ) عن إيذاء [ نبيه ] صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، ( بِالنَّاصِيَة ) لنأخذن بناصيته فلنجرنه إلى النار، كما قال فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ( الرحمن - 41 ) يقال: سفعت، بالشيء، إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا، و « الناصية » : شعر مقدم الرأس. ثم قال على البدل: ( نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ) أي صاحبها كاذب خاطئ، قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل أتنهرني [ يا محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديًا مني؟ ثم قال ] : فوالله لأمَلأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردًا ورجالا مردًا .

فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ( 18 ) كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 )

قال الله عز وجل: ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ) أي قومه وعشيرته، أي فليستنصر بهم. ( سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) جمع زِبْنيِّ مأخوذ من الزِّبْن وهو الدفع، قال ابن عباس: يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها، قال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله ثم قال: ( كَلا ) ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، ( لا تُطِعْهُ ) في ترك الصلاة، ( وَاسْجُد ) صل لله ( وَاقْتَرِبْ ) من الله.

أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السراج ومحمد بن سلمة قالوا: أخبرنا وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غُزَيَّة عن سُمَيّ مولى أبي بكر أنه سمع أبا صالح ذكوان يُحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء [ فيها ] » .

 

سورة القدر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 )

( إِنَّا أَنـزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) يعني القرآن، كناية عن غير مذكور، أنـزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعه في بيت العزة، ثم كان ينـزل به جبريل عليه السلام نجومًا في عشرين سنة . ثم عجَّب نبيه فقال: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ) سُميت ليلة القدر لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة، كقوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( الدخان - 4 ) وهو مصدر قولهم: قَدَر الله الشيء بالتخفيف، قَدْرًا وَقَدرًا، كالنَّهَر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدّره - بالتشديد - تقديرًا [ وقَدَر بالتخفيف قدرًا ] بمعنى واحد.

قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: [ بلى ] ، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقال الأزهري: « ليلة القدر » : أي ليلة العظمة والشرف من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي جاه ومنـزلة، ويقال: قَدَرْت، فلانًا أي عظمته. قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ( الأنعام - 91 ) ( الزمر - 67 ) أي ما عظموه حق تعظيمه.

وقيل: لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولا. واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة. وروي عن عبد الله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر قد رُفعتْ ؟ قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر أستقبله؟ قال: نعم .

وقال بعضهم: هي ليلة من ليالي السنة حتى لو علقَّ رجل طلاق امرأته وعتق عبده بليلة القدر، لا يقع ما لم تمض سنة من حين حلف. يروى ذلك عن ابن مسعود، قال: من يقم الحول يُصِبْهَا، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس .

والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان.

واختلفوا في تلك الليلة؛ قال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر رمضان. وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.

والصحيح والذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: « تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان » .

أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر [ ما ] لا يجتهد في غيرها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي يعقوب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر [ الأواخر ] من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله .

واختلفوا في أنها في أي ليلة من العشر؟

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا أبو سهل بن مالك، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تحَّروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان » .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوازن، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن [ هاشم ] بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « التمسوها في العشر الأواخر من تسع بَقِينَ أو سبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة » ، فكان أبو بكرة إذا دخل رمضان يصلي كما يصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر [ الأخير ] اجتهد.

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني خالد بن الحارث، حدثنا حميد، حدثنا أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتَلاحى رجلان من المسلمين، فقال: « خرجت، لأخبركم بليلة القدر فتَلاحى فلان وفلان فرُفعتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة » .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [ أروا ] ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر » . وروي عن أبي سعيد الخدري: أنها ليلة إحدى وعشرين.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى من رمضان، واعتكف عامًا حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج صبحها من اعتكافه، قال: من [ كان سيعتكف ] معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة ثم أُنْسِيتُها، وقد رَأَيْتُنيِ أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر .

قال أبو سعيد الخدري: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فَوَكَفَ المسجد.

قال أبو سعيد: فأَبْصَرَت عينايَ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أَثَر، الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.

وقال بعضهم: هي ليلة ثلاث وعشرين.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد الحمصي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أكون بباديةٍ يقال لها الوَطْأَة وإني بحمد الله أُصلِّي بهم، فمُرْني بليلةٍ من هذا الشهر أنـزلُها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال: « انـزل ليلة ثلاث وعشرين فصلِّها فيه، وإن أحببت أن تَسْتَتّم آخر الشهر فافعل، وإن أحببت فكف » . قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا من حاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد.

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم مضى من الشهر؟ فقلنا: ثنتان [ وعشرون ] وبقي سبع، [ فقال : « مضى اثنتان وعشرون وبقي سبعُ ] اطلبوها الليلةَ، الشهر تسع وعشرون » .

وقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأُبَيٍّ وعائشة:

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: يا أبا المنذر أخبرنا عن ليلةِ القدرِ، فإن ابنَ أمِّ عبدٍ يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِبْهَا، فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنه قد علم أنها في رمضان، ولكن كره أن يُخبركم فَتَتَّكِلوا هي - والذي أنـزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم - ليلة، سبع وعشرين، فقلنا: يا أبا المنذر أنىَّ علمت هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فحفظنا [ ووعينا ] ، هي والله [ لا تنسى ] ، قال قلنا لِزرٍّ: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنها طاسٌ ليس لها شعاع .

ومن علاماتها: ما روي عن الحسن رَفَعه: أنها ليلة [ بَلْجَةٌ ] سَمْحَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها .

وفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعًا في إدراكها ، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها.

لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 )

قوله عز وجل: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) قال عطاء عن ابن عباس: ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلها أعمالا؟ فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة .

قال المفسرون: « ليلة القدر خير من ألف شهر » معناه: عمل صالح في ليلة القدر خير من عَمِل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

حدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، املاءً، حدثنا أبو نعيم الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا أبو إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه » .

قال سعيد بن المسيب: من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافيت ليلة القدر فما أقول؟ قال: « قولي: اللهم إنك عفو تحب العفوَ فاعف عني » .

تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ( 5 )

قوله عز وجل: ( تَنـزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ) يعني جبريل عليه السلام معهم، ( فيها ) أي في ليلة القدر، ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) أي بكل أمر من الخير والبركة، كقوله: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ( الرعد - 11 ) أي بأمر الله. ( سَلامٌ ) قال عطاء: يريد: سلامٌ على أولياء الله وأهل طاعته. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حيث تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر .

وقال الكلبي: الملائكة ينـزلون فيه كلما لقوا مؤمنًا أو مؤمنة سلَّموا عليه من ربه حتى يطلع الفجر.

وقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: « بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ » ثم ابتدأ فقال: « سلام هي » ، أي: ليلة القدر سلام وخير كلها، ليس فيها شر.

قال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة.

وقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر [ سالمة ] لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى .

( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) أي: إلى مطلع الفجر، قرأ الكسائي « مَطِلْع » بكسر اللام، والآخرون بفتحها، وهو الاختيار، بمعنى الطلوع، على المصدر، يقال: طلع الفجر طُلوعا ومطلعًا، والكسر موضع الطلوع.

 

سورة البينة

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 1 ) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ( 2 ) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ( 3 )

( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) وهم اليهود والنصارى ، ( وَالْمُشْرِكِينَ ) وهم عبدة الأوثان، ( مُنْفَكِّين ) [ منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة ] : زائلين منفصلين، يقال: فككت الشيء فانفكَّ، أي: انفصل، ( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، الحجة الواضحة، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، أتاهم بالقرآن فبيَّن لهم [ ضلالاتهم ] وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين، أخبر أنهم لم ينتهوا عن الكفر حتى أتاهم الرسول فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم الله من الجهل والضلالة. ثم فسر البينة فقال: ( رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو ) يقرأُ ( صُحُفًا ) كتبًا، يريد ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن؛ لأنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن [ الكتاب ] ، قوله: ( مُطَهَّرَةً ) من الباطل والكذب والزور. ( فِيهَا ) أي في الصحف، ( كُتُبٌ ) يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها، ( قَيِّمَةٌ ) عادلة مستقيمة غير ذات عوج.

وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ( 4 ) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( 5 )

ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال: ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ( إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل.

قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون.

وقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله « منفكِّين » : هالكين، من قولهم: انفك [ صلا ] المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك.

ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنـزال الكتاب، والأول أصح. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: ( وَمَا أُمِرُوا ) يعني هؤلاء الكفار، ( إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ) يعني إلا أن يعبدوا الله، ( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا [ بالإخلاص في ] العبادة لله موحدين، ( حُنَفَاءَ ) مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ( وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) المكتوبة في أوقاتها، ( وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ) عند محلها، ( وَذَلِك ) الذي أمروا به، ( دِينُ الْقَيِّمَةِ ) أي الملة والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيِّمة وهي نعته، لاختلاف اللفظين، وأنَّث « القيِّمة » ردًا بها إلى الملة.

وقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: « القيمة » هي الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ( البقرة 213 ) .

قال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله: « وذلك دين القيمة » ؟ فقال: « القيمة » : جمع القيِّم، والقِّيمُ والقائمُ واحدٌ، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 )

ثم ذكر ما للفريقين فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) قرأ نافع وابن عامر « البريئة » بالهمزة في الحرفين لأنه من قولهم: برأ الله الخلق وقرأ الآخرون مشددا بغير همز كالذرية ترك همزها في الاستعمال. ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )

 

جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 8 )

( جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) وتناهَى عن المعاصي.

وقيل: الرضا ينقسم إلى قسمين: رضًا به ورضًا عنه، فالرضا به: ربًّا ومدبِّرًا، والرضا عنه: فيما يقضي ويُقدِّر.

قال السدي رحمه الله: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك؟

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيّ: « إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك: » لم يكن الذين كفروا « قال: وسماني؟ قال: » نعم « فبكى . »

وقال همام عن قتادة: « أمرني أن أقرأ عليك القرآن » .

 

سورة الزلزلة

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ( 2 ) وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا ( 3 ) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ( 4 )

( إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ ) حُرِّكت [ الأرض ] حركة شديدة لقيام الساعة، ( زِلْزَالَهَا ) تحريكها. ( وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا ) موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تَقِيءُ الأرضُ أفلاذَ كبدها أمثال [ الأسطُوان ] من الذهب والفضة، فيجيء القاتلُ فيقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قَطَعْتُ رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعتْ يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئا » . ( وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا ) ؟ قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) فيقول الإنسان: « ما لها » ، أي تخبر الأرض بما عمل عليها.

أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب، حدثنا يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) قال: « أتدرون ما أخبارها » ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: « فإن أخبارها أن تشهدَ على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل عليَّ يوم كذا وكذا كذا وكذا قال: فهذه أخبارها » .

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ( 5 ) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ( 6 ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )

( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ) أي: أمرها بالكلام وأذِن لها بأن تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس والقرظي: أوحى إليها.

ومجاز الآية: يوحِي الله، إليها، يقال: أوحى لها، وأوحى إليها ووحَّى لها، ووحَّى إليها، واحد. قوله تعالى: ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ ) يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض، ( أَشْتَاتًا ) متفرقين فأخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار، كقوله: يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( الروم - 14 ) ، يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . ( الروم - 43 ) . ( لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ) قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم، والمعنى: أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا لينـزلوا منازلهم من الجنة والنار. ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل. ( خَيْرًا يَرَهُ ) ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة ، فأما المؤمن فُيَرى حسناته وسيئاته فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فتردُّ حسناته ويعذبه بسيئاته.

قال محمد بن كعب في هذه الآية « فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره » : من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، « ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره » من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.

قال مقاتل: نـزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نـزل وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ كان أحدهما يأتيه السائل فيستقلُّ أن يعطيه التمرة والكِسْرة والجوزة ونحوها، يقول: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة وأشباه ذلك، ويقول: إنما وعد الله النارَ على الكبائر، وليس في هذا إثم، فأنـزل الله تعالى هذه الآية يرغِّبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر ، فالإثم الصغير في عين صاحبه أعظم من الجبال يوم القيامة، وجيمع محاسنه [ في عينه ] أقل من كل شيء.

قال ابن مسعود: أَحْكَمُ آيةٍ في القرآن « فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره » .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها الجامعةَ الفاذَّة حين سئل عن زكاة الحمر فقال: « ما أنـزل عليَّ فيها شيءٌ إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة » فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره « .»

وتصدق عمر بن الخطاب، وعائشة بحبة عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة .

وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ آخرها قال: حسبي قد انتهت الموعظة .

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا محمد بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا اليمان بن المغيرة، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ » تعدل نصف القرآن، « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ » ، تعدل ثلث القرآن، « قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ » تعدل ربع القرآن .

 

سورة العاديات

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ( 1 )

( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ) قال ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والكلبي، وقتادة، والمقاتلان ، وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل الله عز وجل تَضْبَحُ، والضَّبْح: صوت أجوافها إذا عَدَتْ.

قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيَّر حالها من تعب أو فزع، وهو من [ قولهم ] ضَبَحَتْهُ النارُ، إذا غيرَّت لونه.

[ وقوله: « ضبحًا » نصب على المصدر، مجازه: والعاديات تضبح ضبحًا ] .

وقال علي: هي الإبل في الحج، تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، وقال إنها نـزلت في وقعة بدر، [ كانت أول غزوة في الإسلام بدرًا ] وما كان معنا إلا فَرَسان، فَرَسٌ للزبير وفرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون الخيل العاديات؟ وإلى هذا ذهب ابن مسعود، ومحمد بن كعب، والسُّدي.

وقال بعض من قال: هي الإبل: قوله « ضبحًا » يعني ضباحًا تمد أعناقها في السير .

فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ( 2 ) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ( 3 ) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ( 4 ) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ( 5 )

( فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ) قال عكرمة، وعطاء، والضحاك، ومقاتل، والكلبي،:هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة. يعني: والقادحات قدحًا يقدحن بحوافرهن.

وقال قتادة: هي الخيل تهيج الحربَ ونارَ العداوة بين فرسانها.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل [ إلى مأواها ] فيورون نارهم، ويصنعون طعامهم.

وقال مجاهد، وزيد بن أسلم: هي مكر الرجال، يعني رجال الحرب، والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك ثم لأوِريَنَّ لك.

وقال محمد بن كعب: هي النيران تجتمع . ( فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ) هي الخيل تغير بفرسانها، على العدو عند الصباح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال القرظي: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جَمْع إلى منى، والسُّنَة أن لا تدفع [ بركبانها يوم النحر ] حتى تصبح والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كيما نغير. ( فَأَثَرْنَ بِهِ ) أي هيَّجن بمكان [ سيرهن ] كناية عن غير مذكور، لأن المعنى مفهوم، ( نَقْعًا ) غبارا، والنَّقْع: الغبار. ( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ) أي دخلن به وسط جمع العدو، وهم الكتيبة يقال: وَسَطْت، القوم بالتخفيف، ووسطتهم، بالتشديد، وتوسَّطهم بالتشديد، كلها بمعنى واحد. قال القرظي: [ هي الإبل توسط بالقوم ] يعني جَمْع منى، [ هذا موضع القسم ] ، أقسم الله بهذه الأشياء.

إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ( 9 )

( إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: « لكنود » : لكفور جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان مضر وربيعة الكفور، وبلسان كندة وحضرموت العاصي .

وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم . وقال عطاء: هو الذي لا يعطي في النائبة مع قومه.

وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا.

وقال الفضيل بن عياض: « الكنود » الذي أنْسَتْه الخصلة، الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، و « الشكور » : الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) قال [ أكثر المفسرين ] : وإن الله على كونه كنودًا لشاهد. وقال ابن كيسان: الهاء راجعة إلى الإنسان أي: إنه شاهد على نفسه بما يصنع. ( وَإِنَّه ) يعني الإنسان، ( لِحُبِّ الْخَيْرِ ) أي لحب لمال، ( لَشَدِيدٌ ) أي: لبخيل، أي إنه من أجل حب المال لبخيل. يقال للبخيل: شديد ومتشدد.

وقيل: معناه وإنه لحب الخير لقوي، أي شديد الحب للخير أي المال. ( أَفَلا يَعْلَمُ ) أي : أفلا يعلم هذا الإنسان، ( إِذَا بُعْثِرَ ) أي: أُثِيرَ وأُخْرِج، ( مَا فِي الْقُبُورِ ) [ من الموتى ] .

 

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ( 10 )

( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) أي: مُيّز وأبرز ما فيها من خير أو شر.

إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ( 11 )

( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ ) ، [ جمع ] الكناية لأن الإنسان اسم لجنس، ( يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) عالم، قال الزجاج: إن الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك [ اليوم ] .

 

سورة القارعة

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

الْقَارِعَةُ ( 1 ) مَا الْقَارِعَةُ ( 2 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ( 3 ) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ( 7 )

( الْقَارِعَةُ ) [ اسم ] من أسماء القيامة، لأنها تقرع القلوب بالفزع. ( مَا الْقَارِعَةُ ) تهويل وتعظيم. ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ) هذا الفَراش: الطير [ الصغار البق، واحدها فراشة، أي: كالطير ] التي تراها تتهافت في النار، والمبثوث: المتفرق. وقال الفراء: كغوغاء الجراد، شبه الناس عند البعث بها [ لأن الخلق ] يموج بعضهم في بعض ويركب بعضهم بعضا من الهول كما قال: كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( القمر - 7 ) . ( وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) كالصوف المندوف. ( فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ) رجحت حسناته [ على سيئاته ] . ( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) مَرْضِيَّة في الجنة. قال الزجاج ذات رضا يرضاها صاحبها.

وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ( 9 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ( 10 ) نَارٌ حَامِيَةٌ ( 11 )

( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) رجحت سيئاته على حسناته. ( فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ) مسكنه النار، سمي المسكن أمًا لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من أسماء جهنم، وهو المهواة لا يدرك قعرها، وقال قتادة: وهي كلمة عربية تقولها العرب للرجل إذا وقع في أمر شديد، يقال: هوت أمه. وقيل: [ « فأمه هاوية » ] أراد أم رأسه [ « منحدرة منكوسة » ] يعني أنهم يهوون في النار على رءوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ) يعني الهاوية، وأصلها: ما هي، أدخل الهاء فيها للوقف والاستراحة ثم فسرها فقال: ( نَارٌ حَامِيَةٌ ) أي حارة قد انتهى حرها.

 

سورة التكاثر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ( 2 )

( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) شغلتكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه. ( حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) حتى [ متم ] ودفنتم في المقابر.

قال قتادة: نـزلت في اليهود، قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضُلالا .

وقال مقاتل والكلبي: نـزلت في حيين من قريش؛ بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو، كان بينهم تفاخر، [ فتعادَّ ] السادة والأشراف أيهم أكثر عددًا؟ فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيدًا وأعز عزيزًا وأعظم نفرًا وأكثر عددًا، وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعدّ، موتانا، حتى زاروا القبور فعدوهم، فقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددًا، فأنـزل الله هذه الآية .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا النضر بن شُمَيْل، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: « ألهاكم التكاثر » ، قال: « يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك، إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تصدقت فأمضيت » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يَتْبَع، الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله » .

ثم رد الله عليهم فقال:

كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 5 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 )

( كَلا ) ليس الأمر بالتكاثر، ( سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) وعيد لهم، ثم كرره تأكيدًا فقال: ( ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) قال الحسن، ومقاتل: هو وعيد بعد وعيد، والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نـزل بكم الموت.

وقال الضحاك: « كلا سوف تعلمون » ، يعني الكفار، « ثم كلا سوف تعلمون » يعني المؤمنين، وكان يقرأ الأولى بالياء والثانية بالتاء. ( كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) أي: علمًا يقينًا، فأضاف العلم إلى اليقين كقوله: « لهو حق اليقين » ، وجواب « لو » محذوف، أي: لو تعلمون علمًا يقينًا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر.

قال قتادة: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت . ( لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) قرأ ابن عامر والكسائي: « لَتُروُن » بضم التاء من أريته الشيء، وقرأ الآخرون بفتح التاء، أي: ترونها بأبصاركم من بعيد.

ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ( 7 ) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ( 8 )

( ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا ) مشاهدة، ( عَيْنَ الْيَقِينِ ) ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) قال مقاتل: يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره، ثم يعذبون على ترك الشكر، هذا قول الحسن.

وعن ابن مسعود رفعه قال: « لتسئلن يومئذ عن النعيم » قال: « الأمن والصحة » .

وقال قتادة: إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه

أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عَبْد بن حُمَيْد، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أول ما يُسأل العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحَّ جسمك؟ ونروِّك من الماء البارد » .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت لألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر إلى وجهه وللتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع يا رسول الله، قال [ النبي صلى الله عليه وسلم ] : « وأنا قد وجدت، بعض ذلك » ، فانطلقوا إلى منـزل أبي الهيثم بن التَّيهَان الأنصاري، وكان رجلا كثير النخل والشاء، ولم يكن له خَدَم، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبُك؟ فقالت: انطلق ليستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها ماءً فوضعها، ثم جاء يلتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بِقنْوٍ فوضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أفلا تنقَّيْتَ لنا من رُطَبِه وبُسْرِه » ، فقال: يا رسول الله إني أردت أن تخيروا [ أو قال: أن تختاروا ] من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد، ورُطَب طيب، وماء بارد » ، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تذبحنَّ ذات دِرّ » ، فذبح لهم عَنَاقًا أو جَدْيًا فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ قال: لا قال النبي صلى الله عليه وسلم: « فإذا أتانا سبيٌ فَأْتِنَا » ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « اختر منهما » ، فقال: يا نبي الله اختْر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، « إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوصِ به معروفًا » فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، « إن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيًا ولا خليفة إلا وله بِطَانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وُقِي » .

وروي عن ابن عباس قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العبيد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم ، وذلك قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ( الإسراء - 36 ) .

وقال عكرمة: عن الصحة والفراغ.

وقال سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال.

أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، حدثنا الحسين بن الحسن بمكة، حدثنا عبد الله بن المبارك والفضل بن موسى، قالا حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ » .

قال محمد بن كعب: يعني عما أنعم عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال أبو العالية: عن الإسلام والسنن. وقال الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن .

 

سورة العصر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 )

( وَالْعَصْرِ ) قال ابن عباس: والدهر. قيل: أقسم به لأن فيه عبرة للناظر. وقيل: معناه ورب العصر، وكذلك في أمثاله. واقل ابن كيسان: أراد بالعصر الليل والنهار، يقال لهما العصران. وقال الحسن: من بعد زوال الشمس إلى غروبها . وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار . وقال مقاتل: أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى. ( إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) أي خسران ونقصان، قيل: أراد به [ الكافر ] بدليل أنه استثنى المؤمنين، و « الخسران » : ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره [ بالمعاصي ] ، وهما أكبر رأس ماله. ( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) فإنهم ليسوا في خسر ، ( وَتَوَاصَوْا ) أوصى بعضهم بعضا، ( بِالْحَق ) بالقرآن، قاله الحسن وقتادة، وقال مقاتل: بالإيمان والتوحيد. ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) على أداء الفرائض وإقامة أمر الله. وروى ابن عون عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عُمِّر في الدنيا وهرم، لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، وهي مثل قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .

 

سورة الهمزة

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ( 1 )

( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ) قال ابن عباس: هم المشّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب ، ومعناهما واحد وهو العيَّاب.

وقال مقاتل: « الهمزة » : الذي يعيبك في الغيب، و « اللمزة » : الذي يعيبك في الوجه. وقال أبو العالية والحسن بضده.

وقال سعيد بن جبير، وقتادة: « الهمزة » الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، و « اللمزة » : الطعان عليهم.

وقال ابن زيد: « الهمزة » الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، و « اللمزة » : الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم.

وقال سفيان الثوري: ويهمز بلسانه ويلمز بعينه. ومثله قال ابن كيسان: « الهمزة » الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ و « اللمزة » الذي يومض بعينه ويشير برأسه، ويرمز بحاجبه وهما نعتان للفاعل، نحو سُخَرة وضُحَكة: للذي يسخر ويضحك من الناس [ والهمزة واللمزة ، ساكنة الميم، الذي يُفْعَل ذلك به ] .

وأصل الهمز: الكسر والعض على الشيء بالعنف.

واختلفوا فيمن نـزلت هذه الآية؟ قال الكلبي: نـزلت في الأخنس بن شُريق بن وهب الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم .

وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة [ نـزلت في أمية بن خلف الجمحي ] .

وقال مقاتل: نـزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه.

وقال مجاهد: هي عامة في حق كل من هذه صفته .

الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ ( 2 ) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ( 3 ) كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ( 6 ) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ( 7 )

ثم وصفه فقال: ( الَّذِي جَمَعَ مَالا ) قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: « جمع » بتشديد الميم على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. ( وَعَدَّدَهُ ) أحصاه، وقال مقاتل: استعده وادخره وجعله عتادًا له، يقال: أعددت [ الشيء ] وعددته إذا أمسكته. ( يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ) في الدنيا، يظن أنه لا يموت مع يساره. ( كَلا ) رَدًّا عليه أن لا يخلده ماله، ( لَيُنْبَذَن ) ليطرحن، ( فِي الْحُطَمَةِ ) في جهنم، والحطمة من أسماء النار، مثل: سَقَر، ولَظَى سميت « حطمة » لأنها تحطم العظام وتكسرها. ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب، والاطلاع والبلوغ بمعنى واحد، يحكى عن العرب: متى طلعت أرضنا؟ أي بلغت .

ومعنى الآية: أنها تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤادهُ قاله القرظي والكلبي.

إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ( 8 ) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ( 9 )

( إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) مطبقة مغلقة. ( فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ) قرأ حمزةُ والكسائيُ وأبو بكر: ( فِي عُمُدٍ ) بضم العين والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما، كقوله تعالى: رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ( الرعد - 2 ) وهما جميعا جمع عمود، مثل: أديم وأدَم [ وأُدُم ] ، قاله الفراء .

وقال أبو عبيدة: جمع عماد، مثل: إهاب وأهَب وأهُب .

قال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد.

[ وقيل: « في عمد ممددة ] : في أعناقهم الأغلال السلاسل. »

[ وقيل: « هي عمد ممددة » : على باب جهنمُ ] ، سدت عليهم بها الأبواب [ لا يمكنهم الخروج ] .

وقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار.

وقيل: هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، أي أنها مطبقة عليهم بأوتاد ممددة، وهي في قراءة عبد الله « بعُمُدٍ » بالباء.

قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سُدَّتْ بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم رَوْح، والممددة من صفة العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة.

 

سورة الفيل

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ( 1 )

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) ؟ وكانت قصة أصحاب الفيل - على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وذكره الواقدي - :

أن النجاشي ملك الحبشة كان قد بعث « أرياط » إلى أرض اليمن فغلب عليها، فقام رجل من الحبشة، يقال له: « أبرهة بن الصباح » [ أبو يكسوم ] ، ، فسَاخَطَ « أرياطَ » في أمر الحبشة، حتى انصدعوا صدعين، وكانت طائفة مع أرياط، وطائفة مع أبرهة، فتزاحفا فقتل أبرهة، أرياطَ، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على اليمن وأقرَّه النجاشي، على عمله.

ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، فبنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبْن لملك مثلها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني مالك بن كنانة [ فخرج إليها مستخفيًا ] فدخلها ليلا فقعد فيها وتغوط بها، ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي ولطخ كنيستي بالعذرة؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك: ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عِظَمًا وجِسْمًا وقوة، فبعث به إليه، فخرج أبرهة من الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه الفيل، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر، بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه. وكان أبرهة رجلا حليمًا.

ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خَثْعَم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك، ليس لك عندنا خلاف، وإنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رِغَال، مولى لهم، فخرج حتى إذا كان [ بالمُغَمَّس ] مات أبو رِغَال وهو الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مسعود، على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نَعَمِ الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير.

ثم إن أبرهة بعث حباطة الحِمْيَري إلى أهل مكة، وقال: سلْ عن شريفها ثم أبلِغْه ما أرسِلُكَ به إليه، أخبره أني لم آتِ لقتالٍ، إنما جئت لأهدم هذا البيت. فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتالٍ إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم.

فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إلا أن نخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخلّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة.

قال: فانطلِقْ معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم المعسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر، هل عندك من [ غناء ] فيما نـزل بنا؟ فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس، سائسِ الفيل، فإنه لي صديق فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنـزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش صاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي، أحِبّ، ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، يستأذن إليك وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، فأذن له، وكان عبد المطلب رجلا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال لترجمانه قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ علي مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، وقد زهدت فيك، قال [ عبد المطلب ] : لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل وإن لهذا البيت ربًا سيمنعه، قال ما كان ليمنعه مني، قال فأنت وذاك، فأمر بإبله فرُدَّت عليه.

فلما رُدّتِ الإبل إلى عبد المطلب خرج فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رءوس الجبال، تخوفًا عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:

يــا رب لا أرجــو لَهُــم سـواكَا يــا رب فــامْنَع منهــم حِمَاكَـا

إن عــدوَّ البيــت مــن عَادَاكَـا امْنَعْهُـــم أن يُخْـــرِبُوا قُرَاكــا

وقال أيضا:

لا هُـــمَّ إن العَــبْد يمــنــع رَحْلَــــه فـــامْنَع حِـــلالَكْ

لا يَغْلِبَــــــنَّ صليبُهُــــــم وَمِحَــالُهم غَــدْوًا مِحَـــالَكْ

جــــروُّا جُـــمُوع بِلادِهـــم والفيــل كــي يَسْــبُوا عِيَــالَكْ

عمــــدوا حِمَـــاك بِكَيْـــدِهِمْ جَــهْلا ومــا رقَبُــوا جَـــلالَك

إن كـــنت تـــاركـهم وكعبَتَنَــا فـــــأمْرٌ مــــا بــــدَالَكْ

فلــم أسـمع بـأَرْجَسَ مـن رجـالٍ أرادوا الغــزو ينتهكــوا حَــرَامَك

ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغَمَّس قد تهيأ للدخول وعبَّأ جيشه وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير مثله في العظم والقوة ويقال كان معه اثنا عشر فيلا.

فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود وارجع راشدًا من حيث جئت [ فإنك ] في بلد الله الحرام، فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنـزعوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم.

وخرج نفيل يشتد حتى [ صعد ] في الجبل ، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل [ طائر ] منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، أمثال الحمص والعدس، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، فصرخ القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل [ مهلك ] .

وبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملةٌ اتبعتها [ مِدَّةٌ من قيح ودم ] ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك .

قال الواقدي: وأما محمود، فيل النجاشي، فربض ولم [ يسر ] على الحرم فنجا، والفيل الآخر شجع فحصب.

وزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جَرَّأ أصحاب الفيل: أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فدنوا من ساحل البحر وثَمَّ بيعة للنصارى تسميها قريش « الهيكل » ، فنـزلوا فأجَّجوا نارًا واشتووا فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فعجَّت الريح فاضطرم الهيكل نارًا فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبًا للبيعة ، فبعث أبرهة لهدم الكعبة.

وقال فيه: إنه كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة؛ وكان رجلا نبيهًا نبيلا تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلا لعبد المطلب، فقال له عبد المطلب: ماذا عندك هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك؟ فقال أبو مسعود: اصعد بنا إلى حراء فصعد الجبل، فقال أبو مسعود لعبد المطلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها لله وقلِّدها نعلا ثم أرسلها في الحرم لعل بعض هذه السودان يعقر منها شيئًا، فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم، ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو، فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ربًا يمنعه، فقد نـزل تُبَّع، ملك اليمن صحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزورًا.

[ ثم قال أبو مسعود ] فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرًا بيضاء نشأت من شاطئ البحر، فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال أراها قد دارت على رءوسنا، قال: فهل تعرفها؟ قال: فوالله ما أعرفها ما هي بنجدية ولا تهامية ولا غربية ولا شامية، قال: ما قدها؟ قال: أشباه [ اليعاسيب ] ، في منقارها حصى كأنها حصى الحذف، قد أقبلت كالليل يكسع بعضُها بعضًا، أمام كل رفقة طيرٌ يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم [ وَكَدَت ] فوق رءوسهم، فلما توافت الرجال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت راجعة من حيث جاءت، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة فلم يؤنسا أحدًا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حِسَّا فقالا بات القوم [ ساهرين ] ، فأصبحوا نيامًا، فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون، وكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطلب فأخذ فأسًا من فؤسهم فحفر حتى أعْمَقَ في الأرض فملأه من أموالهم، من الذهب الأحمر والجوهر، وحفر لصاحبه حفرة فملأها كذلك، ثم قال لأبي مسعود: هات فاختر إن شئت حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا، قال أبو مسعود: اختر لي على نفسك، فقال عبد المطلب إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل واحد منهما على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس، فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعًا، وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطته المقادة، فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنىً من ذلك المال، ودفع الله عن كعبته وبيته.

واختلفوا في تاريخ عام الفيل؛ فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة.

وقال الكلبي: بثلاث وعشرين سنة.

والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله عز وجل: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) ؟ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد. وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية. وقيل اثنا عشر، سوى الفيل الأعظم، وإنما وُحِّد لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم. وقيل: لوفاق رءوس الآي.

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ( 3 )

( أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) « كيدهم » يعني مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة. وقوله: « في تضليل » عما أرادوا، وأضلَّ كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة، وإلى ما أرادوه بكيدهم. قال مقاتل: في خسارة، وقيل: في بطلان. ( وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ) كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضًا. وقيل: أقاطيع كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة. أبابيل جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا.

قال الفراء:لا واحد لها من لفظها.وقيل: واحدها إبّالة . وقال الكسائي : إني كنت أسمع النحويين يقولون: واحدها أبول، مثل عجول وعجاجيل .

وقيل: واحدها من [ لفظها ] إبيل.

قال ابن عباس: كانت طيرًا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب .

وقال عكرمة: لها رءوس كرءوس السباع. قال الربيع: لها أنياب كأنياب السباع.

وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر. وقال قتادة: طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا تصيب شيئا إلا هشمته.

تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( 5 )

( تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ) قال [ ابن عباس ] وابن مسعود: صاحت الطير ورمتهم بالحجارة، فبعث الله ريحًا فضربت الحجارة فزادتها شدَّة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره. ( فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) كزرع وتبن أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه. شُبِّه تقطُّع، أوصالهم بتفُّرقِ أجزاء الرَّوْث. قال مجاهد: « العصف » ورق الحنطة. وقال قتادة: هو التبن. وقال عكرمة: كالحب إذا أكل فصار أجوف. وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له.

 

سورة قريش

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

لإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 )

( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) قرأ أبو جعفر: « لِيلافِ » بغير همز « إلافِهم » طلبًا للخفة، وقرأ ابن عامر « لالآف » بهمزة مختلسة من غير ياء بعدها [ على وزن لغلاف ] وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها، واتفقوا - غير أبي جعفر - في إِيلافِهِمْ أنها بياء بعد الهمزة، إلا عبد الوهاب بن فليح عن ابن كثير فإنه قرأ: « إِلْفِهِمْ » ساكنة اللام بغير ياء.

وعدَّ بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبَيّ بن كعب لا فصل بينهما في مصحفه، وقالوا: اللام في « لإيلاف » تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكَّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، وقال: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) .

وقال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي [ يريد إهلاك أهل ] الفيل لتبقى قريش [ وما ألفوا من ] رحلة الشتاء والصيف.

وقال مجاهد: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف .

والعامة على أنهما سورتان، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله « لإيلاف » ، قال الكسائي والأخفش: هي لام التعجب، يقول: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب: اعجبوا لذلك: والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل منه.

وقال الزجاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.

وقال [ ابن عيينة ] : لنعمتي على قريش.

وقريش هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي.

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني شداد أبو عمار، حدثنا واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم » .

وسموا قريشًا من القرش، والتقُّرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب، وهم كانوا تجارًا حراصًا على جمع المال والإفضال.

وقال أبو ريحانة: سأل معاوية عبد الله بن عباسٍ: لِمَ سُميت قريش قريشًا؟ قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، فأنشده شعر الجمحي:

وقُـرَيْش هـي التـي تَسْـكُنُ البحـر بهــا سُــمِّيَتْ قُــرَيْشٌ قُرَيْشَــا

ســلَّطَتْ بـالعُلُوّ فـي لجـة البحـر عــلى ســائر البُحــور جُيُوشَـا

تــأكل الغـثَّ والسـمين ولا تـترك فيــه لــذي الجَنــاحَيْن رِيْشَــا

هكــذا فـي الكتـاب حـي قـريش يـــأكلونَ البــلاد أكــلا [ كميشا ]

ولهــم فــي آخـر الزمـان نبـيٌ يُكْــثِرُ القَتْــلَ فيهــم والخُمُوشَـا

إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 )

قوله تعالى: ( إِيلافِهِم ) بدل من الإيلاف الأول ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) « رحلة » نصب على المصدر، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف.

روى عكرمة، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يُشَتُّون بمكة ويُصَيِّفُون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت .

وقال الآخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة، إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفا والأخرى في الصيف إلى الشام.

وكان الحرم واديًا جدبًا لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، كانوا يقولون: قريش سكان حرم الله وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل من البحر على السفن وأهل البر على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة، وأهل البر بالمحصب، وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤنة الرحلتين، وأمرهم بعبادة رب البيت فقال: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ) أي الكعبة. ( الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ) أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة ( وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) بالحرم وكونهم من أهل [ مكة ] حتى لم يتعرض لهم [ في رحلتهم ]

وقال عطاء عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضرٍّ ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم.

قال الكلبي: وكان أول من حمل [ السمراء ] من الشام ورحل إليها الإبل: هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر .

قـل للـذي طلـب السـماحةَ والنـدى هــلا مــررت بـآل عبـد منـاف

هــلا مـررت بهـم تريـد قِـراهم منعـوكَ مـن ضـرِّ ومـن أكفــاف

الرائشــين وليس يُوجــدُ رائِــش والقـــائلين هلـــمَّ للأضيــافِ

والخـــالطين فقــيرهم بغنيهــم حــتى يكــونَ فقـيرُهم كالكـافي

والقــائمين بكــل وعــد صـادق والراحـــلين برحلــة الإيــلاف

عمـرو [ العلا ] هَشَم الثريدَ لقـومـه ورجــال مكـة [ مُسْنِتُونَ ] عجاف

سَــفَرَيْن ســنهما لــه ولقومِــهِ ســفَرَ الشـتاءِ ورحلـةَ الأصيـافِ

وقال الضحاك والربيع وسفيان: « وآمنهم من خوف » من خوف الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام.

 

سورة الماعون

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ( 1 ) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ( 3 ) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ( 5 )

( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ) قال مقاتل: نـزلت في العاص بن وائل السهمي وقال السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: في الوليد بن المغيرة. قال الضحاك: في [ عمرو ] بن عائذ المخزومي. وقال عطاء عن ابن عباس: في رجل من المنافقين .

ومعنى « يكذب بالدين » أي بالجزاء والحساب. ( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ) يقهره ويدفعه عن حقه والدعُّ: الدفع بالعنف والجفوة. ( وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ) لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء. ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [ أي: عن مواقيتها غافلون ] .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أخبرنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمام الضبي، حدثنا حَرَمِيّ بن حفص [ القَسْمَلّي ] حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي، حدثنا [ عبد الملك ] بن عمير عن مصعب بن [ سعد ] عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن « الذين هم عن صلاتهم ساهون » ، قال: « إضاعة الوقت » .

قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا لقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ

الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ( 6 ) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ( 7 )

( الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ) وقال في وصف المنافقين: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ ( النساء - 142 ) .

وقال قتادة: ساهٍ عنها لا يبالي صلَّى أم لم يصلّ.

وقيل: لا يرجون لها ثوابًا إن صلُّوا ولا يخافون عقابًا إن تركوا.

وقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها.

وقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياًء، وإن فاتته لم يندم.

وقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك.

وقال عبد الله بن مسعود: « الماعون » : الفأس والدلو والقِدْر وأشباه ذلك وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس.

قال مجاهد: « الماعون » [ العارية. وقال عكرمة ] أعلاها الزكاة المعروفة [ وأدناها عارية المتاع .

وقال محمد بن كعب والكلبي: « الماعون » : المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.

قال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له: سعة ولا منعة، أي شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونًا لأنه قليل من كثير.

وقيل: « الماعون » : ما لا يحل منعه مثل: الماء والملح والنار ] .

 

سورة الكوثر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ( 1 )

( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الحلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن المختار - يعني ابن فلفل - عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظْهُرِنا إذ أغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنـزلت علي آنفا سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم : « إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ، ثم قال: » أتدرون ما الكوثَرُ « ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: » فإنه نهر وَعَدَنِيهِ ربي عز وجل عليه خيرٌ كثيرٌ هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يومَ القيامة، آنِيَتُه عددُ النُّجومِ فَيُخْتَلَجُ العبدُ منهم فأقول: ربِّ إنه مني، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك « . »

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: « الكوثر » : الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .

قال الحسن: هو القرآن العظيم.

قال عكرمة: النبوة والكتاب .

وقال أهل اللغة: الكوثر: فَوْعل [ من الكثرة، كنوفل: فَوْعَلَ ] من النفل والعرب تسمي كل شيء [ كثير في العدد أو ] كثير في القدر والخطر: كوثرًا. والمعروف: أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث:

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن [ علي ] الكشميهني، حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا حُمَيْد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بنهرٍ يجري بياضه [ بياض ] اللَّبَن وأحلى من العسل وحافَّتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أَذْفَرُ فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال الكوثرُ الذي أعطاكه الله عز وجل: .

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الصَّلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الكوثر نهر في الجنة، حافَّتاهُ الذهبُ مجراه على الدر والياقوتُ تربته أطيبُ من المِسْكِ وأشدُّ بياضًا من الثلج » . .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع [ بن عمر، عن ] ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللَّبَن وريحه أطيب من المسك وكِيزَانُه كنجوم السماء، من يشرب منها لم يظمأ أبدًا » .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « [ أناعند عُقْرِ حوضي ] أذود الناس عنه لأهل اليمن » إني لأضربهم بعصاي حتى يرفضُّوا عنهُ « وإنه [ لَيَغُتُّ ] فيه مِيزَابَانِ من الجنةِ، أحدهما من وَرِق والآخر من ذهب طوله ما بين بُصرى وصنعاء، أو ما بين أَيْلَةَ ومكة أو من مقامي هذا إلى عُمان » .

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 )

قوله عز وجل: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) قال محمد بن كعب: إن أناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز وجل .

وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك.

وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلوات المفروضة بجَمْعٍ وانحر البُدْن بمِنىً .

وروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: « فصل لربك وانحر » قال: وَضْع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر .

إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ( 3 )

قوله تعالى: ( إِنَّ شَانِئَكَ ) عدوك ومبغضك ( هُوَ الأبْتَرُ ) هو الأقل الأذلُّ المنقَطِعُ دابره .

نـزلت في العاص بن وائل السهمي؛ وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من [ باب ] المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المساجد فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبترُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ابنٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها .

وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذِكْرُهُ، فأنـزل الله تعالى هذه السورة .

وقال عكرمة عن ابن عباس: نـزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قَدِم كعبٌ مكة قالت له قريش: نحن أهل السِّقَاية والسِّدَانة وأنت سِّيدُ أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [ الصنبور ] المُنْبَتِر من قومه؟ فقال: بل أنتم خير منه، فنـزلت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ( النساء - 51 ) . الآية، ونـزل في الذين قالوا إنه أبتر: « إن شانئك هو الأبتر » أي المنقطع من كل خير.

 

سورة الكافرون

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ( 3 )

( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) إلى آخر السورة.

نـزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، [ والأسود ] بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد، وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد [ هلمَّ فاتبعْ ] ديننا ونتبع دينك ونشركُك في أمرنا كلِّه، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا كنا قد شركناك فيه وأخذنا حظَّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فأنـزل الله عز وجل: « قل يا أيها الكافرون » إلى آخر السورة، فَغَدَا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملاء من قريش، فقام على رءوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه . ومعنى الآية: ( لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) في الحال ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) في الحال،

وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 )

( وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ) في الاستقبال، ( وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) في الاستقبال .

وهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون.

وقوله: [ ما ] أعبد « أي: مَنْ أعبد، لكنه ذكره لمقابلة: » ما تعبدون « . »

ووجه التكرار: قال أكثر أهل المعاني: هو أن القرآن نـزل بلسان العرب، وعلى مجاز خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار، إرادة التوكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز.

وقال القتيبي: تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرَّك أن ندخل في دينك عامًا فادخل في ديننا عامًا، فنـزلت هذه السورة. ( لَكُمْ دِينَكُمْ ) الشرك ( وَلِيَ دِينِ ) الإسلام، قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص: « ولي » بفتح الياء، قرأ الآخرون بإسكانها. [ وهذه الآية منسوخة بآية السيف ] .

 

سورة النصر

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 )

( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) أراد فتح مكة.

وكانت قصته - على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشًا عام الحديبية، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عَقْد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عَقْد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزَاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بينهما شرٌّ قديم.

ثم إن بني بكر عَدَتْ على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له « الوَتِير » ، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيَّت خزاعة، وليس كلٌ بكرٍ تابعه، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيًا بالليل، حتى حازوا خزاعة إلىالحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إنا دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة: إنه لا إله لي اليوم، [ يا بني بكر ] أصيبوا ثأركم فيه.

فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد بما استحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده- خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظَهْراني الناس، فقال:

لا هـــم إنــي ناشِــدٌ محــمدًا حِـــلْفَ أبينــا وأبيــهِ الأتْلَــدا

إن قريشـــا أخــلَفُوكَ المَوْعِــدَا ونقضــــوا ميثـــاقَك المؤكَّــدا

الأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قد نُصِرْت يا عمرو بن سالم » ، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: « إن هذه السحابة لتستهلّ، بِنَصْرِ بني كعب » ، وهم رهط عمرو بن سالم.

ثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم [ وبمظاهرة ] قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء لِيَشُدَّ العَقْدَ ويزيد في المدة.

ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعُسْفَان، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَشُّدَ العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُدَيْلا قال: من أين أقبلت يا بُدَيْل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما راح بُدَيْل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى، فعمد إلى مَبْرك ناقته فأخذ من بعرها فَفَتَّه فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُدَيْلٌ محمدًا.

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني؟ قالت: بلى هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لقد أصابك يا بُنَيَّة بعدي [ شيء ] ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئًا [ غير أنه قال: نقض أهل مكة العهد ] .

ثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذرَّ لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعنده فاطمة بنت رسول لله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما، غلامٌ يَدِبّ، بين يديها، فقال: يا علي إنك أمسّ، القومِ بي رحمًا وأقربُهم مني قرابةً، وقد جئت في حاجةٍ فلا أرجعن كما جئت، خائبًا، اشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بُنَيَّكِ هذا فيجير بين الناس فيكون سيدِّ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنَيّ أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، فقال: يا أبا الحسن - إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأَجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال أوترى ذلك مغنيًا عني شيئا؟ قال: لا والله ، ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته والله ما رد عليَّ شيئًا ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيرًا، فجئت ابن الخطاب فوجدته أَعْدَى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيٍء صنعتهُ، فوالله ما أدري هل [ يغنيني ] شيئًا أم لا؟ قالوا: وماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا قالوا: والله إن زاد عليٌّ على أن لعب بك، فلا يغني عنَّا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يجهِّزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي لله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهَّزْ، قال: فأين ترينه يريدُ؟ قالت: ما أدري. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خُذِ العيونَ والأخبار عن قريش حتى [ نَبْغَتَها ] في بلادها، فتجهز الناس.

وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ كتابًا إلى قريش [ - وفيه قصة ] ذكرناها في سورة الممتحنة - .

ثم استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رُهْم كلثومَ بن حُصَيْن بن خلف الغفاري، وخرج عامدًا إلى مكة لعشر مَضَيْنَ من رمضان سنة ثمان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عُسْفَان وأمَجّ - أفطر.

ثم مضى حتى نـزل بمرِّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نـزل بمر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو فاعل، فخرج في تلك الليلة: أبو سُفْيَان بن حَرْب، وحكيم بن حِزَامٍ وبُدَيْلُ بن ورقاء، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرًا؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذٍ: وَاصباحَ قريش، والله لئن [ بغتها ] رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطَّابًا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.

قال العباس فخرجت وإني - والله - لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر، فسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قطُّ نيرانًا، وقال بديل: هذه والله نيران خزاعة [ حَمَشَتْها ] الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأمُ من ذلك وأذلُ فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: يا أبا الفضل، فقلت: نعم، فقال: مَالَك فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا، والله، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قِبَل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليَضْرِبَنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنهُ فردفني، ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا: هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عَجُزِ الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتدَّ نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فركضتُ البغلة وسبقته بما تسبق الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني قد أَجَرْتهُ، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحدٌ دوني، فلما أكثر فيه عمر رضي الله عنه قلت: مهلا يا عمر، فوِالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدِّي بن كعب ما قلت هذا. قال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، [ وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم ] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اذهب به يا عباس إلى رَحْلِك، فإذا أصبحتَ فَأْتِنِي به » ، قال: فذهبت إلى رَحْلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: « ويحك يا أبا سفيان [ ألم يَأْنِ ] لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ » قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعدُ، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها [ حتى الآن ] شيئًا، قال العباس: قلت له: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحقِّ وأسلم، قال العباس: قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنْ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمِنْ، ومن دخل المسجد فهو آمِنْ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباسُ احبِسْه، بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: ومرَّت به القبائل على راياتها، كلما مرتْ قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: أقول: سليم، قال يقول: ما لي ولِسُلَيْمٍ، ثم تمر القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته يقول: ما لي ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء، كتيبة رسول الله، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، فقال: والله ما لأحدٍ بهؤلاء من قِبَل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، فقال: ويحك! إنها النبوة، قال: نعم إذًا.

فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبلَ لكم به، قالوا: فمه؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

قال: وجاء حَكيمُ بن حزام وبُدَيْلُ بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش يَدْعُوَانهم إلى الإسلام.

ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمَّره على خيل المهاجرين والأنصار، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحُجُون، وقال: لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيَك، ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وضربت هناك قبته، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخَنْدَمَة ليقاتلوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي، فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم المَلْحَمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحرمةُ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها، فلم يكن بأعلى مكة منْ قِبَل الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك.

وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له: سلمة بن الميلاء، من خيل خالد بن الوليد، ورجلان يقال لهما: كُرْزُ بن جابر [ وخُنَيْس ] بن خالد، كانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه وسلكا طريقًا غير طريقه، فقتلا جميعا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدًا إلا من قاتلهم، إلا [ أنه قد عهد ] في نفرٍ سماهم أمر بقتلهم، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة. منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركًا، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيَّبه حتى أتى به [ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة، فاستأمن له.

وعبد الله بن خَطَل، كان رجلا من بني تميم بن غالب ] ، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقًا، وكان له مولى يخدمه وكان مسلمًا، فنـزل منـزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، وكانت له قَيْنَتَان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه.

والحُوَيْرث، بن [ نُقَيْذ ] بن وهب، كان ممن يؤذيه بمكة.

ومِقْيَس بن صبابة، وإنما أمر بقتله، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مرتدًا.

وسارة؛ مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذية بمكة.

وعكرمة بن أبي جهل، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنَتْ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.

وأما عبد الله بن خطل، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة، فقتله تُمَيْلَةُ بن عبد الله، رجل من قومه، وأما قَيْنَتَا ابن خطل؛ فقُتِلْت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنها، وأما سارةُ فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها، فعاشت حتى أوطأها رجلٌ من الناس فرسًا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وأما الحويرث بن نقيذ، فقتله علي بن أبي طالب.

فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف قائمًا على باب الكعبة وقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مَأْثُرَةٍ أو دم أو مالٍ في الجاهلية يدعى فهو تحت قدميَّ هاتين، إلا سَدَانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نَخْوَة الجاهلية وتعظُّمَها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب، ثم تلا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ( الحجرات - 13 ) الآية، يا أهل مكة، ماذا ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقَاء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء.

ثم اجتمع الناس للبيعة؛ فجلس لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء.

قال عروة بن الزبير: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيّدُ قومي، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر، فَآمِّنْهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو آمن، قال: يا رسول الله أعطني شيئًا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدةُ وهو يريد أن يركب البحرُ فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي أذكركَ الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، فقال: ويلك اغرب عني فلا تكلِّمني، قال: أي صفوان فداك أبي وأمي، أفضلُ الناس وأبرُ الناس، وأحلمُ الناس، وخيرُ الناس، ابن عمك عِزُّه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمَّنْتَنِي؟ قال: صدق، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر.

قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بَقِينَ من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [ يقصر ] الصلاة.

ثم خرج إلى هوازن وثقيف، قد نـزلوا حنينا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن خزاعة قتلوا رجلا. . . « وقال محمد بن إسماعيل، قال عبد الله بن رجاء: حدثنا حرب عن يحيى، حدثنا أبو سلمة » حدثنا أبو هريرة: أنه عامَ فتحِِ مكةَ قتلتْ خزاعة رجلا من بني لَيْث بقتيلٍ لهم في الجاهلية، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلطَّ عليهم رسوله والمؤمنين. ألا وإنها لم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنها أحِلَّتْ لي ساعةَ من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه، حرام لا يُخْتَلى شوكها ولا يُعْضَدُ شجرُها، ولا يَلتقِط ساقطتَها إلا منشدٌ، ومَنْ قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظر إما يؤدَّى وإما أن يقاد فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله إلا الإذْخِرَ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إلا الإذخر » .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي النضر - مولى عمر بن عبيد الله - أن أبا مرّة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلَّمتُ، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، قال: مرحبًا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلّى ثماني ركعات مُلْتَحِفا في ثوب واحد، ثم انصرف فقلت له: يا رسول الله، زعم ابن أمي، علي بن أبي طالب، أنه قاتلٌ رجلا أجَرْتُه، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجَرْنَا من أجرتِ يا أمَّ هانئٍ، وذلك ضحى .

قوله عز وجل: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ ) إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك وهم قريش، ( وَالْفَتْحُ ) فتح مكة.

وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ( 2 )

( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) زُمرًا وأرسالا القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال.

قال الحسن: لما فتح الله عز وجل مكة على رسوله قالت العرب بعضها لبعض: إذا ظفر محمد بأهل الحرم - وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل - فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين.

وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن:

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن الكشميهني حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان والحكمة يمانية » .

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ( 3 )

( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) فإنك حينئذ لاحقٌ به.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يُدْخِلني مع أشياخ بدر قال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممَّن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا لِيُرِيَهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس أكذلك تقول؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به، إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فتح مكة، فذلك علامة أجلك « فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا » ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي » يتأوَّل القرآن .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود عن عامر، عن مسروق، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من قول: « سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه » ، [ قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: « سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟ » ] فقال: أخْبَرَني ربي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتَها أَكْثِرْ من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . فالفتح: فتح مكة، « ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا » .

قال ابن عباس: لما نـزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه نُعيتْ إليه نفسه .

قال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم له بالزيادة في العمل الصالح .

قال قتادة ومقاتل: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نـزول هذه السورة سنتين.

 

سورة المسد

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 )

( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صَعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فقال: يا صباحاه، قال: فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: مالَكَ؟ قال: أرأيتم لو أخبرتُكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدِّقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا جميعًا؟ فأنـزل الله عز وجل: « تبت يدا أبي لهب وتب » إلى آخرها .

قوله: ( تَبَّتْ ) أي: خابت وخسرت يدا أبي لهب، [ أي هو ] ، أخبر عن يديه، والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله.

وقيل: « اليد » صلة، كما يقال: يد الدهر ويد الرَّزايا والبلايا.

وقيل: المراد بها ماله وملكه، يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال، و « الثياب » : الخسار والهلاك.

وأبو لهب: هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد العزى. قال مقاتل: كني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه.

وقرأ ابن كثير « أبي لهب » ساكنة الهاء، وهي مثل: نهر ونهر. واتفقوا في « ذات لهب » أنها مفتوحة الهاء لِوفَاقِ الفواصل.

( وَتَبَّ ) أبو لهب، وقرأ عبد الله: وقد تب . قال الفرَّاء: الأول دعاء، والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله، وقد فعل .

مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ( 2 ) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ( 3 ) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ( 4 )

( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ) قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه إلى الله عز وجل قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًا فإني أفتدي نفسي ومالي وولدي ، فأنـزل الله تعالى:

( مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ ) أي ما يغني، وقيل: أي شيء يغني عنه ماله، أي: ما يدفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، وكان صاحب مواشٍُ ( وَمَا كَسَبَ ) قيل: يعني ولده، لأن ولد الإنسان من كسبه كما جاء في الحديث: « أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه، وإن ولده من كسبه » . ثم أوعده بالنار فقال: ( سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ) أي نارًا تلتهب عليه. ( وَامْرَأَتُه ) أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان ( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) قال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل الشوك والعضاة فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابهُ لتعقرهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس.

وقال قتادة، ومجاهد، والسدي: كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث فتلقي العداوة بين الناس، وتوقد نارها كما توقد النار [ بالحطب ] . يقال: فلان يحطب على فلان، إذا كان يُغْرِي به .

وقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا، دليله: قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ( الأنعام - 31 ) .

قرأ عاصم « حمالة » بالنصب على الذم، كقوله: « ملعونين » .

وقرأ. الآخرون بالرفع، وله وجهان: أحدهما سيصلى نارًا هو وامرأته حمالةُ الحطب. والثاني: وامرأته حمالةُ الحطب في النار أيضًا.

فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( 5 )

( فِي جِيدِهَا ) في عنقها، وجمعه أجياد، ( حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) واختلفوا فيه، قال ابن عباس، وعروة بن الزبير: سلسلة من حديدٍ ذَرْعُها سبعون ذراعًا، تدخل في فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، وأصله من « المسْد » وهو الفتل، و « المَسَدُ » ما فُتِل وأحكم من أي شيء كان، يعني: السلسلة التي في عنقها ففتلت من الحديد فتلا محكمَا.

وروى الأعمش عن مجاهد: « من مسد » أي من حديد، والمسد: الحديدة التي تكون في البَكَرَةِ، يقال لها المحور.

وقال الشعبي ومقاتل: من ليف. قال الضحاك وغيره: في الدنيا من ليف، وفي الآخرة من نار. وذلك الليف هو الحبل الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة حزمة فأعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها.

قال ابن زيد: حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد.

قال قتادة: قلادة من ودع وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها [ فاخرة ] وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

سورة الإخلاص

مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 )

( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنـزل الله تعالى هذه السورة .

وروى أبو ظبيان، وأبو صالح، عن ابن عباس: أن عامر بن الطفيل وأَرْبَدَ بن ربيعةَ أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلامَ تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله، قال: صِفْهُ لنا أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ فنـزلت هذه السورة فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون، وقد ذكرناه في سورة الرعد .

وقال الضحاكُ وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صِفْ لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنـزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث منه؟ فأنـزل الله هذه السورة .

( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) أي واحد، ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: قل هو الله الواحد . ( اللَّهُ الصَّمَدُ ) قال ابن عباس، ومجاهدُ والحسنُ وسعيد بن جبير: « الصمد » الذي لا جوف له.

قال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب.

وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: « الصمد » الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه .

قال أبو وائلِ شقيقُ بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد . وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في [ الحوائج. وقال السدي ] هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمْدًا - بسكون الميم - إذا قصدته، [ والمقصود ] : صمَد، بفتح الميم.

وقال قتادة: « الصمد » الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: « الصمد » الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان: الذي لا عيب فيه.

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ( 4 )

( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) قرأ حمزة وإسماعيل: « كفْؤًا » ساكنة الفاء مهموزا، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزًا، وكلها لغات صحيحة، [ ومعناه ] المثل، أي: هو أحد.

وقيل: هو التقديم والتأخير، مجازه: ولم يكن له أحدًا كفوًا أي مثلا.

قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمثل .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشَتَمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فقولهُ: لن يعيدني كما بدأني، وليس أولُ الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد » .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ويرددها، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده إنها لتَعْدِل ثُلُثَ القرآن . »

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الأصفهاني، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أيعجز أحدكم أن يقرأ ثُلثَ القرآن في ليلةٍ » ؟ قلت: يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: اقرأوا قل هو الله أحد « . »

واخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت، مع رسول الله فسمع رجلا يقرأ « قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد » ، فقال رسول الله: « وجبْت » ، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: « الجنة » . فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحبُّ هذه السورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ : قال: « حبُّكَ إياها أدخلَك الجنة » .

 

سورة الفلق

مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 )

( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) قال ابن عباس، وعائشة - رضي الله عنهما- : كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فدبت ] إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدَّة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لَبِيدُ بن الأعْصمِ، رجل من يهود، فنـزلت السورتان فيه

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن [ عبد الحكم ] أخبرنا أنس بن عياض عن [ هشام ] عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: طُبَّ حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: أَشَعَرْت أن الله تعالى أَفْتانِي فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: مَا وَجَعُ الرَّجُل؟ قال الآخر: هو مَطْبُوب قال: من طبَّه؟ قال لَبِيدُ بن الأعْصَمُ قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ - وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ - قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نُقَاعةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلها رءوسُ الشياطين، قالت: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجتَه؟ قال: « أما أنا فقد شفاني الله، فكرهت أن أثير على الناس به شرا » .

وروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جُفَّ الطلعة، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه

أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم قال: سَحَرَ النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط .

قال مقاتل والكلبي: كان في وتر عُقِد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت العُقَد، مغروزة بالإبرة، فأنـزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال .

وروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنـزلت المعوذتان.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا [ عبد الوارث ] حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيتَ؟ قال: نعم، فقال: « بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله يشفيك » .

قوله عز وجل: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) أراد بالفلق: الصبح وهو قول جابر بن عبد الله والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، بدليل قوله فَالِقُ الإِصْبَاحِ .

وروي عن ابن عباس: إنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم.

وقال الضحاك: يعني الخلق، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، والأول هو المعروف.

مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ( 2 ) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ( 3 )

( مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ) أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد المغلس، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن [ خاله ] الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: « يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب. هذا غاسق إذا وقب » .

فعلى هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسودَّ « وَقَبَ » ، أي: دخل في الخسوف وأخذ في الغيبوبة [ وأظلم ] .

وقال ابن عباس: « الغاسق » : الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم، و « الغسق » : الظلمة، يقال غسق الليل [ وأغسق ] إذا أظلم، وهو قول الحسن ومجاهد، يعني الليل إذا أقبل ودخل و « الوقوب » : الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس.

قال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار.

وقيل: سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق: البَرْد.

وقال ابن زيد: [ يعني ] الثريا إذا سقطت . ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها .

وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ( 4 ) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ( 5 )

( وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال أبو عبيدة: هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. ( وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ) يعني [ اليهود ] فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم.

 

سورة الناس

مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلَهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 )

( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) يعني الشيطان، يكون مصدرًا واسمًا.

قال الزجاج: يعني: الشيطان ذا الوسواس « الخناس » الرجاع، وهو الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس.

وقال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس. ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يُمنِّيهِ ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر رجع فوضع رأسه، فذلك: ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. ( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) يعني يدخل في الجني كما يدخل في الإنسي، ويوسوس للجني كما يوسوس للإنسي، قاله الكلبي.

وقوله: « في صدور الناس » أراد بالناس: ما ذكر من بعد، وهو الجِنّة والناس، فسمى الجن ناسا، كما سماهم رجالا فقال: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ( الجن - 6 ) .

وقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث جاء قوم من الجن فوقعوا، فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء .

قال بعضهم: أثبت أن الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشيطان، فجعل « الوسواس » من فعل الجِنَّة والناس جميعا، كما قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ ( الأنعام - 112 ) كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس جميعا.

أخبرنا إسماعيل [ بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر ] بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألم تر آيات أنـزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و » قل أعوذ برب الناس « . »

أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم العدل، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس بن الوليد بن مرثد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ المتعوذون » ؟ قلت: بلى، قال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و « قل أعوذ برب الناس » .

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، فقرأ فيهما: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و « قل أعوذ برب الناس » ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يفعل ذلك ثلاث مرات .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتهما .

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا بعد الرازق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار » .

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حسن الصوت يتغنىَّ بالقرآن يجهر به » . تم .