قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 )

وقوله: ( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع « الحق » الأولى وفسره مجاهد بأن معناه:أنا الحق، والحق أقول وفي رواية عنه:الحق مني، وأقول الحق.

وقرأ آخرون بنصبهما.

قال السدي:هو قسم أقسم الله به.

قلت:وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة:13 ] وكقوله تعالى: قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [ الإسراء:63 ]

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 )

يقول تعالى:قل يا محمد لهؤلاء المشركين:ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أي:وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة.

قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال:أتينا عبد الله بن مسعود قال:يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لا يعلم فليقل:الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم:الله أعلم فإن الله قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أخرجاه من حديث الأعمش به

وقوله: ( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) يعني:القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن، قاله ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل:حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله: ( لِلْعَالَمِينَ ) قال:الجن والإنس.

وهذه الآية كقوله تعالى: لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام:19 ] ، [ وكقوله ] وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] .

وقوله: ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ ) أي:خبره وصدقه ( بَعْدَ حِينٍ ) أي:عن قريب. قال قتادة:بعد الموت. وقال عكرمة:يعني يوم القيامة ولا منافاة بين القولين؛ فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة.

وقال قتادة في قوله تعالى: ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) قال الحسن:يا ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

آخر تفسير سورة « ص » ، ولله الحمد والمنة.

 

 

تفسير سورة الزمر

 

وهي مكية.

قال النسائي:حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول:ما يريد أن يفطر. ويفطر حتى نقول:ما يريد أن يصوم. وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر .

بسم الله الرحمن الرحيم

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ( 2 ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ( 3 ) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 4 ) .

يخبر تعالى أن تنـزيل هذا الكتاب - وهو القرآن العظيم- من عنده، تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء:192- 195 ] .

وقال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت:41، 42 ] . وقال هاهنا: ( تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ ) أي:المنيع الجناب، ( الْحَكِيمِ ) أي:في أقواله وأفعاله، وشرعه، وقدره .

( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ) أي:فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له [ وحده ] ، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) أي:لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله، وحده لا شريك له .

وقال قتادة في قوله: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) أي:إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنـزيلا لذلك منـزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.

قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ( إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) أي:ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منـزلة.

ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: « لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك » . وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل:36 ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] .

وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [ النحل:74 ] ، تعالى الله عن ذلك.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) أي:يوم القيامة، ( فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي:سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ:40، 41 ] .

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) أي:لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله، وقلبه كفار يجحد بآياته [ وحججه ] وبراهينه.

ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير، وعيسى فقال: ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أي:لكان الأمر على خلاف ما يزعمون . وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء:17 ] قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [ الزخرف:81 ] ، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم.

وقوله: ( سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) أي:تعالى وتنـزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت.

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 5 )

يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف، فيه يقلب ليله ونهاره، ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) أي:سخرهما يجريان متعاقبين لا يقران ، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [ الأعراف:54 ] هذا معنى ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وغيرهم .

وقوله: ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ) أي:إلى مدة معلومة عند الله ثم تنقضي يوم القيامة. ( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) أي:مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.