الجزء 16

 

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ( 75 ) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ( 76 )

( قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول؛ فلهذا قال له موسى: ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ) أي:إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ( فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) أي:قد أعذرت إليّ مرة بعد مرة.

قال ابن جرير:حدثنا عبد الله بن زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدًا فدعا له، بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: « رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال: ( إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ) » [ مثقلة ] .

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ( 77 ) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ( 78 ) .

يقول تعالى مخبرا عنهما:إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ( حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ) روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة وفي الحديث: « حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما » أي:بخلاء ( فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل. والانقضاض هو:السقوط.

وقوله: ( فَأَقَامَهُ ) أي:فردّه إلى حالة الاستقامة وقد تقدم في الحديث أنه ردّه بيديه، ودعمه حتى رد ميله . وهذا خارق فعند ذلك قال موسى له ( لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) أي:لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانًا

( قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) [ أي:لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك ] ، ( سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ) أي:بتفسير ( مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) .

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ( 79 ) .

هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى، عليه السلام، وما كان أنكر ظاهره وقد أظهر الله الخضر، عليه السلام، على باطنة فقال إن:السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ [ لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة ( يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ ) صالحة، أي:جيدة ( غَصْبًا ) فأردت أن أعيبها ] لأرده عنها لعيبها ، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها. وقد قيل:إنهم أيتام.

و [ قد ] روى ابن جريج عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي؛ أن اسم ذلك الملك هُدَدَ بن بُدَدَ، وقد تقدم أيضًا في رواية البخاري، وهو مذكور في التوراة في ذرية « العيص بن إسحاق » وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم

وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ( 80 ) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ( 81 )

قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جَيْسُور. وفي الحديث عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا » . رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، به؛ ولهذا قال: ( فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) أي:يحملهما حبه على متابعته على الكفر.

قال قتادة:قد فرح به أبواه حين ولد،وحزنا عليه حين قتل،ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.

وصح في الحديث: « لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له » . وقال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة:216 ] .

وقوله [ تعالى ] فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ) أي:ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج.

وقال قتادة:أبر بوالديه.

وقد تقدم أنهما بدلا جارية. وقيل لما قتله الخضر كانت أمه حاملا بغلام مسلم. قاله ابن جريح

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ( 82 ) .

في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ [ الكهف:77 ] وقال هاهنا: ( فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) كما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ [ محمد:13 ] ، وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف:31 ] يعني:مكة والطائف.

ومعنى الآية:أن هذا الجدار إنما أصلحه لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنـز لهما.

قال عكرمة، وقتادة، وغير واحد:كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله.

وقال العوفي عن ابن عباس:كان تحته كنـز علم. وكذا قال سعيد بن جبير، وقال مجاهد:صحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك، قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور:حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله الْيَحْصَبيّ عن عياش بن عباس القتباني عن ابن حُجَيرة ، عن أبي ذر رضي الله عنه، [ رفعه ] قال: « إن الكنـز الذي ذكر الله في كتابه:لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه:عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب ؟ وعجبت لمن ذكر النار لم ضَحِك ؟ وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله » .

بشر بن المنذر هذا يقال له:قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي:في حديثه وهم .

وقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره:حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة حدثنا سلمة ، عن نعيم العنبري - وكان من جلساء الحسن- قال:سمعت الحسن - يعني البصري- يقول في قوله: ( وَكَانَ تَحْتَهُ كَنـز لَهُمَا ) قال:لوح من ذهب مكتوب فيه:بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عُمَر مولى غُفْرَة قال:إن الكنـز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ( وَكَانَ تَحْتَهُ كَنـز لَهُمَا ) قال:كان لوحًا من ذهب مُصْمَت مكتوبا فيه:بسم الله الرحمن الرحيم، عجبٌ لمن عرف النار ثم ضحك! عجبٌ لمن أيقن بالقدر ثم نصب! عجب لمن أيقن بالموت ثم أمن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا هَنَّادَة بنت مالك الشيبانية قالت:سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول:سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى وَكَانَ تَحْتَهُ كَنـز لَهُمَا ) قال:سطران ونصف لم يتم الثالث:عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل؟ وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح؟ وقد قال تعالى: وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [ الأنبياء:47 ] قالت:وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا.

وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح، لا ينافي قول عكرمة:أنه كان مالا لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب، وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم ، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.

وقوله: ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به . قال سعيد بن جبير عن ابن عباس:حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع. [ فالله أعلم ]

وقوله: ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنـزهُمَا ) :هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله؛ وقال في الغلام: فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ وقال في السفينة: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ، فالله أعلم.

وقوله: ( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) أي:هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام، وولدي الرجل الصالح، ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر، عليه السلام، مع ما تقدم من قوله: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا .

وقال آخرون:كان رسولا. وقيل بل كان ملكًا. نقله الماوردي في تفسيره.

وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًا. بل كان وليًا. فالله أعلم.

وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بَلْيَا بن مَلْكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، عليه السلام

قالوا:وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا عن السلف وغيرهم وجاء ذكره في بعض الأحاديث. ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها أحاديث التعزية وإسناده ضعيف.

ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [ الأنبياء:34 ] وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » ، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ولا حضر عنده، ولا قاتل معه. ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه؛ لأنه عليه السلام كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين:الجنّ والإنس، وقد قال: « لو كان موسى وعيسى حَيَّيْن ما وسعهما إلا اتباعي » وأخبر قبل موته بقليل:أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تَطْرفُ، إلى غير ذلك من الدلائل.

قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ في الخَضر قال ] : « إنما سمي خضرًا ؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته [ تهتز ] خضراء » .

ورواه أيضًا عن عبد الرزاق. وقد ثبت أيضًا في صحيح البخاري، عن همام، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنما سمي الخضِر؛ لأنه جلس على فَرْوَة، فإذا هي تهتز [ من خلفه ] خضراء »

والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس، وهو الهشيم من النبات، قاله عبد الرزاق. وقيل:المراد بذلك وجه الأرض.

وقوله: ( ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ) أي:هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: ( [ مَا لَمْ ] تَسْطِعْ ) وقبل ذلك كان الإشكال قويًا ثقيلا فقال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وهو الصعود إلى أعلاه، وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [ الكهف:97 ] ، وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظًا ومعنى والله أعلم.

فإن قيل:فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟

فالجواب:أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى، عليهما السلام. وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال:حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة ، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة قال:قيل لابن عباس:لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟ فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال:شرب الفتى من الماء [ فخلد، فأخذه ] العالم، فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها تموج به إلى يوم القيامة؛ وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب

إسناد ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ( 83 )

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( وَيَسْأَلُونَكَ ) يا محمد ( عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ) أي:عن خبره. وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا:سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنـزلت سورة الكهف.

وقد أورد ابن جرير هاهنا، والأموي في مغازيه، حديثا أسنده وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر، أن نفرًا من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: « أنه كان شابا من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب » . وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل. والعجب أن أبا زُرْعَة الرازي، مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني ابن فيليبس المقدوني، الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكره الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل، عليه السلام، أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر، عليه السلام، وأما الثاني فهو، إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم. وهو الذي تؤرخ به من مملكته ملة الروم. وقد كان قبل المسيح، عليه السلام، بنحو من ثلثمائة سنة، فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم، عليه السلام، وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا من أخباره في كتاب « البداية والنهاية » ، بما فيه كفاية ولله الحمد.

وقال وهب بن منبه:كان ملكًا، وإنما سمي ذا القرنين لأن؛ صفحتي رأسه كانتا من نحاس، قال:وقال بعض أهل الكتاب:لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم:كان في رأسه شبه القرنين، وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل قال:سئل علي، رضي الله عنه، عن ذي القرنين، فقال:كان عبدًا ناصحَ الله فناصَحَه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.

وكذا رواه شعبة، عن القاسم بن أبي بَزَّة عن أبي الطفيل، سمع عليًا يقول ذلك.

ويقال:إنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب.

 

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ( 84 ) .

وقوله ( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ ) أي:أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود ، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.

وقوله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) :قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم:يعني علمًا.

وقال قتادة أيضًا في قوله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) قال:منازل الأرض وأعلامها.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) قال:تعليم الألسنة، كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم.

وقال ابن لَهيعة:حدثني سالم بن غَيْلان، عن سعيد بن أبي هلال؛ أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار:أنت تقول:إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب:إن كنت قلت ذلك، فإن الله تعالى قال: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) .

وهذا الذي أنكره معاوية، رضي الله عنه، على كعب الأحبار هو الصواب ، والحق مع معاوية في الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: « إن كنا لنبلو عليه الكذب » يعني:فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحيفته ، ولكن الشأن في صحيفته ، أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ولا حاجة لنا مع خبر الله ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحيفته من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات. وقد قال الله في حق بلقيس: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل:23 ] أي:مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب، أي:الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرَّسَاتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك. قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.

وفي « المختارة » للحافظ الضياء المقدسي، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حماز قال:كنت عند علي، رضي الله عنه، وسأله رجل عن ذي القرنين:كيف بلغ المشارق والمغارب؟ فقال سبحان الله سخر له السحاب، وقَدَّر له الأسباب، وبسط له اليد .

فَأَتْبَعَ سَبَبًا ( 85 ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ( 86 ) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ( 87 ) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ( 88 ) .

قال ابن عباس: ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) يعني:بالسبب المنـزل ] . وقال مجاهد: ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) :منـزلا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.

وفي رواية عن مجاهد: ( سَبَبًا ) قال:طريقا في الأرض.

وقال قتادة:أي أتبع منازل الأرض ومعالمها .

وقال الضحاك: ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) أي:المنازل .

وقال سعيد بن جبير في قوله: ( فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) قال:علمًا. وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى، والسدي.

وقال مطر:معالم وآثار كانت قبل ذلك.

وقوله: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) أي:فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم

وقوله: ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أي:رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه .

والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من « الحمأة » وهو الطين، كما قال تعالى: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر:28 ] أي:طين أملس . وقد تقدم بيانه.

وقال ابن جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب حدثني نافع بن أبي نعيم، سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول:كان ابن عباس يقول ( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) ثم فسرها:ذات حمأة. قال نافع:وسئل عنها كعب الأحبار فقال:أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء .

وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغير واحد.

وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مِصْدَع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ( حَمِئَةٍ )

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: « وجدها تغرب في عين حامية » يعني:حارة. وكذا قال الحسن البصري.

وقال ابن جرير:والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب .

قلت:ولا منافاة بين معنييهما، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وَهْج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل و ( حَمِئَةٍ ) في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال:نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت، فقال: « في نار الله الحامية [ في نار الله الحامية ] ، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض » .

قلت:ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون . وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا محمد - يعني ابن بشر- حدثنا عمرو بن ميمون، أنبأنا ابن حاضر، أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف « تغرب في عين حامية » قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها إلا ( حَمِئَةٍ ) فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها:فقال عبد الله:كما قرأتها. قال ابن عباس:فقلت لمعاوية:في بيتي نـزل القرآن؟ فأرسل إلى كعب فقال له:أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ [ فقال له كعب:سل أهل العربية، فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة ] في ماء وطين. وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن حاضر:لو أني عندكما أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة. قال ابن عباس:وإذًا ما هو؟ قلت:فيما يؤثر من قول تُبَّع، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:

بَلَــغَ المشَـــارقَ والمغَـارِبَ يَبْتَغِـــي أسْــبَابَ أمْــرٍ مِــــنْ حَكِيمٍ مُرْشِد

فَـــرَأى مَغِيـــبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبها فِـي عَيْـنِ ذِي خُــلب وَثــأط حَرْمَدِ

قال ابن عباس:ما الخُلَب؟ قلت:الطين بكلامهم. [ يعنى بكلام حمير ] . قال:ما الثاط؟ قلت:الحمأة. قال:فما الحرْمَد؟ قلت:الأسود. قال:فدعا ابن عباس رجلا أو غلامًا فقال:اكتب ما يقول هذا الرجل.

وقال سعيد بن جبير:بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: ( وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) فقال كعب:والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدًا يقرؤها كما أنـزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة:تغرب في مدرة سوداء.

وقال أبو يعلى الموصلي:حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف قال:في تفسير ابن جريج ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) قال:مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وُجُوب الشمس حين تجب.

وقوله: ( وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ) أي:أمة من الأمم، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.

وقوله: ( قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ) معنى هذا:أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم، وأظفره بهم وخيره:إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى . فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه

في قوله: ( أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ) أي:من استمر على كفره وشركه بربه ( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) قال قتادة:بالقتل:وقال السدي:كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا. وقال وهب بن منبه:كان يسلط الظلمة، فتدخل أفوافهم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم.

وقوله: ( ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ) أي:شديدًا بليغًا وجيعًا أليمًا. وفيه إثبات المعاد والجزاء.

وقوله: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ ) أي:تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ( فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى ) أي:في الدار الآخرة عند الله، عز وجل، ( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ) قال مجاهد:معروفًا.

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ( 89 ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ( 90 ) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ( 91 ) .

يقول:ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها ، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم، واستباح أموالهم، وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل الإقليم المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب. ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: ( وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ ) أي:أمة ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ) أي:ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.

قال سعيد بن جبير:كانوا حُمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.

وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا سهل بن أبي الصلت، سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ) قال:إن أرضهم لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال الحسن:هذا حديث سمرة .

وقال قتادة:ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم.

وعن سلمة بن كُهَيْل أنه قال:ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفترش إحداهما ويلبس الأخرى.

قال عبد الرزاق:أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ( وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ) قال:هم الزنج .

وقال ابن جريج في قوله: ( وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ) قال:لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابًا لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها:لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها. قالوا:لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا:هذه جيفُ جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال:فذهبوا هاربين في الأرض.

وقوله: ( كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ) قال مجاهد، والسدي:علمًا، أي:نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى: لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [ آل عمران:5 ]

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ( 92 ) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ( 93 ) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ( 94 ) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ( 95 ) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ( 96 )

يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين: ( ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ) أي:ثم سلك طريقًا من مشارق الأرض. ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) وهما جبلان متناوحان بينهما ثُغْرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم، عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين: « إن الله تعالى يقول:يا آدم. فيقول:لبيك وسعديك. فيقول:ابعث بَعْثَ النار. فيقول:وما بَعْثُ النار؟ فيقول:من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة؟ فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فيقال:إن فيكم أمّتين، ما كانتا في شيء إلا كثرتاه:يأجوج ومأجوج » .

وقد حكى النووي ، رحمه الله، في شرح « مسلم » عن بعض الناس:أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء. وهذا قول غريب جدًا، [ ثم ] لا دليل عليه لا من عقل ولا [ من ] نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم.

وفي مسند الإمام أحمد، عن سَمُرَة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « وَلَدُ نوح ثلاثة:سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك » . قال بعض العلماء:هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: [ إنما سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة . وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [ وطولهم ] وقصر بعضهم، وآذانهم . وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها، والله أعلم.

وقوله: ( وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا ) [ أي ] :لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس.

( قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا ) قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس:أجرًا عظيمًا، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سدًا. فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ( مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ) أي:إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [ النمل:36 ] وهكذا قال ذو القرنين:الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني ( بِقُوَّةٍ ) أي:بعملكم وآلات البناء، ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) والزبر:جمع زُبْرَة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وهي كاللبنة ، يقال:كل لبنة [ زنة ] قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.

( حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) أي:وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضًا. واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال. ( قَالَ انْفُخُوا ) أي:أجج عليه النار حتى صار كله نارًا، ( قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ) قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسُّدي:هو النحاس. وزاد بعضهم:المذاب. ويستشهد بقوله تعالى: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [ سبأ:12 ] ولهذا يشبه بالبرد المحبر.

قال ابن جرير:حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال:ذكر لنا أن رجلا قال:يا رسول الله، قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: « انعته لي » قال:كالبرد المحبر، طريقة سوداء. وطريقة حمراء. قال: « قد رأيته » . هذا حديث مرسل.

وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه معه جيشًا سرية، لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا. فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن مُلْك إلى مُلْك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك. وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنه منيف عال ، شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال. ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالا وعجائب.

ثم قال الله تعالى:

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ( 97 )

يقول تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله. ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال: ( فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد:

حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم:ارجعوا فستحفرونه غدًا فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس [ حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ] قال الذي عليهم:ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، [ فترجع وعليها هيئة الدم، فيقولون:قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ] . فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم، فيقتلهم بها » . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم » .

ورواه أحمد أيضًا عن حسن - هو ابن موسى الأشيب- عن سفيان، عن قتادة، به . وكذا رواه ابن ماجه، عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قال:حدث رافع. وأخرجه الترمذي، من حديث أبي عوانة، عن قتادة . ثم قال:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وهذا إسناده قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه، لإحكام بنائه وصلابته وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار:أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون:غدًا نفتحه. فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون:غدًا نفتحه. ويلهمون أن يقولوا: « إن شاء الله » ، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا مُتَّجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب. فإنه كثيرًا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم.

ويؤكد ما قلناه - من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع- قول الإمام أحمد:

حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن [ زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة، عن ] زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان:أربع نسوة- قالت:استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه. وهو محمر وجهه، وهو يقول: « لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا » . وحَلَّق. قلت:يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: « نعم إذا كثر الخبث » .

هذا حديث صحيح، اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، من حديث الزهري ، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة، وأثبتها مسلم. وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد، منها رواية الزهري عن عروة، وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده، كلهن يروي بعضهن عن بعض. ثم كل منهن صحابية ، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان، رضي الله عنهن.

وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضًا، فقال البزار:حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا مُؤمَّل بن إسماعيل، حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا » وعقد التسعين. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب ، به .

 

قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ( 99 ) .

وقوله: ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أي:لما بناه ذو القرنين ( قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) أي:بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد. ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي ) أي:إذا اقترب الوعد الحق ( جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) أي:ساواه بالأرض. تقول العرب:ناقة دكاء:إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها. وقال تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [ الأعراف:143 ] أي:مساويًا للأرض .

وقال عكرمة في قوله: ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) قال:طريقًا كما كان.

( وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) أي:كائنًا لا محالة.

وقوله: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ [ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ] ) أي:الناس يومئذ أي:يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قال:ذاك حين يخرجون على الناس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه [ إن شاء الله تعالى ] عند قوله: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبياء:96 ، 97 ] وهكذا قال هاهنا: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) قال ابن زيد في قوله: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قال:هذا أول يوم القيامة، ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) على أثر ذلك ( فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) .

وقال آخرون:بل المراد بقوله: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) أي:يوم القيامة يختلط الإنس والجن.

وروى ابن جرير، عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قال:إذا ماج الإنس والجن قال إبليس:أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا الأرض فيقول: « ما من محيص » . ثم يظعن يمينًا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة بطنوا الأرض فيقول: « ما من محيص » فبينما هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنًا من خزان النار، فقال:يا إبليس، ألم تكن لك المنـزلة عند ربك؟! ألم تكن في الجنان؟! فيقول:ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض عليّ فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه. فيقول:فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول:ما هي؟ فيقول:يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار. فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مُرسل إلا جثا لركبتيه

وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون عن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) قال:الجن الإنس، يموج بعضهم في بعض.

وقال الطبراني:حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني ، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم:تاويل، وتايس ومنسك » . هذا حديث غريب بل منكر ضعيف.

وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: « إن يأجوج ومأجوج لهم نساء، يجامعون ما شاؤوا، وشجر يلقحون ما شاؤوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا »

وقوله: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) :والصور كما جاء في الحديث: « قرن ينفخ » فيه والذي ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام، كما قد تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة.

وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا: « كيف أنعم، وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته واستمع متى يؤمر » . قالوا:كيف نقول؟ قال: « قولوا:حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا »

وقوله ( فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) أي:أحضرنا الجميع للحساب قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [ الواقعة:49 ، 50 ] ، وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [ الكهف:47 ]

وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ( 100 ) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ( 101 ) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا ( 102 )

يقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار يوم القيامة:أنه يعرض عليهم جهنم، أي:يبرزها لهم ويظهرها، ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.

وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زِمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك [ يجرونها ] »

ثم قال مخبرًا عنهم: ( الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ) أي:تعاموا وتغافلوا وتصاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف:36 ] وقال هاهنا: ( وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) أي:لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.

ثم قال ( أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ ) أي:اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك، وينتفعون بذلك؟ كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم:82 ] ؛ ولهذا أخبر أنه قد أعدّ لهم جهنم يوم القيامة منـزلا.

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ( 104 ) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ( 105 ) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ( 106 ) .

قال البخاري:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عَمْرو، عن مُصْعَب قال:سألت أبي - يعني سعد بن أبي وقاص- : ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا ) أهم الحَرُورية؟ قال:لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا:لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد رضي الله عنه، يسميهم الفاسقين .

وقال علي بن أبي طالب والضحاك، وغير واحد:هم الحرورية.

ومعنى هذا عن علي، رضي الله عنه:أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نـزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [ الغاشية:2- 4 ] وقوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [ الفرقان:23 ] وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [ النور:39 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ) أي:نخبركم ( بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا ) ؟ ثم فسرهم فقال: ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي:عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة، ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) أي « يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.»

وقوله: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ) أي:جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام على وحدانيته، وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) أي:لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير .

قال البخاري:حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني أبو الزَّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة » وقال: « اقرؤوا إن شئتم: ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) .»

وعن يحيى بن بُكَيْر، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، مثله .

هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا . وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير، به .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التَّوْأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها » . قال:وقرأ: ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا )

وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعًا فذكره بلفظ البخاري سواء.

وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار:حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عُمَارة حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال:كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له. فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزنًا » .

ثم قال:تفرّد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عُمَارة وليس بالحافظ، ولم يتابع عليه. وقد قال ابن جرير أيضًا:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر عن أبي يحيى، عن كعب قال:يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا: ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) .

وقوله: ( ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا ) أي:إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم، بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم، وكذبوهم أشد التكذيب.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا ( 107 ) خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ( 108 )

يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوهم فيما جاؤوا به بأن لهم جنات الفردوس.

قال مجاهد:الفردوس هو:البستان بالرومية.

وقال كعب، والسدي، والضحاك:هو البستان الذي فيه شجر الأعناب.

وقال أبو أمامة الفردوس:سرة الجنة.

وقال قتادة:الفردوس:ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها.

وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير ، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « الفردوس ربوة الجنة، أوسطها وأحسنها »

وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه. وقد نقله ابن جرير، رحمه الله

وفي الصحيحين: « إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تُفَجَّرُ أنهار الجنة »

وقوله: ( نـزلا ) أي ضيافة، فإن النـزل هو الضيافة.

وقوله: ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:مقيمين ساكنين فيها، لا يظعنون عنها أبدًا، ( لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ) أي:لا يختارون غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر

فَحَّـلْت سُـوَيدا القَلْـب لا أنَـا بَاغيًـا ســواها ولا عَــنْ حُبّهـا أتَحـوّلُ

وفي قوله: ( لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا ) تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلا

قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ( 109 ) .

يقول تعالى:قل يا محمد:لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربى وحكمه وآياته الدالة عليه، ( لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) أي: [ لفرغ البحر ] قبل أن يفرغ من كتابة ذلك ( وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ ) أي:بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ لقمان:27 ] .

قال الربيع بن أنس:إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنـزل الله ذلك: ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) .

يقول:لو كان البحر مدادا [ لكلمات الله ] ، والشجر كله أقلام ، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول ، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة ، كحبة من خردل في خلال الأرض [ كلها ] .

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( 110 ) .

روى الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال:هذه آخر آية أنـزلت .

يقول لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ( قُلْ ) لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) فمن زعم أني كاذب، فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم ( أَنَّمَا إِلَهُكُمْ ) الذي أدعوكم إلى عبادته، ( إِلَهٌ وَاحِدٌ ) لا شريك له، ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ) أي:ثوابه وجزاءه الصالح، ( فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ) ، ما كان موافقًا لشرع الله ( وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل. لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابُا على شريعة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن طاوس قال:قال رجل:يا رسول الله، إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا. حتى نـزلت هذه الآية: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) .

وهكذا أرسل هذا مجاهد، وغير واحد.

وقال الأعمش:حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شَهْر بن حَوْشَب قال:جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال:أنبئني عما أسألك عنه:أرأيت رجلا يصلي، يبتغي وجه الله، ويحب أن يُحْمَد، ويصوم ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، فقال عبادة:ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: « أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال:كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبيت عنده، تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون وأهل النُّوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « ما هذه النجوى؟ [ ألم أنهكم عن النجوى ] . قال:فقلنا:تبنا إلى الله، أي نبيّ الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال: » ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ « قال:قلنا:بلى. قال: » الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل « . »

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد - يعني ابن بَهْرَام- قال:قال شَهْر بن حَوْشَب:قال ابن غنم:لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى، والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت:إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين - يعني من وسط- قرأ القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه، وأحل حلاله وحرم حرامه، ونـزل عند منازله، لا يَحُورُ فيكم إلا كما يَحُور رأس الحمار الميت. قال:فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس، رضي الله عنه، وعوف بن مالك، فجلسا إلينا، فقال شداد:إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من الشهوة الخفية والشرك » . فقال عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء:اللهم غفرًا. أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب. وأما الشهوة الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد:أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [ أو تصدق له، أترون أنه قد أشرك؟ قالوا:نعم، والله إنه من صلى لرجل أو صام له ] أو تصدق له، لقد أشرك. فقال شداد:فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يقول ] :من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك؟ « فقال عوف بن مالك عند ذلك:أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عن ذلك:فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » إن الله يقول:أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن [ حَشْده ] عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني « .»

طريق [ أخرى ] لبعضه:قال الإمام أحمد:حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني عبد الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نُسيّ، عن شداد بن أوس، رضي الله عنه، أنه بكى، فقيل له:ما يبكيك؟ قال:شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله [ فذكرته ] فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: « أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية » . قلت:يا رسول الله، أتشرك أمتك [ من بعدك؟ ] قال: « نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراؤون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائمًا فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه .»

ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذَكْوَان، عن عبادة بن نُسيّ، به . وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر.

حديث آخر:قال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا الحسين بن عليّ بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله يوم القيامة:أنا خير شريك، من أشرك بي أحدًا فهو له كله » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال: « أنا خير الشركاء، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك » . تفرّد به من هذا الوجه .

حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يونس، حدثنا لَيْث، عن يزيد - يعني ابن الهاد- عن عمرو، عن محمود بن لبيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر » . قالوا:وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: « الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم:اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء »

حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن بكر أخبرنا عبد الحميد - يعني ابن جعفر- أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري - وكان من الصحابة- أنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد:من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك » .

وأخرجه الترمذي وابن ماجه، [ من حديث محمد بن ] بكر وهو البُرساني، به

حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي - يعني عبد العزيز بن أبي بكرة - عن أبي بكرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به » .

حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال:سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة؛ أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من سَمَّع الناس بعمله سَمَّع الله به، سامع خلقه وصغره وحقره » [ قال ] :فذرفت عينا عبد الله .

وقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله، عز وجل، يوم القيامة في صحف مختومة ، فيقول الله:ألقوا هذا، واقبلوا هذا، فتقول الملائكة:يا رب، والله ما رأينا منه إلا خيرًا. فيقول:إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي » .

ثم قال الحارث بن غسان:روى عنه جماعة وهو بصري ليس به بأس

وقال ابن وهب:حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قام رياء وسمعة، لم يزل في مقت الله حتى يجلس » .

وقال أبو يعلى:حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه، عز وجل » .

وقال ابن جرير:حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش ، حدثنا عمرو بن قيس الكندي؛ أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) وقال:إنها آخر آية نـزلت من القرآن.

وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية [ هي ] آخر سورة الكهف. والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينـزل بعدها ما تنسخها ولا يغير حكمها بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم.

وقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قُرَّرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ في ليلة: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) ، كان له من نور، من عدن أبين إلى [ مكة ] حشوه الملائكة غريب جدا.»

آخر [ تفسير ] سورة الكهف ولله الحمد

 

تفسير سورة مريم [ عليها السلام ]

 

وهي مكية.

وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة:أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه .

بسم الله الرحمن الرحيم

كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ( 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) .

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة.

وقوله: ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ) أي:هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.

وقرأ يحيى بن يعمر « ذَكَّرَ رحمة ربك عَبْدَهُ زَكَريَّا » .

[ و ] ( زَكَرِيَّا ) :يمد ويقصر قراءتان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل. وفي صحيح البخاري:أنه كان نجارًا، أي:كان يأكل من عمل يديه في النجارة.

وقوله: ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) :قال بعض المفسرين:إنما أخفى دعاءه، لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.

وقال آخرون:إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة في هذه الآية ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) :إن الله يعلم القلب التقي ، ويسمع الصوت الخفي.

وقال بعض السلف:قام من الليل، عليه السلام، وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية:يا رب، يا رب، يا رب فقال الله:لبيك، لبيك، لبيك.

( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) أي:ضعفت وخارت القوى، ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ) أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دُرَيد في مقصورته :

إمَّـــا تَرَى رأسِي حَاكـى لــونُهُ طُرَّةَ صُـْبحٍ تَحتَ أذْيَـــال الدُّجــى

واشْـتَعَل الـمُبْيَـض فــي مُسْــوَدّه مِثْـلَ اشتِعَال النَّارِ فـي جمر الغَضَا

والمراد من هذا:الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.

وقوله: ( وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) أي:ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك.

وقوله: ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ) :قرأ الأكثرون بنصب « الياء » من ( الْمَوَالِيَ ) على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:

كَــأنَّ أيْـديهنّ فـي القَـاع الفَـرقْ أيــدي جَــوَارٍ يَتَعَـاطَينَ الـوَرقْ

وقال الآخر:

فَتَـى لـو يُبَـاري الشَّمسَ ألْقَتْ قِنَاعَها أو القَمَــرَ السَّـاري لألْقَـى المقَـالدَا

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:

تَغَـاير الشَّــعرُ فيــه إذ سَهرت لَهُ حَــتَّى ظَنَنْــتُ قوافيــه سـتَقتتلُ

وقال مجاهد، وقتادة، والسدي:أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح:الكلالة.

وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، أنه كان يقرؤها: « وإني خَفَّت الموالي من ورائي » بتشديد الفاء بمعنى:قلت عصباتي من بعدي.

وعلى القراءة الأولى، وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا [ من ] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدا، يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه. فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منـزلة وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلي ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد، فيحوز ميراثه دونه دونهم. هذا وجه.

الثاني:أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء، عليهم السلام، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث:أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة » وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: « نحن معشر الأنبياء لا نورث » وعلى هذا فتعين حمل قوله: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي ) على ميراث النبوة؛ ولهذا قال: ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، كما قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [ النمل:16 ] أي:في النبوة؛ إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة » .

قال مجاهد في قوله: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) [ قال ] :كان وراثته علمًا وكان زكريا من ذرية يعقوب.

وقال هشيم:أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال: [ قد ] يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.

وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن:يرث نبوته وعلمه.

وقال السُّدِّي:يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.

وعن مالك، عن زيد بن أسلم: ( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال:نبوتهم.

وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله: ( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) قال:يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.

وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا معمر، عن قتادة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يرحم الله زكريا، وما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد »

وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك - هو ابن فضالة - عن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول: ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) »

وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.

وقوله: ( وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) أي مرضيا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) .

هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل [ له ] : ( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى ) ، كما قال تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران:38 ، 39 ]

وقوله: ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) قال قتادة، وابن جريج، وابن زيد:أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير، رحمه الله.

وقال مجاهد: ( لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) أي:شبيهًا.

أخذه من معنى قوله: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم:65 ] أي:شبيهًا.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:أي لم تلد العواقر قبله مثله.

وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام، كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة، عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما لا لعقرهما ؛ ولهذا قال: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [ الحجر:54 ] مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة. وقالت امرأته: يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ هود:72 ، 73 ] .

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ( 9 ) .

هذا تعجب من زكريا، عليه السلام، حين أجيب إلى ما سأل، وبُشِّر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته [ كانت ] عاقرًا لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع.

تقول العرب للعود إذا يبس: « عَتا يَعْتو عِتيا وعُتُوا، وعَسا يَعْسو عُسوا وعِسيا » .

وقال مجاهد: ( عِتِيًّا ) بمعنى:نحول العظم.

وقال ابن عباس وغيره: ( عِتِيًّا ) يعني:الكبر.

والظاهر أنه أخص من الكبر.

وقال ابن جرير:حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا حُصَيْن، عن عِكْرمة، عن ابن عباس قال:لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ( وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) أو « عسيا » .

ورواه الإمام أحمد عن سُرَيْج بن النعمان، وأبو داود، عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.

قَالَ ) أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه: ( كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي:إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ( هَيِّنٌ ) أي:يسير سهل على الله.

ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) كما قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [ الإنسان:1 ]

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن زكريا، عليه السلام، أنه ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) أي:علامة ودليلا على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم، عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي الآية [ البقرة:260 ] . ( قَالَ آيَتُكَ ) أي:علامتك ( أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) أي:أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة

قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ووهب [ بن منبه ] ، والسدي وقتادة وغير واحد:اعتقل لسانه من غير مرض.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) أي:متتابعات.

والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح كما قال تعالى في [ أول ] آل عمران: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [ آل عمران:41 ]

وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ( ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) من غير خرس.

وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها إِلا رَمْزًا أي:إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ ) أي:الذي بشر فيه بالولد، ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) أي:أشار إشارة خفية سريعة: ( أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) أي:موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله، وشكرًا لله على ما أولاه.

قال مجاهد: ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) أي:أشار. وبه قال وهب، وقتادة.

وقال مجاهد في رواية عنه: ( فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ) أي:كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي.

 

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( 12 ) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ( 13 ) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ( 14 ) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ( 15 ) .

وهذا أيضا تضمن محذوفًا، تقديره:أنه وجد هذا الغلام المبشر به، وهو يحيى، عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به عليه وعلى والديه، فقال: ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) أي:تعلم الكتاب ( بِقُوَّةٍ ) أي:بجد وحرص واجتهاد ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) أي:الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير، والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث [ السن ] .

قال عبد الله بن المبارك:قال معمر:قال الصبيان ليحيى بن زكريا:اذهب بنا نلعب. قال:ما للعب خلقت ، قال:فلهذا أنـزل الله: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) .

وقوله: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) يقول:ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك وزاد:لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة:رُحِم بها زكريا.

وقال مجاهد: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) وتعطفًا من ربه عليه.

وقال عكرمة: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) [ قال:محبة عليه. وقال ابن زيد:أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) ] ، قال:تعظيمًا من لدنا .

وقال ابن جريج:أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال:لا والله ما أدري ما حنانًا.

وقال ابن جرير:حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور:سألت سعيد بن جبير عن قوله: ( وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ) ، فقال:سألت عنها عباس، فلم يحر فيها شيئًا.

والظاهر من هذا السياق أن: ( وَحَنَانًا [ مِنْ لَدُنَّا ] ) معطوف على قوله: ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) أي:وآتيناه الحكم وحنانا، ( وَزَكَاةً ) أي:وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب:حنّت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها. ومنه سميت المرأة « حَنَّة » من الحَنَّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر

تَحـــنَّنْ عَلَـي هَـدَاكَ المــليكُ فـــإنَّ لكُـــل مَقــامٍ مَقَــالا

وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه قال: « يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة:يا حنان يا منان »

وقد يُثنَّي ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة:

أَنَـا مُنْـذر أفنيـتَ فاسْـتبق بَعْضَنَـا حَنَـانَيْك بَعْـض الشَّر أهْونُ مِنْ بَعْض

وقوله: ( وَزَكَاةً ) معطوف على ( وَحَنَانًا ) فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.

وقال قتادة:الزكاة العمل الصالح.

وقال الضحاك وابن جريج:العمل الصالح الزكي.

وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَزَكَاةً ) [ قال:بركة ] ( وَكَانَ تَقِيًّا ) طهر، فلم يعمل بذنب.

وقوله: ( وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ) لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما، قولا وفعلا [ وأمرًا ] ونهيًا؛ ولهذا قال: ( وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ) ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) أي:له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.

وقال سفيان بن عيينة:أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن:يوم يولد، فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في محشر عظيم. قال:فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه، ( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ( جَبَّارًا عَصِيًّا ) ، قال:كان ابن المسيب يذكر قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا » . قال قتادة:ما أذنب ولا همّ بامرأة، مرسل

وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا » ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.

وقال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو همَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول:أنا خير من يونس بن متى »

وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة:أن حسن قال:إن يحيى وعيسى، عليهما السلام، التقيا، فقال له عيسى:استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر:استغفر لي فأنت خير مني. فقال له عيسى:أنت خير مني، سَلَّمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فَعرُف والله فضلهما.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ( 17 ) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ( 19 ) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ( 21 ) .

لما ذكر تعالى قصة زكريا، عليه السلام، وأنه أوجد منه، في حال كبره وعقم زوجته، ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا - عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى، عليهما السلام، منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ؛ ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء، يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر ، فقال: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ) وهي مريم بنت عمران، من سلالة داود، عليه السلام، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل. وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في « آل عمران » ، وأنها نذرتها محررة، أي:تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك، فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [ آل عمران:37 ] ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها - وقيل:خالتها- زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم، الذي يرجعون إليه في دينهم. ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ آل عمران:37 ] فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في « آل عمران » . فلما أراد الله تعالى - وله الحكمة والحجة البالغة- أن يُوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام، أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، ( انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ) أي:اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس.

قال السدي:لحيض أصابها. وقيل لغير ذلك. قال أبو كُدَيْنَة، عن قابوس بن أبي ظِبْيان، عن أبيه عن ابن عباس قال:إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ( انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ) قال:خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير.

وقال ابن جرير أيضًا:حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال:إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى ( انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ) واتخذوا ميلاد عيسى قبلة

وقال قتادة: ( مَكَانًا شَرْقِيًّا ) شاسعًا متنحيًّا.

وقال محمد بن إسحاق:ذهبت بقلتها تستقي [ من ] الماء.

وقال نَوْف البِكَالي:اتخذت لها منـزلا تتعبد فيه. فالله أعلم.

وقوله: ( فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا ) أي:استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام ( فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ) أي:على صورة إنسان تام كامل.

قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن جُرَيْج ووهب بن مُنَبِّه، والسُّدِّي، في قوله: ( فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ) يعني:جبريل، عليه السلام.

وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء:193 ، 194 ] .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال:إن روح عيسى، عليه السلام، من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشرا سويًّا، أي:روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها.

وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.

( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) أي:لما تَبَدى لها الملك في صورة بشر، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: ( إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ) أي:إن كنت تخاف الله. تذكير له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولا بالله، عز وجل.

قال ابن جرير:حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال:قال أبو وائل - وذكر قصة مريم- فقال:قد علمت أن التقي ذو نُهْيَة حين قالت: ( إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ) أي:فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلا ما حصل عندها من الخوف على نفسها:لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي:بعثني إليك، ويقال:إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته وقال: « إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلامًا زكيا » .

[ هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء. وقرأ الآخرون: ( لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا ) ] وكلا القراءتين له وجه حسن، ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.

( قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا ) أي:فتعجبت مريم من هذا وقالت:كيف يكون لي غلام؟ أي:على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور؛ ولهذا قالت: ( وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ) والبغي:هي الزانية؛ ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي.

( قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أي:فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت:إن الله قد قال:إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر ؛ ولهذا قال: ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ ) أي:دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه.

وقوله: ( وَرَحْمَةً مِنَّا ) أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيًّا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [ آل عمران:45 ، 46 ] أي:يدعو إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم - دُحَيْم- حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد قال:قالت مريم، عليها السلام:كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.

وقوله: ( وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته. ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [ التحريم:12 ] وقال وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [ الأنبياء:91 ]

قال محمد بن إسحاق: ( وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ) أي:أن الله قد عزم على هذا، فليس منه بد، واختار هذا أيضًا ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ( 22 ) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ( 23 )

يقول تعالى مخبرًا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك - وهو جبريل عليه السلام- عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنـزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى. فلما حملت به ضاقت ذرعًا به ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا. وذلك أن زكريا عليه السلام، كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت:أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم:وهل علمت أيضًا أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي:يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم، عليه السلام، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين قال:قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال:أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال:قال مالك رحمه الله:بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حملهما جميعا معا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم:إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك:أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام؛ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.

ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة:ثمانية أشهر - قال:ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر.

وقال ابن جُرَيْج:أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حَبَل مريم، قال:لم يكن إلا أن حملت فوضعت .

وهذا غريب، وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: ( فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ) ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) فالفاء وإن كانت للتعقيب، ولكن تعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا [ المؤمنون:12 - 14 ] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين:أن بين كل صفتين أربعين يومًا وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج:63 ] فالمشهور الظاهر - والله على كل شيء قدير- أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس، يقال له:يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونـزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول، فقال:يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي عليّ. قالت:وما هو؟ قال:هل يكون قط شجر من غير حبّ؟ وهل يكون زرع من غير بذر؟ وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت:نعم - فهمت ما أشار إليه- أما قولك: « هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر؟ » فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر « وهل خلق يكون من غير أب؟ » فإن الله قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها، وسلَّم لها حالها.

ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكانًا قصيًّا، أي:قاصيًا منهم بعيدًا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها.

قال محمد بن إسحاق:فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والترحم وتغير اللون، حتى فَطَرَ لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: « إنما صاحبها يوسف » ، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، فلا يراها أحد ولا تراه.

وقوله: ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ) [ أي:فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة ] وهي نخلة في المكان الذي تنحت إليه.

وقد اختلفوا فيه، فقال السدي:كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.

وقال وهب بن مُنَبِّه:ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر، ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب:كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها: « بيت لحم » .

قلت:وقد تقدم في حديث الإسراء، من رواية النسائي عن أنس، رضي الله عنه، والبيهقي عن شدَّاد بن أوس، رضي الله عنه:أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس. وقد ورد به الحديث إن صح.

وقوله تعالى إخبارًا عنها: ( قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ) أي قبل هذا الحال، ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) أي لم أخلق ولم أك شيئًا. قاله ابن عباس.

وقال السدي:قالت وهي تطلق من الحبل - استحياء من الناس:يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) نُسِيَ فتُرِك طلبه، كخِرَق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر. وكذلك كل شيء نُسِيَ وترك فهو نَسِيّ.

وقال قتادة: ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) أي:شيئًا لا يعرف، ولا يذكر، ولا يدرى من أنا.

وقال الربيع بن أنس: ( وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ) وهو السقط.

وقال ابن زيد:لم أكن شيئًا قط.

وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف:101 ]

فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( 24 ) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ( 25 )

قرأ بعضهم ( مَنْ تَحْتَهَا ) بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: ( مِنْ تَحْتِهَا ) على أنه حرف جر.

واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة:إنه الملك جبريل عليه الصلاة والسلام، أي:ناداها من أسفل الوادي.

وقال مجاهد: ( فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ) قال:عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال:قال الحسن:هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير:أنه ابنها، قال:أولم تسمع الله يقول: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [ مريم:29 ] ؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره

وقوله: ( أَلا تَحْزَنِي ) أي:ناداها قائلا لا تحزني، ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) قال:الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:السريّ:النهر. وبه قال عمرو بن ميمون:نهر تشرب منه.

وقال مجاهد:هو النهر بالسريانية.

وقال سعيد بن جُبَيْر:السري:النهر الصغير بالنبطية.

وقال الضحاك:هو النهر الصغير بالسريانية.

وقال إبراهيم النَّخَعِي:هو النهر الصغير.

وقال قتادة:هو الجدول بلغة أهل الحجاز.

وقال وهب بن مُنَبِّه:السري:هو ربيع الماء.

وقال السدي:هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني:

حدثنا أبو شعيب الحَرَّاني:حدثنا يحيى بن عبد الله البَابلُتِّي حدثنا أيوب بن نَهِيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول:سمعت ابن عمر يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن السري الذي قال الله لمريم: ( قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) نهر أخرجه الله لتشرب منه » وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي:ضعيف. وقال أبو زُرْعَة:منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي:متروك الحديث.

وقال آخرون:المراد بالسري:عيسى، عليه السلام، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أي:وخذي إليك بجذع النخلة. قيل:كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل:مثمرة. قال مجاهد:كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود نُفَيْع الأعمى:كانت صَرَفَانة

والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعامًا وشرابًا، فقال: ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ) أي:طيبي نفسًا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون:ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شَيْبَان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عُروة بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يُلَقَّح غيرها » . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أطعموا نساءكم الولدَ الرطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نـزلت تحتها مريم بنت عمران » .

هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به

وقرأ بعضهم قوله: « تساقط » بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نَهِيك: ( تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) وروى أبو إسحاق عن البراء:أنه قرأها: « تساقط » أي:الجذع. والكل متقارب.

 

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) .

وقوله: ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ) أي:مهما رأيت من أحد، ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) المراد بهذا القول:الإشارة إليه بذلك. لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) .

قال أنس بن مالك في قوله: ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ) أي:صمتًا وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: « صومًا وصمتًا » ، وكذا قال قتادة وغيرهما.

والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.

وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال:كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال:ما شأنك؟ قال أصحابه:حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود:كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، عليها السلام؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله.

وقال عبد الرحمن بن زيد:لما قال عيسى لمريم: أَلا تَحْزَنِي قالت:وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذاتُ زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا، قال لها عيسى:أنا أكفيك الكلام: ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) قال:هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب.

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ( 27 ) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألا تكلم أحدًا من البشر فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها فسلمت لأمر الله، عز وجل، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ) فلما رأوها كذلك، أعظموا أمرها واستنكروه جدًّا، وقالوا: ( يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) أي:أمرًا عظيمًا. قاله مجاهد، وقتادة والسدي، وغير واحد.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن نوف البِكَاليّ قال:وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف. فلم يحسوا منها شيئًا، فرأوا راعي بقر فقالوا:رأيت فتاة كذا وكذا نَعْتُها؟ قال:لا ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا:وما رأيت؟ قال:رأيتها سُجَّدا نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد:وأحفظ عن سيار أنه قال:رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها، ( قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) أمرًا عظيمًا. ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) أي:يا شبيهة هارون في العبادة ( مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) أي:أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة ، فكيف صدر هذا منك؟

قال علي بن أبي طلحة ، والسدي:قيل لها: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) أي:أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي:يا أخا تميم، وللمضري:يا أخا مضر.

وقيل:نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة، والزهادة.

وحكى ابن جرير عن بعضهم:أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم. يقال له:هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.

وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم.

حدثنا علي بن الحسين الهِسِنْجَاني حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فَضَالة، حدثنا أبو صخر، عن القُرَظي في قول الله عز وجل: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) قال:هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قَصَّت أثر موسى، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ القصص:11 ] .

وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفَّى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه ؛ ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أنا أولى الناس بابن مريم؛ إلا أنه ليس بيني وبينه نبي » ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد. ولكان قبل سليمان و داود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى، عليهما السلام في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة:246 ] فذكر القصة إلى أن قال: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ الآية [ البقرة:251 ] ، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال:وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين، تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى. وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سِمَاك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال:بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا:أرأيت ما تقرءون: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) ، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال:فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « ألا أخبرتهم أنهم كانوا يَتَسَمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟ » .

انفرد بإخراجه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك، به ، وقال الترمذي:حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.

وقال ابن جرير:حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال نُبِّئت أن كعبًا قال:إن قوله: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ ) :ليس بهارون أخي موسى. قال:فقالت له عائشة:كذبت، قال يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله، فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال:فسكتت وفي هذا التاريخ نظر.

وقال ابن جرير أيضًا:حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ( يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) قال:كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ] ويتوالدون به. وكان هارون مصلحًا محببًا، في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر، قال:وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمى هارون، من بني إسرائيل.

وقوله: ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) أي:إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها ، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرْية، وقد كانت يومها ذلك صائمة، صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ( كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) ؟

قال ميمون بن مِهْران: ( فَأَشَارَتْ [ إِلَيْهِ ] ) ، قالت:كلموه. فقالوا:على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!

وقال السدي:لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا:لَسُخْريَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.

( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) أي:من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ قال: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) أول شيء تكلم به أن نـزه جناب ربه تعالى وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.

وقوله: ( آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) :تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة.

قال نوف البكالي:لما قالوا لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنـزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) إلى قوله: ( مَا دُمْتُ حَيًّا )

وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البُنَاني:رفع إصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) الآية.

وقال عكرمة: ( آتَانِيَ الْكِتَابَ ) أي:قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال:كان عيسى ابن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه فذلك قوله: ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) .

يحيى بن سعيد العطار الحمصي:متروك.

وقوله: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) قال مجاهد، وعمرو بن قيس، والثوري:وجعلني معلمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد:نَفَّاعًا.

وقال ابن جرير:حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنَيْس المخزومي، سمعت وُهَيْب بن الورد مولى بني مخزوم قال:لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له:يرحمك الله، ما الذي أعلن من عملي؟ قال:الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) ، وقيل:ما بركته؟ قال:الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أينما كان.

وقوله: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر:99 ] .

وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ( وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ) قال:أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت ، ما أثبتها لأهل القدر.

وقوله: ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ) أي:وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه؛ لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الإسراء:23 ] وقال أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان:14 ] .

وقوله: ( وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) أي:ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك.

قال سفيان الثوري:الجبار الشقي:الذي يقبل على الغضب.

وقال بعض السلف:لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا، ثم قرأ: ( وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ) ، قال:ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورًا، ثم قرأ: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا [ النساء:36 ]

وقال قتادة:ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت:طوبى للبطن الذي حملك وللثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى، عليه السلام، يجيبها:طوبى لمن تلا كلام الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.

وقوله: ( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) :إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، [ صلوات الله وسلامه عليه ]

ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ( 34 ) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 35 ) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 36 ) فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 37 ) .

يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:عليه ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى، ( قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) أي:يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون: « قول الحق » برفع قول. وقرأ عاصم، وعبد الله بن عامر: ( قَوْلَ الْحَقِّ ) .

وعن ابن مسعود أنه قرأ: « ذلك عيسى ابن مريم قَالُ الحق » ، والرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران:59 ، 60 ] .

ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيًّا، نـزه نفسه المقدسة فقال: ( مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ) أي:عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا، ( إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي:إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ آل عمران:59 ، 60 ] .

وقوله: ( وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي:ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه ، وأمرهم بعبادته، فقال: ( فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي:هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي:قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.

وقوله: ( فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) أي:اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصَمَّمَت طائفة - وهم جمهور اليهود، عليهم لعائن الله - على أنه ولد زنْيَة، وقالوا:كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى:إنما تكلم الله. وقال آخرون:هو ابن الله، وقال آخرون:ثالث ثلاثة. وقال آخرون:بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين. وقد روي [ نحو هذا ] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.

قال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ( ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) ، قال:اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم:هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء - وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة:كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث:قل أنت فيه، قال:هو ابن الله - وهم النسطورية. فقال الاثنان:كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر:قل فيه. قال:هو ثالث ثلاثة:الله إله، وهو إله، وأمه إله - وهم الإسرائيلية ملوك النصارى، عليهم لعائن الله. قال الرابع:كذبت، بل هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظُهِرَ على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [ آل عمران:21 ] وقال قتادة:وهم الذين قال الله: ( فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) قال:اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا

وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبًا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم:أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم، عليه السلام، اختلافًا متباينًا، فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه قولا وسبعون تقول فيه قولا آخر، وخمسون تقول فيه شيئًا آخر، ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصَمَّموا عليه ومال إليهم الملك، وكان فيلسوفًا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرَّعوا له أشياء وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحَرَّفوا دين المسيح، وغيروه، فابتنى حينئذ لهم الكنائس الكبار في مملكته كلها:بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قُمَامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء.

وقوله: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدا. ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ فإنه الذي لا يعجل على من عصاه، كما جاء في الصحيحين: « إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود:102 ] وفي الصحيحين أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم » . وقد قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحج:48 ] وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [ إبراهيم:42 ] ولهذا قال هاهنا: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) أي:يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله [ ورسوله ] وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل »

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 38 )

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار [ يوم القيامة ] أنهم أسْمَعُ شيء وأبْصَرُه كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [ السجدة:12 ] أي:يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله، ولهذا قال: ( أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ) أي:ما أسمعهم وأبصرهم ( يَوْمَ يَأْتُونَنَا ) يعني:يوم القيامة ( لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ ) أي:في الدنيا ( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي:لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.

 

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( 40 ) .

ثم قال تعالى: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) أي:أنذر الخلائق يوم الحسرة، ( إِذْ قُضِيَ الأمْرُ ) أي:فصل بين أهل الجنة وأهل النار، ودَخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه، ( وَهُمْ ) أي:اليوم ( فِي غَفْلَةٍ ) عما أنذروا به ( وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) أي:لا يُصَدقون به.

قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد [ الخدري ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال:يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ » قال: « فيشرئبون [ فينظرون ] ويقولون:نعم هذا الموت » . قال: « فيقال:يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ » قال:فيشرئبون فينظرون ويقولون:نعم، هذا الموت « قال: » فيؤمر به فيذبح « قال: » ويقال:يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت « قال:ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ) وأشار بيده قال: » أهل الدنيا في غفلة الدنيا « .»

هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث الأعمش، به . ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة:حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله. وفي سنن ابن ماجه وغيره، من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه وهو في الصحيحين عن ابن عمر . ورواه ابن جُرَيْج قال:قال ابن عباس:فذكر من قبله نحوه . ورواه أيضًا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه:يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله - هو ابن مسعود- في قصة ذكرها، قال:فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة. [ فيرى أهل النار البيت الذي الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم:لو آمنتم وعملتم صالحا، كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة ] قال:ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال:لولا أن مَنَّ الله عليكم...

وقال السدي، عن زياد، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن ابن مسعود في قوله: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ ) قال:إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد:يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يُميتُ الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى:يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم، إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى:يا أهل الجنة، هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار، هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة ماتوا فذلك قوله: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ ) يقول:إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) قال:يوم القيامة، وقرأ: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر:56 ] .

وقوله: ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو، تعالى وتقدس ولا أحد يَدّعي مُلْكا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.

قال ابن أبي حاتم:ذكر هدبة بن خالد القيسي:حدثنا حزم بن أبي حزم القُطَعي قال:كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة:أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنـزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه:أنه يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ( 42 ) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ( 43 ) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ( 44 ) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ( 45 ) .

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :واذكر في الكتاب إبراهيم واتلُه على قومك، هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته، وهو كان صديقًا نبيًّا - مع أبيه- كيف نهاه عن عبادة الأصنام فقال، ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) أي:لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا.

( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ) :يقول:فإن كنت من صلبك وترى أني أصغر منك، لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد، ( فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ) أي:طريقًا مستقيمًا موصلا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب.

( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ) أي:لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [ يس:60 ] وقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا [ النساء:117 ] .

وقوله: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ) أي:مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله.

( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ) أي:على شركك وعصيانك لما آمرك به، ( فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ) يعني:فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ النحل:63 ] .

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [ لولده إبراهيم ] فيما دعاه إليه أنه قال: ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ) يعني: [ إن كنت لا ] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ( لأرْجُمَنَّكَ ) ، قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم.

وقوله: ( وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) :قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق:يعني دهرًا.

وقال الحسن البصري:زمانًا طويلا. وقال السدي: ( وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) قال:أبدًا.

وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: ( وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) قال:سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجَدَلي و [ أبو ] مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير.

فعندها قال إبراهيم لأبيه: ( سَلامٌ عَلَيْكَ ) كما قال تعالى في صفة المؤمنين:وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [ الفرقان:63 ] وقال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [ القصص:55 ] .

ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ( سَلامٌ عَلَيْكَ ) يعني:أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، ( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) أي:ولكن سأسال الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، ( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) قال ابن عباس وغيره:لطيفًا، أي:في أن هداني لعبادته والإخلاص له. وقال مجاهد وقتادة، وغيرهما: ( إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) قال : [ و ] عَوّدَه الإجابة.

وقال السدي: « الحفي » :الذي يَهْتَم بأمره.

وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق، عليهما السلام، في قوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [ إبراهيم:41 ] .

وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنـزل الله تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ الآية [ الممتحنة:4 ] ، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به. ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [ التوبة:113 ، 114 ] .

وقوله: ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ) أي:أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها [ من دون الله ] ، ( وَأَدْعُو رَبِّي ) أي:وأعبد ربي وحده لا شريك له، ( عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) و « عسى » هذه موجبة لا محالة، فإنه عليه السلام، سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم.

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) .

يقول:فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [ الأنبياء:72 ] ، وقال: وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [ هود:71 ] .

ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [ البقرة:133 ] . ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي:جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته؛ ولهذا قال: ( وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا ) ، فلو لم يكن يعقوب قد نُبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته، حين سئل عن خير الناس، فقال: « يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله » وفي اللفظ الآخر: « إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم:يوسفُ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم »

وقوله: ( وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) :قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي، ومالك بن أنس.

وقال ابن جرير:إنما قال: ( عَلِيًّا ) ؛ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ( 51 )

لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا ) قرأ بعضهم بكسر اللام، من الإخلاص في العبادة.

قال الثوري ، عن عبد العزيز بن رُفَيع ، عن أبي لبابة قال:قال الحواريون:يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال:الذي يعمل لله، لا يحب أن يحمده الناس.

وقرأ الآخرون بفتحها، بمعنى أنه كان مصطفى، كما قال تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [ الأعراف:144 ] .

( وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ) ، جُمِع له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم:نوح وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين.

 

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ( 52 ) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ( 53 ) .

وقوله: ( وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ ) أي:الجبل ( الأيْمَنِ ) أي:من جانبه الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه ، عند شاطئ الوادي. فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه . قال ابن جرير:حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى - هو القطان- حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قال:أدني حتى سمع صريف القلم.

وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة.

وقال السدي: ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قال:أدخل في السماء فكلم، وعن مجاهد نحوه.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: ( وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ) قال:نجا بصدقه

قال ابن أبي حاتم:حدثنا عبد الجبار بن عاصم، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الوصل، عن شهر بن حَوْشَب، عن عمرو بن معد يكرب قال:لما قرب الله موسى نجيًا بطور سيناء، قال:يا موسى، إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا.

وقوله: ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) أي:وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًّا، كما قال في الآية الأخرى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [ القصص:34 ] ، وقال : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [ طه:36 ] ، وقال: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) [ الشعراء:13 ، 14 ] ؛ ولهذا قال بعض السلف:ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .

قال ابن جرير:حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن داود، عن عكرمة قال:قال ابن عباس:قوله: ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) ، قال:كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد:وهب له نبوته.

وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقًا، عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي، به.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ( 54 ) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( 55 ) .

هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه ( كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ )

قال ابن جريج:لم يَعدْ ربه عدة إلا أنجزها، يعني:ما التزم قط عبادة بنذر إلا قام بها، ووفاها حقها.

وقال ابن جرير:حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه، أن إسماعيل النبي، عليه السلام، وعد رجلا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال:ما برحت من هاهنا؟ قال:لا. قال:إني نسيت. قال:لم أكن لأبرح حتى تأتيني. فلذلك ( كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) .

وقال سفيان الثوري:بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولا حتى جاءه.

وقال ابن شَوْذَب:بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنًا.

وقد روى أبو داود في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه « مكارم الأخلاق » من طريق إبراهيم بن طَهْمَان، عن عبد الله بن مَيْسَرة، عن عبد الكريم - يعني:ابن عبد الله بن شَقيق- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال:بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فبقيت له عليّ بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال:فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: « يا فتى، لقد شققت علي، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك » لفظ الخرائطي ، وساق آثارًا حسنة في ذلك.

ورواه ابن مَنْده أبو عبد الله في كتاب « معرفة الصحابة » ، بإسناده عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن بُدَيْل بن ميسرة، عن عبد الكريم، به .

وقال بعضهم:إنما قيل له: ( صَادِقَ الْوَعْدِ ) ؛ لأنه قال لأبيه: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات:102 ] ، فصدق في ذلك.

فصدق الوعد من الصفات الحميدة، كما أن خُلْفَه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [ الصف:2 ، 3 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان »

ولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق الوعد أيضًا، لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفّى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب، فقال: « حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي » . ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال الخليفة أبو بكر الصديق:من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدَةٌ أو دَيْن فليأتني أنجز له، فجاءه جابر بن عبد الله، فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قال: « لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا » ، يعني:ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بِعَدّه، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها

وقوله: ( وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا ) في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل... » وذكر تمام الحديث، فدل على صحة ما قلناه.

وقوله: ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) :هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة ، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه آمرًا بها لأهله ، كما قال تعالى لرسوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [ طه:132 ] ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ الآية [ التحريم:6 ] أي:مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة، وقد جاء في الحديث، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نَضَح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء » أخرجه أبو داود، وابن ماجه .

وعن أبي سعيد، وأبي هريرة، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات » . رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، واللفظ له .

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ( 56 ) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ( 57 ) .

وهذا ذكر إدريس، عليه السلام، بالثناء عليه، بأنه كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا عليًّا. وقد تقدم في الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة.

وقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا، فقال:حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شَمِر بن عطية، عن هلال بن يساف قال:سأل ابن عباس كعبًا، وأنا حاضر، فقال له:ما قول الله - عز وجل- لإدريس: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) فقال كعب:أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال:إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فَلْيؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم مَلَك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال:وأين إدريس؟ فقال:هو ذا على ظهري. قال ملك الموت:فالعجب! بعثت وقيل لي:اقبض روح إدريس في السماء الرابعة. فجعلت أقول:كيف أقبض روحه في السماء الرابعة، وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) .

هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.

وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس:أنه سأل كعبًا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك الملك:هل لك أن تسأله - يعني:ملك الموت- كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل وذكر باقيه ، وفيه:أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال :لا أدري حتى أنظر، ثم نظر، قال:إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض، عليه السلام، وهو لا يشعر به.

ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس:أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: « سبحان الله » ، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه. وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال:إدريس رفع ولم يمت، كما رفع عيسى.

وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال: [ رفع إلى ] السماء الرابعة.

وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال:رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك بن مُزَاحم.

وقال الحسن، وغيره، في قوله: ( وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ) قال:الجنة.

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ( 58 )

يقول تعالى هؤلاء النبيون - وليس المراد [ هؤلاء ] المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء عليهم السلام، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس - ( الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ) الآية.

قال السدي وابن جرير، رحمه الله: [ فالذي عنى به من ذرية آدم:إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح:إبراهيم ] والذي عنى به من ذرية إبراهيم:إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل:موسى، وهارون، وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم.

قال ابن جرير:ولذلك فرّق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح.

قلت:هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح، عليهما السلام. وقد قيل:إنه من أنبياء بني إسرائيل، أخذًا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم: « مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح » ، ولم يقل: « والولد الصالح » ، كما قال آدم وإبراهيم ، عليهما السلام.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن محمد أن إدريس أقدم من نوح بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: « لا إله إلا الله » ، ويعملوا ما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله عز وجل.

[ ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنسُ الأنبياء، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ] إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إلى أن قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [ الأنعام 83- 90 ] وقال تعالى: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [ غافر:78 ] . وفي صحيح البخاري، عن مجاهد:أنه سأل ابن عباس:أفي « ص » سجدة؟ قال نعم، ثم تلا هذه الآية: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ، فنبيكم ممن أُمِر أن يقتدي بهم، قال:وهو منهم، يعني داود .

وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا أي:إذا سمعوا كلام الله المتضمن حُجَجه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة.

« والبُكِيّ » :جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا، اقتداء بهم، واتباعًا لمنوالهم

قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي مَعْمَر قال:قرأ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سورة مريم، فسجد وقال:هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء.

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وسَقَط من روايته ذكر « أبي معمر » فيما رأيت ، والله أعلم.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ( 60 ) .

لما ذكر تعالى حزْبَ السعداء، وهم الأنبياء، عليهم السلام، ومن اتبعهم، من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره - ذكر أنه ( خَلَفَ مِنْ بَعْدِهم خَلْفٌ ) أي:قرون أخر، ( أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) - وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد- وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي:خَسَارًا يوم القيامة.

وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون:المراد بإضاعتها تَرْكُها بالكلية، قاله محمد بن كعب القُرَظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير. ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة، للحديث : « بين العبد وبين الشرك تَركُ الصلاة » ، والحديث الآخر: « العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر » . وليس هذا محل بسط هذه المسألة.

وقال الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مُخَيمرة في قوله: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) ، قال:إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا.

وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن سعد، عن ابن مسعود أنه قيل له:إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ و عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ و عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ؟ قال ابن مسعود:على مواقيتها. قالوا:ما كنا نرى ذلك إلا على الترك؟ قال:ذاك الكفر.

[ و ] قال مسروق:لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن:إضاعتهن عن وقتهن.

وقال الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد :أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) ، ثم قال:لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) قال:عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينـزو بعضهم على بعض في الأزقة، وكذا روى ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله .

وروى جابر الجُعْفي، عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح:أنهم من هذه الأمة، يعنون في آخر الزمان.

وقال ابن جرير:حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ) ، قال:هم في هذه الأمة ، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني:أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة:مؤمن، ومنافق، وفاجر » . قال بشير :قلت للوليد:ما هؤلاء الثلاثة؟ قال:المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به.

وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن، المقرئ ، به

وقال ابن أبي حاتم أيضًا:حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب ، عن مالك، عن أبي الرجال، أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصُّفَّة، وتقول:لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « هم الخلف الذين قال الله تعالى: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ ) . هذا حديث غريب . »

وقال أيضًا:حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حَريز ، عن شيخ من أهل المدينة؛ أنه سمع محمد بن كعب القُرَظِي يقول في قوله : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ) الآية، قال:هم أهل الغرب ، يملكون وهم شر من ملك.

وقال كعب الأحبار:والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل:شرابين للقهوات تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين للجمعات قال:ثم تلا هذه الآية: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) .

وقال الحسن البصري:عطلوا المساجد، ولزموا الضيعات.

وقال أبو الأشهب العُطَارِدي:أوحى الله - تعالى- إلى داود:يا داود، حَذّر وأنذر أصحابك أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعَلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته على أن أحرمه طاعتي.

وقال الإمام أحمد:حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أبو [ السمح ] التميمي، عن أبي قبيل ، أنه سمع عقبة بن عامر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني أخاف على أمتي اثنتين:القرآن [ واللبن، أما اللبن ] فيتبعون الرّيف، ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين » .

ورواه عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به .

وقوله: ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) أي:خسرانا. وقال قتادة:شرًّا.

وقال سفيان الثوري، وشعبة، ومحمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق السَّبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال:واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم.

وقال الأعمش، عن زياد، عن أبي عياض في قوله: ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) قال:واد في جهنم من قيح ودم.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير:حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيان، حدثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال:جئت أبا أمامة صُدَيّ بن عَجْلان الباهلي فقلت:حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:فدعا بطعام، ثم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خريفًا، ثم تنتهي إلى غي وآثام » . قال:قلت:وما غي وآثام؟ قال: « بئران في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله في كتابه: ( أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) وقوله في الفرقان: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا هذا حديث غريب ورفعه منكر. »

وقوله: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا ) ، أي:إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم؛ ولهذا قال: ( فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ) وذلك؛ لأن التوبة تُجُبُّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: « التائب من الذنب كمن لا ذنب له » ؛ ولهذا لا يُنْقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هَدَرًا وترك نسيا، وذهب مَجَّانا، من كرم الكريم، وحلم الحليم.

وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [ الفرقان:68 - 70 ]

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ( 63 ) .

يقول تعالى:الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم، هي ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) أي:إقامة ( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ ) بظهر الغيب، أي:هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه؛ وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.

وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ) تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره؛ فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا [ المزمل:18 ] أي:كائنا لا محالة.

وقوله هاهنا: ( مَأْتِيًّا ) أي:العباد صائرون إليه، وسيأتونه.

ومنهم من قال: ( مَأْتِيًّا ) بمعنى:آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول العرب:أتت عليّ خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى [ واحد ]

وقوله: ( لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ) أي:هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.

وقوله: ( إِلا سَلامًا ) استثناء منقطع، كقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا [ الواقعة:25 ، 26 ]

وقوله: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) أي:في مثل وقت البُكُرات ووقت العَشيّات، لا أن هناك ليلا أو نهارًا ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أول زُمْرَة تلج الجنة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصُقون فيها، ولا يتمخطون فيها، ولا يَتَغَوّطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألْوّة، ورَشْحُهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مُخّ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا » .

أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به

وقال الإمام أحمد:حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا » تفرد به أحمد من هذا الوجه.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال:مقادير الليل والنهار.

وقال ابن جرير:حدثنا علي بن سهم، حدثنا الوليد بن مسلم قال:سألت زهير بن محمد، عن قول الله تعالى: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال:ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وبفتح الأبواب.

وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم، عن خُلَيْد، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة، فقال:أبواب يُرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمْهِم انفتحي انغلقي، فتفعل.

وقال قتادة في قوله: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) :فيها ساعتان:بكرة وعشي:ليس ثم ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.

وقال مجاهد ليس [ فيها ] بكرة ولا عشي، ولكن يُؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.

وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما:كانت العرب، الأنْعَم فيهم، من يتغدّى ويتعشى، ونـزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم، فقال تعالى: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا )

وقال ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: ( وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ) قال:البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شَمْشَاط عن عبد الله بن جرير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من غداة من غدوات الجنة، وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران »

قال أبو محمد:هذا حديث منكر.

[ وقوله تعالى ] تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ) أي:هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله - عز وجل- في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ إلى أن قال: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ المؤمنون:1- 11 ]

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 )

قال الإمام أحمد:حدثنا يَعْلى ووكيع قالا حدثنا عمر بن ذَرّ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: « ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ » قال:فنـزلت ( وَمَا نَتَنـَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) إلى آخر الآية.

انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم، عن عمر بن ذر به. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عمر بن ذر به وعندهما زيادة في آخر الحديث، فكان ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال العَوْفي عن ابن عباس:احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحَزَن، فأتاه جبريل وقال:يا محمد، ( وَمَا نَتَنـزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )

وقال مجاهد:لبث جبريل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة، ويقولون [ قُلِيَ ] فلما جاءه قال:يا جبريل لقد رِثْتَ عليّ حتى ظن المشركون كل ظن. فنـزلت: ( وَمَا نَتَنـَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ [ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ] ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) قال:وهذه الآية كالتي في الضحى.

وكذلك قال الضحاك بن مُزَاحم، وقتادة، والسدي، وغير واحد:إنها نـزلت في احتباس جبريل.

وقال الحكم بن أبان، عن عكرمة قال:أبطأ جبريل النـزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا، ثم نـزل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما نـزلت حتى اشتقت إليك » فقال له جبريل:بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور، فأوحِيَ إلى جبريل أن قل له: ( وَمَا نَتَنـزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) الآية. رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، وهو غريب.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال:أبطأت الرسلُ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه جبريل فقال له:ما حبسك يا جبريل؟ فقال له جبريل:وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تُنْقُون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ ثم قرأ: ( وَمَا نَتَنـزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ) إلى آخر الآية.

وقد قال الطبراني:حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [ الدمشقي ] حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أبي كعب مولى ابن عباس، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم:أن جبريل أبطأ عليه، فذكر ذلك له فقال:وكيف وأنتم لا تَسْتَنّون، ولا تُقَلّمُون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تُنْقُون رواجبكم.

وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، به نحوه .

وقال الإمام أحمد:حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب - [ ختن ] مالك بن دينار- حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أصلحي لنا المجلس، فإنه ينـزل ملك إلى الأرض، لم ينـزل إليها قط »

وقوله: ( لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ) قيل:المراد ما بين أيدينا:أمر الدنيا، وما خلفنا:أمر الآخرة، ( وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ) ما بين النفختين. هذا قول أبي العالية، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وقتادة، في رواية عنهما، والسدي، والربيع بن أنس.

وقيل: ( مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ) ما نستقبل من أمر الآخرة، ( وَمَا خَلْفَنَا ) أي:ما مضى من الدنيا، ( وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ ) أي:ما بين الدنيا والآخرة. يروى نحوه عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، والثوري. واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم.

وقوله: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ) قال مجاهد [ والسُّدِّيّ ] معناه:ما نسيك ربك.

وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [ الضحى:1- 3 ]

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان - يعني أبا الجماهر - حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء يرفعه قال: « ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت [ عنه ] فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا » ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا )

 

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) .

وقوله: ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) [ أي:خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه، ( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ] هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) :قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:هل تعلم للرب مثلا أو شبها.

وكذلك قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج وغيرهم.

وقال عكرمة، عن ابن عباس:ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى، وتقدس اسمه.

وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ( 67 ) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ( 68 ) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ( 70 ) .

يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ الرعد:5 ] ، وقال: أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس:77- 79 ] ، وقال هاهنا: ( وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ) يستدل، تعالى، بالبداءة على الإعادة، يعني أنه، تعالى [ قد ] خلق الإنسان ولم يك شيئًا، أفلا يعيده وقد صار شيئًا، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم:27 ] ، وفي الصحيح: « يقول الله تعالى:كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله:لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي فقوله:إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد » .

وقوله: ( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ) أقسم الرب، تبارك وتعالى، بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، ( ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ) .

قال العَوْفي، عن ابن عباس:يعني:قعودا كقوله: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً [ الجاثية:28 ] .

وقال السدي في قوله: ( ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ) :يعني:قيامًا، وروي عن مرة، عن ابن مسعود [ مثله ] .

وقوله: ( ثُمَّ لَنَنـزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ ) يعني:من كل أمة قاله مجاهد، ( أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) .

قال الثوري، عن [ علي بن الأقمر ] ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال:يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة ، أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما، وهو قوله: ( ثُمَّ لَنَنـزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) .

وقال قتادة: ( ثُمَّ لَنَنـزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ) قال:ثم لننـزعن من أهل كل دين قادتهم [ ورؤساءهم ] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [ الأعراف:38 ، 39 ]

وقوله: ( ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا ) ثم « هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلَّد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ »

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ( 71 ) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ( 72 ) .

قال الإمام أحمد:حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا خالد بن سليمان، عن كثير بن زياد البُرْساني، عن أبي سُمَيَّة قال:اختلفنا في الورود، فقال بعضنا:لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم:يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له:إنا اختلفنا في الورود، فقال:يردونها جميعًا - وقال سليمان مَرَّةً يدخلونها جميعًا- وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال:صُمّتا، إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيًّا » غريب ولم يخرجوه.

وقال الحسن بن عرفة:حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن أبي مروان، عن خالد بن مَعْدَان قال:قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة:ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال:قد مررتم عليها وهي خامدة.

وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال:كان عبد الله بن رَوَاحة واضعًا رأسه في حِجْر امرأته، فبكى، فبكت امرأته فقال ما يبكيك؟ فقالت: رأيتك تبكي فبكيت. قال:إني ذكرت قول الله عز وجل: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ، فلا أدري أنجو منها أم لا؟ وفي رواية:وكان مريضًا.

وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن يَمَان، عن مالك بن مِغْول، عن أبي إسحاق:كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال:يا ليت أمي لم تلدني ثم يبكي، فقيل:ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال:أخبرنا أنا واردوها، ولم نُخْبَرْ أنا صادرون عنها .

وقال عبد الله بن المبارك، عن الحسن البصري قال:قال رجل لأخيه:هل أتاك أنك وارد النار؟ قال:نعم. قال:فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال:لا. قال:ففيم الضحك؟ [ قال فما رُئي ضاحكًا حتى لحق بالله ] .

وقال عبد الرزاق أيضًا:أخبرنا ابن عُيَيْنَة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس:الورود الدخول؟ فقال نافع:لا فقرأ ابن عباس: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [ الأنبياء:98 ] وردوا أم لا؟ وقال: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [ هود:98 ] أورْدٌ هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك فضحك نافع .

وروى ابن جريج، عن عطاء قال:قال أبو راشد الحَرُوري - وهو نافع بن الأزرق- : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [ الأنبياء:102 ] فقال ابن عباس:ويلك:أمجنون أنت؟ أين قوله: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [ هود:98 ] ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [ مريم:86 ] ، ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ؟ والله إن كان دعاء من مضى:اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا .

وقال ابن جرير:حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال:كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يقال له:أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له:يا ابن عباس، أرأيت قول الله: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) ؟ قال:أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر:هل نصدر عنها أم لا .

وقال أبو داود الطيالسي:قال شعبة، أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها [ كذلك ] : « وإن منهم إلا واردها » يعني:الكفار

وهكذا روى عمرو بن الوليد الشَّنِّي ، أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك: « وإن منهم إلا واردها » ، قال:وهم الظلمة. كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.

وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) يعني:البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ، فسمى الورود في النار دخولا وليس بصادر.

وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله - هو ابن مسعود- ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يرد الناس [ النار ] كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم » .

ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي به . ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا .

هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعًا. وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مُرّة عن عبد الله بن مسعود قال:يرد الناس جميعًا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق ، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرًّا رجل نوره على موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دَحْضُ مَزَلّة، عليه حَسَك كَحَسك القَتَاد، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث. رواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير:حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله:قوله: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) قال:الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون:اللهم سَلّم سَلّم.

ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما، من رواية أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم .

وقال ابن جرير:حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة عن الجُرَيري، عن [ أبي السليل ] عن غُنَيْم بن قيس قال:ذكروا ورود النار، فقال كعب:تمسك النار للناس كأنها مَتْن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد:أن امسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال:فتخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب:ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين ، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف .

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان ، عن جابر، عن أم مُبَشِّر، عن حفصة قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني لأرجو ألا يدخل النار - إن شاء الله- أحد شهد بدرًا والحديبية » قالت فقلت:أليس الله يقول ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ؟ قالت :فسمعته يقول: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) .

وقال [ الإمام ] أحمد أيضًا:حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان ، عن جابر، عن أم مبشر - امرأة زيد بن حارثة- قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فقال: « لا يدخل النار أحد شهد بدرًا والحديبية » قالت حفصة:أليس الله يقول: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) .

وفي الصحيحين، من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تَحِلَّة القسم » .

وقال عبد الرزاق:قال معمر:أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم » يعني الورود .

وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا زَمْعَة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، تمسه النار إلا تحلة القسم » . قال الزهري:كأنه يريد هذه الآية: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) .

وقال ابن جرير:حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه وعِكًا، وأنا معه، ثم قال: « إن الله تعالى يقول:هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون حظه من النار في الآخرة » غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه .

وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال:الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة » . فقال عمر:إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم: « لله ] أكثر وأطيب » .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ ألف آية في سبيل الله، كُتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، إن شاء الله. ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) وإن الذكر في سبيل [ الله ] يُضْعفُ فوق النفقة بسبعمائة ضعف » . وفي رواية: « بسبعمائة ألف ضعف »

وروى أبو داود، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [ وسعيد بن أبي أيوب ] كلاهما عن زبان ، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف » .

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قوله: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) قال:هو الممر عليها

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا ) ، قال:ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين:أن يدخلوها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سِمَاطان من الملائكة، دعاؤهم:يا ألله سلم سلم » .

وقال السدي، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: ( كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) قال:قسمًا واجبًا. وقال مجاهد: [ حتمًا ] ، قال:قضاء. وكذا قال ابن جريج

وقوله: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) أي:إذا مرّ الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم - وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ ثم الذي يليه ] حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: « لا إله إلا الله » وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا )

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ( 74 ) .

يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان:أنهم يصدون عن ذلك ، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم: ( خَيْرٌ مَقَامًا وأَحْسَنُ نَدِيًّا ) [ أي:أحسن منازل وأرفع دورًا وأحسن نديا ] ، وهو مجمع الرجال للحديث، أي:ناديهم أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون:فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك [ الذين هم ] مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [ الأحقاف:11 ] . وقال قوم نوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [ الشعراء:111 ] ، وقال تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام:53 ] ؛ ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) أي:وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم، ( هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ) أي:كانوا أحسن من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا.

[ و ] قال الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس: ( خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) قال:المقام:المنـزل، والندي:المجلس، والأثاث:المتاع، والرئي:المنظر.

وقال العوفي، عن ابن عباس:المقام:المسكن، والندي:المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [ الدخان:25 ، 26 ] ، فالمقام:المسكن والنعيم، والندي:المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال [ الله ] فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط : وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [ العنكبوت:29 ] ، والعرب تسمي المجلس:النادي.

وقال قتادة:لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، تَعَرّض أهل الشرك بما تسمعون : ( أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ) وكذا قال مجاهد، والضحاك.

ومنهم من قال في الأثاث:هو المال. ومنهم من قال:المتاع. ومنهم من قال:الثياب، والرئي:المنظر كما قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد.

وقال الحسن البصري:يعني الصور، وكذا قال مالك: ( أَثَاثًا وَرِئْيًا ) :أكثر أموالا وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح.

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ( 75 ) .

يقول تعالى: ( قُلْ ) يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين، أنهم على الحق وأنكم على الباطل: ( مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ ) أي:منا ومنكم، ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) أي:فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله، ( إِمَّا الْعَذَابَ ) يصيبه، ( وَإِمَّا السَّاعَةَ ) بغتة تأتيه، ( فَسَيَعْلَمُونَ ) حينئذ ( مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ) [ أي ] :في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي.

قال مجاهد في قوله: ( فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) فليدعه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، رحمه الله.

وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه ، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ الجمعة:6 ] أي:ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة « البقرة » مبسوطا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة « آل عمران » حين صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حُجَجه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال بعد ذلك: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ آل عمران:61 ] فنكلوا أيضًا عن ذلك.

وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 ) .

لما ذكر [ الله ] تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هُدى كما قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [ التوبة:124 ، 125 ] .

وقوله: ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ) قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة « الكهف » .

( خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ) أي:جزاء ( وَخَيْرٌ مَرَدًّا ) أي:عاقبة ومردا على صاحبها.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فَحَطَّ ورقة ثم قال: « إن قول:لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح ، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة » قال أبو سلمة:فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال:لأهللنّ الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون

وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة، عن أبي الدرداء، والله أعلم. وهكذا وقع في سنن ابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن عُمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، فذكر نحوه

 

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ( 77 ) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ( 78 ) كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ( 79 ) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ( 80 ) .

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال:كنت رجلا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال:لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [ فقلت:لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ] حتى تموت ثم تبعث. قال:فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنـزل الله: ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ) إلى قوله: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) .

أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه، عن الأعمش به ، وفي لفظ البخاري:كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث وقال: ( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) قال:موثقًا.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق قال:قال خَبَّاب بن الأرت، كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال:فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه ، فقال لي:لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت:لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال:فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال:فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنـزل الله: ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ) إلى قوله: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) .

وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس:إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال:ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا:بلى. قال:فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال ( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا ) إلى قوله: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا )

وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم:إنها نـزلت في العاص بن وائل.

وقوله: ( لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ) قرأ بعضهم بفتح « الواو » من « ولدا » وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة:

الحـــمْدُ للــهِ العزيــز فَــرْدًا لَــمْ يتخـذ مِـنْ وُلْـد شـيء وُلْـدا

وقال الحارث بن حلزة:

وَلَقَــــد رأيــــتُ معَاشـــرًا قـــد تمـــرُوا مــالا وَولْــدا

وقال الشاعر:

فَلَيـت فُلانًـا كـانَ فـي بَطْـن أمـه وَليــتَ فُلانًــا كـان وُلْـد حِمَـار

وقيل:إن « الوُلْد » بالضم جمع، « والوَلَد » بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.

وقوله: ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ) :إنكار على هذا القائل، ( لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ) يعني:يوم القيامة، أي:أعلم ما له في الآخرة حتى تَألى وحلف على ذلك، ( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) :أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري:أنه الموثق.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) قال:لا إله إلا الله، فيرجو بها . وقال محمد بن كعب القرظي: ( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) قال:شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: ( أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) .

وقوله: ( كَلا ) :هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها، ( سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ) أي:من طلبه ذلك وحُكْمه لنفسه بما تمناه، وكفره بالله العظيم ( وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ) أي:في الدار الآخرة، على قوله ذلك، وكفره [ بالله ] في الدنيا.

( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) أي:من مال وولد، نسلبه منه، عكس ما قال:إنه يُؤْتى في الدار الآخرة مالا وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يُسلَب من الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) أي:من المال والولد.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) ، [ قال:نرثه ]

وقال مجاهد: ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) :ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.

وقال عبد الرزاق، عن مُعْمَر، عن قتادة: ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) قال:ما عنده، وهو قوله: ( لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا ) وفي حرف ابن مسعود: « ونرثه ما عنده » .

وقال قتادة: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) :لا مال له، ولا ولد.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ) قال:ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: ( وَيَأْتِينَا فَرْدًا ) قال:فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) .

يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم:أنهم اتخذوا من دونه آلهة، لتكون تلك الآلهة ( عِزًّا ) يعتزون بها ويستنصرونها.

ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: ( كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ) أي:يوم القيامة ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) أي:بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [ الأحقاف:5 ، 6 ]

وقرأ أبو نَهِيك: « كلّ سيكفرون بعبادتهم » .

وقال السدي : ( كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ ) أي:بعبادة الأوثان. وقوله: ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) أي:بخلاف ما رَجَوا منهم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) قال:أعوانًا.

قال مجاهد:عونًا عليهم، تُخَاصِمُهم وتُكَذّبهم.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) قال:قرناء.

وقال قتادة:قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.

وقال السدي: ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) قال:الخصماء الأشداء في الخصومة.

وقال الضحاك: ( وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) قال:أعداء.

وقال ابن زيد:الضد:البلاء.

وقال عكرمة:الضد:الحسرة.

وقوله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:تغويهم إغواء.

وقال العوفي عنه:تحرضهم على محمد وأصحابه.

وقال مجاهد:تُشليهم إشلاء .

وقال قتادة:تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله.

وقال سفيان الثوري:تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا.

وقال السدي:تطغيهم طغيانا.

وقال عبد الرحمن بن زيد:هذا كقوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف:36 ] .

وقوله: ( فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) أي:لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) أي:إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [ إبراهيم:42 ] ، فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [ الطارق:17 ] إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [ آل عمران:178 ] ، نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [ لقمان:24 ] ، قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [ إبراهيم:30 ] .

قال السدي: ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) السنين، والشهور، والأيام، والساعات.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) قال:نعد أنفاسهم في الدنيا.

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ( 87 ) .

يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم:أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه. والوفد:هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، ( وِرْدًا ) عطاشًا، قاله [ عطاء ] ، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وهاهنا يقال: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا [ مريم:73 ] .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد ، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) قال:يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحًا، فيقول:من أنت؟ فيقول:أما تعرفني؟ فيقول:لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول:أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. فذلك قوله: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) قال:ركبانًا.

وقال ابن جرير:حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة ، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) قال:على الإبل.

وقال ابن جُريج:على النجائب.

وقال الثوري:على الإبل النوق.

وقال قتادة: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) قال:إلى الجنة.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه:حدثنا سُوَيْد بن سعيد، أخبرنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال:كنا جلوسًا عند عليّ، رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) قال:لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به. وزاد: « عليها رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد » والباقي مثله.

وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال:

حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البَجَلي، سمعت أبا معاذ البصري قال:إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: ( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ) فقال:ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو:يؤتون- بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو:فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له - قال مسلمة أراه قال:ساجدًا- فيقول:ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول:أنت - حِبّي، وأنا حبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق:أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن - قال:صاف لا كَدَر فيه - وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا، ثم تلا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا [ الإنسان:14 ] ، فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال:أخضر فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول:سلام عليكم: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف:72 ] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور » .

هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي، رضي الله عنه، بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.

وقوله: ( وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ) أي:عطاشا.

( لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ ) أي:ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [ الشعراء:100 ، 101 ]

وقوله: ( إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) :هذا استثناء منقطع، بمعنى:لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) قال:العهد:شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، عز وجل.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاخِتَةَ، عن الأسود بن يزيد قال:قرأ عبد الله - يعني ابن مسعود- هذه الآية: ( إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) ثم قال:اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: « من كان له عند الله عهد فليقم » قالوا:يا أبا عبد الرحمن، فَعلمنا. قال:قولوا:اللهم، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عمل تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تُؤدّيه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.

قال المسعودي:فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود:وكان يُلْحِقُ بهن:خائفًا مستجيرًا مستغفرًا، راهبًا راغبًا إليك .

ثم رواه من وجه آخر، عن المسعودي، بنحوه.

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ( 89 ) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ( 91 ) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ( 93 ) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ( 95 ) .

لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى، عليه السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا - تعالى وتقدّس وتنـزه عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ ) أي:في قولكم هذا، ( شَيْئًا إِدًّا ) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومالك:أي عظيمًا.

ويقال: ( إِدًّا ) بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى.

وقوله: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) أي:يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد:

وفــي كُــلّ شَــيءٍ لــه آيـةٌ تَـــدُل عـــلى أنـــه واحِــدُ

قال ابن جرير:حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) قال:إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة » . قالوا:يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: « تلك أوجب وأوجب » . ثم قال: « والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن »

هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم.

وقال الضحاك: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ) أي:يتشققن فَرَقًا من عظمة الله.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وَتَنْشَقُّ الأرْضُ ) أي:غضبًا لله، عز وجل.

( وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ) قال ابن عباس:هدمًا.

وقال سعيد بن جبير: ( هَدًّا ) ينكسر بعضها على بعض متتابعات.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الله بن سُوَيْد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون بن عبد الله قال:إن الجبل لينادي الجبل باسمه:يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرُ الله عز وجل ؟ فيقول:نعم، ويستبشر. قال عون:لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا )

وقال ابن أبي حاتم أيضًا:حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوْذَة، حدثنا عوف، عن غالب بن عَجْرَد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد مِنَى قال:بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال:كان لهم فيها منفعة- ولم تزل الأرض والشجر بذلك، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة، قولهم: ( اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ) فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض، وشكاك الشجر.

وقال كعب الأحبار:غضبت الملائكة، واستعرت النار ، حين قالوا ما قالوا.

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنه يشرك به، ويجعل له ولدًا، وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم » .

أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ: « إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزُقُهم ويعافيهم » .

وقوله: ( وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) أي:لا يصلح له، ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه ؛ لأن جميع الخلائق عبيد له؛ ولهذا قال: ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ) أي:قد علم عَدَدَهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذَكَرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم،

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) أي:لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذَرّة، ولا يظلم أحدا.

 

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ( 98 ) .

يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله، عز وجل، لمتابعتها الشريعة المحمدية - يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه. وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه.

قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، حدثنا سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال:يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه. قال:فيحبه جبريل » . قال: « ثم ينادي في أهل السماء:إن الله يحب فلانًا » . قال: « فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل فقال:يا جبريل، إني أبغضُ فلانًا فأبغضه » . قال: « فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء:إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه » . قال: « فيُبْغضُه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض » .

ورواه مسلم من حديث سُهَيْل . ورواه أحمد والبخاري، من حديث ابن جُرَيْج، عن موسى بن عتبة عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم بنحوه .

وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد ليلتمس مرضات الله، فلا يزال كذلك فيقول الله، عز وجل، لجبريل:إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني؛ ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: « رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض »

غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.

وقال الإمام أحمد:حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظَبْيَة، عن أبي أمامة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن المقة من الله » - قال شريك:هي المحبة- والصيت من السماء، « فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل، عليه السلام:إني أحب فلانًا، فينادي جبريل:إن ربكم يمق - يعني:يحب- فلانا، فأحبوه » - وأرى شريكًا قد قال: « فتنـزل له المحبة في الأرض- وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل:إني أبغض فلانًا فأبغضه » ، قال: « فينادي جبريل:إن ربكم يبغض فلانا فأبغضوه » . قال:أرى شريكًا قد قال: « فيجري له البغض في الأرض » . غريب ولم يخرجوه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحَفَريّ، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد، وهو الدَّرَاوَرْدي- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل:إني قد أحببت فلانًا، فأحبه، فينادي في السماء، ثم ينـزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله، عز وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) »

رواه مسلم والترمذي كلاهما عن قتيبة، عن الدراوردي، به . وقال الترمذي:حسن صحيح.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال:حبًّا.

وقال مجاهد، عنه: ( سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) قال:محبة في الناس في الدنيا.

وقال سعيد بن جبير، عنه:يحبهم ويُحببهم، يعني:إلى خلقه المؤمنين. كما قال مجاهد أيضًا، والضحاك وغيرهم.

وقال العوفي، عن ابن عباس أيضًا:الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.

وقال قتادة: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) إي والله، في قلوب أهل الإيمان، ذكر لنا أن هَرِم بن حَيَّان كان يقول:ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.

وقال قتادة:وكان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يقول:ما من عبد يعمل خيرًا، أو شرًّا، إلا كساه الله، عز وجل، رداء عمله.

وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله:حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن الربيع بن صَبِيح، عن الحسن البصري، رحمه الله قال:قال رجل:والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها، فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائما يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: « انظروا إلى هذا المرائي » فأقبل على نفسه فقال:لا أراني أذكر إلا بِشَرّ، لأجعلن عملي كله لله، عز وجل، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم، فيقولون:رحم الله فلانا الآن، وتلا الحسن: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا )

وقد روى ابن جرير أثرًا أن هذه الآية نـزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف. وهو خطأ، فإن هذه السورة بتمامها مكية لم ينـزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.

وقوله: ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ ) يعني:القرآن، ( بِلِسَانِكَ ) أي:يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل، ( لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ ) أي:المستجيبين لله المصدقين لرسوله، ( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) أي:عوجًا عن الحق مائلين إلى الباطل.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ( قَوْمًا لُدًّا ) لا يستقيمون.

وقال الثوري، عن إسماعيل - وهو السُّدِّي- عن أبي صالح: ( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) عوجًا عن الحق.

[ وقال الضحاك:هو الخصم، وقال القرظي:الألد:الكذاب ]

وقال الحسن البصري: ( قَوْمًا لُدًّا ) صمًّا.

وقال غيره صم آذان القلوب

وقال قتادة: ( قَوْمًا لُدًّا ) يعني قريشًا.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( قَوْمًا لُدًّا ) فجارًا، وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد.

وقال ابن زيد:الألد:الظلوم، وقرأ قول الله: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [ البقرة:204 ] .

وقوله: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) أي:من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله، ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ) أي:هل ترى منهم أحدًا، أو تسمع لهم ركزًا.

قال ابن عباس، وأبو العالية، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، وابن زيد:يعني:صوتًا.

وقال الحسن، وقتادة:هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا.

والركز في أصل اللغة:هو الصوت الخفي، قال الشاعر :

فَتَوجســت رِكْز الأنيــس فَرَاعَهــا عَـنْ ظَهْـر غَيـب والأنيسُ سَـقَامُها

آخر تفسير « سورة مريم » ولله الحمد والمنة. ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير « سورة طه » والحمد لله.

 

تفسير سورة طه

 

هي مكية.

روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب « التوحيد » ، عن زياد بن أيوب، عن إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، عن عمر بن حفص بن ذَكْوَان، عن مولى الحُرقة - يعني عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله قرأ ( طه ) و ( يس ) قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا:طوبى لأمة ينـزل عليهم هذا وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا » .

هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تُكلِّم فيهما.

بسم الله الرحمن الرحيم

طه ( 1 ) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ( 2 ) إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ( 3 ) تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا ( 4 ) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ( 5 ) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ( 6 ) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ( 7 ) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ( 8 )

تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة « البقرة » بما أغنى عن إعادته.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد - يعني:الزبيري - أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:طه:يا رجل. وهكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، و [ عطاء ] ومحمد بن كعب، وأبي مالك، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن أبزى أنهم قالوا: « طه » بمعنى:يا رجل.

وفي رواية عن ابن عباس، وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها:يا رجل. وقال أبو صالح هي مُعَرّبة.

وأسند القاضي عياض في كتابه « الشفاء » من طريق عبد بن حميد في تفسيره:حدثنا هاشم بن [ القاسم ] عن ابن جعفر، عن الربيع بن أنس قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنـزل الله تعالى ( طه ) ، يعني:طأ الأرض يا محمد، ( مَا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) . ثم قال:ولا خفاء بما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة .

وقوله ( مَا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) قال جويبر، عن الضحاك:لما أنـزل الله القرآن على رسوله، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش:ما أنـزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى! فأنـزل الله تعالى: ( طه * مَا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) .

فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين، عن معاوية قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين » . .

وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال:

حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا إبراهيم الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سِمَاك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده:إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم، ولا أبالي » .

إسناده جيد وثعلبة بن الحكم هذا [ هو الليثي ] ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال:نـزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب .

وقال مجاهد في قوله: ( مَا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) :هي كقوله: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ [ المزمل:20 ] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.

وقال قتادة: ( مَا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ) :لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورًا، ودليلا إلى الجنة.

إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) :إن الله أنـزل كتابه، وبعث رسله .

رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنـزل الله فيه حلاله وحرامه.

وقوله: ( تَنـزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا ) أي:هذا القرآن الذي جاءك يا محمد [ هو ] تنـزيل من [ ربك ] رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها. وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره. أن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبُعْد ما بينها والتي تليها [ مسيرة ] خمسمائة عام .

وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه.

وقوله ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) :تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل.

وقوله: ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ) أي:الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره.

وقوله: ( وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ) قال محمد بن كعب:أي ما تحت الأرض السابعة.

وقال الأوزاعي:إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعبًا سُئِل فقيل له:ما تحت هذه الأرض؟ فقال:الماء. قيل:وما تحت الماء؟ قال:الأرض. قيل:وما تحت الأرض؟ قال:الماء. قيل:وما تحت الماء؟ قال:الأرض، قيل:وما تحت الأرض؟ قال:الماء. قيل:وما تحت الماء؟ قال:الأرض، قيل:وما تحت الأرض؟ قال الماء. قيل:وما تحت الماء؟ قال:الأرض، قيل:وما تحت الأرض؟ قال:صخرة. قيل:وما تحت الصخرة؟ قال:ملك. قيل:وما تحت الملك؟ قال:حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل:وما تحت الحوت؟ قال:الهواء والظلمة وانقطع العلم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عَيَّاش، حدثنا عبد الله بن سليمان عن دَرَّاج، عن عيسى بن هلال الصَّدَفي، عن عبد الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سَقَر، وفيها إبليس مُصَفّد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه » .

هذا حديث غريب جدًا ورفعه فيه نظر.

وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده:حدثنا أبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل [ قال ] : قلت:ابن الفضل الأنصاري؟ قال:نعم، [ عن القاسم ] بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله قال:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين، منتشرين، قال:وكنت في أول العسكر:إذ عارضنا رجل فَسَلّم ثم قال:أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل في وسط العَسْكَر على جمل أحمر، مُقَنَّع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت:أيها السائل، هذا رسول الله قد أتاك. فقال:أيهم هو؟ فقلت:صاحب البَكْر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :أنت محمد؟ قال: « نعم » . قال:إني أريد أن أسألك عن خصال، لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سل عما شئت » . فقال:يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تنام عيناه ولا ينام قلبه » . قال:صدقت. ثم قال:يا محمد، مِنْ أين يشبه الولد أباه وأمه؟ « قال ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيّ الماءين غلب على الآخر نـزع الولد » . فقال صدقت. فقال:ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: « للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر » قال:صدقت. ثم قال:يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خلق » . فقال:فما تحتهم؟ قال: « أرض » . قال:فما تحت الأرض؟ قال « الماء » قال:فما تحت الماء؟ قال: « ظلمة » . قال:فما تحت الظلمة؟ قال: « الهواء » . قال:فما تحت الهواء؟ قال: « الثرى » . قال:فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، وقال: « انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل » . قال:فقال:صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ » قالوا:الله ورسوله أعلم. قال: « هذا جبريل صلى الله عليه وسلم » .

هذا حديث غريب جدًا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: « ليس يساوي شيئًا » وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي:لا يعرف.

قلت:وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث. وقد يُحْتَمل أنه تَعَمَّد ذلك، أو أدخل عليه فيه، فالله أعلم.

وقوله: ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) أي:أنـزل هذا القرآن الذي خلق [ الأرض والسموات العلى، الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي ] السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [ الفرقان:6 ] .

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) قال:السر ما أسرّ ابن آدم في نفسه، ( وَأَخْفَى ) :ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه فالله يعلم ذلك كله، فَعلْمه فيما مضى من ذلك وما بقي عِلْم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ لقمان:28 ] .

وقال الضحاك: ( يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ) قال:السر:ما تحدث به نفسك، وأخفى:ما لم تحدث به نفسك بعد.

وقال سعيد بن جبير:أنت تعلم ما تسر اليوم، ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم، وما تسر غدًا.

وقال مجاهد: ( وَأَخْفَى ) يعني:الوسوسة.

وقال أيضًا هو وسعيد بن جبير: ( وَأَخْفَى ) أي:ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه.

وقوله: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى ) [ أي:الذي أنـزل القرآن عليك هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى ] والصفات العلى.

وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة « الأعراف » ولله الحمد والمنة.

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ( 9 ) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ( 10 )

من هاهنا شَرَعَ، تبارك وتعالى، في ذكر قصة موسى [ عليه السلام ] وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجَل الذي كان بينه وبين صهْره في رعاية الغنم وسار بأهله قيل:قاصدًا بلاد مصر بعدما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق، وكانت ليلة شاتية، ونـزل منـزلا بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليُوريَ نارًا، كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئًا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء. فبينا هو كذلك، إذ آنس من جانب الطور نارًا، أي:ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: ( إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ ) أي:شهاب من نار. وفي الآية الأخرى: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [ القصص:29 ] وهي الجمر:الذي معه لهب، لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ القصص:29 ] دلّ على وجود البرد، وقوله: ( بِقَبَسٍ ) دلّ على وجود الظلام.

وقوله: ( أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ) أي:من يهديني الطريق، دلّ على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري، عن أبي سعد الأعور، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ( أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ) قال:من يهديني إلى الطريق. وكانوا شاتين وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال:إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق آتكم بنار توقدون بها.

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ( 12 )

يقول تعالى: ( فَلَمَّا أَتَاهَا ) أي:النار واقترب منها، ( نُودِيَ يَا مُوسَى ) وفي الآية الأخرى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [ القصص:30 ] وقال هاهنا ( إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) أي:الذي يكلمك ويخاطبك، ( فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) قال علي بن أبي طالب، وأبو ذر، وأبو أيوب، وغير واحد من السلف:كانتا من جلد حمار غير ذكيّ.

وقيل:إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة.

قال سعيد بن جبير:كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة.

وقيل:ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل:غير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ( طُوًى ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:هو اسم للوادي.

وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان.

وقيل:عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه.

وقيل:لأنه قُدّس مرتين، وطوى له البركة وكررت:والأول أصح، كقوله إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [ النازعات:16 ] .

 

وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ( 13 ) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ( 15 ) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ( 16 )

وقوله: ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) كقوله إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف:144 ] أي:على جميع الناس من الموجودين في زمانه.

و [ قد ] قيل:إن الله تعالى قال:يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ [ قال:لا. قال: ] لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك.

وقوله: ( فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) أي:اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك:

( إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا ) هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.

وقوله: ( فَاعْبُدْنِي ) أي:وحدّني وَقُم بعبادتي من غير شريك، ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) قيل:معناه:صَلِّ لتذكرني. وقيل:معناه:وأقم الصلاة عند ذكرك لي.

ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) . »

وفي الصحيحين عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك » .

وقوله: ( إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ) أي:قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها.

وقوله: ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) قال الضحاك، عن ابن عباس:أنه كان يقرؤها: « أكاد أخفيها من نفسي » ، يقول:لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا.

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس:من نفسه. وكذا قال مجاهد، وأبو صالح، ويحيى بن رافع.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) يقول:لا أطلع عليها أحدًا غيري.

وقال السدي:ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: « إني أكاد أخفيها من نفسي » ، يقول:كتمتها عن الخلائق، حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.

وقال قتادة: ( أَكَادُ أُخْفِيهَا ) وهي في بعض القراءة أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.

قلت:وهذا كقوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ [ النمل:65 ] وقال: ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً [ الأعراف:187 ] أي:ثقل علمها على أهل السموات والأرض.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة حدثنا مِنْجَاب، حدثنا أبو نُمَيْلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقَاء قال:أقرأنيها سعيد بن جبير ( أكاد أَخْفيها ) ، يعني:بنصب الألف وخفض الفاء، يقول:أظهرها، ثم [ قال ] أما سمعت قول الشاعر .

دَأبَ شَــهْرَين, ثــم شـهرًا دَمِيكًـا بـــأريكَين يَخْفيـــان غَمـــيرًا

وقال الأسدي:الغمير:نبت رطب، ينبت في خلال يبس. والأريكين:موضع، والدميك:الشهر التام. وهذا الشعر لكعب بن زهير.

وقوله سبحانه وتعالى: ( لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ) أي:أقيمها لا محالة، لأجزي كل عامل بعمله، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة:7، 8 ] و إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور:16 ] .

وقوله: ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى ) المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي:لا تتبعوا [ سبيل ] من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر ( فَتَرْدَى ) أي:تهلك وتعطب قال الله تعالى: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [ الليل:11 ] .

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ( 17 ) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ( 18 ) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ( 19 ) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ( 20 ) قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى ( 21 ) .

هذا برهان من الله تعالى لموسى، عليه السلام، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دال على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) قال بعض المفسرين:إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل:إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي:أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن، ( وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ) استفهام تقرير.

( قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ) أي:أعتمد عليها في حال المشي ( وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ) أي:أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي.

قال عبد الرحمن بن القاسم:عن الإمام مالك:والهش:أن يضع الرجل المحْجَن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثَمَره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.

وقوله: ( وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ) أي:مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك. وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل:كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة.

والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية وكذا قول بعضهم:إنها كانت لآدم، عليه السلام. وقول الآخر:إنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عباس أنه قال:كان اسمها ماشا. والله أعلم بالصواب.

وقوله تعالى: ( [ قَالَ ] أَلْقِهَا يَا مُوسَى ) أي:هذه العصا التي في يدك يا موسى، ألقها ( فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) أي:صارت في الحال حَيَّة عظيمة، ثعبانًا طويلا يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة، ( تَسْعَى ) أي:تمشي وتضطرب.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عَبْدَة، حدثنا حفص بن جُمَيْع، حدثنا سِمَاك، عن عكرمة، عن [ ابن عباس ] فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبرًا، فنودي أن:يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن:خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة:إنك من الآمنين. فأخذها.

وقال وهب بن مُنَبّه في قوله: ( فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) قال:فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبّ يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخْذَه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحْجَن منها عُرفًا. قيل:شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب، لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا ولم يُعَقِّب، فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجَز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي:يا موسى أنْ:ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: ( خُذْهَا ) بيمينك ( وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى ) وعلى موسى حينئذ مِدْرَعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك أرأيت يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال:لا ولكني ضعيف، ومن ضَعْف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتى سمع حسّ الأضراس والأنياب، ثم قَبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين؛ ولهذا قال تعالى: ( سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى ) أي:إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ( 23 ) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 24 ) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ( 35 ) .

وهذا بُرهان ثان لموسى، عليه السلام، وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه، كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله: ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ) وقال في مكان آخر: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [ القصص:32 ] .

وقال مجاهد: ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ) كفه تحت عضده.

وذلك أن موسى، عليه السلام، كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.

وقوله: ( تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أي:من غير بَرَص ولا أذى، ومن غير شين. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، وغيرهم.

وقال الحسن البصري:أخرجها - والله- كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه عز وجل؛ ولهذا قال تعالى: ( لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ) .

وقال وهب:قال له ربه:ادْنُهْ:فلم يزل يدنيه حتى شدّ ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع يده في العصا، وخضع برأسه وعنقه.

وقوله ( اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) أي:اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خَرَجت فارًا منه وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فَلْيُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبَغَى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.

قال وهب بن مُنَبِّه:قال الله لموسى:انطلق برسالتي فإنك بعيني وسمعي، وإني معك أيدي ونَصْري، وإني قد ألبستك جُنَّةً من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليّ، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغنيّ لا غنيّ غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولا لينًا لعله يتذكر أو يخشى، وخَبّره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني، وقل له:أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصدّ عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، [ و ] لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر [ ولم تغلب ] ولو شاء الله أن يعَجِّل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة - ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته، ولا ما مَتّع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما، فإنها زهر الحياة الدنيا، وزينة المترفين. ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة، ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما، فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما. وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما جرت عادتي في ذلك. فإني لأذودُهم عن نعيمها ورخائها، كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذاك لهوانهم عليّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرًا لم تكْلَمْه الدنيا.

واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ مما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعْرَفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًا حقًا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي وليًا أو أخافه، فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني. وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة، لا أَكِلُ مضطرهم إلى غيري.

رواه ابن أبي حاتم.

( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) هذا سؤال من موسى، عليه السلام، لربه عز وجل، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.

هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم، في حجر فرعون، على فراشه، ثم قتل منهم نفسا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها. ثم بعد هذا بعثه ربه عز وجل إليهم نذيرًا يدعوهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) أي:إن لم تكن أنت عوني ونصيري، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك.

( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) وذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة. ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنه قال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [ الزخرف 52 ] أي:يفصح بالكلام.

وقال الحسن البصري: ( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ) قال:حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطى.

وقال ابن عباس:شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.

وقال ابن أبي حاتم:ذُكِرَ عن عَمْرو بن عثمان، حدثنا بَقِيّة، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب، عنه قال:أتاه ذو قرابة له. فقال له:ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك؟ فقال القرظي:يا ابن أخي، ألست أفهمك إذا حدثتك ؟ . قال: نعم. قال:فإن موسى، عليه السلام، إنما سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه كي يفقه بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها. هذا لفظه.

وقوله: ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ) :وهذا أيضًا سؤال من موسى في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له.

قال الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال:فَنُبّئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى، عليهما السلام.

وقال ابن أبي حاتم:ذكر عن ابن نُمَير، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر، فنـزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلا يقول:أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا:ما ندري. قال:والله أنا أدري قالت:فقلت في نفسي:في حلفه لا يستثنى، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال:موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت:صدق والله. قلت:وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى، عليه السلام: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [ الأحزاب:69 ] .

وقوله: ( اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ) قال مجاهد:ظهري.

( وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) أي:في مشاورتي.

( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ) قال مجاهد:لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا، حتى يذكر الله قائما وقاعدًا ومضطجعًا.

وقوله: ( إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ) أي:في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك.

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ( 36 ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ( 37 )

هذه إجابة من الله لرسوله موسى، عليه السلام، فيما سأل من ربه عز وجل، وتذكير له بنعمه السالفة عليه،

 

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ( 39 ) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ( 40 )

فيما كان ألهم أمه حين كانت ترضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان. فاتخذت له تابوتا، فكانت ترضعه ثم تضعه فيه، وترسله في البحر - وهو النيل- وتمسكه إلى منـزلها بحبل فذهبت مرة لتربطه فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا [ القصص:10 ] فذهب به البحر إلى دار فرعون فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [ القصص:8 ] أي قدرًا مقدورًا من الله، حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل، حذرًا من وجود موسى، فحكم الله - وله السلطان العظيم، والقدرة التامة- ألا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته وزوجته له؛ ولهذا قال: ( يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) [ أي:عند عدوك، جعلته يحبك. قال سلمة بن كُهَيْل: ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) ] قال:حببتك إلى عبادي.

( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) قال أبو عمران الجوني:تربى بعين الله.

وقال قتادة:تغذى على عيني.

وقال معمر بن المثنى: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) بحيث أرى.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.

وقوله: ( إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ) وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله عز وجل: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فجات أخته وقالت هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [ القصص:12 ] . تعني هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أغنم وأجزل؛ ولهذا جاء في الحديث: « مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها » .

وقال تعالى هاهنا: ( فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ ) أي:عليك، ( وَقَتَلْتَ نَفْسًا ) يعني:القبطي، ( فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ) وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله ففر منهم هاربًا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ القصص:25 ] .

وقوله: ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، رحمه الله، في كتاب التفسير من سننه، قوله: ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) :

حديث الفتون

حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير، قال:سألت عبد الله بن عباس عن قول الله، عز وجل، لموسى، عليه السلام: ( وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ) فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال:استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثًا طويلا. فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال:تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم، عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم:إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك، ما يشكون فيه وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا:ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون:فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه. ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا:يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك.

فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى، عليه السلام، فوقع في قلبها الهَمّ والحزن، وذلك من الفتون - يا بن جبير- ما دخل عليه في بطن أمه، مما يراد به، فأوحى الله [ جل ذكره ] إليها أن وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص:7 ] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم. فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنُها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها:ما فعلت با بني، لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.

فانتهى الماء به حتى أوفى به عند فُرْضَة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئًا حتى رفعنه إليها. فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.

فلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا بن جبير، فقالت لهم:أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتى فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم.

فأتت فرعون فقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [ القصص:9 ] فقال فرعون:يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي يُحْلَف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك » . فأرسلت إلى من حولها، إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرًا، فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهًا، فقالت لأخته:قصى أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون - والجُنُب:أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظُّؤُرات:أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا:ما يدريك؟ ما نصحهم له؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا بن جبير. فقالت:نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظؤرة الملك، ورجاء منفعة الملك. فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر. فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نـزا إلى ثديها فمصَّه، حتى امتلأ جنباه ريًا، وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا. فأرسلت إليها. فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت:امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط. قالت أم موسى:لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا آلوه خيرًا [ فعلت، وإلا ] فإني غير تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده فرجعت به إلى بيتها من يومها، [ وأنبته ] الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه.

فلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى:أتريني ابني؟ فَوَعَدَتْها يومًا تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤُرها وقهارمتها:لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك وأنا باعثة أمينا يحصي ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت به ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت:لآتين به فرعون فَلَيَنْحَلَنَّهُ وليكرمنه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون يمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون:ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه، إنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلي به، وأريد به .

فجاءت امرأة فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني! فقالت:اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فَقَرِّبْهُنَّ إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فاعرف أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة:ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعد ما كان قد همّ به، وكان الله بالغا فيه أمره.

فلما بلغ أشده وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى، عليه السلام، يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى غضبًا شديدًا؛ لأنه تناوله وهو يعلم منـزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله [ سبحانه ] أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره. فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [ القصص:15 ] . ثم قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ القصص:16 ] فأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتى فرعون، فقيل له:إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم. فقال:ابغوني قاتله، ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صَغْوه مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت، فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون ولا يجدون ثبتًا، إذا بموسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر. فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال: للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [ القصص:18 ] أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني. فخاف الإسرائيلي وقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ [ القصص:19 ] وإنما قاله مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره وذلك من الفتون يا بن جبير.

فخرج موسى متوجهًا نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل ، فإنه قال: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ [ القصص:22، 23 ] .

يعني بذلك حابستين غنمهما، فقال لهما:ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا ليس لنا قوة نـزاحم القوم، إنما ننتظر فضول حياضهم. فسقى لهما، فجعل يغترف في الدلو ماء كثيرا، حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى، عليه السلام، فاستظل بشجرة، وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص:24 ] . واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حُفَّلا بطانًا فقال:إن لكما اليوم لشأنا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ القصص:25 ] . ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته، فقالت إحداهما: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [ القصص:26 ] فاحتملته الغيرة على أن قال لها:ما يدريك ما قوته؟ وما أمانته؟ فقالت:أما قوته، فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إليّ حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوّب رأسه فلم يرفعه، حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي:امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسرى عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت.

فقال له:هل لك أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [ القصص:27 ] ففعل فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرًا.

قال سعيد - وهو ابن جبير- :فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال:هل تدري أيّ الأجلين قضى موسى؟ قلت:لا. وأنا يومئذ لا أدري. فلقيت ابن عباس، فذكرت له ذلك، فقال:أما علمت أن ثمانيًا كانت على نبي الله واجبة، لم يكن لنبي الله أن ينقص منها شيئًا، ويعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال:الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك. قلت:أجل، وأولى.

فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه. فآتاه الله سؤله، وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون وأمره أن يلقاه. فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون، عليهما السلام. فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينًا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد، فقالا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ [ طه:47 ] . قال:فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن؟ قال:فما تريدان؟ وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت. قال:أريد أن تؤمن بالله، وترسل معي بنى إسرائيل؟ فأبى عليه وقال: فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الشعراء:154 ] . فألقى عصاه [ فإذا هي ] حية تسعى عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون. فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه. ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء - يعني من غير برص- ثم ردها فعادت إلى لونها الأول. فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له:هذان ساحران يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى [ طه:63 ] يعني:ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له:اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما. فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا:بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا:يعمل بالحيات. قالوا:فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصى الذي نعمل. فما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم:أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة، وأن يحشر الناس ضحى.

قال سعيد بن جبير:فحدثني ابن عباس:أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة، هو يوم عاشوراء.

فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض:انطلقوا فلنحضر هذا الأمر، لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [ الشعراء:40 ] يعنون موسى وهارون استهزاء بهما، فقالوا:يا موسى - لقُدْرتهم بسحرهم- إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [ الأعراف:115 ] قَالَ بَلْ أَلْقُوا [ طه:66 ] فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [ الشعراء:44 ] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصى تلتبس بالحبال حتى صارت جَزرًا إلى الثعبان، تدخل فيه، حتى ما أبقت عصا ولا حبالا إلا ابتلعته، فلما عرفت السحرة ذلك قالوا:لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله عز وجل، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [ الأعراف:119 ] وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى.

فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده وقال:هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ . فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك أخلف موعده، ونكث عهده.

حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر:إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه. فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر وله قصيف، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا لله.

فلما تراءى الجمعان وتقاربا، قال أصحاب موسى:إنا لمدركون، افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال وعدني أن إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة، حتى أجاوزه. ثم ذكر بعد ذلك العصا فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه:إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.

ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ الأعراف:138، 139 ] . قد رأيتم من العِبَر وسمعتم ما يكفيكم ومضى. فأنـزلهم موسى منـزلا وقال أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي. وأجلهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا وقد صامهن، ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربه حين أتاه:لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان، قال:يا رب، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال:أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى، عليه السلام، ما أمر به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل، ساءهم ذلك. وكان هارون قد خطبهم وقال:إنكم قد خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيهم مثل ذلك وأنا أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئًا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرا، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال لا يكون لنا ولا لهم.

وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثرًا فقبض منه قبضة، فمر بهارون، فقال له هارون، عليه السلام:يا سامري، ألا تلقي ما في يدك؟ وهو قابض عليه، لا يراه أحد طوال ذلك، فقال:هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد. فألقاها، ودعا له هارون، فقال:أريد أن يكون عجلا. فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلا أجوف. ليس فيه روح، وله خوار.

قال ابن عباس:لا والله، ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.

فتفرق بنو إسرائيل فرقًا، فقالت فرقة:يا سامري ما هذا؟ وأنت أعلم به. قال:هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق. وقالت فرقة:لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقة:هذا عمل الشيطان، وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ [ طه:90 ] . قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يومًا ثم أخلفنا، هذه أربعون يومًا قد مضت؟ وقال سفهاؤهم:أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه.

فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده، فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [ طه:86 ] فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له وانصرف إلى السامري فقال له:ما حملك على ما صنعت؟ قال:قبضت قبضة من أثر الرسول، وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [ طه:96، 97 ] ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم:يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا. فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك، لا يألو الخير، خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا [ الأعراف:155 ] وفيهم من كان اطلع الله منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ [ الأعراف:156، 157 ] . فقال:يا رب، سألتك التوبة لقومي، فقلت:إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟ فقال له:إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول.

ثم سار بهم موسى، عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم. ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خَلْقُهُم خَلْق منكر - وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عظمها- فقالوا:يا موسى إن فيها قومًا جبارين، لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون. قال رجلان من الذين يُخَافُون- قيل ليزيد:هكذا قرأه؟ قال:نعم من الجبارين، آمنا بموسى، وخرجا إليه، فقالوا:نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا مَنَعَة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون- ويقول أناس:إنهم من قوم موسى. فقال الذين يخافون، بنو إسرائيل: [ قَالُوا ] يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ المائدة:24 ] فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك، لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم فيسيرون، ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مربعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه. فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية ثلاث أعين، وأعلم كل سِبْط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون من مَنْقَلَة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس.

رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وصَدَّقَ ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس يحدث هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال:كيف يُفْشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟. فغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري، فقال له:يا أبا إسحاق، هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال:إنما أفشى عليه الفرعوني، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره.

هكذا رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس، رضي الله عنه مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا.

فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ( 40 ) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( 41 ) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ( 42 ) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ( 44 )

يقول تعالى مخاطبًا لموسى، عليه السلام:إنه لبث مقيمًا في أهل « مدين » فارًا من فرعون وملئه، يرعى على صهره، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقًا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا [ مُوسَى ] ) قال مجاهد:أي على موعد.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ( ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ) قال:على قدر الرسالة والنبوّة.

وقوله: ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) أي:اصطفيتك واجتبيتك رَسُولا لنفسي، أي:كما أريد وأشاء.

وقال البخاري عند تفسيرها:حدثنا الصَّلْتُ بن محمد، حدثنا مهديّ بن ميمون، حدثنا محمد ابن سِيرين عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « التقى آدم وموسى، فقال موسى:أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم:وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه، وأنـزل عليك التوراة؟ قال:نعم. قال:فوجدتَه قد كتب عَليّ قبل أن يخلقني؟ قال:نعم. فحَجّ آدم موسى » أخرجاه .

( اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ) أي:بحُجَجي وبراهيني ومعجزاتي، ( وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس:لا تُبْطئا.

وقال مجاهد، عن ابن عباس:لا تَضْعُفا.

والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكرُ الله عونًا لهما عليه، وقوّة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: « إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مُنَاجِز قِرْنه » .

( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) أي:تمرّد وعتا وتَجَهْرم على الله وعصاه،

( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ) :يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟

وقال وهب بن مُنَبه:قولا له:إني إلى العفو والمغفرة أقربُ مني إلى الغضب والعقوبة.

وعن عكرمة في قوله: ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ) قال:لا إله إلا الله، وقال عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ) أعْذرا إليه، قولا له:إن لك ربًا ولك معادًا، وإن بين يديك جنة ونارا.

وقال بقيَّة، عن علي بن هارون، عن رجل، عن الضحاك بن مُزَاحم، عن النـزال بن سَبْرَة، عن علي في قوله: ( فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا ) قال:كَنِّه.

وكذا روي عن سفيان الثوري:كَنّه بأبي مُرَّة.

والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الآية [ النحل:125 ] .

[ قوله ] ( لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) أي:لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، ( أَوْ يَخْشَى ) أي:يُوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى:

( لمن أراد أن يذكر أو يخشى ) فالتذكر:الرجوع عن المحذور، والخشية:تحصيل الطاعة.

وقال الحسن البصري [ في قوله ] لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) يقول:لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون:أهْلكْه قبل أن أعذر إليه.

وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمَيّة بن أبي الصَّلْت فيما ذكره ابن إسحاق:

وأنـت الـذي من فضـل مَـنٍّ ورحمة بعثـت إلـى موســى رسـولا مناديا

فقلـت لـه يـا اذهب وهارون فادعُوَا إلـى اللـه فرعـون الذي كـان باغيا

فقـولا لـه هــل أنت سوّيـت هـذه بــلا وتــد حتـى استقلت كمـا هيا

وقـــولا لــه آأنت رَفَّعت هـــذه بـــلا عمـد? أرفـق إذن بك بـانيا

وقــولا لــه آأنت سويــت وسطها مـنـيرًا إذا مـا جَنَّه الليـل هـاديــا

وقــولا لـه من يخرج الشمس بكـرةً فيصبـح ما مست مـن الأرض ضاحيـا

وقـولا لـه من ينبت الحب في الثـرى فـيصبـح منــه البقـل يهـتـز رابيا

ويخــرج منـه حبـه فـي رءوسه ففــي ذاك آيـــات لمن كان واعيا

قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ( 45 ) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( 46 ) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ( 47 ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 48 )

يقول تعالى إخبارًا عن موسى وهارون، عليهما السلام، أنهما قالا مستجيرين بالله تعالى شاكيَيْن إليه: ( إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ) يعنيان أن يَبْدُر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك.

قال عبد الرحمن بن زيد: ( أَنْ يَفْرُطَ ) يعجل.

وقال مجاهد:يبسط علينا.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: ( أَوْ أَنْ يَطْغَى ) :يعتدي.

( قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) أي:لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسيّ، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال:لما بعث اللهُ عزّ وجل موسى إلى فرعون قال:رب، أيّ شيء أقول؟ قال قل:هيا شراهيا. قال الأعمش:فَسَّرَ ذلك:الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء. إسناد جيد، وشيء غريب.

( فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ) ، قد تقدم في حديث « الفتون » عن ابن عباس أنه قال:مكثا على بابه حينًا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد.

وذكر محمد بن إسحاق بن يسار:أن موسى وأخاه هارون خرجا، فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان:إنا رسل رب العالمين، فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني سنتين يَغْدوان ويروحان، لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بَطَّال له يلاعبه ويُضْحكه، فقال له:أيها الملك، إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبًا، يزعم أن له إلهًا غيرك أرسله إليك. قال:ببابي؟ قال:نعم. قال:أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال:إني رسول رب العالمين. فعرفه فرعون.

وذكر السّدّي أنه لما قدم بلاد مصر، ضاف أمّه وأخاه وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما ليلتئذ الطعثلل وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى:يا هارون، إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله، وأمر أن تعاونني. قال:افعل ما أمرك ربك. فذهبا، وكان ذلك ليلا فضرب موسى باب القصر بعصاه، فسمع فرعون فغضب وقال من يجترئ على هذا الصنيع؟ فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلا مجنونًا يقول:إنه رسول الله. فقال:عليّ به. فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما ما ذكر الله في كتابه.

وقوله: ( قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) أي:بدلالة ومعجزة من ربك، ( وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) أي:والسلام عليك إن اتبعت الهدى.

ولهذا لما كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم [ كتابًا، كان أوله: « بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ] سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، [ فإني أدعوك بدعاية الإسلام ] فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين » .

وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا صُورَتُه: « من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر مَعَكَ، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريش قوم يعتدون » . فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » .

ولهذا قال موسى وهارون، عليهما السلام، لفرعون: ( وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) أي:قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متحمض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [ النازعات:37 - 39 ] وقال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل:14 - 16 ] وقال تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ القيامة:31، 32 ] . أي:كذب بقلبه وتولى بفعله.

قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ( 49 ) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( 50 ) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى ( 51 )

يقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى منكرًا وجود الصانع الخالق، إله كل شيء وربه ومليكه، قال: ( فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ) أي:الذي بعثك وأرسلك مَنْ هو؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري، ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) . قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول:خلق لكل شيء زَوْجة.

وقال الضحاك عن ابن عباس:جعل الإنسان إنسانًا، والحمار حمارًا، والشاة شاةً.

وقال ليث بن أبي سُلَيم، عن مجاهد:أعطى كل شيء صورته.

وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد:سَوّى خلق كل دابة.

وقال سعيد بن جبير في قوله: ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) قال:أعطى كل ذي خَلْق ما يصلحه من خَلْقه، ولم يجعل للإنسان من خَلْق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيّأ كلّ شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئًا من أفعاله في الخَلْق والرزق والنكاح.

وقال بعض المفسرين: ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) كقوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [ الأعلى:3 ] أي:قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، أي:كَتَب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول:ربنا الذي خلق [ الخلق ] وقدر القَدَر، وجَبَل الخليقة على ما أراد.

( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى ) أصح الأقوال في معنى ذلك:أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي:الذين لم يعبدوا الله، أي:فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟

 

قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ( 52 ) .

فقال له موسى في جواب ذلك:هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال، ( لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى ) أي:لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئًا، تبارك وتعالى وتقدس، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان أحدهما:عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنـزه نفسه عن ذلك.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ( 54 ) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ( 55 ) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ( 56 ) .

هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه، عز وجل، حين سأله فرعون عنه، فقال: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهَادًا ) وفي قراءة بعضهم « مهدا » أي:قرارا تستقرون عليها وتقومون وتنامون عليها وتسافرون على ظهرها، ( وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا ) أي:جعل لكم طرقا تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [ الأنبياء:31 ] .

( وَأَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ) أي: [ من ] ألوان النباتات من زروع وثمار، ومن حامض وحلو، وسائر الأنواع.

( كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ) أي:شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرا ويابسًا.

( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) أي:لدلالات وحججا وبراهين ( لأولِي النُّهَى ) أي:لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه .

( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى )

أي:من الأرض مبدؤكم، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، ( وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ) أي:وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ومنها نخرجكم تارة أخرى. يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [ الإسراء:52 ] .

وهذه الآية كقوله تعالى: قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [ الأعراف:25 ] .

وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ) ثم [ أخذ ] أخرى وقال: ( وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ) . ثم أخذ أخرى وقال: ( وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) .

وقوله ( وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ) ، يعني:فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفرا وعنادا وبغيا، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [ النمل:14 ] .

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ( 58 ) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانًا عظيما ونـزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال:هذا سحر، جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس، فيتبعونك وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرًا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه ( فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا ) أي:يومًا نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندك من السحر في مكان معين ووقت معين فعند ذلك ( قال ) لَهُمْ مُوسَى ( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) وهو يوم عيدهم ونَوروزُهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم؛ ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: ( وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ) أي:جميعهم ( ضُحًى ) أي:ضحوة من النهار ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم واضح، بيّن، ليس فيه خفاء ولا ترويج؛ ولهذا لم يقل « ليلا » ولكن نهارًا ضحى.

قال ابن عباس:وكان يوم الزينة يوم عاشوراء.

وقال السدي، وقتادة، وابن زيد:كان يوم عيدهم.

وقال سعيد بن جبير:يوم سوقهم.

ولا منافاة. قلت:وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح.

وقال وهب بن مُنَبِّه:قال فرعون:يا موسى، اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه. قال موسى:لم أومر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك، إن أنت لم تخرج دخلت إليك. فأوحى الله إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا وقل له أن يجعل هو. قال فرعون:اجعله إلى أربعين يومًا. ففعل.

وقال مجاهد، وقتادة: ( مَكَانًا سُوًى ) مَنْصَفًا. وقال السدي:عدلا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( مَكَانًا سُوًى ) [ مستوى ] يتبين الناس ما فيه، لا يكون صَوَب ولا شيء يتغيب بعض ذلك عن بعض مستوٍ حتى يُرى.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ( 60 ) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ( 61 ) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ( 62 ) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ( 63 ) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ( 64 )

يقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه لما تواعد هو بموسى عليه السلام، إلى وقت ومكان معلومين، تولى، أي:شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى سحر في ذلك الزمان. وقد كان السحر فيهم كثيرًا نافقًا جدًا، كما قال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [ يونس:79 ] .

( ثُمَّ أَتَى ) أي:اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة وأقبل موسى، عليه السلام، يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفًا، وهو يحرضهم ويحثهم، ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه، وهو يعدهم ويمنيهم، فيقولون: أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [ الشعراء:41 ، 42 ] . ( قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) أي:لا تُخَيّلُوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها، وأنها مخلوقة، وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله، ( فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ) أي:يهلككم بعقوبة هلاكًا لا بقية له، ( وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) قيل:معناه:أنهم تشاجروا فيما بينهم فقائل يقول:ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي. وقائل يقول:بل هو ساحر. وقيل غير ذلك، والله أعلم.

وقوله: ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) أي:تناجوا فيما بينهم، ( قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) هذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: « إنْ هَذَينِ لَسَاحِرَانِ » وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه.

والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم:تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون:موسى وهارون- ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس، وتتبعهما العامة ويقاتلا فرعون وجنوده، فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم.

وقوله: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) أي:ويستبدا بهذه الطريقة، وهي السحر، فإنهم كانوا معظَّمين بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم.

وقد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس [ قال ] في قوله: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) يعني:ملكهم الذي هم فيه والعيش.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هُشَيْم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال:يصرفا وجوه الناس إليهما.

وقال مجاهد: ( وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) قال:أولي الشرف والعقل والأسنان.

وقال أبو صالح: ( بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) أشرافكم وسرواتكم. وقال عكرمة:بخيركم. وقال قتادة:وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله:يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما.

وقال عبد الرحمن بن زيد: ( بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ) بالذي أنتم عليه.

وقوله ( فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ) أي اجتمعوا كلكم صفًّا واحدًا، وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة، لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه، ( وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى ) أي:منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.

 

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ( 65 ) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ( 66 ) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ( 67 ) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى ( 68 ) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ( 69 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ( 70 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى، عليه السلام، أنهم قالوا لموسى: ( إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ) أي:أنت أولا ( إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا ) أي:أنتم أولا ليُرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) . وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [ الشعراء:44 ] وقال تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف:116 ] ، وقال هاهنا ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) .

وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جمًّا غفيرًا وجمعًا كبيرًا فألقى كل منهم عصا وحبلا حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضًا.

وقوله: ( فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ) أي خاف على الناس أن يَفْتَتِنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن ( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ) يعني:عصاه، فإذا هي ( تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ) وذلك أنها صارت تِنِّينًا عظيما هائلا ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئًا إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانًا جَهْرة، نهارًا ضحوة. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون ؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) .

وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي، حدثنا محمد بن موسى الشيباني حدثنا حماد بن خالد، حدثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ- عن الحسن، عن جُنْدَب بن عبد الله البجلي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا أخذتم - يعني الساحر- فاقتلوه » ثم قرأ: ( وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) قال: « لا يؤمن به حيث وجد » .

وقد روى أصله الترمذي موقوفًا ومرفوعًا .

فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه، ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه، علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء:كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سُجَّدًا لله وقالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [ الشعراء:47 ، 48 ] .

ولهذا قال ابن عباس، وعُبَيد بن عُمَير:كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.

قال محمد بن كعب:كانوا ثمانين ألفًا، وقال القاسم بن أبي بزَّة:كانوا سبعين ألفًا.

وقال السدي:بضعة وثلاثين ألفًا.

وقال الثوري:عن عبد العزيز بن رُفَيْع، عن أبي ثمامة:كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفًا.

وقال محمد بن إسحاق:كانوا خمسة عشر ألفًا.

وقال كعب الأحبار كانوا اثني عشر ألفًا.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن حمزة، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:كانت السحرة سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك قال:قال الأوزاعي:لما خرَّ السحرة سُجَّدًا رُفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.

قال:وذُكر عن سعيد بن سلام:حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قوله: ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا ) قال:رأوا منازلهم تبني لهم وهم في سجودهم. وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بَزَّة .

قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ( 71 ) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ( 72 ) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 73 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغُلِب كل الغلب - شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم وأوعدهم وقال ( آمَنْتُمْ لَهُ ) أي:صدقتموه ( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) أي:وما أمرتكم بذلك، وافتتم عليّ في ذلك. وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بَهْت وكذب: ( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه عليّ وعلى رعيتي، لتظهروه، كما قال في الآية الأخرى: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ الأعراف 123 ] .

ثم أخذ يتهددهم فقال: ( فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) أي:لأجعلنكم مثلة [ ولأقتلنكم ] ولأشهرنكم.

قال ابن عباس:فكان أول من فعل ذلك. رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: ( وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ) أي أنتم تقولون:إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى. فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه.

فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، و ( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ) أي:لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين. ( وَالَّذِي فَطَرَنَا ) يحتمل أن يكون قسمًا، ويحتمل أن يكون معطوفًا على البينات.

يعنون:لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت.

( فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ) أي:فافعل ما شئت وما وَصَلَت إليه يدك، ( إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ) أي:إنما لك تَسَلُّط في هذه الدار، وهي دار الزَّوال ونحن قد رغبنا في دار القرار .

( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا ) أي:ما كان منا من الآثام، خصوصًا ما أكرهتنا عليه من السحر لنعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) قال:أخذ فرعون أربعين غلامًا من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفَرَمَا، وقال:علموهم تعليمًا لا يعلمه أحد في الأرض.قال ابن عباس:فهم من الذين آمنوا بموسى، وهم من الذين قالوا: ( [ إِنَّا ] آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ) .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

وقوله: ( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) أي:خير لنا منك ( وَأَبْقَى ) أي:أدوم ثوابًا مما كنت وعدتنا ومنيتنا. وهو رواية عن ابن إسحاق، رحمه الله.

وقال محمد بن كعب القُرَظِي: ( وَاللَّهُ خَيْرُ ) أي:لنا منك إن أطيع، ( وَأَبْقَى ) أي:منك عذابًا إن عُصِيَ.

وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضًا:

والظاهر أن فرعون - لعنه الله- صمم على ذلك وفعله بهم، رحمهم الله؛ ولهذا قال ابن عباس وغيره من السلف:أصبحوا سحرة، وأمسَوْا شهداء.

إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا ( 75 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ( 76 ) .

الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا ) أي:يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، ( فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ) كقوله: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [ فاطر:36 ] ، وقال: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [ الأعلى:11- 13 ] ، وقال تعالى: وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [ الزخرف:77 ] .

وقال الإمام أحمد بن حنبل:حدثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخدري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن [ الناس ] تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا، أذن في الشفاعة، جيء بهم ضبائر، ضبائر، فبُثُّوا على أنهار الجنة، فيقال:يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل » فقال رجل من القوم:كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية.

وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل، كلاهما عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد به .

وقال ابن أبي حاتم:ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال:حدثنا أبي حدثنا حيان، سمعت سليمان التيمي، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ فأتى على هذه الآية: ( إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أما أهلها الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها، فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرا يقال له:الحياة - أو:الحيوان- فينبتون كما ينبت القثَّاء في حميل السيل » .

وقوله: ( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ ) أي:ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله، ( فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا ) أي:الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.

قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، أنبأنا هَمَّام، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس » .

ورواه الترمذي، من حديث يزيد بن هارون، عن همام، به .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال:كان يقال:الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير، يرون له الفضل والسؤدد.

وفي الصحيحين: « أن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم » . قالوا:يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء؟ قال: « بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين » .

وفي السنن: « وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما » .

وقوله: ( جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي ) أي:إقامة وهو بدل من الدرجات العلى، ( [ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ] خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:ماكثين أبدا، ( وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ) أي:طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له ، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خَبَر وطلب.

 

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى ( 77 ) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ( 78 ) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ( 79 ) .

يقول تعالى مخبرًا أنه أمر موسى، عليه السلام، حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون. وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة. وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضبًا شديدًا وأرسل في المدائن حاشرين، أي من يجمعون له الجند من بلدانه ورَسَاتيقه، يقول: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [ الشعراء:54 ، 55 ] ثم لما جمع جنده واستوثق له جيشه، ساق في طلبهم فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [ الشعراء:60 ] أي:عند طلوع الشمس فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ أي:نظر كل من الفريقين إلى الآخر قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الشعراء:61 ، 62 ] ، ووقف موسى ببني إسرائيل، البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه أن ( اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ) فضرب البحر بعصاه، وقال: « انفلق بإذن الله فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء:63 ] أي:الجبل العظيم. فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابسا كوجه الأرض؛ فلهذا قال: ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا ) أي:من فرعون، ( وَلا تَخْشَى ) يعني:من البحر أن يغرق قومك. »

ثم قال تعالى: ( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ) أي:البحر ( مَا غَشِيَهُمْ ) أي:الذي هو معروف ومشهور. وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [ النجم:53 ، 54 ] ، وكما قال الشاعر:

أنَا أبُو النَّجْم وشِعْري شِعْري

أي:الذي يعرف، وهو مشهور. وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [ هود:98 ] .

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ( 81 ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ( 82 ) .

يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام، ومننه الجسام، حيث نَجَّاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال [ تعالى ] : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ البقرة:50 ] .

وقال البخاري:حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا رَوْح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا:هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: « نحن أولى بموسى فصوموه » رواه مسلم أيضًا في صحيحه .

ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هناك . وفي غُضُون ذلك عَبَدَ بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا.

وأما المن والسلوى، فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة « البقرة » وغيرها. فالمن:حلوى كانت تنـزل عليه من السماء. والسّلوى:طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل، قدر الحاجة إلى الغد، لطفًا من الله ورحمة بهم، وإحسانًا إليهم؛ ولهذا قال تعالى: ( كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) أي:كلوا من هذا [ الرزق ] الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به، ( فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ) أي:أغضب عليكم ( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:أي:فقد شقي.

وقال شُفَيّ بن ماتع:إن في جهنم قصرًا يُرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: ( وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ) رواه ابن أبي حاتم.

وقوله: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) أي:كل من تاب إليّ تبتُ عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل.

وقوله: ( تَابَ ) أي:رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية.

وقوله: ( وَآمَنَ ) أي:بقلبه ( وَعَمِلَ صَالِحًا ) أي:بجوارحه .

وقوله: ( ثُمَّ اهْتَدَى ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:أي ثم لم يشكك.

وقال سعيد بن جبير: ( ثُمَّ اهْتَدَى ) أي:استقام على السنة والجماعة. ورُوي نحوه عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.

وقال قتادة: ( ثُمَّ اهْتَدَى ) أي:لزم الإسلام حتى يموت.

وقال سفيان الثوري: ( ثُمَّ اهْتَدَى ) أي:علم أن لهذا ثوابًا.

وثم هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [ البلد:17 ] .

وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى ( 83 ) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ( 84 ) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( 85 ) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ( 86 ) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 )

لما سار موسى عليه السلام ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون، وافوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ الأعراف:138 ، 139 ] وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتبعها له عشرًا، فتمت [ له ] أربعين ليلة، أي:يصومها ليلا ونهارًا. وقد تقدم في حديث « الفتون » بيان ذلك. فسارع موسى عليه السلام مبادرًا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون؛ ولهذا قال تعالى: ( وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي ) أي:قادمون ينـزلون قريبًا من الطور، ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ) أي:لتزداد عني رضا ، ( قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري. وفي الكتب الإسرائيلية:أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة، كما قال تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [ الأعراف:145 ] أي:عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري .

وقوله: ( فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ) أي:بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحَنَق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتَسَلّم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم. وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [ وحزم ] بطلان [ ما هم فيه ] وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا، والأسف:شدة الغضب.

وقال مجاهد: ( غَضْبَانَ أَسِفًا ) أي:جزعًا. وقال قتادة، والسدي: ( أَسِفًا ) أي:حزينًا على ما صنع قومه من بعده.

( قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ) أي:أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ ( أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ ) أي:في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. ( أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) « أم » هاهنا بمعنى « بل » وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول:بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم ( فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا ) أي:بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: ( مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ) أي:عن قدرتنا واختيارنا.

ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حُلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر، ( فَقَذَفْنَاهَا ) أي:ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث « الفتون » أن هارون عليه السلام هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار.

وفي رواية السُّدِّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس:إنما أراد هارون أن يجتمع الحُلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجرًا واحدًا. حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء. ثم جاء [ بعد ] ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون - وهو لا يعلم ما يريد - فأجيب له فقال السامري عند ذلك:أسأل الله أن يكون عجلا. فكان عجلا له خُوار، أي:صوت، استدراجًا وإمهالا ومحنة واختبارًا ؛ ولهذا قالوا: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ

 

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ( 88 ) أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ( 89 ) .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبادة بن البَخْتَريّ حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حَمَّاد عن سماك، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ أن هارون مَرَّ بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له:ما تصنع؟ فقال:أصنع ما يضر ولا ينفع فقال هارون:اللهم اعطه ما سأل على ما في نفسه ومضى هارون، فقال السامري:اللهم إني أسألك أن يَخُور فَخَار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم.

ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: [ أعمل ] ما ينفع ولا يضر.

وقال السدي:كان يخور ويمشي.

فقالوا - أي:الضُّلال منهم، الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه - : ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) أي:نسيه هاهنا، وذهب يتطلبه. كذا تقدم في حديث « الفتون » عن ابن عباس. وبه قال مجاهد.

وقال سِماك عن عكرمة عن ابن عباس: ( فَنَسِيَ ) أي:نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.

وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقالوا: ( هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ) قال:فعكفوا عليه وأحبوه حبًّا لم يحبوا شيئًا قط يعني مثله، يقول الله: ( فَنَسِيَ ) أي:ترك ما كان عليه من الإسلام يعني:السامري.

قال الله تعالى ردًّا عليهم، وتقريعًا لهم، وبيانًا لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) أي:العجل ( أَفَلا يَرَوْنَ ) أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ( وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) أي:في دنياهم ولا في أخراهم.

قال ابن عباس رضي الله عنه لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج فيه، فيسمع له صوت.

وقد تقدم في متون الحديث عن الحسن البصري:أن هذا العجل اسمه بهموت.

وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط، فألقوها عنهم، وعبدوا العجل. فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عمر:أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب - يعني:هل يصلي فيه أم لا؟ - فقال ابن عمر، رضي الله عنه: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني:الحسين - وهم يسألون عن دم البعوض؟ .

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ( 91 ) .

يخبر تعالى عما كان من نَهْي هارون، عليه السلام، لهم عن عبادة العجل، وإخباره إياهم:إنما هذا فتنة لكم ( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ) الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد ( فَاتَّبِعُونِي ) أي:فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه.

( قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) أي:لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه.

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) .

يقول مخبرًا عن موسى، عليه السلام، حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظًا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في « الأعراف » بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث « ليس الخبر كالمعاينة » .

وشرع يلوم أخاه هارون فقال: ( مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِ ) أي:فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) أي:فيما كنت تقدمت إليك، وهو قوله: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف:142 ] . قال: ( يَا ابْنَ أُمَّ ) ترفق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي:في الحنو والعطف؛ ولهذا قال: ( يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) .

هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال ( إِنِّي خَشِيتُ ) أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي:لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ( وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ) أي:وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم .

قال ابن عباس:وكان هارون هائبًا له مطيعًا .

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ( 95 ) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ( 97 ) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ( 98 ) .

يقول موسى، عليه السلام، للسامري:ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟

قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:كان السامري رجلا من أهل بَاجَرْمَا، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حُبُّ عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل. وكان اسم السامري:موسى بن ظفر.

وفي رواية عن ابن عباس: [ إنه ] كان من كرمان.

وقال قتادة:كان من قرية اسمها سامرا .

( قال بصرت بما لم يبصروا به ) أي:رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون، ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) أي:من أثر فرسه. وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي بن عمارة، عن علي، رضي الله عنه، قال:إن جبريل، عليه السلام، لما نـزل فصعد بموسى إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس قال:وحمل جبريل موسى خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء، صعد وكتب الله الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح. فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده قال:نـزل موسى، فأخذ العجل فأحرقه. غريب. وقال مجاهد: ( فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ) قال:من تحت حافر فرس جبريل، قال:والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع.

قال مجاهد:نبذ السامري، أي:ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدًا له خُوار حفيف الريح فيه، فهو خواره.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة؛ أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء، فقلت له: « كن فكان » فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات وكان بنو إسرائيل استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري:إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه. فجمعوه، فأوقدوا عليه، فذاب، فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت: « كن » كان. فقذف القبضة وقال: « كن » ، فكان عجلا له خوار، فقال: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى .

ولهذا قال: ( فَنَبَذْتُهَا ) أي:ألقيتها مع من ألقى، ( وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ) أي:حَسَّنَتْهُ وأعجبها إذ ذاك .

( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ ) أي:كما أخذت ومَسَسْتَ ما لم يكن أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: « لا مساس » أي:لا تماسّ الناس ولا يمسونك.

( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا ) أي:يوم القيامة، ( لَنْ تُخْلَفَهُ ) أي:لا محيد لك عنه.

وقال قتادة: ( أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ ) قال:عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون:لا مساس.

وقوله: ( وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ) قال الحسن، وقتادة، وأبو نَهِيك:لن تغيب عنه.

وقوله: ( وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ ) أي:معبودك، ( الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ) أي:أقمت على عبادته، يعني:العجل ( لنحرقنه ) قال الضحاك عن ابن عباس، والسدي:سَحَله بالمبارد، وألقاه على النار.

وقال قتادة:استحال العجل من الذهب لحمًا ودمًا، فحرقه بالنار، ثم ألقاه، أي:رماده في البحر؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ) .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن علي، رضي الله عنه، قال:إن موسى لما تعجل إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلا قال:فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرّده بها، وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب. فقالوا لموسى:ما توبتنا ؟ قال:يقتل بعضكم بعضًا.

وهكذا قال السدي:وقد تقدم في تفسير سورة « البقرة » ثم في حديث « الفتون » بسط ذلك .

وقوله: ( إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ [ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) يقول لهم موسى، عليه السلام:ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ] أي:لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد لربه.

وقوله: ( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) نصب على التمييز، أي:هو عالم بكل شيء، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ الطلاق:12 ] ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [ الجن:28 ] ، فلا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ [ سبأ:3 ] ، وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ الأنعام:59 ] ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ هود:6 ] والآيات في هذا كثيرة جدًّا .

 

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ( 99 ) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ( 100 ) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا ( 101 ) .

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:كما قَصَصْنَا عليك خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا ( وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ) أي:عندنا ( ذِكْرًا ) وهو القرآن العظيم، الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت:42 ] ، الذي لم يعط نبي من الأنبياء [ منذ بعثوا إلى أن ختموا ] بمحمد صلى الله عليه وسلم تسليما، كتابًا مثله ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه؛ ولهذا قال تعالى: ( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ) أي:كذب به وأعرض عن اتباعه أمرًا وطلبًا، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم؛ ولهذا قال: ( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ) أي:إثمًا، كما قال [ الله ] تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] .

وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام:19 ] . فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضَلَّ وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: ( مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ ) أي:لا مَحِيد لهم عنه ولا انفكاك ( وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا ) أي:بئس الحمل حملهم .

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ( 102 ) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا ( 103 ) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا ( 104 ) .

ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الصُّور، فقال: « قَرنٌ يُنفَخ فيه » .

وقد جاء في حديث « الصور » من رواية أبي هريرة:أنه قرن عظيم، الدَّارة منه بقدر السماوات والأرض، ينفخ فيه إسرافيل، عليه السلام.

وجاء في الحديث: « كيف أنعَمُ وصاحب القَرْن قد التقم القَرْن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له » فقالوا:يا رسول الله، كيف نقول؟ قال: « قولوا:حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا » .

وقوله: ( وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ) قيل:معناه زُرْق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال .

( يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ ) قال ابن عباس:يتسارّون بينهم، أي:يقول بعضهم لبعض: ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا ) أي:في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلا عشرة أيام أو نحوها .

قال الله تعالى: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) أي:في حال تناجيهم بينهم ( إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ) أي:العاقل الكامل فيهم، ( إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا ) أي لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [ يوم المعاد؛ لأن الدنيا كُلَّها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها ] وساعاتها كأنها يوم واحد؛ ولهذا تستقصر مدة الحياة الدنيا يوم القيامة:وكان غرضهم في ذلك [ درء ] قيام الحجة عليهم، لقصر المدة؛ ولهذا قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ الروم:55 ، 56 ] ، وقال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [ فاطر:37 ] ، وقال تعالى: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ المؤمنون:112- 114 ] أي:إنما كان لُبثكم فيها قليلا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قَدَّمتُم الحاضر الفاني على الدائم الباقي.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ( 105 ) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ( 106 ) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ( 107 ) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ( 108 )

يقول تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ) أي:هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ( فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) أي:يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا.

( فَيَذَرُهَا ) أي:الأرض ( قَاعًا صَفْصَفًا ) أي:بساطًا واحدًا.

والقاع:هو المستوي من الأرض. والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل:الذي لا نبات فيه. والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم؛ ولهذا قال: ( لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ) أي:لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة، وغير واحد من السلف.

( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ ) أي:يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [ مريم:38 ] ، وقال: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [ القمر:8 ] .

قال محمد بن كعب القُرَظِي:يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، وتطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت [ فيأتونه ] فذلك قوله: ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ ) .

وقال قتادة: ( لا عِوَجَ لَهُ ) لا يميلون عنه.

وقال أبو صالح: ( لا عِوَجَ لَهُ ) لا عوج عنه.

وقوله: ( وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ) :قال ابن عباس:سكنت:وكذا قال السدي.

( فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ) قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس:يعني:وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ) :الصوت الخفي. وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.

وقال سعيد بن جبير: ( فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا ) :الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع. وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود:105 ] .

يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ( 109 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ( 110 ) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ( 111 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ( 112 ) .

يقول تعالى: ( يَوْمَئِذٍ ) أي:يوم القيامة ( لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ ) أي:عنده ( إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا ) كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [ البقرة:255 ] ,وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [ النجم:26 ] ، وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى [ الأنبياء:28 ] وقال: وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [ سبأ:23 ] ، وقال: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [ النبأ:38 ] .

وفي الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال: « آتي تحت العرش، وأخر لله ساجدًا، ويَفْتَح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول:يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع » . قال: « فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود » , فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.

وفي الحديث [ أيضًا ] « يقول تعالى:أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فَيُخْرِجُون خلقا كثيرا، ثم يقول:أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرّة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرّة من إيمان » الحديث .

وقوله: ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) أي:يحيط علما بالخلائق كلهم، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) كقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ [ البقرة:255 ] .

وقوله: ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) قال ابن عباس، وغير واحد:خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم:الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به.

وقوله: ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) أي:يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء.

وفي الحديث: « يقول الله تعالى:وعزتي وجلالي، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم » .

وفي الصحيح: « إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة » . والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به ؛ فإن الله تعالى يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان:13 ]

وقوله: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ) لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يُظْلَمُون ولا يُهضَمون، أي:لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم . قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغير واحد. فالظلم:الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم:النقص.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ( 113 )

يقول:ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنـزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا، بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عيّ ، ( وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أي:يتركون المآثم والمحارم والفواحش، ( أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات.

 

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ( 114 )

( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) أي:تنـزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق. وعدله تعالى ألا يعذب أحدًا قبل الإنذار وبعثة الرسل والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.

وقوله: ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) كقوله تعالى في سورة لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [ القيامة:16- 19 ] ، وثبت في الصحيح عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدّة، فكان مما يحرّك لسانه، فأنـزل الله هذه الآية يعني:أنه، عليه السلام، كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه، من شدّة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه. فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أي:أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ وقال في هذه الآية: ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) أي:بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) أي:زدني منك علمًا.

قال ابن عُيَيْنَة، رحمه الله:ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة [ من العلم ] حتى توفاه الله عز وجل.

ولهذا جاء في الحديث: « إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم » وقال ابن ماجه:حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اللهم انفعني بما علَّمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله على كل حال » .

وأخرجه الترمذي، عن أبي كُرَيْب، عن عبد الله بن نُمَيْر، به. وقال:غريب من هذا الوجه. ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: « وأعوذ بالله من حال أهل النار » .

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ( 115 ) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى ( 116 ) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ( 119 ) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ( 120 ) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ( 121 ) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ( 122 )

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه.

وقال مجاهد والحسن:تَرَكَ.

وقوله: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ) يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا.

وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة « البقرة » وفي « الأعراف » وفي « الحجر » و « الكهف » وسيأتي في آخر سورة « ص » [ إن شاء الله تعالى ] . يذكر فيها تعالى خَلْقَ آدم وأَمْرَه الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا؛ ولهذا قال تعالى: ( فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى ) أي:امتنع واستكبر. ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) يعني:حواء، عليهما السلام ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) أي:إياك أن يسعى في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا كلفة ولا مشقة.

( إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى ) إنما قرن بين الجوع والعُرْي؛ لأن الجوع ذُلّ الباطن، والعري ذُلّ الظاهر .

( وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى ) وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ:حر الباطن، وهو العطش. والضحى:حر الظاهر.

وقوله: ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ) قد تقدم أنه فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ [ الأعراف:22 ] ؛ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف:21 ] . وقد تقدم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة. فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرةَ الخلد - يعني:التي من أكل منها خلد ودام مكثه. وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي:حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها وهي شجرة الخلد » . ورواه الإمام أحمد. .

وقوله: ( فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) قال ابن أبي حاتم:

حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق. فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته. فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد في الجنة، فأخذتْ شعرَه شجرة، فنازعها، فنادى الرحمن:يا آدم، منِّي تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال:يا رب، لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة؟ قال:نعم فذلك قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ »

وهذا منقطع بين الحسن وأُبيّ بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا.

وقوله: ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قال مجاهد:يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة، والسدي.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا جعفر، عن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) قال:ينـزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما .

وقوله: ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) قال البخاري:

حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حاجّ موسى آدم، فقال له:أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم:يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني - أو:قدره الله عليّ قبل أن يخلقني - » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فحج آدم موسى » .

وهذا الحديث له طرق في الصحيحين، وغيرهما من المسانيد .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذُبَابَ، عن يزيد بن هرمز قال:سمعت أبا هريرة يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حَجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى:أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؟ قال آدم:أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتب التوراة [ قبل أن أخلق ] قال موسى:بأربعين عامًا. قال آدم:فهل وجدتَ فيها ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) قال:نعم. قال:أفتلومني على أن عملتُ عملا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة » . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فحج آدم موسى » .

قال الحارث:وحدثني عبد الرحمن بن هُرْمزُ بذلك، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . .

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ( 123 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ( 124 ) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ( 125 )

يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس:اهبطوا منها جميعًا، أي:من الجنة كلكم. وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال:آدم وذريته، وإبليس وذريته.

وقوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قال أبو العالية:الأنبياء والرسل والبيان.

( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) قال ابن عباس:لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.

( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ) أي:خالف أمري، وما أنـزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) أي:في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره [ ضيق ] حَرَج لضلاله، وإن تَنَعَّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال:الشقاء.

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال:كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال:إن قومًا ضُلالا أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكا؛ [ و ] ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم، من سوء ظنّهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسيء الظن به والثقة به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.

وقال الضحاك:هو العمل السيئ، والرزق الخبيث، وكذا قال عكرمة، ومالك بن دينار.

وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: ( مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال:يضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه فيه. قال أبو حاتم الرازي:النعمان بن أبي عياش يكنى أبا سلمة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال: « ضمة القبر » الموقوف أصح .

وقال ابن أبي حاتم أيضًا:حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حُجَيْرة - اسمه عبد الرحمن - عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيم أنـزلت هذه الآية: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) ؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ « قالوا:الله ورسوله أعلم. قال:عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تِنِّينًا، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون » . .

رفعه منكر جدًا.

وقال البزار:حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمرو حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، [ عن أبي حُجَيْرة ] عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال: « المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى:أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة » .

وقال أيضًا:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) قال: « عذاب القبر » . إسناد جيد .

وقوله: ( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) قال مجاهد، وأبو صالح، والسدي:لا حجة له.

وقال عكرمة:عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم.

ويحتمل أن يكون المراد:أنه يُحشَر أو يبعث إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الإسراء:97 ] . ولهذا يقول: ( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ) أي:في الدنيا.

 

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( 126 ) .

( قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) أي:لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك [ اليوم ] معاملة من ينساك فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [ الأعراف:51 ] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان مُتَوَعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، قال الإمام أحمد:

حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم » .

ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء .

وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ( 127 )

يقول تعالى:وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [ الرعد:34 ] ولهذا قال: ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) أي:أشد ألمًا من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: « إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة » .

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى ( 128 ) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 ) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ( 130 ) .

يقول تعالى: ( أَفَلَمْ يَهْدِ ) لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به:يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى ) أي:العقول الصحيحة والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج:46 ] ، وقال في سورة « الم السجدة » : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ [ السجدة:26 ] .

قال تعالى: ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) أي:لولا الكلمة السابقة من الله وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة لجاءهم العذاب بغتة؛ ولهذا قال لنبيه مسليًا له: ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) أي:من تكذيبهم لك، ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) يعني:صلاة الفجر، ( وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) يعني:صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه قال:كنا جلوسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: « إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضَامُّون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا » ثم قرأ هذه الآية .

وقال الإمام أحمد:حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رُوَيْبة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لن يَلجَ النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » .

رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به .

وفي المسند والسنن، عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أدنى أهل الجنة منـزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منـزلة لَمَنْ ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين » .

وقوله: ( وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ ) أي:من ساعاته فتهجد به. وحمله بعضهم على المغرب والعشاء، ( وَأَطْرَافَ النَّهَارِ ) في مقابلة آناء الليل، ( لَعَلَّكَ تَرْضَى ) كما قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [ الضحى:5 ] .

وفي الصحيح: « يقول الله:يا أهل الجنة، فيقولون:لبيك ربنا وسعديك. فيقول:هل رضيتم؟ فيقولون:وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول:إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون:وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول:أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا » .

وفي الحديث [ الآخر ] يقال: « يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن يُنْجزكُمُوه. فيقولون:وما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة » .

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ( 132 )

يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه:لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور.

وقال مجاهد: ( أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ) يعني:الأغنياء فقد آتاك [ الله ] خيرًا مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى:وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [ الحجر:87 ، 88 ] ، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يُحَدّ ولا يوصف، كما قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [ الضحى:5 ] ولهذا قال: ( وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) .

وفي الصحيح:أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهم فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير وليس في البيت إلا صُبْرَة من قَرَظ، وأهَب معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله: « ما يبكيك ؟ » . فقال:يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟ فقال: « أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا » .

فكان صلوات الله وسلامه عليه أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا، في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.

قال ابن أبي حاتم:أنبأنا يونس، أخبرني ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا » . قالوا:وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: « بركات الأرض » .

وقال قتادة والسدي:زهرة الحياة الدنيا، يعني:زينة الحياة الدنيا.

وقال قتادة ( لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) لنبتليهم .

وقوله: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) أي:استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر أنت على فعلها كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [ التحريم:6 ] .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه:أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول:لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا [ استيقظ أقام ] - يعني أهله - وقال: ( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) .

وقوله: ( لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى:وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق:2، 3 ] ، وقال تعالى:وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات:56- 58 ] ولهذا قال: ( لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) وقال الثوري: ( لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ) أي:لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم [ أيضًا ] حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ: ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) إلى قوله: ( نَحْنُ نَرْزُقُكَ ) ثم يقول:الصلاة الصلاة، رحمكم الله.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القَطَوَاني، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، عن ثابت قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله: « يا أهلاه، صلوا، صلوا » . قال ثابت:وكانت الأنبياء إذا نـزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة .

وقد روى الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله تعالى:يا ابن آدم تَفَرَّغ لعبادتي أمْلأ صدرك غنى، وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك » .

وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود:سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: « من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله هَمّ دنياه. ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك » .

وروي أيضًا من حديث شعبة، عن عُمَر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من كانت الدنيا هَمَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له. ومن كانت الآخرة نيَّته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة » .

( وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) أي:وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة، لمن اتقى الله.

وفي الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب [ من رطب ] ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب » .

وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى ( 133 ) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ( 134 ) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ( 135 ) .

يقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ( لَوْلا ) أي:هلا ( يَأْتِينَا ) محمد ( بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) أي:بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى ) يعني:القرآن العظيم الذي أنـزله عليه الله وهو أمي، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها؛ فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويُبَيّن خطأ المكذوب فيها وعليها. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة « العنكبوت » : وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ العنكبوت:50 ، 51 ] وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة » .

وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها، عليه السلام، وهو القرآن، وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه .

ثم قال تعالى: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا ) أي:لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننـزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: ( رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا ) قبل أن تهلكنا، حتى نؤمن به ونتبعه؟ كما قال: ( فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) ، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ يونس:97 ] ، كما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [ الأنعام:155- 157 ] وقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا [ فاطر:42 ] وقال:وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام:109 ، 110 ] .

ثم قال تعالى ( قُلْ ) أي:يا محمد لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده ( كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ) أي:منا ومنكم ( فَتَرَبَّصُوا ) أي:فانتظروا، ( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ ) أي:الطريق المستقيم، ( وَمَنِ اهْتَدَى ) إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا [ الفرقان:42 ] ، سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ [ القمر:26 ] .

آخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة.