الجزء 20
فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ( 56 )
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ( 57 )
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 58 ) .
( فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ )
أي:يتحرجون من فعل ما تفعلونه، ومن إقراركم على صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم
فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم. فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين
أمثالها.
قال الله
تعالى: ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ
قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ ) أي:من
الهالكين مع قومها؛ لأنها كانت ردءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها
بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت
تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم لا كرامة لها .
وقوله: (
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا )
أي:حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد؛ ولهذا قال: (
فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ) أي:الذين قامت عليهم الحجة،
ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وَهمُّوا بإخراجه من بينهم.
قُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ
أَمْ مَا يُشْرِكُونَ ( 59 )
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا
شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) .
يقول
تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: (
الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أي:على نعَمه على عباده، من
النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العُلى والأسماء الحسنى،
وأن يُسَلِّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام،
عليهم من الله الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره:إن
المراد بعباده الذين اصطفى:هم الأنبياء، قال:وهو كقوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ
رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الصافات:180 - 182 ] .
وقال
الثوري، والسدي:هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رضي [
الله ] عنهم أجمعين، وروي نحوه عن ابن عباس.
ولا
منافاة، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى
والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ما ذكر لهم ما فعل
بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن
يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.
وقد قال
أبو بكر البزار:حدثنا محمد بن عمارة بن صَبِيح، حدثنا طَلْق بن غنام، حدثنا الحكم
بن ظُهَيْر، عن السدي - إن شاء الله - عن أبي مالك، عن ابن عباس: (
وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ) قال:هم
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه، رضي الله عنهم .
وقوله: (
آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ )
:استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى.
ثم شرع
تعالى يبين أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال: (
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) أي:تلك
السموات بارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة
والأفلاك الدائرة، والأرض باستفالها وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال والأوعار
والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والثمار والبحور والحيوان على
اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.
وقوله: (
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً )
أي:جعله رزقا للعباد، ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ
حَدَائِقَ ) أي:بساتين ( ذَاتَ
بَهْجَةٍ ) أي:منظر حسن وشكل بهي، ( مَا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ) أي:لم
تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك
المتفرد به، دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما
قال تعالى في الآية الأخرى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ [ الزخرف:87 ] ،
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [
العنكبوت:63 ] أي:هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم
هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يُفرَدَ
بالعبادة مَن هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: (
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) أي:أإله مع الله يعبد. وقد
تبين لكم، ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا أنه الخالق الرازق.
ومن
المفسرين من يقول:معنى قوله: ( أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) [
أي:أإله مع الله ] فعل هذا. وهو يرجع إلى معنى الأول؛
لأن تقدير الجواب أنهم يقولون:ليس ثَمَّ أحدٌ فعل هذا معه، بل هو المتفرد به.
فيقال:فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال:
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [
النحل:17 ] .
وقوله
هاهنا: ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) : ( أمن ) في هذه
الآيات [ كلها ] تقديره:أمن يفعل هذه الأشياء
كَمَنْ لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة
الكلام ما يرشد إلى ذلك، وقد قال: ( آلله
خير أما يشركون ) .
ثم قال
في آخر الآية: ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ
يَعْدِلُونَ ) أي:يجعلون لله عدلا ونظيرًا. وهكذا قال تعالى: أَمْ مَنْ
هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو
رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر:9 ] أي:أمن
هو هكذا كَمَنْ ليس كذلك؟ ولهذا قال: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ [
الزمر:9 ] ، أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ
عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ الزمر:22 ] ، وقال
أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [
الرعد:33 ] أي:أمَنْ هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم
الغيب جليله وحقيره، كَمَنْ هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي
عبدوها؟ ولهذا قال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ [
الرعد:33 ] ، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها.
أَمَّنْ
جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) .
يقول: (
أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا )
أي:قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك
لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا
تتزلزل ولا تتحرك، كما قال في الآية الأخرى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [
غافر:64 ] .
(
وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا ) أي:جعل فيها الأنهار العذبة
الطيبة تشقها في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها
شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في
أرجاء الأرض، سَيَّرَ لهم أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه، (
وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ) أي:جبالا شامخة ترسي الأرض
وتثبتها؛ لئلا تميد بكم ( وَجَعَلَ بَيْنَ
الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ) أي:جعل بين المياه العذبة
والمالحة حاجزًا، أي:مانعًا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بهذا وهذا بهذا،
فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو
هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس. والمقصود منها:أن تكون عذبة زلالا تسقى
الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من
كل جانب، والمقصود منها:أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا، لئلا يفسد الهواء بريحها، كما
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا
مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [
الفرقان:53 ] ؛ ولهذا قال: (
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) أي:فعل هذا؟ أو يعبد على
القول الأول والآخر؟ وكلاهما متلازم صحيح، ( بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي:في عبادتهم غيره.
أَمَّنْ
يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ
الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) .
ينبه
تعالى أنه هو المدعُوّ عند الشدائد، المرجُوّ عند النوازل، كما قال: وَإِذَا
مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ [
الإسراء:67 ] ، وقال تعالى: ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ
تَجْأَرُونَ [ النحل:53 ] .
وهكذا قال هاهنا: ( أَمَّنْ يُجِيبُ
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) أي:مَنْ هو الذي لا يلجأ
المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.
قال
الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا وُهَيْب، حدثنا خالد الحَذّاء، عن أبي تميمة
الهُجَيْمي، عن رجل من بلهجيم قال:قلت:يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: « أدعو
إلى الله وحده، الذي إن مَسّك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْت بأرض قَفْر
فدعوتَه رَدّ عليك، والذي إن أصابتك سَنة فدعوتَه أنبتَ لك » .
قال:قلت:أوصني. قال: « لا تَسُبَّنَّ أحدًا، ولا
تَزْهَدنّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفرغَ من
دَلوك في إناء المستقي، واتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال
الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، [ وإن
الله - تبارك تعالى - لا يحب المخيلة ] . »
وقد رواه
الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال:حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة،
حدثنا يونس - هو ابن عبيد - حدثنا عبيدة الهُجَيْمي عن أبي تَميمَةَ الهُجَيْمي،
عن جابر بن سُلَيم الهُجَيمي قال:أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْتَبٍ
بِشَمْلَة، وقد وقع هُدْبها على قدميه، فقلت:أيكم محمد - أو:رسول الله؟ - فأومأ
بيده إلى نفسه، فقلت:يا رسول الله، أنا من أهل البادية، وفِيَّ جفاؤهم، فأوصني.
فقال: « لا تحقرَنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك
مُنْبَسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شَتَمك بما يعلم فيك فلا
تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزْرُه. وإياك وإسبال الإزار، فإن
إسبال الإزار من المَخيلَة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تَسُبَّنّ أحدًا » .
قال:فما سببت بعده أحدًا، ولا شاة ولا بعيرًا .
وقد روى
أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا، وعندهما طرف صالح منه .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم حدثنا عبدَةُ بن نوح، عن عمر بن الحجاج، عن
عبيد الله بن أبي صالح قال:دخل عليَّ طاوس يعودني، فقلت له:ادع الله لي يا أبا عبد
الرحمن. فقال:ادع لنفسك، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
وقال وهب
بن منبه:قرأت في الكتاب الأول:إن الله يقول:بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته
السموات ومن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا. ومن لم يعتصم
بي فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله إلى نفسه.
وذكر الحافظ
ابن عساكر في ترجمة رجل - حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدّينَوَري، المعروف
بالدّقّيِّ الصوفي - قال هذا الرجل :كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد
الزّبَدَاني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة،
فقال لي:خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت:لا خبرَةَ لي فيها، فقال:بل هي أقرب.
فسلكناها فانتهينا إلى مكان وَعْر وواد عميق، وفيه قتلى كثير، فقال لي:أمسك رأس
البغل حتى أنـزل. فنـزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من
بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت:خذ البغل بما عليه. فقال:هو لي، وإنما أريد
قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت:إن رأيت أن تتركني
حتى أصلي ركعتين؟ فقال: [ صل ] وعجل.
فقمت أصلي فَأرْتِج عليَّ القرآن فلم يَحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا
وهو يقول:هيه. افرُغ. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: (
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) ، فإذا
أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر
صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت:بالله مَنْ أنت؟ فقال:أنا رسول [
الله ] الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. قال:فأخذت البغل
والحمل ورجعت سالما.
وذكر في
ترجمة « فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية »
قالت:هزم الكفار يوما المسلمين في غزاة، فوقف جَوَاد جَيّد بصاحبه، وكان من ذوي
اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد:ما لك؟ ويلك. إنما كنت أعدّك لمثل هذا اليوم.
فقال له الجواد:وما لي لا أقصّر وأنت تَكلُ علوفتي إلى السّواس فيظلمونني ولا
يطعمونني إلا القليل؟ فقال:لك عليَّ عهد الله أني لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في
حِجْري. فجرى الجواد عند ذلك، ونجَّى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حِجْره،
واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمرُه،
فقال:ما تُضَام بلدة يكون هذا الرجل فيها. واحتال ليحصّله في بلده، فبعث إليه رجلا
من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حَسُنت نيته في الإسلام وقومه،
حتى استوثق، ثم خرجا يوما يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصا آخر من جهة ملك
الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رَفَع طرفه إلى السماء وقال:اللهم،
إنه إنما خَدَعني بك فاكفنيهما بما شئت، قال:فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع
الرجل سالما .
وقوله
تعالى: ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ )
أي:يُخْلفُ قَرنا لقرن قبلهم وخَلَفًا لسلف، كما قال تعالى: إِنْ يَشَأْ
يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ
ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [ الأنعام:133 ] ، وقال
تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [ الأنعام:165 ] ، وقال
تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةً [ البقرة:30 ] ،
أي:قومًا يخلف بعضهم بعضا كما قدمنا تقريره. وهكذا هذه الآية: (
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ ) أي:أمة
بعد أمة، وجيلا بعد جيل، وقومًا بعد قوم. ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم
يجعل بعضَهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب. ولو
شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض ولكن لا يميت أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت
واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض.
ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم
في الأرض، ويجعلهم قرونا بعد قرون، وأمما بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البَرية،
كما قدر ذلك تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعَدّهم عَدًا، ثم يقيم القيامة، ويُوفي
كلّ عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله؛ ولهذا قال تعالى: (
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ
خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ )
أي:يقدر على ذلك، أو إله مع الله يُعْبد، وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك (
قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ) أي:ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم
إلى الحق، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
أَمَّنْ
يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ
بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ ( 63 ) .
يقول: (
أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) أي:بما
خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
يَهْتَدُونَ [ النحل:16 ] ، وقال
تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الآية [ الأنعام:97 ] .
(
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أي:بين
يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، (
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .
أَمَّنْ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ ( 64 ) .
أي:هو
الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِنَّ
بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [
البروج:12، 13 ] ، وقال وَهُوَ الَّذِي
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [
الروم:27 ] .
( وَمَنْ
يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) أي:بما
ينـزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض، كما قال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ
الرَّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [
الطارق:11 ، 12 ] ، وقال يَعْلَمُ مَا يَلِجُ
فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا
يَعْرُجُ فِيهَا [ الحديد:4 ] ، فهو،
تبارك وتعالى، ينـزل من السماء ماء مباركًا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به [
منها ] أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى ،
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى [
طه:54 ] ؛ ولهذا قال: (
أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ) أي:فعل هذا. وعلى القول
الآخر:يعبد؟ ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) على
صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى ، ( إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) في ذلك، وقد علم أنه لا حجة
لهم ولا برهان، كما قال [ الله ] :
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا
حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [
المؤمنون:117 ] .
قُلْ
لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ( 65 ) بَلِ
ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ
مِنْهَا عَمُونَ ( 66 ) .
يقول
تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلمًا لجميع الخلق:أنه لا يعلم أحد
من أهل السموات والأرض الغيب. وقوله: ( إِلا
اللَّهُ ) استثناء منقطع، أي:لا يعلم أحد ذلك إلا الله، عز وجل، فإنه
المنفرد بذلك وحده، لا شريك له، كما قال: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ الآية [ الأنعام:59 ] ،
وقال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ
مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي
نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [
لقمان:34 ] ، والآيات في هذا كثيرة.
وقوله: ( وَمَا
يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) أي:وما
يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة، كما قال: ثَقُلَتْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً [
الأعراف:187 ] ، أي:ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجَعْد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي
هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:مَنْ زعم أنه يعلم -
يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفِرْية؛ لأن
الله تعالى يقول: ( لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ) .
وقال قتادة:إنما
جعل الله هذه النجوم لثلاث خصلات :جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها
رجومًا [ للشياطين ] ، فمن
تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا علم له
به. وإن ناسًا جَهَلَة بأمر الله، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة:من أعْرَس بنجم
كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومَنْ سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومَنْ ولد بنجم
كذا وكذا، كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والقصير
والطويل، والحسن والدميم، وما علْمُ هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من
الغيب! وقضى الله:أنه لا يعلم مَنْ في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون
أيان يبعثون.
رواه ابن
أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جليل متين صحيح.
وقوله: ( بَلِ
ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا )
أي:انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها.
وقرأ
آخرون: « بل أدرك علمهم » ،
أي:تساوى علمهم في ذلك، كما في الصحيح لمسلم:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
لجبريل - وقد سأله عن وقت الساعة - ما المسؤول عنها بأعلم من السائل أي:تساوى في
العجز عن دَرْك ذلك علم المسؤول والسائل.
قال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ
فِي الآخِرَة ) أي:غاب.
وقال
قتادة: ( بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ )
يعني:يُجَهِّلهم ربهم، يقول:لم ينفذ لهم إلى الآخرة علم، هذا قول.
وقال ابن
جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: « بل
أدرك علمهم في الآخرة » حين لم ينفع العلم، وبه قال
عطاء الخراساني، والسدي:أن علمهم إنما يُدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك،
كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ
الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [
مريم:38 ] .
وقال
سفيان، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقرأ: « بل
أدرك علمهم » قال:اضمحل علمهم في الدنيا، حين عاينوا الآخرة.
وقوله: ( بَلْ
هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ) عائد على الجنس، والمراد
الكافرون، كما قال تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا
كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ
مَوْعِدًا [ الكهف:48 ]
أي:الكافرون منكم. وهكذا قال هاهنا: ( بَلْ
هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ) أي:شاكُّون في وجودها
ووقوعها، ( بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ ) أي:في
عمَاية وجهل كبير في أمرها وشأنها.
وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 )
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا
أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 68 ) قُلْ
سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا
تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين:أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد
صيرورتها عظامًا ورفاتًا وترابًا، ثم قال: (
لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ ) أي:ما
زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا.
وقولهم:
( إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ )
:يعنون:ما هذا الوعد بإعادة الأبدان، ( إِلا
أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) أي:أخذه قوم عَمَّن قبلهم،
مَنْ قبلهم يتلقاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة.
قال الله
تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ( قُلْ ) - يا
محمد - لهؤلاء: ( سِيرُوا فِي الأَرْضِ
فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ )
أي:المكذِّبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقَمُ الله
وعذابه ونكاله، ونجَّى الله من بينهم رسله الكرام وَمَنْ اتبعهم من المؤمنين، فدل
ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.
ثم قال
تعالى مسليًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه: ( وَلا
تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أي:المكذبين بما جئت به، ولا
تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، ( وَلا
تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) أي: في
كيدك ورَدّ ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهرٌ دينك على مَنْ خالفه وعانده
في المشارق والمغارب.
وَيَقُولُونَ
مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 71 ) قُلْ
عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ( 72 )
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَشْكُرُونَ ( 73 )
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 74 )
وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ( 75 )
يقول
تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: (
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) قال
الله مجيبًا لهم: ( قُلْ ) يا
محمد ( عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي
تَسْتَعْجِلُونَ ) . [ قال
ابن عباس أن يكون قرب - أو:أن يقرب - لكم بعض الذي تستعجلون ] .
وهكذا قال مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي.
وهذا هو
المراد بقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [
الإسراء:51 ] ، وقال تعالى يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [
العنكبوت:54 ] .
وإنما
دخلت « اللام » في قوله: (
رَدِفَ لَكُمْ ) ؛ لأنه ضُمن معنى « عَجِل
لكم » كما قال مجاهد في رواية عنه: ( عَسَى
أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ) :عجل لكم.
ثم قال
الله تعالى: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) أي:في
إسباغه نعمَه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل
منهم، ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا
يُعْلِنُونَ ) أي:يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، سَوَاءٌ
مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ [
الرعد:10 ] ، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [
طه:7 ] ، أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا
يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [ هود:5 ] .
ثم أخبر
تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن
العباد وما شاهدوه - فقال: ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي
السَّمَاءِ وَالأرْضِ ) قال ابن عباس:يعني:وما من
شيء، ( فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) وهذا
كقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [
الحج:70 ] .
إِنَّ
هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ( 76 )
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز،
وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان :إنه يقص على بني إسرائيل - وهم حملة
التوراة والإنجيل - ( أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ) ، كاختلافهم في عيسى وتباينهم
فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غَلَوا، فجاء [
إليهم ] القرآن بالقول الوسط الحق العدل:أنه عبد من عباد الله
وأنبيائه ورسله الكرام، عليه [ أفضل ] الصلاة
والسلام، كما قال تعالى: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي
فِيهِ يَمْتَرُونَ [ مريم:34 ] .
وَإِنَّهُ
لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 77 )
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 78 )
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 )
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ ( 80 )
وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 81 ) .
وقوله: (
وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي:هدى
لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات.
ثم قال:
( إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) أي:يوم
القيامة ، ( بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في
انتقامه ، ( الْعَلِيمُ ) بأفعال
عباده وأقوالهم.
(
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) أي:في أمورك، وبَلّغ رسالة
ربك ، ( إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) أي:أنت
على الحق المبين وإن خالفك مَنْ خالفك، مِمَّنْ كتبت عليه الشقاوة وحَقَّت عليهم
كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: (
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) أي:لا تسمعهم شيئًا ينفعهم،
فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: (
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ
إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) [ أي ] :إنما
يستجيب لك مَنْ هو سميع بصير، السمع والبصر النافعُ في القلب والبصيرة الخاضع لله،
ولما جاء عنه على ألسنة الرسل، عليهم السلام.
وَإِذَا
وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ
تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ( 82 ) .
هذه
الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتَرْكِهم أوامر الله وتبديلهم الدين
الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض - قيل:من مكة. وقيل:من غيرها. كما سيأتي تفصيله
- فَتُكَلِّم الناس على ذلك.
قال ابن
عباس، والحسن، وقتادة - ورُوي عن علي رضي الله عنه - :تكلمهم كلاما أي:تخاطبهم
مخاطبة.
وقال
عطاء الخراساني:تكلمهم فتقول لهم:إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن
علي، واختاره ابن جرير. وفي هذا [
القول ] نظر لا يخفى، والله أعلم.
وقال ابن
عباس - في رواية - تجرحهم. وعنه رواية، قال:كلا تفعل يعني هذا وهذا، وهو قولٌ حسن،
ولا منافاة، والله أعلم.
وقد ورد في
ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها، والله المستعان:
قال
الإمام أحمد:حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطفيل، عن حُذَيفة بن أسيد الغفاري
قال:أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة
فقال:لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات:طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة،
وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف:خسف بالمغرب، وخسف
بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعر عدن تسوق - أو:تحشر - الناس، تبيت
معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا « . »
وهكذا
رواه مسلم وأهل السنن، من طرق، عن فُرَات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن
حُذَيفة موقوفا . وقال الترمذي:حسن صحيح . ورواه مسلم أيضًا من حديث عبد العزيز بن
رُفَيْع، عن أبي الطفيل، عنه مرفوعًا . والله أعلم.
طريق
أخرى:قال أبو داود الطيالسي، عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة
فقال:أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمَير الليثي:أن أبا الطفيل حدثه، عن حذَيفة
بن أسيد الغفاري أبي سَريحَةَ، وأما جرير فقال:عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل
عبد الله بن مسعود - وحديث طلحة أتم وأحسن - قال:ذَكَرَ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم الدابة فقال: « لها ثلاث خرجات من الدهر،
فتخرج خَرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني:مكة - ثم تكمن زمانًا
طويلا ثم تخرج خَرْجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها
القرية » يعني:مكة. - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثم
بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها:المسجد الحرام، لم يَرُعْهم
إلا وهي تَرْغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب. فارفض الناس عنها شتَّى
ومعًا، وبقيت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم فجَلَت
وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدرّي، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو
منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول:يا فلان، الآن
تصلي؟ فيقبل عليها فَتَسِمُهُ في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال،
ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول:يا كافر، اقضني
حقي. وحتى إن الكافر ليقول:يا مؤمن، اقضني حقي » .
ورواه
ابن جرير من طريقين، عن حذيفة بن أُسَيْد موقوفًا فالله أعلم. ورواه من رواية
حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى بن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن
إسناده لا يصح .
حديث
آخر:قال مسلم بن الحجاج:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي
حَيَّان، عن أبي زُرْعَة، عن عبد الله بن عمرو قال:حَفظْتُ من رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديثًا لم أنسه بعد:سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن أول
الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى، وأيتهما ما
كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها قريبًا » .
حديث
آخر:روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب - مولى الحُرَقَة -
عن أبيه:عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بادروا
بالأعمال ستا :طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة
أحدكم، أو أمر العامة » . وله من حديث قتادة، عن
الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: « بادروا بالأعمال ستا:الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع
الشمس من مغربها، وأمر العامة وخُويّصة أحدكم » .
حديث
آخر:قال ابن ماجه:حدثنا حَرْمَلَة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عَمْرُو بن
الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سِنَان بن سعد، عن أنس بن مالك، رضي
الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بادروا
بالأعمال ستًا:طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخُوَيّصة
أحدكم، وأمر العامة » . تفرد به .
حديث
آخر:قال أبو داود الطيالسي أيضا:حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن
خالد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تخرج
دابة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، عليهما السلام، فتخطم أنف الكافر
بالعصا، وتُجلي وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من
الكافر » .
ورواه
الإمام أحمد، عن بَهْز وعفان ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به . وقال:
« فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن
أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا:يا مؤمن، ويقول هذا:يا كافر » .
ورواه
ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن حماد بن سلمة، به .
حديث
آخر:قال ابن ماجه:حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تُمَيْلة، حدثنا خالد بن
عُبَيْد، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه قال:ذهب بي رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى موضع بالبادية، قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « تخرج الدابة من هذا الموضع.
فإذا فِتْر في شبر » .
قال ابن
بُرَيدة:فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عصًا له، فإذا هو بعَصاي هذه ، كذا وكذا .
وقال عبد
الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة؛ أن ابن عباس قال:هي دابةٌ ذات زَغَب، لها أربع قوائم،
تخرج من بعض أودية تهامة .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية
قال:قال عبد الله:تخرج الدابة من صِدْع من الصفا كجَرْي الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج
ثلثها.
وقال
محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح قال:سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة، فقال:الدابة
تخرج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم - أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج
الدابة من تحتها. قيل:فتصنعُ ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال:تستقبل المشرق فتصرخ
صرخة تنفُذُه، ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة
تنفذه، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح بعسفان. قيل:ثم
ماذا؟ قال:لا أعلم.
وعن عبد
الله بن عمر، أنه قال:تخرج الدابة ليلة جَمْع . ورواه ابن أبي حاتم. وفي إسناده
ابن البيلمان .
وعن وهب
بن منبه:أنه حكى من كلام عُزَير، عليه السلام، أنه قال:وتخرج من تحت سدوم دابة
تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجًا،
ويتعادى الأخلاء، وتُحرَقُ الحكمة، ويُرفَعُ العلم، وتكلم الأرض التي تليها. وفي
ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا
يأكلون. رواه ابن أبي حاتم، عنه.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح - كاتب الليث - حدثني معاوية بن صالح، عن أبي
مريم:أنه سمع أبا هريرة، رضي الله عنه، يقول:إن الدابة فيها من كل لون، ما بين
قرنيها فرسخ للراكب.
وقال ابن
عباس:هي مثل الحربة الضخمة.
وعن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال:إنها دابة لها ريش وزغب وحافر،
وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر الفرس الجواد ثلاثا، وما خرج ثلثها .
ورواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن
جُرَيْج، عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال:رأسها رأس ثور، وعينها عين خنـزير،
وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيَّل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون
نَمر، وخاصرتها خاصرة هِرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين
اثنا [ عشر ] ذراعًا، تخرج معها عصا موسى،
وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نَكتَت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك
النكتة حتى يبيضّ لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم
سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في
الأسواق:بكم ذا يا مؤمن، بكم ذا يا كافر؟ وحتى إنّ أهل البيت يجلسون على مائدتهم،
فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة:يا فلان، أبشر، أنت من أهل الجنة،
ويا فلان، أنت من أهل النار. فذلك قول الله تعالى: (
وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ
تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ) .
وَيَوْمَ
نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ
يُوزَعُونَ ( 83 )
حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا
عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 )
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 )
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ
مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 86 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله إلى بين
يدي الله، عز وجل، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا
وتحقيرًا فقال: ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ
كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا ) أي:من كل قوم وقرن فوجًا،
أي:جماعة ، ( مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا ) ، كما
قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [
الصافات:22 ] ، وقال تعالى وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ [
التكوير:7 ] .
وقوله: (
فَهُمْ يُوزَعُونَ ) قال ابن عباس، رضي الله عنهما:يدفعون.
وقال قتادة:وَزَعَةٌ ترد أولهم على آخرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:يساقون.
(
حَتَّى إِذَا جَاءُوا ) أي:أوقفوا بين يدي الله عز
وجل، في مقام المساءلة، ( قَالَ أَكَذَّبْتُمْ
بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي:ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال
الله تعالى عنهم: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [
القيامة:31، 32 ] ، فحينئذ قامت عليهم الحجة،
ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال تعالى: هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا
يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [
المرسلات:35، 37 ] ، وهكذا قال هاهنا: (
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ )
أي:بهتوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا
إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.
ثم قال
تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته
والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا مَحيد عنه، فقال
( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا
فِيهِ ) أي:فيه ظلام تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون
من نَصَب التعب في نهارهم. ( وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا )
أي:منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات،
وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
وَيَوْمَ
يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا
مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ( 87 )
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ
اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ( 88 )
يخبر تعالى عن هول يوم نفخة
الفَزَع في الصُّور، وهو كما جاء في الحديث: « قرن
ينفخ فيه » . وفي حديث (
الصُّور ) أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه
أولا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة على شرار الناس
من الأحياء، فيفزع مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ( إِلا
مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) ، وهم الشهداء، فإنهم أحياء
عند ربهم يرزقون.
قال الإمام مسلم بن الحجاج:حدثنا
عُبَيد الله بن مُعاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم:سمعت
يعقوب بن عاصم بن عُرْوَة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه،
وجاءه رجل فقال:ما هذا الحديث الذي تَحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال:سبحان
الله - أو:لا إله إلا الله - أو كلمة نحوهما - لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا،
إنما قلت:إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت، ويكون ويكون. ثم قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يخرج الدجال في أمتي فيمكث
أربعين - [ لا أدري أربعين ] يومًا،
أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا - فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود،
فيطلبه فيهلكه. ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا
باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو
إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخَلَتْه عليه حتى تقبضه » .
قال:سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: « فيبقى
شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا،
فيتمثل لهم الشيطان فيقول:ألا تستجيبون؟ فيقولون:فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة
الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسنٌ عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا
أصغى ليتًا [ ورفع ليتا ] . قال:
» وأول مَنْ يسمعه رجل يَلُوط حوض إبله « . قال:
» فَيَصْعَقُ ويَصعقُ الناس، ثم يرسل الله - أو قال:ينـزل الله
مطرًا كأنه الطَّل - أو قال:الظل - نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم
ينفَخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال:يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم،
وقفوهم إنهم مسؤولون. ثم يقال:أخرجوا بعث النار. فيقال:من كم؟ فيقال:من كل ألف
تسعمائة وتسعة وتسعين « . قال: » فذلك
يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق « . »
وقوله :ثم ينفخ في الصور فلا
يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا « الليت
:هو صفحة العنق، أي:أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا. »
فهذه نفخة الفزع. ثم بعد ذلك
نفخة الصعق، وهو الموت. ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من
القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال: (
وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) - قُرئ بالمد، وبغيره على
الفعل، وكلٌ بمعنى واحد - و ( دَاخِرِينَ )
أي:صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [ الإسراء:52 ] ، وقال
ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [
الروم:25 ] . وفي حديث الصور:أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح،
فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها
وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح
الكافرين ظُلمة، فيقول الله، عز وجل:وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى جسدها. فتجيء
الأرواح إلى أجسادها، فتدب فيها كما يَدب السم في اللديغ، ثم يقومون فينفضون
التراب من قبورهم، قال الله تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا
كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [
المعارج:43 ] .
وقوله: (
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ )
أي:تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي:تزول عن
أماكنها، كما قال تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ
الْجِبَالُ سَيْرًا [ الطور:9 ، 10 ] ،
وقال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا *
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [
طه:105، 107 ] ، وقال تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى
الأَرْضَ بَارِزَةً [ الكهف:47 ] .
وقوله: (
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ )
أي:يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع،
( إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) أي:هو
عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه.
مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ
آمِنُونَ ( 89 )
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ
إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 ) .
ثم بين
تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ) - قال
قتادة:بالإخلاص. وقال زين العابدين:هي لا إله إلا الله - وقد بيَّن في المكان
الآخر أن له عَشْر أمثالها ( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ
يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) ، كما قال في الآية الأخرى:
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [
الأنبياء:103 ] ، وقال: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ
يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [
فصلت:40 ] ، وقال: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [
سبأ:37 ] .
وقوله: (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ )
أي:مَنْ لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو:قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه ؛
ولهذا قال: ( هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
وقال ابن
مسعود وأبو هريرة وابن عباس، رضي الله عنهم، وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير،
وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النَّخَعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن
أسلم، والزهري، والسُّدِّي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، في قوله: (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) يعني:بالشرك.
إِنَّمَا
أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ
شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 )
وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ
وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 )
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 93 ) .
يقول
تعالى مخبرًا رسوله وآمرًا له أن يقول: (
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ
كُلُّ شَيْءٍ ) ، كَمَا قَالَ: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ
فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [
يونس:104 ] .
وإضافة
الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال: فَلْيَعْبُدُوا
رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
[ قريش:3، 4 ] .
وقوله: (
الَّذِي حَرَّمَهَا ) أي:الذي إنما صارت حرامًا
قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: « إن هذا
البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا
يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لُقَطَتُه إلا لِمَنْ عرفها، ولا يختلى
خلاها » الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق
جماعة تفيد القطع ، كما هو مبين في موضعه من كتاب الأحكام، ولله الحمد.
وقوله: (
وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) :من باب عطف العام على الخاص،
أي:هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه ، (
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي:الموحدين
المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له.
ب
وقوله: (
وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ) أي:على الناس أبلغهم إياه،
كقوله: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [ آل
عمران:58 ] ، وكقوله: نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى
وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [
القصص:3 ] أي:أنا مبلغ ومنذر، (
فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا
أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) أي:لي سوية الرسل الذين
أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخَلَصُوا من عهدتهم،
وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا
الْحِسَابُ [ الرعد:40 ] ،
وقال: إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [
هود:12 ] .
(
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) ،
أي:لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإعذار إليه؛ ولهذا
قال: ( سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ) كما
قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [
فصلت:53 ] .
وقوله: ( وَمَا
رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أي:بل
هو شهيد على كل شيء.
قال ابن
أبي حاتم:ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر:حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا
سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
أيها الناس، لا يَغْترَّنَّ أحدكم بالله؛ فإن الله لو كان غافلا شيئًا لأغفل
البعوضة والخردلة والذرة » .
[ قال
أيضا ] :حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي:أخبرني
خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال:فلو كان الله مغفلا شيئًا لأغفل ما
تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.
وقد ذكر
عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له أو لغيره:
إذَا مَـا خَـلَوتَ الدهْـرَ يَومًـا فَلا تَقُل خَــلَوتُ
وَلكـن قُـل عَـليّ رَقيـب
وَلا تَحْسَـبَن اللـه يَغْــفُـل ساعـةً وَلا أن مَــا
يَخْــفى عَلَيْـه يَغيـب
[ بسم الله الرحمن الرحيم.
رب يسر بفضلك ]
تفسير سورة القصص
[ وهي
مكية ]
قال
الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله:حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وَكِيع، عن أبيه، عن أبي
إسحاق، عن معد يكرب قال:أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين،
فقال:ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم:خَبَّاب بن
الأرَت. قال:فأتينا خَبَّاب بن الأرت، فقرأها علينا، رضي الله عنه .
طسم ( 1 )
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 )
نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ ( 3 )
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ
طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 )
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ( 5 ) .
قد تقدم الكلام على الحروف
المقطعة.
وقوله: ( تلك ) أي:هذه
( آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ )
أي:الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن.
وقوله: ( نَتْلُو
عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) كما
قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [
يوسف:3 ] أي:نذكر لك الأمر على ما كان عليه، كأنك تشاهد وكأنك حاضر.
ثم قال: ( إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ ) أي:تكبر وتجبر وطغى. (
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ) أي:أصنافا، قد صرف كل صنف
فيما يريد من أمور دولته.
وقوله: (
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ )
يعني:بني إسرائيل. وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم. هذا وقد سلط عليهم هذا
الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكُدُّهُم ليلا ونهارًا في أشغاله
وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا
من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام،
يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل
فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع
جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته
وسلطانه. فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته مَن يكون هلاك ملك
مصر على يديه، فكانت القبط تتحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل
ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل
كتاب؛ ولهذا قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ
لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا
كَانُوا يَحْذَرُونَ .
وَنُمَكِّنَ
لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا
كَانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) .
وقد فعل
تعالى ذلك بهم، كما قال: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا
مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [
الأعراف:137 ] وقال: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [
الشعراء:59 ] ، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع
قَدَر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم
بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت
بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك،
وأنت تربيه وتدلـله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب
السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء
كان، وما لم يشأ لم يكن.
وَأَوْحَيْنَا
إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي
الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 )
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ
فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ( 8 )
وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى
أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) .
ذكروا أن
فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفْني بني إسرائيل
فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة. فقالوا لفرعون:إنه يوشك - إن استمر
هذا الحال - أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يَقُمْن بما
يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك. فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم
عامًا، فولد هارون، عليه السلام، في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى،
عليه السلام، في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك،
وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت
ولادتها لا يَقْبَلُها إلا نساء القبط، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن
ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا
قَبَّحَهُم الله. فلما حملت أم موسى به، عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل
كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه
خوفًا شديدًا وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى، عليه السلام، لا يراه أحد إلا أحبه،
فالسعيد من أحبه طبعا وشرعًا قال الله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً
مِنِّي [ طه:39 ] . فلما ضاقت ذرعًا به ألهمت
في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى: (
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ
فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) . وذلك
أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدَت فيه مهدًا، وجعلت ترضع
ولدها، فإذا دخل عليها أحد مِمَّنْ تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر،
وربطته بحبل عندها. فلما كان ذات يوم دخل عليها مَنْ تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك
التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به
على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما
فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها. فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن
الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك
لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال (
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [
وَحَزَنًا ] ) .
قال محمد
بن إسحاق وغيره: « اللام » هنا لام
العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك. ولا شك أن ظاهر اللفظ
يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه
أن الله تعالى، قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًا وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم
منه؛ ولهذا قال: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ
وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ) .
وقد روي
عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابًا إلى قوم من القدرية، في
تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق:وموسى في علم الله السابق
لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ، وقلتم أنتم:لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًا
ونصيرًا، والله يقول: ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
وَحَزَنًا ) .
وقوله
تعالى: ( وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا
يَشْعُرُونَ ) يعني:أن فرعون لما رآه همَّ بقتله خوفًا من أن يكون من بني
إسرائيل فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجُّ عنه وتَذب دونه، وتحببه إلى فرعون،
فقالت: ( قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ )
فقال:أما لك فَنَعَم، وأما لي فلا. فكان كذلك، وهداها الله به، وأهلكه الله على
يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة « طه » هذه
القصة بطولها، من رواية ابن عباس مرفوعًا عن النسائي وغيره.
وقوله: ( عَسَى
أَنْ يَنْفَعَنَا ) ، وقد حصل لها ذلك، وهداها
الله به، وأسكنها الجنة بسببه. وقولها: ( أَوْ
نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ) أي:أرادت أن تتخذه ولدًا
وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه.
وقوله
تعالى: ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) أي:لا يدرون
ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه، من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة.
وَأَصْبَحَ
فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا
عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 )
وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 11 )
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى
أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ( 12 )
فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم
موسى، حين ذهب ولدها في البحر، إنه أصبح فارغًا، أي:من كل شيء من أمور الدنيا إلا
من موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو عبيدة،
والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم.
( إِنْ
كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أي:إن كادت من شدة وجدها
وحزنها وأسفها لَتُظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها
وصبَّرها، قال الله تعالى: ( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى
قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ )
أي:أمرت ابنتها - وكانت كبيرة تعي ما يقال لها - فقالت لها: (
قُصِّيهِ ) أي:اتبعي أثره، وخذي خبره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد.
فخرجت لذلك ، ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ
) ، قال ابن عباس:عن جانب.
وقال مجاهد: (
فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ) :عن بعيد.
وقال قتادة:جعلت تنظر إليه
وكأنها لا تريده.
وذلك أنه لما استقر موسى، عليه
السلام، بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي
في دارهم، فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك. فخرجوا به إلى سوق
لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم
يشعروا بها.
قال الله تعالى: (
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ )
أي:تحريمًا قَدَريا، وذلك لكرامة الله له صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه؛ ولأن الله
- سبحانه - جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة، بعدما كانت خائفة.
فلما رأتهم [ أخته ] حائرين فيمن يرضعه قالت: ( هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) .
قال ابن عباس:لما قالت ذلك أخذوها
، وشكوا في أمرها، وقالوا لها:وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت:نصحهم له
وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُؤُورة الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك
وخَلَصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منـزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها
فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا. وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم
موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن
لكونه وافق ثديها. ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت:إن لي
بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك. ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت.
فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان
الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنا، في
عز وجاه ورزق دَارٍّ. ولهذا جاء في الحديث: « مثل
الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها » ولم يكن
بين الشدة والفرج إلا القليل:يوم وليلة، أو نحوه، والله [
سبحانه ] أعلم، فسبحان من بيديه الأمر! ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق مخرجًا. ولهذا قال
تعالى: ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ) أي:به،
( وَلا تَحْزَنْ )
أي:عليه: ( وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ )
أي:فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين. فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن
منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.
وقوله: (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
أي:حُكْمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا
والآخرة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال
تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ [
البقرة:216 ] وقال تعالى: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ
اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [
النساء:19 ] .
وَلَمَّا
بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ ( 14 )
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا
رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ
فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ
مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ
مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 )
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 )
قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ( 17 ) .
لما ذكر
تعالى مبدأ أمر موسى، عليه السلام، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكما
وعلما - قال مجاهد:يعني النبوة ( وَكَذَلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ ) .
ثم ذكر
تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدَّر له من النبوة والتكليم:قضية قتله ذلك
القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: (
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ) قال
ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس:وذلك بين المغرب والعشاء.
وقال ابن
المنْكَدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس:كان ذلك نصف النهار. وكذلك قال سعيد بن
جبير، وعِكْرمة، والسُّدِّي، وقتادة.
( فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ
يَقْتَتِلانِ ) أي:يتضاربان ويتنازعان، ( هَذَا
مِنْ شِيعَتِهِ ) أي:من بني إسرائيل ، ( وَهَذَا
مِنْ عَدُوِّهِ ) أي:قبطي، قاله ابن عباس،
وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد
موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي (
فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) .
قال
مجاهد:وكزه، أي:طعنه بجُمْع كفه. وقال قتادة:وكزه بعصا كانت معه.
(
فَقَضَى عَلَيْهِ ) أي:كان فيها حتفه فمات ، قال
موسى: ( هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ
مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ) أي:بما
جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة (
فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا ) أي:معينا (
لِلْمُجْرِمِينَ ) أي:الكافرين بك، المخالفين
لأمرك.
فَأَصْبَحَ
فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ
يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ( 18 )
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا
مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ
تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ
مِنَ الْمُصْلِحِينَ ( 19 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن موسى، عليه السلام ، لما قتل ذلك القبطي:إنه أصبح ( فِي
الْمَدِينَةِ خَائِفًا ) أي:من مَعَرّة ما فعل، (
يَتَرَقَّبُ ) أي:يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق،
فإذا ذاك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى، استصرخه
على الآخر، فقال له موسى: ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ )
أي:ظاهر الغواية كثير الشر. ثم عزم على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي
لخوَرِه وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن
نفسه: ( يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ
نَفْسًا بِالأمْسِ ) وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو
وموسى، عليه السلام، فلما سمعها ذلك القبطي لقَفَها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب
فرعون فألقاها عنده، فعلم بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه فبعثوا
وراءه ليحضروه لذلك.
وَجَاءَ
رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ
يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ( 20 ) .
قال
تعالى: ( وَجَاءَ رَجُلٌ ) وصفه
بالرّجُولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق
إلى موسى، فقال له:يا موسى ( إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ
بِكَ ) أي:يتشاورون فيك (
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ ) أي:من البلد (
إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) .
فَخَرَجَ
مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 21 )
لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ
عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قلبه، بل كان في رفاهية
ونعمة ورئاسة، ( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا
يَتَرَقَّبُ ) أي:يتلفَّت ( قَالَ
رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أي:من
فرعون وملئه. فذكروا أن الله، سبحانه وتعالى، بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلى
الطريق، فالله أعلم.
وَلَمَّا
تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ
السَّبِيلِ ( 22 )
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا
لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 )
فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 )
(
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ) أي:أخذ
طريقًا سالكًا مَهْيَعا فرح بذلك، ( قَالَ
عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) أي:إلى
الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة،
فجعل هاديًا مهديًّا.
(
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ) أي:ولما وصل إلى مدين وورد
ماءها، وكان لها بئر تَرده رعاء الشاء (
وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ )
أي:جماعة ( يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ
تَذُودَانِ ) أي:تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا
يُؤذَيا. فلما رآهما موسى، عليه السلام، رق لهما ورحمهما، ( قَالَ
مَا خَطْبُكُمَا ) أي:ما خبركما لا تردان مع
هؤلاء؟ ( قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ) أي:لا
يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، (
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) أي:فهذا الحال الملجئ لنا إلى
ما ترى.
قال الله
تعالى: ( فَسَقَى لَهُمَا ) قال
أبو بكر بن أبي شيبة:حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عَمْرو بن
ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن موسى، عليه السلام، لما ورد
ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال:فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر،
ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال:ما خطبكما؟ فحدثتاه،
فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم. إسناد صحيح .
وقوله: ( ثُمَّ
تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ ) قال ابن عباس:سار موسى من مصر
إلى مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل مَدْيَن حتى
سقطت نعل قدمه. وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من
الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.
وقوله: ( إِلَى
الظِّلِّ ) قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي:جلس تحت شجرة.
وقال ابن
جرير:حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيّ ، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال:حَثثتُ على جمل
ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء
ترف، فأهوى إليها جملي - وكان جائعا - فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت
الله لموسى، عليه السلام، ثم انصرفت .
وفي
رواية عن ابن مسعود:أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى، كما سيأتي والله
أعلم.
وقال
السدي:كانت من شجر السَّمُر.
وقال
عطاء بن السائب:لما قال موسى ( رَبِّ إِنِّي لِمَا
أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) ،
أسمعَ المرأة.
فَجَاءَتْهُ
إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ
لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ
قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 25 )
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الأَمِينُ ( 26 )
قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي
ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 )
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ
عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ( 28 ) .
لما رجعت المرأتان سراعا بالغنم
إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل
موسى، عليه السلام. فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها قال الله تعالى: (
فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) أي:مشي
الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، أنه قال:كانت مستتَرة بكم
درْعها.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا [
أبي، حدثنا ] أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون
قال:قال عمر رضي الله عنه:جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست
بسلفع خَرَّاجة ولاجة. هذا إسناد صحيح.
قال الجوهري:السلفع من
الرجال:الجسور، ومن النساء:الجريئة السليطة، ومن النوق:الشديدة.
(
قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) ، وهذا
تأدب في العبارة، لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: ( إِنَّ
أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا )
يعني:ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا ، (
فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ) أي:ذكر
له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، ( قَالَ
لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
يقول:طب نفسا وَقرّ عينا، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا. ولهذا
قال: ( نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وقد اختلف المفسرون في هذا
الرجل:مَنْ هو؟ على أقوال:أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل
مدين. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد. ورواه ابن
أبي حاتم.
حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز
الأويسي، حدثنا مالك بن أنس؛ أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص قال: ( لا
تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وقد روى الطبراني عن سلمة بن
سعد العنـزي أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: « مرحبا
بقوم شعيب وأَخْتان موسى، هُديت » .
وقال آخرون:بل كان ابن أخي شعيب.
وقيل:رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون:كان شعيب قبل زمان موسى، عليه السلام، بمدة
طويلة؛ لأنه قال لقومه: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [
هود:89 ] . وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل، عليه السلام بنص
القرآن، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل، عليهما السلام، مدة طويلة تزيد على
أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل:إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو -
والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان
إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح
بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله. ثم من الموجود في
كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: « ثبرون
» ، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن
مسعود:وأثرون وهو ابن أخي شعيب عليه السلام.
وعن أبي حمزة عن ابن عباس:الذي
استأجر موسى يثرى صاحب مدين. رواه ابن جرير، ثم قال:الصواب أن هذا لا يدرك إلا
بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك.
وقوله: (
قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الأمِينُ ) أي:قالت إحدى ابنتي هذا
الرجل. قيل:هي التي ذهبت وراء موسى، عليه السلام، قالت لأبيها: ( يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ) أي:لرعْية هذه الغنم.
قال عمر، وابن عباس، وشُريح
القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد:لما قالت: ( إِنَّ
خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) قال
لها أبوها:وما علمك بذلك؟ قالت:إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال،
وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامهُ، فقال لي:كوني من ورائي، فإذا اجتنبت الطريق
فاحذفي [ لي ] بحصاة أعلم بها كيف الطريق
لأتهدّى إليه.
قال سفيان الثوري، عن أبي
إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال:أفرس الناس ثلاثة:أبو بكر
حين تفرس في عُمَر، وصاحب يوسف حين قال: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ [
يوسف:21 ] ، وصاحبة موسى حين قالت: ( يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) .
قاال: (
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ) أي:طلب
إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.
قال شعيب الجبائي:وهما صفورا،
وليّا.
وقال محمد بن إسحاق:صفورا
وشرقا، ويقال:ليا. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة [
رحمه الله تعالى ] بهذه الآية على صحة البيع
فيما إذا قال: « بعتك أحد هذين العبدين بمائة.
فقال:اشتريت » أنه يصح، والله أعلم.
وقوله: ( عَلَى
أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ) أي:على
أن ترعى عليّ ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك ، وإلا ففي ثمان كفاية
، ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي:لا
أشاقك، ولا أؤاذيك، ولا أماريك.
وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة
لمذهب الأوزاعي، فيما إذا قال: « بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو
بعشرين نسيئة » أنه يصح، ويختار المشتري
بأيهما أخذه صح. وحُمل الحديث المروي في سنن أبي داود: « من باع
بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا » على هذا
المذهب. وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر، ليس هذا موضع
بسطه لطوله. والله أعلم.
ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد
ومَنْ تبعهم، في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك
بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن، حيث قال: « باب
استئجار الأجير على طعام بطنه » :حدثنا محمد بن المصفّى
الحِمْصي، حدثنا بَقيَّة بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن
الحارث بن يزيد، عن علي بن رَبَاح قال:سمعت عُتبةَ بن النُّدَّر يقول:كنا عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طسم ، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: « إن
موسى أجَّرَ نفسه ثماني سنين أو:عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه . »
وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف
، لأن مسلمة بن علي وهو الخُشَني الدمشقي البلاطيّ ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن
قد رُوي من وجه آخر، وفيه نظر أيضا.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد
الحضرمي، عن علي بن رَبَاح اللخمي قال:سمعت عتبة بن النّدر السلمي - صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم - يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه » .
وقوله تعالى إخبارا عن موسى،
عليه السلام: ( قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى
مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) ، يقول:إن موسى قال
لصهره:الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرًا فمن
عندي، فأنا متى فعلت أقلهما [ فقد ] برئت
من العهد، وخرجت من الشرط؛ ولهذا قال: (
أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ ) أي:فلا
حرج علي مع أن الكامل - وإن كان مباحًا لكنه فاضل من جهة أخرى، بدليل من خارج. كما
قال [ الله ] تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي
يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [
البقرة:203 ] .
وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي، رضي الله عنه، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في
السفر - فقال: « إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر » مع أن
فعل الصيام راجح من دليل آخر.
هذا وقد دل الدليل على أن موسى
عليه السلام، إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما؛ قال البخاري:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم،
حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مَرْوان بن شُجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير
قال:سألني يهودي من أهل الحيرة:أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت:لا أدري حتى أقدم على
حَبْر العرب فأسأَلَه. فقدمت فسألت ابن عباس، رضي الله عنه، فقال:قضى أكثرهما
وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. هكذا رواه البخاري وهكذا رواه حكيم بن جبير
وغيره، عن سعيد بن جبير. ووقع في « حديث
الفُتُون » ، من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير؛ أن الذي
سأله رجل من أهل النصرانية. والأول أشبه، والله أعلم، وقد رُوي من حديث ابن عباس
مرفوعا، قال ابن جرير:
حدثنا أحمد بن محمد الطوسي،
حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن
أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سألت
جبريل:أيّ الأجلين قضى موسى قال:أكملهما وأتمهما » .
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه،
عن الحميدي، عن سفيان - وهو ابن عيينة - حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب -
وكان من أسناني أو أصغر مني - فذكره.
قلت:وإبراهيم هذا ليس بمعروف.
ورواه البزار عن أحمد بن أبان
القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن
ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. ثم قال:لا نعرفه مرفوعا عن ابن
عباس إلا من هذا الوجه .
وقال ابن أبي حاتم:قُرئ على
يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون
الحضرمي، عن يوسف بن تيرح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل:أيّ الأجلين قضى
موسى؟ قال: « لا علم لي » . فسأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال جبريل:لا علم لي، فسأل جبريل ملكا فوقه
فقال:لا علم لي. فسأل ذلك المَلَك ربه - عز وجل - عما سأله عنه جبريل عما سأله عنه
محمد صلى الله عليه وسلم فقال الرب سبحانه وتعالى: « قضى
أبرهما وأبقاهما - أو قال:أزكاهما » .
وهذا مرسل، وقد جاء مرسلا من
وجه آخر، وقال سُنَيد:حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج قال:قال مجاهد:إن النبي صلى الله
عليه وسلم سأل جبريل: « أيّ الأجلين قضى موسى؟ »
فقال:سوف أسأل إسرافيل. فسأله فقال:سوف أسأل الرب عز وجل. فسأله فقال: « أبرهما
وأوفاهما » .
طريق أخرى مرسلة أيضا:قال ابن
جرير:حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن كعب القُرظي
قال:سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «
أوفاهما وأتمهما » .
فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي [ هذا
] مرفوعا من رواية أبي ذر، رضي الله عنه، قال الحافظ أبو بكر
البزار، حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا
عَوْبَد بن أبي عمران الجَوْني، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر:أن
النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل:أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: «
أوفاهما وأبرهما » ، قال: « وإن
سئلتَ أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما » .
ثم قال البزار:لا نعلم يروى عن
أبي ذر إلا بهذا الإسناد .
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث
عَوبَد بن أبي عمران - وهو ضعيف - ثم قد روي أيضا نحوه من حديث عتبة بن الندر
بزيادة غريبة جدا، فقال أبو بكر البزار:حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى
بن بُكَيْر، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح اللخمي
قال:سمعت عتبة بن النّدر يقول:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل:أيّ الأجلين
قَضَى موسى؟ قال: « أبرهما وأوفاهما » . ثم
قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن موسى، عليه السلام، لما
أراد فراق شعيب عليه السلام، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما
يعيشون به. فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالِب لَون. قال:فما مرت شاة إلا
ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قَوَالب ألوان كلها، وولدت ثنتين وثلاثًا كل شاة ليس
فيها فَشُوش ولا ضبُوب، ولا كَمِيشة تُفَوّت الكف، ولا ثَعُول » . وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا افتتحتم الشام فإنكم
ستجدون بقايا منها، وهي السامرية » .
هكذا أورده البزار. وقد رواه
ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال:
حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى
بن عبد الله بن بُكَير، حدثني عبد الله بن لهيعة ( ح ) وحدثنا
أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد
الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال:سمعت عتبة بن النُّدّر السلمي - صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم - يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن موسى،
عليه السلام آجر نفسه بعفة فرجه وطُعمة بطنه. فلما وفى الأجل - قيل:يا رسول الله،
أي الأجلين؟ قال - أبرهما وأوفاهما. فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها
أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك
العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى، عليه السلام إلى عصاه فَسَمَّاها من
طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر
منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: » فأتأمت
وأثلثت، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش. قال يحيى:ولا
ضبون. وقال صفوان:ولا ضبُوب. قال أبو زرعة:الصواب ضَبُوب - ولا عَزُوز ولا ثَعُول،
ولا كميشة تُفَوّت الكف « ، قال النبي صلى الله عليه
وسلم: » فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية « . »
وحدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان
قال:سمعت الوليد قال:فسألت ابن لَهِيعة:ما الفشوش؟ قال:التي تَفُشّ بلبنها واسعة
الشَّخب. قلت:فما الضبوب؟ قال:الطويلة الضرع تجره. قلت:فما العَزُوز؟ قال:ضيقة
الشَّخب. قال فما الثَعُول؟ قال:التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين. قلت:فما
الكميشة؟ قال:التي تُفَوّت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف.
مدار هذا الحديث على عبد الله
بن لَهِيعة المصري - وفي حفظه سوء - وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم. وينبغي
أن يُرْوَى ليس فيها فشوش ولا عزوز، ولا ضبوب ولا ثَعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة
ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة. وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك -
موقوفا عليه - ما يقارب بعضه بإسناد جيد ، فقال:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ
بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال:لما دعا نبي
الله موسى، عليه السلام، صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه:كل شاة
ولدت على غير لونها فذلك ولدها لك. فعمد فرفع حبالا على الماء، فلما رأت الخيال
فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام .
فَلَمَّا
قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا
قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا
بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 )
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ
مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 30 )
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى
مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ
الآمِنِينَ ( 31 )
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى
فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 32 ) .
قد تقدم
في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام، قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما
وأكملهما وأنقاهما، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة من قوله : (
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ ) أي:الأكمل منهما، والله أعلم.
قال ابن
أبي نَجِيح، عن مجاهد:قضى عشر سنين، وبعدها عشرا أخر. وهذا القول لم أره لغيره،
وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله أعلم.
وقوله: (
وَسَارَ بِأَهْلِهِ ) قالوا:كان موسى قد اشتاق إلى
بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه
من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنـزل منـزلا
فجعل كلما أورى زنده لا يُضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك [ إذ ] ( آنَسَ
مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) أي:رأى نارا تضيء له على بعد
، ( قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ) أي:حتى
أذهب إليها ، ( لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا
بِخَبَرٍ ) . وذلك لأنه قد أضل الطريق ، ( أَوْ
جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ ) أي:قطعة منها ، (
لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) أي:تَتَدفؤون بها من البرد.
قال الله
تعالى: ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ
الأيْمَنِ ) أي:من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب،
كما قال تعالى : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى
الأَمْرَ ، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن
يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحْف الجبل مما يلي الوادي، فوقف
باهتًا في أمرها، فناداه ربه: ( مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ
الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ) .
قال ابن
جرير:حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي
عبيدة، عن عبد الله قال:رأيت الشجرة التي نودي منها موسى، عليه السلام، سمرة خضراء
ترف. إسناده مقارب.
وقال
محمد بن إسحاق، عن بعض مَنْ لا يتهم، عن وهب بن منبه قال:شجرة من العُلَّيق، وبعض
أهل الكتاب يقول:من العوسج.
وقال
قتادة:هي من العوسج، وعصاه من العوسج.
وقوله
تعالى: ( أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
) أي:الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا
إله غيره، ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنـزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته،
وأقواله وأفعاله سبحانه!
وقوله: (
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ) أي:التي في يدك. كما قرره على
ذلك في قوله: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ
أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ
أُخْرَى [ طه:17 ، 18 ] .
والمعنى:أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ
تَسْعَى فعرف وتحقق أن الذي يخاطبه ويكلمه هو الذي يقول للشيء:كن، فيكون. كما تقدم
بيان ذلك في سورة « طه » .
وقال
هاهنا: ( فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ )
أي:تضطرب ( كَأَنَّهَا جَانٌّ ) أي:في
حركتها السريعة مع عظم خَلْق قوائمها واتساع فمها، واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث
لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتنحدر في فيها تتقعقع، كأنها حادرة في واد. فعند ذلك
( وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أي:ولم
يكن يلتفت؛ لأن طبع البشرية ينفر من ذلك. فلما قال الله له: ( يَا
مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ) ، رجع
فوقف في مقامه الأول.
ثم قال
الله له: ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ
غَيْرِ سُوءٍ ) أي:إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ
كأنها قطعة قمر في لمعان البرق؛ ولهذا قال: ( مِنْ
غَيْرِ سُوءٍ ) أي:من غير برص.
وقوله: (
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) :قال
مجاهد:من الفزع. وقال قتادة:من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن
جرير:مما حصل لك من خوفك من الحية.
والظاهر
أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه
من الرهب، وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. وربما إذا استعمل أحد
ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف، إن شاء
الله، وبه الثقة.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو
إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، قال :كان موسى عليه السلام، قد
مُلئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال:اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك
من شره، ففرّغ الله ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا
رآه بال كما يبول الحمار.
وقوله: (
فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ )
يعني:إلقاءه العصا وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء -
دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة مَنْ جرى هذا الخارق على
يديه؛ ولهذا قال: ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
) أي:وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ، (
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ )
أي:خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله، [
والله أعلم ] .
قَالَ
رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 33 )
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا
يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 34 )
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ
إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ( 35 ) .
لما أمره الله تعالى بالذهاب
إلى فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، ( قَالَ
رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا )
يعني:ذلك القبطي، ( فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) أي:إذا
رأوني.
(
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ) ، وذلك
أن موسى، عليه السلام، كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين
خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة
في التعبير؛ ولهذا قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي *
وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي *
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [ طه:27 - 32 ]
أي:يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة
والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد. ولهذا قال: (
وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا [
يُصَدِّقُنِي ] ) ، أي:وزيرًا ومعينًا ومقويًّا
لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس
من خبر واحد؛ ولهذا قال: ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُكَذِّبُونِ ) .
وقال محمد بن إسحاق: ( رِدْءًا
يُصَدِّقُنِي ) أي:يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم [ عني
] .
فلما سأل ذلك قال الله تعالى: (
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) أي:سنقوي أمرك، ونعز جانبك
بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك. كما قال في الآية الأخرى: قَدْ أُوتِيتَ
سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [ طه:36 ] ، وقال
تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [
مريم:53 ] . ولهذا قال بعض السلف:ليس أحد أعظم مِنَّةً على أخيه، من
موسى على هارون، عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولا معه إلى
فرعون وملئه، ولهذا قال [ الله تعالى ] في حق
موسى: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [
الأحزاب:69 ] .
وقوله تعالى: (
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ) أي:حجة قاهرة ، ( فَلا
يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ) أي:لا سبيل
لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى [
لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ] : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ]
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [
المائدة:67 ] . وقال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ
وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
[ الأحزاب:39 ] ،
أي:وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا. ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولِمَنْ اتبعهما
في الدنيا والآخرة، فقال: ( أَنْتُمَا وَمَنِ
اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) ، كما قال تعالى: كَتَبَ
اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [
المجادلة:21 ] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا
يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ
الدَّارِ [ غافر:51 ، 52 ] .
ووجه ابن جرير على أن المعنى: (
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ) ، ثم
يبتدئ فيقول: ( بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا
وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) ،
تقديره:أنتما ومَنْ اتبعكما الغالبون بآياتنا .
ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو
حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.
فَلَمَّا
جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى
وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ( 36 )
وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ
تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 37 ) .
يخبر
تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من
المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، على صدقهما فيما أخبر عن الله عز وجل من
توحيده واتباع أوامره. فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من
الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع
الحق، فقالوا: ( مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ
مُفْتَرًى ) أي:مفتعل مصنوع. وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، فما صعد
معهم ذلك.
وقوله :
( وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ )
يعنون:عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون:ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين،
ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى، عليه السلام، مجيبا لهم: (
رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ )
يعني:مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم. ولهذا قال: (
وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ )
أي:النصرة والظفر والتأييد ، ( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ ) أي:المشركون بالله.
وَقَالَ
فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي
فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي
أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 38 )
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ( 39 )
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 )
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا
يُنْصَرُونَ ( 41 )
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ
مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ( 42 ) .
يخبر
تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة - لعنه الله -
كما قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
فَاسِقِينَ [ الزخرف:54 ] ، وذلك
لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة
أذهانهم؛ ولهذا قال: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا
عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) ، [ و ] قال
تعالى إخبارا عنه: فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى *
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً
لِمَنْ يَخْشَى [ النازعات:23 - 26 ]
يعني:أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين
مطيعين. ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى
إنه واجه موسى الكليم بذلك فقال: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [
الشعراء:29 ] .
وقوله: (
فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي
أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى ) أي:أمر وزيره هامان ومدبر
رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، ليتخذ له آجُرّا لبناء الصرح، وهو القصر
المنيف الرفيع - كما قال في الآية الأخرى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ
لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ
إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ
سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ
[ غافر:36 ، 37 ] ، وذلك
لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن
يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: ( وَإِنِّي
لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أي:في قوله إن ثَمّ ربًّا
غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال:
وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الشعراء:23 ] وقال:
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [
الشعراء:29 ] وقال: ( يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا
عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) وهذا
قول ابن جرير.
وقوله: (
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ )
أي:طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة ،
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [
الفجر:13 ، 14 ] ، ولهذا قال ها هنا: (
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ )
أي:أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد (
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) أي:لمن سلك وراءهم وأخذ
بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، (
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ )
أي:فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: أَهْلَكْنَاهُمْ
فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [ محمد:13 ]
وقوله: (
وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً )
أي:وشرع الله لعنتهم ولعنة مَلكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين
رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، (
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) . قال
قتادة:وهذه الآية كقوله تعالى: وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [
هود:99 ] .
وَلَقَدْ
آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى
بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 43 )
يخبر تعالى عما أنعم به على
عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه الصلاة والتسليم، من إنـزال التوراة عليه
بعدما أهلك فرعون وملأه.
وقوله: ( مِنْ
بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى )
يعني:أنه بعد إنـزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء
الله من المشركين، كما قال: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ
وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ
أَخْذَةً رَابِيَةً [ الحاقة:9 ، 10 ] .
وقال ابن جرير:حدثنا ابن بشار،
حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا حدثنا عوف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخُدْري
قال:ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنـزلت التوراة على
وجه الأرض، غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ
الأولَى ) .
ورواه ابن أبي حاتم، من حديث
عوف بن أبي جَميلة الأعرابي، بنحوه. وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده، عن عمرو
بن علي الفلاس، عن يحيى القَطَّان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا . ثم
رواه عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد - رفعه إلى
النبي صلى الله عليه وسلم - قال: « ما
أهلكَ الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى » ، ثم
قرأ: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا
أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى ) .
وقوله: (
بَصَائِرَ لِلنَّاسِ ) أي:من العمى والغي، ( وهدى ) إلى
الحق، ( ورحمة ) أي:إرشادا إلى الأعمال
الصالحة، ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي:لعل
الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه.
وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ
مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 )
وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ
ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ ( 45 )
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ( 46 )
وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا
رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) .
يقول
تعالى منبهًا على برهان نبوة محمد، صلوات الله وسلامه عليه، حيث أخبر بالغيوب
الماضية، خبرًا كأن سامعه شاهد ورَاءٍ لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من
الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من
أمرها، قال تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ
يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آل
عمران:44 ] ، أي:ما كنت حاضرًا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك. وهكذا لما
أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه.
ثم قال
تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ
تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ
لِلْمُتَّقِينَ [ هود:49 ] وقال
في آخر السورة ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ [
هود:100 ] ، وقال بعد ذكر قصة يوسف: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ
نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ
يَمْكُرُونَ [ يوسف:102 ] ، وقال
في سورة طه: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ
آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا [
طه:99 ] وقال ها هنا - بعدما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها،
وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له - : ( وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ )
يعني:يا محمد، ما كنت بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي
شرقية على شاطئ الوادي، ( وَمَا كُنْتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ ) لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى
أوحى إليك ذلك، ليجعله حجة وبرهانًا على قرون قد تطاول عهدها، ونَسُوا حُجَج الله
عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين.
وقوله: ( وَمَا
كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ) أي:وما
كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخْبرتَ عن نبيها شعيب، وما قال
لقومه، وما ردُّوا عليه، ( وَلَكِنَّا كُنَّا
مُرْسِلِينَ ) أي:ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس رسولا.
( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) - قال أبو عبد الرحمن
النسائي، في التفسير من سننه:أخبرنا علي بن حُجْر، أخبرنا عيسى - وهو ابن يونس -
عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن علي بن مُدْرِك، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة، رضي
الله عنه ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) ،
قال:نودوا:يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني.
وهكذا
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث جماعة، عن حمزة - وهو ابن حبيب الزيات - عن
الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن علي بن
مُدْرِك، عن أبي زُرْعَة - وهو ابن عمرو بن جرير - أنه قال ذلك من كلامه، والله
أعلم.
وقال
مُقاتِل بن حَيَّان: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) :أمتك في أصلاب آبائهم أن
يؤمنوا بك إذا بعثت.
وقال
قتادة: ( وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا ) موسى.
وهذا - والله أعلم - أشبه بقوله تعالى: ( وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ ) .
ثم أخبر
هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك، وهو النداء، كما قال تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ
مُوسَى [ الشعراء:10 ] ، وقال:
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [
النازعات:16 ] ، وقال: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [ مريم:52 ] .
وقوله: (
وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أي:ما كنت مشاهدًا لشيء من
ذلك، ولكن الله أوحاه إليك وأخبرك به، رحمة منه لك وبالعباد بإرسالك إليهم، (
لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ
يَتَذَكَّرُونَ ) أي:لعلهم يهتدون بما جئتهم به
من الله عز وجل.
( وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ
مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ
إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )
أي:وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم،
فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى بعد ذكره إنـزال كتابه
المبارك وهو القرآن: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى
طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ *
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى
مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ [
الأنعام:156 ، 157 ] ، وقال: رُسُلا مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [
النساء:165 ] ، وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا
جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ المائدة:19 ] ،
والآيات في هذا كثيرة [ والله أعلم ] .
فَلَمَّا
جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ
مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ
تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ( 48 ) قُلْ
فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 49 )
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 50 )
يقول تعالى مخبرًا عن القوم
الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول:إنهم لما جاءهم
الحق من عنده على لسان محمد، صلوات الله وسلامه عليه قالوا على وجه التعنت والعناد
والكفر والجهل والإلحاد: ( لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا
أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ) ،
يعنون - والله أعلم - :من الآيات الكثيرة، مثل العصا واليد، والطوفان والجراد
والقمل والضفادع والدم، وتنقص الزروع والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق
البحر، وتظليل الغمام، وإنـزال المنِّ والسلوى، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة،
والحجج القاهرة، التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام، حجة وبراهين له على
فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى
وأخيه هارون، كما قالوا لهما: أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ
لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [ يونس:78 ] ، وقال
تعالى: فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [
المؤمنون:48 ] .ولهذا قال هاهنا: (
أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ )
أي:أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة. (
قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) ، أي تعاونا ، (
وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ) أي:بكل
منهما كافرون. ولشدة التلازم والتصاحب والمقارنة بين موسى وهارون، دلَّ ذكر أحدهما
على الآخر، كما قال الشاعر:
فمَـــا أدْري
إذَا يَمَّمْــتُ أرْضًــا أريـــدُ الخَــيْرَ أيهُمَــا يَلينــي
أي:فما أدري أيليني الخير أو
الشر. قال مجاهد بن جبر:أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم
ذلك، فقال الله: ( أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا
أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا )
قال:يعني موسى وهارون صلى الله عليه وسلم (
تَظَاهَرَا ) أي:تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر. وبهذا قال سعيد بن
جبير وأبو رَزِين في قوله: ( ساحِران )
يعنون:موسى وهارون. وهذا قول جيد قَويّ، والله أعلم.
وقال مسلم بن يَسَار، عن ابن
عباس ( قَالُوا ساحِرَانِ تَظَاهَرَا )
يعني:موسى ومحمدًا، صلوات الله وسلامه عليهما وهذا رواية عن الحسن البصري.
وقال الحسن وقتادة:يعني:عيسى
ومحمدًا، صلى الله عليهما وسلم، وهذا فيه بعد؛ لأن عيسى لم يجر له ذكر هاهنا،
والله أعلم.
وأما من قرأ (
سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ) ، فقال علي بن أبي طلحة
والعوفي، عن ابن عباس. يعنون:التوراة والقرآن. وكذا قال عاصم الجَنَديّ،
والسُّدِّيُّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال السدي:يعني صَدّق كل واحد منهما
الآخر.
وقال عكرمة:يعنون:التوراة
والإنجيل. وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير .
وقال الضحاك وقتادة:الإنجيل
والقرآن. والله سبحانه، أعلم بالصواب. والظاهر على قراءة: (
سِحْرَانِ ) أنهم يعنون:التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: ( قُلْ
فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ ) ،
وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى قُلْ مَنْ أَنْزَلَ
الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ إلى أن قال:
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ [
الأنعام:91 ، 92 ] ، وقال في آخر السورة: ثُمَّ
آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ، إلى أن قال:
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ [ الأنعام:155 ] ،
وقالت الجن: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ] [
الأحقاف:30 ] وقال ورقة بن نوفل:هذا الناموس الذي أنـزل [
الله ] على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله لم ينـزل
كتابًا من السماء فيما أنـزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا
أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو
القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنـزله على موسى بن عمران، عليه
السلام، وهو التوراة التي قال الله تعالى فيها: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ
فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [
المائدة:44 ] . والإنجيل إنما نـزل متمما للتوراة ومُحلا لبعض ما حُرّم
على بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: ( قُلْ
فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:فيما تدافعون به الحق
وتعارضون به من الباطل.
قال الله تعالى: (
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ) أي:فإن لم يجيبوك عما قلت لهم
ولم يتبعوا الحق ( فَاعْلَمْ أَنَّمَا
يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ) أي:بلا دليل ولا حجة (
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ )
أي:بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، ( إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .
وَلَقَدْ
وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 51 ) .
وقوله: ( وَلَقَدْ
وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) قال مجاهد:فصلنا لهم القول.
وقال السدي:بينا لهم القول.
وقال
قتادة:يقول تعالى:أخبَرَهم كيف صُنع بِمَنْ مضى وكيف هو صانع ، (
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) .
قال
مجاهد وغيره: ( وَصَّلْنَا لَهُمُ )
يعني:قريشا. وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن
جَعْدَة، عن رفاعة - رفاعة هذا هو ابن قَرَظَة القُرَظيّ، وجعله ابن منده:رفاعة بن
سموال، خال صفية بنت حيي، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن
بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير - قال:نـزلت (
وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ) في
عشرة أنا أحدهم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه .
الَّذِينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) وَإِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا
كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ( 53 )
أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 54 )
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا
وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ( 55 ) .
يخبر
تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى:
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة:121 ] ،
وقال: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [ آل
عمران:199 ] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا [
الإسراء:107، 108 ] ، وقال: وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى
ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
* وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [
المائدة:82 ، 83 ] .
قال سعيد
بن جبير:نـزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله
عليه وسلم قرأ عليهم: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ حتى ختمها، فجعلوا يبكون
وأسلموا، ونـزلت فيهم هذه الآية الأخرى: (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا
كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ )
يعني:من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي:موحدين مخلصين لله مستجيبين له.
قال
الله: ( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا
صَبَرُوا ) أي:هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم
بالثاني [ يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني ] ؛
ولهذا قال: ( بِمَا صَبَرُوا ) أي:على
اتباع الحق؛ فإنَّ تجشُّم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث
عامر الشعبي، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثة يُؤتَونَ أجْرهم
مَرّتَين:رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق
مواليه، ورَجُل كانت له أمَة فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوَّجها » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن إسحاق السَّيلَحيني، حدثنا ابن لَهِيعة، عن سليمان بن
عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:إني لتحتَ راحلة رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنًا جميلا وقال فيما قال: « مَنْ
أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [
ومَنْ أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا ] » .
وقوله (
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) أي:لا
يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. (
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) أي:ومن
الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خَلْق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم،
والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات، وصدقات النفل والقربات.
وقوله: (
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ) أي:لا
يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ
مَرُّوا كِرَامًا [ الفرقان:72 ] .
(
وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا
نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) أي:إذا سَفه عليهم سَفيه،
وكلمهم بما لا يَليقُ بهم الجوابُ عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام
القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب. ولهذا قال عنهم:إنهم قالوا: ( لَنَا
أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي
الْجَاهِلِينَ ) أي:لا نُريد طَريق الجاهلين
ولا نُحبّها.
قال محمد
بن إسحاق في السيرة:ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا
أو قريب من ذلك، من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه
وكلموه وساءلوه - ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة
رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت
أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم
في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش،
فقالوا لهم:خَيَّبَكُم الله مِنْ ركب. بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم
لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؛
ما نعلم ركبًا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا [ لهم
] سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم
عليه، لم نَألُ أنفسَنا خيرًا .
قال:ويقال:إن
النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أيّ ذلك كان .
قال:ويقال
- والله أعلم - إن فيهم نـزلت هذه الآيات: (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ) إلى
قوله: ( لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) .
قال:وقد
سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنـزلْن ، قال:ما زلتُ أسمع من علمائنا أنهن
أنـزلهن في النجاشي وأصحابه، رضي الله عنهم، والآيات التي في سورة المائدة: ذَلِكَ
بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا إلى قوله: فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ [ المائدة:82 ، 83 ]
إِنَّكَ
لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 )
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ
نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا
مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) .
يقول
تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه:إنك يا محمد (
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) أي:ليس
إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة
الدامغة، كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
مَنْ يَشَاءُ [ البقرة:272 ] ،
وقال: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [
يوسف:103 ] .
وهذه
الآية أخص من هذا كله؛ فإنه قال: (
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أي:هو
أعلم بِمَنْ يستحق الهداية بِمَنْ يستحق الغِوَاية، وقد ثبت في الصحيحين أنها
نـزلت في أبي طالب عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يَحوطُه وينصره،
ويقوم في صفه ويحبه حبًّا [ شديدا ]
طبعيًّا لا شرعيًّا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على
ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة.
قال
الزهري:حدثني سعيد بن المسَيَّب، عن أبيه - وهو المسيب بن حَزْن المخزومي، رضي
الله عنه - قال:لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد
عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « يا عم، قل:لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله » . فقال
أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية:يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل
رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر
ما قال:هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول:لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « أما لأستغفرن لك ما لم أنه
عنك » . فأنـزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ
آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [
التوبة:113 ] ، وأنـزل في أبي طالب: (
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
أخرجاه
من حديث الزهري . وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي، من حديث يزيد بن كَيْسَان،
عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَةَ قال:لما حَضَرَتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم فقال: « يا عماه، قل:لا إله إلا الله،
أشهد لك بها يوم القيامة » . فقال:لولا أن تُعَيّرني بها
قريش، يقولون:ما حمله عليه إلا جَزَع الموت، لأقرَرْتُ بها عينَك، لا أقولها إلا
لأقرَّ بها عينك. فأنـزل الله: ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ ) . وقال الترمذي:حسن غريب ، لا
نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان .
ورواه
الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القَطَّان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن
أبي هريرة، فذكره بنحوه .
وهكذا
قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة:إنها نـزلت في أبي طالب حين
عَرَضَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: « لا إله
إلا الله » فأبى عليه ذلك، وقال: أيْ ابن أخي، ملةَ الأشياخ. وكان آخر
ما قال:هو على ملة عبد المطلب.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان
بن خُثَيْم ، عن سعيد بن أبي راشد قال:كان رسول قيصر جاء إليَّ قال:كتب معي قيصر
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم
قال: « مِمَّنْ الرجل؟ » قلت:من
تنوخ . قال: « هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ » قلت:إني
رسول قوم، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى
أصحابه وقال : ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ
أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) .
وقوله: (
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) : [
يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم: ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى
مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) ] أي:نخشى
إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا مَنْ حولنا من أحياء العرب المشركين، أن
يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: (
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا )
يعني:هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين، وحَرَم معظم آمن
منذ وُضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد
أسلموا وتابعوا الحق؟.
وقوله: (
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أي:من
سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة ( رِزْقًا
مِنْ لَدُنَّا ) أي:من عندنا (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) فلهذا
قالوا ما قالوا.
وقد قال
النسائي:أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جُرَيْج، أخبرني ابن أبي
مُلَيْكة قال:قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس - ولم يسمعه منه - :أن الحارث بن عامر
بن نوفل الذي قال: ( إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى
مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ) .
وَكَمْ
أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ
تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ( 58 )
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا
ظَالِمُونَ ( 59 ) .
يقول تعالى مُعَرّضًا بأهل مكة
في قوله: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) أي:طغت
وأشرَت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية
الأخرى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ
ظَالِمُونَ [ النحل 112 ، 113 ] ولهذا
قال: ( فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ
إِلا قَلِيلا ) أي:دَثَرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم.
وقوله: (
وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) أي:رجعت خرابًا ليس فيها أحد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم [
هاهنا ] عن ابن مسعود أنه سمع كعبًا يقول لعمر:إن سليمان عليه
السلام قال للهامة - يعني البومة - ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت:لأنه أخرج آدم
بسببه من الجنة. قال:فما لك لا تشربين الماء؟ قالت:لأن الله أغرق قوم نوح به.
قال:فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت:لأنه ميراث الله عز وجل، ثم تلا (
وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) .
ثم قال الله مخبرًا عن عدله،
وأنه لا يهلك أحدًا ظالمًا له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا
قال: ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ
فِي أُمِّهَا ) وهي مكة ( رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِنَا ) . فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد، صلوات الله
وسلامه عليه ، المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عرب وأعجام، كما قال
تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [
الشورى:7 ] ، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الأعراف:158 ] ،
وقال: لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [
الأنعام:19 ] ، وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ
مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] .
وتمام الدليل [ قوله ] وَإِنْ
مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ
مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [ الإسراء:58
] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال: وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [
الإسراء:15 ] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه
مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه، صلوات الله وسلامه
عليه ، أنه قال: « بعثت إلى الأحمر والأسود » . ولهذا
ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار
إلى يوم القيامة.
وقيل:المراد بقوله: (
حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا ) أي:أصلها وعظيمتها، كأمهات الرساتيق
والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزيّ، وغيرهما، وليس ببعيد.
وَمَا
أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا
عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 60 )
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية
بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم
المقيم، كما قال: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [
النحل:96 ] ، وقال: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [ آل
عمران:198 ] ، وقال: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا
مَتَاعٌ [ الرعد:26 ] ،
وقال: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [
الأعلى:16 ، 17 ] ، وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « والله ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يَغْمِس أحدكم إصبعه في
اليم، فَلْينظُر ماذا يرجع إليه » .
[
وقوله ] : ( أَفَلا يَعْقِلُونَ )
أي:أفلا يعقل مَنْ يقدم الدنيا على الآخرة؟.
وقوله: (
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ )
:يقول:أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر
إليه لا محالة، كمَنْ هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة
الدنيا أيامًا قلائل، ( ثُمَّ هُوَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) قال
مجاهد، وقتادة:من المعذبين.
ثم قد
قيل:إنها نـزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل:في حمزة وعلي
وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك
المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: وَلَوْلا نِعْمَةُ
رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [
الصافات:57 ] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
لَمُحْضَرُونَ [ الصافات:158 ] .
وَيَوْمَ
يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 )
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا
أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا
يَعْبُدُونَ ( 63 )
وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 )
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 )
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ( 66 )
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ
الْمُفْلِحِينَ ( 67 ) .
يقول تعالى
مخبرًا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: (
أَيْنَ شُرَكَائي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ )
يعني:أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل
ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا
خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ
زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ
عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [
الأنعام:94 ] .
وقوله: ( قَالَ
الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ )
يعني:من الشياطين والمَرَدَة والدعاة إلى الكفر، (
رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا
تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ) ،
فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [
مريم:81 ، 82 ] ، وقال: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ
مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ
غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا
بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [ الأحقاف:5 ، 6 ] ، وقال
الخليل لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ
بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا
لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [ العنكبوت:25 ] ، وقال
الله : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا
الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ
أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ
يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ
مِنَ النَّارِ [ البقرة:166 ، 167 ] ،
ولهذا قال: ( وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ) [ أي ]
:ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، (
فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ )
أي:وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.
وقوله: ( لَوْ
أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ) أي:فودوا حين عاينوا العذاب
لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ
نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا
لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [
الكهف:52 ، 53 ] .
وقوله: (
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ )
:النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات:ماذا كان جوابكم للمرسلين
إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره:مَنْ ربك؟ ومَنْ نبيك؟
وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله. وأما
الكافر فيقول:هاه .. هاه. لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن
مَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: (
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ) .
وقال
مجاهد:فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب.
وقوله: (
فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) أي:في
الدنيا، ( فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ) أي:يوم
القيامة، و « عسى » من الله موجبة، فإن هذا واقع
بفضل الله ومَنّه لا محالة.
وَرَبُّكَ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 68 )
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 69 )
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ
وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 70 ) .
يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق
والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: (
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ) أي:ما
يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها
إليه.
وقوله: ( مَا
كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) نفي على أصح القولين، كقوله
تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [
الأحزاب:36 ] .
وقد اختار ابن جرير أن ( مَا ) هاهنا
بمعنى « الذي » ، تقديره:ويختار الذي لهم فيه
خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها
نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان
انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: (
سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي:من
الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.
ثم قال: (
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ )
أي:يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من
سائر الخلائق، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ
هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [
الرعد:10 ] .
وقوله: (
وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:هو
المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ( لَهُ
الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ ) أي:في
جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته (
وَلَهُ الْحُكْمُ ) أي:الذي لا معقب له، لقهره
وغلبته وحكمته ورحمته ، ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
أي:جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم
خافية في سائر الأعمال.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ
اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ
أَفَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) .
يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار،
اللذين لا قوَامَ لهم بدونهما. وبين أنه لو جعلَ الليلَ دائمًا عليهم سرمدًا إلى
يوم القيامة، لأضرّ ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ )
أي:تبصرون به وتستأنسون بسببه، (
أَفَلا تَسْمَعُونَ ) .
ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدًا دائمًا مستمرًّا إلى يوم
القيامة، لأضرَّ ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلَّت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا
قال: ( مَنْ
إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ) أي:تستريحون من حركاتكم
وأشغالكم . (
أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ ) أي:بكم (
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) أي:خلق هذا وهذا ( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) أي:في الليل ، ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) أي:في النهار بالأسفار
والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر.
وقوله: (
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
أي:تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه
بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ
شُكُورًا [
الفرقان:62 ] .
والآيات في هذا كثيرة .
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ
لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 75 ) .
وهذا أيضا نداء [ ثان ] على
سبيل التقريع والتوبيخ لِمَنْ عبد مع الله إلهًا آخر، يناديهم الرب - تبارك وتعالى
- على رؤوس الأشهاد فيقول: (
أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) أي:في الدار الدنيا.
(
وَنـزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) :قال مجاهد:يعني رسولا. ( فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ) أي:على صحة ما ادعيتموه من أن
لله شركاء، (
فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ) أي:لا إله غيره، أي:فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا، ( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يَفْتَرُونَ )
أي:ذهبوا فلم ينفعوهم.
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى
عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ
بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 )
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ
فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 77 ) .
قال
الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ
قَوْمِ مُوسَى ) ، قال:كان
ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن
حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جُرَيْج، وغيرهم:أنه كان ابن عم موسى، عليه
السلام .
قال ابن
جُرَيْج:هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث.
وزعم
محمد بن إسحاق بن يَسَار:أن قارون كان عمَّ موسى ، عليه السلام.
قال ابن
جرير:وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دِعَامة:كنا
نُحدّث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله
نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.
وقال
شَهْر بن حَوْشَب:زاد في ثيابه شبرًا طولا ترفعًا على قومه.
وقوله: ( وَآتَيْنَاهُ مِنَ
الْكُنُوزِ ) أي: [ من ] الأموال ( مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ
لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) أي:لَيُثقلُ حملُها الفئامَ من الناس لكثرتها.
قال الأعمش،
عن خَيْثَمَةَ:كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على
خزانة على حدته، فإذا ركب حُملت على ستين بغلا أغر محجلا. وقيل:غير ذلك، والله
أعلم.
وقوله: ( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) أي:وعظه فيما هو فيه صالح قومه، فقالوا على سبيل النصح
والإرشاد:لا تفرح بما أنت فيه، يعنون:لا تبطر بما أنت فيه من الأموال ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْفَرِحِينَ ) قال
ابن عباس:يعني المرحين. وقال مجاهد:يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله
على ما أعطاهم.
وقوله: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ
اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي:استعمل ما وهبك الله من
هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي
يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. ( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي:مما أباح الله فيها من
المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك
حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه.
( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ )
أي:أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك ( وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ ) أي:لا تكنْ همتك بما أنت فيه
أن تفسد به الأرض ، وتسيء إلى خلق الله ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) .
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ
يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه
إلى الخير ( قَالَ
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) أي:أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني
هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره:إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني
أهل له، وهذا كقوله تعالى: فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا
خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ [ الزمر:49 ] أي:على علم من الله بي،
وكقوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ
مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي [ فصلت:50 ] أي:هذا أستحقه.
وقد رُوي عن بعضهم أنه أراد: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلْمٍ عِنْدِي ) أي:إنه
كان يعاني علم الكيمياء:وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن
قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [ الحج:73 ] ، وفي الصحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: « يقول
الله تعالى:ومَنْ أظلم مِمَّنْ ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة » . وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون
بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَنْ يدعي أنه يحيل ماهية هذه
الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في
الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك
قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي
يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى من خَرْق العوائد
على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا
ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب
الأرض والسموات، واختياره وفعله، كما روي عن حَيْوة بن شُرَيح المصري، رحمه الله،
أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها
في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار [ في هذا ] كثيرة جدًّا يطول ذكرها.
وقال بعضهم:إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به،
فتموّل بسببه. والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى - رادًّا عليه فيما
ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال ( أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ
قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ) أي:قد كان من هو أكثر منه
مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛
ولهذا قال: ( وَلا
يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) أي:لكثرة ذنوبهم.
قال قتادة: ( عَلَى
عِلْمٍ عِنْدِي ) :على
خير عندي.
وقال السدي:على علم أني أهل لذلك.
وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم، فإنه قال في قوله: ( قَالَ
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) قال:لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال،
وقرأ (
أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ
مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) [ وهكذا يقول مَنْ قل علمه إذا
رأى مَنْ وسع الله عليه يقول:لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي ] .
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 79 ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا
يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ ( 80 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن قارون:إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة
عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه مَنْ يريد
الحياة الدنيا ويميل إلى زُخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي،
قالوا: ( يَا
لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) أي:ذو حظ وافر من الدنيا.
فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: ( وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحًا )
أي:جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون.
[ كما
في الحديث الصحيح:يقول الله تعالى:أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن
سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ
لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة:17 ] .
وقوله: ( وَلا
يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ )
:قال السدي:وما يلقى الجنة إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا
العلم. قال ابن جرير:وما يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون
في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعًا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل
وإخباره بذلك.
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ
مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ
( 81 ) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ
تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ( 82 )
لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه
وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح - عند البخاري
من حديث الزهري، عن سالم - أن أباه حدثه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به
، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة » .
ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم عن أبي هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه .
وقال الإمام أحمد:حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة
القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية ، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « بينا
رجل فيمَنْ كان قبلكم، خرج في بُرْدَيْن أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض
فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة » . تفرد به أحمد ، وإسناده حسن.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي:حدثنا أبو خَيْثَمَةَ،
حدثنا أبو معلى بن منصور ، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادًا النميري يحدث عن أنس
بن مالك، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينا رجل فيمن كان قبلكم خرج
في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة
» .
وقد ذكر [ الحافظ ] محمد بن المنذر - شكَّر - في كتاب
العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال:رأيت شابًّا في مسجد نجران، فجعلت
أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال:ما لك تنظر إلي؟ فقلت:أعجب من جمالك
وكمالك. فقال:إن الله ليعجب مني. قال:فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر،
فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب.
وقد ذُكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى عليه
السلام واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي:أن قارون أعطى امرأة بَغِيَّا مالا
على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب
الله، فتقول:يا موسى، إنك فعلت بي كذا وكذا. فلما قالت في الملأ ذلك لموسى عليه
السلام، أرْعِدَ من الفَرَق، وأقبل عليها وصلى ركعتين ثم قال:أنشدك بالله الذي
فَرَق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا و [ فعل ] كذا، لما أخبرتني بالذي حملك
على ما قلت؟ فقالت:أما إذ نَشَدْتَني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك،
وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خَرّ موسى لله عز وجل ساجدًا، وسأل الله في
قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن
تبتلعه وداره فكان ذلك.
وقيل:إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب
على البغال الشّهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصّبغة ، فمر في جَحْفَله
ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس
قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى عليه السلام،
وقال:ما حملك على ما صنعت؟ فقال:يا موسى، أما لئن كنت فُضِّلتَ عَلَيَّ بالنبوة،
فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لتخرجن، فلتدعون عليّ وأدعو عليك. فخرج وخرج
قارون في قومه، فقال موسى :تدعو أو أدعو أنا؟ قال:بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب
له، ثم قال موسى :أدعو؟ قال:نعم. فقال موسى:اللهم، مُر الأرض أن تطيعني اليوم.
فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى:يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم
قال:خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال:أقبلي بكنوزهم وأموالهم.
قال:فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال:اذهبوا بني لاوى فاستوت
بهم الأرض.
وعن ابن عباس أنه قال:خُسف بهم إلى الأرض السابعة.
وقال قتادة:ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم
يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة.
وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [ غريبة ] أضربنا عنها صفحًا.
وقوله: ( فَمَا
كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُنْتَصِرِينَ )
أي:ما أغنى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خدمه و [ لا ] حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة
الله وعذابه ونكاله [ به ] ، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له [ لا
] من نفسه، ولا من غيره.
وقوله تعالى: ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ ) أي:الذين لما رأوه في
زينته قالوا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: ( وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ )
أي:ليس المال بدالّ على رضا الله عن صاحبه [ وعن عباده ] ؛ فإن الله يعطي ويمنع،
ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث
المرفوع عن ابن مسعود: « إن
الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب،
ولا يعطي الإيمان إلا من يحب » .
(
لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ) أي:لولا لُطف الله بنا
وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف به، لأنا وَددْنا أن نكون مثله.
(
وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) يعنون:أنه كان كافرًا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في
الدنيا ولا في الآخرة.
وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ ها هنا ] : ( وَيْكَأَنَّ ) ، فقال بعضهم:معناها: « ويلك اعلم أن » ، ولكن خُفّفت فقيل: « ويك » ، ودلَّ فتح « أن » على حذف « اعلم » . وهذا القول ضعَّفه ابن
جرير ، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة « ويكأن » . والكتابة أمر وضعي
اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم.
وقيل:معناها:ويكأن، أي:ألم تر أن. قاله قتادة.
وقيل:معناها « وي كأن
» ،
ففصلها وجعل حرف « وي » للتعجب أو للتنبيه، و « كأن » بمعنى « أظن وأحسب » . قال ابن جرير:وأقوى
الأقوال في هذا قول قتادة:إنها بمعنى:ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر :
سَـــألَتَاني الطَّــلاق أنْ رَأتَــانــي قَــلّ
مَـالي, وقَـدْ جئْتُمَـاني بِنُكـر
وَيْكــأنْ مَــنْ يكُـن لـه نَشَـب يُـحْ بَـبْ ومـن
يَفْتقـر يَعش عَيشَ ضُـرّ
تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ
عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) .
يخبر
تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده
المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي:ترفعًا على خلق الله
وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم، ولا فسادًا فيهم. كما قال عكرمة:العلو:التجبر.
وقال
سعيد بن جبير:العلو:البغي.
وقال
سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين:العلو في الأرض:التكبر بغير حق.
والفساد:أخذ المال بغير حق.
وقال
ابن جُرَيْج: ( لا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ )
تعظمًا وتجبرًا ، ( وَلا
فَسَادًا )
:عملا بالمعاصي.
وقال
ابن جرير:حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان ، عن أبى سلام الأعرج، عن
علي قال:إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله:
( تِلْكَ
الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ
وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) .
وهذا
محمول على ما إذا أراد [ بذلك ] الفخر [ والتطاول ] على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما
ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه قال ] إنه أوحي إليّ أن
تواضَعُوا، حتى لا يفخَرَ أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد « ، وأما إذا أحب ذلك لمجرد
التجمّل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلا قال:يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي
حسنًا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: » لا إن الله جميل يحبّ الجمال « . »
وقال
: ( مَنْ
جَاءَ بِالْحَسَنَةِ )
أي:يوم القيامة (
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا )
أي:ثواب الله خير من حَسَنَة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة فهذا مقام
الفضل.
ثم
قال: (
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ،
كما قال في الآية الأخرى: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي
النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النمل:90 ] وهذا مقام
الفصل والعدل.
إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي
أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 )
وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ
رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ ( 86 ) وَلا
يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى
رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا
تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا
وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) .
يقول
تعالى آمرًا رسولَه، صلوات الله وسلامه عليه، ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على
الناس، ومخبرًا له بأنه سيرده إلى معاد، وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من
أعباء النبوة؛ ولهذا قال: ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أي:افترض
عليك أداءه إلى الناس ، ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) أي:إلى
يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ
إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [
الأعراف:6 ] ، وقال يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا
أُجِبْتُمْ [ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ
الْغُيُوبِ ] [ المائدة:109 ] [
وقال ] : وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [
الزمر:69 ] .
وقال
السدي عن أبي صالح، عن ابن عباس: ( إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) ،
يقول:لرادُّك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن. قال السدي:وقال أبو سعيد مثلها.
وقال
الحكم بن أَبان، عن عِكْرمِة ، [ و ] عن ابن
عباس، رضي الله عنهما: ( لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ )
قال:إلى يوم القيامة. ورواه مالك، عن الزهري.
وقال
الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس : (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) :إلى الموت.
ولهذا
طُرُقٌ عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وفي بعضها:لرادك إلى معدنك من الجنة.
وقال مجاهد:يحييك
يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي قَزَعَةَ، وأبي مالك،
وأبي صالح.
وقال
الحسن البصري:أي والله، إن له لمعادًا ، يبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة.
وقد رُوي
عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه :
حدثنا
محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العُصْفُريّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال:إلى مكة.
وهكذا
رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى - وهو ابن عبيد الطَّنَافِسيّ
- به . وهكذا روى العَوْفيّ، عن ابن عباس: ( لَرَادُّكَ
إِلَى مَعَادٍ ) أي:لرادك إلى مكة كما أخرجك
منها.
وقال
محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) :إلى مولدك بمكة.
قال ابن
أبي حاتم:وقد روى عن ابن عباس، ويحيى بن الجزار، وسعيد بن جبير، وعطية، والضحاك،
نحو ذلك.
[
وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال:قال سفيان:فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة، عن
الضحاك ] قال:لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ
الجُحْفَة، اشتاق إلى مكة، فأنـزل الله عليه: ( إِنَّ
الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) إلى
مكة.
وهذا من كلام
الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم.
وقد قال
عبد الرزاق:حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) قال:هذه مما كان ابن عباس
يكتمها، وقد رَوَى ابنُ أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: ( لَرَادُّكَ
إِلَى مَعَادٍ ) قال:إلى بيت المقدس.
وهذا -
والله أعلم - يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة؛ لأن بيت المقدس هو أرض المحشر
والمنشر، والله الموفق للصواب.
ووجه
الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي
هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجله، صلوات الله وسلامه عليه ، كما فسره ابن
عباس بسورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ
يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا أنه أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال:لا أعلم منها
غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: (
لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ) بالموت، وتارة بيوم القيامة
الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله
وإبلاغها إلى الثقلين:الجن والإنس، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، وأشرف
خلق الله على الإطلاق.
وقوله: ( قُلْ
رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي:قل
- لِمَنْ خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومَنْ تبعهم على كفرهم - قل:ربي
أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولِمَنْ تكون العاقبة
والنصرة في الدنيا والآخرة.
ثم قال
تعالى مذكِّرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: ( وَمَا
كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ ) أي:ما
كنت تظن قبل إنـزال الوحي إليك أن الوحي ينـزل عليك، ( إِلا
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أي:إنما نـزل الوحي عليك من
الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة ( فَلا
تَكُونَنَّ ظَهِيرًا ) أي:معينًا ( لِلْكَافِرِينَ
) [ أي ] :ولكن
فارقهم ونابذهم وخالفهم.
( وَلا
يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنـزلَتْ إِلَيْكَ ) أي:لا
تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله؛ فإن الله
مُعْلٍ كلمتك، ومؤيدٌ دينك، ومظهر ما أرسلت به على سائر الأديان؛ ولهذا قال: (
وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ) أي:إلى عبادة ربك وحده لا
شريك له، ( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وقوله: ( وَلا
تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:لا
تليق العبادة إلا له ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته.
وقوله: ( كُلُّ
شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ) :إخبار بأنه الدائم الباقي
الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا
فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [
الرحمن:26 ، 27 ] ، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا
قوله ها هنا: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا
وَجْهَهُ ) أي:إلا إياه.
وقد ثبت
في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« أصدق كلمة قالها شاعر [
كلمة ] لبيد:»
ألا كلُّ
شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ
وقال مجاهد
والثوري في قوله: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا
وَجْهَهُ ) أي:إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر
له.
قال ابن
جرير:ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:
أسْـتَغْفِرُ اللـهَ ذنبًـا لَسْـتُ مُحْصِيَـهُ رَبّ
العبَــاد, إلَيـه الوَجْـهُ والعَمَـلُ
وهذا
القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد
بها وجه الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن
كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل
شيء وبعد كل شيء.
قال أبو
بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب « التفكر
والاعتبار » :حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم،
حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال:كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد
قلبه، يأتي الخربة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول:أين أهلك؟ ثم يرجع إلى
نفسه فيقول: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ) .
وقوله: ( لَهُ
الْحُكْمُ ) أي:الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه، (
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي:يوم معادكم، فيجزيكم
بأعمالكم، إن كان خيرا فخير، وإن شرا فشر.
[
والله أعلم. آخر تفسير سورة « القصص » ]
تفسير سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم
[ وهي
] مكية.
الم ( 1 )
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
( 2 ) وَلَقَدْ
فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ( 3 ) أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ ( 4 ) .
أما
الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة « البقرة
» .
وقوله: (
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ )
استفهام إنكار، ومعناه:أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب
ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: « أشد الناس
بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان
في دينه صلابة زيد في البلاء » . وهذه الآية كقوله: أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ
جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل
عمران:142 ] ، ومثلها في سورة « براءة
» وقال في البقرة: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ
الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [
البقرة:214 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )
أي:الذين صدقوا في دعواهم الإيمان مِمَّنْ هو كاذب في قوله ودعواه. والله سبحانه
وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع عليه عند
أئمة السنة والجماعة؛ ولهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: إِلا لِنَعْلَمَ [
البقرة:143 ] :إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم
من الرؤية، فإنه [ يتعلق ]
بالمعدوم والموجود.
وقوله: ( أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ ) أي:لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من
هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطم؛
ولهذا قال: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ
يَسْبِقُونَا ) أي:يفوتونا، ( سَاءَ
مَا يَحْكُمُونَ ) أي:بئس ما يظنون.
مَنْ
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 5 )
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ ( 6 )
يقول تعالى: ( مَنْ
كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ) أي:في الدار الآخرة، وعمل
الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله
كاملا موفورا ، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات ؛
ولهذا قال: ( مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ
اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .
وقوله: (
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ) ،
كقوله: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [
فصلت:46 ] أي:من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله
غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل [
واحد ] منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئا؛ ولهذا قال: (
وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
الْعَالَمِينَ ) .
قال الحسن البصري:إن الرجل
ليجاهد، وما ضرب يوما من الدهر بسيف.
وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 7 ) .
ثم أخبر
أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبره بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا
الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما
كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: إِنَّ
اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا
وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [
النساء:40 ] ، وقال هاهنا: (
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ )
وَوَصَّيْنَا
الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي
الصَّالِحِينَ ( 9 ) .
يقول
تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن
الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق
والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا
إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ
لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [
الإسراء:23، 24 ] .
ومع هذه
الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: (
وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) أي:وإن
حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في
ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك
مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء
إنما يحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي:حبا دينيا؛ ولهذا قال: (
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي
الصَّالِحِينَ ) .
وقال
الترمذي عند تفسير هذه الآية:حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، حدثنا محمد بن
جعفر، حدثنا شعبة، عن سِمَاك بن حرب قال:سمعت مُصعَب بن سعد يحدث عن أبيه سعد،
قال:نـزلت فيَّ أربع آيات. فذكر قصة، وقالت أم سعد:أليس قد أمرك الله بالبر؟ والله
لا أطعَمُ طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال:فكانوا إذا أرادوا أن
يطعموها شَجَروا فاها، فأنـزل الله (
وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ ) الآية.
وهذا
الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي أيضا ، وقال الترمذي:حسن
صحيح.
وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ
فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ
لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي
صُدُورِ الْعَالَمِينَ ( 10 )
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ( 11 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن صفات قوم من [ المكذبين ] الذين
يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة
في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا
قال: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا
أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) .
قال ابن
عباس:يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف.
وهذه الآية كقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ
فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ
عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ
الْمُبِينُ [ الحج:11 ] .
ثم قال:
( وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا
كُنَّا مَعَكُمْ ) أي:ولئن جاء نصر قريب من ربك
- يا محمد - وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم:إنا كنا معكم، أي [ كنا
] إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ
بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ
وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [
النساء:141 ] ، وقال تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ
أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ
نَادِمِينَ [ المائدة:52 ] .
وقال
تعالى مخبرا عنهم هاهنا: ( وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ
رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) ، ثم
قال تعالى: ( أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ
الْعَالَمِينَ ) أي:أوليس الله بأعلم بما في
قلوبهم، وما تكنُّه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة؟
وقوله: (
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ )
أي:وليختبرَنّ الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، ومن يطيع الله
في الضراء والسراء، إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
أَخْبَارَكُمْ [ محمد:31 ] ، وقال
تعالى بعد وقعة أحد، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: مَا كَانَ
اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ
الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الآية [ آل
عمران:179 ] ، [ والله أعلم ] .
وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ
خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ
لَكَاذِبُونَ ( 12 )
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 13 ) .
يقول تعالى
مخبرا عن كفار قريش:أنهم قالوا لِمَنْ آمن منهم واتبع الهدى:ارجعوا عن دينكم إلى
ديننا، واتبعوا سبيلنا، ( وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ )
أي:وآثامكم - إن كانت لكم آثام في ذلك - علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: « افعل
هذا وخطيئتك في رقبتي » . قال الله تكذيبا لهم: ( وَمَا
هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ )
أي:فيما قالوه:إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، وَإِنْ
تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا
قُرْبَى [ فاطر:18 ] ، وقال
تعالى: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا * يُبَصَّرُونَهُمْ [
المعارج:10، 11 ] .
وقوله: (
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ) :إخبار
عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارًا
أخَر بسبب مَنْ أضلوا مِنَ الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا، كما قال
تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ
أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [
النحل:25 ] .
وفي
الصحيح: « من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم
القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، وَمَنْ دعا إلى ضلالة كان عليه مِنَ
الإثم مثل آثام مَنِ اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا » وفي
الصحيح: « ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛
لأنه أول من سَنّ القتل » .
وقوله: (
وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ )
أي:يكذبون ويختلقون من البهتان.
وقد ذكر
ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا
عثمان بن حفص بن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة، رضي
الله عنه، قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال: « إياكم
والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول:وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم! ثم ينادي
مناد فيقول:أين فلان ابن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس
إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي من
كانت له تِبَاعة - أو:ظُلامة - عند فلان ابن فلان، فهلمّ. فيقبلون حتى يجتمعوا
قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن:اقضوا عن عبدي. فيقولون:كيف نقضي عنه؟ فيقول
لهم:خذوا لهم من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من
أصحاب الظلامات، فيقول:اقضوا عن عبدي. فيقولون:لم يبق له حسنة. فيقول:خذوا من
سيئاتهم فاحملوها عليه » . ثم نـزع النبي صلى الله عليه
وسلم بهذه الآية الكريمة: ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ
وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا
كَانُوا يَفْتَرُونَ ) .
وهذا
الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة الثمالي،
عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كُحْل عينيه، وعن فتات
الطينة بإصبعيه ، فلا ألْفَيَنَّكَ تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك
» .
وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ
عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ( 14 )
هذه تسلية من الله تعالى لعبده
ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام:أنه مكث في قومه هذه
المدة يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، وسرا، وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا
فرارا عن الحق، وإعراضا عنه وتكذيبا له، وما آمن معه منهم إلا قليل؛ ولهذا قال: (
فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ
وَهُمْ ظَالِمُونَ ) أي:بعد هذه المدة الطويلة ما
نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت - يا محمد - لا تأسف على مَنْ كفر بك من قومك، ولا
تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي مَنْ يشاء ويضل مَنْ يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع
الأمور ، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ *
وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ [
يونس:96 ،97 ] ، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوّك، ويكبتهم
ويجعلهم أسفل السافلين.
قال حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد، عن يوسف بن ماهَك ، عن ابن عباس قال:بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه
ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس وفشوا.
وقال قتادة:يقال إن عمره كله [ كان
] ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة
سنة، ودعاهم ثلثمائة ولبث بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة.
وهذا قول غريب، وظاهر السياق من
الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.
وقال عون بن أبي شداد:إن الله
أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما،
ثم عاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة.
وهذا أيضا غريب، رواه ابن أبي
حاتم، وابن جرير، وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم.
وقال الثوري، عن سلمة بن
كُهَيْل، عن مجاهد قال:قال لي ابن عمر:كم لبث نوح في قومه؟ قال:قلت ألف سنة إلا
خمسين عاما. قال:فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى
يومك هذا.
فَأَنْجَيْنَاهُ
وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ ( 15 ) .
وقوله: (
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ )
أي:الذين آمنوا بنوح عليه السلام. وقد تقدَّم ذكر ذلك مفصلا في سورة « هود » ،
وتقدَّم تفسيره بما أغنى عن إعادته.
وقوله: (
وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ )
أي:وجعلنا تلك السفينة باقية، إما عينها كما قال قتادة:إنها بقيت إلى أول الإسلام
على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق، كيف نجاهم من
الطوفان، كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ *
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ * إِلا
رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [
يس:41- 44 ] ، وقال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ
فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ
[ الحاقة:11، 12 ] ، وقال
هاهنا: ( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا
آيَةً لِلْعَالَمِينَ ) ، وهذا من باب التدريج من
الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [
الملك:5 ] أي:وجعلنا نوعها، فإن التي يرمى بها ليست هي التي زينة
للسماء . وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ *
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [
المؤمنون:12، 13 ] ، ولهذا نظائر كثيرة.
وقال ابن
جرير:لو قيل:إنّ الضمير في قوله: (
وَجَعَلْنَاهَا ) ، عائد إلى العقوبة، لكان
وجهًا، والله أعلم.
وَإِبْرَاهِيمَ
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 )
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ
الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا
فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ ( 17 )
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ
إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 18 ) .
يخبر
تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء:أنه دعا قومه إلى عبادة الله
وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده
في الشكر ، فإنه المشكور على النعم، لا مُسْدٍ لها غيره، فقال لقومه: (
اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ) أي:أخلصوا له العبادة والخوف،
( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي:إذا
فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة.
ثم
أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان، لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم
لها أسماء، سميتموها آلهة، وإنما هي مخلوقة مثلكم. هكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وبه قال مجاهد، والسدي.
وروى
الوالبي ، عن ابن عباس:وتصنعون إفكا، أي:تنحتونها أصناما. وبه قال مجاهد - في
رواية - وعكرمة، والحسن، وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير، رحمه الله.
وهي لا
تملك لكم رزقا، ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ
الرِّزْقَ ) وهذا أبلغ في الحصر، كقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ [ الفاتحة:5 ] ،
رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [
التحريم:11 ] ، ولهذا قال: (
فَابْتَغُوا ) أي:فاطلبوا (
عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) أي:لا عند غيره، فإن غيره لا
يملك شيئا، ( وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ )
أي:كلوا من رزقه واعبدوه وحده ، واشكروا له على ما أنعم به عليكم، (
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي:يوم القيامة، فيجازي كل
عامل بعمله.
وقوله: (
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ )
أي:فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، ( وَمَا
عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ )
يعني:إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى به من الرسالة، والله يضل مَنْ
يشاء ويهدي مَنْ يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن تكونوا من السعداء.
وقال
قتادة في قوله: ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ
كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) قال:يُعزي نبيه صلى الله عليه
وسلم. وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول، واعترض بهذا إلى قوله: ( فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) . وهكذا نص على ذلك ابن جرير
أيضا .
والظاهر
من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل، عليه السلام [
لقومه ] يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: ( فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) ، والله أعلم.
أَوَلَمْ
يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ ( 19 ) قُلْ
سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ
النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ( 21 )
وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 22 )
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ
رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 23 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن الخليل
عليه السلام، أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم
من خلق الله إياهم، بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين
مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته؛ فإنه سهل عليه يسير لديه.
ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في
الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء:السموات وما فيها من الكواكب
النيرة:الثوابت، والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبرارٍ
وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود
صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء:كن، فيكون؛ ولهذا قال: (
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) ، كقوله: وَهُوَ الَّذِي
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [
الروم:27 ] .
ثم قال تعالى: ( قُلْ
سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ
النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) أي:يوم القيامة، ( إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) . وهذا
المقام شبيه بقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [
فصلت:53 ] ، وكقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ
هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ
[ الطور:35، 36 ] .
وقوله: (
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ) أي:هو الحاكم
المتصرف، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل
وهم يسألون، فله الخلق والأمر، مهما فعل فَعَدْلٌ؛ لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال
ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: « إن
الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم » . ولهذا
قال تعالى: ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ) أي:ترجعون يوم القيامة.
وقوله: ( وَمَا
أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ) أي:لا
يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير
إليه، وهو الغني عما سواه.
( وَمَا
لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ ) أي:جحدوها وكفروا بالمعاد، (
أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ) أي:لا
نصيب لهم فيها، ( وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) أي:موجع في الدنيا والآخرة.
فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ
اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 24 )
وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ
بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ
بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا
لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 25 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم الحق بالباطل:أنه
ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان، ( إِلا
أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ ) ، وذلك
لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة
ملكهم، قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا
بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ [
الصافات:97، 98 ] ، وذلك أنهم حَشَدوا في جمع
أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحَوّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى
عَنَان السماء:ولم توقد نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في
كفَّة المنجنيق، ثم قذفوا به فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما
بعد ما مكث فيها أياما. ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما. فإنه بذل نفسه
للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على
محبته جميع أهل الأديان.
وقوله: (
فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ )
أي:سَلَّمه [ الله ] منها، بأن جعلها عليه بردا
وسلاما، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقَالَ
إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول لقومه مقرِّعا لهم
وموبخا على سوء صنيعهم، في عبادتهم الأوثان:إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها
في الدنيا، صداقة وألفة منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا. وهذا على قراءة من نصب
( مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ) ، على
أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع فمعناه:إنما اتخاذكم هذا يُحَصّل لكم المودة
في الدنيا فقط ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ينعكس
هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بَغْضَة وشنآنا، فـ (
يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ) أي:تتجاحدون ما كان بينكم، (
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) أي:يلعن الأتباع المتبوعين،
والمتبوعون الأتباع، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [
الأعراف:38 ] ، وقال تعالى: الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف:67 ] ، وقال
هاهنا ( ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ
وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ
نَاصِرِينَ ) أي:ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما لكم
من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله. وهذا حال الكافرين، فأما المؤمنون
فبخلاف ذلك.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي حدثنا أبو عاصم الثقفي [
حدثنا ] الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هُبَيْرة المخزومي،
عن أبيه، عن جده عن أم هانئ - أخت علي بن أبي طالب - قالت:قال لي النبي صلى الله
عليه وسلم: « أخبرِك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في
صعيد واحد، فَمَنْ يدري أين الطرفان » ، فقالت
الله ورسوله أعلم . « ثم ينادي مناد من تحت
العرش:يا أهل التوحيد، فيشرئبون » قال أبو
عاصم:يرفعون رؤوسهم . « ثم ينادي:يا أهل التوحيد، ثم
ينادي الثالثة:يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم » قال: « فيقول
الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظُلامات الدنيا - يعني:المظالم - ثم ينادي:يا أهل
التوحيد، ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب » .
فَآمَنَ
لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 26 )
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ
النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن إبراهيم:أنه آمن له لوط، يقال:إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو:لوط
بن هاران بن آزر، يعني:ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة [
إبراهيم ] الخليل. لكن يقال:كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث
الوارد في الصحيح :أن إبراهيم حين مَرّ على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة:ما
هي منه؟ فقال: [ هي ] أختي،
ثم جاء إليها فقال لها:إني قد قلت له: «
إنك:أختي » ، فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض [ أحد
] مؤمن غيرك وغيري ، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا
- والله أعلم - أنه ليس على وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا
عليه السلام، آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسِل في حياة الخليل
إلى أهل « سَدوم » وإقليمها، وكان من أمرهم ما
تقدم وما سيأتي.
وقوله: (
وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ) يحتمل
عود الضمير في قوله: ( وَقَالَ ) ، على
لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم - قال ابن عباس، والضحاك:وهو
المكنى عنه بقوله: ( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) أي:من
قومه.
ثم أخبر
عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك؛ ولهذا
قال: ( إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ ) أي:له
العزة ولرسوله وللمؤمنين به، ( الْحَكِيمُ ) في
أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.
وقال
قتادة:هاجرا جميعا من « كوثى » ، وهي
من سواد الكوفة إلى الشام. قال:وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنها
ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مُهَاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار
أهلها، حتى تلفظهم أرضهم وتقذرُهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير،
تبيت معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم » .
وقد أسند
الإمام أحمد هذا الحديث، فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال
:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، عن شَهْر بن حَوْشَب قال:لما جاءتنا
بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البِكَالي، فجئته؛ إذ جاء
رجل، فانتبذَ الناس وعليه خَمِيصة، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه
نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إنها
ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مُهَاجرَ إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا
شرار أهلها، فتلفظهم أرضوهم، تقْذَرهم نفسُ الرحمن، تحشرهم النار مع القردة
والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتأكل منهم من تَخَلَّف
» . قال:وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « سيخرج
أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تَرَاقِيهم، كلما خرج منهم
قرن قُطع، كلما خرج منهم قرن قطع » حتى
عَدّها زيادة على عشرين مرة « كلما خرج منهم قرن قطع، حتى
يخرج الدجال في بقيتهم » .
ورواه
أحمد عن أبي داود، وعبد الصمد، كلاهما عن هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به
وقد رواه
أبو داود في سننه، فقال في كتاب الجهاد، باب ما جاء في سكنى الشام:
حدثنا
عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني [ أبي
] ، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال:سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ستكون
هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار
أهلها تلفظهم أرضهم وتَقْذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير » .
وقال
الإمام أحمد أيضا:حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّة، عن شهر بن
حوشب قال:سمعت عبد الله بن عُمَر يقول لقد رأيتُنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق
من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخِرَة الآن، والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من
أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لئن
أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم
الله مذلَّة في أعناقكم، ثم لا تنـزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا
إلى الله عز وجل » . وسمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: « لتكونن هجرة بعد هجرة إلى
مُهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها وتلفظهم أرضوهم،
وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون ، وتبيت
حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها » . ولقد سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: « يخرج من أمتي قوم يسيئون
الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم - قال يزيد:لا أعلمه إلا قال - يحقر
أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم،
ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. كلما طلع منهم قرن
قَطعَه الله » . فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة، أو
أكثر، وأنا أسمع .
وقال
الحافظ أبو بكر البيهقي:أخبرنا أبو الحُسَيْن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر،
حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان
قالا حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع - وقال أبو النضر، عمن حدَّثه،
عن نافع - عن عبد الله بن عمر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سيهاجر
أهل الأرض هجرة بعد هجرة، إلى مهاجَر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم
الأرضون وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث
باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم » .
غريب من حديث
نافع. والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.
وقوله: (
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) ،
كقوله تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا [
مريم:49 ] أي:إنه لما فارق قومَه أقرّ الله عينه بوجود ولد صالح نبي [
وولد له ولد صالح ] في حياة جده. وكذلك قال الله:
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً [
الأنبياء:72 ] أي:زيادة، كما قال: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ
وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ أي:ويولَد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقر به
أعينكما. وكون يعقوب ولد لإسحاق نص عليه القرآن، وثبتت به السنة النبوية، قال
الله: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ
لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ
آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ [ البقرة:133 ] ، وفي
الصحيحين: « إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابن الكريم يوسفُ بنُ
يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم » .
فأما ما
رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: (
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [
نَافِلَةً ] ) ، قال: « هما
ولدا إبراهيم » . فمعناه:أن ولد الولد بمنـزلة
الولد؛ فإن هذا أمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس.
وقوله: (
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) ، هذه
خِلْعَة سَنية عظيمة، مع اتخاذ الله إياه خليلا وجعله للناس إماما، أن جعل في
ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم عليه السلام، إلا وهو من سلالته،
فجميع أنبياء بني إسرائيل من سُلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم
عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشرا بالنبي العربي القرشي الهاشمي، خاتم الرسل على
الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب
العَرْباء، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم، عليهم السلام:ولم يوجد نبي من سلالة
إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام [ من
الله تعالى ] .
وقوله: (
وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ
الصَّالِحِينَ ) أي:جمع الله له بين سعادة
الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهنيَّ والمنـزل
الرَّحْب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن،
فكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، مع القيام بطاعة
الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [
النجم:37 ] ، أي:قام بجميع ما أمر به، وكمل طاعة ربه؛ ولهذا قال تعالى:
( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) ، كما قال تعالى: إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ
لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ النحل:120- 122 ] .
وَلُوطًا
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ( 28 )
أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي
نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا
بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 29 ) قَالَ
رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ( 30 )
يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط
عليه السلام، إنه أنكر على قومه سُوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال،
في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم.
وكانوا مع هذا يكفرون بالله، ويكذّبون رسوله ويخالفونه ويقطعون السبيل، أي:يقفون
في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم، (
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ )
أي:يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر
بعضهم على بعض شيئًا من ذلك، فمن قائل:كانوا يأتون بعضهم بعضا في الملأ قاله
مجاهد. ومن قائل:كانوا يتضارطون ويتضاحكون؛ قالته عائشة، رضي الله عنها، والقاسم.
ومن قائل:كانوا يناطحون بين الكباش، ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك كان يصدر عنهم،
وكانوا شرًا من ذلك.
وقال الإمام أحمد:حدثنا حماد بن
أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سِمَاك بن حرب، عن أبي صالح - مولى أم
هانئ - عن أم هانئ قالت:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله عز وجل: (
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) ، قال:
« يحذفون أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا
يأتونه » .
ورواه الترمذي، وابن جرير، وابن
أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة عن أبي يونس القُشَيري، حاتم بن أبي
صَغِيرة به . ثم قال الترمذي:هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة
عن سِمَاك.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن
بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم ، عن مجاهد: (
وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ )
قال:الصفير، ولعب الحمام والجُلاهق، والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء.
وقوله: ( فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ
مِنَ الصَّادِقِينَ ) ، وهذا من كفرهم واستهزائهم
وعنادهم؛ ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: ( رَبِّ
انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) .
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا
ظَالِمِينَ ( 31 ) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا
قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا
امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 32 )
وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا
وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ
كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 33 ) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى
أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 34 ) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا
آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 35 ) .
لما استنصر لوط عليه السلام، الله عليهم، بعث الله لنصرته
ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام، في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف،
فلما رأى أنه لا همَّة لهم إلى الطعام نَكِرَهم، وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه
ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة - وكانت حاضرة - فتعجبت من ذلك، كما تقدم
بيانه في سورة « هود » و « الحجر » . فلما جاءت إبراهيم بالبشرى،
وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنظَرون، لعل الله أن
يهديهم، ولما قالوا: (
إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ) ، ( قَالَ
إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ
وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) أي:من الهالكين؛ لأنها كانت
تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم. ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب
حسان، فلما رآهم كذلك ، ( سِيءَ
بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا )
أي:اهتمَّ بأمرهم، إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم،
ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. ( قَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ
وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنـزلُونَ
عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا
يَفْسُقُونَ ) ، وذلك
أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عَنَان السماء، ثم
قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من
الظالمين ببعيد، وجعل [
الله ] مكانها
بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد , وهم من أشد الناس عذابا يوم
المعاد؛ ولهذا قال تعالى: (
وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً ) أي:واضحة، ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ، كَمَا قَالَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ
مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات:137، 138 ] .
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ
اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ
مُفْسِدِينَ ( 36 ) فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( 37 ) .
يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه
أهل مَدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته
وسطوته يوم القيامة، فقال: ( يَا
قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ ) .
قال ابن جرير:قال بعضهم:معناه:واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله
تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [ الممتحنة:6 ] .
ثم نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وهو السعي فيها والبغي
على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس،
هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة
أخرجت القلوب من حناجرها . وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان
عذاب يوم عظيم. وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة « الأعراف، وهود، والشعراء » .
وقوله: (
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) ، قال قتادة:ميتين. وقال غيره:قد ألقي بعضهم على بعض.
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ
مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 )
يخبر
تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، فأخذهم بالانتقام
منهم، فعاد قوم هود، وكانوا يسكنون الأحقاف وهي قريبة من حضرموت بلاد اليمن، وثمود
قوم صالح، وكانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهما
جيدا، وتمر عليها كثيرًا.
وَقَارُونَ
وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ( 39 )
فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ
وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 40 ) .
وقارون
صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة. وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره
هامان القبطيان الكافران بالله ورسوله .
(
فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) أي:كانت عقوبته بما يناسبه ،
( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ، وهم
عاد، وذلك أنهم قالوا:مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد،
عاتية شديدة الهبوب جدا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض
فترفع الرجل منهم إلى عَنَان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى بدنًا بلا
رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر . ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ ) ، وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة، من تلك
الناقة التي انفلقت عنها الصخرة، مثل ما سألوا سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل
استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحا ومَنْ آمن معه، وتوعَّدوهُم
بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات. (
وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ ) ، وهو
قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه
بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو
يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا
) ، وهم فرعون ووزيره هامان، وجنوده عن آخرهم، أغرقوا في
صبيحة واحدة، فلم ينج منهم مخبر، ( وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) أي:فيما فعل بهم، (
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
أي:إنما فعل ذلك بهم جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم.
وهذا
الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة،
ثم قال: ( فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ) [
الآية ] ، أي:من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهتُ على هذا لأنه قد روي
أن ابن جريج قال:قال ابن عباس في قوله: (
فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ) ،
قال:قوم لوط. ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا
) ، قال:قوم نوح.
وهذا
منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جُرْيَج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم
نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنـزال الرجز من السماء، وطال السياقُ والفصلُ بين ذلك
وبين هذا السياق.
وقال
قتادة: ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا )
قال:قوم لوط ، ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ ) ، قوم شعيب. وهذا بعيد أيضا لما تقدم، والله أعلم.
مَثَلُ
الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 42 )
وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ
( 43 )
هذا مثل
ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم،
ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه فليس في أيدي
هؤلاء من آلهتهم إلا كمَنْ يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئا، فلو
عَلموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه
لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام
لها، لقوتها وثباتها.
ثم قال
تعالى متوعدا لِمَنْ عبد غيره وأشرك به:إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال،
ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.
ثم قال
تعالى: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا
يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) أي:وما يفهمها ويتدبرها إلا
الراسخون في العلم المتضلعون منه.
قال
الإمام أحمد:حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لَهِيعة، عن أبي قَبِيل ، عن عمرو بن
العاص، رضي الله عنه، قال:عَقَلْتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل .
وهذه
منقبة عظيمة لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - حيث يقول [
الله ] تعالى: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن
سنان، عن عمرو بن مرة قال:ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني
سمعت الله تعالى يقول: ( وَتِلْكَ الأمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) .
خَلَقَ
اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً
لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 )
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ
تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( 45 ) .
يقول تعالى [
مخبرا ] عن قدرته العظيمة:أنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني:لا
على وجه العبث واللعب، لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى [
طه:15 ] ، لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [
النجم:31 ] .
وقوله: ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ )
أي:لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية.
ثم قال تعالى آمرا رسوله
والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس: (
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ ) يعني:أن الصلاة تشتمل على
شيئين:على ترك الفواحش والمنكرات، أي:إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في
الحديث من رواية عمران، وابن عباس مرفوعا: « مَنْ
لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا » .
[ ذكر
الآثار الواردة في ذلك ] :
قال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن
هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي
عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين قال:سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول
الله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) قال: « مَنْ
لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له » .
وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا
يحيى بن أبي طلحة اليربوعي حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ لم
تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا » . ورواه
الطبراني من حديث أبي معاوية .
وقال ابن جرير:حدثنا القاسم،
حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن
عباس في قوله: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )
قال:فَمَنْ لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا
بعدا. فهذا موقوف
. قال ابن جرير:وحدثنا القاسم،
حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود،
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا
صلاة لِمَنْ لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر » .
قال:وقال سفيان: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [
هود:87 ] قال:فقال سفيان:أي والله، تأمره وتنهاه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم - وقال أبو خالد مَرَّة:عن عبد الله - : « لا
صلاة لِمَنْ لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر » .
والموقوف أصح، كما رواه الأعمش،
عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال:قيل لعبد الله:إن فلانا يطيل
الصلاة؟ قال:إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها .
وقال ابن جرير:قال علي:حدثنا
إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صلى
صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بُعْدا » .
والأصح في هذا كله الموقوفات عن
ابن مسعود، وابن عباس، والحسن وقتادة، والأعمش وغيرهم، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر
البزار:حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير - يعني ابن عبد الحميد - عن الأعمش، عن أبي
صالح قال:أراه عن جابر - شك الأعمش - قال:قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:إن
فلانا يصلي فإذا أصبح سرق، قال: « سينهاه ما يقول » .
وحدثنا محمد بن موسى الحَرشي
حدثنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش عن أبي صالح، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه
وسلم بنحوه - ولم يشك - ثم قال:وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش واختلفوا
في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو غيره، وقال
قيس عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقال جرير وزياد:عن عبد الله، عن الأعمش،
عن أبي صالح، عن جابر.
وقال الإمام أحمد:حدثنا وَكِيع،
حدثنا الأعمش قال:أنبأنا أبو صالح عن أبي هريرة قال:جاء رجل إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال:إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق؟ فقال: « إنه
سينهاه ما يقول » .
وتشتمل الصلاة أيضا على ذكر
الله تعالى، وهو المطلوب الأكبر؛ ولهذا قال تعالى: (
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) أي:أعظم من الأول، (
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )
أي:يعلم جميع أقوالكم وأعمالكم.
وقال أبو العالية في قوله: ( إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) ،
قال:إن الصلاة فيها ثلاث خصال فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست
بصلاة:الإخلاص، والخشية، وذكر الله. فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن
المنكر، وذكر القرآن يأمره وينهاه.
وقال ابن عَوْن الأنصاري:إذا
كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر
الله أكبر.
وقال حماد بن أبي سليمان: ( إِنَّ
الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )
يعني:ما دمت فيها.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس في قوله: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
) ، يقول:ولذكر الله لعباده أكبر، إذا ذكروه من ذكرهم إياه.
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس.
وبه قال مجاهد، وغيره.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن رجل، عن ابن عباس: (
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) قال:ذكر الله عند طعامك وعند
منامك. قلت:فإن صاحبًا لي في المنـزل يقول غير الذي تقول:قال:وأي شيء يقول؟
قلت:قال:يقول الله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [
البقرة:152 ] ، فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه. قال:صدق.
قال:وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي،
حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قوله: (
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) قال:لها وجهان، قال:ذكر الله
عندما حرمه، قال:وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.
وقال ابن جرير:حدثني يعقوب بن
إبراهيم، حدَّثنا هُشَيْم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال:قال
لي ابن عباس:هل تدري ما قوله تعالى: (
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) ؟ قال:قلت:نعم. قال:فما هو؟
قلت:التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن، ونحو ذلك. قال:لقد قلت
قولا عجبًا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول:ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه
إذا ذكرتموه، أكبر من ذكركم إياه .
وقد روي هذا من غير وجه عن ابن
عباس. وروي أيضا عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وغيرهم. واختاره ابن
جرير.