الجزء 1

 

فاتحة الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

يقال لها:الفاتحة، أي فاتحة الكتاب خطا، وبها تفتح القراءة في الصلاة ويقال لها أيضا:أم الكتاب عند الجمهور، وكره أنس، والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك، قال الحسن وابن سيرين:إنما ذلك اللوح المحفوظ، وقال الحسن:الآيات المحكمات:هن أم الكتاب، ولذا كرها - أيضا - أن يقال لها أم القرآن وقد ثبت في [ الحديث ] الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم » ويقال لها:الحمد، ويقال لها:الصلاة، لقوله عليه السلام عن ربه: « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قال الله:حمدني عبدي » الحديث. فسميت الفاتحة:صلاة؛ لأنها شرط فيها. ويقال لها:الشفاء؛ لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا: « فاتحة الكتاب شفاء من كل سم » . ويقال لها:الرقية؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وما يدريك أنها رقية؟ » . وروى الشعبي عن ابن عباس أنه سماها:أساس القرآن، قال:فأساسها بسم الله الرحمن الرحيم، وسماها سفيان بن عيينة:الواقية. وسماها يحيى بن أبي كثير:الكافية؛ لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة: « أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها عوضا عنها » . ويقال لها:سورة الصلاة والكنـز ذكرهما الزمخشري في كشافه. وهي مكية، قاله ابن عباس وقتادة وأبو العالية، وقيل مدنية، قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري. ويقال:نـزلت مرتين:مرة بمكة، ومرة بالمدينة، والأول أشبه لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [ الحجر:87 ] ، والله أعلم . وحكى أبو الليث السمرقندي أن نصفها نـزل بمكة ونصفها الآخر نـزل بالمدينة، وهو غريب جدًا، نقله القرطبي عنه. وهي سبع آيات بلا خلاف، [ وقال عمرو بن عبيد:ثمان، وقال حسين الجعفي:ستة وهذان شاذان ] . وإنما اختلفوا في البسملة:هل هي آية مستقلة من أولها كما هو عند جمهور قراء الكوفة وقول الجماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف، أو بعض آية أو لا تعد من أولها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القراء والفقهاء؟ على ثلاثة أقوال، سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.

قالوا:وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا. قال البخاري في أول كتاب التفسير:وسميت أم الكتب، أنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة وقيل:إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير:والعرب تسمي كل جامع أمر أو مقدم لأمر - إذا كانت له توابع تتبعه هو لها إمام جامع - أُمًّا، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ، أمّ الرأس، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أُمًّا، واستشهد بقول ذي الرمة:

علـى رأسـه أم لنا نقتـدي بها جمـاع أمـور ليس نعصي لهـا أمرا

يعني:الرمح. قال:وسميت مكة:أم القرى لتقدمها أمام جميعها وجمعها ما سواها، وقيل:لأن الأرض دحيت منها.

ويقال لها أيضًا:الفاتحة؛ لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني، قالوا:لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله .قال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب وهاشم بن هاشم عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم القرآن: « هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم » . ثم رواه عن إسماعيل بن عمر عن ابن أبي ذئب به، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني » .وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره:حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، ثنا محمد بن غالب بن حارث، ثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، ثنا المعافى بن عمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن المقبري، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) سبع آيات:بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب « . »

وقد رواه الدارقطني أيضا عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه أو مثله، وقال:كلهم ثقات .وروى البيهقي عن علي وابن عباس وأبي هريرة أنهم فسروا قوله تعالى: سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [ الحجر:87 ] بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها، وسيأتي تمام هذا عند البسملة.

وقد روى الأعمش عن إبراهيم قال:قيل لابن مسعود:لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك؟ قال:لو كتبتها لكتبتها في أول كل سورة. قال أبو بكر بن أبي داود:يعني حيث يقرأ في الصلاة، قال:واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها.

وقد قيل:إن الفاتحة أول شيء نـزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ونقله الباقلاني أحد أقوال ثلاثة هذا [ أحدها ] وقيل: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كما في حديث جابر في الصحيح . وقيل: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق:1 ] وهذا هو الصحيح، كما سيأتي تقريره في موضعه، والله المستعان.

ذكر ما ورد في فضل الفاتحة

قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، رحمه الله، في مسنده:حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المُعَلَّى، رضي الله عنه، قال:كنت أصلي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجبه حتى صلَّيت وأتيته، فقال: « ما منعك أن تأتيني؟ » . قال:قلت:يا رسول الله، إني كنت أصلي. قال: « ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [ الأنفال:24 ] ثم قال: » لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد « . قال:فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت:يا رسول الله إنك قلت: » لأعلمنك أعظم سورة في القرآن « . قال: » نعم، الحمد لله رب العالمين هي:السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته « . »

وهكذا رواه البخاري عن مسدد، وعلي بن المديني، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به .ورواه في موضع آخر من التفسير، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن شعبة، به .ورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاريّ، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المُعَلَّى، عن أبي بن كعب، فذكر نحوه.

وقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أنس، ما ينبغي التنبيه عليه، فإنه رواه مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي:أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبرهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب، وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال:فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي، وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال: « إني لأرجو ألا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنـزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها » . قال أبيّ:فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت:يا رسول الله، ما السورة التي وعدتني؟ قال: « كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال:فقرأت عليه: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت « .فأبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المُعَلّى، كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول ومن تبعه ، فإن ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع، إن لم يكن سمعه أبو سعيد هذا من أبيّ بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم، والله أعلم. على أنه قد روي عن أبيّ بن كعب من غير وجه كما قال الإمام أحمد:»

حدثنا عفَّان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب، وهو يصلي، فقال: « يا أبي » ، فالتفت ثم لم يجبه، ثم قال:أبي، فخفف. ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:السلام عليك أيْ رسول الله. فقال: « وعليك السلام » [ قال ] « ما منعك أيْ أبيّ إذ دعوتك أن تجيبني؟ » . قال:أيْ رسول الله، كنت في الصلاة، قال: « أولست تجد فيما أوحى الله إلي اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [ الأنفال:24 ] » . قال:بلى يا رسول الله، لا أعود، قال: « أتحب أن أعلمك سورة لم تنـزل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ » قلت:نعم، أي رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني لأرجو ألا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها » قال:فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني، وأنا أتبطأ ، مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت:أيْ رسول الله، ما السورة التي وعدتني قال: « ما تقرأ في الصلاة؟ » . قال:فقرأت عليه أم القرآن، قال: « والذي نفسي بيده ما أنـزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ إنها السبع المثاني » . ورواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدَّرَاوَرْدِي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره ، وعنده:إنها من السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته، ثم قال:هذا حديث حسن صحيح.

وفي الباب، عن أنس بن مالك، ورواه عبد الله بن [ الإمام ] أحمد، عن إسماعيل بن أبي مَعْمَر، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب، فذكره مطولا بنحوه، أو قريبا منه .وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن أبي عمار حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ بن كعب، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أنـزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي » ، هذا لفظ النسائي. وقال الترمذي:حسن غريب.

وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا هاشم، يعني ابن البريد حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن جابر، قال:انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أهراق الماء، فقلت:السلام عليك يا رسول الله. فلم يرد عليّ، قال:فقلت:السلام عليك يا رسول الله. فلم يرد عليّ، قال:فقلت:السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ. قال:فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تطهر، فقال: « عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله » ثم قال: « ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأَخْير سورة في القرآن؟ » قلت:بلى يا رسول الله. قال: « اقرأ:الحمد لله رب العالمين، حتى تختمها » .هذا إسناد جيد، وابن عقيل تحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبديّ، والله أعلم. ويقال:إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر .واستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء، منهم:إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن الحصار من المالكية. وذهبت طائفة أخرى إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا يوهم التفضيل نقص المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلا نقله القُرطُبي عن الأشعريّ، وأبي بكر الباقلاني، وأبي حاتم بن حبان البستي، ويحيى بن يحيى، ورواية عن الإمام مالك [ أيضا ] .

حديث آخر:قال البخاري في فضائل القرآن:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا وهب، حدثنا هشام، عن محمد، بن معبد، عن أبي سعيد الخدري، قال:كنا في مسير لنا، فنـزلنا، فجاءت جارية فقالت:إن سيد الحي سليم، وإن نَفَرَنَا غُيَّب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نَأبِنُه برقية، فرقاه، فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له:أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال:لا ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا:لا تحدثوا شيئا حتى نأتي، أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: « وما كان يُدْريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم » .

وقال أبو معمر:حدثنا عبد الوارث، حدثنا هشام، حدثنا محمد بن سيرين، حدثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.

وهكذا رواه مسلم، وأبو داود من رواية هشام، وهو ابن حسان، عن ابن سيرين، به . وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث:أن أبا سعيد هو الذي رقى ذلك السليم، يعني:اللديغ يسمونه بذلك تفاؤلا.

حديث آخر:روى مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم، عن عمار بن رُزَيق، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل، إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال:هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط. قال:فنـزل منه ملك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك:فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، ولن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته. وهذا لفظ النسائي.

ولمسلم نحوه حديث آخر:قال مسلم:حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، هو ابن راهويه، حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء، يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خِداج - ثلاثًا- غير تمام » . فقيل لأبي هريرة:إنا نكون وراء الإمام، قال:اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « قال الله عز وجل:قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة:2 ] ، قال الله:حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ الفاتحة:3 ] ، قال الله:أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة:4 ] ، قال مجدني عبدي - وقال مرة:فوض إلي عبدي - فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة:5 ] ، قال:هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [ الفاتحة:6، 7 ] ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » .

وهكذا رواه النسائي، عن إسحاق بن راهويه . وقد روياه - أيضًا- عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، به وفي هذا السياق: « فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل » .

وكذا رواه ابن إسحاق، عن العلاء، وقد رواه مسلم من حديث ابن جُرَيْج، عن العلاء، عن أبي السائب هكذا .

ورواه - أيضًا- من حديث ابن أبي أويس، عن العلاء، عن أبيه وأبي السائب، كلاهما عن أبي هريرة .

وقال الترمذي:هذا حديث حسن، وسألت أبا زُرْعَة عنه فقال:كلا الحديثين صحيح، من قال:عن العلاء، عن أبيه، وعن العلاء عن أبي السائب .

وقد روى هذا الحديث عبد الله ابن الإمام أحمد، من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبيّ بن كعب مطولا .

قال ابن جرير:حدثنا صالح بن مسمار المروزي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عَنْبسة بن سعيد، عن مُطَرَّف بن طريف، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَة، عن جابر بن عبد الله، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال الله تعالى:قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال:حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال:أثنى علي عبدي. ثم قال:هذا لي وله ما بقي »

وهذا غريب من هذا الوجه.

ثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة من وجوه:

أحدها:أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة كقوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا [ الإسراء:110 ] ، أي:بقراءتك كما جاء مصرحًا به في الصحيح، عن ابن عباس وهكذا قال في هذا الحديث: « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل » ثم بيّن تفصيل هذه القسمة في قراءة الفاتحة فدل على عظم القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها، إذ أطلقت العبادة وأريد بها جزء واحد منها وهو القراءة؛ كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [ الإسراء:78 ] ، والمراد صلاة الفجر، كما جاء مصرحا به في الصحيحين:من أنه يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء.

ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل يتعين للقراءة في الصلاة فاتحة الكتاب، أم تجزئ هي أو غيرها؟ على قولين مشهورين، فعند أبي حنيفة ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل:20 ] ، وبما ثبت في الصحيحين، من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن » قالوا:فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدل على ما قلناه.

والقول الثاني:أنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة:مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم وجمهور العلماء؛ واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور، حيث قال صلوات الله وسلامه عليه: « من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج » والخداج هو:الناقص كما فسَّر به في الحديث: « غير تمام » . واحتجوا - أيضًا- بما ثبت في الصحيحين من حديث الزهريّ، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصّامت، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » . وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن » والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك، رحمهم الله.

ثم إن مذهب الشافعيّ وجماعة من أهل العلم:أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون:إنما تجب قراءتها في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين:إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات، أخذا بمطلق الحديث: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » .

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي:لا تتعين قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [ المزمل:20 ] ، [ كما تقدم ] والله أعلم.

وقد روى ابن ماجه من حديث أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا: « لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها » . وفي صحة هذا نظر، وموضح تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير، والله أعلم.

الوجه الثالث:هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:

أحدها:أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه؛ لعموم الأحاديث المتقدمة.

والثاني:لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها، لا في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة » ولكن في إسناده ضعف . ورواه مالك، عن وهب بن كَيْسَان، عن جابر من كلامه . وقد روي هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

والقول الثالث:أنه تجب القراءة على المأموم في السرية، لما تقدم، ولا تجب في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبَّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا » وذكر بقية الحديث .

وهكذا رواه أهل السنن؛ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « وإذا قرأ فأنصتوا » . وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي، رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل .

والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور، والله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، حدثنا غسان بن عبيد، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا وضعت جنبك على الفراش، وقرأت فاتحة الكتاب و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد أمنت من كل شيء إلا الموت »

الكلام على تفسير الاستعاذة

قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف:199، 200 ] ، وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون:96 - 98 ] وقال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ فصلت:34 - 36 ] .

فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها، وهو أن الله يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه، ليرده عنه طبعُهُ الطَّيب الأصل إلى الموادة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل؛ كما قال تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ الأعراف:27 ] وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [ فاطر:6 ] وقال أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [ الكهف:50 ] ، وقد أقسم للوالد إنه لمن الناصحين، وكذب، فكيف معاملته لنا وقد قال: فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص:82، 83 ] ، وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ النحل:98، 99 ]

قالت طائفة من القراء وغيرهم:نتعوذ بعد القراءة، واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة؛ وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا عنه، وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتاب « الكامل » .

وروي عن أبي هريرة - أيضا- وهو غريب.

[ ونقله فخر الدين محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال:وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري، وحكى القرطبي عن أبي بكر بن العربي عن المجموعة عن مالك، رحمه الله تعالى، أن القارئ يتعوذ بعد الفاتحة، واستغربه ابن العربي. وحكى قول ثالث وهو الاستعاذة أولا وآخرا جمعا بين الدليلين نقله فخر الدين ] .

والمشهور الذي عليه الجمهور أن الاستعاذة لدفع الوسواس فيها، إنما تكون قبل التلاوة، ومعنى الآية عندهم: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [ النحل:98 ] أي:إذا أردت القراءة كقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ الآية [ المائدة:6 ] أي:إذا أردتم القيام. والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:

حدثنا محمد بن الحسن بن آتش حدثنا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدريّ، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبَّر قال: « سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك » . ويقول: « لا إله إلا الله » ثلاثًا، ثم يقول: « أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من هَمْزه ونَفْخِه ونَفْثه » .

وقد رواه أهل السنن الأربعة من رواية جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، وهو الرّفاعي ، وقال الترمذي:هو أشهر حديث في هذا الباب. وقد فسَر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنَّفخ بالكبر، والنفث بالشعر. كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن عاصم العَنـزيّ، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل في الصلاة، قال: « الله أكبر كبيرًا، ثلاثًا، الحمد لله كثيرا، ثلاثًا، سبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من هَمْزه ونَفْخه ونفْثه » .

قال عمرو:وهمزه الموتة، ونفخه الكبر، ونفثه الشعر .

وقال ابن ماجه:حدثنا علي بن المنذر، حدثنا ابن فُضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهَمْزه ونفخه ونفثه » .

قال:همزه:الموتة، ونَفْثُه:الشعر، ونفخه:الكِبْر .

وقال الإمام أحمد:حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن رجل حدثه:أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبَّر ثلاثًا، ثم قال: « لا إله إلا الله » ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده « ، ثلاث مرات. ثم قال: » أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه .وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده:حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب، قال:تلاحى رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فَتَمزّع أنف أحدهما غضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني لأعلم شيئا لو قاله ذهب عنه ما يجد:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » .

وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، به .

وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي، والنسائي في اليوم والليلة عن بُنْدَار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي - أيضًا- من حديث زائدة بن قدامة، ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال:استَب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى خُيّل إليّ أن أحدهما يَتَمزّع أنفه من شدة غضبه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب » قال:ما هي يا رسول الله؟ قال: « يقول:اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم » . قال:فجعل معاذ يأمره، فأبى [ ومحك ] ، وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود .وقال الترمذي:مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل، فإنه مات قبل سنة عشرين.

قلت:وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبيّ بن كعب، كما تقدم وبلغه عن معاذ بن جبل، فإن هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة، رضي الله عنهم. قال البخاري:حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، قال:قال سليمان بن صُرَد:استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضَبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » فقالوا للرجل:ألا تسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إني لست بمجنون .

وقد رواه - أيضًا- مع مسلم، وأبي داود، والنسائي، من طرق متعددة، عن الأعمش، به .

وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال، والله أعلم. وقد رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، أوّل ما نـزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالاستعاذة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير:

حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال:أول ما نـزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال:يا محمد، استعذ. قال: « أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم » ثم قال:قل:بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ قال عبد الله:وهي أول سورة أنـزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم، بلسان جبريل .وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم.

مسألة:وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها، وحكى فخر الدين عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة قال:وقال ابن سيرين:إذا تعوذ مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب، واحتج فخر الدين لعطاء بظاهر الآية: فَاسْتَعِذْ وهو أمر ظاهره الوجوب وبمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ولأنها تدرأ شر الشيطان وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الاستعاذة أحوط وهو أحد مسالك الوجوب. وقال بعضهم:كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ لقيام شهر رمضان في أول ليلة منه.

مسألة:وقال الشافعي في الإملاء، يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر، وقال في الأم بالتخيير لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى:هل يستحب التعوذ فيها؟ على قولين، ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم. فإذا قال المستعيذ:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد بعضهم:أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون:بل يقول:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي وحكي عن بعضهم أنه يقول:أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لمطابقة أمر الآية ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور ،والأحاديث الصحيحة، كما تقدم، أولى بالاتباع من هذا، والله أعلم.

مسألة:ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة، فعلى هذا يتعوذ المأموم وإن كان لا يقرأ، ويتعوذ في العيد بعد الإحرام وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة.

ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث، وتطييب له وتهيؤ لتلاوة كلام الله وهي استعانة بالله واعتراف له بالقدرة وللعبد بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا الله الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا [ الإسراء:65 ] ، وقد نـزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري يوم بدر، ومن قتله العدو البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طرِيدًا، ومن غلبه العدو الظاهر كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطن كان مفتونا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.

فصل:

والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير كما قال المتنبي:

يـا من ألـوذ بـه فيمـا أؤمـله ومـن أعـوذ بـه ممن أحـاذره

لا يجبر النـاس عظما أنت كاسره ولا يهيضـون عظما أنت جابره

فصل معنى الاستعاذة

ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي:أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [ الأعراف:199 ] ، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف:200 ] ، وقال تعالى في سورة « قد أفلح المؤمنون » : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون:96 - 98 ] ، وقال تعالى في سورة « حم السجدة » : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ فصلت:34 - 36 ] .

والشيطان في لغة العرب مشتق من شَطَن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل:مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول:كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان، عليه السلام:

أيمـا شـاطِنٍ عصـاه عكـاه ثمّ يُلْـقى في السِّـجْـن والأغـلال

فقال:أيما شاطن، ولم يقل:أيما شائط.

وقال النابغة الذبياني - وهو:زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذُبْيان- :

نـأت بسعـاد عنـك نَـوًى شَطُونُ فبـانت والفـؤادُ بهــا رَهِينُ

يقول:بعدت بها طريق بعيدة.

[ وقال سيبويه:العرب تقول:تشيطن فلان إذا فَعَل فِعْل الشيطان ولو كان من شاط لقالوا:تشيط ] .والشيطان مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما تمرد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [ الأنعام:112 ] . وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أبا ذر، تعوّذ بالله من شياطين الإنس والجن » ، فقلت:أو للإنس شياطين؟ قال: « نعم » .وفي صحيح مسلم عن أبي ذر - أيضًا- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود » . فقلت:يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر والأصفر فقال: « الكلب الأسود شيطان » .وقال ابن وهب:أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ركب برْذونًا، فجعل يتبخْتر به، فجعل لا يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنـزل عنه، وقال:ما حملتموني إلا على شيطان، ما نـزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح .

والرّجيم:فعيل بمعنى مفعول، أي:أنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [ الملك:5 ] ، وقال تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصافات:6 - 10 ] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [ الحجر:16 - 18 ] ، إلى غير ذلك من الآيات.

[ وقيل:رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث والأول أشهر ] .

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) .

افتتح بها الصحابةُ كتاب الله، واتّفق العلماء على أنها بعض آية من سورَة النمل، ثمّ اختلفوا:هل هي آية مستقلة في أوّل كل سورة، أو من أول كل سورة كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أوّل كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها [ إنما ] كتبت للفصل، لا أنها آية؟ على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا، وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينـزل عليه ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا ، وروي مرسلا عن سعيد بن جُبَير. وفي صحيح ابن خزيمة، عن أم سلمة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية، لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عنها .وروى له الدارقطني متابعًا، عن أبي هريرة مرفوعًا . وروى مثله عن علي وابن عباس وغيرهما .وممن حكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة:ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعليّ. ومن التابعين:عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، في رواية عنه، وإسحاق بن رَاهوَيه، وأبو عبيد القاسم بن سلام، رحمهم الله. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما:ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقال الشافعي في قول، في بعض طرق مذهبه:هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة، وهما غريبان.

وقال داود:هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذه رواية عن الإمام أحمد بن حنبل. وحكاه أبو بكر الرازي، عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة، رحمهم الله .هذا ما يتعلق بكونها من الفاتحة أم لا. فأمَّا ما يتعلق بالجهر بها، فمفرّع على هذا؛ فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها، وكذا من قال:إنها آية من أوّلها، وأمَّا من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا؛ فذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا ، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية، وحكاه ابن عبد البر، والبيهقي عن عمر وعليّ، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم:أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعِكْرِمة، وأبي قِلابة، والزهري، وعليّ بن الحسين، وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنْكَدِر، وعلي بن عبد الله بن عباس، وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن. زاد البيهقيّ:وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر:وعمرو بن دينار.

والحُجَّة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها، وأيضًا فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ:إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم .

وروى أبو داود والترمذي، عن ابن عباس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي:وليس إسناده بذاك .

وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال:صحيح وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:كانت قراءته مدا، ثم قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم .

وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أم سلمة، قالت :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وقال الدارقطني:إسناده صحيح .

وروى الشافعي، رحمه الله، والحاكم في مستدركه، عن أنس:أن معاوية صلى بالمدينة، فترك البسملة، فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرّة الثانية بسمل .

وفي هذه الأحاديث، والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها، فأما المعارضات والروايات الغريبة، وتطريقها، وتعليلها وتضعيفها، وتقريرها، فله موضع آخر.

وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل.

وعند الإمام مالك:أنه لا يقرأ البسملة بالكلية، لا جهرًا ولا سرًا، واحتجوا بما في صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين . وبما في الصحيحين، عن أنس بن مالك، قال:صلَّيْتُ خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم:لا يذكرون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في أوّل قراءة ولا في آخرها . ونحوه في السنن عن عبد الله بن مُغَفَّل، رضي الله عنه .

فهذه مآخذ الأئمة، رحمهم الله، في هذه المسألة وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسر، ولله الحمد والمنة .

فصل

في فضلها

قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله، في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدثنا سلام بن وهب الجَنَديّ، حدثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ( بسم الله الرحمن الرحيم ) . فقال: « هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر، إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب » .

وهكذا رواه أبو بكر بن مَرْدُويه، عن سليمان بن أحمد، عن عليّ بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به .

وقد روى الحافظ ابن مَرْدُويه من طريقين، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مِسْعَر، عن عطية، عن أبي سعيد، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتَّاب ليعلمه، فقال المعلم:اكتب، قال ما أكتب؟ قال:بسم الله، قال له عيسى:وما باسم الله؟ قال المعلم:ما أدري . قال له عيسى:الباء بَهاءُ الله، والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة » .

وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب:زِبْرِيق، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مُلَيْكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكره . وهذا غريب جدًا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات، والله أعلم.

وقد روى جُوَيبر ، عن الضحَّاك، نحوه من قبله.

وقد روى ابن مَرْدُويه، من حديث يزيد بن خالد، عن سليمان بن بريدة، وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أنـزلت عليّ آية لم تنـزل على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) » .

وروي بإسناده عن عبد الكبير بن المعافى بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذَرّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، قال:لما نـزل ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورُجِمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه .

[ وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال:من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ: ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ليجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد، ذكره ابن عطية والقرطبي ووجهه ابن عطية ونصره بحديث: « فقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها » لقول الرجل:ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفا وغير ذلك ] .

وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، قال:سمعت أبا تميمة يحدث، عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال:عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقلت:تَعِس الشيطان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تقل تعس الشيطان. فإنك إذا قلت:تعس الشيطان تعاظم، وقال:بقوتي صرعته، وإذا قلت:باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب » .

هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وقد روى النسائي في اليوم والليلة، وابن مَرْدُويه في تفسيره، من حديث خالد الحذاء، عن أبي تميمة هو الهجيمي، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير، عن أبيه، قال:كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال: « لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل:بسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة » .فهذا من تأثير بركة بسم الله؛ ولهذا تستحب في أوّل كل عمل وقول. فتستحب في أوّل الخطبة لما جاء: « كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أجذم » ، [ وتستحب البسملة عند دخول الخلاء ولما ورد من الحديث في ذلك ] ، وتستحب في أوّل الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن، من رواية أبي هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد مرفوعًا: « لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه » ، وهو حديث حسن. ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقًا، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر، ومطلقا في قول بعضهم، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث منها:عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أتيت أهلك فسم الله؛ فإنه إن ولد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات » وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها.

وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: « قل:باسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك » . ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال:باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا » .

ومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك:باسم الله، هل هو اسم أو فعل متقاربان وكل قد ورد به القرآن؛ أما من قدره باسم، تقديره:باسم الله ابتدائي، فلقوله تعالى: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ هود:41 ] ، ومن قدره بالفعل [ أمرًا وخبرًا نحو:أبدَأ ببسم الله أو ابتدأت ببسم الله ] ،فلقوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق:1 ] وكلاهما صحيح، فإن الفعل لا بُدّ له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله، إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلا أو شربًا أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة، فالمشروع ذكر [ اسم ] الله في الشروع في ذلك كله، تبركًا وتيمنًا واستعانة على الإتمام والتقبل، والله أعلم؛ ولهذا روى ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عُمَارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال:إن أوّل ما نـزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: « يا محمد قل:أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال:قل: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال:قال له جبريل:قل:باسم الله يا محمد، يقول:اقرأ بذكر الله ربك، وقم، واقعد بذكر الله » . [ هذا ] لفظ ابن جرير .

وأما مسألة الاسم:هل هو المسمى أو غيره؟ ففيها للناس ثلاثة أقوال:

[ أحدها:أن الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال فخر الدين الرازي - وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري- في مقدمات تفسيره:

قالت الحشوية والكرامية والأشعرية:الاسم نفس المسمى وغير التسمية، وقالت المعتزلة:الاسم غير المسمى ونفس التسمية، والمختار عندنا:أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول:إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.

ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى، بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعددة كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضا فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتا ممكنة أو واجبة بذاتها، وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل، وأيضا فقد قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [ الأعراف:180 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لله تسعة وتسعين اسمًا » ، فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى، وأيضا فقوله: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى أضافها إليه، كما قال: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [ الواقعة:74، 96 ] ونحو ذلك. والإضافة تقتضي المغايرة وقوله: فَادْعُوهُ بِهَا أي:فادعوا الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره، واحتج من قال:الاسم هو المسمى، بقوله تعالى: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [ الرحمن:78 ] والمتبارك هو الله. والجواب:أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدسة، وأيضا فإذا قال الرجل:زينب طالق، يعني امرأته طالق، طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق، والجواب:أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي:وأما التسمية فإنها جعل الاسم معينا لهذه الذات فهي غير الاسم أيضا، والله أعلم ] .

( الله ) عَلَمٌ على الرب تبارك وتعالى، يقال:إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الحشر:22 - 24 ] ، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [ الإسراء:110 ] وفي الصحيحين، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة » ، وجاء تعدادها في رواية الترمذي، [ وابن ماجه وبين الروايتين اختلاف زيادات ونقصان، وقد ذكر فخر الدين الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم:ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ ] .

وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى؛ ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل ويفعل، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له. وقد نقل القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم، وروي عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة. قال الخطابي:ألا ترى أنك تقول:يا الله، ولا تقول:يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام .وقيل:إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤْبَة بن العَجّاج:

لله در الغــانيات المُــدّه سبحـن واسـترجعن مـن تـألهي

فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله، من أله يأله إلاهة وتألهًا، كما روي أن ابن عباس قرأ: « ويذرك وَإلاهَتَك » قال:عبادتك، أي:أنه كان يُعْبَد ولا يَعْبُد، وكذا قال مجاهد وغيره.

وقد استدل بعضهم على كونه مشتقا بقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [ الأنعام:3 ] أي:المعبود في السماوات والأرض، كما قال: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [ الزخرف:84 ] ، ونقل سيبويه عن الخليل:أن أصله:إلاه، مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة، قال سيبويه:مثل الناس، أصله:أناس، وقيل:أصل الكلمة:لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر:

لاه ابـن عمـك لا أفضـلت في حسـب عنـي ولا أنت ديـاني فتـخزونـي

قال القرطبي:بالخاء المعجمة، أي:فتسوسني، وقال الكسائي والفراء:أصله:الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [ الكهف:38 ] أي:لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن، قال القرطبي:ثم قيل:هو مشتق من وله:إذا تحير، والوله ذهاب العقل؛ يقال:رجل واله، وامرأة ولهى، وماء موله:إذا أرسل في الصحاري، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون أصله:ولاه، فأبدلت الواو همزة، كما قالوا في وشاح:أشاح، ووسادة:أسادة، وقال فخر الدين الرازي:وقيل:إنه مشتق من ألهت إلى فلان، أي:سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد:28 ] قال:وقيل:من لاه يلوه:إذا احتجب. وقيل:اشتقاقه من أله الفصيل، إذ ولع بأمه، والمعنى:أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال، قال:وقيل:مشتق من أله الرجل يأله:إذا فزع من أمر نـزل به فألهه، أي:أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [ المؤمنون:88 ] ، وهو المنعم لقوله: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل:53 ] وهو المطعم لقوله: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [ الأنعام:14 ] وهو الموجد لقوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء:78 ] .

وقد اختار فخر الدين أنه اسم علم غير مشتق البتة، قال:وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء، ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه:

منها:أنه لو كان مشتقًا لاشترك في معناه كثيرون، ومنها:أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول:الله الرحمن الرحيم الملك القدوس، فدل أنه ليس بمشتق، قال:فأما قوله تعالى: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ [ إبراهيم:1، 2 ] على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان، ومنها قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم:65 ] ، وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر، والله أعلم.

وحكى فخر الدين عن بعضهم أنه ذهب إلى أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف كما قال، وقد حكى فخر الدين هذا القول ثم قال:واعلم أن الخلق قسمان:واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة؛ فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلق كلهم والهون في معرفته، وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال:لأن الخلق يألهون إليه بنصب اللام وجرها لغتان، وقيل:إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع:لاها، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس:لاهت.

وأصل ذلك الإله، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أوّلها للتعريف فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدة مشددة، وفخمت تعظيما، فقيل:الله.

( الرحمن الرحيم ) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير ما يُفْهِم حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدم في الأثر، عن عيسى عليه السلام، أنه قال:والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة.

وقد زعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم وقد قال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [ الأحزاب:43 ] ، وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد:أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي، وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن:وقال أحمد بن يحيى:الرحيم عربي، والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق:وهذا القول مرغوب عنه . وقال القرطبي:والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « قال الله تعالى:أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » . قال:وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق.

قال:وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له، قال القرطبي:هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيد، وقيل:ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك:رجل غضبان، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول، قال أبو علي الفارسي:الرحمن:اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [ الأحزاب:43 ] ، وقال ابن عباس:هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة، ثم حكي عن الخطابي وغيره:أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا:لعله أرفق كما جاء في الحديث: « إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف » . وقال ابن المبارك:الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب، وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لم يسأل الله يغضب عليه » ، وقال بعض الشعراء:

لا تطـلبن بـني آدم حـاجة وسـل الـذي أبوابه لا تغـلق

الله يغضب إن تركت سـؤاله وبني آدم حـين يسـأل يغضب

قال ابن جرير:حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زُفَر، سمعت العَرْزَميّ يقول:الرحمن الرحيم، قال:الرحمن لجميع الخلق، الرحيم، قال:بالمؤمنين. قالوا:ولهذا قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ [ الفرقان:59 ] وقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ طه:5 ] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [ الأحزاب:43 ] فخصهم باسمه الرحيم، قالوا:فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين، لكن جاء في الدعاء المأثور:رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.

واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يُسم به غيره كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به؛ فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يُضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.

وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن؛ لأنه أكد به، والتأكيد لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد، والجواب أن هذا ليس من باب التوكيد ، وإنما هو من باب النعت [ بعد النعت ] ولا يلزم فيه ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره، ووصفه أولا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى [ الإسراء:110 ] . وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة. وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [ التوبة:128 ] كما وصف غيره بذلك من أسمائه في قوله: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [ الإنسان:2 ] .

والحاصل:أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.

فإن قيل:فإذا كان الرحمن أشد مبالغة؛ فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه:أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن، جيء بلفظ الرحيم ليقطع التوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى. كذا رواه ابن جرير عن عطاء. ووجهه بذلك، والله أعلم.

وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [ الإسراء:110 ] ؛ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَلي: « اكتب ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فقالوا:لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري ، وفي بعض الروايات:لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [ الفرقان:60 ] . »

والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جُحود وعناد وتعنت في كفرهم؛ فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن، قال ابن جرير:وقد أنشد لبعض الجاهلية الجُهَّال ألا ضَـرَبَتْ تلك الفتـاةُ هَجِينَها ألا قَـضَبَ الرحمنُ رَبى يمينـها

وقال سلامة بن جندب الطهوي:

عَجِلـتم علينا عَجْلَتينَـا عليكُمُ ومـا يَشَأ الرّحْمَن يَعْقِد ويُطْلِـقِ

وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال:الرحمن:الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، وقال: الرحمن الرحيم [ الفاتحة:3 ] الرقيق الرفيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها.

وقال ابن جرير أيضًا:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مَسْعَدة، عن عوف، عن الحسن، قال:الرحمن اسم ممنوع .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد [ بن ] يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو الأشهب، عن الحسن، قال:الرحمن:اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به تبارك وتعالى .

وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع قرآنه حرفًا حرفًا بسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة من الكوفيين ومنهم من وصلها بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور. وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قرئ قوله تعالى: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ قال ابن عطية:ولم ترد بهذه قراءة عن أحد فيما علمت .

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 2 ) .

القراء السبعة على ضم الدال من قوله: ( الحمدُ لِله ) وهو مبتدأ وخبر. وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا « الحمدَ لِله » بالنصب وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عبلة: « الحمدُ لُله » بضم الدال واللام إتباعًا للثاني الأول وله شواهد لكنه شاذ، وعن الحسن وزيد بن علي: « الحمدِ لِله » بكسر الدال إتباعًا للأول الثاني.

قال أبو جعفر بن جرير:معنى ( الحمد لله ) الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذَّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولا وآخرًا.

[ وقال ابن جرير: ( الحمد لله ) ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال:قولوا: ( الحمد لله ) ] .

قال:وقد قيل:إن قول القائل:الحمد لله، ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى ، وقوله:الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه، ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلا من الحمد والشكر مكان الآخر.

[ وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية. وقال ابن عباس: ( الحمد لله ) كلمة كل شاكر، وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل: ( الحمد لله ) شكرًا ] .

وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، كما قال الشاعر:

أفـادتكم النعماء مـني ثلاثة يـدي ولساني والضمـير المحجبا

ولكنهم اختلفوا:أيهما أعم، الحمد أو الشكر؟ على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول:حَمدته لفروسيته وحمدته لكرمه. وهو أخص لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه ، لأنه يكون بالقول والعمل والنية، كما تقدم، وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال:شكرته لفروسيته، وتقول:شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين، والله أعلم.

وقال أبو نصر إسماعيل بن حَمَّاد الجوهري:الحمد نقيض الذم، تقول:حَمِدت الرجل أحمده حمدًا ومحمدة ، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر:هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال:شكرته، وشكرت له. وباللام أفصح .

[ وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد - أيضا- كما يمدح الطعام والمال ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم ] .

ذكر أقوال السلف في الحمد

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو معمر القطيعي، حدثنا حفص، عن حجاج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:قال عمر:قد عَلِمْنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي:كلمة رضيها الله لنفسه .

ورواه غير أبي مَعْمَر، عن حفص، فقال:قال عمر لعلي، وأصحابه عنده:لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال علي:كلمة أحبها [ الله ] لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال .

وقال علي بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْرَان، قال:قال ابن عباس:الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد:الحمد لله، قال:شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم.

وروى - أيضًا- هو وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:أنه قال:الحمد لله هو الشكر لله والاستخذاء له، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك.

وقال كعب الأحبار:الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك:الحمد لله رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك.

قال ابن جرير:حدثني سعيد بن عمرو السَّكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إذا قلت:الحمد لله رب العالمين، فقد شكرت الله، فزادك » .

وقد روى الإمام أحمد بن حنبل:حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال:قلت:يا رسول الله، ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي، تبارك وتعالى؟ فقال: « أما إن ربك يحب الحمد » .

ورواه النسائي، عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به .

وروى الترمذي، والنسائي وابن ماجه، من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن عبد الله، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله » . وقال الترمذي:حسن غريب.

وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أنعم الله على عبد نعمة فقال:الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ » . وقال القرطبي في تفسيره، وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال:الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك » . قال القرطبي وغيره:أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى، قال الله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا [ الكهف:46 ] . وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: « أن عبدًا من عباد الله قال:يا رب، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء فقالا يا رب، إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله - وهو أعلم بما قال عبده- :ماذا قال عبدي؟ قالا يا رب إنه قد قال:يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما:اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها » . وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا:قول العبد:الحمد لله رب العالمين، أفضل من قول:لا إله إلا الله؛ لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد، وقال آخرون:لا إله إلا الله أفضل لأنها الفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا:لا إله إلا الله كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الآخر في السنن: « أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: » لا إله إلا الله وحده لا شريك له « . وقد تقدم عن جابر مرفوعا: » أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله « . وحسنه الترمذي. »

والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد، وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث: « اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله » الحديث .

( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) والرب هو:المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى.

[ ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة تقول:رب الدار رب كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله عز وجل، وقد قيل:إنه الاسم الأعظم ] .والعالمين:جمع عالم، [ وهو كل موجود سوى الله عز وجل ] ، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات [ في السماوات والأرض ] في البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا.

قال بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ الفاتحة:2 ] الحمد لله الذي له الخلق كله، السماوات والأرضون، ومن فيهن وما بينهن، مما نعلم، وما لا نعلم.

وفي رواية سعيد بن جبير، وعكرمة، عن ابن عباس:رب الجن والإنس. وكذلك قال سعيد بن جبير، ومجاهد وابن جريج، وروي عن علي [ نحوه ] . وقال ابن أبي حاتم:بإسناد لا يعتمد عليه.

واستدل القرطبي لهذا القول بقوله: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ الفرقان:1 ] وهم الجن والإنس. وقال الفراء وأبو عبيدة:العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم:عالم، وعن زيد بن أسلم وأبي عمرو بن العلاء كل ما له روح يرتزق. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم - وهو آخر خلفاء بني أمية ويعرف بالجعد ويلقب بالحمار - أنه قال:خلق الله سبعة عشر ألف عالم أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد وسائر ذلك لا يعلمه إلا الله، عز وجل.

وقال قتادة:رب العالمين، كل صنف عالم. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى ( رب العالمين ) قال:الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم، أو أربعة عشر ألف عالم، هو يشك، من الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم، وخمسمائة عالم، خلقهم [ الله ] لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.

[ وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح ] .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الفرات، يعني ابن الوليد، عن معتب بن سمي، عن تُبَيع، يعني الحميري، في قوله: ( رب العالمين ) قال:العالمين ألف أمة فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.

[ وحكي مثله عن سعيد بن المسيب ] .

وقد روي نحو هذا مرفوعا كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده:

حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي، أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، قال:قلّ الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبا يضرب إلى اليمن، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل:هل رئي من الجراد شيء أم لا؟ قال:فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر، ثم قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « خلق الله ألف أمة، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه » .محمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي- ضعيف.

وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال:لله ألف عالَم؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وقال وهب بن منبه:لله ثمانية عشر ألف عالَم؛ الدنيا عالم منها. وقال مقاتل:العوالم ثمانون ألفًا. وقال كعب الأحبار:لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل. نقله كله البغوي، وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال:إن لله أربعين ألف عالم؛ الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها، وقال الزجاج:العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة. قال القرطبي:وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين؛ كقوله: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ والعالم مشتق من العلامة ( قلت ) :لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز:

فيا عجبـا كيف يعصـى الإلـه أم كـيف يجحـده الجاحـد

وفي كـل شـيء لـه آيــة تـدل علـى أنـه واحــد

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) .

وقوله: ( الرحمن الرحيم ) تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته.

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 )

قرأ بعض القراء: ( مَلِك يَوْمِ الدِّينِ ) وقرأ آخرون: ( مَالِكِ ) .وكلاهما صحيح متواتر في السبع.

[ ويقال:مليك أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ: « ملكي يوم الدين » وقد رجح كلا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة، ورجح الزمخشري ملك؛ لأنها قراءة أهل الحرمين ولقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ وقوله: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ وحكي عن أبي حنيفة أنه قرأ « مَلَكَ يومَ الدين » على أنه فعل وفاعل ومفعول، وهذا شاذ غريب جدا ] .وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال:حدثنا أبو عبد الرحمن الأذْرَمِيُّ، حدثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب:أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) وأول من أحدث « مَلِكِ » مروان .قلت:مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم.

وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مَرْدُويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ومالك مأخوذ من الملْك، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [ مريم:40 ] وقال: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ [ الناس:1، 2 ] وملك:مأخوذ من الملك كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر:16 ] وقال: قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ [ الأنعام:73 ] وقال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [ الفرقان:26 ] .

وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [ النبأ:38 ] وقال تعالى: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا [ طه:108 ] ، وقال: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود:105 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس: ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) يقول:لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما، كملكهم في الدنيا. قال:ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.

وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه.

والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا، كما قال: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [ الفرقان:26 ] والقول الثاني يشبه قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ، [ الأنعام:73 ] والله أعلم.

والمَلِك في الحقيقة هو الله عز وجل؛ قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا مالك إلا الله، وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ » وفي القرآن العظيم: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وفي الصحيحين: ( مثل الملوك على الأسرة ) .

والدين الجزاء والحساب؛ كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ، وقال: أَئِنَّا لَمَدِينُونَ أي مجزيون محاسبون، وفي الحديث: « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » أي حاسب نفسه لنفسه؛ كما قال عمر رضي الله عنه: « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ »

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) .

[ قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من ( إياك ) وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر وهي قراءة شاذة مردودة؛ لأن « إيا » ضوء الشمس. وقرأ بعضهم: « أياك » بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: « هياك » بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:

فهيـاك والأمر الذي إن تـراحبت مـوارده ضاقـت عليك مصـادره

و ( نستعين ) بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم وقيس ] .العبادة في اللغة من الذلة، يقال:طريق مُعَبّد، وبعير مُعَبّد، أي:مذلل، وفي الشرع:عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.

وقدم المفعول وهو ( إياك ) ، وكرر؛ للاهتمام والحصر، أي:لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف:الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الفاتحة:5 ] فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ هود:123 ] قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [ الملك:29 ] رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا [ المزمل:9 ] ، وكذلك هذه الآية الكريمة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .

وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبة ، لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك، وهو قادر عليه، كما جاء في الصحيحين، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » . وفي صحيح مسلم، من حديث العلاء بن عبد الرحمن، مولى الحُرَقَة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله تعالى:قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة:2 ] قال:حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ الفاتحة:3 ] قال:أثنى علي عبدي، فإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الفاتحة:4 ] قال الله:مجدني عبدي، وإذا قال: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الفاتحة:5 ] قال:هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [ الفاتحة:6، 7 ] قال:هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » .وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) يعني:إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ( وإياك نستعين ) على طاعتك وعلى أمورنا كلها.

وقال قتادة: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أمركم.

وإنما قدم: ( إياك نعبد ) على ( وإياك نستعين ) لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.

فإن قيل:فما معنى النون في قوله: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا تناسب هذا المقام؟ وقد أجيب:بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها ، وتوسط لهم بخير، ومنهم من قال:يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له:إذا كنت في العبادة فأنت شريف وجاهك عريض فقل: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ، وإذا كنت خارج العبادة فلا تقل:نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لافتقار الجميع إلى الله عز وجل. ومنهم من قال:ألطف في التواضع من إياك أعبد، لما في الثاني من تعظيمه نفسه من جعله نفسه وحده أهلا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى، كما قال بعضهم:

لا تـدعني إلا بيـا عبـدها فـإنه أشـرف أسمائــي

وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته [ فقال ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [ الكهف:1 ] وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [ الجن:19 ] سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا [ الإسراء:1 ] فسماه عبدًا عند إنـزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين له، حيث يقول: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر:97- 99 ] .

وقد حكى فخر الدين في تفسيره عن بعضهم:أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق والرسالة من الحق إلى الخلق؛ قال:ولأن الله متولي مصالح عبده، والرسول متولي مصالح أمته وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض له فخر الدين بتضعيف ولا رده. وقال بعض الصوفية:العبادة إما لتحصيل ثواب ورد عقاب؛ قالوا:وهذا ليس بطائل إذ مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى، وهذا - أيضًا- عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال، قالوا:ولهذا يقول المصلي:أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العذاب لبطلت صلاته. وقد رد ذلك عليهم آخرون وقالوا:كون العبادة لله عز وجل، لا ينافي أن يطلب معها ثوابا، ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي:أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حولها ندندن » .

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 )

قراءة الجمهور بالصاد. وقرئ: « السراط » وقرئ بالزاي، قال الفراء:وهي لغة بني عذرة وبلقين وبني كلب.

لما تقدم الثناء على المسؤول، تبارك وتعالى، ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: « فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل » وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته [ وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ( اهدنا ) ] ، لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى عليه السلام: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص:24 ] وقد يتقدمه مع ذلك وصف المسؤول، كقول ذي النون: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء:87 ] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشاعر:

أأذكـر حاجـتي أم قـد كفانـي حيـاؤك إن شيمـتك الحيـاء

إذا أثـنى عليك المـرء يومـا كفـاه مـن تعرضـه الثنـاء

والهداية هاهنا:الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) فتضمن معنى ألهمنا، أو وفقنا، أو ارزقنا، أو اعطنا؛ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد:10 ] أي:بينا له الخير والشر، وقد تعدى بإلى، كقوله تعالى: اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النحل:121 ] فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [ الصافات:23 ] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الشورى:52 ] وقد تعدى باللام، كقول أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [ الأعراف:43 ] أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلا .وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير:أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن « الصراط المستقيم » هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.

وكذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخَطَفي:

أمـيرُ المؤمـنين على صِـراطٍ إذا اعـوج المـوارِدُ مُسْتَقــيمِ

قال:والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال:ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل، وصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.

ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله، قال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد، وهو أبو المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الصراط المستقيم كتاب الله » .وكذلك رواه ابن جرير، من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد [ تقدم في فضائل القرآن فيما ] رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور، عن علي مرفوعا: « وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم » . وقد روي هذا موقوفا عن علي، وهو أشبه ، والله أعلم.

وقال الثوري، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:الصراط المستقيم. كتاب الله، وقيل:هو الإسلام. وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال:قال جبريل لمحمد، عليهما السلام:قل:يا محمد، اهدنا الصراط المستقيم. يقول:اهدنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه.

وقال ميمون بن مِهْرَان، عن ابن عباس، في قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال:ذاك الإسلام. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قالوا:هو الإسلام. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال:الإسلام، قال:هو أوسع مما بين السماء والأرض. وقال ابن الحنفية في قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال هو دين الله، الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:اهدنا الصراط المستقيم، قال:هو الإسلام.

وفي [ معنى ] هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال:حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث يعني ابن سعد، عن معاوية بن صالح:أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ضرب الله مثلا صراطًا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول:يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال:ويحك، لا تفتحه؛ فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم » .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث الليث بن سعد به .ورواه الترمذي والنسائي جميعا، عن علي بن حجر عن بقية، عن بُجَيْر بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان، به . وهو إسناد صحيح، والله أعلم.

وقال مجاهد: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، قال:الحق. وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم.

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم؛ حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) قال:هو النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحباه من بعده، قال عاصم:فذكرنا ذلك للحسن، فقال:صدق أبو العالية ونصح.

وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا، ولله الحمد.

وقال الطبراني:حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المِصِّيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله:والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي - أعني ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) - أن يكون معنيًا به:وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له مَنْ أنعمت عليه مِنْ عبادك، من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن مَن وفق لما وُفق له من أنعم الله عليهم مِن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقد وُفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانـزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم.

فإن قيل:كيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟

فالجواب:أن لا ولولا احتياجه ليلا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله إلى ذلك؛ فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ الآية [ النساء:136 ] ، فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس في ذلك تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم.

وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وقد كان الصدِّيق رضي الله عنه يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًا. فمعنى قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره.

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ( 7 )

قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها أن الله يقول: « هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » . وقوله: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) مفسر للصراط المستقيم. وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.

و ( الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) هم المذكورون في سورة النساء، حيث قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [ النساء:69، 70 ] .

وقال الضحاك، عن ابن عباس:صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية [ النساء:69 ] .

وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) قال:هم النبيون. وقال ابن جُرَيْج، عن ابن عباس:هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وَكِيع:هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. والتفسير المتقدم، عن ابن عباس أعم، وأشمل، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) [ قرأ الجمهور: « غير » بالجر على النعت، قال الزمخشري:وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في ( أنعمت ) والمعنى ] اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، [ وهم ] الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.

وقد زعم بعض النحاة أن ( غير ) هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى، لقول الشاعر كـأنَّك مـن جِمـال بني أقَيش يُقَـعْقَعُ عند رِجْلَـيْه بشَـنِّ

أي:كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ، وهكذا، ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) أي:غير صراط المغضوب عليهم.

اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام، وهو قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ثم قال تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) ومنهم من زعم أن ( لا ) في قوله: ( ولا الضالين ) زائدة، وأن تقدير الكلام عنده:غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج:

في بئْـر لا حُورٍ سـرى ومـا شَعَر

أي في بئر حور. والصحيح ما قدمناه. ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه:أنه كان يقرأ: « غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْر الضَّالّين » . وهذا إسناد صحيح ، [ وكذا حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك ] وهو محمول على أنه صدر منه على وجه التفسير، فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بها لتأكيد النفي، [ لئلا يتوهم أنه معطوف على ( الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ] ، وللفرق بين الطريقتين، لتجتنب كل منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه، لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق، ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب [ كما قال فيهم: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ] [ المائدة:60 ] وأخص أوصاف النصارى الضلال [ كما قال: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ] [ المائدة:77 ] ، وبهذا جاءت الأحاديث والآثار. [ وذلك واضح بين ] .قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال:سمعت سِماك بن حرب، يقول:سمعت عبَّاد بن حُبَيش، يحدث عن عدي بن حاتم، قال:جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صُفُّوا له، فقالت:يا رسول الله، ناء الوافد وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمُنّ علي مَنّ الله عليك، قال: « من وافدك؟ » قالت:عدي بن حاتم، قال: « الذي فر من الله ورسوله! » قالت:فمنَّ علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه ، ترى أنه علي، قال:سليه حُمْلانا، فسألته، فأمر لها، قال:فأتتني فقالت:لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها، فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، قال:فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: « يا عدي، ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل من إله إلا الله؟ قال:ما أفرك أن يقال:الله أكبر، فهل شيء أكبر من الله، عز وجل؟ » . قال:فأسلمت، فرأيت وجهه استبشر، وقال: « المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى » .وذكر الحديث، ورواه الترمذي، من حديث سماك بن حرب ، وقال:حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. قلت:وقد رواه حماد بن سلمة، عن سماك، عن مُرِّيّ بن قَطَريّ، عن عدي بن حاتم، قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) قال: « هم اليهود » ( ولا الضالين ) قال: « النصارى هم الضالون » . وهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم به .وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن بُدَيْل العُقَيْلي، أخبرني عبد الله بن شَقِيق، أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القُرَى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال:يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: « المغضوب عليهم - وأشار إلى اليهود- والضالون هم النصارى » .وقد رواه الجُرَيري وعروة، وخالد الحَذَّاء، عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه ، ولم يذكروا من سمع النبي صلى الله عليه وسلم. ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر، فالله أعلم.

وقد روى ابن مَرْدُويه، من حديث إبراهيم بن طَهْمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال: « اليهود » ، [ قال ] قلت:الضالين، قال: « النصارى » .وقال السُّدِّي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) هم اليهود، ( ولا الضالين ) هم النصارى.

وقال الضحاك، وابن جُرَيْج، عن ابن عباس: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) اليهود، ( ولا الضالين ) [ هم ] النصارى.

وكذلك قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وقال ابن أبي حاتم:ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.

وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [ البقرة:90 ] ، وقال في المائدة قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ المائدة:60 ] ، وقال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [ المائدة:78، 79 ] .

وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل؛ أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود:إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال:أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى:إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سَخَط الله فقال:لا أستطيعه. فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى، وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل، حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، رضي الله عنه.

( مسألة ) :والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب مخرجيهما؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، ولأن كلا من الحرفين من الحروف المجهورة ومن الحروف الرخوة ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم. وأما حديث: « أنا أفصح من نطق بالضاد » فلا أصل له والله أعلم.

فصل

اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا ، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاده عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنـزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يُفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.

واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية [ المجادلة:14 ] ، وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدَره، كما قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [ الكهف:17 ] . وقال: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأعراف:186 ] . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقوله الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم، من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه ، ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحا في الرد عليهم، وهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: « إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم » . يعني في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [ آل عمران:7 ] ، فليس - بحمد الله- لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله، تنـزيل من حكيم حميد .

فصل

يستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها:آمين [ مثل:يس ] ، ويقال:أمين. بالقصر أيضًا [ مثل:يمين ] ، ومعناه:اللهم استجب، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي، عن وائل بن حجر، قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) فقال: « آمين » ، مد بها صوته، ولأبي داود:رفع بها صوته ، وقال الترمذي:هذا حديث حسن. وروي عن علي، وابن مسعود وغيرهم.

وعن أبي هريرة، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) قال: « آمين » حتى يسمع من يليه من الصف الأول، رواه أبو داود، وابن ماجه، وزاد:يرتج بها المسجد ، والدارقطني وقال:هذا إسناد حسن.

وعن بلال أنه قال:يا رسول الله، لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود . ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق أنهما شددا الميم من آمين مثل: آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ [ المائدة:2 ] .

قال أصحابنا وغيرهم:ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال، لما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه » ولمسلم:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا قال أحدكم في الصلاة:آمين، والملائكة في السماء:آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه » . [ قيل:بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان، وقيل:في الإجابة، وقيل:في صفة الإخلاص ] .وفي صحيح مسلم عن أبي موسى مرفوعا: « إذا قال، يعني الإمام: ( ولا الضالين ) ، فقولوا:آمين. يجبكم الله » .وقال جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال:قلت:يا رسول الله، ما معنى آمين؟ قال: « رب افعل » .وقال الجوهري:معنى آمين:كذلك فليكن، وقال الترمذي:معناه:لا تخيب رجاءنا، وقال الأكثرون:معناه:اللهم استجب لنا، وحكى القرطبي عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن كيسان:أن آمين اسم من أسماء الله تعالى وروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي .وقال أصحاب مالك:لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم، لما رواه مالك عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « وإذا قال، يعني الإمام: ( ولا الضالين ) ، فقولوا:آمين » . الحديث . واستأنسوا - أيضا- بحديث أبي موسى: « وإذا قرأ: ( ولا الضالين ) ، فقولوا: » آمين « . »

وقد قدمنا في المتفق عليه: « إذا أمن الإمام فأمنوا » وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤمن إذا قرأ ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدًا، وإن أمَّن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك؛ لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك، لما تقدم: « حتى يرتج المسجد » .

ولنا قول آخر ثالث:أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم ، لأنهم يسمعون قراءة الإمام، وإن كان كبيرا جهر ليبلغ التأمين مَنْ في أرجاء المسجد، والله أعلم.

وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عنده اليهود، فقال: « إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام:آمين » ، ورواه ابن ماجه، ولفظه: « ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين » ، وله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول:آمين، فأكثروا من قول: » آمين « وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف. »

وروى ابن مَرْدُويه، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « آمين:خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين » .وعن أنس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو، وهارون يؤمن، فاختموا الدعاء بآمين، فإن الله يستجيبه لكم » .

قلت:ومن هنا نـزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ يونس:88، 89 ] ، فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمَّن، فنـزل منـزلة من دعا، لقوله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [ يونس:89 ] ، فدلّ ذلك على أن من أمَّن على دعاء فكأنما قاله؛ فلهذا قال من قال:إن المأموم لا يقرأ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنـزلة قراءتها؛ ولهذا جاء في الحديث: « من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة » ، وكان بلال يقول:لا تسبقني بآمين. فدل هذا المنـزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية، والله أعلم.

ولهذا قال ابن مَرْدُويه:حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا قال الإمام: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) فقال:آمين، فتوافق آمين أهل الأرض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه، ومثل من لا يقول:آمين، كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا، فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال:لِمَ لَمْ يخرج سهمي؟ فقيل:إنك لم تقل:آمين » .

 

[ بسم الله الرحمن الرحيم ]

تفسير سورة البقرة

خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، وستة آلاف ومائة وعشرون كلمة، ومائتان وستة وثمانون آية في عدد الكوفي وعدد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ذكر ما ورد في فضلها

قال الإمام أحمد:حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « البقرة سَنَام القرآن وذروته، نـزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا، واستخرجت: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة:255 ] من تحت العرش، فوصلت بها، أو فوصلت بسورة البقرة، ويس:قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله، والدار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم » انفرد به أحمد .

وقد رواه أحمد - أيضًا- عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان - وليس بالنَّهْدي- عن أبيه، عن مَعْقِل بن يَسَار، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اقرؤوها على موتاكم » يعني:يس .

فقد بَيَّنَّا بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .

وقد روى الترمذي من حديث حكيم بن جبير، وفيه ضعف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لكل شيء سنام، وإن سَنَام القرآن البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن:آية الكرسي » .

وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان » وقال الترمذي:حسن صحيح.

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام:حدثني ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سِنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه » .

سنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.

وقال أبو عبيد:حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كُهَيْل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، قال:إن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع فيه سورة البقرة. ورواه النسائي في اليوم والليلة، وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة ثم قال الحاكم:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.

وقال ابن مَرْدُويه:حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا ألْفَيَنَّ أحَدَكم، يَضَع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان يفرّ من البيت تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفْرَ البيوت، الجَوْفُ الصِّفْر من كتاب الله » .

وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان، به .

وروى الدارمي في مسنده عن ابن مسعود قال:ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة إلا خرج منه الشيطان وله ضراط . وقال:إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل . وروى - أيضا- من طريق الشعبي قال:قال عبد الله بن مسعود:من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة أربع من أولها وآية الكرسي وآيتان بعدها وثلاث آيات من آخرها وفي رواية:لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق.

وعن سهل بن سعد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن لكل شيء سناما، وإن سنام القرآن البقرة، من قرأها في بيته ليلة لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام » .

رواه أبو القاسم الطبراني، وأبو حاتم، وابن حبان في صحيحه .

وقد روى الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة، قال:بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كُلّ واحد منهم، يعني ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا، فقال: « ما معك يا فلان؟ » قال:معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: « أمعك سورة البقرة؟ » قال:نعم. قال: « اذهب فأنت أميرهم » فقال رجل من أشرافهم:والله ما منعني أن أتعلم البقرة إلا أني خشيت ألا أقوم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأ وقام به كمثل جراب محشو مسْكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه، فيرقد وهو في جوفه، كمثل جراب أوكِي على مسك » .

هذا لفظ رواية الترمذي، ثم قال:هذا حديث حسن. ثم رواه من حديث الليث، عن سعيد، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا فالله أعلم .

قال البخاري:وقال الليث:حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسَيد بن حُضَير قال:بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت، فسكَنتْ، فقرأ فجالت الفرس، فسكت، فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها. فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « اقرأ يا ابن حُضَير » . قال:فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظُّلَّة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: « وتدري ما ذاك؟ » . قال:لا. قال: « تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم » .

وهكذا رواه الإمام العَالم أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب فضائل القرآن، عن عبد الله بن صالح، ويحيى بن بكير، عن الليث به .

وقد روي من وجه آخر عن أسيد بن حضير، كما تقدم ، والله أعلم.

وقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس، رضي الله عنه، وذلك فيما رواه أبو عبيد [ القاسم ] :حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن جرير بن يزيد:أن أشياخ أهل المدينة حدثوه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له:ألم تر ثابت بن قيس بن شماس؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح، قال: « فلعله قرأ سورة البقرة » . قال:فسئل ثابت، فقال:قرأت سورة البقرة .

وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهاما، ثم هو مرسل، والله أعلم.

[ ذكر ] ما ورد في فضلها مع آل عمران

قال الإمام أحمد:حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن مهاجر حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال:كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: « تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة » . قال:ثم سكت ساعة، ثم قال: « تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يُظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرْقان من طير صَوافّ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له:هل تعرفني؟ فيقول:ما أعرفك. فيقول:أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة. فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان:بم كسينا هذا؟ فيقال:بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال:اقرأ واصعد في دَرَج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هَذًّا كان أو ترتيلا » .

وروى ابن ماجه من حديث بشير بن المهاجر بعضه ، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم، فإن بشيرا هذا أخرج له مسلم، ووثقه ابن معين، وقال النسائي:ليس به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال فيه:هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب. وقال البخاري:يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي:يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي:روى ما لا يتابع عليه. وقال الدارقطني:ليس بالقوي.

قلت:ولكن لبعضه شواهد؛ فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي؛ قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اقرؤوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرؤوا الزهراوين:البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صوافّ يحاجان عن أهلهما » ثم قال: « اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة ، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة » .

وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام مَمْطور الحَبَشِيّ، عن أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان [ الباهلي ] ، به .

الزهراوان:المنيران، والغياية:ما أظلك من فوقك. والفِرْقُ:القطعة من الشيء، والصواف:المصطفة المتضامة . والبطلة السحرة، ومعنى « لا تستطيعها » أي:لا يمكنهم حفظها، وقيل:لا تستطيع النفوذ في قارئها، والله أعلم.

ومن ذلك حديث النَّوّاس بن سِمْعان. قال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جُبَير بن نُفَير، قال:سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران » . وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: « كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْق، أو كأنهما فرْقَان من طير صَوَاف يُحَاجَّان عن صاحبهما » .

ورواه مسلم، عن إسحاق بن منصور، عن يزيد بن عبد ربه، به .

والترمذي، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به . وقال:حسن غريب.

وقال أبو عبيد:حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، قال:قال حماد:أحسبه عن أبي منيب، عن عمه؛ أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران، فلما قضى صلاته قال له كعب:أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال:نعم. قال:فوالذي نفسي بيده، إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب . قال:فأخبرني به. قال:لا والله لا أخبرك، ولو أخبرتك لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت .

[ قال أبو عبيد ] :وحدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر:أنه سمع أبا أمامة يقول:إن أخًا لكم أرِي في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان:هل فيكم من يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم من يقرأ سورة آل عمران؟ قال:فإذا قال الرجل:نعم. دنتا منه بأعذاقهما، حتى يتعلق بهما فتُخطران به الجبل .

[ قال أبو عبيد ] وحدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران:أنه سمع أم الدرداء تقول:إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له، فقتله، وإنه أقيدَ به ، فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة، حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثم إن آل عمران انسلت منه، وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق:29 ] قال:فخرجت كأنها السحابة العظيمة .

قال أبو عبيد:أراه، يعني:أنهما كانتا معه في قبره تدفعان عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن.

وقال - أيضًا- :حدثنا أبو مُسْهِر الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي:أن يزيد بن الأسود الجُرَشي كان يحدث :أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم، برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما من ليلة برئ من النفاق حتى يصبح، قال:فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه .

[ قال أيضًا ] :وحدثنا يزيد، عن وقاء بن إياس، عن سعيد بن جبير، قال:قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان - أو كتب- من القانتين .

فيه انقطاع، ولكن ثبت في الصحيحين :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعة واحدة .

[ ذكر ] ما ورد في فضل السبع الطول

قال أبو عبيد:حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « أعطيت السبع الطُّوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصّل » .

هذا حديث غريب، وسعيد بن بشير، فيه لين.

وقد رواه أبو عبيد [ أيضا ] ، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال، قال:بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... فذكره، والله أعلم. ثم قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من أخذ السبع فهو حَبْر » .

وهذا أيضًا غريب، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي، روى عنه عمرو بن أبي عمرو وعبد الله بن أبي بكرة، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحا، فالله أعلم.

وقد رواه الإمام أحمد، عن سليمان بن داود، وحسين، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به .

ورواه - أيضًا- عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن هند، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من أخذ السبع الأوَل من القرآن فهو حَبْر » .

قال أحمد:وحدثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله .

قال عبد الله بن أحمد:وهذا أرى فيه، عن أبيه، عن الأعرج، ولكن كذا كان في الكتاب بلا « أبي » ، أغفله أبي، أو كذا هو مرسل، ثم قال أبو عبيد:حدثنا هُشَيْم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [ الحجر:87 ] ، قال:هي السبع الطول:البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. قال:وقال مجاهد:هي السبع الطول. وهكذا قال مكحول، وعطية بن قيس، وأبو محمد الفارسي ،وشَداد بن عبيد الله، ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك، وفي تعدادها، وأن يونس هي السابعة.

فصل

والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، قال بعض العلماء:وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.

وقال العادون:آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، فالله أعلم.

قال ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس:أنـزل بالمدينة سورة البقرة.

وقال خَصيف:عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، قال:أنـزل بالمدينة سورة البقرة.

وقال الواقدي:حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزِّناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال:نـزلت البقرة بالمدينة.

وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء، والمفسرين، ولا خلاف فيه.

وقال ابن مَرْدُويه:حدثنا محمد بن مَعْمَر، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد [ الفارسي ] حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عُبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تقولوا:سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله، ولكن قولوا:السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله » .

هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعيسى بن ميمون هذا هو أبو سلمة الخواص، وهو ضعيف الرواية، لا يحتج به. وقد ثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود:أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال :هذا مقام الذي أنـزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه .

وروى ابن مَرْدُويه، من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن فرقد قال:رأى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرًا ، فقال: « يا أصحاب سورة البقرة » . وأظن هذا كان يوم حنين، حين ولوا مدبرين أمر العباس فناداهم: « يا أصحاب الشجرة » ، يعني أهل بيعة الرضوان. وفي رواية: « يا أصحاب البقرة » ؛ لينشطهم بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه . وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة حَشْر بني حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون:يا أصحاب سورة البقرة، حتى فتح الله عليهم . رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الم ( 1 )

قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور، فمنهم من قال:هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، ولم يفسروها [ حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم به، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان ] .

ومنهم من فسَّرها، واختلف هؤلاء في معناها، فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:إنما هي أسماء السور [ قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره:وعليه إطباق الأكثر، ونقله عن سيبويه أنه نص عليه ] ، ويعتضد هذا بما ورد في الصحيحين، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ( الم ) السجدة، و ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ) .

وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد:أنه قال: ( الم ) و حم و المص و ص فواتح افتتح الله بها القرآن.

وكذا قال غيره:عن مجاهد. وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه، أنه قال: ( الم ) ، اسم من أسماء القرآن.

وهكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد:أنه اسم من أسماء السور ، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول:قرأت المص ، إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف، لا لمجموع القرآن. والله أعلم.

وقيل:هي اسم من أسماء الله تعالى. فقال الشعبي:فواتح السور من أسماء الله تعالى، وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وقال شعبة عن السدي:بلغني أن ابن عباس قال: ( الم ) اسم من أسماء الله الأعظم . هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.

ورواه ابن جرير عن بُنْدَار، عن ابن مَهْدِي، عن شعبة، قال:سألت السدي عن حم و طس و ( الم ) ، فقال:قال ابن عباس:هي اسم الله الأعظم.

وقال ابن جرير:وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو النعمان، حدثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مُرَّة الهمداني قال:قال عبد الله، فذكر نحوه [ وحكي مثله عن علي وابن عباس ] .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن عُلية، عن خالد الحذاء، عن عكرمة أنه قال: ( الم ) ، قسم.

ورويا - أيضًا- من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس: ( الم ) ، قال:أنا الله أعلم.

وكذا قال سعيد بن جبير، وقال السُّدِّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة الهمذاني عن ابن مسعود. وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( الم ) . قال:أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى.

وقال أبو جعفر الرّازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ( الم ) قال:هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. قال عيسى ابن مريم، عليه السلام، وعَجب، فقال:وأعْجَب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؛ فالألف مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون [ سنة ] . هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء السور، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دَلّ على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه. قال:ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الرّبيع بن أنس عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين، كقوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [ الزخرف:22، 23 ] . وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله، كقوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل:120 ] وتطلق ويراد بها الجماعة، كقوله: وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [ القصص:23 ] ، وقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا [ النحل:36 ] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يوسف:45 ] أي:بعد حين على أصح القولين، قال:فكذلك هذا.

هذا حاصل كلامه موجهًا، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا، وعلى هذا، وعلى هذا معًا، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح، إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم؛ ثم إن لفظ الأمة تدل على كل معانيه في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف، والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.

وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشاعر:

قلنــا قفــي لنــا فقـالت قـاف لا تَحْسَــبِي أنــا نَسـينا الإيجـاف

تعني:وقفت. وقال الآخر:

مــا للظليــم عَـالَ كَـيْفَ لا يـا ينقَـــدُّ عنـــه جــلده إذا يــا

قال ابن جرير:كأنه أراد أن يقول:إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل، وقال الآخر:

بــالخير خــيرات وإن شـرًا فـا ولا أريـــد الشـــر إلا أن تــا

يقول:وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم.

[ قال القرطبي:وفي الحديث: « من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة » الحديث. قال شقيق:هو أن يقول في اقتل:اق ] .

وقال خصيف، عن مجاهد، أنه قال:فواتح السور كلها ق و ص و حم و طسم و الر وغير ذلك هجاء موضوع. وقال بعض أهل العربية:هي حروف من حروف المعجم، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل:ابني يكتب في:ا ب ت ث، أي:في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير.

قلت:مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي:ا ل م ص ر ك ي ع ط س ح ق ن، يجمعها قولك:نص حكيم قاطع له سر. وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.

[ قال الزمخشري:وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أنصاف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال:فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته، وهذه الأجناس المعدودة ثلاثون بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينـزل منـزلة كله ] .

ومن هاهنا لحظ بعضهم في هذا المقام كلامًا، فقال:لا شك أن هذه الحروف لم ينـزلها سبحانه وتعالى عبثًا ولا سدى؛ ومن قال من الجهلة:إنَّه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية، فقد أخطأ خطأ كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا، وقلنا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [ آل عمران:7 ] .

ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وإنما اختلفوا، فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام.

المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور، ما هي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها. فقال بعضهم:إنما ذكرت لنعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير، وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه بالبسملة تلاوة وكتابة.

وقال آخرون:بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماعُ المشركين - إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن - حتى إذا استمعوا له تُلي عليهم المؤلَّف منه. حكاه ابن جرير - أيضًا- ، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك - أيضًا- لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك. ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.

وقال آخرون:بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه [ تركب ] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.

ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة:1، 2 ] . الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [ آل عمران:1- 3 ] . المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [ الأعراف:1، 2 ] . الر * كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [ إبراهيم:1 ] الم * تَنـزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ السجدة:1، 2 ] . حم * تَنـزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ فصلت:1، 2 ] . حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الشورى:1- 3 ] ، وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم.

وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته. وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب المغازي، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال:مر أبو ياسر بن أخطب، في رجال من يهود، برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ هدى للمتقين ] [ البقرة:1، 2 ] فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال:تعلمون - والله- لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنـزل الله عليه: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ فقال:أنت سمعته؟ قال:نعم. قال:فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:فقالوا:يا محمد، ألم يذكر أنك تتلو فيما أنـزل الله عليك: الم * ذلك الكتاب لا [ ريب ] ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بلى » . فقالوا:جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: « نعم » . قالوا:لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم:الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي، إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:يا محمد، هل مع هذا غيره؟ فقال: « نعم » ، قال:ما ذاك؟ قال: المص ، قال:هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون ، فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال: « نعم » قال:ما ذاك ؟ قال: الر . قال:هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان. فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: « نعم » ، قال:ماذا؟ قال: المر . قال:فهذه أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان، ثم قال:لقد لبس علينا أمرك يا محمد، حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال:قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب، ولمن معه من الأحبار:ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين . فقالوا:لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هؤلاء الآيات نـزلت فيهم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [ آل عمران:7 ] .

فهذا مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأتم وأعظم والله أعلم.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ( 2 )

قال ابن جُرَيج:قال ابن عباس: « ذَلِكَ الْكِتَابُ » :هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسديّ ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج:أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين هذين الاسمين من أسماء الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم.

و ( الْكِتَابُ ) القرآن. ومن قال:إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل، كما حكاه ابن جرير وغيره، فقد أبعد النَّجْعَة وأغْرق في النـزع، وتكلف ما لا علم له به.

والرّيب:الشك، قال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهَمْدانيّ عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا رَيْبَ فِيهِ ) لا شك فيه.

وقاله أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن أبي حاتم:لا أعلم في هذا خلافًا.

[ وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل:

بثينــة قــالت يـا جـميل أربتنـي فقلــت كلانــا يـا بثيـن مـريب

واستعمل - أيضًا- في الحاجة كما قال بعضهم :

قضينــا مــن تهامـة كـل ريـب وخــيبر ثــم أجمعنــا السـيوفا ]

ومعنى الكلام:أن هذا الكتاب - وهو القرآن- لا شك فيه أنه نـزل من عند الله، كما قال تعالى في السجدة: الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ السجدة:1، 2 ] . [ وقال بعضهم:هذا خبر ومعناه النهي، أي:لا ترتابوا فيه ] .

ومن القراء من يقف على قوله: ( لا رَيْبَ ) ويبتدئ بقوله: ( فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) والوقف على قوله تعالى: ( لا رَيْبَ فِيهِ ) أولى للآية التي ذكرنا، ولأنه يصير قوله: ( هُدًى ) صفة للقرآن، وذلك أبلغ من كون: ( فِيهِ هُدًى ) .

و ( هُدًى ) يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال.

وخصّت الهداية للمتَّقين. كما قال: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [ فصلت:44 ] . وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [ الإسراء:82 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدى، ولكن لا يناله إلا الأبرار، كما قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [ يونس:57 ] .

وقد قال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) يعني:نورًا للمتقين.

وقال الشعبي:هدى من الضلالة. وقال سعيد بن جبير:تبيان للمتَّقين. وكل ذلك صحيح.

وقال السدي:عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) قال:هم المؤمنون .

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( لِلْمُتَّقِينَ ) أي:الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.

وقال أبو رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( لِلْمُتَّقِينَ ) قال:المؤمنين الذين يتَّقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي.

وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قوله: ( لِلْمُتَّقِينَ ) قال:اتَّقوا ما حرّم الله عليهم، وأدوا ما افترض عليهم.

وقال أبو بكر بن عياش:سألني الأعمش عن المتَّقين، قال:فأجبته. فقال [ لي ] سل عنها الكلبي، فسألته فقال:الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال:فرجعت إلى الأعمش، فقال:نرى أنه كذلك. ولم ينكره.

وقال قتادة ( لِلْمُتَّقِينَ ) هم الذين نعتهم الله بقوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ الآية والتي بعدها [ البقرة:3، 4 ] .

واختار ابن جرير:أن الآية تَعُمّ ذلك كله، وهو كما قال.

وقد روى الترمذي وابن ماجه، من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس » . ثم قال الترمذي:حسن غريب .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان، يعني الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة، قال:كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل، يقال له:أبو عفيف، من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة:يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال:بلى سمعته يقول:يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد:أين المتَّقون؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرّحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت:من المتَّقون؟ قال:قوم اتَّقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة .

وأصل التقوى:التوقي مما يكره لأن أصلها وقوى من الوقاية. قال النابغة:

سـقط النصيـف ولـم تـرد إسـقاطه فتناولتــــه واتقتنـــا بـــاليد

وقال الآخر:

فـألقت قناعـا دونـه الشـمس واتقت بأحسـن موصـولين كـف ومعصـم

وقد قيل:إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبيّ بن كعب عن التقوى، فقال له:أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال:بلى قال:فما عملت؟ قال:شمرت واجتهدت، قال:فذلك التقوى.

وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:

خــــل الذنــــوب صغيرهــا وكبـيـرهــــا ذاك التقـــــى

واصنـــع كمـــاش فـــوق أر ض الشــوك يحــذر مــا يـرى

لا تحـــــقـرن صغــــيـرة إن الجبــــال مـــن الحــصى

وأنشد أبو الدرداء يومًا:

يريــد المــرء أن يــؤتى منـاه ويـــأبـى اللــه إلا مـــا أرادا

يقــول المــرء فــائدتي ومـالي وتقــوى اللـه أفضـل مـا اسـتفادا

وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله » .

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ( 3 )

قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال:الإيمان التصديق.

وقال علي بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس، ( يُؤْمِنُونَ ) يصدقون.

وقال مَعْمَر عن الزهري:الإيمان العمل.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ( يُؤْمِنُونَ ) يخشون.

قال ابن جرير وغيره:والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادًا وعملا قال:وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت:أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [ التوبة:61 ] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [ يوسف:17 ] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ الإنشقاق:25، والتين:6 ] ، فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا.

هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا:أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.

ومنهم من فسره بالخشية، لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [ الملك:12 ] ، وقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ ق:33 ] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فاطر:28 ] .

وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) قال:يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.

وكذا قال قتادة بن دعامة.

وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:أما الغَيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة، وأمر النار، وما ذكر في القرآن.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( بِالْغَيْبِ ) قال:بما جاء منه، يعني:مِنَ الله تعالى.

وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ، قال:الْغَيْب القرآن.

وقال عطاء بن أبي رباح:من آمن بالله فقد آمن بالغيب.

وقال إسماعيل بن أبي خالد: ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) قال:بغيب الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) قال:بالقدر. فكل هذه متقاربة في معنى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.

وقال سعيد بن منصور:حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحَاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به، قال:فقال عبد الله:إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى قوله: الْمُفْلِحُونَ [ البقرة:1- 5 ] .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من طرق، عن الأعمش، به .

وقال الحاكم:صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [ الإمام ] أحمد، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا الأوزاعي، حدثني أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دُرَيك، عن ابن مُحَيريز، قال:قلت لأبي جمعة:حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:نعم، أحدثك حديثًا جيدًا:تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال:يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: « نعم » ، « قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني » .

طريق أخرى:قال أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره:حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن صالح بن جُبَيْر، قال:قدم علينا أبو جمعة الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس، ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة، فلما انصرف خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال:إن لكم جائزة وحقا؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا:هات رحمك الله قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا:يا رسول الله، هل من قوم أعظم أجرًا منا؟ آمنا بك واتبعناك، قال: « ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرا » مرتين .

ثم رواه من حديث ضَمْرَة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه .

وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوِجَادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقا.

وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي:حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ » . قالوا:الملائكة. قال: « وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ » . قالوا:فالنبيون. قال: « وما لهم لا يؤمنون والوحي ينـزل عليهم؟ » . قالوا:فنحن. قال: « وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ » . قال:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألا إن أعجب الخلق إليّ إيمانا لَقَوْمٌ يكونون من بعدكم يَجدونَ صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها » .

قال أبو حاتم الرازي:المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.

قلت:ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بمثله أو نحوه. وقال الحاكم:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعًا ، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته تويلة بنت أسلم، قالت:صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلون البيت الحرام.

قال إبراهيم:فحدثني رجال من بني حارثة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال: « أولئك قوم آمنوا بالغيب » .

هذا حديث غريب من هذا الوجه.

وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 )

قال ابن عباس:أي:يقيمون الصلاة بفروضها.

وقال الضحاك، عن ابن عباس:إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.

وقال قتادة:إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها وسجودها.

وقال مقاتل بن حيان:إقامتها:المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا إقامتها.

وقال علي بن أبي طلحة، وغيره عن ابن عباس: ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) قال:زكاة أموالهم.

وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) قال:هي نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنـزل الزكاة.

وقال جُوَيْبر، عن الضحاك:كانت النفقات قربات يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نـزلت فرائض الصدقات:سبعُ آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهن الصدقات، هن الناسخات المُثْبَتَات.

وقال قتادة: ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، يوشك أن تفارقها.

واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال:وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم:أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مُؤَدّين، زكاة كان ذلك أو نفقة مَنْ لزمته نفقته، من أهل أو عيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.

قلت:كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه؛ والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) ولهذا ثبت في الصحيحين عن ابن عمر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بُنِيَ الإسلام على خمس:شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت » . والأحاديث في هذا كثيرة.

وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء، قال الأعشى:

لهـا حـارس لا يـبرحُ الدهـرَ بَيْتَها وإن ذُبحَـتْ صـلى عليهـا وزَمْزَمـا

وقال أيضًا وقابلهـــا الــريح فــي دَنّهــا وصــلى عــلى دَنّهــا وارتسـم

أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك.

وقال الآخر - وهو الأعشى أيضًا- :

تقـــول بنتـي وقـد قَرَّبتُ مرتحلا يـا رب جـنب أبي الأوصابَ والوَجَعَا

عليـكِ مثـلُ الـذي صليتِ فاغتمضي نومـا فـإن لِجَنب المـرء مُضْطجعـا

يقول:عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها، وأنواعها [ المشروعة ] المشهورة.

وقال ابن جرير:وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه من حاجته .

[ وقيل:هي مشتقة من الصلَوَيْن إذا تحركا في الصلاة عند الركوع، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب، ومنه سمي المصلي؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر، وقيل:هي مشتقة من الصلى، وهو الملازمة للشيء من قوله: لا يَصْلاهَا أي:يلزمها ويدوم فيها إِلا الأَشْقَى [ الليل:15 ] وقيل:مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوّم، كما أن المصلي يقوّم عوجه بالصلاة: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت:45 ] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم ] .

وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه، إن شاء الله.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 )

قال ابن عباس: ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنـزلَ مِنْ قَبْلِكَ ) أي:يصدقون بما جئت به من الله، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم ( وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) أي:بالبعث والقيامة، والجنة، والنار، والحساب، والميزان.

وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هاهنا:هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [ البقرة:3 ] ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير:

أحدهما :أن الموصوفين أوّلا هم الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم، قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.

والثاني:هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى [ الأعلى:1- 5 ] وكما قال الشاعر:

إلــى الملـك القَـرْم وابـن الهُمـام وليــثِ الكتيبــة فــي المُزْدَحَـم

فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.

والثالث:أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيا بقوله: ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنـزلَ مِنْ قَبْلِكَ ) الآية مؤمنو أهل الكتاب، نقله السدي في تفسيره، عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واختاره ابن جرير، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ الآية [ آل عمران:199 ] ، وبقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [ القصص:52- 54 ] . وثبت في الصحيحين، من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها » .

وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين:منافق وكافر، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى عربي وكتابي.

قلت:والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال:أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين، فهذه الآيات الأربع عامة في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به مَنْ قبله من الرسل والإيقان بالآخرة، كما أن هذا لا يصح إلا بذاك، وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ الآية [ النساء:136 ] . وقال: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ الآية [ العنكبوت:46 ] . وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [ النساء:47 ] وقال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ المائدة:68 ] وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك، فقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ الآية [ البقرة:285 ] وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ [ النساء:152 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أمْر جميع المؤمنين بالإيمان بالله ورسله وكتبه. لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما بأيديهم مفصلا فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان، بما تقدم مجملا كما جاء في الصحيح: « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، ولكن قولوا:آمنا بالذي أنـزل إلينا وأنـزل إليكم » ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [ قد ] يحصل له من التصديق ما يُنيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 )

يقول الله تعالى: ( أُولَئِكَ ) أي:المتصفون بما تقدم:من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنـزل الله إلى الرسول ومَنْ قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من العمل بالصالحات وترك المحرمات.

( عَلَى هُدًى ) أي:نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي:في الدنيا والآخرة.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) أي:على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم، ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي:الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.

وقال ابن جرير:وأما معنى قوله: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ) فإن معنى ذلك:أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم وتأويل قوله: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي المُنْجِحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب .

وقد حكى ابن جرير قولا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ الآية، على ما تقدم من الخلاف. [ قال ] وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ منقطعا مما قبله، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره ( [ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَ ] أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة للمؤمنين عامة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم. وقد نقل هذا عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، رحمهم الله.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة عن أبي الهيثم واسمه سليمان بن عبد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له:يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال:فقال: « أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ » . قالوا:بلى يا رسول الله. قال: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ إلى قوله تعالى: ( الْمُفْلِحُونَ ) هؤلاء أهل الجنة « . قالوا:إنا نرجو أن نكون هؤلاء. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إلى قوله: عَظِيمٌ هؤلاء أهل النار » . قالوا:لسنا هم يا رسول الله. قال: « أجل » .

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 )

يقول تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:غَطوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به، كما قال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ يونس:96، 97 ] وقال في حق المعاندين من أهل الكتاب: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ الآية [ البقرة:145 ] أي:إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِد له، ومن أضلَّه فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلّغهم الرّسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم ولا يُهْمِدَنَّك ذلك؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [ الرعد:40 ] ، و إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [ هود:12 ] .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرصُ أن يؤمن جميع النَّاس ويُتَابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذكر الأوّل، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأوّل.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:بما أنـزل إليك، وإن قالوا:إنَّا قد آمنا بما جاءنا قبلك ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) أي:إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟!

وقال أبو جعفر الرّازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية، قال:نـزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم:أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا [ إبراهيم:28، 29 ] .

والمعنى الذي ذكرناه أوّلا وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة، أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها، والله أعلم.

وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا، فقال:حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني عبد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم عن عبد الله بن عمرو، قال:قيل:يا رسول الله، إنَّا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ فنكاد أن نيأس، فقال: « ألا أخبركم » ، ثم قال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) هؤلاء أهل النار « . قالوا:لسنا منهم يا رسول الله؟ قال: » أجل « .»

[ وقوله: ( لا يُؤْمِنُونَ ) محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها: ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) أي هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله: ( لا يُؤْمِنُونَ ) ويحتمل أن يكون ( لا يُؤْمِنُونَ ) خبرًا لأن تقديره:إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله: ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ) جملة معترضة، والله أعلم ] .

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 7 )

قال السّدي: ( خَتَمَ اللَّهُ ) أي:طبع الله، وقال قتادة في هذه الآية:استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه؛ فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدى ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.

وقال ابن جُرَيْج:قال مجاهد: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) قال:نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم، قال ابن جريج:الختم على القلب والسمع.

قال ابن جُرَيْج:وحدثني عبد الله بن كَثير، أنه سمع مجاهدًا يقول:الرّانُ أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الأقفال، والأقفال أشد من ذلك كله.

وقال الأعمش:أرانا مجاهد بيده فقال:كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني:الكف- فإذا أذنب العبد ذنبًا ضُمَّ منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضَمّ. وقال بأصبع أخرى، فإذا أذنب ضُمّ. وقال بأصبع أخرى وهكذا، حتى ضم أصابعه كلها، ثم قال :يطبع عليه بطابع.

وقال مجاهد:كانوا يرون أن ذلك:الرين.

ورواه ابن جرير:عن أبي كُرَيْب، عن وَكِيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.

قال ابن جرير:وقال بعضهم:إنما معنى قوله: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دُعُوا إليه من الحق، كما يقال:إن فلانًا لأصَمّ عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.

قال:وهذا لا يصح؛ لأن الله قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.

( قلت ) :وقد أطنب الزمخشري في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا وتأول الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًا، وما جرأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده - تعالى الله عنه في اعتقاده- ولو فهم قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وقوله وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.

قال القرطبي:وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ وذكر حديث تقليب القلوب: « ويا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك » ، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين:على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا » الحديث.

قال والحق عندي في ذلك ما صَحّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما حدثنا به محمد بن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ابن عَجْلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتة سوداء في قلبه فإن تاب ونـزعَ واستعتب صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ المطففين:14 ] ) .

وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به .

وقال الترمذي:حسن صحيح.

ثم قال ابن جرير:فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر في قوله تعالى: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحَلّه رباطه [ عنها ] .

واعلم أن الوقف التام على قوله تعالى: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ، وقوله ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) جملة تامة، فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء- تكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) يقول:فلا يعقلون ولا يسمعون، ويقول:وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول:على أعينهم فلا يبصرون.

قال ابن جرير:حدثني محمد بن سعد حدثنا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) والغشاوة على أبصارهم.

وقال:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، يعني ابن داود، وهو سُنَيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني ابن جريج قال:الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ [ الشورى:24 ] ، وقال وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [ الجاثية:23 ] .

قال ابن جرير:ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره:وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع، على محل ( وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) كقوله تعالى: وَحُورٌ عِينٌ [ الواقعة:22 ] ، وقول الشاعر:

عَلَفْتُهـــا تبنًــا ومــاء بــاردًا حــتى شَــتتْ هَمَّالَــةً عيناهــا

وقال الآخر:

ورأيــت زَوْجَــك فــي الـوغى متقلِّــــدًا ســــيفًا ورُمْحًـــا

تقديره:وسقيتها ماء باردًا، ومعتَقِلا رمحًا.

لما تقدم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرّف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، كما أنـزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور، تعريفا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا، فقال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 9 )

النفاق:هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع:اعتقادي، وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا كما قال ابن جريج:المنافق يخالف قَوْلُه فِعْلَهُ، وسِرّه علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبه.

وإنما نـزلت صفات المنافقين في السّور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق، بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَها، وهو في الباطن مؤمن، فلمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل:بنو قَيْنُقَاع حلفاء الخزرج، وبنو النَّضِير، وبنو قُرَيْظَة حلفاء الأوس، فلمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سَلام، رضي الله عنه، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان، عليه الصلاة والسلام، وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته، وأعلى الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكان رأسا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا، واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر قال:هذا أمر قد تَوَجَّه فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمّ وُجِد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد، لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرَهًا، بل يهاجر ويترك ماله، وولده، وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكْرِمة، أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) يعني:المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم.

وكذا فسَّرها بالمنافقين أبو العالية، والحسن، وقتادة، والسدي.

ولهذا نبَّه الله، سبحانه، على صفات المنافقين لئلا يغترّ بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار، أن يظن بأهل الفجور خَيْر، فقال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) أي:يقولون ذلك قولا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون:1 ] أي:إنما يقولون ذلك إذا جاؤوك فقط، لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها؛ كما أكَّدوا قولهم: ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) وليس الأمر كذلك، كما أكْذبهم الله في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [ المنافقون:1 ] ، وبقوله ( وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ )

وقوله تعالى: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي:بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ المجادلة:18 ] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) يقول:وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [ النساء:142 ] .

ومن القراء من قرأ: « وَمَا يُخَادِعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ » ، وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.

قال ابن جرير:فإن قال قائل:كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟

قيل:لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية، لينجو مما هو له خائف، مخادعا، فكذلك المنافق، سمي مخادعا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية، مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر، مستبطن، وذلك من فعلِه - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا- فهو لنفسه بذلك من فعله خادع، لأنه يُظْهِر لها بفعله ذلك بها أنَّه يعطيها أمنيّتها، ويُسقيها كأس سرورها، وهو موردها حياض عطبها، ومُجرّعها بها كأس عذابها، ومُزيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به، فذلك خديعته نفسه، ظنًا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها- أنه إليها محسن، كما قال تعالى: ( وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) إعلامًا منه عِبَادَه المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسْخَاطهم عليها ربهم بكفرهم، وشكهم وتكذيبهم، غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون .

وقال ابن أبي حاتم:أنبأنا عليّ بن المبارك، فيما كتب إليّ، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جُرَيْج، في قوله تعالى: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ ) قال:يظهرون « لا إله إلا الله » يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك .

وقال سعيد، عن قتادة: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) نعت المنافق عند كثير:خَنعُ الأخلاق يصدّق بلسانه وينكر بقلبه ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبَّت ريح هبّ معها.

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( 10 )

قال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال:شَكٌّ، ( فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) قال:شكًّا.

وقال [ محمد ] بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس [ في قوله ] : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال:شك.

وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والرّبيع بن أنس، وقتادة.

وعن عكرمة، وطاوس: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) يعني:الرياء.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال:نفاق ( فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) قال:نفاقا، وهذا كالأول.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) قال:هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون. والمرض:الشك الذي دخلهم في الإسلام ( فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) قال:زادهم رجسًا، وقرأ: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة:124، 125 ] قال:شرًا إلى شرهم وضلالة إلى ضلالتهم.

وهذا الذي قاله عبد الرحمن، رحمه الله، حسن، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأولون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [ محمد:17 ] .

وقوله ( بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) وقرئ: « يكذّبون » ، وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة يكذبون بالحق يجمعون بين هذا وهذا. وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه، عليه السلام، عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبة عن ذلك منها ما ثبت في الصحيحين:أنه قال لعمر: « أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه » ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون:إن محمدًا يقتل أصحابه، قال القرطبي:وهذا قول علمائنا وغيرهم كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بشر اعتقادهم. قال ابن عطية:وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون. ومنها:ما قال مالك، رحمه الله:إنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.

قال القرطبي:وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر الأحكام، قال:ومنها ما قال الشافعي:إنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجبّ ما قبله. ويؤيد هذا قوله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين وغيرهما: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، عز وجل » . ومعنى هذا:أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ الآية [ الحديد:14 ] ، فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [ سبأ:54 ] ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم كما نطقت بذلك الأحاديث، ومنها ما قاله بعضهم:أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف من شرهم مع وجوده، عليه السلام، بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون، قال مالك:المنافق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزنديق اليوم. قلت:وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر هل يستتاب أم لا. أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا أو يتكرر منه ارتداده أم لا أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب الأحكام.

( تنبيه ) قول من قال:كان عليه الصلاة والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلماء الليل عند عقبة هناك؛ عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة. ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها والله أعلم.

فأما غير هؤلاء فقد قال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ الآية، وقال تعالى:لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم وإنما كانت تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم كما قال تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين ومع هذا لما مات [ صلى عليه ] صلى الله عليه وسلم وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه فقال: « إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه » وفي رواية في الصحيح « إني خيرت فاخترت » وفي رواية « لو أني أعلم لو زدت على السبعين يغفر الله له لزدت » .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 )

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة الطيب الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أما لا تفسدوا في الأرض، قال:الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.

وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) قال:يعني:لا تعصُوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصية الله، فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطَّاعة.

وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة.

وقال ابن جُرَيْج، عن مجاهد: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ ) قال:إذا ركبوا معصية الله، فقيل لهم:لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا:إنما نحن على الهدى، مصلحون.

وقد قال وَكِيع، وعيسى بن يونس، وعثَّام بن علي، عن الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) قال سلمان:لم يجئ أهل هذه الآية بعد.

وقال ابن جرير:حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شَريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان، في هذه الآية، قال:ما جاء هؤلاء بَعْدُ .

قال ابن جرير:يحتمل أن سلمان أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد .

قال ابن جرير:فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دينه الذي لا يُقْبَلُ من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها .

وهذا الذي قاله حسن، فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [ الأنفال:73 ] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [ النساء:144 ] ثم قال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [ النساء:145 ] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غَرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حالته الأولى لكان شرّه أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أي:نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أي:إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) يقول:ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 )

يقول [ الله ] تعالى:وإذا قيل للمنافقين: ( آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ) أي:كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنَّة والنَّار وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) يعنون - لعنهم الله- أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم، قاله أبو العالية والسدي في تفسيره، بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة، وبه يقول الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون:أنصير نحن وهؤلاء بمنـزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء!!

والسفهاء:جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم [ والحلماء جمع حليم ] والسفيه:هو الجاهل الضعيف الرّأي القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء، في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [ النساء:5 ] قال عامة علماء السلف:هم النساء والصبيان.

وقد تولى الله، سبحانه، جوابهم في هذه المواطن كلها، فقال ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ ) فأكد وحصر السفاهة فيهم.

( وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) يعني:ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى.

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( 14 ) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 )

يقول [ الله ] تعالى:وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ( آمَنَّا ) أي:أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية، ولِيَشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) يعني:وإذا انصرفوا وذهبوا وخلصوا إلى شياطينهم. فضمن ( خَلَوْا ) معنى انصرفوا؛ لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: « إلى » هنا بمعنى « مع » ، والأول أحسن، وعليه يدور كلام ابن جرير.

وقال السدي عن أبي مالك: ( خَلَوْا ) يعني:مضوا، و ( شَيَاطِينِهِمْ ) يعني:سادتهم وكبراءهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، عن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) يعني:هم رؤوسهم من الكفر.

وقال الضحاك عن ابن عباس:وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن

عباس: ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول.

وقال مجاهد: ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.

وقال قتادة: ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ) قال:إلى رؤوسهم، وقادتهم في الشرك، والشر.

وبنحو ذلك فسَّره أبو مالك، وأبو العالية والسدي، والرّبيع بن أنس.

قال ابن جرير:وشياطين كل شيء مَرَدَتُه، وتكون الشياطين من الإنس والجن، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [ الأنعام:112 ] .

وفي المسند عن أبي ذر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعوذ بالله من شياطين الإنس والجن » . فقلت:يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: « نعم » .

وقوله تعالى: ( قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ) قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:أي إنا على مثل ما أنتم عليه ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) أي:إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.

وقال الضحاك، عن ابن عباس:قالوا إنما نحن مستهزئون ساخرون بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك قال الرّبيع بن أنس، وقتادة.

وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ )

وقال ابن جرير:أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة، في قوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ الآية [ الحديد:13 ] ، وقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [ آل عمران:178 ] . قال:فهذا وما أشبهه، من استهزاء الله، تعالى ذكره، وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين، وأهل الشرك به عند قائل هذا القول، ومتأول هذا التأويل.

قال:وقال آخرون:بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.

قال:وقال آخرون:هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرّجل لمن يخدعه إذا ظفر به:أنا الذي خدعتك. ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه، قالوا:وكذلك قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ آل عمران:54 ] و ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى:أن المكر والهُزْء حَاق بهم.

وقال آخرون:قوله: ( إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) وقوله يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [ النساء:142 ] ، وقوله فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ التوبة:79 ] و نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة:67 ] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه يجازيهم جَزَاءَ الاستهزاء، ويعاقبهم عقوبة الخداع فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مُخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [ الشورى:40 ] وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ البقرة:194 ] ، فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.

قال:وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.

قال:وقال آخرون:إن معنى ذلك:أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مَرَدَتِهم قالوا:إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإنما نحن بما يظهر لهم - من قولنا لهم:صدقنا بمحمد، عليه السلام، وما جاء به مستهزئون؛ فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال .

ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره؛ لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله، عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.

قال:وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) قال:يسخر بهم للنقمة منهم.

وقوله تعالى: ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) قال السدي:عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة [ قالوا ] يَمدهم:يملي لهم.

وقال مجاهد:يزيدهم.

قال ابن جرير:والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتَمَرّدهم، كما قال: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام:110 ] .

والطغيان:هو المجاوزة في الشيء. كما قال: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [ الحاقة:11 ] ، وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) في كفرهم يترددون.

وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية، وقتادة، والرّبيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد:في كفرهم وضلالتهم.

قال ابن جرير:والعَمَه:الضلال، يقال:عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا:إذا ضل.

قال:وقوله: ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) في ضلالهم وكفرهم الذي غمرهم دَنَسُه، وعَلاهم رجْسه، يترددون [ حيارى ] ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رُشْدًا، ولا يهتدون سبيلا.

[ وقال بعضهم:العمى في العين، والعمه في القلب، وقد يستعمل العمى في القلب - أيضا- :قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج:46 ] ويقال:عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه، وجمعه عمّه، وذهبت إبله العمهاء:إذا لم يدر أين ذهبت ] .

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 )

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) قال:أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.

وقال [ محمد ] بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) أي:الكفر بالإيمان.

وقال مجاهد:آمنوا ثمّ كفروا.

وقال قتادة:استحبوا الضلالة على الهدى [ أي:الكفر بالإيمان ] . وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [ فصلت:17 ] .

وحاصل قول المفسرين فيما تقدم:أن المنافقين عَدَلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ) أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [ المنافقون:3 ] ، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما يكون حال فريق آخر منهم، فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) أي:ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، ( وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) أي:راشدين في صنيعهم ذلك.

قال ابن جرير:حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة ( فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) قد - والله- رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء.

 

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )

[ يقال:مثل ومثل ومثيل - أيضا- والجمع أمثال، قال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت:43 ] .

وتقدير هذا المثل:أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.

وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال:والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.

وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة:8 ] .

والصواب:أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، رحمه الله، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ المنافقون:3 ] ؛ فلهذا وجه [ ابن جرير ] هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.

قال:وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [ الأحزاب:19 ] أي:كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ لقمان:28 ] وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [ الجمعة:5 ] ، وقال بعضهم:تقدير الكلام:مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم:المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون:الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر:

وإن الــذي حـانت بفلـج دمـاؤهم هـم القـوم كـل القـوم يـا أم خـالد

قلت:وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع، في قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) أي:ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، ( لا يُبْصِرُونَ ) لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ( صُمٌّ ) لا يسمعون خيرا ( بُكْمٌ ) لا يتكلمون بما ينفعهم ( عُمْيٌ ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج:46 ] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.

ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه:

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق:كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [ عرف ] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.

وقال مجاهد: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين، والهدى.

وقال عطاء الخرساني في قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) قال:هذا مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.

وقال ابن أبي حاتم:وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية، قال:هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.

وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال:أما النور:فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمَّا الظلمة:فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثمّ نـزع منهم، فعتوا بعد ذلك.

وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) قال:هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.

وقال الضحاك [ في قوله ] ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) فهي لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.

وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية:إن المعنى:أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله .

( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول:في عذاب إذا ماتوا.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق.

وقال السدي في تفسيره بسنده: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) فكانت الظلمة نفاقهم.

وقال الحسن البصري: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول:لا إله إلا الله .

( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) قال السدي بسنده: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) فهم خرس عمي .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) يقول:لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.

( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) قال ابن عباس:أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك قال الرّبيع بن أنس.

وقال السدي بسنده: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) إلى الإسلام.

وقال قتادة: ( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) أي لا يتوبون ولا هم يذكرون.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( 19 ) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )

وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكّون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ( كَصَيِّبٍ ) والصيب:المطر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العَوْفِي، وعطاء الخراساني، والسُّدي، والرّبيع بن أنس.

وقال الضحاك:هو السحاب.

والأشهر هو المطر نـزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. ( وَرَعْدٌ ) وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ هُمُ الْعَدُوُّ ] [ المنافقون:4 ] وقال:وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [ التوبة:56، 57 ] .

والبرق:هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: ( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) أي:ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط [ بهم ] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال:هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [ البروج:17- 20 ] .

[ والصواعق:جمع صاعقة، وهي نار تنـزل من السماء وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه:قرأ « من الصواقع حذر الموت » بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم:

يحـــكوك بالمثقولــة القــواطع شــفـق البرق عــن الصـواقـع

قال النحاس:وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة, حكى ذلك القرطبي في تفسيره ] .

ثم قال: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي:لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) يقول:يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.

وقال ابن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي لشدة ضوء الحق، ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) يقول:كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ] الآية [ الحج:11 ] .

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي:يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ( قَامُوا ) أي:متحيرين.

وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.

وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى فيهم: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [ الحديد:13 ] وقال في حق المؤمنين: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ الآية [ الحديد:12 ] ، وقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التحريم:8 ] .

ذكر الحديث الوارد في ذلك:

قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الآية [ الحديد:12 ] ، ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، أو بين صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه » . رواه ابن جرير.

ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان، عن قتادة، بنحوه.

وهذا كما قال المِنْهَال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال:يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يرى نوره كالنخلة، ومنهم من يرى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد مرة.

وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن مُثَنَّى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [ التحريم:8 ] قال:على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.

وقال ابن أبي حاتم أيضًا:حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني، حدثنا عُتْبَةُ بن اليقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون:ربنا أتمم لنا نورنا.

وقال الضحاك بن مزاحم:يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا .

فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا:مؤمنون خُلّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان:خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.

وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.

ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا الآية [ النور:39 ] .

ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال [ الله ] فيهم: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور:40 ] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين:داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [ الحج:3 ] وقال بعده: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [ الحج:8 ] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان، إلى قسمين:سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.

فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات:أن المؤمنين صنفان:مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان:دعاة ومقلدون، وأن المنافقين - أيضًا- صنفان:منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها:من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان » .

استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم، وكما سيأتي، إن شاء الله. قال الإمام أحمد:حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « القلوب أربعة:قلب أجرد، فيه مثل السراج يُزْهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مُصَفَّح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه » . وهذا إسناد جيد حسن.

وقوله: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) قال:لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.

( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قال ابن عباس أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.

وقال ابن جرير:إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و [ أنه ] على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى ( قَدِيرٌ ) قادر، كما أن معنى ( عَلِيمٌ ) عالم.

[ وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون « أو » في قوله تعالى: ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ) بمعنى الواو، كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [ الإنسان:24 ] ، أو تكون للتخبير، أي:اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري:أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله:سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.

قلت:وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ إلى أن قال: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ الآية [ النور:39، 40 ] ، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب ] .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )

شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي:مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [ الأنبياء:32 ] وأنـزل لهم من السماء ماء - والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ غافر:64 ] ومضمونه:أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال:قلت:يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: « أن تجعل لله ندا، وهو خلقك » الحديث . وكذا حديث معاذ: « أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا » الحديث وفي الحديث الآخر: « لا يقولن أحدكم:ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله، ثم شاء فلان » .

وقال حماد بن سلمة:حدثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن الطفيل بن سَخْبَرَة، أخى عائشة أم المؤمنين لأمها، قال:رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت:من أنتم؟ فقالوا:نحن اليهود، قلت:إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:عُزَير ابن الله. قالوا:وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:ما شاء الله وشاء محمد. قال:ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت:من أنتم؟ قالوا:نحن النصارى. قلت:إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:المسيح ابن الله. قالوا:وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: « هل أخبرت بها أحدًا؟ » فقلت:نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أما بعد، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا:ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا:ما شاء الله وحده » . هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به . وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه .

وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال:قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:ما شاء الله وشئت. فقال: « أجعلتني لله ندا ؟ قل:ما شاء الله وحده » . رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به .

وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي:وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.

وبه عن ابن عباس: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي:لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله، عز وجل ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ] ) قال:الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول:والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول:لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه:ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل:لولا الله وفلان. لا تجعل فيها « فلان » . هذا كله به شرك.

وفي الحديث:أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، فقال: « أجعلتني لله ندا » . وفي الحديث الآخر: « نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون، تقولون:ما شاء الله، وشاء فلان » .

قال أبو العالية: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسُّدي، وأبو مالك:وإسماعيل بن أبي خالد.

وقال مجاهد: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) قال:تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.

ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:

قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعَد من البُدَلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله عز وجل، أمر يحيى بن زكريا، عليه السلام، بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، عليه السلام:إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال:يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي » . قال: « فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن:أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم:هل لكم أن أفتدي نفسي ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله » .

قال:وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن:الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم » . قالوا:يا رسول الله، وإن صام وصلى ؟ فقال: « وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل:المسلمين المؤمنين عباد الله » .

هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: « وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا » .

وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال:وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل:ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال:يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟

وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم:دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا:هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال:ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

وعن الشافعي:أنه سئل عن وجود الصانع، فقال:هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.

وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال:هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.

وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:

تــأمل فـي نبــات الأرض وانظـر إلــى آثـار مـا صنـع المليـــك

عيــــون مـن لجـين شـاخصات بــأحداق هــي الــذهب السـبيـك

عـلى قضـب الزبرجـد شـاهــدات بــأن اللــه ليس لــه شـريــك

وقال ابن المعتز:

فيــا عجبًـا كـيف يعصـى الإلـه أم كـــيف يجحـــده الجـــاحد

وفــي كــل شـيء لــه آيــة تـــدل عــلى أنـــه واحـــد

وقال آخرون:من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال:وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فاطر:27، 28 ] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( 24 )

ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نـزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) يعني:محمدا صلى الله عليه وسلم ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ ) من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك.

قال ابن عباس: ( شُهَدَاءَكُمْ ) أعوانكم [ أي:قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك ] .

وقال السدي، عن أبي مالك:شركاءكم [ أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم ] .

وقال مجاهد: ( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ) قال:ناس يشهدون به [ يعني:حكام الفصحاء ] .

وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ القصص:49 ] وقال في سورة سبحان: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [ الإسراء:88 ] وقال في سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ هود:13 ] ، وقال في سورة يونس:وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ يونس:37، 38 ] وكل هذه الآيات مكية.

ثم تحداهم [ الله تعالى ] بذلك - أيضًا- في المدينة، فقال في هذه الآية: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) أي: [ في ] شك ( مِمَّا نـزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) يعني:محمدًا صلى الله عليه وسلم. ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) يعني:من مثل [ هذا ] القرآن؛ قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير. بدليل قوله: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [ هود:13 ] وقوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء:88 ] وقال بعضهم:من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني:من رجل أمي مثله. والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) « ولن » :لنفي التأبيد أي:ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه - أيضًا- معجزة أخرى، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟!

ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود:1 ] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [ الأنعام:115 ] أي:صدقًا في الأخبار وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر:إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.

وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يَخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة:17 ] وقال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ الزخرف:71 ] ، وقال في الترهيب: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ [ الإسراء:68 ] ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [ الملك:16، 17 ] وقال في الزجر: فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [ العنكبوت:40 ] ، وقال في الوعظ:أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [ الشعراء:205 - 207 ] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف:إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ الآية [ الأعراف:157 ] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.

ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعْطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة » لفظ مسلم. وقوله: « وإنما كان الذي أوتيته وحيًا » أي:الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [ عند كثير من العلماء ] والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة.

[ وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصوفية، فقال:إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته، كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنـزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر و إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ] .

وقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أما الوَقُود، بفتح الواو، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [ الجن:15 ] وقال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [ الأنبياء:98 ] .

والمراد بالحجارة هاهنا:هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت، أجارنا الله منها.

قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) قال:هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه وقال:على شرط الشيخين .

وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود، يعذبون به مع النار.

وقال مجاهد:حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي: [ هي ] حجارة من كبريت. وقال ابن جريج:حجارة من كبريت أسود في النار، وقال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.

[ وقيل:المراد بها:حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية [ الأنبياء:98 ] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول؛ قال:لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى، وهذا الذي قاله ليس بقوي،؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة - أيضا- مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها. وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الإسراء:97 ] . وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال:ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها، قال:وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كل مؤذ في النار » وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف ثم قال القرطبي:وقد فسر بمعنيين، أحدهما:أن كل من آذى الناس دخل النار ، والآخر:كل ما يؤذي فهو في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك ] .

وقوله تعالى: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) الأظهر أنّ الضمير في ( أُعِدَّتْ ) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده على الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.

و ( أُعِدَّتْ ) أي:أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال [ محمد ] بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أي:لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.

وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله: ( أُعِدَّتْ ) أي:أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: « تحاجت الجنة والنار » ومنها: « استأذنت النار ربها فقالت:رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف » ، وحديث ابن مسعود سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها » وهو عند مسلم وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.

تنبيه ينبغي الوقوف عليه:

قوله: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) وقوله في سورة يونس: بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ يونس:38 ] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما أعلم فيه نـزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا، وقد قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره:فإن قيل:قوله: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) يتناول سورة الكوثر وسورة العصر، و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم:إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور البشر كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين:قلنا:فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا:إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزًا ، فعلى التقديرين يحصل المعجز ، هذا لفظه بحروفه. والصواب:أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة.

قال الشافعي، رحمه الله:لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم:وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [ سورة العصر ] . وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة:ماذا أنـزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو:لقد أنـزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال:وما هي؟ فقال:وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال:ولقد أنـزل عليَّ مثلها، فقال:وما هو؟ فقال:يا وبْر يا وبْر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال:كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو:والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب .

 

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 )

[ يقال:مثل ومثل ومثيل - أيضا- والجمع أمثال، قال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت:43 ] .

وتقدير هذا المثل:أن الله سبحانه، شبَّههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتَأنَّس بها فبينا هو كذلك إذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغَيّ على الرّشَد. وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر عنهم تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.

وقد حكى هذا الذي قلناه فخر الدين الرازي في تفسيره عن السدي ثم قال:والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولا نورا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك النور فوقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين.

وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ البقرة:8 ] .

والصواب:أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، رحمه الله، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ المنافقون:3 ] ؛ فلهذا وجه [ ابن جرير ] هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.

قال:وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [ الأحزاب:19 ] أي:كدوران عيني الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ لقمان:28 ] وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [ الجمعة:5 ] ، وقال بعضهم:تقدير الكلام:مثل قصتهم كقصة الذي استوقد نارا. وقال بعضهم:المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون:الذي هاهنا بمعنى الذين كما قال الشاعر:

وإن الــذي حـانت بفلـج دمـاؤهم هـم القـوم كـل القـوم يـا أم خـالد

قلت:وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع، في قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) أي:ذهب عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق، ( لا يُبْصِرُونَ ) لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ( صُمٌّ ) لا يسمعون خيرا ( بُكْمٌ ) لا يتكلمون بما ينفعهم ( عُمْيٌ ) في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج:46 ] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.

ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه:

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) زعم أن ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فأضاءت ما حوله من قذى، أو أذى، فأبصره حتى عرف ما يتقي منه فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق:كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، و [ عرف ] الخير والشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر.

وقال مجاهد: ( فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) أما إضاءة النار فإقبالهم إلى المؤمنين، والهدى.

وقال عطاء الخرساني في قوله: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) قال:هذا مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويعرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.

وقال ابن أبي حاتم:وروي عن عكرمة، والحسن والسدي، والرّبيع بن أنس نحو قول عطاء الخرساني.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) إلى آخر الآية، قال:هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.

وقال العوفي، عن ابن عباس، في هذه الآية، قال:أما النور:فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمَّا الظلمة:فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى، ثمّ نـزع منهم، فعتوا بعد ذلك.

وأما قول ابن جرير فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) قال:هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العِزّ، كما سُلِب صاحب النار ضَوءه.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) فإنما ضوء النار ما أوقدتها، فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.

وقال الضحاك [ في قوله ] ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) أما نورهم فهو إيمانهم الذي تكلموا به.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ) فهي لا إله إلا الله؛ أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.

وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية:إن المعنى:أن المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها، وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت، سلبها المنافق؛ لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله .

( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) يقول:في عذاب إذا ماتوا.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى، ولا يستقيمون على حق.

وقال السدي في تفسيره بسنده: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ) فكانت الظلمة نفاقهم.

وقال الحسن البصري: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ ) فذلك حين يموت المنافق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خير عمل به يصدق به قول:لا إله إلا الله .

( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) قال السدي بسنده: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) فهم خرس عمي .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) يقول:لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه، وكذا قال أبو العالية، وقتادة بن دعامة.

( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) قال ابن عباس:أي لا يرجعون إلى هدى، وكذلك قال الرّبيع بن أنس.

وقال السدي بسنده: ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) إلى الإسلام.

وقال قتادة: ( فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) أي لا يتوبون ولا هم يذكرون.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( 19 ) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )

وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكّون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ( كَصَيِّبٍ ) والصيب:المطر، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العَوْفِي، وعطاء الخراساني، والسُّدي، والرّبيع بن أنس.

وقال الضحاك:هو السحاب.

والأشهر هو المطر نـزل من السماء في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق. ( وَرَعْدٌ ) وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ هُمُ الْعَدُوُّ ] [ المنافقون:4 ] وقال:وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [ التوبة:56، 57 ] .

والبرق:هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان؛ ولهذا قال: ( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ) أي:ولا يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط [ بهم ] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال:هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [ البروج:17- 20 ] .

[ والصواعق:جمع صاعقة، وهي نار تنـزل من السماء وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم صاعقة، وحكى بعضهم صاعقة وصعقة وصاقعة، ونقل عن الحسن البصري أنه:قرأ « من الصواقع حذر الموت » بتقديم القاف وأنشدوا لأبي النجم:

يحـــكوك بالمثقولــة القــواطع شــفـق البرق عــن الصـواقـع

قال النحاس:وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة, حكى ذلك القرطبي في تفسيره ] .

ثم قال: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي:لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) يقول:يكاد مُحْكَمُ القرآن يدل على عورات المنافقين.

وقال ابن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي لشدة ضوء الحق، ( كلما أضاء لهم مشوا فيه وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ) يقول:كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ] الآية [ الحج:11 ] .

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ) أي:يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ( قَامُوا ) أي:متحيرين.

وهكذا قال أبو العالية، والحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي بسنده، عن الصحابة وهو أصح وأظهر. والله أعلم.

وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ، وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطْفَأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى. ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى فيهم: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [ الحديد:13 ] وقال في حق المؤمنين: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ الآية [ الحديد:12 ] ، وقال تعالى: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ التحريم:8 ] .

ذكر الحديث الوارد في ذلك:

قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الآية [ الحديد:12 ] ، ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، أو بين صنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه » . رواه ابن جرير.

ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان، عن قتادة، بنحوه.

وهذا كما قال المِنْهَال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال:يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يرى نوره كالنخلة، ومنهم من يرى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويَقِد مرة.

وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن مُثَنَّى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [ التحريم:8 ] قال:على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.

وقال ابن أبي حاتم أيضًا:حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني، حدثنا عُتْبَةُ بن اليقظان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون:ربنا أتمم لنا نورنا.

وقال الضحاك بن مزاحم:يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا، فقالوا: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا .

فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا:مؤمنون خُلّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خلص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان:خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.

وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور، بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله.

ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب، في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا الآية [ النور:39 ] .

ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال [ الله ] فيهم: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور:40 ] فقسم الكفار هاهنا إلى قسمين:داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [ الحج:3 ] وقال بعده: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [ الحج:8 ] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان، إلى قسمين:سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.

فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات:أن المؤمنين صنفان:مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان:دعاة ومقلدون، وأن المنافقين - أيضًا- صنفان:منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعها:من إذا حَدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان » .

استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق. إما عَمَلي لهذا الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم، وكما سيأتي، إن شاء الله. قال الإمام أحمد:حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « القلوب أربعة:قلب أجرد، فيه مثل السراج يُزْهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مُصَفَّح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه كمثل البقلة، يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه » . وهذا إسناد جيد حسن.

وقوله: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد عن عِكْرِمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) قال:لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته.

( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قال ابن عباس أي إنّ الله على كل ما أراد بعباده من نقمة، أو عفو، قدير.

وقال ابن جرير:إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع ؛ لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط، و [ أنه ] على إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، ومعنى ( قَدِيرٌ ) قادر، كما أن معنى ( عَلِيمٌ ) عالم.

[ وذهب ابن جرير الطبري ومن تبعه من كثير من المفسرين أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين وتكون « أو » في قوله تعالى: ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ) بمعنى الواو، كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [ الإنسان:24 ] ، أو تكون للتخبير، أي:اضرب لهم مثلا بهذا وإن شئت بهذا، قاله القرطبي. أو للتساوي مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري:أن كلا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله:سواء ضربت لهم مثلا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.

قلت:وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين، فإنهم أصناف ولهم أحوال وصفات كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة - ومنهم - ومنهم - ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم، كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ إلى أن قال: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ الآية [ النور:39، 40 ] ، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب ] .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )

شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عَبيده، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعمَ الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي:مهدا كالفراش مُقَرّرَة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [ الأنبياء:32 ] وأنـزل لهم من السماء ماء - والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن. ومنْ أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ غافر:64 ] ومضمونه:أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره؛ ولهذا قال: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قال:قلت:يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: « أن تجعل لله ندا، وهو خلقك » الحديث . وكذا حديث معاذ: « أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا » الحديث وفي الحديث الآخر: « لا يقولن أحدكم:ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله، ثم شاء فلان » .

وقال حماد بن سلمة:حدثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، عن الطفيل بن سَخْبَرَة، أخى عائشة أم المؤمنين لأمها، قال:رأيت فيما يرى النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت:من أنتم؟ فقالوا:نحن اليهود، قلت:إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:عُزَير ابن الله. قالوا:وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:ما شاء الله وشاء محمد. قال:ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت:من أنتم؟ قالوا:نحن النصارى. قلت:إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:المسيح ابن الله. قالوا:وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون:ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها مَنْ أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: « هل أخبرت بها أحدًا؟ » فقلت:نعم. فقام، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: « أما بعد، فإن طُفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا:ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا:ما شاء الله وحده » . هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به . وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه .

وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس، قال:قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:ما شاء الله وشئت. فقال: « أجعلتني لله ندا ؟ قل:ما شاء الله وحده » . رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح، به .

وهذا كله صيانة، وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي:وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.

وبه عن ابن عباس: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي:لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله، عز وجل ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ] ) قال:الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صَفَاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول:والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول:لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه:ما شاء الله وشئتَ، وقول الرجل:لولا الله وفلان. لا تجعل فيها « فلان » . هذا كله به شرك.

وفي الحديث:أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، فقال: « أجعلتني لله ندا » . وفي الحديث الآخر: « نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون، تقولون:ما شاء الله، وشاء فلان » .

قال أبو العالية: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ) أي عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسُّدي، وأبو مالك:وإسماعيل بن أبي خالد.

وقال مجاهد: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) قال:تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.

ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة:

قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعَد من البُدَلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله عز وجل، أمر يحيى بن زكريا، عليه السلام، بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وكان يبطئ بها، فقال له عيسى، عليه السلام:إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال:يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي » . قال: « فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن:أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم:هل لكم أن أفتدي نفسي ؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. وأمركم بذكر الله كثيرًا؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعا في أثره، فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله » .

قال:وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن:الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيدَ شِبْر فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم » . قالوا:يا رسول الله، وإن صام وصلى ؟ فقال: « وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل:المسلمين المؤمنين عباد الله » .

هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: « وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا » .

وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال:وهي دالة على ذلك بطريق الأولى، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل:ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال:يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟

وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم:دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا:هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال:ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع!! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

وعن الشافعي:أنه سئل عن وجود الصانع، فقال:هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد.

وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال:هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.

وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:

تــأمل فـي نبــات الأرض وانظـر إلــى آثـار مـا صنـع المليـــك

عيــــون مـن لجـين شـاخصات بــأحداق هــي الــذهب السـبيـك

عـلى قضـب الزبرجـد شـاهــدات بــأن اللــه ليس لــه شـريــك

وقال ابن المعتز:

فيــا عجبًـا كـيف يعصـى الإلـه أم كـــيف يجحـــده الجـــاحد

وفــي كــل شـيء لــه آيــة تـــدل عــلى أنـــه واحـــد

وقال آخرون:من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال:وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فاطر:27، 28 ] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما زرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( 24 )

ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نـزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) يعني:محمدا صلى الله عليه وسلم ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ ) من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله، فإنكم لا تستطيعون ذلك.

قال ابن عباس: ( شُهَدَاءَكُمْ ) أعوانكم [ أي:قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك ] .

وقال السدي، عن أبي مالك:شركاءكم [ أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم ] .

وقال مجاهد: ( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ ) قال:ناس يشهدون به [ يعني:حكام الفصحاء ] .

وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ القصص:49 ] وقال في سورة سبحان: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [ الإسراء:88 ] وقال في سورة هود: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ هود:13 ] ، وقال في سورة يونس:وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ يونس:37، 38 ] وكل هذه الآيات مكية.

ثم تحداهم [ الله تعالى ] بذلك - أيضًا- في المدينة، فقال في هذه الآية: ( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) أي: [ في ] شك ( مِمَّا نـزلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) يعني:محمدًا صلى الله عليه وسلم. ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) يعني:من مثل [ هذا ] القرآن؛ قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير. بدليل قوله: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [ هود:13 ] وقوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء:88 ] وقال بعضهم:من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني:من رجل أمي مثله. والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) « ولن » :لنفي التأبيد أي:ولن تفعلوا ذلك أبدًا. وهذه - أيضًا- معجزة أخرى، وهو أنه أخبر أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبدا وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن، وَأنَّى يَتَأتَّى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟!

ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود:1 ] ، فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية وآتية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [ الأنعام:115 ] أي:صدقًا في الأخبار وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر:إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعبر على التعبير على الشيء الخفي أو الدقيق أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيها بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.

وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلا وإجمالا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا وكلما تكرر حلا وعلا لا يَخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة:17 ] وقال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ الزخرف:71 ] ، وقال في الترهيب: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ [ الإسراء:68 ] ، أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [ الملك:16، 17 ] وقال في الزجر: فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [ العنكبوت:40 ] ، وقال في الوعظ:أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [ الشعراء:205 - 207 ] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف:إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأوعها سمعك فإنه خير ما يأمر به أو شر ينهى عنه. ولهذا قال تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ الآية [ الأعراف:157 ] ، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال وفي وصف الجنة والنار وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم.

ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعْطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة » لفظ مسلم. وقوله: « وإنما كان الذي أوتيته وحيًا » أي:الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [ عند كثير من العلماء ] والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته، وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة.

[ وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصوفية، فقال:إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلا على أنه من عند الله؛ لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته، كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنـزل والمجادلة والمنافحة عن الحق وبهذه الطريقة أجاب فخر الدين في تفسيره عن سؤاله في السور القصار كالعصر و إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ] .

وقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أما الوَقُود، بفتح الواو، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [ الجن:15 ] وقال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [ الأنبياء:98 ] .

والمراد بالحجارة هاهنا:هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرا إذا حميت، أجارنا الله منها.

قال عبد الملك بن ميسرة الزرّاد عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله تعالى: ( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) قال:هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السماوات والأرض في السماء الدنيا، يعدها للكافرين. رواه ابن جرير، وهذا لفظه. وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه وقال:على شرط الشيخين .

وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود، يعذبون به مع النار.

وقال مجاهد:حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي: [ هي ] حجارة من كبريت. وقال ابن جريج:حجارة من كبريت أسود في النار، وقال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.

[ وقيل:المراد بها:حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآية [ الأنبياء:98 ] ، حكاه القرطبي وفخر الدين ورجحه على الأول؛ قال:لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمنكر فجعلها هذه الحجارة أولى، وهذا الذي قاله ليس بقوي،؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار في هذه الحجارة - أيضا- مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فتعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها. وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها، وشدة ضرامها وقوة لهبها كما قال: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الإسراء:97 ] . وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمى ويشتد لهبها قال:ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها، قال:وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « كل مؤذ في النار » وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف ثم قال القرطبي:وقد فسر بمعنيين، أحدهما:أن كل من آذى الناس دخل النار ، والآخر:كل ما يؤذي فهو في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك ] .

وقوله تعالى: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) الأظهر أنّ الضمير في ( أُعِدَّتْ ) عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده على الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.

و ( أُعِدَّتْ ) أي:أرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله، كما قال [ محمد ] بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أي:لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.

وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن لقوله: ( أُعِدَّتْ ) أي:أرصدت وهيئت وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: « تحاجت الجنة والنار » ومنها: « استأذنت النار ربها فقالت:رب أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف » ، وحديث ابن مسعود سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها » وهو عند مسلم وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.

تنبيه ينبغي الوقوف عليه:

قوله: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) وقوله في سورة يونس: بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ يونس:38 ] يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما أعلم فيه نـزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا، وقد قال الإمام العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره:فإن قيل:قوله: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) يتناول سورة الكوثر وسورة العصر، و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم:إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدور البشر كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين:قلنا:فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا:إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى تهوين أمره معجزًا ، فعلى التقديرين يحصل المعجز ، هذا لفظه بحروفه. والصواب:أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة.

قال الشافعي، رحمه الله:لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم:وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [ سورة العصر ] . وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة:ماذا أنـزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو:لقد أنـزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال:وما هي؟ فقال:وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال:ولقد أنـزل عليَّ مثلها، فقال:وما هو؟ فقال:يا وبْر يا وبْر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال:كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو:والله إنك لتعلم أني لأعلم إنك تكذب .

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 25 )

لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عَطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صَدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن « مثاني » على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبعه بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء ثم الأشقياء، أو عكسه. وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء الله؛ فلهذا قال تعالى: ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة، ومعنى ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) أي:من تحت أشجارها وغرفها، وقد جاء في الحديث:أن أنهارها تجري من غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله [ وكرمه ] إنه هو البر الرحيم.

وقال ابن أبي حاتم:قرئ على الربيع بن سليمان:حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال - أو من تحت جبال- المسك » .

وقال أيضا:حدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال:قال عبد الله:أنهار الجنة تفجر من جبل مسك.

وقوله تعالى: ( كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ) قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ) قال:إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا:هذا الذي رزقنا من قبل في [ دار ] الدنيا.

وهكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ونصره ابن جرير.

وقال عكرمة: ( قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ) قال:معناه:مثل الذي كان بالأمس، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال مجاهد:يقولون:ما أشبهه به.

قال ابن جرير:وقال آخرون:بل تأويل ذلك هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضًا، لقوله تعالى: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) قال سُنَيْد بن داود:حدثنا شيخ من أهل المِصِّيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال:يؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء، فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول:هذا الذي أوتينا به من قبل. فتقول الملائكة:كُلْ، فاللون واحد، والطعم مختلف.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يَسَاف، عن يحيى بن أبي كثير قال:عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنة:هذا الذي أتيتمونا آنفا به، فيقول لهم الولدان:كلوا، فإن اللون واحد، والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا )

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) قال:يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.

وقال ابن أبي حاتم:ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.

وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) يعني:في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم.

وهذا اختيار ابن جرير.

وقال عكرمة: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) قال:يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب.

وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظِبْيان، عن ابن عباس، لا يشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية:ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. رواه ابن جرير، من رواية الثوري، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية كلاهما عن الأعمش، به.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ( وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) قال:يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا:التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة:هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابها، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.

وقوله تعالى: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ) قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس:مطهرة من القذر والأذى.

وقال مجاهد:من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد.

وقال قتادة:مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه:لا حيض ولا كلف. وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك.

وقال ابن جرير:حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال:المطهرة التي لا تحيض. قال:وكذلك خلقت حواء، عليها السلام، حتى عصت، فلما عصت قال الله تعالى:إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه:حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد الجُوري قالا حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البَزيعيّ، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ) قال: « من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق » .

هذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به، وقال:صحيح على شرط الشيخين.

وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البُسْتي:لا يجوز الاحتجاج به .

قلت:والأظهر أن هذا من كلام قتادة، كما تقدم، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم، بر رحيم.

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 27 )

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة:لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ البقرة:17 ] وقوله أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [ البقرة:19 ] الآيات الثلاث، قال المنافقون:الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنـزل الله هذه الآية إلى قوله: ( هُمُ الْخَاسِرُونَ )

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة:لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون:ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنـزل الله [ تعالى هذه الآية ] ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) .

وقال سعيد، عن قتادة:أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئا ما، قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة:ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنـزل الله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا )

قلت:العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد، عن قتادة أقرب والله أعلم. وروى ابن جُرَيج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.

وقال ابن أبي حاتم:روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال:هذا مثل ضربه الله للدنيا؛ إذ البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلؤوا من الدنيا ريا أخذهم الله تعالى عند ذلك، ثم تلا فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام:44 ] .

هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.

فهذا اختلافهم في سبب النـزول، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية:أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي:لا يستنكف، وقيل:لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي:أيّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.

و « ما » هاهنا للتقليل وتكون ( بَعُوضَةً ) منصوبة على البدل، كما تقول:لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء [ أو تكون « ما » نكرة موصوفة ببعوضة ] . واختار ابن جرير أن ما موصولة، و ( بَعُوضَةً ) معربة بإعرابها، قال:وذلك سائغ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت:

وَكَــفَى بِنَا فَضْـلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا حُــب النَّبِيِّ مُحَمَّـدٍ إيَّانَـا

قال:ويجوز أن تكون ( بَعُوضَةً ) منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام:إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.

[ وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورويت « بعوضة » بالرفع، قال ابن جني:وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [ الأنعام:154 ] أي:على الذي أحسن هو أحسن، وحكى سيبويه:ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي:يعني بالذي هو قائل لك شيئًا ] .

وقوله: ( فَمَا فَوْقَهَا ) فيه قولان:أحدهما:فما دونها في الصغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع :نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت. وهذا قول الكسائي وأبي عبيدة، قال الرازي:وأكثر المحققين، وفي الحديث: « لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » . والثاني:فما فوقها:فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [ قول قتادة بن دعامة و ] اختيار ابن جرير. [ ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة، رضي الله عنها:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة » ] .

فأخبر أنه لا يستصغر شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما [ لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ] ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ الحج:73 ] ، وقال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت:41 ] وقال تعالى:أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [ إبراهيم:24- 27 ] ، وقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ] الآية [ النحل:75 ] ، ثم قال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ [ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ] الآية [ النحل:76 ] ، كما قال: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ الآية [ الروم:28 ] . وقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ [ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ] الآية [ الزمر:29 ] ، وقد قال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت:43 ] وفي القرآن أمثال كثيرة.

قال بعض السلف:إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ

وقال مجاهد قوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.

وقال قتادة: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) أي:يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.

وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك.

وقال أبو العالية: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) يعني:هذا المثل: ( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا ) كما قال في سورة المدثر: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ [ المدثر:31 ] ، وكذلك قال هاهنا: ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ )

قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ) يعني:المنافقين، ( وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ) يعني المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالهم لتكذيبهم بما قد علموه حقًا يقينًا، من المثل الذي ضربه الله بما ضربه لهم وأنه لما ضربه له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به ( وَيَهْدِي بِهِ ) يعني بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق ما ضربه الله له مثلا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ) قال:هم المنافقون .

وقال أبو العالية: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ) قال:هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أنس.

وقال ابن جريج عن مجاهد، عن ابن عباس: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ) يقول:يعرفه الكافرون فيكفرون به.

وقال قتادة: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ ) فسقوا، فأضلهم الله على فسقهم.

وقال ابن أبي حاتم:حُدّثتُ عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سِنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ) يعني الخوارج.

وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال:سألت أبي فقلت:قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) إلى آخر الآية، فقال:هم الحرورية. وهذا الإسناد إن صح عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نـزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم على طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.

والفاسق في اللغة:هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب:فسقت الرطبة:إذا خرجت من قشرتها ؛ ولهذا يقال للفأرة:فويسقة، لخروجها عن جُحْرها للفساد. وثبت في الصحيحين، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم:الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور » .

فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسْق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ )

وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد:أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ الآيات، إلى أن قال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ الرعد:19- 25 ] .

وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم:هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به.

وقال آخرون:بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك [ عن ] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلا. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وقول مقاتل بن حيان.

وقال آخرون:بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده:ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا:ونقضهم ذلك:تركهم الإقرار بما ثبتت لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي أيضًا عن مقاتل بن حيان نحو هذا، وهو حسن، [ وإليه مال الزمخشري، فإنه قال:فإن قلت:فما المراد بعهد الله؟ قلت:ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم وهو معنى قوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ الأعراف:172 ] إذ أخذ الميثاق عليهم في الكتب المنـزلة عليهم لقوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [ البقرة:40 ] .

وقال آخرون:العهد الذي ذكره [ الله ] تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ شَهِدْنَا ] الآيتين [ الأعراف:172، 173 ] ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به. وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) إلى قوله: ( الْخَاسِرُونَ ) قال:هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة على الناس أظهروا هذه الخصال:إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظَّهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث:إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.

وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا. وقال السدي في تفسيره بإسناده، قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) قال:هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.

وقوله: ( وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) قيل:المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة كقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [ محمد:22 ] ورجحه ابن جرير. وقيل:المراد أعم من ذلك فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.

وقال مقاتل بن حيان في قوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) قال في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ الرعد:25 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس:كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.

وقال ابن جرير في قوله: ( أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) الخاسرون:جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم [ و ] حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك الكافر والمنافق خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه:خسر الرجل يخسر خَسْرًا وخُسْرانًا وخَسارًا، كما قال جرير بن عطية إن سَــلِيطًا فــي الخَسَــارِ إنَّـه أولادُ قَــــومٍ خُـــلقُوا أقِنَّـــه

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 )

يقول تعالى محتجًا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ) أي:كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره! ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) أي:قد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى:أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [ الطور:35، 36 ] ، وقال هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [ الإنسان:1 ] والآيات في هذا كثيرة.

وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [ غافر:11 ] قال:هي التي في البقرة: ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )

وقال ابن جُريج ، عن عطاء، عن ابن عباس: ( كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) أمواتا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال:وهي مثل قوله: [ رَبَّنَا ] أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ .

وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال:كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى. فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )

وهكذا روي عن السدي بسنده، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة- وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نَحْوُ ذلك.

وقال الثوري، عن السدي عن أبي صالح: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) قال:يحييكم في القبر ، ثم يميتكم.

وقال ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ خلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. وذلك كقول الله تعالى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ

وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ الجاثية:26 ] .

[ وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال في الأصنام: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [ النحل:21 ] ، وقال وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [ يس:33 ] .

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 )

لما ذكر تعالى دلالةً مِنْ خَلْقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه مِنْ خَلْق السماوات والأرض، فقال: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) أي:قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تَضَمَّن معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى ( فَسَوَّاهُنَّ ) أي:فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: ( فَسَوَّاهُنَّ ) . ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي:وعلمه محيط بجميع ما خلق . كما قال: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [ الملك:14 ] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله:قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت:9- 12 ] .

ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى:أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [ النازعات:27- 32 ] فقد قيل:إن ( ثُمَّ ) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:

قــل لمــن سـاد ثـم سـاد أبـوه ثــم قــد سـاد قبـل ذلـك جـده

وقيل:إن الدَّحْىَ كان بعد خلق السماوات، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.

وقد قال السدي في تفسيره، عن أبي مالك - وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ [ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ] ) قال:إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن: ن وَالْقَلَمِ والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر مَلَك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فَقَرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [ النحل:15 ] . وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول:قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا [ فصلت:9، 10 ] . يقول:أنبت شجرها وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا يقول:أقواتها لأهلها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [ فصلت:10 ] يقول:من سأل فهكذا الأمر. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [ فصلت:11 ] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض، وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا [ فصلت:12 ] قال:خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا نعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا تُحْفَظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، فذلك حين يقول: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف:54 ] ويقول كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [ الأنبياء:30 ] .

وقال ابن جرير:حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال:إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.

وقال مجاهد في قوله: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) قال:خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) قال:بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض.

وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت:9- 12 ] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نـزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة:أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى:أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [ النازعات:27- 31 ] قالوا:فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري :أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله:وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [ النازعات:30- 32 ] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير - أيضًا- من رواية ابن جُرَيج قال:أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: « خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل » .

وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا، وقد حرر ذلك البيهقي .

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 30 )

يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ) أي:واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [ وهو أبو عبيدة ] أنه زعم أن « إذ » هاهنا زائدة، وأن تقدير الكلام:وقال ربك. ورده ابن جرير.

قال القرطبي:وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج:هذا اجتراء من أبي عبيدة.

( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) أي:قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ [ الأنعام:165 ] وقال وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [ النمل:62 ] . وقال وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ [ الزخرف:60 ] . وقال فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [ مريم:59 ] . [ وقرئ في الشاذ: « إني جاعل في الأرض خليقة » حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي ] . وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم، عليه السلام، فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [ أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي ] أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.

وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [ وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي:لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة:وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا ) الآية ] وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون:يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي:نصلي لك كما سيأتي، أي:ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) أي:إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.

وقد ثبت في الصحيح :أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم:كيف تركتم عبادي؟ فيقولون:أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام: « يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل » فقولهم:أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) وقيل:معنى قوله جوابًا لهم: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل:إنه جواب لقولهم: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) فقال: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) أي:من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل:بل تضمن قولهم: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم.

ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه:

قال ابن جرير:حدثني القاسم بن الحسن قال:حدثنا الحسين قال:حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالوا:قال الله للملائكة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) قال لهم:إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك.

وقال السدي:استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال :وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.

( فِي الأرْضِ ) قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله:إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة » .

وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.

( خَلِيفَةً ) قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) قالوا :ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال:يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا.

قال ابن جرير:فكان تأويل الآية على هذا: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) مني، يخلفني في الحكم بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.

قال ابن جرير:وإنما [ كان تأويل الآية على هذا ] معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا.

قال:والخليفة الفعلية من قولك، خلف فلان فلانا في هذا الأمر:إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ يونس:14 ] . ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم:خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خَلَفًا.

قال:وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) يقول:ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم.

قال ابن جرير:وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال:أول من سكن الأرض الجنُّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال:فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها، فلذلك قال: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) .

وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) قال:يعنون [ به ] بني آدم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:قال الله للملائكة:إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله، عز وجل، خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا:أتجعل فيها من يفسد فيها [ ويسفك الدماء ] ؟!

وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة:أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس:أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال:كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) قالوا:أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال:إني أعلم ما لا تعلمون .

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) إلى قوله: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة:33 ] قال:خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء بينهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) كما أفسدت الجن ( وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) كما سَفَكُوا.

قال ابن أبي حاتم:وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال:قال الله للملائكة: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) قال لهم:إني فاعل. فآمنوا بربهم ، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ؟ ( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )

قال الحسن:إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) كان [ الله ] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف، يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول:السّجِلّ ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال تعالى: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) قالا ذلك استطالة على الملائكة.

وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده، والله أعلم. ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.

وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم - أيضًا- حيث قال:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن أبي عَبْد الله، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال:سمعت أبي يقول:إن الملائكة الذين قالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.

وهذا - أيضًا- إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم.

قال ابن جريج:إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ )

وقال ابن جرير:وقال بعضهم:إنما قالت الملائكة ما قالت: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ؛ لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها:وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم!؟ فأجابهم ربهم: ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) يعني:أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض من ترونه لي طائعا.

قال:وقال بعضهم:ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا:يا رب خبرنا، مسألة [ الملائكة ] استخبار منهم، لا على وجه الإنكار، واختاره ابن جرير.

وقال سعيد عن قتادة قوله: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ) فاستشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، قال:وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول:إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة:ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [ فصلت:11 ] .

وقوله تعالى: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة:التسبيحُ:التسبيحُ، والتقديس:الصلاة .

وقال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود- وعن ناس من الصحابة: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) قال:يقولون:نصلي لك.

وقال مجاهد: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) قال:نعظمك ونكبرك.

وقال الضحاك:التقديس:التطهير.

وقال محمد بن إسحاق: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) قال:لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه.

وقال ابن جرير:التقديس:هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم:سُبُّوح قُدُّوس، يعني بقولهم:سُبوح، تنـزيه له، وبقولهم:قدوس، طهارة وتعظيم له. ولذلك قيل للأرض:أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا: ( وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ) ننـزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ( وَنُقَدِّسُ لَكَ ) ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.

[ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل:أي الكلام أفضل ؟ قال: « ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده » وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحًا في السماوات العلا « سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى » ] .

( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) قال قتادة:فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )

وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما يختلفون فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي.

وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف، فمنهم من قال:لا يشترط، وقيل:بلى ويكفي شاهدان. وقال الجبائي:يجب أربعة وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر رضي الله عنه، الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.

ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا عاقلا مسلمًا عدلا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء خبيرًا بالحروب والآراء قرشيًا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام: « إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان » وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك.

فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام: « من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان » . وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية:يجوز نصب إمامين فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا:وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك، قلت:وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب.

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 31 ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 )

هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من عِلم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم [ الله ] تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا )

وقال السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ) قال:عرض عليه أسماء ولده إنسانًا إنسانًا، والدواب، فقيل:هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.

وقال الضحاك عن ابن عباس: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ) قال:هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس:إنسان، ودابة، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، وجمل ، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ) قال:علمه اسم الصحفة والقِدر، قال:نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة .

وقال مجاهد: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ) قال:علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.

وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف:أنه علمه أسماء كل شيء، وقال الربيع في رواية عنه:أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي:أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد:علمه أسماء ذريته كلهم.

واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية؛ لأنه قال: ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ ) وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ النور:45 ] .

[ وقد قرأ عبد الله بن مسعود: « ثم عرضهن » وقرأ أبي بن كعب: « ثم عرضها » أي:السماوات ] .

والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها:ذواتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفُسَية. يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه:حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا مسلم، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لي خليفة:حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - : « يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون:لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون:أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول:لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول:لست هُنَاكُم. ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي. فيقول:ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول:لست هُنَاكم؛ فيقول:ائتوا موسى عَبْدًا كَلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول:لست هُنَاكُمْ، ويذكر قَتْلَ النفس بغير نفس، فيستحي من ربه؛ فيقول:ائتوا عيسى عَبْدَ الله ورسولَه وكَلِمةَ الله وروحه، فيأتونه، فيقول:لست هُنَاكُم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيُؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال:ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسْمَع، واشفع تُشَفَّع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمُنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، وإذا رأيت ربي مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الرابعة فأقول:ما بقي في النار إلا مَنْ حبسه القرآن ووجب عليه الخلود » .

هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا. وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به . وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عَرُوبَة، عن قتادة . ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله عليه الصلاة والسلام: « فيأتون آدم فيقولون:أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء » ، فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ) يعني:المسميات؛ كما قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال:ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة ( فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )

وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ) ثم عرض الخَلْق على الملائكة.

وقال ابن جريج، عن مجاهد: ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ ) عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.

وقال ابن جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن - وأبي بكر، عن الحسن وقتادة - قالا علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة.

وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله: ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.

وقال الضحاك عن ابن عباس: ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة.

وقال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة:إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.

وقال ابن جرير:وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك فقال:أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها الملائكة القائلون:أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك

الدماء، من غيرنا أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم:إني إن جعلتُ خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.

[ وقوله ] ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) هذا تقديس وتنـزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئا إلا ما علمهم الله تعالى، ولهذا قالوا: ( سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) أي:العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك، والعدل التام.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس:سبحان الله، قال:تنـزيه الله نفسه عن السوء. [ قال ] ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده:لا إله إلا الله، قد عرفناها فما سبحان الله؟ فقال له علي:كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال .

قال:وحدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا النضر بن عربي قال:سأل رجل ميمون بن مِهْرَان عن « سبحان الله » ، فقال:اسم يُعَظَّمُ الله به، ويُحَاشَى به من السوء.

وقوله تعالى: ( قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) قال زيد بن أسلم. قال:أنت جبريل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب.

وقال مجاهد في قول الله: ( يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ) قال:اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء.

وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، نحو ذلك.

فلما ظهر فضل آدم، عليه السلام، على الملائكة، عليهم السلام، في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) أي:ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي، كما قال [ الله ] تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال

لسليمان:أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ .

وقيل في [ معنى ] قوله تعالى: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) غيرُ ما ذكرناه؛ فروى الضحاك، عن ابن عباس: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) قال:يقول:أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني:ما كَتَم إبليس في نفسه من الكِبْر والاغترار.

وقال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، قال:قولهم: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) فهذا الذي أبدوا ( وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) يعني:ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.

وكذلك قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري. واختار ذلك ابن جرير.

وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة:هو قولهم:لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم .

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) فكان الذي أبدوا قولهم: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) وكان الذي كتموا بينهم قولهم:لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم، والكرم.

وقال ابن جرير:حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم:فقال الله للملائكة:كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته؛ ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني، قال:وسَبَقَ من الله لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قال:ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه قال:ولما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل .

وقال ابن جرير:وأولى الأقوال في ذلك قولُ ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ) وأعلم - مع علمي غيب السماوات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم، فلا يخفى عَلَيَّ شيء، سواء عندي سرائركم، وعلانيتكم.

والذي أظهروه بألسنتهم قولهم:أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره ، والتكبر عن طاعته.

قال:وصح ذلك كما تقول العرب:قُتِل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ [ الحجرات:4 ] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم، قال:وكذلك قوله: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ )

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 34 ) .

وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقد دل على ذلك أحاديث - أيضا- كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى، عليه السلام: « رَبِّ، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسَه من الجنة » ، فلما اجتمع به قال: « أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته » . قال... وذكر الحديث كما سيأتي.

وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشْر بن عُمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال:كان إبليس من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم:الجِنّ، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنا من خزان الجنة، قال:وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال:وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [ وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال:وخلق الإنسان من طين ] . فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال:فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذي يقال لهم:الجنّ - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتَرّ في نفسه، فقال:قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد. قال:فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً فقالت الملائكة مجيبين له: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يقول:إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره، قال:ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب:اللزج الصلب من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حَمَأ مسنونا بعد التراب. فخلق منه آدم بيده، قال:فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل، أي فيصوت. قال:فهو قول الله تعالى: مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ يقول:كالشيء المنفرج الذي ليس [ الرحمن:14 ]

بمُصْمَت. قال:ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره، ويخرج من فيه. ثم يقول:لست شيئا - للصلصلة- ولشيء ما خلقت، ولئن سُلِّطْتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطْتُ علي لأعْصيَنَّك. قال:فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا قال:ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال:فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: « الحمد لله رب العالمين » بإلهام الله. فقال [ الله ] له: « يرحمك الله يا آدم » . قال ثم قال [ الله ] تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات:اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار. فقال:لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول:إن النار أقوى من الطين. قال:فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي:آيسه من الخير كله، وجعله شيطانا رجيما عُقُوبة لمعصيته، ثم عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس:إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني:الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ يقول:أخبروني بأسماء هؤلاء إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال:فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم قالوا:سبحانك، تنـزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، وتبنا إليك لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا تبريا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم، فقال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ يقول:أخبرهم بأسمائهم فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ [ يقول:أخبرهم ] بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ أيها الملائكة خاصة إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ولا يعلم غيري وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ يقول:ما تظهرون وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يقول:أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني:ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار .

هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.

وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن

مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلْك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم:الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلْكه خازنا، فوقع في صدره كبر وقال:ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه. فقال الله للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا :ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال:يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قالوا:ربنا، أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ يعني:من شأن إبليس. فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض:إني أعوذ بالله منك أن تَقْبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ، وقال:رب مني عاذت بك فأعذتُها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث مَلَك الموت فعاذت منه. فقال:وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخَلَطَ ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فَصعِد به فَبَلَّ التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب:هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة:إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [ ص:71 ، 72 ] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له:تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه. فخلقه بشرا، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعا منه إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة. فذلك حين يقول: مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن:14 ] ويقول:لأمر ما خُلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة:لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف. لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة:إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه، عَطِسَ، فقالت الملائكة:قل:الحمد لله. فقال:الحمد لله، فقال له الله:رحمك ربك، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول تعالى: خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [ الأنبياء:37 ] فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [ الحجر:30، 31 ] أبى واستكبر وكان من الكافرين. قال الله له:ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال:أنا خير منه، لم أكن لأسجد لمن خلقته من طين. قال الله له:اخرج منها فما يكون لك، يعني:ما ينبغي لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

[ الأعراف:13 ] والصغار:هو الذل. قال: وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثم عرض الخلق على الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال الله: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ قال:قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا فهذا الذي أبدوا « وأعلم ما تكتمون » يعني:ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.

فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السُّدِّي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مُدْرَج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: [ هو ] على شرط البخاري.

والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه - وإن لم يكن من عُنْصرهم - إلا أنه كان قد تشَبَّه بهم وتوسم بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن - شاء الله تعالى- عند قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الكهف:50 ] .

ولهذا قال:محمد بن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال:كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل ، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا، وأكثرهم علما؛ فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جِنًّا.

وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس - أو مجاهد - عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني:ابن العوام - عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال:كان إبليس اسمه عزازيل ، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.

وقال سُنَيْد ، عن حجاج، عن ابن جريج، قال:قال ابن عباس:كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض.

وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء.

وقال صالح مولى التَّوْأمة، عن ابن عباس:إن من الملائكة قَبيلا يقال لهم:الجن، وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانا رجيما. رواه ابن جرير.

وقال قتادة عن سعيد بن المسيب:كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال:ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قَط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس. وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.

وقال شَهْر بن حَوْشَب:كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير.

وقال سُنَيْد بن داود:حدثنا هُشَيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال:كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرا، فكان مع الملائكة، فتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس. فلذلك قال تعالى: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف:50 ] .

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:إن الله خلق خلقا، فقال:اسجدوا لآدم. فقالوا:لا نفعل. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق خلقا آخر، فقال: « إني خالق بشرا من طين، اسجدوا لآدم. قال:فأبوا. فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء، فقال:اسجدوا لآدم، قالوا:نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم . وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلا مبهما، ومثله لا يحتج به، والله أعلم.»

وقال قتادة في قوله: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ) فكانت الطاعة لله، والسجدة أكرم الله آدم بها أن أسجد له ملائكته.

وقال في قوله تعالى: ( فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) حسد عدو الله إبليسُ آدمَ، عليه السلام، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال:أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوُّ الله أن يسجد لآدم، عليه السلام.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة:قوله تعالى: ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) من الذين أبوا، فأحرقتهم النار.

وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) يعني:من العاصين.

وقال السدي: ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد.

وقال محمد بن كعب القُرَظِيُّ:ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )

وقال بعض الناس:كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [ يوسف:100 ] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ :قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: « لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها » ورجحه الرازي، وقال بعضهم:بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [ الإسراء:78 ] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله، عز وجل؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر:أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال.

قلت:وقد ثبت في الصحيح: « لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر » وقد كان في قلب إبليس من الكبر - والكفر - والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس؛ قال بعض المعربين:وكان من الكافرين أي:وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [ هود:43 ] وقال فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [ البقرة:35 ] وقال الشاعر:

بتيهــاء قفــر والمطــي كأنهـا قطـا الحـزن قد كانت فراخا بيوضها

أي:قد صارت، وقال ابن فورك:تقديره:وقد كان في علم الله من الكافرين، ورجحه القرطبي، وذكر هاهنا مسألة فقال:قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته، خلافا لبعض الصوفية والرافضة هذا لفظه. ثم استدل على ما قال:بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.

قلت:وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر، أيضا، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال:هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ [ الدخان:10 ] ، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي:قلت للشافعي:كان الليث بن سعد يقول:إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي:قصر الليث، رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، وقد حكى فخر الدين وغيره قولين للعلماء:هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام بملائكة السماوات والأرض، وقد رجح كلا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم:فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ [ الحجر:30 ، 31 ، ص:73 ، 74 ] ، فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم.

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 )

يقول الله تعالى إخبارا عما أكرم به آدم:بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس:إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رَغَدًا، أي:هنيئًا واسعًا طيبًا.

وروى الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر:قال:قلت:يا رسول الله؛ أريت آدم، أنبيًّا كان؟ قال: « نعم، نبيا رسولا كلمه الله قِبَلا فقال: ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) » .

وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول [ وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض ] ، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف، إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة، وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق، حيث قال:لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد عَلَّمه الأسماء كلها، فقال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ إلى قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال:ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلعًا من أضلاعه من شِقه الأيسر، ولأم مكانه لحما، وآدم نائم لم يهب من نومه، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها. فلما كُشِفَ عنه السِّنَة وهبَّ من نومه، رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون والله أعلم- :لحمي ودمي وروحي . فسكن إليها. فلما زوَّجَه الله، وجعل له سكنا من نفسه، قال له قِبَلا ( يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ )

ويقال:إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة، كما قال السدي في تفسيره ، ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة:أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها:ما أنت؟ قالت:امرأة. قال:ولم خلقت؟ قالت:لتسكن إلي. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ من علمه- :ما اسمها يا آدم؟ قال:حواء. قالوا:ولم سميت حواء؟ قال:إنها خلقت من شيء حي. قال الله: ( يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا )

وأما قوله: ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة:ما هي؟

فقال السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس:الشجرة التي نهي عنها آدم، عليه السلام، هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، والشعبي، وجَعْدة بن هُبَيرة، ومحمد بن قيس.

وقال السدي - أيضا- في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) هي الكرم. وتزعم يهود أنها الحنطة.

وقال ابن جرير وابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني، حدثنا النضر أبو عمر الخراز، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال:الشجرة التي نُهِي عنها آدم، عليه السلام، هي السنبلة.

وقال عبد الرزاق:أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:هي السنبلة.

وقال محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:هي البر.

وقال ابن جرير:وحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم، حدثني

رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه أبو الجلد:سألتني عن الشجرة التي نُهِي عنها آدم، عليه السلام، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة .

وكذلك فسره الحسن البصري، ووهب بن مُنَبَّه، وعطية العَوفي، وأبو مالك، ومحارب بن دِثَار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.

وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه:أنه كان يقول:هي البُر، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل.

وقال سفيان الثوري، عن حصين، عن أبي مالك: ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) قال:النخلة.

وقال ابن جرير، عن مجاهد: ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) قال:تينة. وبه قال قتادة وابن جريج.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية:كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَثٌ، وقال عبد الرزاق:حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب قال:سمعت وهب بن منبه يقول:لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته.

فهذه أقوال ستة في تفسير هذه الشجرة.

قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير، رحمه الله :والصواب في ذلك أن يقال:إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها ، فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؟ لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل:كانت شجرة البر. وقيل:كانت شجرة العنب، وقيل:كانت شجرة التين. وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك عِلْمٌ، إذا علم ينفع العالمَ به علمُه، وإن جهله جاهلٌ لم يضرَّه جهله به، والله أعلم. [ وكذلك رجح الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، وهو الصواب ] .

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 36 )

وقوله تعالى: ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) يصح أن يكون الضمير في قوله: ( عَنْهَا ) عائدا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قال [ حمزة و ] عاصم بن بَهْدلَة، وهو ابن أبي النَّجُود، فأزالهما، أي:فنجَّاهما. ويصح أن يكون عائدا على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادةُ ( فأزلهما ) أي:من قبيل الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ) أي:بسببها، كما قال تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات:9 ] أي:يصرف بسببه من هو مأفوك؛ ولهذا قال تعالى: ( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) أي:من اللباس والمنـزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.

( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) أي:قرار وأرزاق وآجال ( إِلَى حِينٍ ) أي:إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.

وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدِّي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن مُنَبِّه وغيرهم، هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحَيَّة، وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك إن شاء الله، في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق.

وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا:حدثنا علي بن الحسن بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد في الجنة، فأخذت شَعْرَه شجرةٌ، فنازعها، فناداه الرحمن:يا آدم، مني تَفِرُّ! فلما سمع كلام الرحمن قال:يا رب، لا ولكن استحياء » .

قال:وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القومشي سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي بن كعب، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لما ذاق آدم من الشجرة فَرَّ هاربا؛ فتعلقت شجرة بشعره، فنودي:يا آدم، أفِرارًا مني؟ قال:بل حَيَاء منك، قال:يا آدم اخرج من جواري؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مِثْلَك ملء الأرض خَلْقًا ثم عصوني لأسكنتهم دار العاصين » .

هذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب، رضي الله عنهما .

وقال الحاكم:حدثنا أبو بكر بن بَالُويه ، عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عَمَّار بن معاوية البَجَلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال:صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

وقال عبد بن حميد في تفسيره:حدثنا رَوح، عن هشام، عن الحسن، قال:لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال:خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة، على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة.

وقال السدي:قال الله تعالى: ( اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ) فهبطوا فنـزل آدم بالهند، ونـزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند، فنبتت شجرة الطيب، فإنما أصل ما يجاء به من الهند من الطيب من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفا على الجنة حين أخرج منها .

وقال عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:أهبط آدم من الجنة بِدَحْنا، أرض الهند.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد عن ابن عباس قال:أهبط آدم، عليه السلام، إلى أرض يقال لها:دَحْنا، بين مكة والطائف.

وعن الحسن البصري قال:أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدَسْتُمِيسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ابن عدي ، عن ابن عمر، قال:أهبط آدم بالصفا، وحواء بالمروة

وقال رجاء بن سلمة:أهبط آدم، عليه السلام، يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأهبط إبليس مشبكا بين صابعه رافعا رأسه إلى السماء.

وقال عبد الرزاق:قال مَعْمَر:أخبرني عَوْف عن قَسَامة بن زهير، عن أبي موسى، قال:إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، عَلَّمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير .

وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها » رواه مسلم والنسائي .

وقال فخر الدين:اعلم أن في هذه الآيات تهديدًا عظيما عن كل المعاصي من وجوه:الأول:أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:

يــا نـاظـرا يرنــو بعيني راقـد ومشــاهدا للأمــر غـير مشـاهد

تصـل الذنـوب إلـى الذنوب وترتجي درج الجنــان ونيــل فـوز العـابد

أنســيت ربـك حـيـن أخرج آدمـا منهــا إلـى الدنيـا بـذنب واحــد

قال فخر الدين عن فتح الموصلي أنه قال:كنا قوما من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. فإن قيل:فإذا كانت جنة آدم التي أسكنها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف يمكن إبليس من دخول الجنة، وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب:أن هذا بعينه استدل به من يقول:إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، وقد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة، أحدها:أنه منع من دخول الجنة مكرما، فأما على وجه الردع والإهانة، فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم:كما جاء في التوراة أنه دخل في فم الحية إلى الجنة، وقد قال بعضهم:يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة، وقال بعضهم:يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك، فأجاد وأفاد .

فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 )

قيل:إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف - 23 ] روي هذا عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القُرَظي، وخالد بن مَعْدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن رجل من بني تميم، قال:أتيت ابن عباس، فسألته: [ قلت ] :ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال:عُلم [ آدم ] شَأنَ الحج.

وقال سفيان الثوري، عن عبد العزيز بن رُفَيع، أخبرني من سمع عبيد بن عُمَير، وفي رواية: [ قال ] :أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير، أنه قال:قال آدم:يا رب، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبتُه علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال:بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال:فكما كتبته علي فاغفر لي. قال:فذلك قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ )

وقال السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس:فتلقى آدم من ربه كلمات، قال:قال آدم ، عليه السلام:يا رب، ألم تخلقني بيدك؟ قيل له:بلى. ونفخت في من روحك؟ قيل له:بلى. وعَطستُ فقلتَ:يرحمك الله، وسبقت رحمتُك غَضبَك؟ قيل له:بلى، وكتبت عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له:بلى. قال:أفرأيت إن تبتُ هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال:نعم.

وهكذا رواه العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مَعْبَد، عن ابن عباس، بنحوه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقال:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه وهكذا فسره السدي وعطية العَوْفي.

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا شبيهًا بهذا فقال:حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال آدم، عليه السلام:أرأيت يا رب إن تبتُ ورجعتُ، أعائدي إلى الجنة؟ قال:نعم. فذلك قوله: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) .»

وهذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) قال:إن آدم لما أصاب الخطيئة قال:يا رب، أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال الله:إذن أرجعك إلى الجنة فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضا: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف- 23 ] .

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى: ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) قال:الكلمات:اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.

وقوله تعالى: ( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) أي:إنه يتوب على من تاب إليه وأناب، كقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [ التوبة:104 ] وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [ النساء:110 ] ، وقوله: وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [ الفرقان:71 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب ويتوب على من يتوب وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.

وذكرنا في المسند الكبير من طريق سليمان بن سليم عن ابن بريدة وهو سليمان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال:اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر ذنوبي، أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال فأوحى الله إليه إنك قد دعوتني بدعاء أستجيب لك فيه ولمن يدعوني به، وفرجت همومه وغمومه، ونـزعت فقره من بين عينيه، وأجرت له من وراء كل تاجر زينة الدنيا وهي كلمات عهد وإن لم يزدها » رواه الطبراني في معجمه الكبير .

 

 

 قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 39 )

يقول تعالى مخبرا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حتى أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية:أنه سينـزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية:الهُدَى الأنبياء والرسل والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان:الهدى محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن:الهدى القرآن. وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.

( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ) أي:من أقبل على ما أنـزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أي:فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [ طه:123 ] قال ابن عباس:فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [ طه:124 ] كما قال هاهنا: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي:مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.

وقد أورد ابن جرير، رحمه الله، هاهنا حديثا ساقه من طريقين، عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطْعَة عن أبي سعيد - واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخُدْري- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، لكن أقواماً أصابتهم النار بخطاياهم، أو بذنوبهم فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً أذنَ في الشفاعة » . وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به .

[ وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما تقول:قم قم، وقال آخرون:بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه ] .

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )

يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب، عليه السلام، وتقديره:يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول:يا ابن الكريم، افعل كذا. يا ابن الشجاع، بارز الأبطال، يا ابن العالم، اطلب العلم ونحو ذلك.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [ الإسراء:3 ] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي:حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال:حدثني عبد الله بن عباس قال:حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: « هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ » . قالوا:اللهم نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « اللهم اشهد » وقال الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس؛ أن إسرائيل كقولك:عبد الله.

وقوله تعالى: ( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) قال مجاهد:نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سِوَى ذلك، فَجَّر لهم الحجر، وأنـزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.

وقال أبو العالية:نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنـزل عليهم الكتب.

قلت:وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ المائدة:20 ] يعني في زمانهم.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ( اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) أي:بلائي عندكم وعند آبائكم لِمَا كان نجاهم به من فرعون وقومه ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) قال:بعهدي الذي أخذت في أَعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم. ( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) أي:أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.

[ وقال الحسن البصري:هو قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ الآية [ المائدة:12 ] . وقال آخرون:هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًا عظيما يطيعه جميع الشعوب والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم فمن اتبعه غُفر له ذنبه وأدخل الجنة وجعل له أجران. وقد أورد فخر الدين الرازي هاهنا بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم ] .

وقال أبو العالية: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) قال:عهده إلى عباده:دينه الإسلام أن يتبعوه.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) قال:أرْض عنكم وأدخلكم الجنة.

وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.

وقوله: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) أي:فاخشون؛ قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) أي أنـزل بكم ما أنـزل بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.

وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله الهادي لمن يشاء إلى صراطه المستقيم؛ ولهذا قال: ( وَآمِنُوا بِمَا أَنـزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ) [ ( مُصَدِّقًا ) ماضيًا منصوبًا على الحال من ( بِمَا ) أي:بالذي أنـزلت مصدقًا أو من الضمير المحذوف من قولهم:بما أنـزلته مصدقًا، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل وهو قوله: ( بِمَا أَنـزلْتُ مُصَدِقًا ) ] يعني به:القرآن الذي أنـزله على محمد النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا مشتملا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.

قال أبو العالية، رحمه الله، في قوله: ( وَآمِنُوا بِمَا أَنـزلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ) يقول:يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنـزلت مصدقًا لما معكم يقول:لأنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.

وقوله: ( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) [ قال بعض المفسرين:أول فريق كافر به ونحو ذلك ] . قال ابن عباس: ( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.

وقال أبو العالية:يقول: ( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ [ كَافِرٍ بِهِ ) أول ] من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم [ يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعهم بمحمد وبمبعثه ] .

وكذا قال الحسن، والسدي، والربيع بن أنس.

واختار ابن جرير أن الضمير في قوله: ( بِهِ ) عائد على القرآن، الذي تقدم ذكره في قوله: ( بِمَا أَنـزلْتُ )

وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن.

وأما قوله: ( أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بَشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.

وقوله: ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا ) يقول:لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك:أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن زيد قال:سُئِل الحسن، يعني البصري، عن قوله تعالى: ( ثَمَنًا قَلِيلا ) قال:الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.

وقال ابن لَهِيعة:حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله: ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا ) وإن آياته:كتابه الذي أنـزله إليهم، وإن الثمن القليل:الدنيا وشهواتها.

وقال السدي: ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا ) يقول:لا تأخذوا طمعًا قليلا ولا تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن.

وقال أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا ) يقول:لا تأخذوا عليه أجرًا. قال:وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول:يا ابن آدم عَلِّم مَجَّانا كما عُلِّمت مَجَّانا.

وقيل:معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة » وأما تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه، فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ: « إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله » وقوله في قصة المخطوبة: « زوجتكها بما معك من القرآن » فأما حديث عبادة بن الصامت، أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئًا من القرآن فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله » فتركه، رواه أبو داود وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم:أبو عمر بن عبد البر على أنه لما علمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم.

( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن طلق بن حبيب، قال:التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله.

ومعنى قوله: ( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول، صلوات الله وسلامه عليه.

وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )

يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه، من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك، عن ابن عباس ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب.

وقال أبو العالية: ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) يقول:ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس، نحوه.

وقال قتادة: ( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) [ قال ] ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام؛ إن دين الله الإسلام، واليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.

وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي:لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك.

وقال مجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس: ( وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ ) يعني:محمدا صلى الله عليه وسلم.

[ قلت: ( وَتَكْتُمُوا ) يحتمل أن يكون مجزومًا، ويجوز أن يكون منصوبًا، أي:لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال:لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الزمخشري:وفي مصحف ابن مسعود: « وتكتمون الحق » أي:في حال كتمانكم الحق وأنتم تعلمون حال أيضًا، ومعناه:وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى:وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم، والبيان الإيضاح وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل ] .

( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) قال مقاتل:قوله تعالى لأهل الكتاب: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) أمرهم أن يؤتوا الزكاة، أي:يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

يقول:كونوا منهم ومعهم.

وقال علي بن طلحة، عن ابن عباس: [ ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ] يعني بالزكاة:طاعة الله والإخلاص.

وقال وَكِيع، عن أبي جَنَاب، عن عِكْرِمة عن ابن عباس، في قوله: ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) قال:ما يوجب الزكاة؟ قال:مائتان فصاعدا.

وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله تعالى: ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) قال:فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن أبي حيان [ العجمي ] التيمي، عن الحارث العُكلي في قوله: ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) قال:صدقة الفطر.

وقوله تعالى: ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) أي:وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.

[ وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وبسط ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد ] .

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 44 )

يقول تعالى:كيف يليق بكم - يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قَصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم؛ فتنتبهوا من رَقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم. وهذا كما قال عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله تعالى: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) قال:كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه، وبالبر، ويخالفون، فَعَيّرهم الله، عز وجل. وكذلك قال السدي.

وقال ابن جريج: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ) أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعُونَ العملَ بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) أي:تتركون أنفسكم ( وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي:تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعَهْد من التوراة، وتتركون أنفسكم، أي:وأنتم تكفرون بما فيها من عَهْدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي.

وقال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، يقول:أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم.

وقال أبو جعفر بن جرير:حدثني علي بن الحسن، حدثنا مُسلم الجَرْمي، حدثنا مَخْلَد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قِلابة في قول الله تعالى: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) قال:قال أبو الدرداء:لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقُت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية:هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال الله تعالى: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ )

والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، بل على تركهم له، فإن الأمر بالمعروف [ معروف ] وهو واجب على العالم، ولكن [ الواجب و ] الأولى بالعالم أن يفعله مع أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب، عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود:88 ] . فَكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف، وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، [ قال مالك عن ربيعة:سمعت سعيد بن جبير يقول له:لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. وقال مالك:وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟ قلت ] ولكنه - والحالة هذه- مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير:حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي المعمري، قالا حدثنا هشام بن عمار، حدثنا علي بن سليمان الكلبي، حدثنا الأعمش، عن أبي تَميمة الهُجَيمي، عن جندب بن عبد الله، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه » .

هذا حديث غريب من هذا الوجه.

حديث آخر:قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده:حدثنا وَكِيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد هو ابن جدعان، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مررت ليلة أسري بي على قوم شفاههم تُقْرَض بمقاريض من نار. قال:قلت:من هؤلاء؟ » قالوا:خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون؟ .

ورواه عبد بن حميد في مسنده، وتفسيره، عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة به.

ورواه ابن مردويه في تفسيره، من حديث يونس بن محمد المؤدب، والحجاج بن مِنْهَال، كلاهما عن حماد بن سلمة، به.

وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة به.

ثم قال ابن مردويه:حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد عن ثمامة، عن أنس، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت:من هؤلاء يا جبريل؟ » قال:هؤلاء خطباء أمتك، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه - أيضًا- من حديث هشام الدَّستَوائيّ، عن المغيرة - يعني ابن حبيب- ختن مالك بن دينار، عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك، قال:لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم تُقْرض شفاههم ، فقال: « يا جبريل، من هؤلاء؟ » قال:هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم؛ أفلا يعقلون؟ .

حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، قال:قيل لأسامة - وأنا رديفه- :ألا تكلم عثمان؟ فقال:إنكم تُرَون أني لا أكلمه إلا أسمعكم. إني لا أكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا - لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس. وإن كان عليّ أميرًا - بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، قالوا:وما سمعته يقول؟ قال:سمعته يقول: « يُجَاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه ، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهلُ النار، فيقولون:يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول:كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه » .

ورواه البخاري ومسلم، من حديث سليمان بن مِهْرَان الأعمش، به نحوه .

[ وقال أحمد:حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء » . وقد ورد في بعض الآثار:أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ [ الزمر:9 ] . وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أناسًا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون:بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون:إنا كنا نقول ولا نفعل » رواه من حديث الطبراني عن أحمد بن يحيى بن حيان الرقي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الداهري عن عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره ] .

وقال الضحاك، عن ابن عباس:إنه جاءه رجل، فقال:يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال:أو بلغت ذلك؟ قال:أرجو. قال:إن لم تخش أن تفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال:وما هن؟ قال:قوله عز وجل ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) أحكمت هذه؟ قال:لا. قال:فالحرف الثاني. قال:قوله تعالى: لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [ الصف:2، 3 ] أحكمت هذه؟ قال:لا. قال:فالحرفَ الثالث. قال:قول العبد الصالح شعيب، عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [ هود:88 ] أحكمت هذه الآية؟ قال:لا. قال:فابدأ بنفسك.

رواه ابن مردويه في تفسيره.

وقال الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا زيد بن الحريش، حدثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العوام بن حوشب، عن [ سعيد بن ] المسيب بن رافع، عن ابن عمر، قال:قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم: « من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال، أو دعا إليه » .

إسناده فيه ضعف، وقال إبراهيم النخعي:إني لأكره القصص لثلاث آيات قوله تعالى: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [ الصف:2، 3 ] وقوله إخبارا عن شعيب: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود:88 ] .

وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو:

مــا أقبـح الـتزهيـد مـن واعـظ يـزهــد النـــاس ولا يزهـــد

لــو كـان فـي تزهيـده صادقــا أضحــى وأمســى بيتـه المسـجد

إن رفــض النــاس فمـا بـالــه يســـتفتح النـــاس ويسـترقـد

الــرزق مقسـوم عـلى مـن تـرى يســقى لــه الأبيـض والأســود

وقال بعضهم:جلس أبو عثمان الحيري الزاهد يوما على مجلس التذكير فأطال السكوت، ثم أنشأ يقول:

وغـير تقـي يـأمر النـاس بـالتقى طبيــب يـداوي والطبيـب مـريض

قال:فضج الناس بالبكاء. وقال أبو العتاهية الشاعر:

وصفـت التقـى حـتى كأنك ذو تقى وريـح الخطايـا مـن شـأنك تقطـع

وقال أبو الأسود الدؤلي:

لا تنــه عـن خــلق وتـأتي مثلـه عــار عليــك إذا فعلــت عظيـم

فـابـدأ بنفسـك فانههـا عـن غيهـا فــإذا انتهـت عنـه فـأنت حـكيم

فهنـاك يقبــل إن وعظـت ويقتـدى بــالقول منــك وينفـع التعليــم

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري العابد الواعظ قال:دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل لي في المنام:هي امرأة في الكوفة يقال لها:ميمونة السوداء، فقصدت الكوفة لأراها. فقيل لي:هي ترعى غنما بواد هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي والغنم ترعى حولها وبينهن الذئاب لا ينفرن منه، ولا يسطو الذئاب عليهن. فلما سلمت قالت:يا ابن زيد، ليس الموعد هنا إنما الموعد ثَمّ، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم. فقالت:إني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم. فقلت لها:عظيني. فقالت:يا عجبا من واعظ يوعظ، ثم قالت:يا ابن زيد، إنك لو وضعت موازين القسط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد، إنه بلغني ما من عبد أعطى من الدنيا شيئا فابتغى إليه تائبا إلا سلبه الله حب الخلوة وبدله بَعْدَ القرب البعد وبعد الأنس الوحشة ثم أنشأت تقول:

يــا واعظًـــا قــام لا حســاب يزجــر قـومــا عــن الذنــوب

تنـــه عنـه وأنـت السـقيم حقـا هــذا مــن المنكــر العجــيـب

تنـــه عـــن الغــي والتمـادي وأنــت فــي النهــي كــالمريب

لــو كـنت أصلحـت قبــل هــذا غيــك أو تبــت مــــن قـريب

كـــان لمـا قلـت يــا حـبيـبي مــوضع صــدق مـــن القلـوب

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 46 )

يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤمّلون من خير الدنيا والآخرة، بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما قال مقاتل بن حَيَّان في تفسير هذه الآية:استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة.

فأما الصبر فقيل:إنه الصيام، نص عليه مجاهد.

[ قال القرطبي وغيره:ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث ] .

وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن جُرَيّ بن كُليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الصوم نصف الصبر » .

وقيل:المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها:فعل الصلاة.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن حمزة بن إسماعيل، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سِنان، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال:الصبر صبران:صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.

[ قال ] وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.

وقال ابن المبارك عن ابن لَهِيعة عن مالك بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال:الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب فيه، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد، لا يرى منه إلا الصبر.

وقال أبو العالية في قوله: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله.

وأما قوله: ( وَالصَّلاةِ ) فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ الآية [ العنكبوت:45 ] .

وقال الإمام أحمد:حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، قال:قال عبد العزيز أخو حذيفة، قال حذيفة، يعني ابن اليمان:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى. ورواه أبو داود [ عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي ] .

وقد رواه ابن جرير، من حديث ابن جُرَيج، عن عِكْرِمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .

[ ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة؛ ويقال:أخي حذيفة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة:حدثنا سهل بن عثمان أبو مسعود العسكري، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال:قال عكرمة بن عمار:قال محمد بن عبد الله الدؤلي:قال عبد العزيز:قال حذيفة:رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى . وحدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول:لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح ] .

قال ابن جرير:وروي عنه، عليه الصلاة والسلام، أنه مر بأبي هريرة، وهو منبطح على بطنه، فقال له: « اشكنب درد » [ قال:نعم ] قال: « قم فصل فإن الصلاة شفاء » [ ومعناه:أيوجعك بطنك؟ قال:نعم ] . قال ابن جرير:وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا عُيَينة بن عبد الرحمن، عن أبيه:أن ابن عباس نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) .

وقال سُنَيد، عن حجاج، عن ابن جرير: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) قال:إنهما مَعُونتان على رحمة الله.

والضمير في قوله: ( وَإِنَّهَا ) عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير.

ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام، وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى في قصة قارون: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ [ القصص:80 ] وقال تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [ فصلت:34، 35 ] أي:وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا وَمَا يُلَقَّاهَا أي:يؤتاها ويلهمها إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

وعلى كل تقدير، فقوله تعالى: ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) أي:مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني المصدّقين بما أنـزل الله. وقال مجاهد:المؤمنين حقا. وقال أبو العالية:إلا على الخاشعين الخائفين، وقال مقاتل بن حيان:إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين. وقال الضحاك: ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) قال:إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سَطَواته، المصدقين بوعده ووعيده.

وهذا يشبه ما جاء في الحديث: « لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه » .

وقال ابن جرير:معنى الآية:واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته.

هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم، ولغيرهم. والله أعلم.

وقوله تعالى: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي:وإن الصلاة أو الوَصَاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم، أي: [ يعلمون أنهم ] محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون، أي:أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فعلُ الطاعات وترك المنكرات.

فأما قوله: ( يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) قال ابن جرير، رحمه الله:العرب قد تسمي اليقين ظنا، والشك ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفة، والضياء سُدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه، كما قال دُرَيد بن الصِّمَّة:

فقلــت لهـم ظُنُّـوا بـألفي مُدَجَّـجٍ سَــرَاتُهُم فــي الفَارسِـيِّ المُسَـرَّدِ

يعني بذلك تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم، وقال عَمِيرة بن طارق:

بِـأنْ يَعْـتَزُوا قومـي وأقـعُدَ فيكـم وأجـعلَ منـي الظـنَّ غيبـا مرجمّـا

يعني:وأجعل مني اليقين غيبا مرجما، قال:والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين، أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية، ومنه قول الله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [ الكهف:53 ] .

ثم قال ابن جرير:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال:كل ظن في القرآن يقين، أي:ظننت وظَنوا.

وحدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود الحَفَرِيّ، عن سفيان عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال:كل ظن في القرآن فهو علم. وهذا سند صحيح.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) قال:الظن هاهنا يقين.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.

وقال سُنَيد، عن حجاج، عن ابن جريج: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) علموا أنهم ملاقو ربهم، كقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [ الحاقة:20 ] يقول:علمت.

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

قلت:وفي الصحيح: « أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة:ألم أزوجك، ألم أكرمك، ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول:بلى. فيقول الله تعالى:أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول:لا. فيقول الله:اليوم أنساك كما نسيتني » . وسيأتي مبسوطا عند قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التوبة:67 ] إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 47 )

يذكرهم تعالى سَالفَ نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فَضَّلهم به من إرسال الرسل منهم وإنـزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الدخان:32 ] ، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ المائدة:20 ] .

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال:بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالما.

ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحوُ ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [ آل عمران:110 ] وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنتم تُوفُونَ سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله » . والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

[ وقيل:المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا، حكاه فخر الدين الرازي وفيه نظر. وقيل:إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر؛ لأن ( الْعَالَمِينَ ) عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين ] .

وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 )

لما ذكرهم [ الله ] تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا ) يعني:يوم القيامة ( لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ) أي:لا يغني أحد عن أحد كما قال: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [ الأنعام:164 ] ، وقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس:37 ] ، وقال يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [ لقمان:33 ] ، فهذه أبلغ المقامات:أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا، وقوله تعالى: ( وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) يعني عن الكافرين، كما قال: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر:48 ] ، وكما قال عن أهل النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء:100 ، 101 ] ، وقوله: ( وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) أي:لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ [ آل عمران:91 ] وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ المائدة:36 ] وقال تعالى: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا [ الأنعام:70 ] ، وقال: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية [ الحديد:15 ] ، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء، ولو بملء الأرض ذهبا، كما قال تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [ البقرة:254 ] ، وقال لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [ إبراهيم:31 ] .

[ وقال سنيد:حدثني حجاج، حدثني ابن جريج، قال:قال مجاهد:قال ابن عباس: ( وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) قال:بدل، والبدل:الفدية، وقال السدي:أما عدل فيعدلها من العذاب يقول:لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ] . وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ( وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) يعني:فداء.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.

وقال عبد الرزاق:أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن علي ، رضي الله عنه، في حديث طويل، قال:والصرف والعدل:التطوع والفريضة.

وكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة ، عن عمير بن هانئ.

وهذا القول غريب هنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقويه، وهو ما قال ابن جرير:حدثني نَجِيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بن قيس الملائي ، عن رجل من بني أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - قال:قيل:يا رسول الله، ما العدل؟ قال: « العدل الفدية » .

وقوله تعالى: ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) أي:ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء. هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ [ الطارق:10 ] أي:إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فِدْيَة ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ [ المؤمنون:88 ] . وقال فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [ الفجر:25، 26 ] ، وقال مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [ الصافات:25 ، 26 ] ، وقال فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ الآية [ الأحقاف:28 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ما لكم اليوم لا تمانعون منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم.

قال ابن جرير:وتأويل قوله: ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يعني:أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بَطَلت هنالك المحاباة واضمحلت الرَّشى والشفاعات، وارتفع من القوم التعاون والتناصر، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها وذلك نظير قوله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [ الصافات:24- 26 ]

 

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 )

يقول تعالى واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم ( إِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي:

خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى، عليه السلام، وقد كانوا يسومونكم، أي:يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب. وذلك أن فرعون - لعنه الله- كان قد رأى رؤيا هالته، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال:بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفُتُون، كما سيأتي في موضعه [ في سورة طه ] إن شاء الله، فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله- بقتل كل [ ذي ] ذَكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.

وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه، كما قال: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [ إبراهيم:6 ] وسيأتي تفصيل ذلك في أول سورة القصص، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة والمعونة والتأييد.

ومعنى ( يَسُومُونَكُمْ ) أي:يولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم:

إذا مـا الملـك سـام النـاس خسـفا أبينــا أن نقــر الخســف فينــا

وقيل:معناه:يديمون عذابكم، كما يقال:سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي، وإنما قال هاهنا: ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله: ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ) ثم فسره بهذا لقوله هاهنا اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأما في سورة إبراهيم فلما قال: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم:5 ] ، أي:بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي.

وفرعون علم على كل مَنْ مَلَكَ مصر، كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكسرى لكل من ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرا [ والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند ] ويقال:كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى، عليه السلام، الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل:مصعب بن الريان، أيا ما كان فعليه لعنة الله، [ وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح، وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من استخر ] .

وقوله تعالى: ( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) قال ابن جرير:وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم. أي:نعمة عظيمة عليكم في ذلك .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [ في ] قوله: ( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) قال:نعمة. وقال مجاهد: ( بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) قال:نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية، وأبو مالك، والسدي، وغيرهم.

وأصل البلاء:الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء:35 ] ، وقال: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ [ الأعراف:168 ] .

قال ابن جرير:وأكثر ما يقال في الشر:بلوته أبلوه بَلاءً، وفي الخير:أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى:

جـزى اللـه بالإحسـان مـا فَعَلا بكُم وأبلاهمـا خَـيْرَ البـلاءِ الـذي يَبْلُـو

قال:فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يَخْتَبر بها عباده.

[ وقيل:المراد بقوله: ( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ ) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء؛ قال القرطبي:وهذا قول الجمهور ولفظه بعدما حكى القول الأول، ثم قال:وقال الجمهور:الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان ] .

وقوله تعالى: ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) معناه:وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى، عليه السلام، خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله.

( فَأَنْجَيْنَاكُمْ ) أي:خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.

قال عبد الرزاق:أنبأنا مَعْمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ) إلى قوله: ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) قال:لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون فقال:لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال:فوالله ما صاح ليلتئذ ديك

حتى أصبحوا؛ فدعا بشاة فَذُبحت، ثم قال:لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ثم سار، فلما أتى موسى البحر، قال له رجل من أصحابه، يقال له:يوشع بن نون:أين أمَرَ ربك؟ قال:أمامك، يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ، فذهب به الغمر، ثم رجع. فقال:أين أمَرَ ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كُذبت . فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء:63 ] ، يقول:مثل الجبل. ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال: ( وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) .

وكذلك قال غير واحد من السلف، كما سيأتي بيانه في موضعه . وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال:قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: « ما هذا اليوم الذي تصومون؟ » . قالوا:هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى، عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا أحق بموسى منكم » . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصومه.

وروى هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه من طرق، عن أيوب السختياني، به نحو ما تقدم.

وقال أبو يعلى الموصلي:حدثنا أبو الربيع، حدثنا سلام - يعني ابن سليم- عن زيد العَمِّيّ عن يزيد الرقاشي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء » .

وهذا ضعيف من هذا الوجه فإن زيدا العَمِّيّ فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 )

يقول تعالى:واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمَد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ [ الأعراف:142 ] قيل:إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر.

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 )

وقوله: ( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) يعني:التوراة ( وَالْفُرْقَانَ ) وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) وكان ذلك - أيضا- بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [ القصص:43 ] .

وقيل:الواو زائدة، والمعنى:ولقد آتينا موسى الكتاب والفرقان وهذا غريب، وقيل:عطف عليه وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر:

وقـــدمت الأديـــم لراقشـــيه فـــألفى قولهــا كذبًــا ومينــا

وقال الآخر:

ألا حــبذا هنــد وأرض بهـا هنـد وهنـد أتـى مـن دونهـا النأي والبعد

فالكذب هو المين، والنأي:هو البعد. وقال عنترة:

حــييت مــن طلـل تقـادم عهـده أقــوى وأقفــر بعــد أم الهيثــم

فعطف الإقفار على الإقواء وهو هو.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) .

هذه صفَةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري، رحمه الله، في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ) فقال:ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا الآية [ الأعراف:149 ] .

قال:فذلك حين يقول موسى: ( يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ )

وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ) أي إلى خالقكم.

قلت:وفي قوله هاهنا: ( إِلَى بَارِئِكُمْ ) تنبيه على عظم جرمهم، أي:فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.

وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال الله تعالى:إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله، إن شاء الله .

وقال ابن جرير:حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال:قال أبو سعيد:عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:قال موسى لقومه: ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) قال:أمر موسى قومه - من أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم قال:واحتبى الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلَّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلَّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.

وقال ابن جُرَيْج:أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر فقتل بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكُشِفَ عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى:أن حَسْبي، فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه، [ وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك ] .

وقال قتادة:أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة، وللمقتول شهادة.

وقال الحسن البصري:أصابتهم ظلمة حنْدس، فقتل بعضهم بعضا [ نقمة ] ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.

وقال السدي في قوله: ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) قال:فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتِل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل بينهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون:ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ،

فأمرهم أن يضعوا السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مُكَفّرا عنه؛ فذلك قوله: ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

وقال الزهري:لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم ، قالوا:يا نبي الله، ادع الله لنا. وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم، بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله، جل ثناؤه، إلى موسى:ما يحزنك؟ أما من قتل منكم فحي عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرّ بذلك موسى، وبنو إسرائيل.

رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.

وقال ابن إسحاق:لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال:لا إلا أن يقتلوا أنفسهم قال:فبلغني أنهم قالوا لموسى:نَصبر لأمر الله. فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يَقْتُل من عبده. فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ عليهم القومُ السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَش إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:لما رجع موسى إلى قومه، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى:انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا:يا موسى، ما من توبة؟ قال:بلى، ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) الآية، فاخترطوا السيوف والجرزَة والخناجر والسكاكين. قال:وبعث عليهم ضبابة. قال:فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال:ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري. قال:ويتنادون [ فيها ] :رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال:فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم، ثم قرأ: ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 )

يقول تعالى:واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق، إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج، قال ابن عباس في هذه الآية: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) قال:علانية.

وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس، أنه قال في قول الله تعالى: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) أي علانية، أي حتى نرى الله.

وقال قتادة، والربيع بن أنس: ( حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) أي عيانا.

وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس:هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال:فسمعوا كلاما، فقالوا: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) قال:فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول:ماتوا.

وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة:الصاعقة:صيحة من السماء.

وقال السدي في قوله: ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) الصاعقة:نار.

وقال عروة بن رويم في قوله: ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) قال:فصعق بعضهم وبعض ينظرون ، ثم بعث هؤلاء وصعق هؤلاء.

وقال السدي: ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول:رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا [ الأعراف:155 ] . فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوا رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض:كيف يحيون؟ قال:فذلك قوله تعالى: ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )

وقال الربيع بن أنس:كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال:لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرّق العجل وذَرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلا الخَيِّرَ فالخير، وقال:انطلقوا إلى الله وتوبوا إلى الله مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّتَه له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي، حين صنعوا ما أمروا به وخرجوا للقاء الله، قالوا:يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال:أفعل. فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم:ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع،

لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه:افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) فأخذتهم الرجفة ، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ [ وَإِيَّايَ ] [ الأعراف:155 ] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي:إن هذا لهم هلاك. اخترتُ منهم سبعين رجلا الخَيِّر فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [ الأعراف:156 ] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل، ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال:لا؛ إلا أن يقتلوا أنفسهم .

هذا سياق محمد بن إسحاق.

وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير:لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. وساق البقية.

[ وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب فخر الدين الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين:أنهم بعد إحيائهم قالوا:يا موسى، إنك لا تطلب من الله شيئا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك فأجاب الله دعوته، وهذا غريب جدا، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم، عليه السلام، قد سأل ذلك فمنع منه فكيف يناله هؤلاء السبعون؟

القول الثاني في الآية ] قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية:قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال:إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا:ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى

يطلع الله علينا فيقول:هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى! وقرأ قول الله: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) قال:فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال:ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ( ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) فقال لهم موسى:خذوا كتاب الله. فقالوا:لا فقال:أي شيء أصابكم؟ فقالوا:أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا. قال :خذوا كتاب الله. قالوا:لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم.

[ وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين:أحدهما:أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق؛ والثاني:أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف، قال القرطبي:وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم ] .

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 )

لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم - أيضا- بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يَغُمّ السماء، أي:يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض، ظُلِّلوا به في التيه ليقيهم حر الشمس. كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون، قال:ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وأبي مجلز، والضحاك، والسدي، نحو قول ابن عباس.

وقال الحسن وقتادة: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) [ قال ] كان هذا في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس.

وقال ابن جرير قال آخرون:وهو غمام أبرد من هذا، وأطيب.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) قال:ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.

وهكذا رواه ابن جرير، عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة.

وكذا رواه الثوري، وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وكأنه يريد، والله أعلم، أنه ليس من زِيّ هذا السحاب، بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال:قال ابن عباس: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) قال:غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ [ البقرة:210 ] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس:وكان معهم في التيه.

وقوله: ( وَأَنـزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ) اختلفت عبارات المفسرين في المن:ما هو؟ فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:كان المن ينـزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاؤوا.

وقال مجاهد:المن:صمغة. وقال عكرمة:المن:شيء أنـزله الله عليهم مثل الطل، شبه الرِّبِ الغليظ.

وقال السدي:قالوا:يا موسى، كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنـزل الله عليهم المن، فكان يسقط على شجر الزنجبيل.

وقال قتادة:كان المن ينـزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه، ليوم جمعته، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.

وقال الربيع بن أنس:المن شراب كان ينـزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.

وقال وهب بن منبه - وسئل عن المن- فقال:خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النَقيِّ.

وقال أبو جعفر بن جرير:حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر وهو الشعبي، قال:عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن.

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:إنه العسل.

ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت، حيث قال:

فـــرأى اللــه أنهــم بمضيــع لا بـــذي مــزرع ولا مثمــورا

فســـناها عليهـــم غاديـــات وتــرى مــزنهم خلايـا وخـورا

عســلا ناطفــا ومــاء فراتــا وحليبـــا ذا بهجـــة مرمــورا

فالناطف:هو السائل، والحليب المرمور:الصافي منه.

والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن، فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب، والظاهر، والله أعلم، أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب ، وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كد، فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعاما وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابا طيبا، وإن ركب مع غيره صار نوعا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده؛ والدليل على ذلك قول البخاري:

حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمر بن حريث عن سعيد بن زيد، رضي الله عنه، قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به .

وأخرجه الجماعة في كتبهم، إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به . وقال الترمذي:حسن صحيح، ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عمرو بن حريث، به .

وقال الترمذي:حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غَيْلان، قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين » .

تفرد بإخراجه الترمذي، ثم قال:هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه، وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد وجابر.

كذا قال، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال:حدثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا سلمي واسطي، يكنى بأبي

محمد، وقيل:أبو سليمان المؤدب قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي:روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها .

ثم قال [ الترمذي ] حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة:أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا:الكمأة جدري الأرض، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم » .

وهذا الحديث قد رواه النسائي، عن محمد بن بشار، به . وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به . وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط .

وروى النسائي - أيضا- وابن ماجه من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر:بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه .

وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة فإنه لم يسمعه منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه، عن علي بن الحسين الدرهمي عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي هريرة، قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول جدري الأرض، فقال: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

وروي عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، قالا قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم » .

قال النسائي في الوليمة أيضا:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » . ثم رواه - أيضا- ، وابن ماجه من طرق، عن الأعمش، عن أبي بشر، عن شهر، عنهما، به .

وقد رويا - أعني النسائي وابن ماجه- من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، زاد النسائي: [ وحديث ] جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب عن عمار بن رزيق عن الأعمش، كابن ماجه.

وقال ابن مردويه أيضا:حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري، قال:خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كمآت، فقال: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع ثم [ رواه ] ابن مردويه. رواه أيضا عن عبد الله بن إسحاق عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان عن الأعمش به، وكذا رواه النسائي عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [ به ] .

وقد روى من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه كما قال ابن مردويه:

حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس:أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تدارؤوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فقال بعضهم:نحسبه الكمأة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم » .

وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي من طريقه شيئاً من هذا، والله أعلم .

[ وقد ] روي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي - أيضًا- في الوليمة، عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخَرّاز، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين » .

فقد اختلف - كما ترى فيه- على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم، فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم من رواية سعيد بن زيد.

وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:السلوى طائر شبيه بالسُّمَّانى، كانوا يأكلون منه.

وقال السدي في خَبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة:السلوى:طائر يشبه السُّمَّانَى.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرّة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس، قال:السلوى:هو السمَّانى.

وكذا قال مجاهد، والشعبي، والضحاك، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس، رحمهم الله.

وعن عكرمة:أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور، أو نحو ذلك.

وقال قتادة:السلوى من طير إلى الحمرة، تحشُرها عليهم الريحُ الجنَوبُ. وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.

وقال وهب بن منبه:السلوى:طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب، قال:سألَتْ بنو إسرائيل موسى عليه السلام، اللحم، فقال الله:لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السمانى مثل ميل في ميل قيدَ رمح إلى السماء فخبَّؤوا للغد فنتن اللحم وخنـز الخبز.

وقال السدي:لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى، عليه السلام:كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنـزل الله عليهم الَمنّ فكان يسقط على الشجر الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا:هذا الطعام فأين الشراب؟ فَأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا:هذا الشراب، فأين الظل؟ فَظَلَّل عليهم الغمام. فقالوا:هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا يَنْخرق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنـزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) وقوله وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [ البقرة:60 ] .

وروي عن وهب بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.

وقال سُنَيْد، عن حجاج، عن ابن جُرَيْج، قال:قال ابن عباس:خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج:فكان الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.

[ قال ابن عطية:السلوى:طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله:إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا:

وقاســمها باللــه جــهدًا لأنتــم ألـذ مـن السـلوى إذا مـا أشـورها

قال:فظن أن السلوى عسلا قال القرطبي:دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير قال:إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛ لأنه يسلى به ومنه عين سلوان، وقال الجوهري:السلوى العسل، واستشهد ببيت الهذلي - أيضا- ، والسلوانة بالضم خرزة، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا قال الشاعر:

شـربت عـلى سـلوانة مـاء مزنـة فـلا وجـديد العيش يـا مـي ما أسلو

واسم ذلك الماء السلوان، وقال بعضهم:السلوان دواء يشفي الحزين فيسلو والأطباء يسمونه ( مُفَرِّح ) ، قالوا:والسلوى جمع بلفظ - الواحد- أيضًا، كما يقال:سمانى للمفرد والجمع ودِفْلَى كذلك، وقال الخليل واحده سلواة، وأنشد:

وإنــي لتعــروني لذكـراك هـزة كمـا انتفـض السـلواة من بلل القطر

وقال الكسائي:السلوى واحدة وجمعه سلاوي، نقله كله القرطبي ] .

وقوله تعالى: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) أمر إباحة وإرشاد وامتنان. وقوله: ( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ البقرة:57 ] ، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ [ سبأ:15 ] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا [ الله ] فيه، وأمرهم فملؤوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملؤوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع:المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 )

يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد ودخول الأرض المقدسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى، عليه السلام، فأمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة؛ ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السدي، والرّبيع بن أنس، وقتادة، [ وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ الآيات ] . [ المائدة:21- 24 ]

وقال آخرون:هي أريحا [ ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد ] وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم، وهو قاصدون بيت المقدس لا أريحا [ وأبعد من ذلك قول من ذهب أنها مصر، حكاه فخر الدين في تفسيره، والصحيح هو الأول؛ لأنها بيت المقدس ] . وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون، عليه السلام، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب - باب البلد- ( سُجَّدًا ) أي:شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.

قال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) أي ركعا.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) قال:ركعا من باب صغير.

رواه الحاكم من حديث سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان، وهو الثوري، به . وزاد:فدخلوا من قبل أستاههم.

[ وقال الحسن البصري:أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي، وحكى عن بعضهم:أن المراد بالسجود هاهنا الخضوع لتعذر حمله على حقيقته ] .

وقال خصيف:قال عكرمة، قال ابن عباس:كان الباب قبل القبلة.

وقال [ ابن عباس و ] مجاهد، والسدي، وقتادة، والضحاك:هو باب الحطة من باب إيلياء ببيت المقدس، [ وحكى الرازي عن بعضهم أنه عن باب جهة من جهات القرية ] .

وقال خَصِيف:قال عكرمة:قال ابن عباس:فدخلوا على شق، وقال السدي، عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنُود، عن عبد الله بن مسعود:وقيل لهم ادخلوا الباب سجدا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم، أي:رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.

وقوله: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قال الثوري عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قال:مغفرة، استغفروا.

وروي عن عطاء، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه.

وقال الضحاك عن ابن عباس: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قال:قولوا:هذا الأمر حق، كما قيل لكم.

وقال عكرمة:قولوا:لا إله إلا الله.

وقال الأوزاعي:كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) فكتب إليه:أن أقروا بالذنب.

وقال الحسن وقتادة:أي احطط عنا خطايانا.

( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنـزيدُ الْمُحْسِنِينَ ) هذا جواب الأمر، أي:إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.

وحاصل الأمر:أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى، كما قال تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [ سورة النصر ] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس بأنه نُعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله فيها، وأقره على ذلك عمر [ بن الخطاب ] رضي الله عنه. ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك، ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا؛ ولهذا كان عليه السلام يظهر عليه الخضوع جدًا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح - فتح مكة- داخلا إليها من الثنية العليا، وإنَّه الخاضع لربه حتى إن عُثْنونه ليمس مَوْرِك رحله، يشكر الله على ذلك. ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات وذلك ضُحى، فقال بعضهم:هذه صلاة الضحى، وقال آخرون:بل هي صلاة الفتح، فاستحبوا للإمام وللأمير إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم؛ وقيل:يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) قال البخاري:حدثني محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، عن ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبّه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قيل لبني إسرائيل: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ) فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدّلوا وقالوا:حطة:حبة في شعرة » .

ورواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي به موقوفا وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا، في قوله تعالى: ( حِطَّةٌ ) قال:فبدلوا. فقالوا:حبة .

وقال عبد الرزاق:أنبأنا معمر، عن هَمَّام بن مُنَبه أنه سمع أبا هريرة يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال الله لبني إسرائيل: ( وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) فبدلوا، ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، فقالوا:حبة في شعرة » .

وهذا حديث صحيح، رواه البخاري عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع. والترمذي عن عبد بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به . وقال الترمذي:حسن صحيح.

وقال محمد بن إسحاق:كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم، عن ابن عباس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون:حنطة في شعيرة » .

وقال أبو داود:حدثنا أحمد بن صالح، وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « قال الله لبني إسرائيل: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) » ثم قال أبو داود:حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، مثله .

هكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.

وقال ابن مردويه:حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القَزّاز، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال:سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من آخر الليل، أجَزْنا في ثنية يقال لها:ذات الحنظل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) » .

وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ [ البقرة:142 ] قال اليهود:قيل لهم:ادخلوا الباب سجدًا، قال:ركعًا، وقولوا:حطة:أي مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون:حنطة حمراء فيها شعيرة ، فذلك قول الله تعالى: ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) .

وقال الثوري، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكَنود، عن ابن مسعود: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) فقالوا:حنطة حبة حمراء فيها شعيرة ، فأنـزل الله: ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ )

وقال أسباط، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود أنه قال:إنهم قالوا: « هُطِّي سمعاتا أزبة مزبا » فهي بالعربية:حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء، فذلك قوله: ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ )

وقال الثوري، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) ركعًا من باب صغير، فدخلوا من قبل أستاههم، وقالوا:حنطة، فهو قوله تعالى: ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ )

وهكذا روي عن عطاء، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن رافع.

وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قبل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا:حطة، أي:احطط عنا ذنوبنا، فاستهزؤوا فقالوا:حنطة في شعرة . وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنـزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ( فَأَنـزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ )

وقال الضحاك عن ابن عباس:كل شيء في كتاب الله من « الرِّجْز » يعني به العذاب.

وهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، والحسن، وقتادة، أنه العذاب. وقال أبو العالية:الرجز الغضب. وقال الشعبي:الرجز:إما الطاعون، وإما البرد. وقال سعيد بن جبير:هو الطاعون.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد - يعني ابن أبي وقاص- عن سعد بن مالك، وأسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت، رضي الله عنهم، قالوا:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الطاعون رجْز عذاب عُذِّب به من كان قبلكم » .

وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به . وأصل الحديث في الصحيحين من حديث حبيب بن أبي ثابت: « إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها » الحديث .

قال ابن جرير:أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، قال:أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « إن هذا الوجع والسقم رجْز عُذِّب به بعض الأمم قبلكم » . وهذا الحديث أصله مخرَّج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك، عن محمد بن المُنكَدِر، وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، بنحوه .

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 60 )

يقول تعالى:واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى، عليه السلام، حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حَجَر يُحمل معكم، وتفجيري الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك. ( وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ ) ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. وقد بسطه المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس:وجُعِل بين ظهرانيهم حجر مربَّع وأمر موسى، عليه السلام، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم، يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلَة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنـزل الأول.

وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل .

وقال عطية العوفي:وجُعل لهم حجر مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نـزلوا منـزلا وضعوه فضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثور، فاستمسك الماء.

وقال عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه:كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.

وقال قتادة:كان حجرًا طوريًا، من الطور، يحملونه معهم حتى إذا نـزلوا ضربه موسى بعصاه.

[ وقال الزمخشري:وقيل:كان من رخام وكان ذراعًا في ذراع، وقيل:مثل رأس الإنسان، وقيل:كان من أسس الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى. وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار، قال:وقيل:أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا، وقيل:هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل:ارفع هذا الحجر فإن فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري:ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه، قال:وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر ثم يضربه فييبس، فقالوا:إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون ] .

وقال يحيى بن النضر:قلت لجويبر:كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال:كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا فينضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.

وقال الضحاك:قال ابن عباس:لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.

وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينًا من ماء، لكل سِبْط منهم عين يشربون منها.

وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.

وهذه القصة شبيهة بالقصة المذكورة في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص ذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم عما فعل بهم. وأما في هذه السورة، وهي البقرة فهي مدنية؛ فلهذا كان الخطاب فيها متوجهًا إليهم. وأخبر هناك بقوله: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [ الأعراف:160 ] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الأمر آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار هاهنا، وذاك هناك، والله أعلم.

وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية قد سأل عنها الرازي في تفسيره وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب والله تبارك وتعالى أعلم بأسرار كتابه.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ

يقول تعالى:واذكروا نعمتي عليكم في إنـزالي عليكم المن والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلا واذكروا دَبَرَكم وضجركم مما رزَقتكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيّة من البقول ونحوها مما سألتم. وقال الحسن البصري رحمه الله:فبطروا ذلك ولم يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل وفوم، فقالوا: ( يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) [ وهم يأكلون المن والسلوى، لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو كأكل واحد ] . فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة. وأما « الفوم » فقد اختلف السلف في معناه فوقع في قراءة ابن مسعود « وثومها » بالثاء، وكذلك فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم، عنه، بالثوم. وكذا الربيع بن أنس، وسعيد بن جبير.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن، في قوله: ( وَفُومِهَا ) قال:قال ابن عباس:الثوم.

قالوا:وفي اللغة القديمة:فَوِّمُوا لنا بمعنى:اختبزوا. وقال ابن جرير:فإن كان ذلك صحيحًا، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم:وقعوا في « عاثُور شَرّ، وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير » . وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم.

وقال آخرون:الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب قراءة، حدثني نافع بن أبي نعيم:أن ابن عباس سئِل عن قول الله: ( وَفُومِهَا ) ما فومها؟ قال:الحنطة. قال ابن عباس:أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول:

قـد كـنتُ أغنـى الناس شخصًا واحدًا وَرَدَ المدينــة عــن زرَاعـة فُـوم

وقال ابن جرير:حدثنا علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجرمي، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كُرَيْب، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ( وَفُومِهَا ) قال:الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.

وكذا قال علي بن أبي طلحة، والضحاك وعكرمة عن ابن عباس أن الفوم:الحنطة.

وقال سفيان الثوري، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد وعطاء: ( وَفُومِهَا ) قالا وخبزها.

وقال هُشَيْم عن يونس، عن الحسن، وحصين، عن أبي مالك: ( وَفُومِهَا ) قال:الحنطة.

وهو قول عكرمة، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، والله أعلم .

[ وقال الجوهري:الفوم:الحنطة. وقال ابن دريد:الفوم:السنبلة، وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال:وقال بعضهم:هو الحمص لغة شامية، ومنه يقال لبائعه:فامي مغير عن فومي ] .

وقال البخاري:وقال بعضهم:الحبوب التي تؤكل كلها فوم.

وقوله تعالى: ( قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيّة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع.

وقوله: ( اهْبِطُوا مِصْرًا ) هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.

قال ابن جرير:ولا أستجيز القراءة بغير ذلك؛ لإجماع المصاحف على ذلك.

وقال ابن عباس: ( اهْبِطُوا مِصْرًا ) قال:مصرًا من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه.

قال:وروي عن السدي، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك.

وقال ابن جرير:وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود: « اهبطوا مصر » من غير إجراء يعني من غير صرف. ثم روى عن أبي العالية، والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.

وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية، وعن الأعمش أيضًا.

وقال ابن جرير:ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَا [ الإنسان:15، 16 ] . ثم توقف في المراد ما هو؟ أمصر فرعون أم مصر من الأمصار؟

وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك لأن موسى، عليه السلام يقول لهم:هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال: ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ) أي:ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه، والله أعلم

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 )

يقول تعالى: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) أي:وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي:لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون .

قال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) قال:هم أصحاب النيالات يعني أصحاب الجزية.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ) قال:يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون ، وقال الضحاك: ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ) قال:الذل. وقال الحسن:أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.

وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي:المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي:الخراج. وقال الضحاك:الجزية.

وقوله تعالى: ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) قال الضحاك:استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس:فحدَثَ عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير: ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) يقول:استوجبوا سخطًا، وقال ابن جرير:يعني بقوله: ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) انصرفوا ورجعوا، ولا يقال:باؤوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر، يقال منه:باء فلان بذنبه يبوء به بَوْءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [ المائدة:29 ] يعني:تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذًا:فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.

وقوله تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) يقول تعالى:

هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كبْر أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « الكبر بَطَر الحق، وغَمْط الناس » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال:قال ابن مسعود:كنت لا أحجب عن النَّجْوى، ولا عن كذا ولا عن كذا قال:فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول:يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من الناس فَضَلني بشراكين فما فوقهما أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: « لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي مَنْ بطر - أو قال:سفه الحق- وغَمط الناس » . يعني:رد الحق وانتقاص الناس، والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتل أنبيائهم، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقًا .

قال أبو داود الطيالسي:حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال:كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.

وقد قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله - يعني ابن مسعود- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين » .

وقوله تعالى: ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به. والله أعلم.

 

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 )

لما بين [ الله ] تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ يونس:62 ] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت:30 ] .

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدني، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال:قال سلمان:سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنـزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) إلى آخر الآية.

وقال السدي: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ) الآية:نـزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذْ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال:كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: « يا سلمان، هم من أهل النار » . فاشتد ذلك على سلمان، فأنـزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود:أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، عليه السلام؛ حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا. وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبعْ محمدًا صلى الله عليه وسلم منهم ويَدَعْ ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.

وقال ابن أبي حاتم:وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.

قلت:وهذا لا ينافي ما روى عَليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) الآية فأنـزل الله بعد ذلك: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ آل عمران:85 ] .

فإن هذا الذي قاله [ ابن عباس ] إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه [ الله ] بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى، عليه السلام، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.

واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة؛ كقول موسى، عليه السلام: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [ الأعراف:156 ] أي:تبنا، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.

[ وقيل:لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، وقال أبو عمرو بن العلاء:لأنهم يتهودون، أي:يتحركون عند قراءة التوراة ] .

فلما بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم:أنصار أيضًا، كما قال عيسى، عليه السلام: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ [ آل عمران:52 ] وقيل:إنهم إنما سُمّوا بذلك من أجل أنهم نـزلوا أرضًا يقال لها ناصرة، قاله قتادة وابن جُرَيج ، وروي عن ابن عباس أيضًا، والله أعلم.

والنصارى:جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة:نصرانة، قال الشاعر:

نصرانـة لم تَحَنَّـفِ

فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقُه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون [ حقا ] . وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال:الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.

وقال أبو العالية والربيع بن أنس، والسدي، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك [ وإسحاق بن راهويه ] الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.

[ ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق:لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم ] .

وقال هشيم عن مطرف:كنا عند الحكم بن عتيبة فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين:إنهم كالمجوس، فقال الحكم:ألم أخبركم بذلك.

وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم:سمعت الحسن ذكر الصابئين، فقال:هم قوم يعبدون الملائكة.

[ وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن الحسن قال:أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال:فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال:فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة ] .

وقال أبو جعفر الرازي:بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، ويصلون إلى القبلة.

وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال:الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.

وسئل وهب بن منبه عن الصابئين، فقال:الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرًا.

وقال عبد الله بن وهب:قال عبد الرحمن بن زيد:الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون:لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول:لا إله إلا الله، قال:ولم يؤمنوا برسول، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه:هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني في قول:لا إله إلا الله.

وقال الخليل هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح، عليه السلام. وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح:أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، قال ابن عباس:ولا تنكح نساؤهم. قال القرطبي:والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنهم فاعلة؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم، واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها، قال:وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل، عليه السلام، رادًا عليهم ومبطلا لقولهم.

وأظهر الأقوال، والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه:أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي:أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.

وقال بعض العلماء:الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 64 )

يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل على رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة وامتثال كما قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأعراف:171 ] الطور هو الجبل، كما فسره بآية الأعراف، ونص على ذلك ابن عباس، ومجاهد، وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع بن أنس، وغير واحد، وهذا ظاهر .

وفي رواية عن ابن عباس:الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.

وفي حديث الفتون:عن ابن عباس:أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا [ فسجدوا ] .

وقال السدي:فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدًا [ فسجدوا ] على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) .

وقال الحسن في قوله: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) يعني التوراة.

وقال أبو العالية، والربيع بن أنس: ( بِقُوَّةٍ ) أي بطاعة. وقال مجاهد:بقوة:بعمل بما فيه. وقال قتادة ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) القوة:الجد وإلا قذفته عليكم.

قال:فأقروا بذلك:أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله:وإلا قذفته عليكم، أي أسقطه عليكم، يعني الجبل.

وقال أبو العالية والربيع: ( وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ) يقول:اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به.

وقوله تعالى: ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) يقول تعالى:ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ( فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) أي:توبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ( لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 )

يقول تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) يا معشر اليهود، ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره، إذ كان مشروعًا لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوا لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت. فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة. فكذلك أعمال هؤلاء وحيلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف، حيث يقول تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ الأعراف:163 ] القصة بكمالها.

وقال السدي:أهل هذه القرية هم أهل « أيلة » . وكذا قال قتادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة .

وقوله: ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قال:مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [ الجمعة:5 ] .

ورواه ابن جرير، عن المثنى، عن أبي حذيفة. وعن محمد بن عمرو الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.

وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ الآية [ المائدة:60 ] .

وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فجعل [ الله ] منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا خنازير.

وقال شيبان النحوي، عن قتادة: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فصار القوم قرودًا تعاوى لها أذناب بعد ما كانوا رجالا ونساء.

وقال عطاء الخراساني:نودوا:يا أهل القرية، ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون:يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم، أي بلى.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم - يعني الطائفي- عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال:إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا ثم هلكوا. ما كان للمسخ نسل .

وقال الضحاك، عن ابن عباس:فمسخهم الله قردة بمعصيتهم، يقول:إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثة أيام، قال:ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة أيام التي ذكرها الله في كتابه، فمسخ [ الله ] هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء. ويحوله كما يشاء.

وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قال:يعني أذلة صاغرين. وروي عن مجاهد، وقتادة والربيع، وأبي مالك، نحوه.

وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، قال:قال ابن عباس:إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة- فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: « مدين » ؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان:صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا. حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقرموا إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي:إني لم آخذه في يوم السبت ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية:والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. قال:ففعلوا كما فعل، وصنعوا سرًا زمانًا طويلا لم يعجل الله عليهم العقوبة حتى صادوها علانية وباعوها في بالأسواق . فقالت طائفة منهم من أهل البقية:ويحكم، اتقوا الله. ونهوهم عما يصنعون. فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ لسخطنا أعمالهم وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف:164 ] .

قال ابن عباس:فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم وفقدوا الناس فلم يرونهم قال:فقال بعضهم لبعض:إن للناس لشأنًا! فانظروا ما هو. فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال:يقول ابن عباس:فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الجميع منهم، قال:وهي القرية التي قال الله جل ثناؤه لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية [ الأعراف:163 ] . وروى الضحاك عن ابن عباس نحوًا من هذا.

قال السدي في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) قال:فهم أهل « أيلة » ، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا- لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن مقل البحر، فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ] . فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم:ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا:إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال العلماء لا ولكنكم صدتموه يوم فتحكم الماء فدخل، قال:وغلبوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا يقول:لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الأعراف:164 ] فلما أبوا قال المسلمون:والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود، عليه السلام، فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطأوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ الأعراف:166 ] وذلك حين يقول: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ المائدة:78 ] . فهم القردة.

قلت:والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، رحمه الله، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا بل الصحيح أنه معنوي صوري، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) قال بعضهم:الضمير في ( فَجَعَلْنَاهَا ) عائد على القردة، وقيل:على الحيتان، وقيل:على العقوبة، وقيل:على القرية؛ حكاها ابن جرير.

والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي:فجعل الله هذه القرية، والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم ( نَكَالا ) أي:عاقبناهم عقوبة، فجعلناها . عبرة، كما قال الله عن فرعون: فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [ النازعات:25 ] .

وقوله: ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ) أي من القرى. قال ابن عباس:يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى. كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأحقاف:27 ] ، ومنه قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا الآية [ الرعد:41 ] ، على أحد الأقوال، فالمراد:لما بين يديها وما خلفها في المكان، كما قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس:لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى. وكذا قال سعيد بن جبير ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ) [ قال ] من بحضرتها من الناس يومئذ.

وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْها [ وَمَا خَلْفَهَا ] ) قال:ما [ كان ] قبلها من الماضين في شأن السبت.

وقال أبو العالية والربيع وعطية: ( وَمَا خَلْفَهَا ) لما بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم.

وكان هؤلاء يقولون:المراد بما بين يديها وما خلفها في الزمان.

وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن يكون عبرة لمن سبقهم؟ هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره، فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع عن أبي العالية: ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) أي:عقوبة لما خلا من ذنوبهم.

وقال ابن أبي حاتم وروى عن عكرمة، ومجاهد، والسدي، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.

وحكى القرطبي، عن ابن عباس والسدي، والفراء، وابن عطية ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) بين ذنوب القوم ( وَمَا خَلْفَهَا ) لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب، وحكى فخر الدين ثلاثة أقوال:

أحدها:أن المراد بما بين يديها وما خلفها:من تقدمها من القرى، بما عندهم من العلم بخبرها، بالكتب المتقدمة ومن بعدها.

الثاني:المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.

والثالث:أنه جعلها تعالى عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، قال:وهذا قول الحسن. قلت:وأرجح الأقوال أن المراد بما بين يديها وما خلفها:من بحضرتها من القرى التي يبلغهم خبرها، وما حل بها، كما قال: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأحقاف:27 ] وقال تعالى: وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ [ الرعد:31 ] ، وقال أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا [ الأنبياء:44 ] ، فجعلهم عبرة ونكالا لمن في زمانهم، وعبرة لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ )

وقوله تعالى: ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) قال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.

وقال الحسن وقتادة: ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.

وقال السدي، وعطية العوفي: ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) قال:أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قلت:المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي:جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة:حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو [ عن أبي سلمة ] عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » .

وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 67 )

يقول تعالى:واذكروا - يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها وإحياء الله المقتول، ونصه على من قتله منهم. [ مسألة الإبل تنحر والغنم تذبح واختلفوا في البقر فقيل:تذبح، وقيل:تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها. قال ابن المنذر:ولا أعلم خلافا صحيحًا بين ما ينحر أو نحر ما يذبح، غير أن مالكا كره ذلك. وقد يكره الإنسان ما لا يحرم، وقال أبو عبد الله:أعلم أن نـزول قصة البقرة على موسى، عليه السلام، في أمر القتيل قبل نـزول القسامة في التوراة.

بسط القصة ] - كما قال ابن أبي حاتم- :

حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال:كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم والنهى:علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى، عليه السلام، فذكروا ذلك له، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) قال:فلو لم يعترضوا [ البقر ] لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال:والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام فقالوا:من قتلك؟ فقال:هذا، لابن أخيه. ثم مال ميتًا، فلم يعط من ماله شيئًا، فلم يورث قاتل بعد.

ورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة بنحو من ذلك والله أعلم.

ورواه عبد بن حميد في تفسيره:أنبأنا يزيد بن هارون، به.

ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره، عن أبي جعفر - هو الرازي- عن هشام بن حسان، به. وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره:أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) قال:كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى، عليه السلام، فقال له:إن قريبي قتل وإني إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبين [ لي ] من قتله غيرك يا نبي الله. قال:فنادى موسى في الناس، فقال:أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، [ قال ] :فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى عليه السلام، فقال له:أنت نبي الله فاسأل لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى الله إليه: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) فعجبوا من ذلك، فقالوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ يعني:لا هرمة وَلا بِكْرٌ يعني:ولا صغيرة عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ أي:نصف بين البكر والهرمة قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا أي:صاف لونها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أي:تعجب الناظرين قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أي:لم يذللها العمل تُثِيرُ الأَرْضَ يعني:وليست بذلول تثير الأرض وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يقول:ولا تعمل في الحرث مُسَلَّمَةٌ يعني:مسلمة من العيوب لا شِيَةَ فِيهَا يقول:لا بياض فيها قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ قال:ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها، لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ لما هدوا إليها أبدًا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى، وهي القيمة عليهم، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى:إن الله قد كان خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى، عليه السلام، أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكا إليه [ مقتله ] - فقتله الله على أسوأ عمله.

وقال محمد بن جرير:حدثني ابن سعد حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [ عن جده ] عن ابن عباس، في قوله في شأن البقرة:وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى، عليه السلام، كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له وبنو أخيه ورثته فقالوا:ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم، أتاهم الشيطان فقال لهم:هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وَتُغْرِمُوا أهل المدينة التي لستم بها ديته، وذلك أنهما كانتا مدينتين، كانوا في إحداهما وكان القتيل إذا قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية، وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا:عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة:نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا. وإنهم عمدوا إلى موسى، عليه السلام، فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ:عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة:نقسم بالله ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإنه جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى، عليه السلام، فقال:قل لهم: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) فتضربوه ببعضها.

وقال السدي: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) قال:كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى، وقال:والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال:يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله. فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده. فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال:قتلتم عمي، فأدوا إليّ ديته فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه، وينادي:واعماه. فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له:يا رسول الله، ادع الله لنا حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحيي أن نعير به فذلك حين يقول الله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فقال لهم موسى، عليه السلام: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) قالوا:نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول:اذبحوا بقرة. أتهزأ بنا! ( قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) قال ابن عباس:فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا وتعنتوا [ على ] موسى فشدد الله عليهم. فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ والفارض:الهرمة التي لا تلد، والبكر التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان:النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا قال:نقي لونها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال:تعجب الناظرين قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا من بياض ولا سواد ولا حمرة قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه، وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل:تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له الفتى:كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا. فقال الآخر:أيقظ أباك وهو لك بستين ألفًا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال:والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرا، فأبى، فقالوا:والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى، عليه السلام، فقالوا:يا نبي الله، إنا وجدناها عند هذا فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا فقال له موسى:أعطهم بقرتك. فقال:يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال:صدقت. وقال للقوم:أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا، فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها. قال:اضربوه ببعضها، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه:من قتلك؟ فقال لهم:ابن أخي، قال:أقْتُلُهُ، فآخذُ مالَه، وأنكح ابنتَه. فأخذوا الغلام فقتلوه .

وقال سنيد:حدثنا حجاج، هو ابن محمد، عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا:إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. قال:وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه. قال:فأشرف رئيس المدينة على باب المدينة فنظر، فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب، فناداه أخو المقتول وأصحابه:هيهات! قتلتموه ثم تردون الباب. وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه بني إسرائيل، كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخى المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض، فأتوا موسى فذكروا له شأنهم. قالوا:يا رسول الله، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب، وقال أهل المدينة:يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة، كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا. فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة فقال لهم موسى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) .

وهذه السياقات [ كلها ] عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم، فيها اختلاف ما، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 )

أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم. ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، فقالوا: ( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ) ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها؟

قال ابن جرير:حدثنا أبو كريب، حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم .

إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس. وكذا قال عبيدة، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.

وقال ابن جريج:قال [ لي ] عطاء:لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم؛ وايم الله لو أنهم لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد » .

( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) أي:لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني ووهب بن منبه، والضحاك، والحسن، وقتادة، وقاله ابن عباس أيضًا.

وقال الضحاك، عن ابن عباس ( عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ) [ يقول:نصف ] بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون. وروي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو ذلك.

وقال السدي:العوان:النصف التي بين ذلك التي ولدت، وولد ولدها.

وقال هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة:كانت بقرة وحشية.

وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس:من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله تعالى: ( صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) وكذا قال مجاهد، ووهب بن منبه أنها كانت صفراء.

وعن ابن عمر:كانت صفراء الظلف. وعن سعيد بن جبير:كانت صفراء القرن والظلف.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا نوح بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: ( بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) قال:سوداء شديدة السواد.

وهذا غريب، والصحيح الأول، ولهذا أكد صفرتها بأنه ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا )

وقال عطية العوفي: ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) تكاد تسود من صفرتها.

وقال سعيد بن جبير: ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) قال:صافية اللون. وروي عن أبي العالية، والربيع بن أنس، والسدي، والحسن، وقتادة نحوه.

وقال شريك، عن مَغْراء عن ابن عمر: ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) قال:صاف .

وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ( فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.

وقال السدي: ( تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ) أي:تعجب الناظرين وكذا قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس.

[ وفي التوراة:أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب أو كما قال الأول:إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم ] .

وقال وهب بن منبه:إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

 

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 )

وقوله: ( إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ) أي:لكثرتها، فميز لنا هذه البقرة وصفها وحِلَّها لنا ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) إذا بينتها لنا ( لَمُهْتَدُونَ ) إليها.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدثنا سرور بن المغيرة الواسطي، ابن أخي منصور بن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لولا أن بني إسرائيل قالوا: ( وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) لما أعطوا، ولكن استثنوا » .

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة، عن زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لولا أن بني إسرائيل قالوا: ( وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوا لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا، فشدد الله عليهم » .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدي، والله أعلم.

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 )

( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ) أي:إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في السانية، بل هي مكرمة حسنة صبيحة ( مُسَلَّمَةٌ ) صحيحة لا عيب فيها ( لا شِيَةَ فِيهَا ) أي:ليس فيها لون غير لونها.

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ( مُسَلَّمَةٌ ) يقول:لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد ( مُسَلَّمَةٌ ) من الشية.

وقال عطاء الخراساني: ( مُسَلَّمَةٌ ) القوائم والخلق ( لا شِيَةَ فِيهَا ) قال مجاهد:لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية والربيع، والحسن وقتادة:ليس فيها بياض. وقال عطاء الخراساني: ( لا شِيَةَ فِيهَا ) قال:لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي، ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد، نحو ذلك. وقال السدي: ( لا شِيَةَ فِيهَا ) من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة [ في المعنى، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى: ( إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ) ليست بمذللة بالعمل ثم استأنف فقال: ( تُثِيرُ الأرْضَ ) أي:يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث كذا قرره القرطبي وغيره ]

( قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) قال قتادة:الآن بَيَّنْتَ لنا، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:وقبل ذلك - والله - قد جاءهم الحق.

( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) قال الضحاك، عن ابن عباس:كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها.

يعني أنَّهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة، والأجوبة، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها.

وقال محمد بن كعب، ومحمد بن قيس: ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) لكثرة ثمنها.

وفي هذا نظر؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة، ومجاهد، ووهب بن منبه، وأبو العالية، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم:إنهم اشتروها بمال كثير وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك. وقال عبد الرزاق:أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة، قال:ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير وهذا إسناد جيد عن عكرمة، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.

وقال ابن جرير:وقال آخرون:لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.

ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر، بل الصواب - والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك، عن ابن عباس، على ما وجهناه. وبالله التوفيق.

مسألة:استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها » . وكما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون:لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، وحكى مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم.

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 )

قال البخاري: ( فَادَّارَأْتُمْ ) اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي حذيفة، عن شبْل عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، أنه قال في قوله تعالى: ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) اختلفتم.

وقال عطاء الخراساني، والضحاك:اختصمتم فيها. وقال ابن جريج ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) قال:قال بعضهم أنتم قتلتموه.

وقال آخرون:بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

( وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) قال مجاهد:ما تُغَيبُون. وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول:ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله: ( وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) هذا البعض أيُّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به.

وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكن أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه فنحن نبهمه كما أبهمه الله.

ولهذا قال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفَّان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال:فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مَسْكها دنانير، فذبحوها، فضربوه - يعني القتيل- بعضو منها، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا [ فسألوه ] فقالوا له:من قتلك؟ قال: قتلني فلان .

وكذا قال الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم:إنه ضرب ببعضها.

وفي رواية عن ابن عباس:إنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.

وقال عبد الرزاق:أنبأنا مَعْمَر، قال:قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة:ضربوا القتيل ببعض لحمها. وقال معمر:قال قتادة:فضربوه بلحم فخذها فعاش، فقال:قتلني فلان.

وقال أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) [ قال ] فضرب بفخذها فقام، فقال:قتلني فلان.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن مجاهد، وقتادة، نحو ذلك.

وقال السدي:فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال:قتلني ابن أخي.

وقال أبو العالية:أمرهم موسى، عليه السلام، أن يأخذوا عظمًا من عظامها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:فضربوه ببعض آرابها [ وقيل:بلسانها، وقيل:بعجب ذنبها ] .

وقوله: ( كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ) أي:فضربوه فحيى. ونَبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل:جعل تبارك وتعالى ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلا ما كان بينهم من الخصومة والفساد ، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه في إحياء الموتى، في خمسة مواضع: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [ البقرة:56 ] . وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة.

ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميما، كما قال أبو داود الطيالسي:حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء، قال:سمعت وَكِيع بن عُدُس، يحدث عن أبي رَزِين العُقَيلي، قال:قلت:يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: « أما مررت بواد مُمْحِل، ثم مررت به خَضِرًا؟ » قال:بلى. قال: « كذلك النشور » . أو قال: « كذلك يحيي الله الموتى » . وشاهد هذا قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ [ يس:33- 35 ] .

مسألة:استدل لمذهب مالك في كون قول الجريح:فلان قتلني لوثًا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله فقال:قتلني فلان، فكان ذلك مقبولا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك بحديث أنس:أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بين حجرين فقيل:من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكر اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد رأسه بين حجرين وعند مالك:إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 )

يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى، وإحيائه الموتى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) كله ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ) التي لا تلين أبدًا. ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَـزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [ الحديد:16 ] .

وقال العوفي، في تفسيره، عن ابن عباس:لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له:من قتلك؟ فقال:بنو أخي قتلوني. ثم قبض. فقال بنو أخيه حين قبض:والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد إذا رأوا . فقال الله: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) يعني:بني أخي الشيخ ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما تتفجر منها العيون الجارية بالأنهار، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جاريا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [ الإسراء:44 ] .

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه كان يقول:كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، لمن خشية الله، نـزل بذلك القرآن.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )

[ وقال أبو علي الجبائي في تفسيره: ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) هو سقوط البرد من

السحاب. قال القاضي الباقلاني:وهذا تأويل بعيد وتبعه في استبعاده فخر الدين الرازي وهو كما قالا؛ فإن هذا خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل، والله أعلم ] .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب - يعني يحيى بن يعقوب- في قوله تعالى: ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ ) قال:هو كثرة البكاء ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ) قال:قليل البكاء ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) قال:بكاء القلب، من غير دموع العين.

وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز؛ وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة:ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا الآية، وقال: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ و أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ الآية، قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ لَوْ أَنْـزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ الآية، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الآية، وفي الصحيح: « هذا جبل يحبنا ونحبه » ، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: « إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن » وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه. وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير؛ أي مثلا لهذا وهذا وهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين.. وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولا آخر:إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب كقول القائل أكلت خبزًا أو تمرًا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر:إنها بمعنى قول القائل كل حلوًا أو حامضًا؛ أي لا يخرج عن واحد منهما؛ أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين. والله أعلم.

تنبيه:

اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: « أو » هاهنا بمعنى الواو، تقديره:فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [ الإنسان:24 ] ، وكما قال النابغة الذبياني:

قــالت ألا ليتمـا هـذا الحمـامُ لنـا إلــى حَمامتنــا أو نِصفُــه فَقـدِ

تريد:ونصفه، قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية:

نـال الخِلافَـةَ أو كـانت لـه قـدرًا كمـا أتـى ربَّـه مُوسـى عـلى قَدَرِ

قال ابن جرير:يعني نال الخلافة، وكانت له قدرًا.

وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير في مفهومها بهذا أو بهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، وكذا حكاه فخر الدين في تفسيره وزاد قولا آخر وهو:أنها للإبهام وبالنسبة إلى المخاطب، كقول القائل:أكلت خبزًا أو تمرا وهو يعلم أيهما أكل، وقولا آخر وهو أنها بمعنى قول القائل:أكلي حلو أو حامض، أي:لا يخرج عن واحد منهما، أي:وقلوبكم صارت في قسوتها كالحجارة أو أشد قسوة منها لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين والله أعلم.

وقال آخرون: « أو » هاهنا بمعنى بل، تقديره فهي كالحجارة بل أشد قسوة، وكقوله: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [ النساء:77 ] وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات:147 ] فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [ النجم:9 ] وقال آخرون:معنى ذلك ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) عندكم. حكاه ابن جرير.

وقال آخرون:المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود:

أحـــبّ محــمدًا حُبــا شــديدًا وعبَّاســـا وحـــمزةَ والوصيــا

فــإن يــك حُـبّهم رشـدا أصبـه ولســت بمخطـئ إن كـان غيّـا

قال ابن جرير:قالوا:ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حُبّ من سَمَّى رَشَدٌ، ولكنه أبهم على من خاطبه، قال:وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له:شككت؟ فقال:كلا والله. ثم انتزع بقول الله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فقال:أوَ كان شاكًّا من أخبر بهذا في الهادي منهم من الضلال ؟

وقال بعضهم:معنى ذلك:فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها قسوة.

قال ابن جرير:ومعنى ذلك على هذا التأويل:فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.

قلت:وهذا القول الأخير يبقى شبيها بقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ البقرة:17 ] مع قوله: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ [ البقرة:19 ] وكقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [ النور:39 ] مع قوله: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [ النور:40 ] ، الآية أي:إن منهم من هو هكذا، ومنهم من هو هكذا، والله أعلم.

قال الحافظ أبو بكر بن مردويه:حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي » .

رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، صاحب الإمام أحمد، به. ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به، وقال:غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم .

[ وروى البزار عن أنس مرفوعا: « أربع من الشقاء:جمود العين، وقسي القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا » ] . .

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 76 )

يقول تعالى: ( أَفَتَطْمَعُونَ ) أيها المؤمنون ( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) أي:ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) أي:يتأولونه على غير تأويله ( مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ) أي:فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [ المائدة:13 ] . .

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال:ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ) وليس قوله: ( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ) يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها. ولكن الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.

قال محمد بن إسحاق:فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى:يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى فقال:نعم، مُرْهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجودًا، وكلمه ربه تعالى، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا عنه ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حَرَّف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل:إن الله قد أمركم بكذا وكذا. قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله:إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله عز وجل لهم، فهم الذين عنى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

وقال السدي: ( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) قال:هي التوراة، حرفوها.

وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق. فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن ‌عمران، عليه الصلاة والسلام ، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ التوبة:6 ] ، أي:مبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) قال:هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه.

وقال مجاهد:الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.

وقال أبو العالية:عمدوا إلى ما أنـزل الله في كتابهم، من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، فحرفوه عن مواضعه.

وقال السدي: ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أي أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب:قال ابن زيد في قوله: ( يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) قال:التوراة التي أنـزلها الله عليهم يحرفونها يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقًا؛ إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ البقرة:44 ] .

وقوله: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ) الآية .

قال محمد بن إسحاق:حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ) أي بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة. ( وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا ) لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنـزل الله: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) أي:تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .

وقال الضحاك، عن ابن عباس:يعني المنافقين من اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا:آمنا.

وقال السدي:هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فيما رواه ابن وهب عنه:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: « لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن » . فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق:اذهبوا فقولوا:آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ آل عمران:72 ]

وكانوا يقولون، إذا دخلوا المدينة:نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره. فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون فيقولون:أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون:بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم [ يعني الرؤساء ] قالوا: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) الآية .

وقال أبو العالية: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) يعني:بما أنـزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) قال:كانوا يقولون:سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض فقالوا: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) .

قول آخر في المراد بالفتح:قال ابن جُرَيج:حدثني القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، في قوله تعالى: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) قال:قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: « يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت » ، فقالوا:من أخبر بهذا الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) بما حكم الله، للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج، عن مجاهد:هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وقال السدي: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) من العذاب ( لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذِّبوا به. فقال بعضهم لبعض: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) من العذاب، ليقولوا:نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.

وقال عطاء الخراساني: ( أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) يعني:بما قضى [ الله ] لكم وعليكم.

وقال الحسن البصري:هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا:آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، قال بعضهم:لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم، فيحاجوكم به عند ربكم، فيخصموكم.

 

أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 77 )

وقوله: ( أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) قال أبو العالية:يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهو يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.

وقال الحسن: ( أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ) قال:كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشيةَ أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم. ( وَمَا يُعْلِنُونَ ) يعني:حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:آمنا. وكذا قال أبو العالية، والربيع، وقتادة .

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 )

يقول تعالى: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) أي:ومن أهل الكتاب، قاله مجاهد:والأميون جمع أمي، وهو:الرجل الذي لا يحسن الكتابة، قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم النَّخَعي، وغير واحد وهو ظاهر في قوله تعالى: ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ [ إِلا أَمَانِيَّ ] ) أي:لا يدرون ما فيه. ولهذا في صفات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [ العنكبوت:48 ] وقال عليه الصلاة والسلام: « إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا » الحديث. أي:لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب وقال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ [ الجمعة:2 ] .

وقال ابن جرير:نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب دون أبيه، قال:وقد روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كُرَيب:حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) قال:الأميون قوم لم يصدِّقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابًا أنـزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سَفلة جُهَّال: ( هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) وقال:قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير:وهذا التأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أن الأمي عند العرب:الذي لا يكتب .

قلت:ثم في صحة هذا عن ابن عباس، بهذا الإسناد، نظر. والله أعلم.

قوله تعالى: ( إِلا أَمَانِيَّ ) قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ( إِلا أَمَانِيَّ ) إلا أحاديث.

وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ( إِلا أَمَانِيَّ ) يقول:إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد:إلا كذبًا. وقال سنيد، عن حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ ) قال:أنَاس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون:هو من الكتاب، أمانيّ يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.

وقال أبو العالية، والربيع وقتادة: ( إِلا أَمَانِيَّ ) يتمنون على الله ما ليس لهم.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( إِلا أَمَانِيَّ ) قال:تمنوا فقالوا:نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.

قال ابن جرير:والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس، وقال مجاهد:إن الأميين الذين وصفهم الله أنهم لا يفقهون من الكتاب - الذي أنـزل الله على موسى - شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون الكذب ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: « ما تغنيت ولا تمنيت » . يعني ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب .

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ) ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن.

وقال مجاهد: ( وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ) يكذبون.

وقال قتادة:وأبو العالية، والربيع:يظنون الظنون بغير الحق.

وقوله: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ) الآية:هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.

والويل:الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري، عن زياد بن فياض:سمعت أبا عياض يقول:ويل:صديد في أصل جهنم.

وقال عطاء بن يسار. الويل:واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « ويل واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره » .

ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به . وقال:هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.

قلت:لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا- منكر، والله أعلم.

وقال ابن جرير:حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح العشيري حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) قال: « الويل جبل في النار » . وهو الذي أنـزل في اليهود؛ لأنهم حَرَّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة. ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) .

وهذا غريب أيضا جدًا.

[ وعن ابن عباس:الويل:السعير من العذاب، وقال الخليل بن أحمد:الويل:شدة الشر، وقال سيبويه:ويل:لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها، وقال الأصمعي:الويل:تفجع والويل ترحم، وقال غيره:الويل الحزن . وقال الخليل:وفي معنى ويل:ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرق بينها، وقال بعض النحاة:إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوز نصبها، بمعنى:ألزمهم ويلا. قلت:لكن لم يقرأ بذلك أحد ] .

وعن عكرمة، عن ابن عباس: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) قال:هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد، عن قتادة:هم اليهود.

وقال سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة:سألت ابن عباس عن قوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) قال:نـزلت في المشركين وأهل الكتاب.

وقال السدي:كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنًا قليلا.

وقال الزهري:أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال:يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنـزل الله على نبيه، أحدث أخبار الله تقرؤونه محضًا لم يشب؟ وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا:هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلا؛ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنـزل إليكم. رواه البخاري من طرق عن الزهري.

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري:الثمن القليل:الدنيا بحذافيرها.

وقوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) أي:فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان، والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ ) يقول:فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، ( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) يقول:مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 80 )

يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله: ( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ) أي:بذلك؟ فإن كان قد وقع عهد فهو لا يُخْلِف عهده .

ولكن هذا ما جرى ولا كان. ولهذا أتى بـ « أم » التي بمعنى:بل، أي:بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.

قال محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان عن مجاهد، عن ابن عباس:أن اليهود كانوا يقولون:هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّب بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة . فأنـزل الله تعالى: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) إلى قوله: خَالِدُونَ [ البقرة:82 ] .

ثم رواه عن محمد، عن سعيد - أو عكرمة- عن ابن عباس، بنحوه.

وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) اليهود قالوا :لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، [ زاد غيره:هي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة ] .

وقال الضحاك:قال ابن عباس:زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا:أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة في أصل الجحيم. وقال أعداء الله:إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. فذلك قوله تعالى: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً )

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) يعني:الأيام التي عبدنا فيها العجل .

وقال عكرمة:خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا إليها قوم آخرون، يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم: « بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد » . فأنـزل الله: ( وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) الآية.

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله:حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا » فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أبوكم؟ » قالوا:فلان . قال: « كذبتم، بل أبوكم فلان » . فقالوا:صدقت وبَرِرْت، ثم قال لهم: « هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ » . قالوا:نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أهل النار؟ » فقالوا:نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اخسأوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا » . ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ » . قالوا:نعم يا أبا القاسم. فقال: « هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ » . فقالوا:نعم. قال : « فما حملكم على ذلك؟ » . فقالوا:أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.

ورواه أحمد، والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعد، بنحوه .

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 81 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 82 )

يقول تعالى:ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر:أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات - من العمل الموافق للشريعة- فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [ النساء:123 ، 124 ] .

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد - أو عكرمة- عن ابن عباس: ( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ) أي:عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة.

وفي رواية عن ابن عباس، قال:الشرك.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه .

وقال الحسن - أيضًا- والسدي:السيئة:الكبيرة من الكبائر.

وقال ابن جريج، عن مجاهد: ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) قال:بقلبه.

وقال أبو هريرة، وأبو وائل، وعطاء، والحسن: ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) قالوا:أحاط به شركه.

وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم: ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) قال:الذي يموت على خطايا من قبل أن يتوب. وعن السدي، وأبي رزين، نحوه.

وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، في رواية عنهما، وقتادة، والربيع بن أنس: ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) الكبيرة الموجبة.

وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه » . وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نـزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا ، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها .

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد، عن سعيد - أو عكرمة- عن ابن عباس: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشرّ مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدًا .

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 )

يُذكّر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل:36 ] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان:14 ] وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الآية إلى أن قال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [ الإسراء:23- 26 ] وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت:يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: « الصلاة على وقتها » . قلت:ثم أي؟ قال: « بر الوالدين » . قلت:ثم أيّ؟ قال: « الجهاد في سبيل الله » . ولهذا جاء في الحديث الصحيح:أن رجلا قال:يا رسول الله، من أبر؟ قال: « أمك » . قال:ثم من ؟ قال: « أمك » . قال:ثم من؟ قال: « أباك . ثم أدناك أدناك » .

[ وقوله: ( لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ) قال الزمخشري:خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل:كان أصله:ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبي وابن مسعود، رضي الله عنهما، أنهما قرآها: « لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه » . وقيل: ( لا تَعْبُدُونَ ) مرفوع على أنه قسم، أي:والله لا تعبدون إلا الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال:اختاره المبرد والكسائي والفراء ] .

قال: ( وَالْيَتَامَى ) وهم:الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [ وقال أهل اللغة:اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا ] ( وَالْمَسَاكِينَ ) الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الآية [ النساء:36 ] .

وقوله تعالى: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) أي:كلموهم طيبًا، ولينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) فالحُسْن من القول:يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.

وقال الإمام أحمد:حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ‏ أخاك بوجه منطلق » .

وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [ وصححه ] من حديث أبي عامر الخزّاز، واسمه صالح بن رستم، به .

وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمُعيّن من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي:تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا [ النساء:36 ]

فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.

ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:

حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف - يعني التِّنِّيسِي- حدثنا خالد بن صَبِيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وَدَاعة:أنه كان يخرج من منـزله فلا يلقى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا سلم عليه، فقيل له:ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال:إن الله يقول: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) وهو:السلام. قال:وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.

قلت:وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم .

 

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 )

يقول، تبارك وتعالى، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاثَ قبائل:بنو قينقاع. وبنو النضير حلفاء الخزرج. وبنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهوديّ الآخرُ من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى:أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ولهذا قال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) أي:لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منـزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [ البقرة:54 ]

وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنـزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنـزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » .

[ وقوله ] ( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) أي:ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به.

( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) قال محمد بن إسحاق بن يسار:حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة- عن ابن عباس: ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) الآية، قال:أنبهم الله من فعلهم، وقد حرّم عليهم في التوراة سفك دمائهم وافترض عليهم فيها فدَاء أسراهم، فكانوا فريقين:طائفة منهم بنو قينقاع وإنهم حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة وإنهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أَنَّبهم بذلك: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) أي:يفاديه بحكم التوراة ويقتله، وفي حكم التوراة ألا يفعل، ولا يُخرج من داره، ولا يُظَاهَر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني- نـزلت هذه القصة .

وقال أسباط عن السدي:كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضيرَ وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم، فيخربون ديارهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون:كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا:إنا أمرنا أن نفديهم، وحرّم علينا قتالهم، قالوا:فلم تقاتلونهم؟ قالوا:إنَّا نستحيى أن تُسْتَذلّ حلفاؤنا . فذلك حين عيَّرهم الله، فقال: ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ )

وقال شعبة، عن السدي:نـزلت هذه الآية في قيس بن الخَطيم: ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ )

وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير، قال:غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرّ برأس الجالوت نـزل به، فقال له عبد الله:يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك، تشتريها مني؟ قال:نعم. قال:أخذتها بسبعمائة درهم. قال:فإني أرْبحُك سبعمائة أخرى. قال:فإني قد حلفت ألا أنقصها من أربعة آلاف. قال:لا حاجة لي فيها، قال:والله لتشترينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال:ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة:إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) قال:أنت عبد الله بن سلام؟ قال:نعم. قال:فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين.

وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره:حدثنا أبو جعفر يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية:أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام:أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.

والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه، التي قد أخبرت بها الأنبياء قبله. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى ( فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي:بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ) جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ) أي:استحبوها على الآخرة واختاروها ( فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ) أي:لا يفتر عنهم ساعة واحدة ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ )

أي:وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( 87 )

ينعت، تبارك وتعالى، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب - وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها. وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته، كما قال تعالى: إِنَّا أَنْـزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ الآية [ المائدة:44 ] ، ولهذا قال: ( وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) قال السدي، عن أبي مالك:أتبعنا. وقال غيره:أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى [ المؤمنون:44 ] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات، وهي:المعجزات. قال ابن عباس:من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحَسَدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الآية [ آل عمران:50 ] . فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليهم السلام أسوأ المعاملة، ففريقًا يكذبونه. وفريقًا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ )

والدليل على أن روح القدس هو جبريل، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ ابن عباس و ] محمد بن كعب القرظي، وإسماعيل بن أبي خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * [ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ] [ الشعراء:193- 195 ] ما قال البخاري:وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك » . وهذا من البخاري تعليق .

وقد رواه أبو داود في سننه، عن لُوَين، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به . وقال الترمذي:حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد .

وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة:أن عمر مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، فقال:قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال:أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « أجب عني، اللهم أيده بروح القدس » ؟. فقال:اللَّهُمَّ نعم .

وفي بعض الروايات:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: « أهجهم - أو:هاجهم- وجبريل معك » .

[ وفي شعر حسان قوله:

وجــبريل رســول اللــه ينـادي وروح القــدس ليس بــه خفــاء ]

وقال محمد بن إسحاق:حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري:أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:أخبرنا عن الروح. فقال: « أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو الذي يأتيني؟ » قالوا:نعم .

[ وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن روح القدس نفخ في روعي:إن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب » ] .

أقوال أخر:

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا منْجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قال:هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يُحيي به الموتى. وقال ابن جرير:حُدثت عن المنجاب. فذكره. قال ابن أبي حاتم:وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير - أيضا- قال:وهو الاسم الأعظم ] .

وقال ابن أبي نَجِيح:الروح هو حفظة على الملائكة.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس:القدس هو الرب تبارك وتعالى. وهو قول كعب. وقال السدي:القدس:البركة. وقال العوفي، عن ابن عباس:القدس:الطهر.

[ وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا القدس:هو الله تعالى، وروحه:جبريل، فعلى هذا يكون القول الأول ] .

وقال ابن جرير:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب قال:قال ابن زيد في قوله تعالى: ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قال:أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشورى:52 ] .

ثم قال ابن جرير:وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال:الروح في هذا الموضع جبريل، لأن الله، عز وجل، أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ الآية [ المائدة:110 ] . فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) تكرير قول لا معنى له، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به.

قلت:ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق؛ ولله الحمد .

وقال الزمخشري ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) بالروح المقدسة، كما يقول:حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال: ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل:لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل:بجبريل، وقيل:بالإنجيل، كما قال في القرآن: رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشورى:52 ] وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، وتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة.

وقال الزمخشري في قوله: ( فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) إنما لم يقل:وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل - أيضًا- لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال، عليه السلام، في مرض موته: « ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري » ، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره .

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 )

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) أي:في أكنة.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) أي:لا تفقه.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) [ قال ] هي القلوب المطبوع عليها.

وقال مجاهد: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) عليها غشاوة.

وقال عكرمة:عليها طابع. وقال أبو العالية:أي لا تفقه. وقال السدي:يقولون:عليها غلاف، وهو الغطاء.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) هو كقوله: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [ فصلت:5 ] .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: ( غُلْفٌ ) قال:يقول:قلبي في غلاف فلا يَخْلُص إليه ما تقول، قرأ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ

وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مُرّة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال:القلوب أربعة. فذكر منها:وقلب أغلف مَغْضُوب عليه، وذاك قلب الكافر.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) قال:لم تختن.

هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير.

قول آخر:

قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) قال قالوا:قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره.

وقال عطية العوفي: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) أي:أوعية للعلم.

وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير: « وقالوا قلوبنا غُلُف » بضم اللام، أي:جمع غلاف، أي:أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة. ولهذا قال تعالى: ( بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ ) ، أي:ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا [ النساء:155 ] . وقد اختلفوا في معنى قوله: ( فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ ) وقوله: ( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ) ، فقال بعضهم:فقليل من يؤمن منهم [ واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني ] وقيل:فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم:إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ( فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ) وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب:قلما رأيت مثل هذا قط. تريد:ما رأيت مثل هذا قط. [ وقال الكسائي:تقول العرب:من زنى بأرض قلما تنبت، أي:لا تنبت شيئًا ] . .

حكاه ابن جرير، والله أعلم.

 

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 89 )

يقول تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ ) يعني اليهود ( كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) وهو:القرآن الذي أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم ( مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ) يعني:من التوراة، وقوله: ( وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون:إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر عن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قال:قالوا:فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار- وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نـزلت هذه القصة يعني: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ) قالوا كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون:إن نبيًا من [ الأنبياء ] يبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه، نقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما بعث الله رسوله من قريش [ واتبعناه ] كفروا به. يقول الله تعالى: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) [ البقرة:89 ]

وقال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله ( وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال يستظهرون يقولون:نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك، يكذبون.

وقال محمد بن إسحاق:أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:أن يَهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرُور، أخو بني سلمة يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفُونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم أخو بني النضير:ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنـزل الله في ذلك من قولهم: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) يقول:يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب- فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.

وقال أبو العالية:كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون:اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )

وقال قتادة: ( وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال:كانوا يقولون:إنه سيأتي نبي. ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ )

وقال مجاهد: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) قال:هم اليهود.

وقال الإمام أحمد:حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد، أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش، وكان من أهل بدر قال:كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل قال:فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل. قال سلمة:وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنًّا على بردة مضطجعًا فيها بفناءٍ أصلي. فذكر البعث والقيامة والحسنات والميزان والجنة والنار. قال ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له:ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ فقال:نعم، والذي يحلف به، لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له:ويحك وما آية ذلك؟ قال:نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا:ومتى نراه؟ قال:فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا، فقال:إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة:فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا.

فقلنا:ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا؟ قال:بلى وليس به. تفرد به أحمد .

وحكى القرطبي وغيره عن ابن عباس، رضي الله عنهما:أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا:اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان، إلا نصرتنا عليهم. قال:فنصروا عليهم. قال:وكذلك كانوا يصنعون يدعون الله فينصرون على أعدائهم ومن نازلهم. قال الله تعالى: ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ) أي من الحق وصفة محمد صلى الله عليه وسلم « كَفَرُوا به » فلعنة الله على الكافرين.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 90 )

قال مجاهد: ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) يهودُ شَرَوُا الحقَّ بالباطل، وكتمانَ مَا جاءَ به مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه.

وقال السدي: ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) يقول:باعوا به أنفسهم، يعني:بئسما اعتاضوا لأنفسهم ورضوا به [ وعدلوا إليه من الكفر بما أنـزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم إلى تصديقه ومؤازرته ونصرته ] .

وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ( أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) ولا حسد أعظم من هذا.

قال ابن إسحاق عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنـزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) أي:إن الله جعله من غيرهم ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ) قال ابن عباس:فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم.

قلت:ومعنى ( بَاءُوا ) استوجبوا، واستحقوا، واستقروا بغضب على غضب. وقال أبو العالية:غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب عليهم بكفرهم بمحمد، وبالقرآن عليهما السلام، [ وعن عكرمة وقتادة مثله ] .

قال السدي:أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم [ وعن ابن عباس مثله ] .

وقوله: ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ) لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ غافر:60 ] ، [ أي:صاغرين حقيرين ذليلين راغمين ] .

وقد قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى، حدثنا ابن عَجْلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له:بُولَس فيعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال:عصارة أهل النار » .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 ) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 92 )

يقول تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) أي:لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب ( آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) [ أي ] :على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه واتبعوه ( قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) أي:يكفينا الإيمان بما أنـزل علينا من التوراة والإنجيل ولا نقر إلا بذلك، ( وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ) يعنى:بما بعده ( وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ) أي:وهم يعلمون أن ما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم الحق ( مُصَدِّقًا ) منصوب على الحال، أي في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [ البقرة:146 ] ثم قال تعالى: ( [ قُلْ ] فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي:إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنـزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا [ وحسدًا ] وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء، والآراء والتشهي كما قال تعالى أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [ البقرة:87 ] .

وقال السدي:في هذه الآية يعيرهم الله تعالى: ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )

وقال أبو جعفر بن جرير:قل يا محمد ليهود بني إسرائيل - [ الذين ] إذا قلت لهم:آمنوا بما أنـزل الله قالوا: ( نُؤْمِنُ بِمَا أُنـزلَ عَلَيْنَا ) - :لم تقتلون - إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنـزل الله عليكم- أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنـزل عليكم قتلهم، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: ( نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) وتعيير لهم.

( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ) أي:بالآيات الواضحات والدلائل القاطعة على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي:الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفَلْق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها ( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ) أي:معبودًا من دون الله في زمان موسى وآياته. وقوله ( مِنْ بَعْدِهِ ) أي:من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله كما قال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ [ الأعراف:148 ] ، ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) [ أي وأنتم ظالمون ] في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الأعراف:149 ] .

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 )

يعدد، تبارك وتعالى، عليهم خطأهم ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه ثم خالفوه؛ ولهذا قال: ( قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) وقد تقدم تفسير ذلك.

( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ بِكُفْرِهِمْ ] ) قال:أشربوا [ في قلوبهم ] حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس.

وقال الإمام أحمد:حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حُبُّك الشيء يُعْمِي ويُصم » .

ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح عن بَقِيَّة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به وقال السدي:أخذ موسى، عليه السلام، العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه، ثم قال لهم موسى:اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول الله تعالى: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ )

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال:عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب .

وقال سعيد بن جبير: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) قال:لما أحرق العجل بُرِدَ ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.

وحكى القرطبي عن كتاب القشيري:أنه ما شرب منه أحد ممن عبد العجل إلا جنَّ [ ثم قال القرطبي ] وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن المقصود من هذا السياق، أنه ظهر النقير على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا:أنهم أشربوا في قلوبهم حب العجل، يعني:في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة:

تغلغــل حـب عثمـة فـي فـؤادي فباديــه مــع الخــافي يســير

تغلغــل حــيث لـم يبلـغ شـراب ولا حــزن ولــم يبلــغ سـرور

أكــاد إذا ذكــرت العهــد منهـا أطــير لــو أن إنســانا يطــير

وقوله: ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي:بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه، من كفركم بآيات الله ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم - وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم- إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدّعون لأنفسكم الإيمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة، من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل؟!

 

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 96 )

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) أي:بِعِلْمِهِم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) فسلوا الموت.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال:قال ابن عباس:لو تمنى اليهود الموت لماتوا.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسِي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش - قال:لا أظنه إلا عن المِنْهال، عن سعيد بن جبير- عن ابن عباس، قال:لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.

وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.

وقال ابن جرير في تفسيره:وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا. ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يُباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا » . حدثنا بذلك أبو كُرَيْب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي [ أبي يزيد ] حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن أحمد [ قال ] :حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال:قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت:أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم:تمنوا، أتراهم كانوا ميتين؟ قال:لا والله ما كانوا ليموتوا ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )

وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله.

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجمعة:6- 8 ] فهم - عليهم لعائن الله- لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا:لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين. فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم. وهذا كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوّهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ آل عمران:61 ] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض:والله لئن باهلتم هذا النبيّ لا يبقى منكم عين تطرف. فعند ذلك جنحوا للسلم وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم. وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، أمينًا. ومثل هذا المعنى أو قريب منه قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا [ مريم:75 ] ، أي:من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه ومَدّ له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله .

فأما من فسر الآية على معنى: ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:إن كنتم صادقين في دعواكم، فتمنوا الآن الموت. ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال:القول في تفسير قوله تعالى: ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وهذه الآية مما احتج الله به لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذا خالفوه في عيسى ابن مريم، عليه السلام، وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق [ من ] اليهود:إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضار بكم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنـزلة من الله، بل أعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته إن كان الأمر كما تزعمون:من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق [ من ] النصارى.

فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال:إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنوا الموت فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: « خيركم من طال عمره وحسن عمله » . [ وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت، وفي بعض ألفاظه: « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نـزل به إما محسنًا فلعله أن يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب » ] . ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا:فها أنتم تعتقدون - أيها المسلمون- أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت؛ فكيف تلزمونا بما لا نُلزمكم؟

وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نَصَف:إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحبّاؤه، وأنكم من أهل الجنة ومن عداكم [ من ] أهل النار، فباهلوا على ذلك وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقَّنوا ذلك وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم وعنادهم - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

[ وسميت هذه المباهلة تمنيًا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت ] .

ولهذا قال تعالى: ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ* وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) :أي: [ أحرص الخلق على حياة أي ] :على طول عُمْر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم. وما يحذرون واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص [ الناس ] من المشركين الذين لا كتاب لهم. وهذا من باب عطف الخاص على العام.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) قال:الأعاجم.

ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال:صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال:وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي . وقال الحسن البصري: ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ) قال:المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ) أي:أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.

وقال أبو العالية: ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ) يعني:المجوس، وهو يرجع إلى الأول.

( لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال:هو كقول الفارسي: « زه هزارسال » يقول:عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال:سمعت أبي يقول:حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال:هو الأعاجم: « هزارسال نوروزر مهرجان » .

وقال مجاهد: ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال:حببت إليهم الخطيئة طول العمر.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) أي:ما هو بمنجيه من العذاب. وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع بما عنده من العلم.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) قال:هم الذين عادوا جبريل.

وقال أبو العالية وابن عمر فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منجيه منه.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [ في هذه الآية ] يهود أحرص على [ هذه ] الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء أن يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر، كما عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافرًا.

( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) أي:خبير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ( 98 )

قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله:أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا [ على ] أن هذه الآية نـزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم:إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جَرَت بينَهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته.

ذكر من قال ذلك

حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن عباس أنه قال:حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا:يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابِعُنِّي على الإسلام » . فقالوا:ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سلوني عما شئتم » . فقالوا:أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن:أخبرنا أيّ الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنِّي؟ » فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فقال: « نشدتكم بالذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها؟ » . فقالوا:اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم اشهد عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ » . قالوا:اللهم نعم. قال: « اللهم اشهد » . قال: « وأنشدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ » . قالوا:اللهم نعم. قال: « اللهم اشهد » . قالوا:أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: « فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليُّه » . قالوا:فعندها نفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: « فما مَنَعكم أن تصدقوه؟ » قالوا:إنه عدونا. فأنـزل الله عز وجل: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) إلى قوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ البقرة:103 ] فعندها باؤوا بغضب على غضب .

وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس، كلاهما عن عبد الحميد بن بَهرام، به .

ورواه الإمام أحمد - أيضاً- عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد، بنحوه [ به ] .

وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار:حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلا وزاد فيه:قالوا:فأخبرنا عن الروح قال: « أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ » قالوا:نعم، ولكنه لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك . فأنـزل الله فيهم: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) إلى قوله: كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ البقرة:101 ] .

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [ يوسف:66 ] قال: « هاتوا » . قالوا:أخبرنا عن علامة النبي. قال: « تنام عيناه ولا ينام قلبه » . قالوا:أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: « يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت » ، قالوا:أخبرنا ما حرّم إسرائيل على نفسه. قال: « كان يشتكي عِرْق النَّساء، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا » - قال أحمد:قال بعضهم:يعني الإبل، فحرم لحومها - قالوا:صدقت. قالوا:أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال « ملك من ملائكة الله، عز وجل، موكل بالسحاب بيديه- أو في يده- مِخْراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل » . قالوا:فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال: « صوته » . قالوا:صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا إنه ليس من نبي إلا وله مَلَك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: « جبريل عليه السلام » ، قالوا:جبريل ذاك الذي ينـزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت:ميكائيل الذي ينـزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فأنـزل الله عز وجل: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) إلي آخر الآية.

ورواه الترمذي، والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد، به . وقال الترمذي:حسن غريب.

وقال سُنَيْد في تفسيره، عن حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيْج:أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الذي ينـزل عليه بالوحي. قال: « جبريل » . قالوا:فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة والحرب والقتال. فنـزل: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) الآية. قال ابن جريج:وقال مجاهد:قالت يهود:يا محمد، ما ينـزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، وإنه لنا عدو. فنـزل: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) الآية.

وقال البخاري:قوله: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) قال عكرمة:جبر، وميك، وإسراف:عبد. وإيل:الله. حدثنا عبد الله بن مُنير سَمِع عبد الله بن بكر حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك، قال:سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي:ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينـزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: « أخبرني بِهن جبريل آنفًا » . قال:جبريل؟ قال: « نعم » . قال:ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ) « أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نـزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة [ ماء الرجل ] نـزعت » . قال:أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهُت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني . فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ » قالوا:خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: « أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام » . فقالوا:أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال:أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا:شرنا وابن شرنا. فانتقصوه.

قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.

انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد أخرجه من وجه آخر، عن أنس بنحوه وفي صحيح مسلم، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب من هذا السياق كما سيأتي في موضعه .

وحكاية البخاري عن عكرمة هو المشهور أن « إيل » هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خَصِيف، عن عكرمة.

ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس، عن عاصم، عن عكرمة، أنه قال:إن جبريل اسمه عبد الله وميكائيل:عبيد الله. إيل:الله.

ورواه يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبا.

[ وقال الإمام أحمد في أثناء حديث سمرة بن جندب:حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال:قال لي علي بن الحسين:اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل:عبيد الله ] .

ومن الناس من يقول: « إيل » عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة « إيل » لا تتغير في الجميع، فوزانه:عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل. فعبد موجودة في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.

ثم قال ابن جرير:وقال آخرون:بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال:نـزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال:ما بال هؤلاء؟ قالوا:يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا. قال:فكفر ذلك. وقال:إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد صلاها ثم ارتحل، فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال:كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة؟ فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا:يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت:ولم ذلك؟ قالوا:إنك تغشانا وتأتينا. فقلت:إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان. قال:ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به، قال:فقلت لهم عند ذلك:نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه:أتعلمون أنه رسول الله؟ قال:فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم:إنه قد غَلَّظ عليكم فأجيبوه. فقالوا:فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت. قال:أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله، قال:قلت:ويحكم فأنَّي هلكتم؟! قالوا إنا لم نهلك [ قال ] :قلت:كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله [ ثم ] ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا:إن لنا عدوا من الملائكة وسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قال:قلت:ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا:عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال:قلت:وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا:إن جبريل مَلَك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا.

قال:قلت:وما منـزلتهما من ربهما عز وجل؟ قالوا:أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره. قال:قلت:فو [ الله ] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل. ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خَوْخة لبني فلان، فقال: « يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نـزلن قبل؟ » فقرأ عليّ: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) حتى قرأ هذه الآيات. قال:قلت:بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا عامر، قال:انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال:أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى:هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا:نعم. قال:فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا:إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له من الملائكة كفْلا وإن جبريل كَفَل محمَّدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا. قال:فإني أنشدكم بالله الذي أنـزل التوراة على موسى:ما منـزلتهما من رب العالمين؟ قالوا:جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله. قال عمر. وإني أشهد ما ينـزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. فبينما هو عندهم إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:هذا صاحبك يا ابن الخطاب:فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنـزل الله، عز وجل، عليه: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) .

وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته ،والله أعلم.

وقال ابن جرير:حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، قال:ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود. فلما أبصروه رحبوا به، فقال لهم عمر:أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه. فقالوا:من صاحب صاحبكم ؟ فقال لهم:جبريل. فقالوا:ذاك عدونا من أهل السماء، يُطلع محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء الحرب والسَّنَة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم. فقال لهم عمر:هل تعرفون جبريل وتنكرون محمدًا صلى الله عليه وسلم؟ ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنـزلت عليه هذه الآية: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نّزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) .

ثم قال:حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر عن قتادة، قال:بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا، فذكر نحوه. وهذا - أيضًا- منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن - يعني الدَّشْتَكي- حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا أتي عمر بن الخطاب، فقال:إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) قال:فنـزلت على لسان عمر، رضي الله عنه .

وقال ابن جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) قال:قالت اليهود للمسلمين:لو أن ميكائيل كان الذي ينـزل عليكم اتبعناكم، فإنه ينـزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينـزل بالعذاب والنقمة، فإنه لنا عدو قال:فنـزلت هذه الآية.

حدثني يعقوب قال:حدثنا هُشَيْم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه. وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) قال:قالت اليهود:إن جبريل عدونا، لأنه ينـزل بالشدة والسَّنَة، وإن ميكائيل ينـزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا. فقال الله تعالى: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) [ الآية ] .

وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي:من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نـزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلَكي [ عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام ] ومن عادى رسولا فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [ النساء:150، 151 ] فحكم عليهم بالكفر المحقّق، إذْ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينـزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينـزل بأمر ربه كما قال: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم:64 ] وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء:192- 194 ] وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب » . ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي:مِنَ الكتب المتقدمة ( وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي:هدى لقلوبهم وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين. كما قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [ فصلت:44 ] ، وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [ الإسراء:82 ] .

ثم قال تعالى: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) يقول تعالى:من عاداني وملائكتي ورسلي - ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج:75 ] .

( وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا؛ لأنه - أيضًا- ينـزل على الأنبياء بعض الأحيان، كما قُرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، هذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالصور للنفخ للبعث يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول « اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » . وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير عن عكرمة أنه قال:جبر، وميك، وإسراف:عُبَيد. وإيل:الله.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال:إنما قوله: « جبريل » كقوله: « عبد الله » و « عبد الرحمن » . وقيل جبر:عبد. وإيل:الله.

وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال:أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا:لا. قال:اسمه عبد الله، قال:فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا:لا. قال:اسمه عبيد الله . وكل اسم مرجعه إلى « يل » فهو إلى الله.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن مجاهد وعكرمة والضحاك ويحيى بن يعمر نحو ذلك. ثم قال:حدثني أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَارِي، حدثني عبد العزيز بن عمير قال:اسم جبريل في الملائكة خادم الله. قال:فحدثت به أبا سليمان الداراني، فانتفض وقال:لهذا الحديث أحبّ إليَّ من كل شيء [ وكتبه ] في دفتر كان بين يديه.

وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطوّل كتابنا هذا بسَرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان.

وقوله تعالى: ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) فيه إيقاع المظهر مكان المضمر حيث لم يقل:فإنه عدو للكافرين. قال: ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) كما قال الشاعر:

لا أرى المـوتَ يســبق المـوتَ شـيء نَغَّــص الموتُ ذا الغنـى والفقيـرا

وقال آخر:

ليــتَ الغــرابَ غــداة ينعَــبُ دائبا كـــان الغــرابُ مقطَّــع الأوداج

وإنما أظهر الاسم هاهنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى أولياء الله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: « من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب » . وفي الحديث الآخر: « إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب » . وفي الحديث الصحيح: « وَمَن كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُه » .

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ ( 99 ) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )

قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) أي:أنـزلنا إليك يا محمد علامات واضحات [ دلالات ] على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة. فأطلع الله في كتابه الذي أنـزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يَدْعُه إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديقُ من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وَصَفَ، من غير تعلُّم تعلَّمه من بَشَريٍّ ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي. كما قال الضحاك، عن ابن عباس: ( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) يقول:فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لا تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله:في ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال ابن صُوريا الفطْيُوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم:يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنـزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنـزل الله في ذلك من قوله: ( وَلَقَدْ أَنْزّلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ )

وقال مالك بن الصيف - حين بُعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وسلم والله ما عَهِد إلينا في محمد صلى الله عليه وسلم ولا أخذ [ له ] علينا ميثاقًا. فأنـزل الله: ( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ )

وقال الحسن البصري في قوله: ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) قال:نَعَم، ليس في الأرض عَهْدٌ يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم، وينقضون غدًا.

وقال السدي:لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: ( نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) أي:نقضه فريق منهم.

وقال ابن جرير:أصل النبذ:الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط:منبوذًا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي:

نظــرتُ إلــى عنوانــه فنبذْتُـه كنبـذك نَعْـلا أخْـلقَتْ من نعَالكا

قلت:فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم اللهُ إليهم في التمسك بها والقيام بحقها. ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعتُه وصفتُه وأخبارُه، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ومناصرته، كما قال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ الآية [ الأعراف:157 ] ، وقال هاهنا: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي:اطَّرَحَ طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم، مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، أي:تركوها، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه. ولهذا أرادوا كيْدًا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسَحَروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طَلْعَة ذَكر، تحت راعوثة بئر ذي أروان. وكان الذي تولى ذلك منهم رجل، يقال له:لبيد بن الأعصم، لعنه الله، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، كما سيأتي بيانه قال السدي: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ) قال:لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فذلك قوله: ( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ )

وقال قتادة في قوله: ( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) قال:إن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه وجحدوا به.

 

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 102 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 )

وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) وكان حين ذهب مُلْكُ سليمان ارتد فِئَامٌ من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع اللهُ إلى سليمان ملكَه، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان، عليه السلام، حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا:هذا كتاب من الله نـزل على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينًا. فأنـزل الله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ واتبعوا الشهوات، [ أي ] : التي كانت [ تتلو الشياطين ] وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم « الأعظم » ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا:هذا الذي كان سليمان يعمل بها . قال:فأكفره جُهَّالُ الناس وسبّوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه، حتى أنـزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) .

وقال ابن جرير:حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:كان سليمان، عليه السلام، إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأة- خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان، عليه السلام، بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها:هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال:فجاءها سليمان، فقال:هاتي خاتمي فقالت:كذبت، لست سليمان. قال:فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال:فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر. ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرؤوها على الناس، وقالوا:إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب. قال:فبرئ الناس من سليمان، عليه السلام، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنـزل عليه: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )

ثم قال ابن جرير:حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير،عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران، وهو ابن الحارث قال:بينا نحن عند ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ جاء رجل فقال له:مِنْ أين جئت؟ قال:من العراق. قال:من أيِّه؟ قال:من الكوفة. قال:فما الخبر؟ قال:تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم. ففزع ثم قال:ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك:إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّبَ منه صدق كذب معها سبعين كذْبة، قال:فَتَشْرَبُها قلوب الناس. فأطلع الله عليها سليمان. عليه السلام، فدفنها تحت كرسيه. فلما توفي سليمان، عليه السلام، قام شيطانُ الطريق، فقال:أفلا أدلكم على كنـزه الممنَّع الذي لا كنـز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا هذا سحره فتناسخا الأمم- حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- وأنـزل الله عز وجل ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )

ورواه الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به .

وقال السدي في قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) أي:على عهد سليمان. قال:كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة مما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم. فتحدِّث الكهنة الناسَ فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم. وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبُعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق. ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال:لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان، عليه السلام، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف تمثل شيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم:هل أدلكم على كنـز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا:نعم. قال:فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم وأراهم المكان، وقام ناحية، فقالوا له:فَادْنُ. قال لا ولكنني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان:إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا. واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها ؛ فذلك حين يقول الله تعالى: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )

وقال الربيع بن أنس:إن اليهود سألوا محمدًا صلى الله عليه وسلم زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنـزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم ، فلما رأوا ذلك قالوا:هذا أعلم بما أنـزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنـزل الله عز وجل: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) وإن الشياطين عَمَدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان [ سليمان ] عليه السلام، لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس، وقالوا:هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه. فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وأدحض الله حجتهم.

وقال مجاهد في قوله: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) قال:كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة [ إلا ] زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسِل سليمان، عليه السلام، إلى ما كتبوا من ذلك. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس [ به ] وهو السحر.

وقال سعيد بن جبير:كان سليمان، عليه السلام، يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدبَّت إلى الإنس، فقالوا لهم:أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا:نعم. قالوا:فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثار به الإنسُ واستخرجوه فعملوا بها. فقال أهل الحجا:كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر. فأنـزل الله تعالى على [ لسان ] نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام، فقال: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )

وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود، عليه السلام فكتبوا أصناف السحر: « من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليقل كذا وكذا » . حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب. ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عُنْوانه: « هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود، عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم » . ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا. فلما عثروا عليه قالوا:والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس [ وتعلموه وعلموه ] . وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله. فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نـزل عليه من الله، سليمان بن داود، وعده فيمن عَدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود:ألا تعجبون من محمد! يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنـزل الله [ في ] ذلك من قولهم: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) الآية.

وقال ابن جرير:حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا الحجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوشب، قال:لما سلب سليمان، عليه السلام، ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: « من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه:هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان [ بن داود ] من ذخائر كنوز العلم » . ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان، عليه السلام، قام إبليس، لعنه الله، خطيبًا، [ ثم ] قال:يا أيها الناس، إن سليمان لم يكن نَبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا:والله لقد كان سليمان ساحرًا! هذا سحره، بهذا تَعَبدنا، وبهذا قهرنا. وقال المؤمنون:بل كان نبيًا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان. فقالت اليهود [ لعنهم الله ] انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنـزل الله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) الآية.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال:حدثنا المعتمر بن سليمان، قال:سمعت عمران بن حُدَير، عن أبي مِجْلَز، قال:أخذ سليمان، عليه السلام، من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلى عنه. فزاد الناس السجع والسحر، وقالوا:هذا يعمل به سليمان. فقال الله تعالى: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عصام بن رَوّاد، حدثنا آدم، حدثنا المسعودي، عن زياد مولى ابن مصعب، عن الحسن: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ) قال:ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.

وقال:حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدثني سُرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) واتبعته اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.

فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهِم، والله الهادي. وقوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) أي:واتبعت اليهود - الذين أوتوا الكتاب بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين، أي:ما ترويه وتخبر به وتُحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعداه بعلى؛ لأنه تضمن تتلو:تكذب. وقال ابن جرير: « على » هاهنا بمعنى « في » ، أي:تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق.

قلت:والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم.

وقول الحسن البصري، رحمه الله: « قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود » صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى، عليه السلام، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ البقرة:246 ] ، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [ البقرة:251 ] . وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل، عليه السلام، لنبيهم صالح: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [ الشعراء:153 ] أي: [ من ] المسحورين على المشهور.

وقوله تعالى: ( وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن « ما » نافية، أعني التي في قوله: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) قال القرطبي: « ما » نافية ومعطوفة على قوله: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) ثم قال: ( وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنـزلَ ) أي:السحر ( عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) وذلك أن اليهود - لعنهم الله- كانوا يزعمون أنه نـزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله في ذلك وجعل قوله: ( هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) بدلا من: ( الشياطين ) قال:وصح ذلك، إما لأن الجمع قد يطلق على الاثنين كما في قوله: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [ النساء:11 ] أو يكون لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما، فتقدير الكلام عنده:تعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. ثم قال:وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه.

وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي، عن ابن عباس، في قوله: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) يقول:لم ينـزل الله السحر. وبإسناده، عن الربيع بن أنس، في قوله: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) قال:ما أنـزل الله عليهما السحر.

قال ابن جرير:فتأويل الآية على هذا:واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنـزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون قوله: ( بِبَابِلَ هَارُوتَ [ وَمَارُوت ] ) من المؤخر الذي معناه المقدم. قال:فإن قال لنا قائل:وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل:وجه تقديمه أن يقال: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) - « من السحر » - ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) وما أنـزل الله « السحر » على الملكين، ( وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين:جبريل وميكائيل، عليهما السلام؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنـزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينـزلا بسحر، وبرأ سليمان، عليه السلام، مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان، اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًا عليهم.

هذا لفظه بحروفه .

وقد قال ابن أبي حاتم:حُدّثت عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) قال:ما أنـزل الله على جبريل وميكائيل السحر.

حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يعلى - يعني ابن أسد- حدثنا بكر - يعني ابن مصعب- حدثنا الحسن بن أبي جعفر:أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: ( وما أنـزل على الملكين داود وسليمان ) .

وقال أبو العالية:لم ينـزل عليهما السحر، يقول:علما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي. رواه ابن أبي حاتم.

ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن « ما » بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنـزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.

وهذا الذي سلكه غريب جدًا! وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [ كما زعمه ابن حزم ] !

وروى ابن أبي حاتم بإسناده. عن الضحاك بن مزاحم:أنه كان يقرؤها: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) ويقول:هما علجان من أهل بابل.

وَوَجَّه أصحابُ هذا القول الإنـزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) كما قال تعالى: وَأَنْـزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [ الزمر:6 ] ، وَأَنْـزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [ الحديد:25 ] ، وَيُنَـزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [ غافر:13 ] . وفي الحديث: « ما أنـزل الله داء إلا أنـزل له دواء » . وكما يقال:أنـزل الله الخير والشر.

[ وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري:أنهم قرؤوا: « وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ » بكسر اللام. قال ابن أبزى:وهما داود وسليمان. قال القرطبي:فعلى هذا تكون « ما » نافية أيضًا ] .

وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) [ و « ما » نافية ] قال ابن جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) قال الرجل:يعلمان الناس السحر، ما أنـزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينـزل عليهما؟ فقال القاسم:ما أبالي أيتهما كانت.

ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه:أن القاسم قال في هذه القصة:لا أبالي أيّ ذلك كان، إني آمنت به.

وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنـزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى. وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول:إنه كان من الملائكة، لقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى [ طه:116 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. مع أن شأن هاروت وماروت - على ما ذكر- أخف مما وقع من إبليس لعنه الله.

[ وقد حكاه القرطبي عن على، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي ] .

ذكر الحديث الوارد في ذلك - إن صح سنده ورفعه- وبيان الكلام عليه:

قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، في مسنده:حدثنا يحيى بن [ أبي ] بكير، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر:أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن آدم - عليه السلام- لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة:أي رب أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [ البقرة:30 ] ، قالوا:ربنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة:هَلُموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا:برَبِّنا، هاروتَ وماروتَ. فأهبطا إلى الأرض ومثُلت لهما الزُّهَرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها. فقالت:لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها. فقالت:لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا لا والله لا نقتله أبدًا. ثم ذهبت فرجعت بقَدَح خَمْر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت:لا والله حتى تشربا هذا الخمر. فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما أفاقا قالت المرأة:والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخيرَا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا » .

وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه، عن الحسن عن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن بكير، به .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، رَوَى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب بن مالك. وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لَهِيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مَرْدُويه:حدثنا دَعْلَجُ بن أحمد، حدثنا هشام [ بن علي بن هشام ] حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سَرْجِس، عن نافع، عن ابن عمر:سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول. فذكره بطوله.

وقال أبو جعفر بن جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين - وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع، قال:سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال:يا نافع، انظر، طلعت الحمراء؟ قلت:لا - مرتين أو ثلاثًا- ثم قلت:قد طلعت. قال:لا مرحبًا بها ولا أهلا؟ قلت:سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال:ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قال:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم- : « إن الملائكة قالت:يا رب، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال:إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا:لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال:فاختاروا ملكين منكم. قال:فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت » .

وهذان - أيضاً- غريبان جدًّا. وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب، قال ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم:اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما:إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انـزلا لا تشركا بي شيئًا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر. قال كعب:فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.

ورواه ابن جرير من طريقين، عن عبد الرزاق، به .

ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مُؤَمَّل، عن سفيان الثوري، به .

ورواه ابن جرير أيضًا:حدثني المثنى، حدثنا المعلى - وهو ابن أسد- حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث، عن كعب الأحبار، فذكره .

فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع. فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.

ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين:

قال ابن جرير:حدثني المثنى، حدثنا الحجاج حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال:سمعت عليًا، رضي الله عنه، يقول:كانت الزُّهَرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكَلَّم [ المتكلم ] به يُعْرج به إلى السماء. فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء. فمسخت كوكبًا!

وهذا الإسناد [ جيد و ] رجاله ثقات، وهو غريب جداً.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن [ ابن أبي ] خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي قال:هما ملكان من ملائكة السماء. يعني: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) .

ورواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي - مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.

ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لعن الله الزّهَرة، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت » . وهذا أيضًا لا يصح وهو منكر جدًا. والله أعلم.

وقال ابن جرير:حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعًا:لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم فأوحى الله إلى الملائكة:إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نـزلتم لفعلتم أيضًا. قال:فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وأنـزلت الزُّهَرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت. قال:فوقعا بالخطيَّة . فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [ غافر:7 ]

فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب الدنيا .

وقال:ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا عبيد الله - يعني ابن عمرو- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المِنْهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد، قال:كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه:انظر، هل طلعت الحمراء، لا مرحبًا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين. قالت الملائكة:يا رب، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض! قال:إني ابتليتهم، فعلَّ إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا:لا. قال:فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما:إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشَّبَق، وأهبطت لهما الزُّهَرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها. فقالت:إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا وما دينك؟ قالت:المجوسية. قالا الشرك! هذا شيء لا نقر به. فمكثت عنهما ما شاء الله. ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها. فقالت:ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء. فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة فأتياه، فقال:رحمكما الله كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء! قالا إنا قد ابتلينا. قال:ائتياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال:ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية. فأتياه، فقال:اختارا، فقد خيرتما، إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما:إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر:ويحك؟ إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن، إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى. وإننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا. قال:لا إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما علينا. قال:فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قَلِيب مملوءة من نار، عَاليهُمَا سافلَهما .

وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو - والله أعلم- من رواية ابن عمر عن كعب، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله:إن الزُّهَرة نـزلت في صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًا.

وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم:حدثنا عصام بن روّاد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال:لما وقع الناس من بعد آدم، عليه السلام، فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء:يا رب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، قد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام، والزنا والسرقة وشرب الخمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل:إنهم في غَيْب. فلم يعذروهم. فقيل لهم:اختاروا منكم من أفضلكم ملكين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس عليه السلام. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزُّهَرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا فقالت:هذا أعبده. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فغَبَرا ما شاء الله. ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما:اختارا إحدى الخلال الثلاث:إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعَرَفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنـزل في ذلك: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [ الشورى:5 ] فقيل لهما:اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان .

وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقة، عن أبي جعفر الرازي، به. ثم قال:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزُّهَرة، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني حدثنا يزيد - يعني الفارسي- عن ابن عباس [ قال ] أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي فقالوا:يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي! فقال الله:أنتم معي، وهم غُيَّب عني. فقيل لهم:اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا ألا يشربوا خمرًا ولا يقتلوا نفسا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد، فأقيل. فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها:مناهية . فَهَويَاها جميعًا، ثم أتيا منـزلها فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما:لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت لهما:أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما. فأخبراها فطارت فمسخت جمرة. وهي هذه الزهَرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض .

وهذا السياق فيه زيادات كثيرة وإغراب ونكارة، والله أعلم بالصواب.

وقال عبد الرزاق:قال مَعْمَر:قال قتادة والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال مَعْمَر:قال قتادة:فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) .

وقال أسباط عن السدي أنه قال:كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما:إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت:ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نـزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما:انـزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنـزلا ببابل دَنْباوَند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها - واسمها بالعربية « الزّهَرة » ، وبالنبطية « بيذخت » وبالفارسية « أناهيد » - فقال أحدهما لصاحبه:إنها لتعجبني. قال الآخر:قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر:هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال:نعم ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر:إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت:لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خَربة من الخَرِب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت:ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنـزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت، فأنساها الله ما تنـزل به، فبقيت مكانها، وجعلها الله كوكبًا. فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، فقال:هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.

وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد:أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى:اختاروا منكم ملكين أنـزلهما يحكمان في الأرض بين بنى آدم فاختاروا فلم يألوا [ إلا ] هاروت وماروت، فقال لهما حين أنـزلهما:أعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [ والبينات ] من وَرَاء وَرَاء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نـزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينـزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنـزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تُخَاصم، فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه:وجدتَ مثل الذي وجدتُ؟ قال:نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عَرَجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما. فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه، فقالا ادع لنا ربك. فقال:كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال:ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينـزلا ببابل، فثَمَّ عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.

وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسدي والحسن [ البصري ] وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.

وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه، قال:الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله:حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [ رضي الله عنها وعن أبيها ] أنها قالت:قدمت امرأة عليَّ من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حَدَاثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به. قالت عائشة، رضي الله عنها، لعُرْوَة:يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول:إني أخاف أن أكون قد هلكت. كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت:إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبتُ أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا ما جاء بك؟ فقلتُ:أتعلم السحر. فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي. فأبيت وقلت:لا. قالا فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعتُ ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا أفعلت؟ فقلت:نعم. فقالا هل رأيت شيئًا؟ فقلت:لم أر شيئًا. فقالا لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [ فإنك على رأس أمري ] . فأرْبَبْت وأبيت . فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت فاقشعررت [ وخفت ] ثم رجعت إليهما فقلت:قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ فقلت:لم أر شيئًا. فقالا كذبت، لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري ؛ فإنك على رأس أمرك. فأرببتُ وأبيتُ. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خَرَج مني، فذهب في السماء وغاب [ عني ] حتى ما أراه، فجئتهما فقلت:قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ قلت:رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء، حتى ما أراه. فقالا صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة:والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا. فقالت:بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت، وقلت:أطلعي فأطلعت وقلت:أحقلي فأحقلت ثم قلت:أفْركي فأفرَكَتْ. ثم قلت:أيبسي فأيبست . ثم قلت:أطحني فأطحنت . ثم قلت:أخبزي فأخبزت . فلما رأيتُ أني لا أريد شيئًا إلا كان، سقط في يدي وندمت - والله- يا أم المؤمنين والله ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا .

ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، به مطولا كما تقدم . وزاد بعد قولها:ولا أفعله أبدًا:فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس - أو بعض من كان عنده- :لو كان أبواك حيين أو أحدهما [ لكان يكفيانك ] .

قال هشام:فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [ قال ] :قال ابن أبي الزناد:وكان هشام يقول:إنهم كانوا أهل الورع والخشية من الله. ثم يقول هشام:لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.

فهذا إسناد جيد إلى عائشة، رضي الله عنها.

وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.

وقال آخرون:بل ليس له قدرة إلا على التخييل، كما قال [ الله ] تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف:116 ] وقال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه:66 ]

واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنْباوَنْد كما قاله السدي وغيره. ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه [ مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يُؤْذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ ] قال:إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي [ بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي ] ببابل فإنها ملعونة .

وقال أبو داود:حدثنا سليمان بن داود، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لَهِيعة ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري:أن عليا مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال:إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.

حدثنا أحمد بن صالح:حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود، قال:فلما « خرج » مكان « برز » .

وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه وسكت عنه ؛ ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.

قال أصحاب الهيئة:وبُعْدُ ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، ويقال له:أوْقيانُوس سبعون درجة، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس، قال:فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له:إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر . [ قال ] فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فَعلمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء، فيقول:يا حسرتاه!

يا ويله! ماذا أصنع ؟.

وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية:نعم، أنـزل الملكان بالسحر، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة:كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا ( إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) - أي:بلاء ابتلينا به- ( فَلا تَكْفُرْ )

وقال [ قتادة و ] السدي:إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له:لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له:ائت هذا الرماد، فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكلِّ شيء [ منه ] . وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ) الآية.

وقال سُنَيد، عن حجاج، عن ابن جريج في هذه الآية:لا يجترئ على السحر إلا كافر.

وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:

وقــد فُتــن النَّــاسُ فـي دينهـم وخَــلَّى ابـنُ عفـان شـرًا طـويلا

وكذلك قولُه تعالى إخبارًا عن موسى، عليه السلام، حيث قال: إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ أي:ابتلاؤك واختبارك وامتحانك تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [ الأعراف:155 ] .

وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله، قال:من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا إسناد جيد وله شواهد أخر.

وقوله تعالى: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) أي:فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفَرِّقُون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منـزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول:ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس:لا والله ما صنعت شيئًا. ويجيء أحدهم فيقول:ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال:فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول:نِعْم أنت » .

وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر:ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك أو عَقد أو بَغْضه، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.

والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ) قال سفيان الثوري:إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ) قال:نَعَم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى، وفي رواية عن الحسن أنه قال:لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.

وقوله تعالى: ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ) أي:يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.

( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) أي:ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك، أنه ما له في الآخرة من خلاق.

قال ابن عباس ومجاهد والسدي:من نصيب. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة:ما له في الآخرة من جهة عند الله وقال:وقال الحسن:ليس له دين.

وقال سعد عن قتادة: ( مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) قال:ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.

وقوله تعالى: ( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) يقول تعالى: ( ولبئس ) البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل لو كان لهم علم بما وعظوا به ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ) أي:ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ [ القصص:80 ] .

وقد استدل بقوله: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل:بل لا يكفر، ولكن حَده ضَرْبُ عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله:أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عَبَدَةَ يقول:كتب [ أمير المؤمنين ] عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال:فقتلنا ثلاث سواحر . وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا . وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت . قال أحمد بن حنبل:صح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [ أذنوا ] في قتل الساحر.

وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حد الساحر ضَرْبُه بالسيف » .

ثم قال:لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يُضعَّف في الحديث، والصحيح:عن الحسن عن جُنْدُب موقوفًا.

قلت:قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعًا . والله أعلم.

وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس:سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال:إن كان صادقا فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء:3 ] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، والله أعلم.

وقال أبو بكر الخلال:أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال:كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا على سيفه فقتله، فقال:أراه كان ساحرًا، وحمل الشافعي، رحمه الله، قصة عمر، وحفصة على سِحْر يكون شركا. والله أعلم.

فصل

حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال:وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال:وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا:إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [ تلك ] الكلمات المُعَيَّنة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين الصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ) ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِر، وأن السحر عَمِل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال:وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا:

المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور:اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر:9 ] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟!

هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها:قولُهُ: « العلم بالسحر ليس بقبيح » . إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: « من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنـزل على محمد » . وفي السنن: « من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر » . وقوله: « ولا محظور اتفق المحققون على ذلك » . كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله [ علم ] السحر في عموم قوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم قلتَ إن هذا منه؟ ثم تَرَقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن معظم معجزات رسولنا، عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنـزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقُون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.

ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:

الأول:سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بَعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم وقد استقصى في « كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم » المنسوب إليه فيما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره ويقال:إنه تاب منه. وقيل إنه صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.

قال:والنوع الثاني:سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال:وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة للأوهام.

قال:وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.

وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « العين حَقّ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين » .

قال:فإذا عرفت هذا، فنقول:النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا، فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء .

قلت:وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين:تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال - لعنه الله- له من الخوارق العادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا، وليس هذا موضعه.

قال:النوع الثالث من السحر:الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة:وهم على قسمين:مؤمنون، وكفار، وهم الشياطينُ. قال:واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير .

النوع الرابع من السحر:التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [ على ] أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.

قال:وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد، كان العمل

أحسنَ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها بكلالها والحالة هذه.

قلت:وقد قال بعض المفسرين:إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف:116 ] وقال تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه:66 ] قالوا:ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.

النوع الخامس من السحر:الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.

إلى أن قال:فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال:وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.

قلت:يعني ما قاله بعض المفسرين:أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.

قال الرازي:ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.

قال:وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها.

قلت:ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام [ منهم ] وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه للجهلة الأغبياء من متعبدي الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم : « من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار » . وقوله: « حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار » .

ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون، ليتبلغ به، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه؟ ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.

قال الرازي:النوع السادس من السحر:الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات . قال:واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد.

قلت:يدخل في هذا القبيل كثير ممن يَدّعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.

قال:النوع السابع من السحر:تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحرُ أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.

قلت:هذا النمط يقال له التنبلة، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المُتَنْبِلُ حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له مِنَ الناس مِنْ غيره.

قال:النوع الثامن من السحر:السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.

قلت:النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش [ بين الناس ] وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه. فأما إذا كانت على وجه الإصلاح [ بين الناس ] وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: « ليس بالكذاب من يَنمّ خيرًا » أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة « فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: » الحرب خدعة « . وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة. والله المستعان. »

ثم قال الرازي:فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.

قلت:وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فَنّ السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة:عبارة عما لطُف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: « إن من البيان لسحرًا . وسمي السحور لكونه يقع خفيًا آخر الليل والسَّحْر:الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة:انتفخ سحرك أي:انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة، رضي الله عنها:توفي رسول صلى الله عليه وسلم بين سَحْري ونَحْري. وقال: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي:أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم . »

[ فصل ] وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هَبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه: « الإشراف على مذاهب الأشراف » بابًا في السحر، فقال:أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال:لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد:يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال:إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه أو أنه ينفعه كَفَر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي، رحمه الله:إذا تعلم السحر قلنا له:صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر. وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر.

قال ابن هبيرة:وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد:نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة:لا. فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يُقْتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة:لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حَقّ شخص معين. وإذا قُتل فإنه يُقْتَل حدًا عندهم إلا الشافعي، فإنه قال:يقتل - والحالة هذه- قصاصًا.

قال:وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما:لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى:تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد:لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن أعصم .

واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة:حكمها حكم الرجل، والله أعلم.

وقال أبو بكر الخلال:أخبرنا أبو بكر المروزي، قال:قَرَأ على أبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- عُمَرُ بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهري، قال:يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.

وقد نقل القرطبي عن مالك، رحمه الله، أنه قال في الذمي إذا سحر يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر:إحداهما:أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل، والثانية:أنه يقتل وإن أسلم، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى: « وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ » . لكن قال مالك:إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبًا قبلناه ولم نقتله، فإن قتل سحره قتل. قال الشافعي:فإن قال:لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.

مسألة:وهل يسأل الساحر حل سحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي:لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة:أنها قالت:يا رسول الله، هلا تنشرت، فقال: « أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا » . وحكى القرطبي عن وهب:أنه قال:يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.

قلت:أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنـزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب ذلك وهما المعوذتان، وفي الحديث: « لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما » وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان. وقال أبو عبد الله القرطبي:وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء.

خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية حيث قالوا:إنه تمويه وتخيل. قال:ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس:هذه الكلمة من كلام أهل البادية. قال القرطبي:ومنه ما يكون كلامًا يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. قال:وقوله، عليه السلام: « إن من البيان لسحرا » يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة. قال:وهذا الأصح. قال:لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال: « فلعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض » فاقتضى له، الحديث.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 )

نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص - عليهم لعائن الله- فإذا أرادوا أن يقولوا:اسمع لنا يقولون:راعنا. يورون بالرعونة، كما قال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا [ النساء:46 ] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون:السامُ عليكم. والسام هو:الموت. ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ « وعليكم » . وإنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.

والغرض:أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وفعلا. فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ )

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم » .

وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به « من تشبه بقوم فهو منهم »

ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نُقَرر عليها.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، عن مَعْن وعَوْن - أو أحدهما- أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود، فقال:اعهد إلي. فقال:إذا سمعت الله يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فأرعها سَمْعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه .

وقال الأعمش، عن خيثمة، قال:ما تقرؤون في القرآن: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فإنه في التوراة: « يا أيها المساكين » .

وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ( راعنا ) أي:أرعنا سمعك.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا ) قال:كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أرعنا سمعك. وإنما ( راعنا ) كقولك:عاطنا.

وقال ابن أبي حاتم:وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.

وقال مجاهد: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا ) لا تقولوا خلافا. وفي رواية:لا تقولوا:اسمع منا ونسمع منك.

وقال عطاء: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا ) كانت لُغة تقولها الأنصار فنهى الله عنها.

وقال الحسن: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا ) قال:الراعن من القول السخري منه. نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جُرَيج أنه قال مثله.

وقال أبو صخر: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ) قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول:أرعنا سمعك. فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له .

وقال السدي:كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لقيه فكلمه قال:أرعني سمعك واسمع غير مُسْمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تُفَخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون:اسمع غير مسمع:غَيْرَ صاغر. وهي كالتي في سورة النساء. فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا:راعنا.

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بنحو من هذا.

قال ابن جرير:والصواب من القول في ذلك عندنا:أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم:راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولها لنبيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبي قال: « لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا:الحَبَلَة. ولا تقولوا:عبدي، ولكن قولوا:فتاي » . وما أشبه ذلك.

وقوله تعالى: ( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم. وينبِّه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول تعالى: ( وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )

 

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 )

قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) ما نبدل من آية.

وقال ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) أي:ما نمح من آية.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) قال:نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.

وقال ابن أبي حاتم:وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.

وقال الضحاك: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) ما نُنْسِكَ. وقال عطاء:أما ( مَا نَنْسَخْ ) فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم:يعني:تُرِكَ فلم ينـزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال السدي: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) نسخها:قبضها. وقال ابن أبي حاتم:يعني:قبضها:رفعها، مثل قوله:الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله: « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا » .

وقال ابن جرير: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخَّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فَنِّ أصول الفقه.

وقال الطبراني:حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال:قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها » . فكان الزهري يقرؤها: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) بضم النون خفيفة . سليمان بن أرقم ضعيف.

[ وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعبيد وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي ] .

وقوله تعالى: ( أَوْ نُنْسِهَا ) فقرئ على وجهين: « ننسأها ونُنْسها » . فأما من قرأها: « نَنسأها » - بفتح النون والهمزة بعد السين- فمعناه:نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسئهَا ) يقول:ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.

وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: ( أَوْ نُنسِئَهَا ) نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء: ( أَوْ نُنسِئَهَا ) نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: ( أَوْ نُنسِئَهَا ) نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [ قال ] الربيع بن أنس. وقال الضحاك: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا ) يعني:الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا ) أي:نؤخرها عندنا.

وقال ابن حاتم:حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل - يعني ابن مسلم- عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:

خطبنا عمر، رضي الله عنه، فقال:يقول الله عز وجل: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) أي:نؤخرها.

وأما على قراءة: ( أَوْ نُنْسِهَا ) فقال عبد الرزاق، عن قتادة في قوله: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ) قال:كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.

وقال ابن جرير:حدثنا سواد بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: ( أَوْ نُنْسِهَا ) قال:إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرئ قرآنا ثم نسيه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفَيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج - يعني الجزري - عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال:كان مما ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنـزل الله، عز وجل: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا )

قال أبو حاتم:قال لي أبو جعفر بن نفيل:ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.

وقال عبيد بن عمير: ( أَوْ نُنْسِهَا ) نرفعها من عندكم.

وقال ابن جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال:سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: « ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا » قال:قلت له:فإن سعيد بن المسيَّب يقرأ: « أَو تُنْسَأها » . قال:فقال سعد:إن القرآن لم ينـزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله، جل ثناؤه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [ الأعلى:6 ] وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [ الكهف:24 ] . .

وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وقال:على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن محمد بن كعب، وقتادة وعكرمة، نحو قول سعيد.

وقال الإمام أحمد:أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال عمر:عليٌّ أقضانا، وأُبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أُبيُّ، وأبيّ يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) .

قال البخاري:حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال عمر:أقرؤنا أُبيٌّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن أبيا يقول:لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا )

وقوله: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) أي:في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا ) يقول:خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.

وقال أبو العالية: ( مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ) فلا نعمل بها، ( أَوْ نُنسئهَا ) أي:نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.

وقال السدي: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) يقول:نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.

وقال قتادة: ( نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) يقول:آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.

وقوله: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى.. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم - لعنهم الله - في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا،ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.

قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله:فتأويل الآية:ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.

ثم قال:وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.

[ وأمر إبراهيم، عليه السلام، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل ] .

قلت:الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، عليه السلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته، عليه السلام، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [ البقرة:187 ] ، وقيل:إنها مطلقة، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى.

ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود، عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [ الأعراف:54 ] وقرئ في سورة آل عمران، التي نـزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ عند اليهود في وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ الآية [ آل عمران:93 ] كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر:لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشرا بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة، عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، والله أعلم.

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 108 )

نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَـزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [ المائدة:101 ] أي:وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نـزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. ولهذا جاء في الصحيح: « إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته » . ولما سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكتَ سكتَ على مثل ذلك؛ فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها. ثم أنـزل الله حكم الملاعنة . ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال وفي صحيح مسلم: « ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » . وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج. فقال رجل:أكُل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا. ثم قال، عليه السلام: « لا ولو قلت:نعم لوجَبَتْ، ولو وَجَبَتْ لما استطعتم » . ثم قال: « ذروني ما تركتكم » الحديث. وهكذا قال أنس بن مالك:نُهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده:حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال:إن كان ليأتي علَيَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.

وقال البزار:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثنْتَي

عشرة مسألة، كلها في القرآن: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ البقرة:219 ] ، و يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [ البقرة:217 ] ، و وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى [ البقرة:220 ] يعني:هذا وأشباهه .

وقوله تعالى: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ) أي:بل تريدون. أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه، عليه السلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء:153 ] .

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد [ بن جبير ] عن ابن عباس، قال:قال رافع بن حُرَيْمَلة - أو وهب بن زيد- :يا محمد، ائتنا بكتاب تُنـزلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك. فأنـزل الله من قولهم: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ )

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) قال:قال رجل:يا رسول الله، لو كانت كَفَّاراتنا كَفَّارات بني إسرائيل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « اللهم لا نبغيها - ثلاثًا- ما أعطاكم الله خَيْر مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفَّارتها، فإن كفرها كانت له خزْيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة. فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل » . قال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [ النساء:110 ] ، وقال: « الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن » . وقال: « من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك » . فأنـزل الله: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ )

وقال مجاهد: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ) أن يريهم الله جهرة، قال:سألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا. قال: « نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم » ، فأبوا ورجعوا.

وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم.

والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم عن شَيء، على وجه التعنُّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى، عليه السلام، تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا، قال الله تعالى: ( وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ ) أي: من يَشْتَر الكفر بالإيمان ( فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) أي:فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم، إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها، على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [ إبراهيم:28، 29 ] .

وقال أبو العالية:يتبدل الشدة بالرخاء.

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 )

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طَرَائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال:كان حُيَيُّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهودَ للعرب حسدًا، إذْ خَصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم وكانا جَاهدَين في ردِّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنـزل الله فيهما: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ) الآية.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن الزهري، في قوله تعالى: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) قال:هو كعب بن الأشرف.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه:أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه أنـزل الله: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ) إلى قوله: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا )

وقال الضحاك، عن ابن عباس:أن رسولا أميا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا؛ ولذلك قال الله تعالى: ( كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) يقول:من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرَّهم ووبخهم ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنـزل عليهم وما أنـزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.

وقال الربيع بن أنس: ( مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية: ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) من بعد ما تبين [ لهم ] أن محمدا رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدا وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة والربيع والسدي.

وقوله: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) مثل قوله تعالى: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ آل عمران:186 ] .

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) نسخ ذلك قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ [ التوبة:29 ] فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي:إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله: ( حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ )

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عُرْوَة بن الزبير:أن أسامة بن زيد أخبره، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوَّل من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش .

وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ] .

وقوله تعالى: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) يَحُثُّ تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُودُ عليهم عاقبتُه يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [ غافر:52 ] ؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) يعني:أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.

وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرا أو علانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرًا، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدًا ووعيدًا وأمرًا وزجرًا. وذلك أنه أعْلَم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مُدَّخرًا لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، كما قال: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ) وليحذروا معصيته.

قال:وأما قوله: ( بصير ) فإنه مبصر صرف إلى « بصير » كما صرف مبدع إلى « بديع » ، ومؤلم إلى « أليم » ، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا ابن بُكَير، حدثني ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر في هذه الآية ( سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) يقول:بكل شيء بصير .

وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 111 ) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 112 )

يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة:18 ] . فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة. وردَّ عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال ( تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ )

وقال أبو العالية:أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.

ثم قال: ( قُلْ ) أي:يا محمد، ( هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ )

وقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس:حجتكم. وقال قتادة:بينتكم على ذلك. ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) كما تدعونه .

ثم قال تعالى: ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي:من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ الآية [ آل عمران:20 ] .

وقال أبو العالية والربيع: ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) يقول:من أخلص لله.

وقال سعيد بن جبير: ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ) أخلص، ( وَجْهَهُ ) قال:دينه، ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي:متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما:أن يكون خالصًا لله وحده والآخر:أن يكون صوابًا موافقا للشريعة. فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » . رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، عليه السلام.

فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله- فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول [ محمد ] صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [ الفرقان:23 ] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [ النور:39 ] .

وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.

وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا [ النساء:142 ] ، وقال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [ الماعون:4 - 7 ] ، ولهذا قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [ الكهف:110 ] . وقال في هذه الآية الكريمة: ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ )

وقوله: ( فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور فـ ( لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) فيما يستقبلونه، ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما مضى مما يتركونه، كما قال سعيد بن جبير:فـ ( لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) يعني:في الآخرة ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ يعني:لا يحزنون ] للموت.

 

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 113 )

وقوله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) يبين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم. كما قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حُرَيْملة ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل. وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود:ما أنتم على شيء. وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنـزل الله في ذلك من قولهما ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) قال:إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي:يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه.

وقال مجاهد في تفسير هذه الآية:قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.

وقال قتادة: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ) قال:بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ( وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ) قال:بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.

وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية، والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ) هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى. ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه، مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ( وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) أي:وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادًا وكفرًا ومقابلة للفاسد بالفاسد، كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) يُبَيِّن بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول، وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى: ( الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )

فقال الربيع بن أنس وقتادة: ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم. وقال ابن جُرَيج:قلت لعطاء:من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال:أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي: ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فهم:العرب، قالوا:ليس محمد على شيء.

واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثمَّ دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، فالحمل على الجميع أولى، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي:أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة. وهذا كقوله تعالى في سورة الحج: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ الحج:17 ] ، وكما قال تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [ سبأ:26 ] .

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 114 )

اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسَعَوا في خرابها على قولين:

أحدهما:ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) قال:هم النصارى. وقال مجاهد:هم النصاري، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) هو بُخْتَنَصَّر وأصحابه، خَرَّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.

وقال سعيد، عن قتادة:قال:أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.

وقال السدي:كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري.

القول الثاني:ما رواه ابن جرير:حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب قال:قال ابن زيد في قوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) قال:هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم، وقال لهم:ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا:لا يدخل علينا مَنْ قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.

وفي قوله: ( وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ) قال:إذ قطعوا من يَعْمُرُها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.

وقال ابن أبي حاتم:ذكر عن سلمة قال:قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:أن قُرَيشًا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنـزل الله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ )

ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة. وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.

قلت:الذي يظهر - والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس، كأن دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الأنفال:34 ] ، وقال تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ التوبة:17 ، 18 ] ، وقال تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [ الفتح:25 ] ، فقال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ [ التوبة:18 ] ، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك.

وقوله تعالى: ( أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ ) هذا خبر معناه الطلب، أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء - إذا قَدَرُتم عليهم- من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: « ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته » . وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا الآية [ التوبة:28 ] ، وقال بعضهم:ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب، وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى:ما كان الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم.

وقيل:إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيُظْهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن تجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة [ المباركة ] التي بعث [ الله ] فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه عليه . وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا منها ( وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، والدعاء إلى غير الله عنده والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.

وأما من فَسَّر بيت المقدس، فقال كعب الأحبار:إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنـزل عليه: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ ) الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا.

وقال السدي:فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يُضْرَب عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.

وقال قتادة:لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.

قلت:وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى ما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود، عوقبوا شرعًا وقَدَرا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم.

وفسر هؤلاء الخزي من الدنيا، بخروج المهدي عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.

والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد:حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلبس سمعت أبي يحدث، عن بُسْر بن أرطاة، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: « اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة » .

وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة - ويقال:ابن أبي أرطاة- حديث سواه، وسوى [ حديث ] « لا تقطع الأيدي في الغزو » .

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 )

وهذا - والله أعلم- فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه

الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومُصَلاهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكةَ إلى بيت المقدس والكعبةُ بين يديه. فلما قدم المدينة وُجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعدُ، ولهذا يقول تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

قال أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ:أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا - والله أعلم- شأنُ القبلة:قال تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق ونسخها، فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة - وكان أهلُها اليهودَ- أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنـزل الله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ] إلى قوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا:ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنـزل الله: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ] وقال: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

وقال عكرمة عن ابن عباس: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) قال:قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) [ قال:قبلة الله ] حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها:الكعبة.

وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم، عن ابن عباس، في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه:وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.

وقال ابن جرير:وقال آخرون:بل أنـزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنـزلها تعالى ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة، حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [ المجادلة:7 ] قالوا:ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلى المسجد الحرام.

هكذا قال، وفي قوله: « وإنه تعالى لا يخلو منه مكان » :إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

قال ابن جرير:وقال آخرون:بل نـزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذنا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.

حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر:أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته. ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيه، من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به . وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.

وفي صحيح البخاري من حديث نافع، عن ابن عمر:أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها. ثم قال:فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.

قال نافع:ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

مسألة:ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه، بين سفر المسافة وسفر العدوي، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري، التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضا.

قال ابن جرير:وقال آخرون:بل نـزلت هذه الآية في قوم عُمِّيتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فنـزلنا منـزلا فجعل الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما [ أن ] أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة. فقلنا:يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنـزل الله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) الآية.

ثم رواه عن سفيان بن وَكِيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه .

ورواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن وَكِيع. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان .

ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان - واسمه أشعث بن سعيد البصري- وهو ضعيف الحديث.

وقال الترمذي:هذا حديث حسن. ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.

قلت:وشيخه عاصم أيضًا ضعيف .

قال البخاري:منكر الحديث. وقال ابن معين:ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان:متروك، والله أعلم.

وقد روي من طرق أخرى، عن جابر.

وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية:حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن، قال:وجدت في كتاب أبي:حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر، قال:بَعَث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا:قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قبل السماك . فصلُّوا وخطُّوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فسكت، وأنـزل الله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن عطاء، عن جابر، به .

وقال الدارقطني:قرئ على عبد الله بن عبد العزيز - وأنا أسمع- حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: « قد أجزأت صلاتكم » .

ثم قال الدارقطني:كذا قال:عن محمد بن سالم، وقال غيره:عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان .

ثم رواه ابن مَرْدُويه أيضا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد طلوع الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَّثُوه، فأنـزل الله عز وجل، هذه الآية: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.

قال ابن جرير:وقال آخرون:بل نـزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هشام بن معاذ حدثني أبي، عن قتادة:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه » . قالوا:نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال:فنـزلت: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [ آل عمران:199 ] قال قتادة:فقالوا:فإنه كان لا يصلي إلى القبلة. فأنـزل الله: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) .

وهذا غريب والله أعلم.

وقد قيل:إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة، وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال:وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه:أحدها:أنه عليه السلام، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض. الثاني:أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه، واختاره ابن العربي، قال القرطبي:ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث:أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم.

وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما بين المشرق والمغرب قبْلَة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق » .

وله مناسبة هاهنا، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر، واسمه نَجِيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني، به « ما بين المشرق والمغرب قبلة » .

وقال الترمذي:وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي:حدثني الحسن بن [ أبي ] بكر المروزي، حدثنا المعلى بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المخزومي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما بين المشرق والمغرب قبلة » .

ثم قال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.

وحكى عن البخاري أنه قال:هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح. قال الترمذي:وقد روي عن غير واحد من الصحابة:ما بين المشرق والمغرب قبلة - منهم عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عباس.

وقال ابن عمر:إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.

ثم قال ابن مَرْدُويه:حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن يونس مولى بني هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « ما بين المشرق والمغرب قبلة » .

وقد رواه الدارقطني والبيهقي وقال المشهور:عن ابن عمر، عن عمر، قوله.

قال ابن جرير:ويحتمل:فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال:قال ابن جُرَيج:قال مجاهد:لما نـزلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر:60 ] قالوا:إلى أين؟ فنـزلت: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )

قال ابن جرير:ويعني قوله: ( إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) يسع خلقه كلهم بالكفاية، والإفضال والجود .

وأما قوله: ( عليم ) فإنه يعني:عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم.

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 )

اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها على الرد على النصارى - عليهم لعائن الله- وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم:إن لله ولدا. فقال تعالى: ( سُبْحَانَهُ ) أي:تعالى وتقدس وتنـزه عن ذلك علوًا كبيرًا ( بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم، ومُقَدِّرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم، كما يشاء، والجميع عبيد له وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد! كما قال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الأنعام:101 ] وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [ مريم:88 - 95 ] وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [ سورة الإخلاص ] .

فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد! ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة:أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حُسَين، حدثنا نافع بن جبير - هو ابن مطعم- عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال الله تعالى:كَذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيَّاي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله:لي ولد. فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا » .

انفرد به البخاري من هذا الوجه .

وقال ابن مَرْدُويه:حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا إسحاق بن محمد الفَرْوي، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله عز وجل:كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله:لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته . وأما شتمه إياي فقوله:اتخذ الله ولدا. وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد » .

وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم » .

وقوله: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) قال ابن أبي حاتم:أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، قال: ( قَانِتينَ ) مصلين.

وقال عكرمة وأبو مالك: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) مُقرُّون له بالعبودية. وقال سعيد بن جبير: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) يقول:الإخلاص. وقال الربيع بن أنس:يقول كل له قائم يوم القيامة. وقال السدي: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) يقول:له مطيعون يوم القيامة.

وقال خَصيف، عن مجاهد: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) قال:مطيعون، كن إنسانًا فكان، وقال:كن حمارًا فكان.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ) مطيعون، يقول:طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.

وهذا القول عن مجاهد - وهو اختيار ابن جرير- يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت:هو الطاعة والاستكانة إلى الله، وذلك شرعي وقَدري، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [ الرعد:15 ] .

وقد وَرَد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم:حدثنا يونُس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث:أن دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة » .

وكذا رواه الإمام أحمد، عن حسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، عن دَرّاج بإسناده، مثله .

ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه. ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو مَنْ دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة، فلا يغتر بها، فإن السند ضعيف، والله أعلم.

وقوله تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي:وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث:بدعة. كما جاء في الصحيح لمسلم: « فإن كل محدثة بدعة [ وكل بدعة ضلالة ] » . والبدعة على قسمين:تارة تكون بدعة شرعية، كقوله:فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم:نعْمَتْ البدعةُ هذه.

وقال ابن جرير:وبديع السماوات والأرض:مبدعهما. وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع. ومعنى المبدع:المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.

قال:ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة، في مدح هوذة بن علي الحَنفِي:

يُـرعى إلـى قَـوْل سادات الرّجال إذا أبـدَوْا لـه الحـزْمَ أو ما شاءه ابتدَعا

أي:يحدث ما شاء.

قال ابن جرير:فمعنى الكلام:فسبحان الله أنى يكون لله ولد، وهو مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوَحْدانيّة، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله عباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَّته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته.

وهذا من ابن جرير، رحمه الله، كلام جيد وعبارة صحيحة.

وقوله تعالى: ( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قَدَّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له:كن. أي:مرة واحدة، فيكون، أي:فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس:82 ] وقال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل:40 ] وقال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر:50 ] ، وقال الشاعر:

إذا مــا أراد اللــه أمــرًا فإنَّمـا يقــول لــه كــن قولـة فيكـونُ

ونبه تعالى بذلك أيضا على أن خلق عيسى بكلمة:كن، فكان كما أمره الله، قال [ الله ] تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران:59 ] .

وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 )

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:يا محمد، إن كنت رسولا من الله كما تقول، فقل لله فَلْيُكَلمْنا حتى نسمع كلامه. فأنـزل الله في ذلك من قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ )

وقال مجاهد [ في قوله ] ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ) قال:النصارى تقوله.

وهو اختيار ابن جرير، قال:لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.

[ وحكى القرطبي ( لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ) أي:لو يخاطبنا بنبوتك يا محمد، قلت:وظاهر السياق أعم، والله أعلم ] .

وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية:هذا قول كفار العرب ( كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ] ) قالوا:هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب، قوله تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ [ الأنعام:124 ] .

وقوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا [ الإسراء:90- 93 ] ، وقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [ الفرقان:21 ] ، وقوله: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [ المدثر:52 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء:153 ] وقال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة:55 ] .

وقوله: ( تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي:أشبهت قُلُوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [ الذاريات:52، 53 ] .

وقوله: ( قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي:قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى. وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ يونس:96، 97 ] .

[ قوله تعالى ]

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( 119 )

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أنـزلت علي: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) » قال: « بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار » .

وقوله: ( وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) قراءة أكثرهم ( وَلا تُسْأَلُ ) بضم التاء على الخبر. وفي قراءة أبي بن كعب: « وما تسأل » وفي قراءة ابن مسعود: « ولن تسأل عن أصحاب الجحيم »

نقلهما ابن جرير، أي:لا نسألك عن كفر من كفر بك، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [ الرعد:40 ] وكقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ الآية [ الغاشية:21 ، 22 ] وكقوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ ق:45 ] وأشباه ذلك من الآيات.

وقرأ آخرون « ولا تَسْأَلْ عن أصحاب الجحيم » بفتح التاء على النهي، أي:لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق:

أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي، ليت شعري ما فعل أبواي؟ » . فنـزلت: ( وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) فما ذكرهما حتى توفاه الله، عز وجل.

ورواه ابن جرير، عن أبي كُرَيب، عن وَكِيع، عن موسى بن عبيدة، [ وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب ] بمثله وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال القرطبي:وهذا كما يقال لا تسأل عن فلان؛ أي:قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا، وأجبنا عن قوله: « إن أبي وأباك في النار » . ( قلت ) :والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف والله أعلم.

ثم قال [ ابن جرير ] وحدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جُرَيج، أخبرني داود بن أبي عاصم:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: « أين أبواي؟ » . فنـزلت: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) .

وهذا مرسل كالذي قبله. وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب [ القرظي ] وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه. واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار [ كما ثبت ذلك في الصحيح ] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكر ابن جرير. والله أعلم.

وقال الإمام أحمد:حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُلَيح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال:لقيت عبد الله بن عَمْرو بن العاص، فقلت:أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال:أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن:يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظٍّ ولا غليظ ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا:لا إله إلا الله. فيفتح به أعينا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبا غُلْفًا.

انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُلَيح، به . وقال:تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد:عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به . فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء.

وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافَى بن سليمان، عن فليح، به. وزاد:قال عطاء:ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبًا قال بلُغَتِهِ:أعينًا عمومى، وآذانًا صمومى، وقلوبًا غلوفًا

 

وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 120 ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 121 )

قال ابن جرير:يعني بقوله جل ثناؤه: ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) وليست اليهود - يا محمد - ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.

وقوله تعالى: ( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) أي:قل يا محمد:إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني:هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.

قال قتادة في قوله: ( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) قال:خصومة عَلَّمها الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة. قال قتادة:وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « لا تزال طائفة من أمتي يقتتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله » .

قلت:هذا الحديث مُخَرَّج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو .

( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعد ما عَلِموا من القرآن والسنة، عياذًا بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، والأمر لأمته.

[ وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ( حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة كقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون:6 ] ، فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. وقال في الرواية الأخرى كقول مالك:إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى، كما جاء في الحديث، والله أعلم ] .

وقوله تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة:هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.

وقال:سعيد عن قتادة:هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قالا حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) قال:إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار .

وقال أبو العالية:قال ابن مسعود:والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يُحِلَّ حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنـزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.

وكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.

وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال:يُحِلُّون حلاله ويُحَرِّمُون حرامه، ولا يُحَرِّفُونه عن مواضعه.

قال ابن أبي حاتم:وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.

وقال الحسن البصري:يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، يَكِلُونَ ما أشكل عليهم إلى عالمه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) قال:يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [ الشمس:2 ] ، يقول:اتَّبَعَها. قال:ورُوِيَ عن عكرمة، وعطاء، ومجاهد، وأبي رزين، وإبراهيم النخَعي نحو ذلك.

وقال سفيان الثوري:حدثنا زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) قال:يتبعونه حق اتباعه.

قال القرطبي:وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) قال: « يتبعونه حق اتباعه » ، ثم قال:في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري:من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه:هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها، قال:وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية عذاب تعوذ.

وقوله: ( أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) خَبَر عن ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ) أي:من أقام كتابه من أهل الكتب المنـزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ الآية [ المائدة:66 ] . وقال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ المائدة:68 ] ، أي:إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حَقَّ الإيمان، وصَدَّقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونَعْتِه وصفته والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ الآية [ الأعراف:157 ] وقال تعالى: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا [ الإسراء:107 ، 108 ] أي:إن كان ما وعدنا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعًا. وقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [ القصص:52 - 54 ] . وقال تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [ آل عمران:20 ] ولهذا قال تعالى: ( وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] . وفي الصحيح: « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة:يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار » .

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 )

قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمه وأمره وأمته. يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عَمِّهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم. ولا يحملهم ذلك الحسدُ على مخالفته وتكذيبه، والحيدة عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 )

يقول تعالى مُنَبِّهًا على شرف إبراهيم خليله، عليه السلام وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد، حتى قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) أي:واذكر - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي:اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ( فَأَتَمَّهُنَّ ) أي:قام بهن كلهن، كما قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم:37 ] ، أي:وفى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النحل:120 - 123 ] ، وقال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام:161 ] ، وقال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران:67 ، 68 ]

وقوله تعالى: ( بِكَلِمَاتٍ ) أي:بشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق، ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله تعالى عن مريم، عليها السلام،: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [ التحريم:12 ] . وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه ] ِ [ الأنعام:115 ] أي:كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) أي:قام بهن. قال: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) أي:جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر وتَرَكَ الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.

وقد اختلف [ العلماء ] في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل، عليه السلام. فروي عن ابن عباس في ذلك روايات:

فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس:ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السَّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.

وقال عبد الرزاق - أيضًا - :أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) قال:ابتلاه الله بالطهارة:خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس:قَص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد:تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونَتْف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء .

قال ابن أبي حاتم:ورُوِي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنَّخَعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.

قلت:وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « عَشْرٌ من الفطرة:قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء » [ قال مصعب ] ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.

قال وَكِيع:انتقاص الماء، يعني:الاستنجاء .

وفي الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « الفطرة خمس:الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط » . ولفظه لمسلم .

وقال ابن أبي حاتم:أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن هُبيرة، عن حَنَش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس:أنه كان يقول في هذه الآية: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال:عَشْرٌ، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان:حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول:هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر:الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.

وقال داود بن أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أنه قال:ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قلت له:وما الكلماتُ التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال:الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [ الْحَامِدُونَ ] [ التوبة:112 ] إلى آخر الآية وعشر آيات في أول سورة ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) و ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) وعشر آيات في الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [ الآية:35 ] إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة. قال الله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم:37 ] .

هكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به . وهذا لفظ ابن أبي حاتم.

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال:الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن:فراق قومه - في الله - حين أمر بمفارقتهم. ومحاجَّته نمروذ - في الله - حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه - في الله - على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده - في الله - حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أبي رجاء، عن الحسن - يعني البصري - : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [ فَأَتَمَّهُنَّ ] ) قال:ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.

وقال ابن جرير:حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال:كان الحسن يقول:أي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه:ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح ابنه والختان فصبر على ذلك.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [ فَأَتَمَّهُنَّ ] )

قال:ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب والشمس، والقمر.

وقال أبو جعفر بن جرير:حدثنا ابن بشار، حدثنا سَلْم بن قتيبة، حدثنا أبو هلال، عن الحسن ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ) قال:ابتلاه بالكوكب، والشمس، والقمر، فوجده صابرًا.

وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) فمنهن: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ومنهن: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ومنهن:الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال الله لإبراهيم:إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال:تجعلني للناس إمامًا. قال:نعم. قال:ومن ذريتي؟ ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:تجعل البيت مثابة للناس؟ قال:نعم. قال:وأمنًا. قال:نعم. قال:وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال:نعم. قال:وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال:نعم.

قال ابن أبي نَجِيح:سمعته من عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره.

وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال:ابتلي بالآيات التي بعدها: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [ فَأَتَمَّهُنَّ ] ) قال:الكلمات: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وقوله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الآية، وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ الآية، قال:فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.

قال السدي:الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم رَبُّه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ] .

[ وقال القرطبي:وفي الموطأ وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول:إبراهيم، عليه السلام، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قَلَّم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال:ما هذا؟ قال:وقار، قال:يا رب، زدني وقارًا. وذكر ابن أبي شيبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال:أول من خطب على المنابر إبراهيم، عليه السلام، قال غيره:وأول من برَّد البريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل، وروي عن معاذ بن جبل قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم » قلت:هذا حديث لا يثبت، والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية ] .

قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله:أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميعُ ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزمُ بشيء منها أنه المرادُ على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال:ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.

قال:غَيْرَ أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما ما حدثنا به أبو كُرَيْب، حدثنا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الَّذِي وَفَّى [ النجم:37 ] ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم:17 ] حتى يختم الآية » .

قال:والآخر منهما:حدثنا به أبو كريب، أخبرنا الحسن، عن عطية، أخبرنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أتدرون ما وفى؟ » . قالوا:الله ورسوله أعلم. قال: « وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار » .

ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به .

ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه [ والله أعلم ] .

ثم قال ابن جرير:ولو قال قائل:إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا، فإن قوله: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.

قلت:والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه والله أعلم.

وقوله: ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) لما جعل الله إبراهيم إمامًا ، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طَلِبَتِهِ قول الله تعالى في سورة العنكبوت: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ العنكبوت:27 ] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنـزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه .

وأما قوله تعالى: ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فقد اختلفوا في ذلك، فقال خَصِيف، عن مجاهد في قوله: ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:إنه سيكون في ذريتك ظالمون.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:لا يكون لي إمام ظالم [ يقتدى به ] . وفي رواية:لا أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ( قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:لا يكون إمام ظالم يقتدى به.

وقال ابن أبي حاتم:حدثني أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) قال:أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالما فلا ولا نُعْمَةَ عَيْنٍ.

وقال سعيد بن جبير: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم. يقول:لا يكون إمام مشرك.

وقال ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء:ما عهده؟ قال:أمره.

وقال ابن أبي حاتم:أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إلي، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:قال الله لإبراهيم: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) فأبى أن يفعل، ثم قال: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )

وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ( قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده - ولا ينبغي [ له ] أن يوليه شيئا من أمره وإن كان من ذرية خليله - ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:يعني لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.

وقال ابن جرير:حدثنا المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه .

وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.

وقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال:ليس لظالم عهد.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال:لا ينال عهدُ الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.

وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.

وقال الربيع بن أنس:عهد الله الذي عهد إلى عباده:دينه، يقول:لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [ الصافات:113 ] ، يقول:ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.

وكذا روي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان.

وقال جويبر، عن الضحاك:لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.

وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه:حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: « لا طاعة إلا في المعروف » .

وقال السدي: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) يقول:عهدي نبوتي.

فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل، عليه السلام، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ( 125 )

قال العوفي، عن ابن عباس:قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) يقول:لا يقضون منه وطرًا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) يقول:يثوبون.

رواهما ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم:أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) قال:يثوبون إليه ثم يرجعون. قال:وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير- في رواية - وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك، نحو ذلك. وقال ابن جرير:حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدثني الوليد بن مسلم قال:قال أبو عمرو - يعني الأوزاعي - حدثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) قال:لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.

وحدثني يونس، عن ابن وهب، قال:قال ابن زيد: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) قال:يثوبون إليه من البُلْدان كلها ويأتونه.

[ وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى، أورده القرطبي :

جـــعل البيـــت مثابًــا لهــم ليس منـه الدهـر يقضـون الوَطَـرْ ]

وقال سعيد بن جبير - في الرواية الأخرى - وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني ( مَثَابَةً لِلنَّاسِ ) أي:مجمعا.

( وَأَمْنًا ) قال الضحاك عن ابن عباس:أي أمنًا للناس.

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) يقول:أمنًا من العدو، وأن يُحْمَل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يُتَخَطَّف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون.

وروي عن مجاهد، وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا:من دخله كان آمنًا.

ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية:أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي:جعله مَحَلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، عليه السلام، في قوله: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ إلى أن قال: رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [ إبراهيم:37 - 40 ] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فيه فلا يَعْرض له، كما وصفها في سورة المائدة بقوله تعالى جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [ المائدة:97 ] أي:يُرْفَع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس:لو لم يحج الناسُ هذا البيت لأطبق الله السماءَ على الأرض، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا [ الحج:26 ] وقال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل عمران:96 ، 97 ] .

وفي هذه الآية الكريمة نَبَّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فقال ابن أبي حاتم:أخبرنا عمر بن شَبَّة النميري، حدثنا أبو خلف - يعني عبد الله بن عيسى- حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) قال:مقام إبراهيم:الحرم كله. وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك.

وقال [ أيضا ] حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال:سألت عطاء عن ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فقال:سمعت ابن عباس قال:أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال:و ( مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ) يعد كثير، « مقام إبراهيم » الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال:التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة. فقلت:أفسره ابن عباس؟ قال:لا ولكن قال:مقام إبراهيم:الحج كله. قلت:أسمعت ذلك؟ لهذا أجمع. قال:نعم، سمعته منه.

وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) قال:الحَجر مقام إبراهيم نبي الله، قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غَسل رأسَه كما يقولون لاختلف رجلاه.

[ وقال السدي:المقام:الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي، وضعفه ورجحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس ] .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جُرَيج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال:لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم قال له عمر:هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال:نعم، قال:أفلا نتخذه مصلى؟ فأنـزل الله، عز وجل: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) .

وقال عثمان بن أبي شيبة:أخبرنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال:قال عمر:قلت:يا رسول الله، هذا مقام خليل ربنا؟ قال:نعم، قال:أفلا نتخذه مصلى؟ فنـزلت: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) .

وقال ابن مَرْدويه:حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال:يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربنا ؟ قال: « بلى » . قال:أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نـزلت: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )

وقال ابن مردويه:حدثنا محمد بن أحمد بن محمد القزويني، حدثنا علي بن الحسين الجنيد، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال:لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر:يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ؟ قال: « نعم » . قال الوليد:قلت لمالك:هكذا حدثك ( وَاتَّخِذُوا ) قال:نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب.

وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه .

وقال البخاري:باب قوله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) مثابة يثوبون يرجعون.

حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك. قال:قال عمر بن الخطاب وافقتُ ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت:يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنـزلت: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقلت:يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنـزل الله آية الحجاب . وقال:وبلغني مُعَاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت:إن انتهيتن أو ليبدلَن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، فقالت:يا عمر، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تَعظهن أنت؟! فأنـزل الله: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ الآية [ التحريم:5 ] .

وقال ابن أبي مريم:أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال:سمعت أنسًا عن عمر، رضي الله عنهما .

هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم يسنده؛ لأن يحيى بن أبي أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه:هو سيئ الحفظ، والله أعلم.

وقال الإمام أحمد:حدثنا هُشَيم، حدثنا حُمَيد، عن أنس، قال:قال عمر رضي الله عنه وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت:يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنـزلت: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقلت:يا رسول الله، إن نساءكَ يدخلُ عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنـزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ [ التحريم:5 ] فنـزلت كذلك ثم رواه أحمد، عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس، عن عمر أنه قال:وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره .

وقد رواه البخاري عن عَمْرو بن عَوْن والترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، كلهم عن هُشَيم بن بشير، به . ورواه الترمذي - أيضًا- عن عبد بن حُميد، عن حجاج بن مِنهال، عن حماد بن سلمة، والنسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل، به . وقال الترمذي:حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زُرَيع، عن حميد به. وقال:هذا من صحيح الحديث، وهو بصري، ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه بسند آخر، ولفظ آخر، فقال:حدثنا عقبة بن مُكْرَم، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال:وافقت ربي في ثلاث:في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم .

وقال أبو حاتم الرازي:حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال:قال عمر بن الخطاب:وافقني ربي في ثلاث - أو وافقت ربي- قلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنـزلت: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) وقلت:يا رسول الله لو حجبت النساء؟ فنـزلت آية الحجاب. والثالثة:لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه. قلت:يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: « إيهًا عنك يا بن الخطاب » ، فنـزلت: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [ التوبة:84 ] .

وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم.

وقال ابن جريج أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتى إذا فرغ عَمَد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )

وقال ابن جرير:حدثنا يوسف بن سلمان حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر قال:استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.

وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث حاتم بن إسماعيل .

وروى البخاري بسنده، عن عمرو بن دينار، قال:سمعت ابن عمر يقول:قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين .

فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَرُ الذي كان إبراهيم عليه السلام، يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، عليه السلام، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:

ومَـوطئُ إبـراهيم فـي الصخر رطبة عــلى قدميـه حافيًـا غـير نـاعل

وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا. وقال عبد الله بن وهب:أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب:أن أنس بن مالك حدثهم، قال:رأيت المقام فيه أثر أصابعه عليه السلام، وإخْمَص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.

وقال ابن جرير:حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذُكِرَ لنا من رأى أثر عَقِبِه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى.

قلت:وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل، عليه السلام لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا - والله أعلم- أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه [ وهو ] أحدُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر » . وهو الذي نـزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين.

قال عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا:قالوا:أول من نقله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن حَمِيد الأعرج، عن مجاهد قال:أول من أخر المقام إلى موضعه الآن، عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أخبرنا أبو [ الحسين بن ] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها:أن المقام كان في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني قال:قال سفيان - [ يعني ابن عيينة ] وهو إمام المكيين في زمانه- كان المقام في سُقْع البيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد قوله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) قال:ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.

وقال سفيان:لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان:لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟ .

فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.

وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه:حدثنا أبو عَمْرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال:قال عمر:يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنـزل الله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعه هذا. قال مجاهد:قد كان عمر يرى الرأي فينـزل به القرآن .

هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم .

وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 )

قال الحسن البصري:قوله: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ) قال:أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء.

وقال ابن جريج:قلت لعطاء:ما عهده؟ قال:أمره.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ) أي:أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا.

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: ( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ ) قال:من الأوثان.

وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير: ( طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ) إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.

قال ابن أبي حاتم:ورُوي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: ( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ) أي:بلا إله إلا الله، من الشرك.

وأما قوله تعالى: ( لِلطَّائِفِينَ ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: ( لِلطَّائِفِينَ ) يعني:من أتاه من غُرْبة، ( وَالْعَاكِفِينَ ) المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس:أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير.

وقال يحيى [ بن ] القطَّان، عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان- عن عطاء في قوله: ( وَالْعَاكِفِينَ ) قال:من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا - ونحن مجاورون- :أنتم من العاكفين.

وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال:إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال:قلنا لعبد الله بن عبيد بن عمير:ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويُحدثون. قال:لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال:هم العاكفون.

[ ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، به ] .

قلت:وقد ثبت في الصحيح أنّ ابن عمرَ كان ينام في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عَزَب .

وأما قوله تعالى: ( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) فقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس ( وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) قال:إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء وقتادة.

وقال ابن جَرير رحمه الله:فمعنى الآية:وأمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال:فإن قيل:فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين:أحدهما:أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سُنَّة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد: ( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ) قال:من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.

قلت:وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.

الجواب الثاني:أنه أمرهما أن يخلصا [ في ] بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والرَّيْب، كما قال جل ثناؤه: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ [ التوبة:109 ] قال:فكذلك قوله: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ) أي:ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ( أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ) ابنيا بيتي للطائفين.

وملخص هذا الجواب:أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ الآيات [ الحج:26 - 37 ] .

[ وقد اختلف الفقهاء:أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك:الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور:الصلاة أفضل مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام ] .

والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [ الحج:25 ] .

ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة:قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك - أيضًا- رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين:اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى [ النجم:4 ] .

وتقدير الكلام إذًا: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [ أي:تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ] أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي:طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصًا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [ النور:36 ] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال عليه السلام: « إنما بنيت المساجد لما بنيت له » . وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة.

وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل:الملائكة قبل آدم، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل:آدم عليه السلام رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم:أن آدم بناه من خمسة أجبل:من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا. وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه:أن أول من بناه شيث، عليه السلام، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.

وقوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير:حدثنا ابن بشار قال:حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها » .

وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به .

وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري .

وقال ابن جرير - أيضًا- :حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا:سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير » .

وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه » ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: « بركة مع بركة » ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم .

ثم قال ابن جرير:حدثنا أبو كُريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خَديج، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها » .

انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به . ولفظه كلفظه سواء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة: « التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني » فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نـزل. وقال في الحديث:ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال: « هذا جبل يُحبُّنا ونحبه » . فلما أشرف على المدينة قال: « اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم » . وفي لفظ لهما: « اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم » . زاد البخاري:يعني:أهل المدينة .

ولهما أيضا عن أنس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة » وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحَرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة »

رواه البخاري وهذا لفظه ، ومسلم ولفظه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة » .

وعن أبي سعيد، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين » . الحديث رواه مسلم .

والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، عليه السلام، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.

[ وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل:إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى ] .

وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: « إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا » فقال العباس:يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: « إلا الإذخر » وهذا لفظ مسلم .

ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك .

ثم قال البخاري بعد ذلك:قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، مثله .

وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح، فقال: « يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد » فقال العباس:إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إلا الإذْخَر » .

وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة - :ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغَد من يوم الفتح، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا:إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب » . فقيل لأبي شُرَيح:ما قال لك عمرو؟ قال:أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرَبَة.

رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه .

فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم، عليه السلام، حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم، عليه السلام، لها، كما أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم، عليه السلام: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا:يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال: « دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام » .

أي:أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.

وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.

وقوله:تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) أي:من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل عمران:97 ] وقوله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ العنكبوت:67 ] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح » . وقال في هذه السورة: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) أي:اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ) [ إبراهيم:35 ] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانًيا بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [ إبراهيم:39 ]

وقوله تعالى: ( وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ( قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير ) قال هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى:قال:وقرأ آخرون: ( قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال:كان ابن عباس يقول:ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا .

وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ( وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ) يقول:ومن كفر فأرزقه أيضًا ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )

وقال محمد بن إسحاق:لما عزل إبراهيم، عليه السلام، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه، بخبر الله له بذلك - قال الله:ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.

وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهْني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) قال ابن عباس:كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنـزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [ الإسراء:20 ] . رواه ابن مَرْدُويه. ورُوي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ، [ يونس:69 ، 70 ] وقوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [ لقمان:23 ، 24 ] ، وقوله: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزخرف:33 ، 35 ]

وقوله ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) أي:ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه:أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحج:48 ] ، وفي الصحيحين: « لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم » وفي الصحيح أيضًا: « إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » . ثم قرأ قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ . [ هود:102 ] .

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 ) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 )

وأما قوله تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

فالقواعد:جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى:واذكر - يا محمد - لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، البيت، ورفْعَهما القواعدَ منه، وهما يقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد:أنه قرأ: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ) ثم يبكي ويقول:يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مُشْفق أن لا يتقبل منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أي:يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون:60 ] أي:خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه.

وقال بعض المفسرين:الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل. والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.

وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده ثم نُتْبِعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري، رحمه الله:

حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن أيوب السخيتاني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وَدَاعة - يزيد أحدُهما على الآخر - عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:أول ما اتخذ النساء المنْطَق من قبَل أم إسماعيل، عليهما السلام اتخذت منطقًا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، عليهما السلام، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقَاء فيه ماء، ثم قَفَّى إبراهيم، عليه السلام، منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت:يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت آلله أمرك بهذا؟ قال:نعم. قالت:إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، عليه السلام، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ إبراهيم:37 ] ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، عليهما السلام، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال:يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقربَ جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرْفَ درعها، ثم سعت سَعْيَ الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحَدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « فلذلك سعى الناس بينهما » .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت:صه، تريد نفسها، ثم تَسَمَّعت فسمعَت أيضًا. فقالت:قد أسمعت إن كان عندك غُوَاث فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال:بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال:لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا مَعينًا » .

قال:فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك:لا تخافي الضيعة؛ فإن هاهنا بيتًا لله، عز وجل، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله، عز وجل، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم - أو أهل بيت من جُرْهم - مقبلين من طريق كَدَاء. فنـزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا:إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال:وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا:أتأذنين لنا أن ننـزل عندك؟ قالت:نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء. قالوا:نعم.

قال ابن عباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنـزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنـزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلامُ، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، عليهما السلام، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيلُ ليطالع تَرْكَتَه. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت:خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت:نحن بشَرّ، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال:فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له:يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، كأنه أنس شيئًا. فقال:هل جاءكم من أحد؟ قالت:نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جَهْد وشدَّة. قال:فهل أوصاك بشيء؟ قالت:نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول غَيِّرْ عتبة بابك. قال:ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك. فَطَلَّقَها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت:خرج يبتغي لنا. قال:كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وَهَيْئَتهم. فقالت:نحن بخير وسعة. وأثنت على الله، عز وجل. فقال:ما طعامكم؟ قالت:اللحم. قال:فما شرابكم؟ قالت:الماء. قال:اللهم بارك لهم في اللحم والماء » . قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ولم يكن لهم يومئذ حَب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال:فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه » . قال: « فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومُريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل، عليه السلام، قال:هل أتاكم من أحد؟ قالت:نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه فسألني عنك، فأخبرته، فسألني:كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال:فأوصاك بشيء؟ قالت:نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال:ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لَبثَ عنهم ما شاء الله، عز وجل، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يَبْرِي نَبْلا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال:يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال:فاصنع ما أمرك ربك، عز وجل. قال:وتعينني؟ قال:وأعينك. قال:فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا - وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها - قال:فعند ذلك رَفَعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) » قال: « فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) . »

[ ورواه عبد بن حميد عن عبد الرزاق به مطولا ] .

ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حمَّاد الظهراني. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا .

وقال أبو بكر بن مَرْدُويه:حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن كثير بن كثير، قال:كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير:سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.

ثم قال البخاري:حدثنا عبد الله بن محمد. حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنَّة، فيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتى بلغوا كَدَاء نادته من ورائه:يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال:إلى الله، عز وجل. قالت:رضيت بالله. قال:فرجَعَتْ، فجعلت تشرب من الشنة، ويَدر لبنها على صَبيها حتى لما فَنِي الماء قالت:لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا. قال:فذهَبَتْ فصَعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي سَعَت حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطا ثم قالت:لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه يَنْشَغُ للموت، فلم تقُرَّها نفسها، فقالت:لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال:فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونَظرت فلم تُحس أحدًا، حتى أتمت سبعا، ثم قالت:لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت:أغثْ إن كان عندك خير. فإذا جبريل، عليه السلام، قال:فقال بعقبه هكذا، وغمز عَقِبَه على الأرض. قال:فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ أم إسماعيل، فجعلت تحفر.

قال:فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: « لو تركَتْه لكان الماء ظاهرًا . »

قال:فجعلت تشرب من الماء ويَدِرُّ لبنها على صَبِيِّها.

قال:فمر ناس من جُرْهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا:ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فَنَظَرَ، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا:يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - ونسكن معك؟ - فبلغ ابنها ونكح فيهم امرأة.

قال:ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله:إني مُطَّلع تَرْكَتي. قال:فجاء فسلم، فقال:أين إسماعيل؟ قالت امرأته:ذهب يصيد. قال:قولي له إذا جاء:غير عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال:أنت ذَاكِ، فاذهبي إلى أهلك.

قال:ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله:إني مُطَّلع تَرْكتي. قال:فجاء فقال:أين إسماعيل؟ فقالت امرأته:ذهب يصيد. فقالت:ألا تنـزل فَتَطْعَم وتشرب؟ فقال:ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت:طعامنا اللحم، وشرابنا الماء. قال:اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.

قال:فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: « بَرَكة بدعوة إبراهيم »

قال:ثم إنه بدا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال لأهله:إني مُطَّلع تَرْكتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نَبْلا له فقال:يا إسماعيل، إن ربك، عز وجل، أمرني أن أبني له بيتًا. فقال:أطعْ ربك، عز وجل. قال:إنه قد أمرني أن تعينني عليه؟ فقال:إذن أفعلَ - أو كما قال - قال:فقاما [ قال ] فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) قال:حتى ارتفع البناء وضَعُفَ الشيخ عن نقل الحجارة. فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء .

والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه المستدرك، عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان القَزَّاز، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال:صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، كأن فيه اقتصارًا، فإنه لم يذكر فيه [ شأن ] الذبح. وقد جاء في الصحيح، أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم، عليه السلام، كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا ثم يعود إلى أهله بالبلاد المقدسة، والله أعلم. والحديث - والله أعلم - إنما فيه - مرفوع - أماكن صَرح بها ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير:

حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال:لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال:فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثلُ الرأس. فكلمه، قال:يا إبراهيم، ابن على ظِلي - أو قال على قدري - ولا تَزْد ولا تنقص:فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر:يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال:إلى الله. قالت:انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال:فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال:فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت:يا إسماعيل، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها:من أنت؟ قالت:أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال:فإلى من وَكَلَكُما؟ قالت:وكلنا إلى الله. قال:وكلكما إلى كافٍ. قال:ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال:دعيه فإنها رَوَاء .

ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل - إن كان محفوظًا - أن يكون أولا وضع له حوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله تعالى.

ثم قال ابن جرير:أخبرنا هَنَّاد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سِماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلا قام إلى علي، رضي الله عنه، فقال:ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال:لا ولكنه أول بيت وضع فيه البَرَكة ،مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني:إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض، قال:فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل الله السكينة - وهي ريح خجوج، ولها رأسان - فأتْبَع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت كطي الحجفَة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئًا. فقال إبراهيم:أبغني حجرًا كما آمرك. قال:فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال:يا أبه، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال:أتاني به من لن يَتَّكل على بنائك، جاء به جبريل، عليه السلام، من السماء. فأتماه .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا حمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال:كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.

قال سعيد:وحدثنا علي بن أبي طالب:أن إبراهيم أقبل من أرمينية، ومعه السكينة تدله على تَبُوُّء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتًا، قال:فكشفت عن أحجار لا يُطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا. قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) قال:كان ذلك بعد.

وقال السدي:إن الله، عز وجل، أمر إبراهيم أن يبني [ البيت ] هو وإسماعيل:ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فانطلق إبراهيم، عليه السلام، حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخَذَا المعاول لا يدريان أين البيت؟ فبعث الله ريحًا، يقال لها:ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول [ الله ] تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [ الحج:26 ] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل:يا بني، اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه هاهنا. قال:يا أبت، إني كسلان لَغب.

قال:عَلَيّ بذلك فانطلق فطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق يطلب له حجرًا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال:يا أبه، من جاءك بهذا؟ قال:جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى [ بهن ] إبراهيم ربه، فقال: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم. وإنما هُدِي إبراهيمُ إليها وبُوِّئ لها. وقد ذهب إلى ذلك ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ) قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك .

وقال عبد الرزاق أيضًا:أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار - ختن عطاء - عن عطاء ابن أبي رباح، قال:لما أهبط الله آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسُه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها. فخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته. فوجه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قريةً، وخَطوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنـزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتى أنـزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم، عليه السلام، فبناه. وذلك قول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [ الحج:26 ] .

وقال عبد الرزاق:أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال:قال آدم:إني لا أسمع أصوات الملائكة؟! قال:بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل:من حراء. وطور زيتا، وطور سَيْناء، وجبل لبنان، والجودي. وكان رَبَضُه من حراء. فكان هذا بناء آدم، حتى بناه إبراهيم، عليه السلام، بعد .

وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارَة، والله أعلم.

وقال عبد الرزاق أيضًا:أخبرنا معمر، عن قتادة، قال:وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند. وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنُقص إلى ستين ذراعًا؛ فحزن إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله، عز وجل، فقال الله:يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يُطَاف حول عرشي، وتصلِّي عنده كما يصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومُدَّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة. فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك. فأتى آدم البيت فطاف به، ومَن بعده من الأنبياء .

وقال ابن جرير:حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القُمِّي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:وضع الله البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تُخْلَق الدنيا بألفي عام، ثم دحِيت الأرض من تحت البيت.

وقال محمد بن إسحاق:حدثني [ عبد الله ] بن أبي نَجِيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم:أن الله لما بَوَّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وبأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحمُلوا - فيما حدثني - على البُرَاق، ومعه جبريل يَدُلّه على موضع البيت ومعالم الحَرم. وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال:أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل:امضِه. حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضَاة سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: « العماليق » خارج مكة وما حولها. والبيت يومئذ ربوة حمراء مَدِرَة، فقال إبراهيم لجبريل:أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال:نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنـزلهما فيه، وأمر هاجَرَ أمَّ إسماعيل أن تتخذ فيه عَريشًا، فقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ إبراهيم:37 ] .

وقال عبد الرزاق:أخبرنا هشام بن حَسَّان، أخبرني حُمَيد، عن مجاهد، قال:خلق الله موضعَ هذا البيت قبلَ أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة .

وكذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد:القواعد في الأرض السابعة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عَمْرو بن رافع، أخبرنا عبد الوهاب بن معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علياء بن أحمر:أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعدَ البيت من خمسة أجبل. فقال:ما لكما ولأرضي؟ فقال نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال:فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن:نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران، أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال:قد رضيت وسلمت. ثم مضى.

وذَكَرَ الأزْرَقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم، عليه السلام، بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه ، والله أعلم.

وقال البخاري، رحمه الله:قوله تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ) الآية:القواعد:أساسه واحدها قاعدة. والقواعد من النساء:واحدتها قاعدُ.

حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله:أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عُمَر، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ألم تَرَيْ أن قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ » فقلت:يا رسول الله، ألا تَرُدَّها على قواعد إبراهيم؟ قال: « لولا حِدْثان قومك بالكفر » . فقال عبد الله بن عمر:لئن كانت عائشة سَمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الرُّكنين اللذَين يَلِيان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم، عليه السلام .

وقد رواه في الحج عن القَعْنَبي، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب. والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك به .

ورواه مسلم أيضًا من حديث نافع، قال:سمعت عبد الله بن أبي بكر بن أبي قُحَافة يحدث عبدَ الله بن عُمَر، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال:بكفر - لأنفقت كنـز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر » .

وقال البخاري:حدثنا عُبَيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، قال:قال لي ابنُ الزبير:كانت عائشة تُسر إليك حديثًا كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة؟ قال قلت:قالت لي:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم - فقال ابن الزبير:بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين:بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون » . ففعله ابن الزبير.

انفرد بإخراجه البخاري، فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه .

وقال مسلم في صحيحه:حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لولا حَدَاثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خَلْفًا » .

قال:وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيب، قالا حدثنا ابن نُمَير، عن هشام بهذا الإسناد. انفرد به مسلم ،قال:وحدثني محمد بن حاتم، حدثني ابن مهدي، حدثنا سليم بن حَيَّان، عن سعيد - يعني ابن ميناء - قال:سمعت عبد الله بن الزبير يقول:حدثتني خالتي - يعني عائشة رضي الله عنها - قالت:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا عائشة، لولا قومك حديث عَهْد بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين:بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدتُ فيها ستة أذرع من الحِجْر؛ فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة » انفرد به أيضًا .

ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل، عليه السلام، بمدد طويلة

وقبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين

وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة

صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين

قال محمد بن إسحاق بن يسار، في السيرة:

ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك ليسقفوها، ويهابون هَدْمها، وإنما كانت رَضما فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنـز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جَوْف الكعبة، وكان الذي وُجد عنده الكنـز دويك، مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رَمى بسفينة إلى جُدَّة، لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدُّوه لتسقيفها. وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم، في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تَطْرَحُ، فيها ما يُهْدَى لها كل يوم، فَتَتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون. وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزَألَّت وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوما تَتَشرَّق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها. فقالت قريش:إنا لنرجو أن يكون الله قد رَضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.

فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام أبو وهب بن عَمْرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال:يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.

قال ابن إسحاق:والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخزُوم .

قال:ثم إن قريشا تَجَزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قُصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قُصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحَطيم.

ثم إن الناس هابوا هَدْمها وفَرقُوا منه، فقال الوليد بن المغيرة:أنا أبدؤكم في هَدْمها:فأخذ المعْولَ ثم قام عليها وهو يقول:اللهم لم تَرعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا:ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عَمَله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم [ بهم ] إلى الأساس، أساس إبراهيم، عليه السلام، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا .

قال [ محمد بن إسحاق ] فحدثني بعض من يروي الحديث:أن رجلا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عَتَلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس .

قال ابن إسحاق:ثم إن القبائل من قريش جَمَعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الركن - يعني الحجر الأسود - فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال. فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا:لعَقَة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا. ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا.

فزعم بعض أهل الرواية:أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلهم - قال :يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم، فيه. ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأوه قالوا:هذا الأمين رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال [ رسول الله ] صلى الله عليه وسلم: « هَلُمَّ إليَّ ثوبًا » فأتي به، فأخذ الركن - يعني الحجر الأسود- فوضعه فيه بيده، ثم قال: « لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب » ، ثم [ قال ] : « ارفعوه جميعا » . ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم، ثم بنى عليه.

وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينـزل عليه الوحي:الأمين. فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:

عجبت لَمَـــا تصـــوبت العُقَاب إلـى الثعبـان وهـي لهـا اضطـراب

وقــد كـانت يكــون لهـا كشــيش وأحيانًــا يكــون لهــا وثَـــاب

إذا قمنــا إلــى التأســيس شَــدَّت تُهَيّبُنُـــا البنــاءَ وقــد تُهَــابُ

فلمــا أن خَشِــينا الزَّجْـرَ جــاءت عقــاب تَتْلَئِــبُّ لهــا انصبــاب

فضمتهـــا إليهــا ثـــم خَـــلَّت لنــا البنيــانَ ليس لــه حجــاب

فَقُمْنَـــا حاشــدين إلــى بنـــاء لنــا منــه القواعـــدُ والــتراب

غــداة نُــرَفِّع التأســيس منـــه وليس عـــلى مُسَـــوِّينا ثيــاب

أعَــزّ بــه المليــكُ بنــي لُــؤي فليسَ لأصلـــه منْهُـــم ذَهــاب

وقــد حَشَـدَتْ هُنَـاك بنــو عَــديّ ومُـــرَّة قــد تَقَدَّمَهــا كـــلاب

فَبَوَّأنــا المليــك بــــذاكَ عــزّا وعنـــد اللـــه يُلْتَمَسُ الثـــواب

قال ابن إسحاق:وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تكسى القباطي، ثم كُسِيت بعدُ البُرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.

قلت:ولم تزل على بناء قريش حتى أحرقت في أول إمارة عبد الله بن الزبير بعد سنة ستين. وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم، عليه السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تزل كذلك مُدَّة إمارته حتى قتله الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مَرْوان له بذلك، كما قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:

حدثنا هَنَّاد بن السَّري، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال:لما احترق البيت زَمَنَ يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسمَ يريد أن يُجَرِّئَهم - أو يُحزبهم - على أهل الشام، فلما صدر الناس قال:يا أيها الناس، أشيروا عليَّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وَهَى منها؟ قال ابن عباس:فإني قد فَرِقَ لي رأي فيها، أرى أن تُصْلِحَ ما وَهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ابن الزبير:لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم، عز وجل؛ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري. فلما مضَت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. فتحاماها الناسُ أن ينـزل بأول الناس يصعد فيه أمْر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يَره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير:إني سمعت عائشة، رضي الله عنها، تقول:إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « لولا أن الناس حديث عهدُهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يُقَوِّيني على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه . قال:فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس » . قال:فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له أسا نَظَر الناس إليه فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين:أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قُتِل ابنُ الزبير كتب الحجَّاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك:إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه .

وقد رواه النسائي في سننه، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه . ولم يذكر القصة، وقد كانَت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير، رضي الله عنه؛ لأنه هو الذي وَدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقربِ عهدهم من الكفر. ولكن خفيت هذه السُّنةُ على عبد الملك؛ ولهذا لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:وددنا أنا تركناه وما تولى. كما قال مسلم:

حدثني محمد بن حاتم حدثنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جُرَيج، سمعت عبد الله بن عُبَيد بن عمير والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد:وَفَدَ الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك:ما أظن أبا خُبَيبٍ - يعني ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث:بلى، أنا سمعته منها. قال:سمعتها تقول ماذا؟ قال:قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فَهَلُمِّي لأريك ما تركوا منه » . فأراها قريبًا من سبعة أذرع .

هذا حديث عبد الله بن عُبيد [ بن عمير ] . وزاد عليه الوليد بن عطاء:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيًّا وغربيًّا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ » قالت:قلت:لا. قال: « تَعَزُّزًا ألا يدخلها إلا من أرادوا. فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها، يَدَعونه حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط » قال عبد الملك:فقلت للحارث:أنت سمعتها تقول هذا؟ قال:نعم. قال:فَنَكَتَ ساعة بعصاه، ثم قال:وَدِدْتُ أني تركت وما تَحَمَّل.

قال مسلم:وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم ( ح ) وحدثنا عَبْدُ بن حُمَيْد، أخبرنا عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جُرَيج بهذا الإسناد، مثلَ حديث ابن بكر .

قال:وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صَغيرة، عن أبي قَزَعَة أنَّ عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال:قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أمِّ المؤمنين، يقول:سمعتها تقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا عائشة، لولا حِدْثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيها من الحجر، فإنَّ قومك قصروا في البناء » . فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة:لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال:لو كنتُ سمعته قبل أن أهدمَه لتركته على ما بنى ابن الزبير .

فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين، لأنه قد رُوي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير. فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير. فلو ترك لكان جيدًا.

ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كَرِه بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد - أو أبيه المهدي - أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردِّها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك:يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَة للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد.

نقله عياض والنواوي، ولا تزال - والله أعلم - هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبَها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يخرب الكعبة ذو السُّوَيقتين من الحبشة » . أخرجاه .

وعن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « كأني به أسودَ أفحَجَ، يقلعها حجرًا حجرًا » . رواه البخاري .

وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده:حدثنا أحمد بن عبد الملك الحَرَّاني، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يُخَرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حلْيتها ويجردها من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصيلع أفَيْدعَ يضرب عليها بِمِسْحَاته ومِعْوله » .

الفَدَع:زيغ بين القدم وعظم الساق.

وهذا - والله أعلم - إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليُحَجَّنَّ البيتُ وليُعْتَمَرَنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج » .

وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

قال ابن جرير:يعنيان بذلك، واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحِصْني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم: ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) قال:مخلصين لك، ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) قال:مخلصة.

وقال أيضا:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا المقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية ( وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ ) قال:كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.

وقال عكرمة: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) قال الله:قد فعلت. ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) قال الله:قد فعلت.

وقال السدي: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ) يعنيان العرب.

قال ابن جرير:والصواب أنه يعمُّ العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف:159 ]

قلت:وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ الآية، والمراد بذلك محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقد بعث فيهم كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ [ الجمعة:2 ] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، لقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الأعراف:158 ] ، وغير ذلك من الأدلة القاطعة.

وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين، في قوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [ الفرقان:74 ] . وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم، عليه السلام: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وهو قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [ إبراهيم:35 ] . وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث:صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له »

« وأرنا مناسكنا » قال ابن جُريج، عن عطاء ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) أخرجها لنا،عَلِّمْنَاها .

وقال مجاهد ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) مذابحنا. ورُوى عن عطاء أيضًا، وقتادة نحو ذلك.

وقال سعيد بن منصور:حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصيف، عن مجاهد، قال:قال إبراهيم: « أرنا مناسكنا » فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال:ارفع القواعد. فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال:هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال:وهذا من شعائر الله؟. ثم انطلق به نحو مِنًى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال:كَبِّر وارمه. فكبر ورماه. ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له:كبر وارمه. فكبر ورماه. فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يُدْخِل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال:هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات. قال:قد عرفت ما أريتك؟ قالها:ثلاث مرار. قال:نعم.

وروي عن أبي مِجْلز وقتادة نحو ذلك. وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي العاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال:إن إبراهيم لما أريَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى، فقال:مُنَاخ الناس هذا. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب، ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جَمْعًا. فقال:هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال:هذه عرفة. فقال له جبريل:أعرفت؟ .

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 )

يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم - أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، أي من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قَدَرَ الله السابق في تعيين محمد - صلوات الله وسلامه عليه - رسولا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْنَ » .

وكذلك رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سُويَد، به.

وقال الإمام أحمد أيضًا:حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر:سمعت أبا أمامة قال:قلت:يا رسول الله، ما كان أول بَدْء أمرك؟ قال: « دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام » .

والمراد أن أول من نَوّه بذكره وشهره في الناس، إبراهيم عليه السلام. ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتمُ أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى ابن مريم، عليه السلام، حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف:6 ] ؛ ولهذا قال في هذا الحديث: « دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم » .

وقوله: « ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام » قيل:كان منامًا رأته حين حملت به، وقَصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام وأهله، وبها ينـزل عيسى ابن مريم إذا نـزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في الصحيحين: « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك » . وفي صحيح البخاري: « وهم بالشام » .

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ ) يعني:أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فقيل له:قد استجيبت لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي وقتادة.

وقوله تعالى: ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ) يعني:القرآن ( وَالْحِكْمَةَ ) يعني:السنة، قاله الحسن،

وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل:الفهم في الدين. ولا منافاة.

( وَيُزَكِّيهِمْ ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني طاعة الله، والإخلاص.

وقال محمد بن إسحاق ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) قال:يعلمهم الخير فيفعلوه، والشر فيتقوه، ويخبرهم برضاه عنهم إذا أطاعوه واستكثروا من طاعته، وتجنبوا ما سخط من معصيته.

وقوله: ( إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي:العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ وحكمته وعدله.

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 ) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 131 ) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )

يقول تبارك وتعالى رَدًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جَرد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلم يَدْع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام:78 ، 79 ] ، وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [ الزخرف:26 ، 27 ] ، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة:114 ] وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ النحل:120 - 122 ] ، ولهذا وأمثاله قال تعالى: ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ) أي:عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها ( إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) أي:ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد، من حَداثة سنّه إلى أن اتخذه الله خليلا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء - فترك طريقه هذا ومسلكه وملّته واتبع طُرُقَ الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ

وقال أبو العالية وقتادة:نـزلت هذه الآية في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله وخالفوا ملَّة إبراهيم فيما أخذوه ، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران:67 ، 68 ] .

وقوله تعالى: ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي:أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا.

وقوله: ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ) أي:وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله [ أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ( أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ] . لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ كقوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [ الزخرف:28 ] وقد قرأ بعض السلف « ويعقوب » بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [ هود:71 ] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نـزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ الآية:27 ] وقال في الآية الأخرى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [ الأنبياء:72 ] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت:يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: « المسجد الحرام » ، قلت:ثم أي؟ قال: « بيت المقدس » . قلت:كم بينهما؟ قال: « أربعون سنة » الحديث . فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين.

وقوله: ( يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أي:أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وُفّق له ويسر عليه. ومن نوى صالحًا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء، في الحديث [ الصحيح ] « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا بَاعٌ أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » ؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: « فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو » للناس، و « يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس » . وقد قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [ الليل:5 - 10 ] .

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 )

يقول تعالى محتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ( مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه.

قال النحاس:والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي؛ وقد استدل بهذه الآية من جعل الجد أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق - حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري:ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف؛ وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة؛ وحكى مالك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي:أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر.

وقوله: ( إِلَهًا وَاحِدًا ) أي:نُوَحِّدُه بالألوهية، ولا نشرك به شيئا غيره ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) أي:مطيعون خاضعون كما قال تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران:83 ] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] . والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم : « نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد » .

وقوله تعالى: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) أي:مضت ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) أي:إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ( وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ )

وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) يعني:إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط [ ولهذا جاء، في الأثر:من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ]

 

 

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 135 )

قال محمد بن إسحاق:حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال:قال عبد الله بن صُوريا الأعورُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم:ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد . وقالت النصارى مثل ذلك. فأنـزل الله عز وجل: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا )

وقوله ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) أي:لا نريد ما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ( مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) أي:مستقيما. قاله محمد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية.

وقال خَصِيف عن مجاهد:مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:حاجًّا. وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية، والسدي.

وقال أبو العالية:الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حَجَّه عليه إن استطاع إليه سبيلا.

وقال مجاهد، والربيع بن أنس:حنيفًا، أي:متبعًا. وقال أبو قلابة:الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم.

وقال قتادة:الحنيفية:شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريمُ الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله، عز وجل والختانُ.

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 136 )

أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنـزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلا وبما أنـزل على الأنبياء المتقدمين مجملا ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلّهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [ النساء:150 ، 151 ] .

وقال البخاري:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال:كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبْرَانيَّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تُكَذبوهم، وقولوا:آمنا بالله وما أنـزل إلينا » .

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يَسار عن ابن عباس، قال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ( آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنـزلَ إِلَيْنَا ) الآية، والأخرى بـ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آل عمران:52 ] . وقال أبو العالية والربيع وقتادة:الأسباط:بنو يعقوب اثنا عشر رجلا؛ ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسمّوا الأسباط.

وقال الخليل بن أحمد وغيره:الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل؛ وقال الزمخشري في الكشاف:الأسباط:حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثنى عشر، وقد نقله الرازي عنه، وقرره ولم يعارضه. وقال البخاري:الأسباط:قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط هاهنا شعوب بني إسرائيل، وما أنـزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ المائدة:20 ] وقال تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [ الأعراف:160 ] وقال القرطبي:وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل:أصله من السبط، بالتحريك، وهو الشجر، أي:هم في الكثرة بمنـزلة الشجر الواحدة سبطة. قال الزجاج:ويبين لك هذا:ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة:نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد - عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي:والسبط:الجماعة والقبيلة، الراجعون إلى أصل واحد.

وقال قتادة:أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقُوا بكتبه كلّها وبرسله.

وقال سليمان بن حبيب:إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن محمد بن مُصْعب الصوري، حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن مَعْقل بن يسار قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسَعْكمُ القرآن » .

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 ) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( 138 )

يقول تعالى: ( فَإِنْ آمَنُوا ) أي :الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ( بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ) أيها المؤمنون، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ( فَقَدِ اهْتَدَوْا ) أي:فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه ( وَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي:عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم ( فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ) أي:فسينصرك عليهم ويُظْفِرُك بهم ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

وقال ابن أبي حاتم:قرئ على يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نُعَيم، قال:أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحفَ عثمان بن عفان ليصلحه. قال زياد:فقلت له:إن الناس يقولون:إن مصحفه كان في حجره حين قُتِل، فوقع الدم على ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فقال نافع:بَصُرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم .

وقوله: ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) قال الضحاك، عن ابن عباس:دين الله وكذا روي عن مجاهد، وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.

وانتصاب ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) إما على الإغراء كقوله فِطْرَتَ اللَّهِ [ الروم:30 ] أي:الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم:بدل من قوله: مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ وقال سيبويه:هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: آمَنَّا بِاللَّهِ كقوله وَاعْبُدُوا اللَّهَ [ النساء:36 ] .

وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مَرْدُويه، من رواية أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس أن نبي الله قال: « إن بني إسرائيل قالوا:يا موسى، هل يَصْبُغ ربك؟ فقال:اتقوا الله. فناداه ربه:يا موسى، سألوك هل يَصْبُغ ربك؟ فقل:نعم، أنا أصبُغ الألوان:الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صَبْغي » . وأنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: ( صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ) .

كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه، إن صح إسناده، والله أعلم .

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 ) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 )

يقول الله تعالى مرشدا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ) أي:أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره ( وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! ( وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أي:نحن برآء منكم، وأنتم بُرَآء منا، كما قال في الآية الأخرى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ يونس:41 ] وقال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [ آل عمران:20 ] وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [ الأنعام:80 ] وقال أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ الآية [ البقرة:258 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة: ( [ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ] وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) أي:نحن برآء منكم كما أنتم برآء منا، ونحن له مخلصون، أي في العبادة والتوجه.

ثم أنكر تعالى عليهم، في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية فقال: ( قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ) يعني:بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، كما قال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الآية والتي بعدها [ آل عمران:67 ,68 ] .

وقوله: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ) قال الحسن البصري:كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم:إن الدين [ عند الله ] الإسلامُ، وإن محمدا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهِد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.

وقوله: ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) [ فيه ] تهديد ووعيد شديد، أي: [ أن ] علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.

ثم قال تعالى: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) أي:قد مضت ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ) أي:لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ( وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين .