الجزء 21
وَلا
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ
ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) .
قال
قتادة وغير واحد:هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو
الإسلام أو الجزية أو السيف.
وقال
آخرون:بل هي باقية أو محكمة لِمَنْ أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي
أحسن، ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [
النحل:125 ] ، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: فَقُولا
لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [
طه:44 ] . وهذا القول اختاره ابن جرير ، وحكاه عن ابن زيد.
وقوله: ( إِلا
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) أي:حادوا عن وجه الحق ،
وعَمُوا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد،
ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم، قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحديد:25 ] .
قال
جابر:أمرْنَا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف.
قال
مجاهد: ( إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ )
يعني:أهل الحرب، وَمَنِ امتنع منهم عن أداء الجزية.
وقوله: (
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنـزلَ إِلَيْنَا وَأُنـزلَ إِلَيْكُمْ ) ،
يعني:إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نُقدم على تكذيبه لأنه قد
يكون حقا، ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلا ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا
على شرط وهو أن يكون منـزلا لا مبدلا ولا مؤولا.
وقال
البخاري، رحمه الله:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن
المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال:كان
أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا
تكذبوهم، وقولوا:آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد،
ونحن له مسلمون » . وهذا الحديث تفرَّد به
البخاري .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة
أن أبا نَمْلَةَ الأنصاري أخبره، أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم، جاءه رجل من اليهود، فقال:يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « الله أعلم » . قال
اليهودي:أنا أشهد أنها تتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا:آمنا بالله ورسله وكتبه، فإن
كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم »
قلت:وأبو
نَمْلَةَ هذا هو:عُمَارة. وقيل:عمار. وقيل:عمرو بن معاذ بن زُرَارة الأنصاري، رضي
الله عنه.
ثم ليعلم
أن أكثر ما يُحدّثون به غالبُه كذب وبهتان؛ لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير
وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا.
قال ابن
جرير:حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة
بن عمير، عن حُرَيْث بن ظهير، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال:لا تسألوا أهل
الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل،
فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية، تدعوه إلى دينه كتالية المال .
وقال
البخاري:حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد
الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال:كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي
أنـزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرؤونه محضا لم يُشَب، وقد حدَثَكم أن
أهل الكتاب بدَّلوا كتاب الله، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا:هو من عند
الله، ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله
ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنـزل عليكم .
وقال
البخاري:وقال أبو اليمان:أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حُمَيد بن عبد الرحمن:أنه
سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة - وذكرَ كعبَ الأحبار - فقال:إن كان من
أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب
.
قلت:معناه
أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد؛ لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها
أشياء موضوعة ومكذوبة؛ لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع
ذلك وقرب العهد وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة، لا يعلمها إلا الله ومن منحه الله
علما بذلك، كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.
وَكَذَلِكَ
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ
بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا
الْكَافِرُونَ ( 47 ) وَمَا
كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا
لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ
هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ
بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ( 49 ) .
قال ابن
جرير:يقول الله تعالى:كما أنـزلنا الكُتُب على مَنْ قبلك - يا محمد - من الرسل،
كذلك أنـزلنا إليك هذا الكتاب.
وهذا
الذي قاله حسن ومناسبة وارتباط جيد.
وقوله: (
فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي:الذين
أخذوه فتلَوْه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، كعبد الله بن سلام، وسلمان
الفارسي، وأشباههما.
وقوله: (
وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ) ، يعني
العرب من قريش وغيرهم، ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا
إِلا الْكَافِرُونَ ) ، أي:ما يكذب بها ويجحد حقها
إلا مَنْ يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل، وهيهات.
ثم قال
تعالى: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا
تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) ، أي:قد لبثت في قومك - يا
محمد - ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل
أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب . وهكذا صفته في الكتب
المتقدمة، كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ الآية
[ الأعراف:157 ] .
وهكذا كان، صلوات الله وسلامه عليه [
دائما أبدا ] إلى يوم القيامة ، لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا
بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من
متأخري الفقهاء، كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام ، كتب يوم
الحديبية: « هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله » فإنما
حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: « ثم أخذ
فكتب » :وهذه محمولة على الرواية الأخرى: « ثم أمر
فكتب » . ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال
بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم:وإنما أراد
الرجل - أعني الباجي، فيما يظهر عنه - أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان
يحسن الكتابة، كما قال، عليه الصلاة والسلام إخبارا عن الدجال: « مكتوب
بين عينيه كافر » وفي رواية: « ك ف ر،
يقرؤها كل مؤمن » ، وما أورده بعضهم من الحديث
أنه لم يمت، عليه السلام حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له؛ قال الله تعالى: ( وَمَا
كُنْتَ تَتْلُو ) أي:تقرأ ( مِنْ
قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ) لتأكيد النفي، ( وَلا
تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) تأكيد أيضا، وخرج مخرج
الغالب، كقوله تعالى: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [
الأنعام:38 ] .
وقوله: ( إِذًا
لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) أي:لو كنت تحسنها لارتاب بعض
الجهلة من الناس فيقول:إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم
قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ
اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا [
الفرقان:5 ] ،قال الله تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ
السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [
الفرقان:6 ] ، وقال هاهنا: ( بَلْ
هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) أي: [ هذا
] القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا
وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا، كما قال
تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [
القمر:17 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
مِنْ نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه
الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » .
وفي حديث
عياض بن حمار ، في صحيح مسلم: « يقول الله تعالى:إني مبتليك
ومبتل بك، ومنـزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان » . أي:لو
غسل الماء المحلَّ المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، كما جاء في الحديث الآخر:
« لو كان القرآن في إهاب، ما أحرقته النار » ، لأنه
محفوظ في الصدور، ميسر على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظًا ومعنى؛ ولهذا
جاء في الكتب المتقدمة، في صفة هذه الأمة: «
أناجيلهم في صدورهم » .
واختار
ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: ( بَلْ
هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ) ، بل
العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا تخطه بيمينك، آيات بينات في
صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب . ونقله عن قتادة، وابن جريج. وحكى الأول عن
الحسن [ البصري ] فقط.
قلت:وهو
الذي رواه العوفي عن عبد الله بن عباس، وقاله الضحاك، وهو الأظهر، والله أعلم.
وقوله: ( وَمَا
يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ ) أي:ما
يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي:المعتدون المكابرون، الذين يعلمون
الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا
الْعَذَابَ الألِيمَ [ يونس:96، 97 ] .
وَقَالُوا
لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ
اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 )
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 51 ) قُلْ
كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ ( 52 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين
في تعنتهم وطلبهم آيات - يعنون - ترشدهم إلى أن محمدا رسول الله كما جاء صالح
بناقته، قال الله تعالى: ( قُلْ ) يا
محمد: ( إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ ) أي:إنما
أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه،
يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما
قال تعالى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا
الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [
الإسراء:59 ] .
وقوله: (
وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ )
أي:إنما بعثت نذيرًا لكم بَيِّنَ النذارة فَعَليَّ أن أبلغكم رسالة الله و مَنْ
يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا
مُرْشِدًا [ الكهف:17 ] ، وقال
تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [
البقرة:272 ] .
ثم قال تعالى مبينا كثرة جهلهم،
وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد فيما جاءهم [ به ] - وقد
جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنـزيل من
حكيم حميد، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن
معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه - فقال تعالى: (
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ )
أي:أولم يكفهم آية أنا أنـزلنا عليك هذا الكتاب العظيم، الذي فيه خبر ما قبلهم،
ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا من
أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه،
وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ
يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [
الشعراء:197 ] ، وقال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ
رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [
طه:133 ] .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حجاج،
حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من الأنبياء من نبي إلا قد
أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله
إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة » .
أخرجاه من حديث الليث .
وقال الله تعالى: ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي:إن
في هذا القرآن: ( لَرَحْمَةً )
أي:بيانًا للحق، وإزاحة للباطل و (
ذِكْرَى ) بما فيه حلول النقمات ونـزول العقاب بالمكذبين والعاصين، (
لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
ثم قال تعالى:قل: ( كَفَى
بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ) أي:هو
أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه، بأنه أرسلني،
فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ
الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [
الحاقة:44- 47 ] ، وإنما أنا صادق عليه فيما
أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات.
(
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) [ أي ] :لا
تخفى عليه خافية.
(
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ ) أي:يوم معادهم سيجزيهم على ما
فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله
مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم على ذلك،
إنه حكيم عليم.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 )
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ( 54 )
يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 ) .
يقول تعالى
مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن يحل
عليهم، كما قال تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ
مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال:32 ] ، وقال
هاهنا: ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ
مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ )
أي:لولا ما حَتَّم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا
سريعا كما استعجلوه.
ثم قال:
( وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً )
أي:فجأة ، ( وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ )
أي:يستعجلون بالعذاب، وهو واقع بهم لا محالة.
قال
شعبة، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة قال في قوله: (
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ،
قال:البحر.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين. حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي عن
مجالد، عن الشعبي؛ أنه سمع ابن عباس يقول: (
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) :وجهنم
هو هذا البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتُكور فيه الشمس والقمر، ثم يستوقد
فيكون هو جهنم.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حُيَي، حدثنا
صفوان بن يعلى، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « البحر
هو جهنم » . قالوا:ليعلى، فقال:ألا ترون أن الله يقول: نَارًا أَحَاطَ
بِهِمْ سُرَادِقُهَا [ الكهف:29 ] ،
قال:لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله، ولا يصيبني منها
قطرة حتى أعرض على الله عز وجل .
هذا
تفسير غريب، وحديث غريب جدا، والله أعلم.
ثم قال
تعالى: ( يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ
تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) ، كقوله تعالى: لَهُمْ مِنْ
جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [
الأعراف:41 ] ، وقال: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ
وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر:16 ] ،
وقال: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ
النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [
الأنبياء:39 ] ، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب
الحسي.
وقوله: (
وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ،
تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ
عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ [ القمر:48، 49 ] ، وقال
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي
كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ *
اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا
تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [
الطور:13- 16 ] .
يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 )
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( 57 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ
الْعَامِلِينَ ( 58 )
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 )
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا
وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) .
هذا أمر
من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين،
إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم؛
ولهذا قال: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) .
قال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّةُ بن الوليد، حدثني جُبَيْر بن عمرو
القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « البلاد بلاد الله، والعباد
عباد الله، فحيثما أصبتَ خيرًا فأقم » .
ولهذا
لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا،
على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنـزلين، أصحمة النجاشي ملك الحبشة، رحمه الله،
آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم شُيُوما ببلاده. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة
ثم قال:
( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا
تُرْجَعُونَ ) أي:أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث
أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى الله المرجع
[ والمآب ] ،
فَمَنْ كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ الثواب؛ ولهذا قال: (
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ )
أي:لنسكننهم منازل عاليةً في الجنة تجري من تحتها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من
ماء وخمر، وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، (
خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:ماكثين فيها أبدا لا يبغون
عنها حولا ( نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) :نعمت
هذه الغرفُ أجرًا على أعمال المؤمنين.
(
الَّذِينَ صَبَرُوا ) أي:على دينهم، وهاجروا إلى
الله، ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء، ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده
وتصديق موعوده.
قال ابن
أبي حاتم، رحمه الله:حدثني أبي، حدثنا صفوان المؤذِنَ، حدثنا الوليد بن مسلم،
حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو
معَاتق الأشعري، أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حدثه:أن في الجنة غُرَفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله
لِمَنْ أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وأباح الصيام، وأقام الصلاة والناس نيام .
[
وقوله ] : ( وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ ) ، في أحوالهم كلها، في دينهم
ودنياهم.
ثم
أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين
كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم بعد قليل
صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار؛ ولهذا قال: (
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) أي:لا تطيق
جمعه وتحصيله ولا تؤخر شيئًا لغد، (
اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ )
أي:الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما
يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء، قال الله
تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [
هود:6 ] .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد - يعني ابن هارون - حدثنا
الجراح بن مِنْهَال الجزري - هو أبو العطوف - عن الزهري، عن رجل ، عن ابن عمر
قال:خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط
من التمر ويأكل، فقال لي: « يا بن عمر، ما لك لا تأكل؟ »
قال:قلت:لا أشتهيه يا رسول الله، قال: « لكني
أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل
ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا بن عمر إذا بَقِيتَ في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف
اليقين؟ » . قال:فوالله ما برحنا ولا رِمْنا حتى نـزلت: (
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا
وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله لم يأمرني بكنـز
الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فَمَنْ كنـز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة
بيد الله، ألا وإني لا أكنـز دينارًا ولا درهمًا، ولا أخبئ رزقا لغد » .
وهذا
حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف.
وقد
ذكروا أن الغراب إذا فَقسَ عن فراخه البَيض، خرجوا وهم بيضٌ فإذا رآهم أبواهم
كذلك، نفرا عنهم أياما حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه يتفقد أبويه، فيقيض
الله له طيرًا صغارًا كالبَرغَش فيغشاه فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه،
والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسودّ
ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر:
يـــا رازق النعَّـــاب فــي عُشــه وجَــابر العَظْـم
الكَسِـير المهيـض
وقد قال
الشافعي في جملة كلام له في الأوامر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم « سافروا
تصحوا وترزقوا » .
قال
البيهقي أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد
بن غالب، حدثني محمد بن سِنان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن رَدّاد - شيخ من أهل
المدينة - حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « سافروا تصحوا وتغنموا » .
قال:ورويناه عن ابن عباس .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن دَرّاج، عن عبد الرحمن بن
حُجَيرة، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سافروا
تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا » .
وقد ورد
مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا، وعن معاذ بن جبل موقوفا . وفي لفظ: « سافروا
مع ذوي الجدود والميسرة »
وقوله
تعالى: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
أي:السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم.
وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 )
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ
اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 )
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ
الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 ) .
يقول تعالى مقررا أنه لا إله إلا
هو؛ لأن المشركين - الذين يعبدون معه غيره - معترفون أنه المستقل بخلق السموات
والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر
آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم
بما يصلح كُلا منهم، ومَنْ يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستبدُّ بخلق
الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يُعبد غيره؟ ولم يتوكل على
غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى
مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما
كانوا يقولون في تلبيتهم: « لبيك لا شريك لك، إلا شريكا
هو لك، تملكه وما ملك » .
وَمَا
هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ
لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 )
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 )
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها
لهو ولعب: ( وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ )
أي:الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد.
وقوله: ( لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ ) أي:لآثروا ما يبقى على ما
يفنى.
ثم أخبر
تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم
دائما، ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) كقوله وَإِذَا مَسَّكُمُ
الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ
إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ [ الإسراء::67 ] . وقال
هاهنا: ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ
يُشْرِكُونَ ) .
وقد ذكر
محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل:أنه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة
ذهب فارًّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة، اضطربت بهم السفينة، فقال
أهلها:يا قوم، أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا ينجي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة:والله
إن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا يُنَجّي غيره في البر أيضا، اللهم لك عليَّ
عهد لئن خرجتُ لأذهبن فلأضعَنّ يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفًا رحيما، وكان كذلك.
وقوله: (
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ) :هذه
اللام يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول لام العاقبة؛ لأنهم لا
يقصدون ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير الله عليهم
ذلك وتقييضه إياهم لذلك فهي لام التعليل. وقد قدَّمْنا تقرير ذلك في قوله:
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [
القصص:8 ] .
أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 )
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ
لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ( 68 )
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ ( 69 )
يقول
تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه، الذي جعله للناس سواء العاكف فيه
والبادي، ومن دخله كان آمنا، فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا
ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ
الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [
قريش:1- 4 ] .
وقوله: (
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ )
أي:أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه [
غيره من ] الأصنام والأنداد، و بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [
إبراهيم:28 ] ، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة
لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من
بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، وصارت
الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل
رقابهم.
ثم قال
تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ) أي:لا
أحد أشد عقوبة ممن كذب على الله فقال:إن الله أوحى إليه شيء، ولم يوح إليه شيء.
ومن قال:سأنـزل مثل ما أنـزل الله. وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما
جاءه، فالأول مفتر، والثاني مكذب؛ ولهذا قال: (
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ) .
ثم قال (
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ) يعني:الرسول، صلوات الله
وسلامه عليه، وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين (
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) ، أي:لنُبَصرنهم سبلنا،
أي:طرقنا في الدنيا والآخرة.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَواري، حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد -
من أهل عكا - في قول الله : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) قال:الذين
يعملون بما يعلمون، يهديهم لما لا يعلمون. قال أحمد بن أبي الحواري:فحدثت به أبا
سليمان الداراني فأعجبه، وقال:ليس ينبغي لِمَنْ ألهم شيئا من الخير أن يعمل به حتى
يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في نفسه .
وقوله: (
وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ، قال
ابن أبي حاتم:
حدثنا
أبي، حدثنا عيسى بن جعفر - قاضي الري - حدثنا أبو جعفر الرازي، عن المغيرة، عن
الشعبي قال:قال عيسى بن مريم، عليه السلام:إنما الإحسان أن تحسن إلى مَنْ أساء
إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى مَنْ أحسن إليك. [ وفي
حديث جبريل لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: « أخبرني
عن الإحسان » . قال: « أن
تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
[
انتهى تفسير سورة العنكبوت، ولله الحمد والمنة ]
تفسير سورة الروم
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الم ( 1 )
غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي
أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي
بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ ( 4 )
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 )
[ نـزلت ] هذه الآيات حين
غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد
الروم، واضطر هرقل مَلك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة،
ثم عادت الدولة لهرقل، كما سيأتي.
قال الإمام أحمد:حدثنا
معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن
جُبَيْر، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ )
قال:غُلبت وغَلَبت. قال:كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب
أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك
لأبي بكر، ، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « أما إنهم سيغلبون »
فذكره أبو بكر لهم، فقالوا:اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن
ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي
صلى الله عليه وسلم فقال: « ألا جعلتها إلى دُون »
أراه قال: « العشر » . « قال
سعيد بن جبير:البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد، قال:فذلك قوله: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) . »
هكذا رواه الترمذي والنسائي
جميعا، عن الحسين بن حُرَيْث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان
بن سعيد الثوري به، وقال الترمذي:حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان، عن حبيب.
ورواه ابن أبي حاتم، عن
محمد بن إسحاق الصاغاني ، عن معاوية بن عمرو، به. ورواه ابن جرير:
حدثنا محمد بن المثنى،
حدثنا محمد بن سعيد - أو سعيد الثعلبي الذي يقال له:أبو سعد من أهل طرسوس - حدثنا
أبو إسحاق الفزاري، فذكره. وعندهم:قال سفيان:فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر .
حديث آخر:قال سليمان بن
مِهْران الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال:قال عبد الله:خمس قد مضين:الدخان،
واللزام، والبطشة، والقمر، والروم. أخرجاه .
وقال ابن جرير:حدثنا ابن
وَكِيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر - هو الشعبي - عن عبد الله -
هو ابن مسعود رضي الله عنه - قال:كان فارس ظاهرًا على الروم، وكان المشركون يحبون
أن تظهر فارس على الروم. وك ان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل
كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نـزلت: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ )
قالوا:يا أبا بكر، إن صاحبك يقول:إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟! قال:صدق.
قالوا:هل لك إلى أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم
يكن شيء، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين، فذُكِر ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم فقال: « ما بضع سنين عندكم » ؟
قالوا:دون العشر. قال: « اذهب فزايدهم وازدد سنتين في
الأجل » . قال:فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على
فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنـزل الله: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ ) إلى قوله: [ وَعْدَ
اللَّهِ ] لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ .
حديث آخر:قال ابن أبي
حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوَكِيعي، حدثنا مُؤَمَّل، عن
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال:لما نـزلت: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ ) ، قال المشركون لأبي
بكر:ألا ترى إلى ما يقول صاحبك؟ يزعم أن الروم تغلب فارس. قال:صدق صاحبي. قالوا:هل
لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلا فحل الأجل قبل أن تغلب الرومُ فارسَ، فبلغ
ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: « ما
دعاك إلى هذا؟ » قال:تصديقًا لله ولرسوله.
فقال: « تَعَرَّض لهم وأعظم الخَطَر واجعله إلى بضع سنين » .
فأتاهم أبو بكر فقال لهم:هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم. [ قال ]
فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارسَ، وربطوا خيولهم بالمدائن، وبنوا الرومية،
فجاء به أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:هذا السحت، قال: « تصدق
به » .
حديث آخر:قال أبو عيسى
الترمذي:حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني ابن أبي
الزِّنَاد، عن عروة بن الزبير عن نيَار بن مُكرَم الأسلمي قال:لما نـزلت، ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ) ،
فكانت فارس يوم نـزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم
عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول الله: (
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ، وكانت قريش تحب ظهور
فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنـزل الله هذه الآية
خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ) ،
قال ناس من قريش لأبي بكر:فذاك بيننا وبينك . زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في
بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال:بلى - وذلك قبل تحريم الرهان - فارتهن أبو بكر
والمشركون، وتواضَعُوا الرهان، وقالوا لأبي بكر:كم تجعل البضع:ثلاث سنين إلى تسع
سنين، فَسمِّ بيننا وبينك وَسَطًا ننتهي إليه. قال:فسموا بينهم ست سنين. قال:فمضت
ست السنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة
ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال:لأن الله قال:
( فِي بِضْعِ سِنِينَ ) .
قال:فأسلم عند ذلك ناس كثير .
هكذا ساقه الترمذي، ثم
قال:هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد. وقد روي
نحو هذا مرسلا عن جماعة من التابعين، مثل عِكْرِمة، والشعبي، ومجاهد، وقتادة،
والسُّدِّي، والزهري، وغيرهم.
ومن أغرب هذه السياقات ما
رواه الإمام سُنَيد بن داود في تفسيره حيث قال:حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد
الله، عن عكرمة قال:كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى
فقال:إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشًا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك، فأشيري
عَليَّ، أيَّهم أستعمل؟ فقالت:هذا فلان، وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر. وهذا
فرخان، وهو أنفذ من سنان. وهذا شهريراز ، وهو أحلم من كذا - تعني أولادها الثلاثة
- فاستعمل أيهم شئت. قال:فإني قد استعملت الحليم. فاستعمل شهريراز ، فسار إلى
الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم، وخرّب مدائنهم، وقطع زيتونهم.
قال أبو بكر بن عبد
الله:فحدثت بهذا الحديث عطاء الخراساني فقال:أما رأيت بلاد الشام؟ قلت:لا قال:أما
إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت، والزيتون الذي قطع. فأتيت الشام بعد ذلك
فرأيته .
قال عطاء الخراساني:حدثني
يحيى بن يَعْمَر:أن قيصر بعث رجلا يدعى قطمة بجيش من الروم، وبعث كسرى شهريراز ،
فالتقيا بأذرعات وبُصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس.
ففرحت بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون.
قال عكرمة:ولقي المشركون
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا:إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب [ ونحن
أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب ] ، وإنكم إن
قاتلتمونا لنظهرَنّ عليكم، فأنـزل الله: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ
سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ) ،
فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال:أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا
تفرحوا، ولا يُقرَّن الله أعينكم، فوالله ليظهرن الله الروم على فارس، أخبرنا بذلك
نبينا صلى الله عليه وسلم. فقام إليه أبيّ بن خَلَف فقال:كذبت يا أبا فضيل. فقال
له أبو بكر:أنت أكذب يا عدو الله. فقال:أناحبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك،
فإن ظهرت الروم على فارس غَرِمتُ، وإن ظهرت فارس غرمتَ إلى ثلاث سنين. ثم جاء أبو
بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: « ما
هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايدْه في الخَطَر ومادّهْ في
الأجل » ، فخرج أبو بكر فلقي أبيّا فقال:لعلك ندمت؟ فقال:لا تعال
أزايدك في الخَطَر وأمادُّك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين.
قال:قد فعلت، فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون.
قال عكرمة:لما أن ظهرت فارس
على الروم، جلس فرخان يشرب وهو أخو شهريراز فقال لأصحابه:لقد رأيت كأني جالس على
سرير كسرى. فبلغت كسرى فكتب إلى شهريراز إذا أتاك كتابي [ هذا ] فابعث إليَّ برأس
فرخان. فكتب إليه:أيها الملك، إنك لن تجد مثل فرخان، له نكاية وصوت في العدو، فلا
تفعل. فكتب إليه:إن في رجال فارس خلفًا منه، فعجّل إليَّ برأسه. فراجعه، فغضب كسرى
فلم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس:إني قد نـزعت عنكم شهريراز، واستعملت عليكم
فرخان. ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفة صغيرة فقال:إذا ولي فرخان الملك، وانقاد له
أخوه، فأعطه هذه. فلما قرأ شهريراز الكتاب قال:سمعا وطاعة، ونـزل عن سريره، وجلس
فرخان، ودفع إليه الصحيفة، قال ائتوني بشهريراز وقَدَّمَه ليضرب عنقه، قال:لا تعجل
[ عليَّ ] حتى أكتب وصيتي، قال:نعم. فدعا بالسَّفط فأعطاه الصحائف وقال:كل هذا
راجعتُ فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد. فرد الملك إلى أخيه شهريراز
وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم:إن لي إليك حاجة لا تحملها البُرُد ولا تحملها
الصّحف، فالقني، ولا تلقني إلا في خمسين روميا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا. فأقبل
قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد
مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا. ثم بسط لهما والتقيا في قبة
ديباج ضربت لهما، مع كل واحد منهما سكين، فدعيا ترجمانا بينهما، فقال شهريراز إن
الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حَسَدنا وأراد أن أقتل أخي
فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني. وقد خلعناه جميعا، فنحن نقاتله معك. قال:قد أصبتما.
ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا. قال:أجل. فقتلا
الترجمان جميعا بسكينيهما. [ قال ] فأهلك الله كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوم الحديبية، ففرح والمسلمون معه.
فهذا سياق غريب، وبناء
عجيب. ولنتكلم على كلمات هذه الآيات الكريمة، فقوله تعالى: ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ ) قد تقدم الكلام على
الحروف المقطعة في أوائل السور، في أول سورة « البقرة
» . وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم،
وهم أبناء عم بني إسرائيل، ويقال لهم:بنو الأصفر. وكانوا على دين اليونان،
واليونان من سلالة يافث بن نوح، أبناء عم الترك. وكانوا يعبدون الكواكب السيارة
السبعة، ويقال لها:المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق،
وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى مبعث المسيح
بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له:قيصر. فكان أول
من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس، وأمه مريم الهيلانية الشدقانية
من أرض حران، كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفا، فتابعها
- يقال:تَقِيَّة - واجتمعت به النصارى، وتناظروا في زمانه مع عبد الله بن أريوس،
واختلفوا اختلافا [ كثيرًا ] منتشرا متشتتا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم
ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها الأمانة
الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، ووضعوا له القوانين - يعنون كتب الأحكام من
تحليل وتحريم وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغَيَّروا دين المسيح، عليه السلام، وزادوا
فيه ونقصوا منه. وفصلوا إلى المشرق واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب
وأحلوا الخنـزير. واتخذوا أعيادًا أحدثوها كعيد الصليب والقداس والغطاس، وغير ذلك
من البواعيث والشعانين، وجعلوا له الباب وهو كبيرهم، ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم
الأساقفة والقساقسة، ثم الشمامسة. وابتدعوا الرهبانية. وبنى لهم الملك الكنائس
والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسطنطينية، يقال:إنه بنى في أيامه
اثني عشر ألف كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاثة محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم
الملكية، يعنون الذين هم على دين الملك.
ثم حدثت بعدهم اليعقوبية
أتباع يعقوب الإسكاف، ثم النسطورية أصحاب نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنهم افترقوا على اثنتين
وسبعين فرقة » . والغرض أنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر
خلفه آخر بعده، حتى كان آخرهم هرقل. وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك
وأدهاهم، وأبعدهم غورا وأقصاهم رأيا، فتمَلَّكَ عليهم في رياسَة عظيمة وأبهة
كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس، ومَلكَ البلاد كالعراق وخراسان والرّي، وجميع بلاد
العجم، وهو سابور ذو الأكتاف. وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة العجم
وحماقة الفرس، وكانوا مجوسا يعبدون النار. فتقدم عن عكرمة أنه بعث إليه نوابه
وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى غزاه بنفسه في بلاده فقهره وكَسَره وقصره، حتى لم
يبق معه سوى مدينة قسطنطينية. فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه، وكانت النصارى
تعظمه تعظيما زائدا، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا أمكنه ذلك لحصانتها؛ لأن
نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمَدَد
من هنالك. فلما طال الأمر دبر قيصر مكيدة، ورأى في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن
يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه، ويشترط عليه ما شاء. فأجابه إلى ذلك، وطلب منه
أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد من ملوك الدنيا ، من ذهب وجواهر وأقمشة وجوار
وخدام وأصناف كثيرة. فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما
طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عُشْره، وسأل كسرى أن
يُمكّنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره
وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج من مدينة قسطنطينية، جمع
أهل ملته وقال:إني خارج في أمر قد أبرمته، في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت
إليكم قبل الحول فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها فأنتم بالخيار، إن شئتم
استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري. فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيا،
ولو غبت عشرة أعوام. فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة في جيش متوسط، هذا وكسرى
مُخَيّم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار مسرعا حتى انتهى
إلى بلاد فارس، فعاث في بلادهم قتلا لرجالها ومن بها من المقاتلة، أولا فأولا ولم
يزل يقتل حتى انتهى إلى المدائن، وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها، وأخذ جميع
حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده، ورَكّبه على حمار وبعث معه من
الأساورة من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول:هذا ما طلبت فخُذه.
فلما بلغ ذلك كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، واشتد حنقه على
البلد، فاشتد في حصارها بكل ممكن فلم يقدر على ذلك. فلما عجز ركب ليأخذ عليه
الطريق من مخاضة جيحون، التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم
قيصر بذلك احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها، وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه
عند فم المخاضة، وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث فحملت
معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعدا، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر،
فلما مرت بكسرى ظن هو وجنده أنهم قد خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت
المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض في الخوض، فخاضوا وأسرعوا السير
ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية. وكان ذلك يوما مشهودًا عند النصارى، وبقي
كسرى وجيوشه حائرين لا يدرون ماذا يصنعون. لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادُهم قد
خَرّبتها الروم وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم ونساءهم. فكان هذا من غَلب الروم
فارسَ، وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم .
وكانت الواقعة الكائنة بين
فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبُصرى، على ما ذكره ابن عباس وعكرمة
وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز.
وقال مجاهد:كان ذلك في
الجزيرة، وهي أقرب بلاد الروم من فارس، فالله أعلم.
ثم كان غلب الروم لفارس بعد
بضع سنين، وهي تسع؛ فإن البِضْعَ في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع. وكذلك
جاء في الحديث الذي رواه الترمذي، وابن جرير وغيرهما، من حديث عبد الله بن عبد
الرحمن الجُمَحي، عن الزهري، عن عبُيَد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر في مُنَاحَبَة ( الم *
غُلِبَتِ الرُّومُ ) ألا احتطت يا أبا بكر،
فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع؟ « ، ثم قال:هذا حديث حسن غريب
من هذا الوجه . »
وروى ابن جرير، عن عبد الله
بن عمرو:أنه قال ذلك .
وقوله: (
لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) أي:من
قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قُطع المضاف، وهو قوله: (
قَبْلُ ) عن الإضافة، ونُويت.
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ
الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ )
أي:للروم أصحاب قيصر ملك الشام، على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس. وقد كانت نصرة
الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء، كابن عباس، والثوري،
والسُّدِّي، وغيرهم. وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم
والبزار، من حديث الأعمش، عن عطية عن أبي سعيد قال:لما كان يوم بدر، ظهرت الروم
على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين وفرحوا به، وأنـزل الله: (
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
وقال آخرون:بل كان نصرة الروم
على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة، والزهري، وقتادة، وغيرهم . ووجه بعضهم هذا
القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيليا - وهو
بيت المقدس - شكرا لله عز وجل، ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منه حتى وافاه
كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية
لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر. فلما وصل إليه سأل من بالشام من عَرَب
الحجاز، فأحضرَ له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كفار قريش كانوا في
غزة، فجيء بهم إليه، فجلسوا بين يديه، فقال:أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم
أنه نبي؟ فقال أبو سفيان:أنا. فقال لأصحابه - وأجلسهم خلفه - :إني سائل هذا عن هذا
الرجل، فإن كذب فكذّبوه. فقال أبو سفيان:فوالله لولا أن يَأثُرُوا عليّ الكذب
لكذبت. فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما سأله أن قال:فهل يغدر؟ قال:قلت:لا
ونحن منه في مُدّة لا ندري ما هو صانع فيها - يعني بذلك الهدنة التي كانت قد وقعت
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفار قريش يوم الحديبية على وضع الحرب بينهم
عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية؛ لأن قيصر
إنما وَفَّى بنذره بعد الحديبية، والله أعلم.
ولأصحاب القول الأول أن يجيبوا
عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي
إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفَّى بنذره، والله أعلم.
والأمر في هذا سهل قريب، إلا
أنه لما انتصرت فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح
المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس،
كما قال [ الله ] تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا
وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا
يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى
أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ
رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [
المائد:82، 83 ] ، وقال تعالى هاهنا: (
وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
زُرْعَة، حدثنا صَفْوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلابي، قال:سمعت العلاء بن
الزبير الكلابي يحدث عن أبيه، قال:رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس،
ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة.
وقوله: (
وَهُوَ الْعَزِيزُ ) أي:في انتصاره وانتقامه من
أعدائه، ( الرَّحِيمُ ) بعباده
المؤمنين.
وَعْدَ
اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 6 )
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ ( 7 ) .
وقوله: (
وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ) أي:هذا
الذي أخبرناك به - يا محمد - من أنا سننصر الروم على فارس، وعد من الله حق، وخَبَر
صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه؛ لأن الله قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين
المقتتلتين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة، (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي:بحكم الله في كونه وأفعاله المحكمة الجارية على وفق العدل.
وقوله: (
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ ) أي:أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها
وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في
الدار الآخرة، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة.
قال
الحسن البصري:والله لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك
بوزنه، وما يحسن أن يصلي.
وقال ابن
عباس في قوله: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) يعني:الكفار،
يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.
أَوَلَمْ
يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ( 8 )
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ
وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 )
ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ
اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ( 10 ) .
يقول تعالى
منبهًا على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله
غيره ولا رب سواه، فقال: ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي
أَنْفُسِهِمْ ) يعني به:النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم
العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا
أنها ما خلقت سُدًى ولا باطلا بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى، وهو يوم
القيامة؛ ولهذا قال: ( وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ) .
ثم نبههم
على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم به من المعجزات، والدلائل الواضحات، من
إهلاك مَنْ كفر بهم، ونجاة مَنْ صدقهم، فقال: (
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ ) أي:بأفهامهم وعقولهم ونظرهم
وسماعهم أخبار الماضين؛ ولهذا قال: (
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ
مِنْهُمْ قُوَّةً ) أي:كانت الأمم الماضية
والقرون السالفة أشد منكم - أيها المبعوث إليهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وأكثر
أموالا وأولادا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومُكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا
إليه، وعمروا فيها أعمارًا طوالا فعمروها أكثر منكم. واستغلوها أكثر من استغلالكم،
ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان
لهم من الله مِنْ واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا
دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال (
وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
أي:وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله، واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب
ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ
كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) ، كما
قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا
بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [
الأنعام:110 ] ، وقوله : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [
الصف:5 ] ، وقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [
المائدة:49 ] .
وعلى هذا
تكون السوءى منصوبة مفعولا لأساءوا. وقيل:بل المعنى في ذلك: ( ثُمَّ
كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى )
أي:كانت السوءى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا
تكون السوءى منصوبة خبر كان. هذا توجيه ابن جرير ، ونقله عن ابن عباس وقتادة.
ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مُزاحم، وهو الظاهر، والله أعلم، (
وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) .
اللَّهُ
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 )
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 )
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ
كَافِرِينَ ( 13 )
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 )
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ
يُحْبَرُونَ ( 15 )
يقول تعالى: (
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) أي:كما
هو قادر على بَداءته فهو قادر على إعادته، ( ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، أي:يوم القيامة فيجازي كل
عامل بعمله.
ثم قال: (
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) قال
ابن عباس:ييأس المجرمون.
وقال مجاهد:يفتضح المجرمون. وفي
رواية:يكتئب المجرمون.
(
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ ) أي:ما
شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما
كانوا إليهم.
ثم قال: (
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ) :قال
قتادة:هي - والله - الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني:إذا رفع هذا إلى عليين،
وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما ؛ ولهذا قال: (
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ
يُحْبَرُونَ ) قال مجاهد وقتادة:ينعمون.
وقال يحيى بن أبي كثير:يعني
سماع الغناء. والحبرة أعم من هذا كله، قال العجاج:
الحمد
لله الــذي أعْطَى الحَبَرْ مَــوَالِيَ الْحَــقّ إن المَـوْلى شَـكَر
وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي
الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( 16 )
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 )
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ( 18 )
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي
الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 ) .
هذا
تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات
المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه:عند المساء، وهو إقبال الليل
بظلامه، وعند الصباح، وهو إسفار النهار عن ضيائه.
ثم اعترض
بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: (
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:هو
المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.
ثم قال:
( وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ )
فالعشاء هو:شدة الظلام، والإظهار:قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح
وجاعل الليل سكنا، كما قال: وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
[ الشمس:3، 4 ] ، وقال
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [
الليل:1، 2 ] ، وقال: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [
الضحى:1، 2 ] ، والآيات في هذا كثيرة.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ
بن أنس الجُهَني، عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: « ألا
أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:سبحان
الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون » .
وقال
الطبراني:حدثنا مطلب بن شُعَيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن
سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه ، عن عبد الله
بن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قال
حين يصبح: ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
* وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) الآية
بكمالها، أدرك ما فاته في يومه ،ومَنْ قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته » . إسناد
جيد ورواه أبو داود في سننه .
وقوله: (
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) هو ما
نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة. وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها
من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته،
فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من
البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من
المؤمن.
وقوله: (
وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) كقوله:
وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا
فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ
وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [
يس:33، 34 ] ، وقال: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [
الحج:5 - 7 ] ، وقال: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ
يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ
مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [
الأعراف:57 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) .
وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( 20 )
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) .
يقول
تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالة
على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، ( ثُمَّ
إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) ، فأصلكم
من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، شكله على
شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير.
ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه
وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار
الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة
وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان
مَنْ أقدرهم وسَيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في
العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة؛ ولهذا قال
تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا
أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن سعيد وغُنْدَر، قالا حدثنا عَوْف، عن قسامة بن زهير ،
عن أبي موسى قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم
الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك » .
ورواه
أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به . وقال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.
وقوله: (
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي:خلق
لكم من جنسكم إناثا يَكُنَّ لكم أزواجا، (
لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) ، كما قال تعالى: هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيْهَا [ الأعراف:189 ] يعني
بذلك:حواء، خلقها الله من آدم من ضِلَعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم
ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر [ من غيرهم ] إما من
جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نَفْرَة لو
كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم،
وجعل بينهم وبينهن مودة:وهي المحبة، ورحمة:وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما
لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو
للألفة بينهما، وغير ذلك، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ( 22 ) وَمِنْ
آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) .
يقول
تعالى:ومن آيات قدرته العظيمة ( خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) أي:خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها
وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها
من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار.
وقوله: (
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) يعني:اللغات، فهؤلاء بلغة
العرب، وهؤلاء تَتَرٌ لهم لغة أخرى، وهؤلاء كَرَج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج،
وهؤلاء بَرْبر، وهؤلاء تكْرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء
صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا
الله من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض - بل
أهل الدنيا - منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة:كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين،
وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو
الهيئة أو الكلام، ظاهرا كان أو خفيا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته
وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح ، لا بد من فارق بين
كل واحد منهم وبين الآخر، ( إنَّ فِي ذَلِك لآيات
للعَالَمين * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي:ومن الآيات ما جعل لكم من
صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب،
وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم ، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ )
أي:يعون.
قال
الطبراني:حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد
بن عبد الله بن عُلاثة، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، سمعت عبد الملك بن
مروان يحدث عن أبيه ، عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، قال:أصابني أرق من الليل،
فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «
قل:اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، [ أنم
عيني و ] أهدئ ليلي » فقلتها
فذهب عني .
وَمِنْ
آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 )
يقول تعالى: ( وَمِنْ
آيَاتِهِ ) الدالة على عظمته أنه (
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أي: ] تارة
تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجون وَمِيضَه وما
يأتي بعده من المطر المحتاج إليه؛ ولهذا قال: (
وَيُنـزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )
أي:بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [
الحج:5 ] . وفي ذلك عبرة ودَلالَة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛
ولهذا قال: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي
الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( 16 )
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( 17 ) وَلَهُ
الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ( 18 )
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي
الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 ) .
هذا
تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات
المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه:عند المساء، وهو إقبال الليل
بظلامه، وعند الصباح، وهو إسفار النهار عن ضيائه.
ثم اعترض
بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: (
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:هو
المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.
ثم قال:
( وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ )
فالعشاء هو:شدة الظلام، والإظهار:قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح
وجاعل الليل سكنا، كما قال: وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا
يَغْشَاهَا [ الشمس:3، 4 ] ، وقال
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [
الليل:1، 2 ] ، وقال: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [
الضحى:1، 2 ] ، والآيات في هذا كثيرة.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ
بن أنس الجُهَني، عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: « ألا
أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:سبحان
الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون » .
وقال الطبراني:حدثنا
مطلب بن شُعَيب الأزدي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن
بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه ، عن عبد الله بن عباس، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من قال
حين يصبح: ( فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
* وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ) الآية
بكمالها، أدرك ما فاته في يومه ،ومَنْ قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته » . إسناد
جيد ورواه أبو داود في سننه .
وقوله: (
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) هو ما
نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة. وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها
من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته،
فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من
البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من
المؤمن.
وقوله: (
وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) كقوله:
وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا
فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ
وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [
يس:33، 34 ] ، وقال: وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ *
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [
الحج:5 - 7 ] ، وقال: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ
يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ
مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [
الأعراف:57 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) .
وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
( 20 )
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) .
يقول
تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالة
على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، ( ثُمَّ
إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) ،
فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما،
شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو
سميع بصير. ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت
قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار
الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة
وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان
مَنْ أقدرهم وسَيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في
العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة؛ ولهذا قال
تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا
أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن سعيد وغُنْدَر، قالا حدثنا عَوْف، عن قسامة بن زهير ،
عن أبي موسى قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم
الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك » .
ورواه
أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به . وقال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح.
وقوله: (
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي:خلق
لكم من جنسكم إناثا يَكُنَّ لكم أزواجا، (
لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) ، كما قال تعالى: هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيْهَا [ الأعراف:189 ] يعني
بذلك:حواء، خلقها الله من آدم من ضِلَعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني آدم كلهم
ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر [ من غيرهم ] إما من
جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نَفْرَة لو
كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم،
وجعل بينهم وبينهن مودة:وهي المحبة، ورحمة:وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما
لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو
للألفة بينهما، وغير ذلك، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ( 22 )
وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ
فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 23 ) .
يقول
تعالى:ومن آيات قدرته العظيمة ( خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) أي:خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها
وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها
من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار.
وقوله: (
وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) يعني:اللغات، فهؤلاء بلغة
العرب، وهؤلاء تَتَرٌ لهم لغة أخرى، وهؤلاء كَرَج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج،
وهؤلاء بَرْبر، وهؤلاء تكْرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء
صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا
الله من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض - بل
أهل الدنيا - منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة:كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين،
وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو
الهيئة أو الكلام، ظاهرا كان أو خفيا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته
وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح ، لا بد من فارق بين
كل واحد منهم وبين الآخر، ( إنَّ فِي ذَلِك لآيات
للعَالَمين * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي:ومن الآيات ما جعل لكم من
صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب،
وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم ، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ )
أي:يعون.
قال
الطبراني:حدثنا حجاج بن عمران السدوسي، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد
بن عبد الله بن عُلاثة، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، سمعت عبد الملك بن
مروان يحدث عن أبيه ، عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، قال:أصابني أرق من الليل،
فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «
قل:اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، [ أنم
عيني و ] أهدئ ليلي » فقلتها
فذهب عني .
وَمِنْ
آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 24 )
يقول تعالى: (
وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالة على عظمته أنه (
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أي: ] تارة
تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجون وَمِيضَه وما
يأتي بعده من المطر المحتاج إليه؛ ولهذا قال: (
وَيُنـزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا )
أي:بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [
الحج:5 ] . وفي ذلك عبرة ودَلالَة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛
ولهذا قال: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ
دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ( 25 ) .
ثم قال:
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ
بِأَمْرِهِ ) كقوله: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ
إِلا بِإِذْنِهِ [ الحج:65 ] ،
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا [
فاطر:41 ] . وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إذا اجتهد في اليمين
يقول:لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي:هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره
إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بُدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وخرجت الأموات من
قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ
إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) كما
قال تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ
لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [ الإسراء:52 ] .
وقال
تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [
النازعات:13، 14 ] ، وقال: إِنْ كَانَتْ إِلا
صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [
يس:53 ] .
وَلَهُ
مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ( 26 )
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 27 ) .
يقول
تعالى: ( وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )
أي:ملكه وعبيده، ( كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ )
أي:خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا.
وفي حديث
دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، مرفوعا: « كل حَرْف
في القرآن يُذكَرُ فيه القنوت فهو الطاعة » .
وقوله: (
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) قال [ علي
] بن أبي طلحة عن ابن عباس:يعني:أيسر عليه.
وقال
مجاهد:الإعادة أهون عليه من البَدَاءة، والبداءة عليه هَيْنٌ. وكذا قال عكرمة
وغيره.
وقال
البخاري:حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله:كَذبَني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي
فقوله:لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهونَ عليّ من إعادته. وأما شتمه إياي
فقوله:اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا
أحد » .
انفرد
بإخراجه البخاري كما انفرد بروايته - أيضا - من حديث عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن
همام، عن أبي هريرة، به . وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن حسن بن موسى، عن ابن
لهِيعة، حدثنا أبو يونس سليم بن جُبَيْر، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وسلم بنحوه، أو مثله .
وقال
آخرون:كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء.
قال
العَوْفي، عن ابن عباس:كل عليه هين. وكذا قال الربيع بن خُثَيْم. ومال إليه ابن
جرير، وذكر عليه شواهد كثيرة، قال:ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: (
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) إلى الخلق، أي:وهو أهون على
الخلق.
وقوله: (
وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [
الشورى:11 ] .
وقال
قتادة:مَثَله أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير.
وقد أنشد
بعض المُفَسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:
إذَا سَــكَن الغَديــرُ عـلى صَفَـاء وَجُــنبَ أنْ
يُـحَرّكَــهُ النَّســـيمُ
تـرى فيـه السَّـمَاء بَـلا امْتــرَاء كَــذَاكَ الشَّــمْسُ
تَبْــدو وَالنّجُـومُ
كَـــذاكَ قُلُــوبُ أرْبَـاب التَّجَـلِّي يُــرَى فـي
صَفْوهـا اللـهُ العَظيـمُ
وَهُوَ
الْعَزِيزُ ) الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه،
( الْحَكِيمُ ) في
أفعاله وأقواله، شَرْعًا وقَدَرا.
وعن مالك
في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنْكَدِر، في قوله تعالى: (
وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى ) ، قال:لا إله إلا الله.
ضَرَبَ
لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ
كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ
اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ
أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 29 )
هذا مثل
ضربه الله تعالى للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك
معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له، ملك له، كما كانوا في تلبيتهم
يقولون:لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى: (
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ )
أي:تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم ، ( هَلْ
لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ
فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ) أي:لا يرتضي أحد منكم أن يكون
عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء (
تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ )
أي:تخافون أن يقاسموكم الأموال.
قال أبو
مِجْلَز:إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك، وليس له ذاك ، كذلك الله لا شريك له.
والمعنى:أن
أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه. وهذا كقوله تعالى:
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ [
النحل:62 ] أي:من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن
إناثا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بُشر بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو
كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، فهم
يأنفون من البنات. وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم،
فهذا أغلظ الكفر. وهكذا في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى
غاية الإباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبدهُ شريكَه في ماله، يساويه فيه.
ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قال
الطبراني:حدثنا محمود بن الفرج الأصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا
حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال:كان يلبي
أهل الشرك:لبيك اللهم [ لبيك ] ، لبيك
لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأنـزل الله: ( هَلْ
لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ
فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) .
ولما كان
التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى ونـزاهته بطريق الأولى والأحرى، قال: (
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .
ثم قال
تعالى مبينا أن المشركين إنما عبدوا غيره سَفَهًا من أنفسهم وجهلا ( بَلِ
اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي:المشركون (
أَهْوَاءَهُمْ ) أي:في عبادتهم الأنداد بغير علم
، ( فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ) [
أي:فلا أحد يهديهم إذا كتب الله إضلالهم ] ، ( وَمَا
لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) أي:ليس لهم من قدرة الله منقذ
ولا مجير، ولا محيد لهم عنه؛ لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 )
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ ( 32 )
يقول تعالى:فسدد وجهك واستمر
على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك
غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه
تعالى فطر خلقه على [ معرفته وتوحيده، وأنه لا
إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [ الأعراف:172 ] ، وفي الحديث: « إني
خلقت عبادي حُنَفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم » .
وسنذكر في الأحاديث أن الله تعالى فطر خلقه على ]
الإسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية .
وقوله: ( لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) قال بعضهم:معناه لا تبدلوا
خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها. فيكون خبرا بمعنى
الطلب، كقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [ آل
عمران:97 ] ، وهذا معنى حسن صحيح.
وقال آخرون:هو خبر على بابه،
ومعناه:أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد
إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك؛ ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم
النَّخَعي، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، وعِكْرِمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في
قوله: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )
أي:لدين الله.
وقال البخاري:قوله: ( لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) :لدين الله، خَلْقُ الأولين:
[ دين الأولين ] ،
والدين والفطرة:الإسلام.
حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله،
أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ما من مولود يولد إلا على
الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجسانه، كما تَنْتِج البهيمة
بهيمة جَمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء » ؟ ثم
يقول: ( فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .
ورواه مسلم من حديث عبد الله بن
وهب، عن يونس بن يزيد الأيْلي، عن الزهري، به . وأخرجاه - أيضا - من حديث عبد
الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم .
وفي معنى هذا الحديث قد وردت
أحاديث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسودُ بن سَرِيع التميمي. قال الإمام أحمد:
حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن
الحسن عن الأسود بن سَرِيع [ التميمي ]
قال:أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظهرا ، فقتل الناس يومئذ،
حتى قتلوا الولدان. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « ما بال
أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ » . فقال
رجل:يا رسول الله، أما هم أبناء المشركين؟ فقال: « ألا
إنما خياركم أبناء المشركين » . ثم قال: « لا
تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية » . وقال: « كل
نسمة تولد على الفطرة، حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها » .
ورواه النسائي في كتاب السير،
عن زياد بن أيوب، عن هُشَيْم، عن يونس - وهو ابن عبيد - عن الحسن البصري، به .
ومنهم جابر بن عبد الله
الأنصاري، قال الإمام أحمد:
حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر، عن
الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « كل مولود يولد على الفطرة، حتى يُعرب عنه لسانه، فإذا عبر
عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورا » .
ومنهم عبد الله بن عباس
الهاشمي، قال الإمام أحمد:
حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة،
حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم سُئل عن أولاد المشركين، فقال: « الله
أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم » .
أخرجاه في الصحيحين، من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليَشْكُرِي، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس مرفوعا بذلك .
وقد قال أحمد أيضا:حدثنا عفان،
حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال:أتى عليَّ
زمان وأنا أقول:أولاد المسلمين مع أولاد المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين.
حتى حدثني فلان عن فلان:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فقال: « الله
أعلم بما كانوا عاملين » . قال:فلقيت الرجل فأخبرني.
فأمسكت عن قولي .
ومنهم عياض بن حِمار المجاشعي،
قال الإمام أحمد:
حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا
هشام، حدثنا قتادة، عن مُطَرّف، عن عياض بن حمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خطب ذات يوم فقال في خطبته: « إن ربي، عز وجل، أمرني أن
أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي
حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم،
وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطانا، ثم إن الله، عز وجل، نظر إلى أهل
الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال:إنما بعثتك لأبتليك
وأبتلي بك، وأنـزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان. ثم إن الله
أمرني أن أحرق قريشا، فقلت:يا رب إذًا يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خبُزَةً. قال
:استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نَغْزُك، وأنفق عليهم فسننفق عليك. وابعث جيشا
نبعث خمسة مثله، وقاتل بِمَنْ أطاعك مَنْ عصاك » . قال: « وأهل
الجنة:ثلاثة ذو سلطان مُقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم،
ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة:الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم
تَبَعًا، لا يبتغون أهلا ولا مالا. والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه.
ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك » وذكر
البخيل، أو الكذاب، والشنظير:الفحاش .
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من
طرق عن قتادة، به .
وقوله تعالى: (
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) أي:التمسك بالشريعة والفطرة
السليمة هو الدين القويم المستقيم، (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي:فلهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ
النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [
يوسف:103 ] ، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ الأنعام:116 ] .
وقوله: (
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) قال ابن زيد، وابن جُرَيْج:أي
راجعين إليه، ( وَاتَّقُوهُ )
أي:خافوه وراقبوه، ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) وهي
الطاعة العظيمة، ( وَلا تَكُونُوا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ ) أي:بل من الموحدين المخلصين
له العبادة، لا يريدون بها سواه.
قال ابن جرير: [
حدثنا ابن حُمَيد ] ، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا
يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال:مر عمر، رضي الله عنه، بمعاذ بن جبل
فقال:ما قوام هذه الأمة ؟ قال معاذ:ثلاث، وهن [ من ]
المنجيات:الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فَطرَ الناس عليها، والصلاة وهي
الملة، والطاعة وهي العصمة. فقال عمر:صدقت.
حدثني يعقوب، حدثنا ابن
عُلَيَّةَ، حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة:أن عمر، رضي الله عنه، قال لمعاذ:ما قوام
هذا الأمر؟ فذكره نحوه .
وقوله: ( مِنَ
الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ ) أي:لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي:بدلوه
وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقرأ بعضهم: « فارقوا
دينهم » أي:تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس
وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي
شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ [ الأنعام:159 ] ، فأهل
الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم
على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم
أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر
وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل، عليه السلام عن الفرقة الناجية منهم،
فقال: « ما أنا عليه [
اليوم ] وأصحابي » .
وَإِذَا
مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 )
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ
أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ
يُشْرِكُونَ ( 35 )
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 )
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 ) .
يقول تعالى
مخبرًا عن الناس إنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ
عليهم النعم، إذا فريق منهم [ أي ] في
حالة الاختبار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره.
وقوله: (
لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ ) ، هي لام
العاقبة عند بعضهم، ولام التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض الله لهم ذلك.
ثم
توعدهم بقوله: ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ، قال
بعضهم:والله لو توعدني حارس دَرْب لخفت منه، فكيف والمتوعد هاهنا [ هو ] الذي
يقول للشيء:كن، فيكون.
ثم قال
منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة الأوثان بلا دليل ولا حجة ولا برهان. ( أَمْ
أَنـزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا ) أي:حجة
( فَهُوَ يَتَكَلَّمُ )
أي:ينطق ( بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ) ؟ وهذا
استفهام إنكار، أي:لم يكن [ لهم ] شيء من
ذلك.
ثم قال:
( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ) ، هذا
إنكار على الإنسان من حيث هو، إلا مَنْ عَصَمه الله ووفقه؛ فإن الإنسان إذا أصابته
نعمة بَطر وقال: ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [
هود:10 ] ، أي:يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قَنط
وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية؛ قال الله: إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ هود:11 ] ،
أي:صبروا في الضراء، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: « عجبا
للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا
له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر فكان خيرًا له » .
وقوله
تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) أي:هو المتصرف الفاعل لذلك
بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيّق على آخرين، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .
فَآتِ
ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 )
وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو
عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 )
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 )
يقول
تعالى آمرًا بإعطاء ذي ( الْقُرْبَى حَقَّهُ ) أي:من
البر والصلة، ( وَالْمِسْكِينَ )
وهو:الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، ( وَابْنَ
السَّبِيلِ ) وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره، (
ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ )
أي:النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، (
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي:في
الدنيا وفي الآخرة .
ثم قال:
( وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ
النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ) أي:من
أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله -
بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي -
وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه إلا أنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [
المدثر:6 ] أي:لا تعط العطاء تريد أكثر منه.
وقال ابن
عباس:الربا رباءان، فربا لا يصح يعني:ربا البيع؟ وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل
يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا
آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ
اللَّهِ ) .
وإنما
الثواب عند الله في الزكاة؛ ولهذا قال: ( وَمَا
آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُضْعِفُونَ ) أي:الذين يضاعف الله لهم
الثواب والجزاء، كما [ جاء ] في
الصحيح: « وما تصدق أحد بِعَدْل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن
بيمينه، فَيُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوّه أو فَصِيلَه، حتى تصير
التمرة أعظم من أُحُد » .
وقوله: (
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ) أي:هو
الخالق الرازق يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا
قُوَى، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب، كما
قال الإمام أحمد:
حدثنا
أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سلام أبي شرحبيل، عن حَبَّة وسواء ابني خالد قالا
دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعَنَّاه، فقال: « لا
تيأسا من الرزق ما تَهَزّزَتْ رؤوسكما؛ فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة،
ثم يرزقه الله عز وجل » .
وقوله: ( ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ ) ، أي:بعد هذه الحياة ( ثُمَّ
يُحْيِيكُمْ ) أي:يوم القيامة.
وقوله: ( هَلْ
مِنْ شُرَكَائِكُمْ ) أي:الذين تعبدونهم من دون
الله. ( مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي:لا
يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق
والرزق، والإحياء والإماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة؛ ولهذا قال بعد هذا كله:
( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )
أي:تعالى وتقدس وتنـزه وتعاظم وجل وعَزّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساوٍ، أو
ولد أو والد، بل هو الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا
أحد.
ظَهَرَ
الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 )
قال ابن عباس، وعِكْرِمة،
والضحاك، والسُّدِّي، وغيرهم:المراد بالبر هاهنا:الفَيَافي، وبالبحر:الأمصار
والقرى، وفي رواية عن ابن عباس وعَكرمة:البحر:الأمصار والقرى، ما كان منها على
جانب نهر.
وقال آخرون:بل المراد بالبر هو
البر المعروف، وبالبحر:البحر المعروف.
وقال زيد بن رُفَيْع: (
ظَهَرَ الْفَسَادُ ) يعني:انقطاع المطر عن البر
يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال:حدثنا محمد بن عبد الله بن
يزيد المقري، عن سفيان، عن حميد بن قيس الأعرج، عن مجاهد: (
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) ،
قال:فساد البر:قتل ابن آدم، وفساد البحر:أخذ السفينة غصبا.
وقال عطاء الخراساني:المراد
بالبر:ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر:جزائره.
والقول الأول أظهر، وعليه
الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وسلم صَالَح ملك أيلة، وكتب إليه ببحره، يعني:ببلده.
ومعنى قوله تعالى: (
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) أي:بان
النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي.
وقال أبو العالية:مَنْ عصى الله
في الأرض فقد أفسد في الأرض؛ لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة؛ ولهذا جاء في الحديث
الذي رواه أبو داود: « لَحَدٌّ يقام في الأرض أحبّ
إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا » .
والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس - أو أكثرهم، أو كثير منهم - عن
تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محاق البركات من السماء والأرض؛
ولهذا إذا نـزل عيسى [ ابن مريم ] عليه السلام،
في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت، من قتل الخنـزير وكسر
الصليب ووضع الجزية، وهو تركها - فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فإذا أهلك الله
في زمانه الدجال وأتباعه ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض:أخرجي بركاتك. فيأكل من الرمانة
الفئَام من الناس، ويستظلون بقَحْفها، ويكفي لبن اللّقحة الجماعةَ من الناس. وما
ذاك إلا ببركة تنفيذ شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما أقيم العدل كثرت
البركات والخير؛ [ ولهذا ] ثبت في
الصحيح: « إنَّ الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد، والشجر
والدواب » .
ولهذا قال الإمام أحمد بن
حنبل:حدثنا محمد والحسين قالا حدثنا عَوْف، عن أبي قحذم قال :وجد رجل في زمان زياد
- أو:ابن زياد - صرة فيها حَبّ، يعني من بر أمثال النوى، عليه مكتوب:هذا نبت في
زمان كان يعمل فيه بالعدل .
وروى مالك، عن زيد بن أسلم:أن
المراد بالفساد هاهنا الشرك. وفيه نظر.
وقوله: (
لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
أي:يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختبارا منه، ومجازاة على صنيعهم، (
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي:عن المعاصي، كما قال
تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [
الأعراف:168 ] .
قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) .
ثم قال تعالى: ( قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ) أي:من
قبلكم، ( كَانَ
أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ )
أي:فانظروا ماذا حلَّ بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ
كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( 44 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
( 45 ) .
يقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته،
والمبادرة إلى الخيرات: (
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا
مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) أي:يوم
القيامة، إذا أراد كونه فلا رادَّ له ، ( يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ) أي:يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير؛ ولهذا قال: ( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ
كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ ) أي:يجازيهم مجازاة
الفضل:الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الْكَافِرِينَ ) ، ومع
هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ
وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 46 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ
قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا
مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) .
يذكر تعالى نعَمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي
رحمته، بمجيء الغيث عقيبها؛ ولهذا قال: ( وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ) أي:المطر الذي ينـزله فيحيي
به العباد والبلاد، (
وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ) أي:في البحر، وإنما سيرها بالريح، ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
فَضْلِهِ ) أي:في
التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي:تشكرون الله على ما أنعم
به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى.
ثم قال: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ) هذه تسلية من الله لعبده
ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه ، بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد
كُذّبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله
انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ، هو حقّ أوجبه على نفسه
الكريمة، تكرما وتفضلا كقوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[
الأنعام:54 ] .
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن
أعين، عن ليث، عن شهر بن حَوْشَب ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من
امرئ مسلم يَرُدُّ عن عرض أخيه، إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم
القيامة » . ثم
تلا هذه الآية: (
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) .
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا
فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى
الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 48 )
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ
لَمُبْلِسِينَ ( 49 ) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ
رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ
لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 )
يبين تعالى
كيف يخلق السحاب التي ينـزل منها الماء فقال: ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) ، إما من البحر على ما ذكره
غير واحد، أو مما يشاء الله عز وجل. ( فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) أي:يَمُدّه فيكثّرهُ
ويُنَمّيه، ويجعل من القليل كثيرا، ينشئ سحابة فترى في رأي العين مثل الترس، ثم
يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق. وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالا مملوءة ماء،
كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ
رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ
فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ
نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الأعراف:57 ] ، وكذلك قال هاهنا: ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا
فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ) . قال مجاهد، وأبو عمرو بن
العلاء، ومطر الوَرّاق، وقتادة:يعني قطعا.
وقال
غيره:متراكما، قاله الضحاك.
وقال
غيره:أسود من كثرة الماء، تراه مدلهما ثقيلا قريبا من الأرض.
وقوله ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ
مِنْ خِلالِهِ )
أي:فترى المطر - وهو القطر - يخرج من بين ذلك السحاب، ( فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) أي:لحاجتهم إليه يفرحون
بنـزوله عليهم ووصوله إليهم.
وقوله: ( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ
أَنْ يُنـزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ) ، معنى الكلام:أن هؤلاء القوم
الذين أصابهم هذا المطر كانوا قَنطين أزلين من نـزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما
جاءهم، جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعا عظيما.
وقد
اختلف النحاة في قوله: ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ) ، فقال ابن جرير:هو تأكيد.
وحكاه عن بعض أهل العربية.
وقال
آخرون: [ وإن
كانوا ] من قبل
أن ينـزل عليهم المطر، ( مِنْ
قَبْلِهِ )
أي:الإنـزال (
لَمُبْلِسِينَ ) .
ويحتمل
أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام:أنهم كانوا محتاجين إليه قبل
نـزوله، ومن قبله - أيضا - قد فات عندهم نـزوله وقتا بعد وقت، فترقبوه في إبانه
فتأخر، فمضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما
كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال:
(
فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ ) يعني:المطر ( كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) .
ثم نبه
بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال: ( إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي
الْمَوْتَى ) أي:إن
الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
وَلَئِنْ
أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) .
ثم قال
تعالى: ( وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا
لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ) ، يقول
( وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا ) يابسة
على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي:قد اصفر وشرع في
الفساد، لظلوا من بعده، أي:بعد هذا الحال يكفرون، أي:يجحدون ما تقدم [
إليهم ] من النعم، كما قال: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ *
أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ
حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ
مَحْرُومُونَ [ الواقعة:63 - 67 ] .
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هُشَيْم ، عن يَعْلَى بن
عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، قال:الرياح ثمانية، أربعة منها رحمة، وأربعة
عذاب، فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. وأما العذاب فالعقيم
والصرصر، وهما في البر، والعاصف والقاصف، وهما في البحر [
فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحْمته،
ولاقحًا للسحاب تلقحه بحمله الماء، كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه
بحركة العذاب فجعله عقيمًا، وأودعه عذابًا أليمًا، وجعله نقمة على من يشاء من
عباده، فيجعله صرصرًا وعاتيًا ومفسدًا لما يمر عليه، والرياح مختلفة في مهابها:صبا
ودبور، وجنوب، وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، فريح لينة رطبة تغذي
النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه، وأخرى تسيره وتصلبه،
وأخرى توهنه وتضعفه ] .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو عبُيَد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن
عَيْاش ، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدَفي، عن عبد
الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الريح
مسخرة من الثانية - يعني الأرض الثانية - فلما أراد الله أن يهلك عادًا، أمر خازن
الريح أن يرسل عليهم ريحًا تهلك عادًا، فقال:يا رب، أرسل عليهم من الريح قدر منخر
الثور. قال له الجبار تبارك وتعالى:لا إذًا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم
بقدر خاتم » ، فهي التي قال الله في كتابه: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ
أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [ الذرايات:42
] . هذا حديث غريب، ورفعه منكر. والأظهر أنه من كلام عبد الله
بن عمرو، رضي الله عنه.
فَإِنَّكَ
لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا
مُدْبِرِينَ ( 52 )
وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ ( 53 ) .
يقول
تعالى:كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها، ولا تبلغ كلامَك الصم
الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مُدْبِرُون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق،
وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله تعالى، فإنه بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء
إذا شاء، ويهدي مَنْ يشاء، ويضل مَنْ يشاء، وليس ذلك لأحد سواه؛ ولهذا قال: ( إِنْ
تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ )
أي:خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يستمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال
المؤمنين، والأول مَثَلُ الكافرين، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [
الأنعام:36 ] .
وقد
استدلت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بهذه الآية: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ
الْمَوْتَى ، على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي صلى الله عليه
وسلم القتلى الذين ألقوا في قَلِيب بدر ، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم وتقريعه
لهم ، حتى قال له عمر:يا رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جَيَّفوا؟ فقال: « والذي
نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون » .
وتأولته عائشة على أنه قال: « إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت
أقول لهم حق » .
وقال
قتادة:أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة.
والصحيح
عند العلماء رواية ابن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة، من أشهر
ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا [ له ] ، عن
ابن عباس مرفوعًا: « ما من أحد يمر بقبر أخيه
المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله عليه روحه، حتى يرد عليه
السلام » .
[
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا
عنه، وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا
عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم:السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وهذا خطاب لمن
يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنـزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون
على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن
أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به ورد عليه
حتى يقوم » .
وروي
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:إذا مر رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، رد عليه
السلام.
وروى
ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجَحْدَرِي قال:رأيت عاصمًا الجحدري في
منامي بعد موته بسنتين، فقلت:أليس قد متّ؟ قال:بلى، قلت:فأين أنت؟ قال:أنا - والله
- في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر
بن عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قال:قلت:أجسامكم أم أرواحكم؟ قال:هيهات! قد
بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال:قلت:فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال:نعلم
بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال:قلت:فكيف ذلك دون
الأيام كلها؟ قال:لفضل يوم الجمعة وعظمته.
قال:وحدثنا
محمد بن الحسين، ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال:كنت أغدو مع محمد بن واسع في
كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان، فنقف على القبور فنسلم عليهم، وندعو لهم ثم
ننصرف، فقلت ذات يوم:لو صيرت هذا اليوم يوم الاثنين؟ قال:بلغني أن الموتى يعلمون
بزوارهم يوم الجمعة ويومًا قبلها ويومًا بعدها. قال:ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن
أبان قال:ثنا سفيان الثوري قال:بلغني عن الضحاك أنه قال:من زار قبرًا يوم السبت
قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له:وكيف ذلك؟ قال:لمكان يوم الجمعة.
حدثنا
خالد بن خِدَاش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التَّيَّاح يقول:كان مُطَرَّف يغدو،
فإذا كان يوم الجمعة أدلج. قال:وسمعت أبا التياح يقول:بلغنا أنه كان ينـزل بغوطة،
فأقبل ليلة حتى إذا كان عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب
قبر جالسًا على قبره، فقالوا:هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟
قالوا:نعم، ونعلم ما يقول فيه الطير. قلت:وما يقولون؟ قال:يقولون سلام عليكم؛
حدثني محمد بن الحسن، ثنا يحيى بن أبي بكر ، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن
عيينة قال:لما مات أبي جزعت عليه جزعًا شديدًا، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت
عن ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يومًا، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي
فنمت، فرأيت كأن قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سِحْنَة
الموتى، قال:فكأني بكيت لما رأيته. قال:يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت:وإنك لتعلم
بمجيئي؟ قال:ما جئت مرة إلا علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك،
قال:فكنت آتيه بعد ذلك كثيرًا.
حدثني
محمد، حدثنا يحيى بن بَسْطام، ثنا عثمان بن سُوَيْد الطُّفَاوي قال:وكانت أمه من
العابدات، وكان يقال لها:راهبة، قال:لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت:يا
ذخري وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا
توحشني. قال:فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور،
فرأيتها ذات يوم في منامي، فقلت لها:يا أمي، كيف أنت؟ قالت:أي:بني، إن للموت لكربة
شديدة، وإني بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق
إلى يوم النشور، فقلت لها:ألك حاجة؟ قالت:نعم، قلت:وما هي؟ قالت:لا تدع ما كنت
تصنع من زياراتنا والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك،
يقال لي:يا راهبة، هذا ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك مَنْ حولي من الأموات.
حدثني
محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال:لما كان زمن
الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبان، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على
المقابر فقال:آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا
يزيد على هؤلاء الكلمات، قال:فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر
فأدعو كما كنت أدعو، قال:فبينا أنا نائم إذا بخلق قد جاءوني، فقلت:ما أنتم وما
حاجتكم؟ قالوا:نحن أهل المقابر، قلت:ما حاجتكم؟ قالوا:إنك عودتنا منك هدية عند
انصرافك إلى أهلك، قلت:وما هي؟ قالوا:الدعوات التي كنت تدعو بها، قال:قلت فإني
أعود لذلك، قال:فما تركتها بعد.
وأبلغ
من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك:حدثني
ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال:تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا
حسنًا فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءًا قالوا:اللهم راجع به.
وذكر
ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال:ثنا محمد أخي قال:دخل عباد بن عباد على
إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال:عظني، قال:بِمَ أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن
أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله صلى الله
عليه وسلم من عملك، فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا:وحدثني محمد
بن الحسين، ثنا خالد بن عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال:كانت لي
شِرَّة سَمِجَة، فمات أبي فتبت وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في
المنام، فقال:أي بني، ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال
الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت لذلك حياء شديدًا، فلا تخزني فِيمَنْ حولي
من الأموات، قال:فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في دعائه في السحر، وكان جارًا لي
بالكوفة:أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح الصالحين، ويا هادي المضلين،
ويا أرحم الراحمين.
وهذا
باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة. وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة
يقول:اللهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد
أن استشهد عبد الله.
وقد
شرع السلام على الموتى، والسلام على مَنْ لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم
النبي صلى الله عليه وسلم أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: « سلام
عليكم أهل الديار من المؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، يرحم الله
المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية » ،
فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم
الرد ، والله أعلم ] .
اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ
الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( 54 ) .
ينبه تعالى
على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من
علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظاما ثم يُكسَى لحما، ويُنفَخ فيه الروح، ثم يخرج من
بطن أمه ضعيفا نحيفًا واهن القوى. ثم يشب قليلا قليلا حتى يكون صغيرًا، ثم حَدَثا،
ثم مراهقًا، ثم شابا. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ، ثم يشيخ ثم
يهرم، وهو الضعف بعد القوة. فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللّمَّة، وتتغير
الصفات الظاهرة والباطنة؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ )
أي:يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد، (
وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) .
قال
الإمام أحمد:حدثنا وَكِيع، عن فضيل ويزيد، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفي،
قال:قرأت على ابن عمر: ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا ) ، فقال: (
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً
ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا ) ، ثم
قال:قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأت علي، فأخذ علي كما أخذتُ
عليك.
ورواه
أبو داود والترمذي - وحَسَّنه - من حديث فضيل، به . ورواه أبو داود من حديث عبد
الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد، بنحوه .
وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ
كَانُوا يُؤْفَكُونَ ( 55 )
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ
اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ
لا تَعْلَمُونَ ( 56 )
فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
( 57 )
يخبر
تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة
الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا
في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم هم بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم يُنْظَروا
حتى يُعذَر إليهم. قال الله تعالى: (
كَذَلِكَ كَانٌوا يُؤْفَكُون * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ )
أي:فيرد عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا،
فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: (
لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أي:في
كتاب الأعمال، ( إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) أي:من
يوم خلقتم إلى أن بعثتم، ( وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا
تَعْلَمُونَ ) .
قال الله
تعالى: ( فَيَوْمَئِذٍ ) أي:يوم
القيامة، ( لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ ) أي: [ لا
ينفعهم ] اعتذارهم عما فعلوا، ( وَلا
هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) أي:ولا هم يرجعون إلى الدنيا،
كما قال تعالى: وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [
فصلت:24 ] .
وَلَقَدْ
ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ
بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ ( 58 )
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 59 )
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا
يُوقِنُونَ ( 60 )
يقول تعالى: (
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) أي:قد
بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليتبينوا الحق ويتبعوه. (
وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا
مُبْطِلُونَ ) أي:لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا
يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال [
الله ] تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا
الْعَذَابَ الأَلِيمَ [ يونس:96، 97 ] ؛
ولهذا قال هاهنا: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ )
أي:اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك،
وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، ( وَلا
يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) أي:بل
اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما
سواه هُدَى يتبع، بل الحق كله منحصر فيه.
قال سعيد عن قتادة:نادى رجل من
الخوارج عليا، رضي الله عنه، وهو في الصلاة - صلاة الغداة - فقال: وَلَقَدْ
أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [
الزمر:65 ] ، فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: (
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا
يُوقِنُونَ ) . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه
آخر فقال:
حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا يحيى بن
آدم، عن شَرِيك، عن عثمان بن أبي زُرْعَة، عن علي بن ربيعة قال:نادى رجل من
الخوارج عليا وهو في صلاة الفجر، فقال: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ
مِنَ الْخَاسِرِينَ ، فأجابه علي وهو في الصلاة: (
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا
يُوقِنُونَ ) .
طريق أخرى:قال ابن أبي
حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجَعْد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظَبْيان، عن أبي
تحيا قال:صلى علي رضي الله عنه، صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ، فأجابه
علي ، وهو في الصلاة: ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) .
[ ما روي
في فضل هذه السورة الشريفة، واستحباب قراءتها في الفجر ] :
قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن
جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب - أبا روح - يحدِّث عن رجل من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح،
فقرأ فيها الرّوم فأوهم، فقال: « إنه يلبس علينا القرآن، فإن
أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء » .
وهذا إسناد حسن ومتن حسن وفيه
سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه، عليه السلام تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك
أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام.
[ آخر
تفسير سورة « الروم » ] . _
تفسير سورة لقمان
وهي
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الم ( 1 )
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ( 2 )
هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ( 3 )
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ ( 4 )
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) .
تقدم في
أول سورة « البقرة » عامة الكلام على ما يتعلق بصدر
هذه السورة، وهو أنه تعالى جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا
العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من
نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا
قراباتهم وأرحامهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب
ذلك، لم يراؤوا به ولا أرادوا جزاءً من الناس ولا شكورا، فَمَنْ فعل ذلك كذلك فهو
من الذين قال الله تعالى: ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ
رَبِّهِمْ ) أي:على بصيرة وبينة ومنهج واضح وجلي، (
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) أي:في
الدنيا والآخرة.
وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 6 )
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا
كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 7 ) .
لما ذكر
تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال [
الله ] تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا
مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ
هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ
هَادٍ [ الزمر:23 ] ، عطف
بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع
المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) قال:هو
- والله- الغناء.
قال ابن
جرير:حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن يونس، عن أبي صخر،
عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله
بن مسعود - وهو يسأل عن هذه الآية: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
) - فقال عبد الله:الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها
ثلاث مرات .
حدثنا
عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حُمَيْد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن
جبير، عن أبي الصهباء:أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ )
قال:الغناء .
وكذا قال
ابن عباس، وجابر، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي
بن بَذيمة.
وقال
الحسن البصري:أنـزلت هذه الآية: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
بِغَيْرِ عِلْمٍ ) في الغناء والمزامير.
وقال
قتادة:قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) :والله
لعله لا ينفق فيه مالا ولكنْ شراؤه استحبابه، بحسب المرء من الضلالة أن يختارَ
حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.
وقيل:عنى
بقوله: ( يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ )
:اشتراء المغنيات من الجواري.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي:حدثنا وَكِيع، عن خَلاد الصفار، عن
عُبَيْد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا يحل بيع المغنيات ولا
شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنـزل الله عز وجل عَلَيّ: (
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) . »
وهكذا
رواه الترمذي وابن جرير، من حديث عُبَيد الله بن زحر بنحوه ، ثم قال الترمذي:هذا
حديث غريب. وضَعُفَ علي بن يزيد المذكور.
قلت:علي،
وشيخه، والراوي عنه، كلهم ضعفاء. والله أعلم.
وقال
الضحاك في قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) يعني:الشرك. وبه قال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع
سبيله.
وقوله: (
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أي:إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام
وأهله.
وعلى
قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلا للأمر القدري، أي:قُيضوا لذلك
ليكونوا كذلك.
وقوله: (
وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ) قال مجاهد:ويتخذ سبيل الله
هزوا، يستهزئ بها.
وقال
قتادة:يعني:ويتخذ آيات الله هزوا. وقول مجاهد أولى.
وقوله تعالى:
( أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) أي:كما
استهانوا بآيات الله وسبيله، أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.
ثم قال
تعالى: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ) أي:هذا
المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها وأعرض
وأدبر وتَصَامّ وما به من صَمَم، كأنه ما يسمعها؛ لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا
انتفاع له بها، ولا أرَبَ له فيها، (
فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) أي:يوم القيامة يؤلمه، كما
تألم بسماع كتاب الله وآياته.
إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ( 8 )
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 9 ) .
هذا ذكر
مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله وصَدّقوا المرسلين،
وعملوا الأعمال الصالحة المتابعة لشريعة الله (
لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) أي:يتنعمون فيها بأنواع
الملاذ والمسارّ، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب والنساء،
والنضرة والسماع الذي لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائما فيها، لا يظعنون،
ولا يبغون عنها حولا.
وقوله: (
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ) أي:هذا كائن لا محالة؛ لأنه
من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد؛ لأنه الكريم المنان، الفعال لما يشاء، القادر
على كل شيء، ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) ،الذي
قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، (
الْحَكِيمُ ) ،في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين قُلْ
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي
آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى [
فصلت:44 ] ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [
الإسراء:82 ] .
خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ
تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْـزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 10 )
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ
الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) .
يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة
على خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال: (
خَلَقَ السَّماَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ) ، قال
الحسن وقتادة:ليس لها عَمَد مرئية ولا غير مرئية.
وقال ابن عباس، وَعكْرِمة،
ومجاهد:لها عمد لا ترونها. وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة « الرعد
» بما أغنى عن إعادته.
وَأَلْقَى فِي الأرْضِ
رَوَاسِيَ ) يعني:الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء؛
ولهذا قال: ( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ )
أي:لئلا تميد بكم.
وقوله: (
وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ )
أي:وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي
خلقها.
ولما قرر أنه الخالق نبه على
أنه الرازق بقوله تعالى ( وَأَنـزلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) أي:من
كل زوج من النبات كريم، أي:حسن المنظر.
وقال الشعبي:والناس - أيضًا -
من نبات الأرض، فَمَنْ دخل الجنة فهو كريم، ومَنْ دخل النار فهو لئيم.
وقوله: ( هَذَا
خَلْقُ اللَّهِ ) أي:هذا الذي ذكره تعالى من
خلق السماوات، والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك
له في ذلك؛ ولهذا قال: ( فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ
الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) أي:مما تعبدون وتدعون من
الأصنام والأنداد ، ( بَلِ الظَّالِمُونَ ) يعني:المشركين
بالله العابدين معه غيره ( فِي ضَلالٍ ) أي:جهل
وعمى، ( مُبِينٍ ) أي:واضح ظاهر لا خفاء به.
وَلَقَدْ
آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 ) .
اختلف
السلف في لقمان، عليه السلام:هل كان نبيًا، أو عبدًا صالحا من غير نبوة؟ على
قولين، الأكثرون على الثاني.
وقال
سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال:كان لقمان عبدًا حبشيًا
نجارًا.
وقال
قتادة، عن عبد الله بن الزبير، قلت لجابر بن عبد الله:ما انتهى إليكم من شأن
لقمان؟ قال:كان قصيرًا أفطس من النوبة.
وقال
يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال:كان لقمان من سودان مصر، ذا مشافر،
أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة.
وقال
الأوزاعي:رحمه الله، حدثني عبد الرحمن بن حَرْمَلة قال:جاء رجل أسود إلى سعيد بن
المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب:لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير
الناس ثلاثة من السودان:بلال، ومهْجَع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان
أسود نوبيًا ذا مشافر .
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب ، عن خالد الرَّبَعِيّ قال:كان
لقمان عبدًا حبشيا نجارا، فقال له مولاه:اذبح لنا هذه الشاة. فذبحها، فقال:أخْرجْ
أطيب مُضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله ثم قال:اذبح لنا هذه
الشاة. فذبحها، فقال:أخرج أخبث مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه:أمرتك
أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما.
فقال لقمان:إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا .
وقال
شعبة، عن الحكم، عن مجاهد:كان لقمان عبدًا صالحًا، ولم يكن نبيا.
وقال
الأعمش:قال مجاهد:كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين.
وقال
حَكَّام بن سَلْم، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد:كان لقمان الحكيم عبدا حبشيا غليظ
الشفتين، مُصَفح القدمين، قاضيا على بني إسرائيل.
وذكر
غيره:أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن داود، عليه السلام.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال:كان لقمان، عليه
السلام، عبدًا أسود غليظ الشفتين، مُصَفَّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس
يحدثهم، فقال له:ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا، قال:نعم.
فقال:فما بلغ بك ما أرى؟ قال:صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد
عن جابر قال:إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال
له:ألست عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال:بلى. قال:فما بلغ بك ما أرى؟
قال:قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني.
فهذه
الآثار منها ما هو مُصرَّح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك؛ لأن كونه
عبدًا قد مَسَّه الرق ينافي كونه نبيا؛ لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها؛ ولهذا
كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة - إن صح
السند إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وَكِيع عن إسرائيل، عن
جابر، عن عكرمة فقال:كان لقمان نبيًا. وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف،
والله أعلم.
وقال عبد
الله بن وهب:أخبرني عبد الله بن عياش القتْبَاني، عن عُمَر مولى غُفرَة قال:وقف
رجل على لقمان الحكيم فقال:أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس؟ قال:نعم. قال:أنت راعي
الغنم؟ قال:نعم. قال:أنت الأسود؟ قال:أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟
قال:وَطءْ الناس بسَاطك، وغَشْيُهم بابك، ورضاهم بقولك. قال:يا بن أخي إن صَغَيتَ
إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان:غضي بصري، وكفي لساني، وعفة طعمتي، وحفظي
فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني،
فذاك الذي صيرني إلى ما ترى.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفَيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عَبْدَةَ بن
رَبَاح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال يومًا - وذُكرَ لقمان
الحكيم - فقال:ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلا
صَمْصَامة سكيتا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق
ولا يتنخَّع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد
منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد،
فماتوا فلم يبك عليهم. وكان يغشى السلطان، ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر ،فبذلك
أوتي ما أوتي.
وقد ورد
أثر غريب عن قتادة، رواه ابن أبي حاتم، فقال:
حدثنا
أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد بن
بشير، عن قتادة قال:خَيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة
على النبوة. قال:فأتاه جبريل وهو نائم فَذرَّ عليه الحكمة - أو:رش عليه الحكمة -
قال:فأصبح ينطق بها.
قال
سعيد:فسمعت عن قتادة يقول:قيل للقمان:كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خَيَّرك
ربك؟ فقال:إنه لو أرسل إليَّ بالنبوة عَزْمَة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن
أقوم بها، ولكنه خَيّرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إليَّ.
فهذا من
رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم.
والذي
رواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، في قوله تعالى: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ )
أي:الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًا، ولم يوح إليه.
وقوله: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ )
أي:الفهم والعلم والتعبير، ( أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ )
أي:أمرناه أن يشكر الله، عز وجل، على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل، الذي
خصَّه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.
ثم قال
تعالى: ( وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ )
أي:إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين لقوله تعالى: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [ الروم:44 ] .
وقوله: (
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) أي:غني
عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عمن سواه؛
فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه.
وَإِذْ
قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 )
وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 )
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ
أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ( 15 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده - وهو:لقمان بن عنقاء بن سدون. واسم ابنه:ثاران
في قول حكاه السهيلي. وقد ذكره [ الله ] تعالى
بأحسن الذكر، فإنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم
إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف؛ ولهذا أوصاه أولا بأن يعبد الله وحده ولا
يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ( إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) أي:هو أعظم الظلم.
قال
البخاري حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة ،عن عبد الله،
رضي الله عنه، قال:لما نـزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ [ الأنعام:82 ] ، شق
ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا:أينا لم يَلْبس إيمانه بظلم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنه
ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ( يَا
بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) . »
ورواه
مسلم من حديث الأعمش، به .
ثم
قَرَنَ بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين. كما قال تعالى: وَقَضَى
رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [
الإسراء:23 ] . وكثيرا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن.
وقال
هاهنا ( وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) . قال مجاهد:مشقة وَهْن
الولد.
وقال
قتادة:جهدًا على جهد.
وقال
عطاء الخراساني:ضعفا على ضعف.
وقوله: (
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) أي:تربيته وإرضاعه بعد وضعه
في عامين، كما قال تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ
كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [
البقرة:233 ] .
ومن
هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى
في الآية الأخرى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [
الأحقاف:15 ] .
وإنما
يذكر تعالى تربيةَ الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلا ونهارًا، ليُذكّر الولد
بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرًا [ الإسراء:24 ] ؛
ولهذا قال: ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ )
أي:فإني سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غَيْلان قالا
حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن سعيد بن وهب قال:قدم علينا معاذ
بن جبل، وكان بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم
قال:إني [ رسول ] رسول الله صلى الله عليه وسلم
إليكم:أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وأن
المصير إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت.
وقوله: (
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا ) أي:إن حَرَصَا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما،
فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي:محسنًا
إليهما، ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ )
يعني:المؤمنين، ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
قال
الطبراني في كتاب العشرة:حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا
أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند [ عن
أبي عثمان النهدي ] :أن سعد بن مالك قال:أنـزلت
فيَّ هذه الآية: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ
تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ) الآية،
وقال:كنت رجلا برًا بأمي، فلما أسلمت قالت:يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟
لَتَدَعَنّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فَتُعَيَّر بي، فيقال: « يا
قاتل أمه » . فقلت:لا تفعلي يا أمَه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثتْ
يومًا وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثتْ يومًا [ آخر
] وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحتْ قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك
قلت:يا أمه، تعلمين والله لو كانت لكِ مائة نفس فخَرجت نَفْسا نَفْسًا، ما تركت
ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي. فأكلتْ .
يَا بُنَيَّ
إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ
فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
خَبِيرٌ ( 16 ) يَا
بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( 17 ) وَلا
تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 18 )
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) .
هذه وصايا نافعة قد حكاها الله
تعالى عن لقمان الحكيم؛ ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: ( يَا
بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) أي:إن
المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة [ من ] خردل.
وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: (
إِنَّهَا ) ضمير الشأن والقصة. وجوز على هذا رفع (
مِثْقَالَ ) والأول أولى.
وقوله: (
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) أي:أحضرها الله يوم القيامة
حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى:
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ
شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى
بِنَا حَاسِبِينَ [ الأنبياء:47 ] ، وقال
تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [
الزلزلة:7 ، 8 ] ، ولو كانت تلك الذرة محصنة
محجبة في داخل صخرة صَمَّاء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء السماوات أو الأرض فإن الله
يأتي بها؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في
الأرض؛ ولهذا قال: ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ
خَبِيرٌ ) أي:لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دَقت ولطفت
وتضاءلت ( خَبِيرٌ ) بدبيب النمل في الليل البهيم.
وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله:
( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ) أنها
صخرة تحت الأرضين السبع، ذكره السُّدِّي بإسناده ذلك المطروق عن ابن عباس وابن
مسعود وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي، وأبي مالك،
والثوري، والمِنهال بن عمرو، وغيرهم. وهذا والله أعلم، كأنه متلقى من الإسرائيليات
التي لا تصدق، ولا تكذب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد:أن هذه الحبة في حقارتها
لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها بلطيف علمه، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن
لَهِيعة، حدثنا دَراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « لو أن أحدكم يعمل في صخرة
صَمَّاء، ليس لها باب ولا كوَّة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان » .
ثم قال: ( يَا
بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) أي:بحدودها وفروضها وأوقاتها،
( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ )
أي:بحسب طاقتك وجهدك، ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ ) ،علم أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله
من الناس أذى، فأمره بالصبر.
وقوله: ( إِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) أي:إن الصبر على أذى الناس
لمن عزم الأمور.
وقوله: ( وَلا
تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) يقول:لا تُعرِضْ بوجهك عن
الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم ولكن ألِنْ جانبك،
وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: « ولو أن
تلقى أخاك ووجهك إليه مُنْبَسِط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المِخيلَة،
والمخيلة لا يحبها الله » .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس في قوله: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
) يقول:لا تتكبر فتحقِرَ عبادَ الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا
كلموك. وكذا روى العوفي وعكرمة عنه.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ( وَلا
تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ) :لا تكَلَّم وأنت معرض. وكذا
رُوي عن مجاهد، وعِكْرِمة، ويزيد بن الأصم، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جُبَيْر،
والضحاك، وابن يزيد، وغيرهم.
وقال إبراهيم النَّخعِي:يعني
بذلك:التشديق في الكلام.
والصواب القول الأول.
قال ابن جرير:وأصل الصَّعَر:داء
يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تُلفَتَ أعناقُها عن رؤوسها، فشبه به الرجل
المتكبر، ومنه قول عمرو بن حُني التَّغْلبي:
وَكُنَّــا
إذَا الجَبَّــارُ صَعّــر خَـدّه أقَمْنَــا لَــه مِــنْ مَيْلِـه فَتَقَوّمَـا
وقال أبو طالب في شعره:
وَكُنَّــا
قَديمًــا لا نقــرُّ ظُلامَــة إذا مـا ثَنـوا صُعْـر الرؤوس نُقِيمها
وقوله: ( وَلا
تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا ) أي:جذلا متكبرًا جبارًا
عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: ( إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ )
أي:مختال معجب في نفسه، فخور:أي على غيره، وقال تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ
مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا [
الإسراء:37 ] ، وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه.
وقال الحافظ أبو القاسم
الطبراني:حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا
أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس بن
شَمَّاس قال:ذكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدد فيه، فقال: « إن
الله لا يحب كل مختال فخور » . فقال رجل من القوم:والله يا
رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شِراك نعلي، وعِلاقة سَوْطي،
فقال: « ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تَسْفه الحق وتَغْمِط الناس » .
ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه
قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته .
وقوله: (
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ) أي:امش مشيًا مقتصدا ليس
بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلا وسطًا بين بين.
وقوله: (
وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ) أي:لا تبالغ في الكلام، ولا
ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ
أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) قال
مجاهد وغير واحد:إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي:غاية مَنْ رفع صوته أنه يُشَبه
بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه في هذا
بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس
لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه » .
وقال النسائي عند تفسير هذه
الآية:حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه
] قال: « إذا سمعتم صياح الديكة
فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها
رأت شيطانًا » .
وقد أخرجه بقية الجماعة سوى ابن
ماجه، من طرق، عن جعفر بن ربيعة به، وفي بعض الألفاظ: « بالليل
» ، فالله أعلم.
فهذه وصايا نافعة جدًا، وهي من
قَصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم. وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة،
فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك.
قال الإمام أحمد:حدثنا ابن
إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نَهْشَل بن مُجَمِّع الضبي عن
قزعة، عن ابن عمر رضي الله عنه قال:أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
لقمان الحكيم كان يقول:إن الله إذا استودع شيئا حفظه » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم [ بن
مُخَيْمِرة يحدث عن أبي موسى الأشعري ] أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
لقمان لابنه وهو يعظه:يا بني، إياك والتقنع فإنه مخوفة بالليل، مذمة بالنهار » .
وقال:حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن
عثمان، عن ضَمْرَة، حدثنا السَّريّ بن يحيى قال:قال لقمان لابنه:يا بني، إن الحكمة
أجلست المساكين مجالس الملوك.
وقال:حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن
سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي ، عن عَوْن بن عبد الله
قال:قال لقمان لابنه:يا بني، إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام - يعني السلام
- ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله
فَأجِلْ سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم.
وحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن
عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة ، عن حفص بن عمر، رضي الله عنه،
قال:وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفذ
الخردل، فقال:يا بني، لقد وعظتك موعظة لو وُعِظَها جبل لتفطر. قال:فتفطر ابنه.
وقال أبو القاسم الطبراني:حدثنا
يحيى بن عبد الباقي المِصِّيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن
عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أبين بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن
أبي رباح ، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اتخذوا
السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة:لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن
» .
قال أبو القاسم الطبراني:أراد
الحبش.
فصل في الخمول والتواضع:وذلك
متعلق بوصية لقمان، عليه السلام، لابنه، وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي
الدنيا كتابًا مفردًا [ و ] نحن،
نذكر منه مقاصده، قال:حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن
أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك:سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: « رُبَّ أشعثَ ذي طِمْرَين يُصْفَح عن أبواب الناس، إذا أقسم
على الله لأبره » .
ثم رواه من حديث جعفر بن
سليمان، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وزاد،
منهم البراء بن مالك .
[ وروي
أيضا عن أنس، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « طوبى
للأتقياء الأثرياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك
مصابيح مجردون من كل فتنة غبراء مشينة » ] . وقال
أبو بكر بن سهل التميمي:حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، عن عياش بن عباس،
عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، رضي الله عنه، أنه دخل
المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
له:ما يبكيك يا معاذ؟ قال:حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول:
« إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء
الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح
الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة » .
حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا
عَثَّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن
مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « رُبَّ
ذي طمرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال:اللهم إني أسألك الجنة
لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئا » .
وقال أيضا:حدثنا إسحاق بن
إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إن من أمتي مَنْ لو أتى باب
أحدكم يسأله دينارًا أو درهما أو فلسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها،
ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه
له، لو أقسم على الله لأبره » .
وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقال أيضا:حدثنا إسحاق بن
إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عَوْف قال:قال أبو هريرة قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إن من ملوك الجنة من هو أشعث
أغبر ذو طمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا
خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم يُنصَت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره،
لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم » .
قال:وأنشدني عمر بن شَبَّةَ، عن ابن عائشة قال:قال عبد الله بن المبارك:
ألا رُبّ
ذي طمْـرَين فـي مَنـزل غَدًا زَرَابِيـــه مَبْثُـوثــةً ونَمَارقُــه
قَـد
اطَّـرَدَتْ أنهـاره حَـْوَل قَصْـره وَأشــرَقَ والتفَّــتْ عَلَيـه حَدَائقُـه
وروي - أيضا - من حديث عُبَيد
الله بن زَحْر، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا: « قال
الله:من أغبط أوليائي عندي:مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه،
وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع. إن صبر على ذلك » .
قال:ثم نَقَد رسول الله بيده وقال: « عُجّلت
منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه » .
وعن عبد الله بن عمرو قال:أحب
عباد الله إلى الله الغرباء. قيل:ومَنْ الغرباء؟ قال:الفرارون بدينهم، يجمعون يوم
القيامة إلى عيسى بن مريم .
وقال الفضيل بن عياض:بلغني أن
الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة:ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم ..؟
ألم ..؟ ألم أخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل:إن استطعت ألا تُعرَف فافعل، وما عليك ألا
يُثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس محمودًا عند الله.
وكان ابن مُحَيْرِيز يقول:اللهم
إني أسألك ذكرا خاملا.
وكان الخليل بن أحمد يقول:اللهم
اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط
خلقك.
ثم قال :
باب ما جاء في الشهرة
حدثنا أحمد بن عيسى المصري،
حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سِنَان بن
سعد، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حسب
امرئ من الشر - إلا من عصم الله - أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه،
وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم » .
وروي مثله عن إسحاق بن البهلول،
عن ابن أبي فُدَيْك، عن محمد بن عبد الواحد الأخْنَسِيّ، عن عبد الواحد بن أبي
كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعا، مثله .
وروي عن الحسن مرسلا نحوه ،
فقيل للحسن:فإنه يشار إليك بالأصابع؟ فقال:إنما المراد من يشار إليه في دينه
بالبدعة وفي دنياه بالفسق .
وعن علي، رضي الله عنه، قال:لا
تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم،
واصمت تسلم، تَسُر الأبرار،
وتغيظ الفجار.
وقال إبراهيم بن أدهم، رحمه
الله:ما صدق الله من أحب الشهرة.
وقال أيوب:ما صدق الله عبده إلا
سره ألا يشعر بمكانه.
وقال محمد بن العلاء:من أحب
الله أحب ألا يعرفه الناس.
وقال سِمَاك بن سلمة:إياك وكثرة
الأخلاء.
وقال أبَان بن عثمان:إن أحببت
أن يسلم لك دينك فأقل من المعارف؛ كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض
وتركهم.
وقال:حدثنا علي بن الجَعْد،
أخبرنا شعبة، عن عَوْف، عن أبي رَجَاء قال:رأى طلحة قوما يمشون معه، فقال:ذباب
طمع، وفراش النار.
وقال ابن إدريس، عن هارون بن
عنترة ، عن سليم بن حنظلة قال:بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة
وقال:إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع.
وقال ابن عون، عن الحسن:خرج ابن
مسعود فاتبعه أناس، فقال:والله لو تعلمون ما أغلِقُ عليه بابي، ما اتبعني منكم
رجلان.
وقال حماد بن زيد:كنا إذا مررنا
على المجلس، ومعنا أيوب، فسلم، ردوا ردا شديدا، فكان ذلك يَغُمه.
وقال عبد الرزاق، عن
مَعْمَر:كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال:إن الشهرة فيما مضى كانت في
طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي النبي صلى الله عليه
وسلم، فلبسهما أياما ثم خلعهما، وقال:لم أر الناس يلبسونهما.
وقال إبراهيم النَّخَعي:لا تلبس
من الثياب ما يُشهر في الفقهاء، ولا ما يزدريك السفهاء.
وقال الثوري:كانوا يكرهون من
الثياب الجياد، التي يُشتَهر بها، ويرفع الناس إليه فيها أبصارهم. والثياب الرديئة
التي يحتقر فيها، ويستذل دينه.
وحدثنا خالد بن خِدَاش:حدثنا
حماد، عن أبي حسنة - صاحب الزيادي - قال:كنا عند أبي قِلابة إذ دخل عليه رجل عليه
أكسية، فقال:إياكم وهذا الحمار النهاق.
وقال الحسن، رحمه الله:إن قوما
جعلوا الكبر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعجب من صاحب
المطرف بمطرفه ، ما لهم تفاقدوا.
وفي بعض الأخبار أن موسى، عليه
السلام، قال لبني إسرائيل:ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب،
البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية.
فصل في حسن الخلق
قال أبو التياح:عن أنس، رضي
الله عنه:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا .
وعن عطاء، عن ابن عمر:قيل:يا
رسول الله، أيّ المؤمنين أفضل؟ قال: « أحسنهم
خلقا » .
وعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن
أنس مرفوعا: « إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه
لضعيف العبادة. وإنه ليبلغ بسوء خلقه دَرَك جهنم وهو عابد » . وعن
سِنَان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعا: « ذهب
حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة » . وعن عائشة مرفوعا: « إن
العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار » .
وقال ابن أبي الدنيا:حدثني أبو
مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن
أبي هريرة، رضي الله عنه:سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخلُ
الناسَ الجنة، فقال: « تقوى الله وحسن الخلق » . وسئل
عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: «
الأجوفان:الفم والفرج » .
وقال أسامة بن شَرِيك:كنت عند
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا:يا رسول الله،
ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: « حسن الخلق » .
وقال يعلى بن مملك :عن أم
الدرداء، عن أبي الدرداء - يبلغ به - قال: « ما [ من ] شيء
أثقل في الميزان من حسن الخلق » ، وكذا رواه عطاء، عن أم
الدرداء، به .
وعن مسروق، عن عبد الله بن عمرو
مرفوعا: « إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا » .
حدثنا عبد الله بن أبي بدر،
حدثنا محمد بن عبيد ، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن علي قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن الله ليعطي العبد من
الثواب على حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح » .
وعن مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعا:
« إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا، أحاسنكم أخلاقا، وإن
أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني منـزلا في الجنة مساويكم أخلاقا، الثرثارون المتشدقون
المتفيهقون » .
وعن أبي أويس، عن محمد بن
المنْكَدِر، عن جابر مرفوعا: « ألا أخبركم بأكملكم إيمانا،
أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يُؤْلفون ويَأْلفون » .
وقال الليث، عن يزيد بن عبد
الله بن أسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
حَسَّن الله خَلْق رجل وخُلُقه فَتَطْعَمَه النار » .
وعن عبد الله بن غالب
الحُدَّاني، عن أبي سعيد مرفوعا: « خصلتان
لا يجتمعان في مؤمن:البخل، وسوء الخلق » ، وقال
ميمون بن مِهْرَان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من
ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق؛ وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر » .
حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو
المغيرة الأحْمَسِيّ، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من قريش قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ما من ذنب أعظم عند الله من
سوء الخلق؛ إن الخلق الحسن ليذيب الذنوب كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ
ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل » .
وقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه،
عن جده، عن أبي هريرة مرفوعا: « إنكم لا تَسَعُون الناس
بأموالكم، ولكن يَسَعُهم منكم بسط وجوه وحسن خلق » .
وقال محمد بن سيرين:حسن الخلق
عون على الدين.
فصل في ذم الكبر
قال علقمة، عن ابن مسعود - رفعه
- : « لا يدخل الجنة مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من كِبْر، ولا
يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان » .
وقال إبراهيم بن أبي عَبْلَة،
عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: « من كان
في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار » .
حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا
أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة، عن أبيه مرفوعا: « لا
يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب
» .
وقال مالك بن دينار:ركب سليمان
بن داود، عليهما السلام، ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس، ومائتي ألف من
الجن، فَرُفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر،
فسمعوا صوتا لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما رفع.
حدثنا أبو خَيثَمة، حدثنا يزيد
بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال:كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق
الإنسان، حتى إن أحدنا ليُقذر نفسه، يقول:خرج من مجرى البول مرتين .
وقال الشعبي:من قتل اثنين فهو
جبار، ثم تلا أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ
تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ [
القصص:19 ] وقال الحسن:عجبا لابن آدم، يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين
ثم يتكبر! يعارض جبار السماوات، قال:حدثنا خالد بن خِدَاش، حدثنا حماد بن زيد، عن
علي بن الحسن، عن الضحاك بن سفيان، فذكر الحديث. ضرب مثل الدنيَا بما يخرج من ابن
آدم .
وقال الحسن، عن يحيى، عن أبي
قال:إن مطعم بن آدم ضرب مثل للدنيا وإن قَزّحَه ومَلَّحه.
وقال محمد بن الحسين بن علي -
من ولد علي رضي الله عنه - :ما دخل قلبَ رجل شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر
ذلك.
وقال يونس بن عبيد:ليس مع
السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق.
ونظر طاوس إلى عمر بن عبد
العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعنه طاوس في جنبه بأصبعه،
وقال:ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه:يا عم، لقد ضرب كل عضو
مني على هذه المشية حتى تعلمتها.
قال أبو بكر بن أبي الدنيا:كانت
بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا هذه المشية.
فصل في الاختيال
عن أبي ليلى، عن ابن بُرَيْدة،
عن أبيه مرفوعا: « مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاء لم
ينظر الله إليه » .
ورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن
سفيان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا مثله . وحدثنا محمد بن بَكَّار، حدثنا
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: « لا
ينظر الله يوم القيامة إلى مَنْ جر إزاره » . و « بينما
رجل يتبختر في برديه، أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم
القيامة » .
وروى الزهري عن سالم، عن أبيه: « بينما
رجل ... » إلى آخره .
أَلَمْ
تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ ( 20 )
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا
وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى
عَذَابِ السَّعِيرِ ( 21 ) .
يقول
تعالى منبها خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه سخر لهم ما في السماوات
من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد،
وجعله إياها لهم سقفا محفوظا، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع
وثمار. وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنـزال الكتب، وإزاحة
الشبَه والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي:في
توحيده وإرسال الرسل. ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب
مأثور صحيح؛ ولهذا قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ )
أي:مبين مضيء.
وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ ) أي:لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: (
اتَّبِعُوا مَا أَنـزلَ اللَّهُ ) أي:على رسوله من الشرائع
المطهرة، ( قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) أي:لم
يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا
يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [
البقرة:170 ] أي:فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم، أنهم كانوا على
ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه؛ ولهذا قال: (
أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) .
وَمَنْ
يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( 22 )
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ
بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 23 )
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ( 24 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله، أي:أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه؛ ولهذا
قال: ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) أي:في
عمله، باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر، (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) أي:فقد
أخذ موثقا من الله متينًا أنه لا يعذبه، (
وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ * وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ) أي:لا
تحزن يا محمد عليهم في كفرهم بالله وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى
الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا، أي:فيجزيهم عليه، ( إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ، فلا
تخفى عليه خافية.
ثم قال:
( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ) أي:في
الدنيا ، ( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ )
أي:نلجئهم ( إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ )
أي:فظيع صعب مشق على النفوس، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ
[ يونس:69، 70 ] .
وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 )
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ ( 26 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به:إنهم يعرفون أن الله خالقُ السماوات والأرض، وحدَه
لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خَلْقٌ له وملك له؛ ولهذا قال:
( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) [
أي:إذْ قامت عليكم الحجة باعترافكم ] ، بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) .
ثم قال:
( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:هو
خلقه وملكه، ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )
أي:الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في
السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها.
وَلَوْ
أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ( 27 ) مَا
خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
بَصِيرٌ ( 28 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن عظمته
وكبريائه وجلاله، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا وكلماته التامة التي لا يحيط بها
أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: « لا
أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك » ، فقال
تعالى: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ
اللَّهِ ) [ أي:ولو أن جميع أشجار
الأرض جعلت أقلاما، وجعل البحر مدادًا ومَده سبعة أبحر ] معه،
فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام، ونَفدَ ماء
البحر، ولو جاء أمثالها مَدَدا.
وإنما ذكرت « السبعة
» على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا [ أن ] ثم
سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرائيليين التي لا
تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ
مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ
رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [
الكهف:109 ] ، فليس المراد بقوله: (
بِمِثْلِهِ ) آخر فقط، بل بمثله ثم بمثله ثم بمثله، ثم هلم جرا؛ لأنه لا
حصر لآيات الله وكلماته.
وقال الحسن البصري:لو جعل شجر
الأرض أقلاما، وجعل البحر مدادا، وقال الله: « إن من
أمري كذا، ومن أمري كذا » لنفد ما في البحور، وتكسرت
الأقلام.
وقال قتادة:قال المشركون:إنما
هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: (
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) أي:لو
كان شجر الأرض أقلاما، ومع البحر سبعة أبحر، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه
وعلمه.
وقال الربيع بن أنس:إن مثل علم
العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنـزل الله ذلك: (
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) الآية.
يقول:لو كان البحر مدادا لكلمات
الله والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله
قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي،
حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول.
وقد روي أن هذه الآية نـزلت
جوابا لليهود، قال ابن إسحاق:حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن
ابن عباس؛ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة:يا محمد،
أرأيت قولك: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ؟ [
الإسراء:85 ] ، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كلا » .
فقالوا:ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « إنها في علم الله قليل،
وعندكم من ذلك ما يكفيكم » . وأنـزل الله فيما سألوه عنه
من ذلك: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) الآية
.
وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن
يَسَار. وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي:عزيز قد عَز كلَّ شيء
وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، (
حَكِيمٌ ) في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شؤونه.
وقوله: ( مَا
خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) أي:ما
خَلْقُ جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة [ خلق
] نفس واحدة، الجميع هين عليه و إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [
يس:82 ] ، وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [
القمر:50 ] أي:لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج
إلى تكرره وتوكده . فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ
بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات:13، 14 ] .
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) أي:كما هو سميع لأقوالهم بصير
بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس
واحدة؛ ولهذا قال: ( مَا خَلْقُكُمْ وَلا
بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ] ) .
أَلَمْ
تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي
اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 29 )
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 30 )
يخبر
تعالى أنه ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ )
بمعنى:يأخذ منه في النهار، فيطولُ ذلك ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار
إلى الغاية، ثم يسرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في زمن الشتاء،
( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى
أَجَلٍ مُسَمًّى ) قيل:إلى غاية محدودة.
وقيل:إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر، رضي
الله عنه، الذي في الصحيحين:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يا أبا
ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ » . قلت:الله ورسوله أعلم. قال: « فإنها
تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربَّها فيوشك أن يقال لها:ارجعي من حيث جئت » .
وقال ابن
أبي الحاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جُرَيْج، عن
عَطَاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس أنه قال:الشمس بمنـزلة الساقية، تجري بالنهار في
السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها،
قال:وكذلك القمر. إسناده صحيح.
وقوله: (
وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ،
كقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [
الحج:70 ] . ومعنى هذا:أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [
الطلاق:12 ] .
وقوله: (
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
الْبَاطِلُ ) أي:إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق،
أي:الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير
إليه؛ لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على
تحريك ذَرّة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن
ذلك؛ ولهذا قال: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ
الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ
الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) أي:العلي:الذي لا أعلى منه،
الكبير:الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
أَلَمْ
تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ
آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 )
وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ
بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 )
يخبر
تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي:بلطفه وتسخيره؛ فإنه
لولا ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت؛ ولهذا قال: (
لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ) أي:من قدرته، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )
أي:صبار في الضراء، شكور في الرخاء.
ثم قال:
( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ )
أي:كالجبال والغمام، ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ
لَهُ الدِّينَ ) ، كما قال تعالى: وَإِذَا
مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ [
الإسراء:67 ] ، وقال فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت:65 ] .
ثم قال:
( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
) قال مجاهد:أي كافر. كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد، كما
قال تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [
العنكبوت:65 ] .
وقال ابن
زيد:هو المتوسط في العمل.
وهذا
الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [
فاطر:32 ] ، فالمقتصد هاهنا هو:المتوسط في العمل. ويحتمل أن يكون
مرادًا هنا أيضا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام
والآيات الباهرات في البحر، ثم بعدما أنعم عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك
بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان
مقصرا والحالة هذه، والله أعلم.
وقوله: ( وَمَا
يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ )
:فالختار:هو الغَدَّار. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، ومالك عن زيد بن أسلم، وهو
الذي كلما عاهد نقض عهده، والخَتْر:أتَم الغدر وأبلغه، قال عمرو بن معد يكرب:
وَإنَّــكَ
لَــو رَأيــتَ أبَـا عُمَـير مَــلأتَ يَـديْكَ مِـنْ غَـدْر وَخَـتْر
وقوله: (
كَفُورٍ ) أي:جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها.
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ
وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ
الْغَرُورُ ( 33 ) .
يقول
تعالى منذرا للناس يوم المعاد، وآمرا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من يوم القيامة
حيث ( لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ) أي:لو
أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يتقبل
منه.
ثم عاد
بالموعظة عليهم بقوله: ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ) [
أي:لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة ] . ( وَلا
يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
يعني:الشيطان. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة. فإنه يغر ابن آدم ويَعدهُ
ويمنيه، وليس من ذلك شيء بل كما قال تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا [
النساء:120 ] .
قال وهب
بن منبه:قال عزير، عليه السلام:لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي، وأرق نومي،
فضرعت إلى ربي وصليت وصمت فأنا في ذلك أتضرع أبكي إذ أتاني الملك فقلت له:أخبرني
هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال:إن القيامة فيها فصل
القضاء وملك ظاهر، ليس فيه رخصة، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه
والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد
بغيره ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان،
كل يَهُم همه ويبكي عَوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره. رواه ابن أبي
حاتم.
إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ
أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 34 ) .
هذه مفاتيح الغيب التي استأثر
الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا
يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ [
الأعراف:187 ] ، وكذلك إنـزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به
علمته الملائكة الموكلون بذلك ومَنْ شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في
الأرحام مما يريد أن يخلقه [ الله ] تعالى
سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيا أو سعيدا علم الملائكة الموكلون
بذلك، ومَنْ شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدا في دنياها
وأخراها، ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) في
بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وهذه شبيهة بقوله تعالى:
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ الآية [
الأنعام:59 ] . وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس:مفاتيح الغيب.
قال الإمام أحمد:حدثنا زيد بن
الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُرَيدة، سمعت أبي - بُرَيدة -
يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « خمس لا
يعلمهن إلا الله عز وجل: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .»
هذا حديث صحيح الإسناد، ولم
يخرجوه.
حديث ابن عمر:قال الإمام
أحمد:حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .
انفرد بإخراجه البخاري، فرواه
في « كتاب الاستسقاء » من
صحيحه، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري، به . ورواه في التفسير
من وجه آخر فقال:
حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا
ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر:أن أباه حدثه أن عبد الله
بن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مفاتيح
الغيب خمس » . ثم قرأ: ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ ) انفرد به أيضا .
ورواه الإمام أحمد عن غُنْدَر،
عن شعبة، عن عمر بن محمد؛ أنه سمع أباه يحدث، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .»
[
حديث ابن مسعود، رضي الله عنه:قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن
مُرَّة، عن عبد الله بن سلمة قال:قال عبد الله :أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم
مفاتيح كل شيء غير خمس: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ] .
وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن
شعبة، عن عمرو بن مرة، به. وزاد في آخره:قال:قلت له:أنت سمعته من عبد الله؟
قال:نعم. أكثر من خمسين مرة .
ورواه أيضا عن وَكِيع، عن
مِسْعَر، عن عمرو بن مرة به .
وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب
السنن ولم يخرجوه.
حديث أبي هريرة:قال البخاري عند
تفسير هذه الآية:حدثنا إسحاق، عن جرير، عن أبي حيان، عن أبي زُرْعَةَ، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما بارزا للناس، إذ
أتاه رجل يمشي، فقال:يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: « الإيمان:أن
تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر » .
قال:يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «
الإسلام:أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة،
وتصوم رمضان » . فقال:يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: «
الإحسان:أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
قال:يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: « ما
المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها:إذا ولدت الأمَةُ
رَبَّتَهَا، فذاك من أشراطها. وإذا كان الحفاة العُرَاة رؤوس الناس، فذاك من
أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله. ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ ) ، ثم انصرف الرجل فقال: » ردُّوه
عَلَيَّ « . فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال: » هذا
جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم « .»
ورواه البخاري أيضا في « كتاب الإيمان
» ، ومسلم من طرق، عن أبي حيان، به . وقد تكلمنا عليه في أول
شرح البخاري. وذكرنا ثم حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من
أفراد مسلم .
حديث ابن عباس:قال الإمام
أحمد:حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شَهْر، حدثنا عبد الله بن عباس،
رضي الله عنهما، قال:جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا له، فأتاه جبريل فجلس
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال:يا رسول الله، [ حدثني ] ما
الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل،
وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله « .
قال:فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: » إذا
فعلت ذلك فقد أسلمت « . قال:يا رسول الله، فحدِّثني
ما الإيمان؟ قال: » الإيمان:أن تؤمن بالله، واليوم
الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالموت، وبالحياة بعد الموت، وتؤمن
بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره « .
قال:فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: » إذا
فعلت ذلك فقد آمنت « . قال:يا رسول الله، حدثني ما
الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » الإحسان
أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك « .
قال:يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » سبحان
الله. في خمس لا يعلمهن إلا هو: ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ، ولكن
إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك؟ « .
قال:أجل، يا رسول الله، فحدثني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » إذا
رأيت الأمَة ولدت رَبَّتَها - أو:ربها - ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان،
ورأيت الحفاة الجياع العالة [ كانوا رؤوس الناس، فذلك من
معالم الساعة وأشراطها « . قال:يا رسول الله، ومَنْ
أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: »
العرب « ] .»
حديث غريب، ولم يخرجوه.
حديث رجل من بني عامر:روى
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن رِبْعي بن حِرَاش، عن
رجل من بني عامر؛ أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:أألج؟ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم لخادمه: « اخرُجي إليه، فإنه لا يحسن
الاستئذان فقولي له:فليقل: » السلام عليكم، أأدخل؟ «
قال:فسَمعتهُ يقول ذلك، فقلت:السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن، فدخلت، فقلت:بم أتيتنا
به؟ قال: » لم آتكم إلا بخير، أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له،
وأن تَدَعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات؛ وأن تصوموا من
السنة شهرًا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على
فقرائكم « . قال:فقال:فهل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: » قد عَلم
الله عز وجل خيرًا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل:الخمس: ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ
بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) . وهذا
إسناد صحيح.
وقال ابن أبي نَجِيِح، عن
مجاهد:جاء رجل من أهل البادية فقال:إن امرأتي حبلى، فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا
جَدبَةٌ، فأخبرني متى ينـزل الغيث؟ وقد عَلمتُ متى وُلدتُ فأخبرني متى أموت؟
فأنـزل الله عز وجل: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ [ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ ] ) ، إلى
قوله: ( إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) . قال
مجاهد:وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا
يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ [ الأنعام:59 ] . رواه
ابن أبي حاتم، وابن جرير.
وقال الشعبي، عن مسروق، عن
عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت:مَنْ حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ( وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ) .
وقوله: ( وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) :قال
قتادة:أشياء استأثر الله بهن، فلم يُطلع عليهن مَلَكا مقربًا، ولا نبيا مرسلا ( إِنَّ
اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) ، فلا
يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي شهر، أو ليل أو نهار، (
وَيُنـزلُ الْغَيْثَ ) ، فلا يعلم أحد متى ينـزل
الغيث، ليلا أو نهارًا، ( وَيَعْلَمُ مَا فِي
الأرْحَامِ ) ، فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود،
وما هو، ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ) ، أخير
أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدا، لعلك المصاب غدا، ( وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ليس
أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر، أو سهل أو جبل؟
وقد جاء في الحديث: « إذا
أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة » ، فقال
الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، في مسند أسامة بن زيد:
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا
عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما جعل الله ميتَة عبد بأرض إلا
جعل له فيها حاجة » .
وقال عبد الله بن الإمام
أحمد:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحَفَريّ، عن سفيان، عن أبي
إسحاق، عن مَطَر بن عُكَامِس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إذا قضى الله
ميتة عبد بأرض، جعل له إليها حاجة « . »
وهكذا رواه الترمذي في « القدر
» ، من حديث سفيان الثوري، به . ثم قال: « حسن
غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث. وقد رواه أبو
داود في » المراسيل « ، فالله أعلم.»
وقال الإمام أحمد:حدثنا
إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أسامة عن أبي عزة قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إذا أراد الله قبض روح عبد
بأرض جعل له فيها - أو قال:بها - حاجة » .
وأبو عزة هذا هو:يَسَار بن عبد
الله، ويقال:ابن عبد الهُذَلي.
وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل
[ بن إبراهيم - وهو ابن عُلَيّة ، وقال:صحيح.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا
أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل ] ،
حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إذا أراد الله قبض عبد بأرض،
جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها » . ثم قرأ
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنـزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا
تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ
تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .
حديث آخر:قال الحافظ أبو بكر
البزار:حدثنا أحمد بن ثابت الجَحْدَري ومحمد بن يحيى القُطَعي قالا حدثنا عُمَر بن
علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة » . ثم
قال البزار:وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرفعه إلا عُمَر بن علي المُقَدميّ. وقال ابن
أبي الدنيا:حدثني سليمان بن أبي مسيح قال:أنشدني محمد بن الحكم لأعشى هَمْدان:
فَمَـا
تَـزَوّدَ ممَّــا كَــانَ يَجْمَعُــه سِـوَى حَـنُوط غَـدَاةَ البَيْن مَع خرَق
وَغَـيْرِ
نَفْحـة أعْـوَاد تُشَــبّ لَـُـه وَقــلّ ذَلـكَ مِــنْ زَاد لمُنْطَلــق!
لا
تَأسَـيَنّ عَـلَى شَــيْء فَكُـلّ فَتَـى إلَـى مَنيّتـه سَـيـَّارُ فـي عَنَـــق
وَكُـلّ
مَـنْ ظَـنّ أنّ المـوتَ يُخْطِئـهُ مُعَـلَّــلٌ بأعَــاليل مِـنَ الحَــمق
بأيّمـَـــا
بَلْـــدَة تُقْــدَر منيتـه إنْ لا يُسَــيَّـرْ إلَيهـا طَائعًـا يُسَـق
أورده الحافظ ابن عساكر، رحمه
الله، في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى هَمْدَان، وكان الشعبي
زوجَ أخته، وهو مُزَوّج بأخت الشعبي أيضا، وقد كان ممن طلب العلم وتَفَقَّه، ثم
عدل إلى صناعة الشعر فعُرف به.
وقد رواه ابن ماجه عن أحمد بن
ثابت وعُمَر بن شَبَّة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعا: « إذا
كان أجل أحدكم بأرض أوثَبَتْه إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره ، قبضه الله عز وجل،
فتقول الأرض يوم القيامة:رب، هذا ما أودعتني » .
قال الطبراني:حدثنا إسحاق بن
إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما جعل الله منية عبد بأرض،
إلا جعل له إليها حاجة » .
[ آخر
تفسير سورة « لقمان » والحمد لله رب العالمين،
وهو حسبنا ونعم الوكيل ]
تفسير سورة السجدة
وهي
مكية.
قال
البخاري في « كتاب الجمعة » :حدثنا
أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، عن
أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم
الجمعة: ( الم * تَنـزيلُ )
السجدة، و ( هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ ) .
ورواه
مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري، به .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن لَيْث، عن أبي الزبير،
عن جابر قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ( الم *
تَنـزيلُ ) السجدة و (
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) تفرد
به أحمد .
الم ( 1 )
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 2 ) أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا
أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 ) .
قد تقدم
الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة « البقرة
» بما أغنى عن إعادته.
وقوله: (
تَنـزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ ) أي:لا
شك فيه ولا مرية أنه نـزل ( مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
ثم قال
مخبرًا عن المشركين: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ) ، بل
يقولون: ( افْتَرَاهُ )
أي:اختلقه من تلقاء نفسه، ( بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ
يَهْتَدُونَ ) أي يتبعون الحق.
اللَّهُ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا
شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 )
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 )
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) .
يخبر
تعالى أنه الخالق للأشياء، فخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى
على العرش. وقد تقدم الكلام على ذلك.
( مَا
لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ ) أي:بل
هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا
ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه.
(
أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ ) يعني:أيها العابدون غيره،
المتوكلون على من عداه - تعالى وتقدس وتنـزه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد، أو
وزير أو عديل، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقد أورد
النسائي هاهنا حديثا فقال:حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح، حدثنا
أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عَجْلان، عن أبي جُريْج المكي، عن عطاء، عن أبي
هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال: « إن
الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم
السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والمكروه
يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر
ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض، بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها،
من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث » .
هكذا
أورد هذا الحديث إسنادًا ومتنا، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضا من حديث الحجاج بن
محمد الأعور، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن
رافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق .
وقد
علَّله البخاري في كتاب « التاريخ الكبير » فقال: « وقال
بعضهم:أبو هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح » ، وكذا
علَّله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.
وقوله: (
يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ )
أي:يتنـزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال الله
تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [
الطلاق:12 ] .
وترفع
الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض [
مسيرة ] خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة.
وقال
مجاهد، وقتادة، والضحاك:النـزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة
خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين؛ ولهذا قال تعالى: ( فِي
يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) .
(
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) أي:المدبر
لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها
وكبيرها - هو ( الْعَزِيزُ ) الذي
قد عَزَّ كلَّ شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، (
الرَّحِيمُ ) بعباده المؤمنين. فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته [
وهذا هو الكمال:العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذل ] .
الَّذِي
أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ( 7 )
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ( 8 )
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ
وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ( 9 ) .
يقول
تعالى:إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها.
وقال
مالك، عن زيد بن أسلم: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ
شَيْءٍ خَلَقَهُ ) قال:أحسن خلق كل شيء. كأنه
جعله من المقدم والمؤخر.
ثم لما ذكر
خلق السماوات والأرض، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: (
وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ )
يعني:خلق أبا البشر آدم من طين.
( ثُمَّ
جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ )
أي:يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة.
( ثُمَّ
سَوَّاهُ ) يعني:آدم، لما خلقه من تراب خلقه سويا مستقيما، (
وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ
وَالأفْئِدَةَ ) ، يعني:العقول، (
قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ) أي:بهذه القوى التي رزقكموها
الله عز وجل . فالسعيد مَنْ استعملها في طاعة ربه عز وجل.
وَقَالُوا
أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ
بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ( 10 ) قُلْ
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ ( 11 )
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين
في استبعادهم المعاد حيث قالوا: (
أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ ) أي:تمزقت أجسامنا وتفرقت في
أجزاء الأرض وذهبت، ( أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ ) ؟ أي:أئنا لَنَعُودُ بعد تلك الحال؟! يستبعدون ذلك، وهذا
إنما هو بعيد بالنسبة إلى قُدْرَتهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قُدْرة الذي بدأهم
وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؛ ولهذا قال: ( بَلْ
هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) .
ثم قال: ( قُلْ
يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) ،
الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث
البراء المتقدم ذكره في سورة « إبراهيم » ، وقد
سمي في بعض الآثار بعزرائيل، وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان. وهكذا
ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم
تناولها ملك الموت.
قال مجاهد:حُويت له الأرض فجعلت
له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. ورواه زهير بن محمد عن النبي صلى الله عليه
وسلم، بنحوه مرسلا. وقاله ابن عباس، رضي الله عنهما.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو بن شمر عن جعفر بن محمد قال:سمعت أبي
يقول:نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « يا ملك
الموت، ارفق بصاحبي فإنه مؤمن » . فقال مَلَك الموت:يا محمد،
طِبْ نفسًا وقَر عينًا فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مَدَر ولا
شَعَر، في بر ولا بحر، إلا وأنا أتصفحه في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرفُ بصغيرهم
وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد، لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قَدَرتُ
على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها .
قال جعفر:بلغني أنه إنما يتصفحهم
عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه
الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه المَلَك: « لا إله
إلا الله، محمد رسول الله » في تلك الحال العظيمة.
وقال عبد الرزاق:حدثنا محمد بن
مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرة قال:سمعت مجاهدًا يقول ما على ظهر الأرض من بيت شعر
أو مدر إلا وملك الموت يُطيف به كل يوم مرتين.
وقال كعب الأحبار:والله ما من
بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت يقوم على بابه كل يوم سبع مرات. ينظر هل
فيه أحد أمر أن يتوفاه. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ( ثُمَّ
إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) أي:يوم معادكم وقيامكم من
قبوركم لجزائكم.
وَلَوْ
تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ( 12 ) وَلَوْ
شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 13 )
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ
وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) .
يخبر
تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، وحالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله
حقيرين ذليلين، ناكسي رءوسهم، أي:من الحياء والخجل، يقولون: (
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ) أي:نحن
الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ
يَأْتُونَنَا [ مريم:38 ] .
وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ
أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [
الملك:10 ] . وهكذا هؤلاء يقولون: (
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا ) أي:إلى
الدار الدنيا، ( نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا
مُوقِنُونَ ) أي:قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب
تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون
آيات الله ويخالفون رسله، كما قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ
رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَقَالُوا إِنْ
هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [
الأنعام:27- 29 ] .
وقال
هاهنا ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) ، كما
قال تعالى وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [
يونس:99 ] .
( وَلَكِنْ
حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ ) أي:من الصنفين، فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم
منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك.
(
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا )
أي:يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ:ذوقوا [ هذا
] العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ
عاملتموه معاملة من هو ناس له، ( إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) أي: [ إنا
] سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل
عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا
نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [
الجاثية:34 ] .
وقوله: (
وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي:بسبب كفركم وتكذيبكم، كما قال في الآية الأخرى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا
وَلا شَرَابًا * إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ
كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ
شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا [
النبأ:24- 30 ] .
إِنَّمَا
يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا
وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 )
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 17 ) .
يقول
تعالى: ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا )
أي:إنما يصدق بها ( الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا
بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا ) أي:استمعوا لها وأطاعوها قولا
وفعلا ( وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
) [ أي ] عن
اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، [ وقد
] قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [
غافر:60 ] .
ثم قال [
تعالى: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ )
يعني بذلك:قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن
في قوله تعالى ] : (
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ) يعني بذلك:قيام الليل.
وعن أنس،
وعكرمة، ومحمد بن المُنْكَدِر، وأبي حازم، وقتادة:هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس
أيضًا:هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد .
وقال
الضحاك:هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة.
(
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا )
أي:خوفًا من وبال عقابه، وطمعًا في جزيل ثوابه، (
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) ،
فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا
والآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال عبد الله بن رَوَاحة، رضي الله
عنه:
وَفِينَـا
رَسُـولُ اللـه يَتْـلُـو كتَابـَـه إذَا انْشَـقَّ مَعْـرُوفٌ مِنَ الصُّبْحِ
سَاطعُ
[ أرَانَا الهُــدَى بَعْـدَ
العَمَـى فَقُلُوبُنَـا بـه مُـوقِنَـاتٌ أنَّ مَا قَـال وَاقِــعُ ]
يَبيـتُ
يُجَـافِي جَنْبَـهُ عَــنْ فِـرَاشِه إِذَا اسْـتَثْقَلَتْ بالْمُشْـرِكِين
المَضَاجِـعُ
وقال
الإمام أحمد:حدثنا روح وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن
مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « عجب
ربنا من رجلين:رجل ثار من وِطَائه ولحافه، ومن بين أهله وَحَيِّه إلى صلاته، [
فيقول ربنا:أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله
إلى صلاته ] رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله، عز
وجل، فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه،
رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي. فيقول الله، عز وجل للملائكة:انظروا إلى عبدي رجع
رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي، حتى أهريق دمه » .
وهكذا
رواه أبو داود في « الجهاد » ، عن
موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به بنحوه .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي
وائل، عن معاذ بن جبل قال:كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما
قريبا منه، ونحن نسير، فقلت:يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من
النار. قال: « لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد
الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت » . ثم
قال: « ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ
الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل » . ثم
قرأ: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) ، حتى
بلغ ( يَعْمَلُون ) . ثم
قال: « ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ »
فقلت:بلى، يا رسول الله. فقال: « رأس الأمر الإسلام، وعموده
الصلاة، وذروة سَنَامه الجهاد في سبيل الله » . ثم
قال: « ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ »
فقلت:بلى، يا نبي الله. فأخذ بلسانه ثم قال: « كُفّ
عليك هذا » . فقلت:يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به.
فقال:ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُب الناس في النار على وجوههم - أو قال:على
مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم « . »
رواه
الترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، من طرق عن معمر، به. وقال الترمذي:حسن صحيح.
ورواه ابن جرير من حديث شعبة، عن الحكم قال:سمعت عُرْوَة بن النـزال يحدث عن معاذ
بن جبل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « ألا
أدلك على أبواب الخير:الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل
» ، وتلا هذه الآية: (
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) .
ورواه أيضًا
من حديث الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ومن حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم
عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ مرفوعا بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن
أبي النَّجُود، عن شهر، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله
تعالى: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) قال: « قيام
العبد من الليل » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سَنَان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فِطْر بن
خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحكيم بن جُبَيْر، عن ميمون بن أبي شبيب، عن
معاذ بن جبل قال:كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال: « إن شئت
أنبأتك بأبواب الخير:الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل » ، ثم
تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) .
ثم
قال:حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى
بصوت يُسمعُ الخلائق:سيعلم أهل الجمع اليوم مَن أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي:ليقم
الذين كانت ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) الآية،
فيقومون وهم قليل » .
وقال
البزار:حدثنا عبد الله بن شَبِيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد
الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال:قال بلال لما نـزلت
هذه الآية: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) [
الآية ] ، كنا نجلس في المجلس، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنـزلت هذه الآية: (
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) .
ثم
قال:لا نعلم روى أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق .
وقوله: ( فَلا تَعْلَمُ
نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) أي:فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم
المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لَمَّا أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم
من الثواب، جزاء وفاقا؛ فإن الجزاء من جنس العمل.
قال
الحسن [ البصري ] : أخفى
قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولم يخطر على قلب بشر. رواه ابن أبي حاتم.
قال
البخاري:قوله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )
الآية:حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله تعالى:أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب
بشر » . قال أبو هريرة:فاقرءوا إن شئتم: ( فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) .
قال:وحدثنا
سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:قال الله مثله . قيل
لسفيان:روايةً؟ قال:فَأيُّ شيء؟.
ورواه
مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، به . وقال الترمذي:حسن صحيح.
ثم قال
البخاري:حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي
هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « يقول
الله تعالى:أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب
بشر، ذُخْرًا منْ بَله ما أطلعْتم عليه » ، ثم
قرأ: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
قال أبو
معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، قرأ أبو هريرة: «
قُرَّات أَعْيُنٍ » . انفرد به البخاري من هذا
الوجه .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال:هذا ما
حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله تعالى قال:أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر » .
أخرجاه
في الصحيحين من رواية عبد الرزاق . ورواه الترمذي في التفسير، وابن جرير، من حديث
عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. ثم قال الترمذي:هذا حديث حسن صحيح .
وقال
حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه، قال حماد:أحسبه
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من
يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت،
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » .
رواه
مسلم من حديث حماد بن سلمة، به .
وروى
الإمام أحمد:حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدَّثه
قال:سمعت سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، يقول:شهدت من رسول الله صلى الله عليه
وسلم مجلسا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: « فيها
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » ، ثم
قرأ هذه الآية: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاجِعِ [ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
خَوْفًا وَطَمَعًا ] ) ، إلى
قوله: ( يَعْمَلُون ) .
وأخرجه
مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف، وهارون بن سعيد، كلاهما عن ابن وهب، به .
وقال ابن
جرير:حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن
قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يروي عن ربه، عز وجل، قال: « أعددت
لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر » . لم
يخرجوه .
وقال
مسلم أيضا في صحيحه:حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا مُطَرّف بن طَريف
وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال:سمعته على المنبر -
يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - قال: « سأل
موسى، عليه السلام ربه عز وجل:ما أدنى أهل الجنة منـزلة؟ قال:هو رجل يجيء بعدما
أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له:ادخل الجنة. فيقول:أي رب، كيف وقد نـزل الناس
منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له:أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلِكٍ من ملوك
الدنيا؟ فيقول:رضيت رب. فيقول:لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فَقَال في
الخامسة:رضيت رب. فيقول:هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولَذَّت عينك.
فيقول:رضيت رب. قال:رب، فأعلاهم منـزلة؟ قال:أولئك الذين أرَدتُ، غَرَسْتُ كرامتهم
بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر » ،
قال:ومصداقه من كتاب الله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) .
ورواه
الترمذي عن ابن أبي عمر، وقال:حسن صحيح، قال:ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة
ولم يرفعه، والمرفوع أصح .
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا جعفر بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر شجاعُ بن الوليد، حدثنا زياد
بن خَيْثَمة، عن محمد بن جُحَادة، عن عامر بن عبد الواحد قال:بلغني أن الرجل من
أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه،
فتقول له:قد أنَى لك أن يكون لنا منك نصيب؟ فيقول:من أنت؟ فتقول:أنا من المزيد.
فيمكث معها سبعين سنة، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له:قد أنى
لك أن يكون لنا منك نصيب، فيقول:من أنت؟ فتقول:أنا التي قال الله: ( فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) .
وقال ابن
لَهِيعَة:حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر قال:تدخل عليهم الملائكة في
مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في
جناتهم، وذلك قوله: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) ،
ويُخْبَرون أن الله عنهم راض.
وقال ابن
جرير:حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أبي اليمان
الهوزني - أو غيره - قال:الجنة مائة درجة، أوَّلها درجة فضة وأرضها فضة، ومساكنها
فضة، [ وآنيتها فضة ]
وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها
المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها
المسك. وسبع وتسعون بعد ذلك، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ثم تلا هذه الآية: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
وقال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن
الغِطْرِيف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الروح
الأمين قال: « يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت
حسنة [ واحدة ] وسع الله له في الجنة » ،
قال:فدخلت على « يزداد » فَحَدَّث
بمثل هذا الحديث، قال:فقلت:فأين ذهبت الحسنة؟ قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ
نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ
فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [
الأحقاف:16 ] . قلت:قوله تعالى: ( فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) ،
قال:العبد يعمل سرًّا أسرَّه إلى الله، لم يُعلم به الناس، فأسَرَّ الله له يوم
القيامة قُرَّة أعين .
أَفَمَنْ
كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ( 18 )
أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى
نُـزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 19 )
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ
يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي
كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 20 )
يخبر تعالى عن عدله [
وكرمه ] أنه لا يساوي في حُكمه يوم القيامة مَنْ كان مُؤمنًا بآياته
متبعًا لرسله، بمن كان فاسقا، أي:خارجا عن طاعة ربه مكذِّبًا لرُسُله إليه ، كما
قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ الجاثية:21 ] ، وقال
تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [
ص:28 ] ، وقال تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ
الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [
الحشر:20 ] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: (
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ ) أي:عند
الله يوم القيامة.
وقد ذكر عطاء بن يَسَار
والسُّدِّيّ وغيرهما:أنها نـزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي مُعَيط؛ ولهذا
فَصَّل حكمهم فقال: ( أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أي:صدقت قلوبهم بآيات الله
وعملوا بمقتضاها ، وهي الصالحات ( فَلَهُمْ
جَنَّاتُ الْمَأْوَى ) أي:التي فيها المساكن والدور
والغرف العالية ( نـزلا )
أي:ضيافة وكرامة ( بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا ) أي:خرجوا عن الطاعة، (
فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا
فِيهَا ) كقوله: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ
غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا الآية [ الحج:22 ] .
قال الفُضَيل بن عياض:والله إن
الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم.
(
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ )
أي:يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا.
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 )
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ
الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 )
وقوله: (
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] ) قال
ابن عباس:يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما
يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب، وأبي العالية،
والحسن، وإبراهيم النَّخَعِي، والضحاك، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، وعبد
الكريم الجَزَري، وخَصِيف.
وقال ابن
عباس - في رواية عنه - :يعني به إقامة الحدود عليهم.
وقال البراء
بن عازب، ومجاهد، وأبو عبيدة:يعني به عذاب القبر.
وقال
النسائي:أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة ، عن عبد الله: (
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ )
قال:سنون أصابتهم .
وقال عبد
الله بن الإمام أحمد:حدثني عبد الله بن عُمَر القَوَاريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن
شعبة، عن قتادة، عن عَزْرَة ، عن الحسن العُرَني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي
ليلى عن أبي بن كعب في هذه الآية: (
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ )
قال:المصيبات والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام .
ورواه
مسلم من حديث شعبة، به موقوفا نحوه . وعند البخاري عن ابن مسعود، نحوه .
وقال عبد
الله بن مسعود أيضا، في رواية عنه:العذاب الأدنى:ما أصابهم من القتل والسبي يوم
بدر. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم.
قال
السُّدِّي وغيره:لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو
غَرموا ، ومنهم مَنْ جمع له الأمران.
وقوله: (
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ) أي:لا
أظلم ممن ذَكَّرَه الله بآياته وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض
عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها.
قال
قتادة، رحمه الله:إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن مَنْ أعرض عن ذكره فقد اغتر
أكبر الغرَّة، وأعوز أشد العَوَز ، وعظم من أعظم الذنوب.
ولهذا
قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ ) أي:سأنتقم ممن فعل ذلك أشد
الانتقام.
وقال ابن
جرير:حدثني عمران بن بكار الكِلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن
عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جنادة بن أبي أمية عن
معاذ بن جبل قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ثلاث
من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، أو عقَّ والديه، أو مشى مع ظالم ينصره،
فقد أجرم، يقول الله تعالى: ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ ) »
ورواه
ابن أبي حاتم، من حديث إسماعيل بن عياش، به، وهذا حديث غريب جدًا.
وَلَقَدْ
آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ( 23 )
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ( 24 )
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ( 25 )
يقول
تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى، عليه السلام، أنه آتاه الكتاب وهو التوراة.
وقوله: ( فَلا
تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) :قال
قتادة:يعني به ليلة الإسراء . ثم روي عن أبي العالية الرّياحي قال:حدثني ابن عم
نبيكم - يعني ابن عباس - قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أُريتُ
ليلة أسري بي موسى بن عمران، رجلا آدم طُوَالا جَعْدًا، كأنه من رجال شَنُوءة.
ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، مبسط الرأس، ورأيت مالكًا خازن
النار والدجال، في آيات أراهن الله إياه » ، ( فَلا
تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) ، أنه
قد رأى موسى، ولقي موسى ليلة أسري به .
وقال
الطبراني:حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحُلْوَاني، حدثنا
روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (
وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) ،
قال:جُعل موسى هُدى لبني إسرائيل، وفي قوله: ( فَلا
تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) قال:من
لقاء موسى ربه عز وجل .
وقوله: (
وَجَعَلْنَاهُ ) أي:الكتاب الذي آتيناه ( هُدًى
لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، [ كما
قال تعالى في سورة الإسراء: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى
لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا [ الإسراء:2 ] .
وقوله:
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا
لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ،
أي:لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم
فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير،
ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدلوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سلبوا ذلك
المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحًا، ولا اعتقاد
صحيحًا؛ ولهذا قال: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا )
قال قتادة وسفيان:لما صبروا عن الدنيا:وكذلك قال الحسن بن صالح.
قال
سفيان:هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يُقتَدى به حتى يتحامى عن
الدنيا.
قال
وكيع:قال سفيان:لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز.
وقال
ابن بنت الشافعي:قرأ أبي على عمي - أو:عمي على أبي - سئل سفيان عن قول علي، رضي
الله عنه:الصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: (
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) ،
قال:لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسًا. قال بعض العلماء:بالصبر واليقين تنال
الإمامة في الدين.
ولهذا
قال تعالى ] : وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ
الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ
مِنَ الأَمْرِ ] فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [
الجاثية:16 ، 17 ] ، كما قال هنا: ( إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ ) أي:من الاعتقادات والأعمال.
أَوَلَمْ
يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي
مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ ( 26 )
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ
بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) .
يقول
تعالى:أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية،
بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية
ولا عين ولا أثر؟ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
[ مريم:98 ] ؛
ولهذا قال: ( يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ )
أي:وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين فلا يرون فيها أحدا ممن كان
يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [
الأعراف:92 ] ، كما قال: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا
[ النمل:52 ] ،
وقال: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ
يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ
الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج:45 ، 46 ] ؛
ولهذا قال هاهنا: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ) أي:إن
في ذهاب أولئك القوم ودَمَارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم،
لآيات وعبرا ومواعظ ودلائل متظاهرة.
أَفَلا
يَسْمَعُونَ ) أي:أخبار من تقدم، كيف كان أمرهم؟.
وقوله: (
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ ) :يبين
تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح، وهو:ما
تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته؛ ولهذا قال:
( إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ ) ، وهي
[ الأرض ] التي لا نبات فيها، كما قال
تعالى: وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [
الكهف:8 ] ، أي:يَبَسًا لا تنبت شيئًا وليس المراد من قوله: ( إِلَى
الأرْضِ الْجُرُزِ ) أرض مصر فقط، بل هي بعض
المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست [ هي ]
المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة
تحتاج من الماء ما لو نـزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل
بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض
مصر، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضًا لينبُتَ الزرع
فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان
الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء.
قال ابن
لَهِيعَة، عن قيس بن حجاج، عمن حدثه قال:لما فُتِحَت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص
- [ وكان أميرًا بها ] - حين
دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا:أيها الأمير، إن لنيلنا سُنَّة لا يجري إلا بها.
قال:وما ذاك؟ قالوا:إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عَمَدنا إلى جارية
بِكْر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون،
ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو:إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام
يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى
عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه:إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل
كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها:من
عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد ... فإنك إن كنت إنما تجري
من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك.
قال:فألقى البطاقة في النيل، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر
ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السُّنَّة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ
أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب « السنة
» له .
ولهذا
قال تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ
الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ
أَفَلا يُبْصِرُونَ ) ، كما قال تعالى:
فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا *
ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا
وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
* [ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ] [
عبس:24- 32 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
أَفَلا يُبْصِرُونَ ) . وقال ابن أبي نَجِيح، عن
رجل، عن ابن عباس في قوله: ( إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ ) قال:هي
التي لا تُمطر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول.
وعن ابن
عباس، ومجاهد:هي أرض باليمن.
وقال الحسن،
رحمه الله:هي قرى فيما بين اليمن والشام.
وقال
عِكْرِمة، والضحاك، وقتادة، والسُّدِّيّ، وابن زيد:الأرض الجرز:التي لا نبات فيها
وهي مغبرة.
قلت:وهذا
كقوله: وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا
حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ
وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ [
يس:33- 35 ] .
وَيَقُولُونَ
مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 28 ) قُلْ
يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ
يُنْظَرُونَ ( 29 )
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) .
يقول تعالى مخبرًا عن استعجال
الكفار وقوعَ بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادا:
( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ ) ؟
أي:متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتًا تُدَال علينا، ويُنْتَقم لك منا،
فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين!
قال الله تعالى: ( قُلْ
يَوْمَ الْفَتْحِ ) أي:إذا حَلَّ بكم بأس الله
وسَخَطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، ( لا
يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) ، كما
قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا
عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ *
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا
بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْكَافِرُونَ [ غافر:83- 85 ] ،
ومَنْ زعم أن المراد من هذا الفتح فتحُ مكة فقد أبعد النَّجْعة، وأخطأ فأفحش، فإن
يوم الفتح قد قَبِل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا
قريبًا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم؛ لقوله: ( قُلْ
يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ
يُنْظَرُونَ ) ، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل، كقوله تعالى:
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء:118 ] ،
وكقوله: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ
وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [ سبأ:26 ] ، وقال
تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [
إبراهيم:15 ] ، وقال: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوا [ البقرة:89 ] ،
وقال: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ [
الأنفال:19 ] .
ثم قال: (
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ )
أي:أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنـزل إليك من ربك، كقوله: اتَّبِعْ مَا
أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ
الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام:106 ] ،
وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقوله: (
إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) أي:أنت منتظر، وهم منتظرون،
ويتربصون بكم الدوائر، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ
الْمَنُونِ [ الطور:30 ] ،
وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب
ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله
ونعم الوكيل، [ والله أعلم ] .
[ آخر
تفسير سورة « الم السجدة » ]
تفسير سورة الأحزاب
[ وهي
] مدنية.
قال [ عبد
الله بن ] الإمام أحمد :حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن
عاصم بن بَهْدَلَة، عن زِرِّ قال:قال لي أُبي بن كعب:كَأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كَأين
تعدها؟ قال:قلت:ثلاثا وسبعين آية:فقال:قَط! لقد رأيتها وإنها لتعادل « سورة
البقرة » ، ولقد قرأنا فيها:الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة،
نكالا من الله، والله عليم حكيم « .»
ورواه
النسائي من وجه آخر، عن عاصم - وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بَهْدَلَة - به . وهذا
إسناد حسن، وهو يقتضي أنه كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 1 )
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( 2 )
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 3 ) .
هذا
تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فَلأن يأتمر
من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طَلْق بن حبيب:التقوى:أن تعمل بطاعة
الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله،
مخافة عذاب الله.
وقوله: ( وَلا
تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) أي:لا
تسمع منهم ولا تستشرهم، ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا ) أي:فهو أحق أن تتبع أوامره
وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله. ولهذا قال: (
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) أي:من
قرآن وسنة، ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) أي:فلا
تخفى عليه خافية.
( وَتَوَكَّلْ
عَلَى اللَّهِ ) أي:في جميع أمورك وأحوالك، (
وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ) أي:وكفى به وكيلا لمن توكل
عليه وأناب إليه.
مَا
جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ
اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ
أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ
وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 )
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 5 ) .
يقول
تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا حسيا معروفا، وهو أنه كما لا يكون للشخص
الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله:أنت عَلَيَّ كظهر أمي
أمًا له، كذلك لا يصير الدَّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنَّاه فدعاه ابنا له، فقال: ( مَا
جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ
اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ) ،
كقوله: مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ
وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا . [
المجادلة:3 ] .
وقوله: ( وَمَا
جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) :هذا
هو المقصود بالنفي؛ فإنها نـزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه
وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: « زيد بن
محمد » فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ( وَمَا
جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ) كما
قال في أثناء السورة: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ
رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
[ الأحزاب:40 ] وقال
هاهنا: ( ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ) يعني:تبنيكم
لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن
يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان.
(
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) :قال
سعيد بن جبير ( يَقُولُ الْحَقَّ )
أي:العدل. وقال قتادة: ( وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ )
أي:الصراط المستقيم.
وقد ذكر
غير واحد:أن هذه الآية نـزلت في رجل من قريش، كان يقال له: « ذو
القلبين » ، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنـزل
الله هذه الآية ردا عليه. هكذا روى العَوْفي عن ابن عباس. قاله مجاهد، وعكرمة،
والحسن، وقتادة، واختاره ابن جرير.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس - يعني ابن أبي ظِبْيَان - أن أباه
حدثه قال:قلت لابن عباس:أرأيت قول الله تعالى : ( مَا
جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) ، ما
عنى بذلك؟ قال:قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يصلي، فخَطَر خَطْرَة، فقال
المنافقون الذين يصلون معه:ألا ترون له قلبين، قلبا معكم وقلبا معهم؟ فأنـزل الله،
عز وجل: ( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
) .
وهكذا
رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني - وعن عبد بن
حميد، عن أحمد بن يونس - كلاهما عن زهير، وهو ابن معاوية، به. ثم قال:وهذا حديث
حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به.
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، في قوله: ( مَا
جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )
قال:بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضُرب له مثل، يقول:ليس ابن رجل آخر ابنك .
وكذا قال
مجاهد، وقتادة، وابن زيد:أنها نـزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدَّمناه من
التفسير، والله أعلم.
وقوله: ( ادْعُوهُمْ
لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) :هذا
أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء،
فأمر [ الله ] تعالى برد نسبهم إلى آبائهم
في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.
قال
البخاري، رحمه الله:حدثنا مُعَلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى
بن عقبة قال:حدثني سالم عن عبد الله بن عمر؛ أن زيدًا بن حارثة مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نـزل القرآن: (
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) .
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن موسى بن عقبة، به .
وقد
كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا
قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة:يا رسول الله، كنا ندعو سالما ابنا، وإن الله
قد أنـزل ما أنـزل، وإنه كان يدخل عَلَيّ، وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا،
فقال صلى الله عليه وسلم: « أرضعيه تحرمي عليه » الحديث.
ولهذا
لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم
بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة، وقال: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [
الأحزاب:37 ] ، وقال في آية التحريم: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ
مِنْ أَصْلابِكُمْ [ النساء:23 ] ،
احترازا عن زوجة الدعيّ، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة، فمنـزل منـزلة
ابن الصلب شرعا، بقوله عليه السلام في الصحيحين: « حرموا
من الرضاعة ما يحرم من النسب » . فأما دعوة الغير ابنا على
سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهى عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه الإمام أحمد
وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن الحسن
العُرَني، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:قدمنا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرَات لنا من جَمْع، فجعل يَلْطَخ أفخاذنا
ويقول: « أُبَيْنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس » . قال
أبو عبيد وغيره: « أُبَيْنيّ » تصغير
بني . وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر، وقوله: (
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ) في شأن زيد بن حارثة، وقد قتل
في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضا ففي صحيح مسلم، من حديث أبي عَوَانة الوضاح بن عبد
الله اليَشْكُري، عن الجَعْد أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه،
قال:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
بُني » . ورواه أبو داود والترمذي .
وقوله: (
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) :أمر [
الله ] تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم، إن عرفوا، فإن لم يعرفوا
آباءهم، فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، أي:عوضًا عما فاتهم من النسب. ولهذا قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من مكة عام عُمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة
تنادي:يا عم، يا عم. فأخذها علي وقال لفاطمة:دونَك ابنة عَمّك فاحتمليها . فاختصم
فيها علي، وزيد، وجعفر في أيّهم يكفلها، فكل أدلى بحجة ؛ فقال علي:أنا أحق بها وهي
ابنة عميس - وقال زيد:ابنة أخي. وقال جعفر بن أبي طالب:ابنة عمي، وخالتها تحتي -
يعني أسماء بنت عميس. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: « الخالة
بمنـزلة الأم » . وقال لعلي: « أنت مني،
وأنا منك » . وقال لجعفر: « أشبهت
خَلْقي وخُلُقي » . وقال لزيد: « أنت
أخونا ومولانا » .
ففي هذا
الحديث أحكام كثيرة من أحسنها:أنه، عليه الصلاة والسلام حكم بالحق، وأرضى كلا من
المتنازعين، وقال لزيد: « أنت أخونا ومولانا » ، كما
قال تعالى: ( فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) .
وقال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن
أبيه قال:قال أبو بَكْرَة:قال الله، عز وجل: (
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) ، فأنا
ممن لا يُعرَف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال أبي:والله إني لأظنه لو علم أن
أباه كان حمارا لانتمى إليه.
وقد جاء
في الحديث: « من ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه، كفر . وهذا تشديد وتهديد
ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم؛ ولهذا قال: (
ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) . »
ثم قال:
( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) أي:إذا
نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع؛ فإن الله
قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله آمرًا عباده أن يقولوا:
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [
البقرة:286 ] . وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله:قد فعلت » . وفي صحيح البخاري، عن عمرو
بن العاص قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ، فله أجر » . وفي
الحديث الآخر: « إن الله رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان، وما يُكرَهُون عليه » .
وقال هاهنا:وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي:وإنما الإثم على مَنْ تعمد
الباطل كما قال تعالى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ . وفي الحديث المتقدم: « من
ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر » . وفي
القرآن المنسوخ: « فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن
آبائكم » .
قال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد
الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال:بعث الله محمدا صلى الله عليه
وسلم بالحق، وأنـزل معه الكتاب، فكان فيما أنـزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده. ثم قال:قد كنا نقرأ: « ولا
ترغبوا عن آبائكم [ فإنه كفر بكم - أو:إن
كفرًا بكم - أن ترغبوا عن آبائكم ] ، وإن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: » لا
تطروني [ كما أطري ] عيسى
بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا:عبده ورسوله « .
وربما قال مَعْمَر: » كما أطرت النصارى ابن مريم « .»
ورواه في
الحديث الآخر: « ثلاث في الناس كفر:الطَّعْن في
النَّسبَ، والنيِّاحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم » .
النَّبِيُّ
أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ
وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ
مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( 6 ) .
قد علم الله تعالى شفقة رسوله
صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحَه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم
مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [
النساء:65 ] . وفي الصحيح: « والذي
نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين » . وفي
الصحيح أيضا أن عمر، رضي الله عنه، قال:يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل
شيء إلا من نفسي. فقال: « لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك
من نفسك » . فقال:يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي.
فقال: « الآن يا عمر » .
ولهذا قال تعالى في هذه الآية:
( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) .
وقال البخاري عندها: حدثنا
إبراهيم بن المنذر، حدثنا [ محمد بن ]
فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن أبي هريرة،
رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما من
مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم: (
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ،
فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عَصَبَتُه مَن كانوا. فإن ترك دَيْنًا أو ضَياعًا،
فليأتني فأنا مولاه » . تفرد به البخاري .
ورواه أيضا في «
الاستقراض » وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله . ورواه
الإمام أحمد، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بنحوه .
وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري في قوله تعالى: ( النَّبِيُّ
أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) عن أبي
سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « أنا
أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا، فإلي. ومَنْ ترك مالا فلورثته » . ورواه
أبو داود، عن أحمد بن حنبل ، به نحوه.
وقوله: (
وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ) أي:في الحرمة والاحترام،
والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى
بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص
الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية
وأمثاله:خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء. ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال
لهن:أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا؟ فيه قولان:صح عن
عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت:لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي،
رحمه الله.
وقد روي عن أُبي بن كعب، وابن
عباس أنهما قرآ: « النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم » ، وروي
نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعِكْرِمة، والحسن:وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي.
حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود:
حدثنا عبد الله بن محمد
النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنما
أنا لكم بمنـزلة الوالد أعَلِّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا
يستدبرها، ولا يستطب بيمينه » ، وكان يأمر بثلاثة أحجار،
وينهى عن الروث والرمة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، من
حديث ابن عجلان .
والوجه الثاني:أنه لا يقال ذلك،
واحتجوا بقوله: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ :وقوله: (
وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) أي:في
حكم الله ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ )
أي:القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من
التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره:كان المهاجري
يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم
حديثا عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، فقال:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر
المصعبي - من ساكني بغداد - عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن الزبير بن العوام قال:أنـزل الله، عز وجل، فينا خاصة معشر قريش والأنصار:
( وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) ، وذلك
أنا معشر قريش لما قَدمنا المدينة، قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نِعْمَ
الإخوانُ، فواخيناهم ووارثناهم. فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانا، وآخى
عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا من بني زُرَيق، سعد الزرقي، ويقول بعض الناس
غيره. قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله
فيما يرى، فوالله يا بني، لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنـزل الله
هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله: ( إِلا
أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ) أي:ذهب
الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله: ( كَانَ
ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) أي:هذا
الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب
الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير . قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال :قد شرع
خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار
في قدره الأزلي ، وقضائه القدري الشرعي.
وَإِذْ
أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 7 )
لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا
أَلِيمًا ( 8 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء:أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في
إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل
عمران:81 ] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص
من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد
صرَّح بذكرهم أيضا في هذه الآية، وفي قوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا
وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
[ الشورى:13 ] ، فذكر
الطرفين والوسط، الفاتح والخاتم، ومن بينهما على [ هذا
] الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما
قال: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ [
وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ] ) ، فبدأ
في هذه الآية بالخاتم؛ لشرفه - صلوات الله [
وسلامه ] عليه - ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله [
وسلامه ] عليهم.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير،
حدثني قتادة، عن الحسن ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم، في قول الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ )
الآية:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « كنت
أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، [
فَبُدئ بي ] قبلهم » سعيد بن بشير فيه ضعف.
وقد رواه
سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا، والله
أعلم.
وقال أبو
بكر البزار:حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا علي بن
ثابت، عن أبي حازم ، عن أبى هريرة قال:خيار ولد آدم خمسة:نوح، وإبراهيم، وموسى،
وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين . موقوف، وحمزة فيه ضعف .
وقد
قيل:إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذّر من صلب آدم،
كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب
قال:ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم - يعني:ذريته - وأن فيهم الغني والفقير، وحسن
الصورة، ودون ذلك، فقال:رب، لو سويتَ بين عبادك؟ فقال:إني أحببت أن أشكر. وأرى
فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو
الذي يقول الله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح [
وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ] ) الآية
. وهذا قول مجاهد أيضا.
وقال ابن
عباس:الميثاق الغليظ:العهد.
وقوله: (
لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) ، قال
مجاهد:المبلغين المؤدين عن الرسل.
وقوله: ( وَأَعَدَّ
لِلْكَافِرِينَ ) أي:من أممهم (
عَذَابًا أَلِيمًا ) أي:موجعا، فنحن نشهد أن الرسل
قد بَلَّغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح
الجلي، الذي لا لبس فيه، ولا شك، ولا امتراء، وإن كذبهم مَنْ كذبهم من الجهلة
والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومَنْ خالفهم فهو على
الضلال.
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ( 9 ) إِذْ
جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا ( 10 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم وهزمه
إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة
على الصحيح المشهور.
وقال
موسى بن عُقْبة وغيره كانت في سنة أربع.
وكان سبب
قدوم الأحزاب أن نفرًا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر، منهم:سلام بن أبي الحُقَيْق، وسلام بن
مِشْكَم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وأَلّبوهم على
حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة. فأجابوهم إلى
ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا. وخرجت قريش في أحابيشها، ومن
تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع
قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين
بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق ، وذلك بإشارة سلمان الفارسي، فعمل
المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفَر،
وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات.
وجاء
المشركون فنـزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد، ونـزلت طائفة منهم في أعالي أرض
المدينة، كما قال الله تعالى: ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ
فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) ، وخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف،
وقيل:سبعمائة، وأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس
فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري
في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة - وهم طائفة من اليهود - لهم حصن شرقي المدينة،
ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل فذهب
إليهم حُيَيّ بن أخطب النَّضَري [
اليهودي ] ، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالؤوا الأحزاب على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فعَظُم الخَطْب واشتد الأمر، وضاق الحال، كما قال الله
تعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا .
ومكثوا
محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون
إليهم، ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري - وكان من الفرسان
الشجعان المشهورين في الجاهلية - ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى
ناحية المسلمين، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إليه، فلم يبرز
إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي، رضي الله عنه، فكان
علامة على النصر.
ثم أرسل
الله عز، وجل، على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء
ولا تُوقَد لهم نار، ولا يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله
تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا ) .
قال
مجاهد:وهي الصبا، ويؤيده الحديث الآخر: « نصرت
بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور » .
وقال ابن
جرير:حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عِكْرمة قال:قالت
الجنوب للشمال ليلة الأحزاب:انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت
الشمال:إن الحرة لا تسري بالليل. قال:فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا .
ورواه ابن
أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشَجّ، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس،
فذكره.
وقال ابن
جرير أيضا:حدثنا يونس، حدثنا ابن وَهْب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد
الله بن عمر قال:أرسلني خالي عثمان بن مَظْعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة،
فقال:ائتنا بطعام ولحاف. قال:فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لي،
وقال: « من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا » .
قال:فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، قال:فما يلوي أحد منهم عنقه. قال:وكان معي ترس لي، فكانت
الريح تضربه عليّ، وكان فيه حديد، قال:فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على
كفي، فأنفدها إلى الأرض.
وقوله: (
وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ) وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت
في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول:يا بني فلان إليَّ. فيجتمعون
إليه فيقول:النجاء، النجاء. لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب.
وقال
محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال:قال فتى من أهل
الكوفة لحذيفة بن اليمان:يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وصحبتموه؟ قال:نعم يا ابن أخي. قال:وكيف كنتم تصنعون؟ قال:والله لقد كنا نجهد. قال
الفتى:والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال:قال
حذيفة:يابن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوِيّا من الليل، ثم التفت فقال: « مَنْ
رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ - يشرط له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرجع -
أدخله الله الجنة » . قال:فما قام رجل. ثم صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم هويًّا من الليل ثم التفت إلينا، فقال مثله، فما قام
منا رجل. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هُويًّا من الليل ثم التفت إلينا
فقال: « من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشترط له
رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة » . فما
قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد، دعاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال: « يا
حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تُحْدثَنّ شيئا حتى تأتينا » .
قال:فذهبت فدخلت [ في القوم ] ،
والريح وجنود الله، عز وجل، تفعل بهم ما تفعل، لا تُقِرّ لهم قِدْرًا ولا نارًا
ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال:يا معشر قريش، لينظر امرؤ مَنْ جليسه. قال
حذيفة:فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت:مَنْ أنت؟ فقال:أنا فلان بن فلان، ثم
قال أبو سفيان:يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاع
والخُفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبَلَغَنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي
ترون . والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تَقُوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء،
فارتحلوا، فإني مُرْتَحل، ثم قام إلى جَمَله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب
به على ثلاث، فما أطلق عقَالَه إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلي: « ألا تحدث شيئا حتى تأتيني » ثم
شئتُ، لقتلته بسهم.
قال
حذيفة:فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مِرْط لبعض نسائه
مُرَحل، فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح علي طرف المرْط، ثم ركع، وسجد وإني
لفيه، فلما سَلَّم أخبرته الخبر، وسمعت غَطَفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين
إلى بلادهم .
وقد رواه
مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:كنا عند حذيفة بن
اليمان، رضي الله عنه، فقال له رجل:لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
قاتلتُ معه وأبليتُ. فقال له حذيفة:أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقُرّ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « ألا رجل يأتي بخبر القوم،
يكون معي يوم القيامة؟ » . فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية،
ثم الثالثة مثله. ثم قال: « يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من
القوم » . فلم أجد بدَّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: « ائتني
بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم عَلَيّ » .
قال:فمضيت كأنما أمشي في حَمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلَى ظهره بالنار،
فوضعت سهما في كَبِِد قوسي، وأردت أن أرميَه، ثم ذكرتُ قولَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « لا تَذْعَرْهم عَلَيَّ » ، ولو
رَمَيْته لأصبته. قال:فرجعت كأنما أمشي في حَمّام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقُررْتُ فأخبرتُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وألبسني من فضل عَبَاءَة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائما حتى الصبح،
فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قم يا
نومان .»
ورواه
يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم:أن رجلا قال لحذيفة، رضي الله
عنه:نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إنكم أدركتموه ولم
ندركه، ورأيتموه ولم نره. فقال حذيفة:ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه،
والله لا تدري يا بن أخي لو أدركتَه كيف كنتَ تكون. لقد رأيتنا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة الخندق في ليلة باردة مَطِيرة ... ثم ذكر نحو ما تقدم مطولا .
وروى
بلال بن يحيى العَبْسي، عن حذيفة نحو ذلك أيضا .
وقد أخرج
الحاكم والبيهقي في « الدلائل » ، من
حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة
قال:ذَكَر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال جلساؤه:أما والله
لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة:لا تمنوا ذلك. لقد رأيتُنا ليلة
الأحزاب ونحن صافُّون قُعود، وأبو سفيان ومَنْ معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة
اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتَت علينا قطّ أشدّ ظلمةً ولا أشد
ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل
المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: « إن
بيوتنا عورة وما هي بعورة » . فما يستأذنه أحد منهم إلا
أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم رَجُلا رجلا حتى أتى عَلَيّ وما عَلَيّ جُنَّة من العدو ولا من
البرد إلا مِرْط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي. قال:فأتاني صلى الله عليه وسلم وأنا
جَاثٍ على ركبتي فقال: « مَنْ هذا؟ »
فقلت:حذيفة. قال: « حذيفة » .
فتقاصرت بالأرض فقلت:بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم. [
قال:قم ] ، فقمت، فقال: « إنه
كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم » -
قال:وأنا من أشد [ الناس ] ا
فزعًا، وأشدهم قُرًّا - قال:فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم،
احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته » . قال:فوالله
ما خلق الله فزعا ولا قرّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئا. قال:فلما
وليت قال: « يا حذيفة، لا تُحدثَنّ في القوم شيئًا حتى تأتيني » .
قال:فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم تَوَقَّدُ، وإذا رجل
أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته، ويقول:الرحيلَ الرحيلَ، ولم أكن أعرف
أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كَبِِد قوسي
لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني » ، [
فأمسكت ] ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شَجَّعت نفسي حتى دخلت
العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون:يا آل عامر، الرحيلَ الرحيلَ، لا
مُقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا، فوالله إني لأسمع صوت
الحجارة في رحالهم وَفَرَسَتْهُمُ الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي صلى الله
عليه وسلم، فلما انتصفت في الطريق أو نحوا من ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا
أو نحو ذلك مُعْتَمّين، فقالوا:أخْبر صاحبك أن الله تعالى كفَاه القوم. فرجعت إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت
رَاجَعَني القُرُّ وجعلت أقَرْقفُ، فأومأ إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم [
بيده ] وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته. وكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا حَزَبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم
يترحلون ، وأنـزل الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) .
وأخرج
أبو داود في سننه منه:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا حزبه أمر ، من حديث
عكرمة بن عمار، به.
وقوله: ( إِذْ
جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ) أي:الأحزاب (
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) تقدم عن حذيفة أنهم بنو
قريظة، ( وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
الْحَنَاجِرَ ) أي:من شدة الخوف والفزع، (
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) .
قال ابن
جرير:ظن بعض مَنْ كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على المؤمنين،
وأن الله سيفعل ذلك .
وقال
محمد بن إسحاق في قوله: ( وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) :ظن المؤمنون
كل ظن، ونجم النفاق حتى قال مُعَتّب بن قشير - أخو بني عمرو بن عوف - :كان محمد
يَعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
وقال
الحسن في قوله: ( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ
الظُّنُونَا ) :ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون،
وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره
المشركون.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن عاصم الأنصاري، حدثنا أبو عامر ( ح ) وحدثنا
أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير - يعني:ابن عبد الله، مولى عثمان بن
عفان - عن ُرَتْيج بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد قال:قلنا يوم
الخندق:يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال صلى الله عليه
وسلم: « نعم، قولوا:اللهم استر عوراتنا، وآمن رَوْعاتنا » .
قال:فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح.
وكذا
رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عامر العقدي .
هُنَالِكَ
ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا ( 11 )
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ( 12 )
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ
فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ( 13 )
يقول
تعالى مخبرًا عن ذلك الحال، حين نـزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في
غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم:أنهم ابتُلوا
واختُبروا وزلزلوا زلزالا شديدا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض
بما في أنفسهم.
(
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ) أما
المنافق، فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حَسِيْكَة، ضَعُف حاله فتنفس بما يجده
من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال.
وقوم
آخرون قالوا كما قال الله: ( وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ
مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ) يعني:المدينة، كما جاء في
الصحيح: « أريت [ في المنام ] دارَ
هجرتكُم، أرض بين حَرّتين فذهب وَهْلي أنها هَجَر، فإذا هي يثرب » ،ش وفي
لفظ: « المدينة » .
فأما
الحديث الذي رواه الإمام أحمد:حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد
بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، رضي الله عنه، قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « من سَمَّى المدينة يثرب،
فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة » .
تفرد به
الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف، والله أعلم.
ويقال:إنما
كان أصل تسميتها « يثرب » برجل
نـزلها من العماليق، يقال له:يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن
إرم بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال:وروي عن بعضهم أنه قال:إن لها [ في
التوراة ] أحد عشر اسما:المدينة، وطابة، وطيبة،المسكينة، والجابرة،
والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.
وعن كعب
الأحبار قال:إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة:يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة
[ لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى ] .
وقوله: ( لا
مُقَامَ لَكُمْ ) أي:هاهنا، يعنون عند النبي
صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة ، (
فَارْجِعُوا ) أي:إلى بيوتكم ومنازلكم. (
وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ) :قال
العوفي، عن ابن عباس:هم بنو حارثة قالوا:بيوتنا نخاف عليها السَّرَقَ. وكذا قال
غير واحد.
وذكر ابن
إسحاق:أن القائل لذلك هو أوس بن قَيظيّ، يعني:اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها
عَورة، أي:ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: ( وَمَا
هِيَ بِعَوْرَةٍ ) أي:ليست كما يزعمون، ( إِنْ
يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ) أي:هَرَبًا من الزحف.
وَلَوْ
دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا
وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا ( 14 )
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ
وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ( 15 )
يخبر تعالى عن هؤلاء الذين
يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا
فِرَارًا :أنهم لو دَخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقُطر من
أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون
على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع.
هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن
بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم.
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا
عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا من الزحف ، (
وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا ) أي:وإن
الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك.
قُلْ
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ
وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ( 16 ) قُلْ
مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ
بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا
( 17 ) .
ثم
أخبرهم أن فرَارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببًا
في تعجيل أخذهم غرّة؛ ولهذا قال: (
وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا ) أي:بعد
هَرَبكم وفراركم، قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ
اتَّقَى [ النساء:77 ] .
ثم قال:
( قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ )
أي:يمنعكم، ( إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً
وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) أي:ليس
لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث .
قَدْ
يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ
هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا ( 18 )
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ
الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ
لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرًا ( 19 ) .
يخبر
تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم،
أي:أصحابهم وعُشَرائهمِ وخلطائهم (
هَلُمَّ إِلَيْنَا ) أي:إلى ما نحن فيه من الإقامة
في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ( لا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا
قَلِيلا * أشحةً عليكم ) أي:بخلاء بالمودة، والشفقة
عليكم.
وقال
السُّدي: ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ) أي:في
الغنائم.
فَإِذَا
جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) أي:من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف
هؤلاء الجبناء من القتال ( فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ )
أي:فإذا كان الأمن، تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات
العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.
وقال ابن
عباس: ( سَلَقُوكُمْ أي:استقبلوكم.
وقال
قتادة:أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوأه مقاسمة:أعطونا، أعطونا، قد شهدنا معكم.
وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق.
وهم مع
ذلك أشحة على الخير، أي:ليس فيهم خير، قد جَمَعُوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم
كما قال في أمثالهم الشاعر :
أفـي
السّـلم أعْيَـارًا جَفَـاءً وغلظَــةً وَفـي الحَـربْ أمْثَـالَ النِّسَاء
العَوَاركِ
أي:في
حال المسالمة كأنهم الحمير. والأعيار:جمع عير، وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء
الحُيَّض؛ ولهذا قال تعالى: ( أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ
أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) أي:سهلا هينا عنده.
يَحْسَبُونَ
الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ
بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ
مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا ( 20 ) .
وهذا
أيضا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور، ( يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ
يَذْهَبُوا ) بل هم قريب منهم، وإن لهم عودة إليهم ( وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ
يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ
) أي:ويَوَدّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في
البادية، يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم ، ( وَلَوْ كَانُوا
فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا ) أي:ولو كانوا بين أظهركم، لما قاتلوا معكم
إلا قليلا؛ لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم.
لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ( 21 )
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا
وَتَسْلِيمًا ( 22 ) .
هذه الآية الكريمة أصل كبير
في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمر
الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته
ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه، عز وجل، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم
الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم
الأحزاب: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) أي:هلا
اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ( لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) .
ثم قال تعالى مخبرًا عن عباده
المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجَعْله العاقبةَ حاصلةً لهم في الدنيا
والآخرة، فقال: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا
وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .
قال ابن عباس وقتادة:يعنون
قوله تعالى في « سورة البقرة » أَمْ
حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا
إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [ البقرة:214 ] .
أي هذا ما وعدنا الله ورسوله
من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قال: ( وَصَدَقَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .
وقوله: ( وَمَا زَادَهُمْ
إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) :دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس
وأحوالهم، كما قاله جمهور الأئمة:إنه يزيد وينقص. وقد قررنا ذلك في أول « شرح
البخاري » ولله الحمد والمنة.
ومعنى قوله: ( وَمَا
زَادَهُمْ ) أي:ذلك الحال والضيق والشدة [ ما
زادهم ] إِلا إِيمَانًا ) بالله
، ( وَتَسْلِيمًا )
أي:انقيادا لأوامره، وطاعة لرسوله.
مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ
قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ( 23 )
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ
شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ( 24 )
لمَّا
ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار،
وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و (
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) ، قال
بعضهم:أجله.
وقال
البخاري:عهده. وهو يرجع إلى الأول.
( وَمِنْهُمْ
مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) أي:وما
غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه.
قال
البخاري:حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال:أخبرني خارجة بن زيد بن
ثابت، عن أبيه قال:لما نسخنا الصُّحُف ، فَقَدْتُ آيةً من « سورة
الأحزاب » كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم أجدها مع
أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
شهادته بشهادة رجلين - : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) .
انفرد به
البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي - في التفسير من
سننيهما - من حديث الزهري، به . وقال الترمذي: « حسن
صحيح » .
وقال
البخاري أيضا:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن
ثُمَامَة، عن أنس بن مالك قال:نرى هذه الآية نـزلت في أنس بن النضر: ( مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) .
انفرد به
البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر. قال الإمام أحمد:
حدثنا
هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال:قال أنس:عمي أنس بن النضر
سُميت به، لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه وقال:أول
مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غُيِّبْتُ عنه، لئن أراني الله مشهدا فيما
بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيَرَيَنَ الله ما أصنع. قال:فهاب أن يقول
غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ يوم
] أحد، فاستقبل سعدَ بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو، أبِنْ.
واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، قال:فقاتلهم حتى قُتل قال:فَوُجد في جسده بضع
وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الرُّبَيّع ابنة النضر - :فما
عرفتُ أخي إلا ببنانه. قال:فنـزلت هذه الآية: (
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) .
قال:فكانوا يُرَون أنها نـزلت فيه، وفي أصحابه.
ورواه مسلم
والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة، به . ورواه النسائي أيضا وابن
جرير، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس أن عمه -
يعني:أنس بن النضر - غاب عن قتال بَدر، فقال:غُيّبتُ عن أول قتال قاتله رسول الله
صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين، لَيَرَيَنّ الله ما
أصنع. قال:فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال:اللهم إني أعتذر إليك مما صنع
هؤلاء - يعني:أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء - يعني:المشركين - ثم تقدم فلقيه
سعد - يعني:ابن معاذ - دون أحد، فقال:أنا معك. قال سعد:فلم أستطع أن أصنع ما صنع.
قال:فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطَعنةَ رمح، ورمية سهم. وكانوا يقولون:فيه
وفي أصحابه [ نـزلت ] : (
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) وأخرجه
الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضا، عن إسحاق بن إبراهيم،
كلاهما، عن يزيد بن هارون، به ، وقال الترمذي:حسن. وقد رواه البخاري في المغازي،
عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصَرّف، عن حميد، عن أنس، به ، ولم يذكر
نـزول الآية. ورواه بن جرير، من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى
بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة
قال:لما أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى
عليه، وعَزّى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ
هذه الآية: ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) . فقام
إليه رجل من المسلمين فقال:يا رسول الله، مَنْ هؤلاء؟ فأقبلت وَعَلَيّ ثوبان
أخضران حَضْرَميَّان فقال: « أيها السائل، هذا منهم » .
وكذا
رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطَّلْحي، به . وأخرجه الترمذي في التفسير
والمناقب أيضا، وابن جرير، من حديث يونس بن بُكَيْر، عن طلحة بن يحيى، عن موسى
وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما، به . وقال:حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس.
وقال
أيضا:حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر - يعني:العقدي - حدثني إسحاق -
يعني:ابن طلحة بن عبيد الله - عن موسى بن طلحة قال: [
دخلت على معاوية، رضي الله عنه، فلما خرجت، دعاني فقال:ألا أضع عندك يا بن أخي
حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أشهد لَسَمِعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: « طلحة ممن قضى نحبه » .
ورواه
ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني، عن إسحاق بن يحيى بن
طلحة الطَّلْحي، عن موسى بن طلحة قال ] :قام
معاوية بن أبي سفيان فقال:إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « طلحة
ممن قضى نحبه » .
ولهذا
قال مجاهد في قوله: ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى
نَحْبَهُ ) قال:عهده، (
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) قال:يوما.
وقال
الحسن: ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ) يعني:موته
على الصدق والوفاء. ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) الموت
على مثل ذلك، ومنهم مَنْ لم يبدل تبديلا. وكذا قال قتادة، وابن زيد.
وقال
بعضهم: ( نَحْبَهُ ) نذره.
وقوله: ( وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) أي:وما غيَّروا عهدهم،
وبدَّلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل
المنافقين الذين قالوا: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ
يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ، وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا
يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ .
وقوله: (
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ
شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) أي:إنما يختبر عباده بالخوف
والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه
تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه
فيهم ، كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ
مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [
محمد:31 ] ، فهذا علم بالشيء بعد كونه، وإن كان العلم السابق حاصلا به
قبل وجوده. وكذا قال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا
أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل
عمران:179 ] . ولهذا قال هاهنا: (
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ )
أي:بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه . (
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ ) :وهم الناقضون لعهد الله،
المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن
شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن
أرشدهم إلى النـزوع عن النفاق إلى الإيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان. ولما
كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: ( إِنَّ
اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) .
وَرَدَّ
اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ
الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ( 25 ) .
يقول
تعالى مخبرًا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة، بما أرسل عليهم من الريح والجنود
الإلهية، ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من
الريح العقيم على عاد، ولكن قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمْ [ وَمَا كَانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ] [
الأنفال:33 ] ، فسلط عليهم هواء فرق شملهم، كما كان سبب اجتماعهم من
الهَوَى، وهم أخلاط من قبائل شتى، أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي
فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحَنَقهم، لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا،
مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في
مبارزة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، بالعداوة، وهمهم بقتله، واستئصال جيشه،
ومَنْ هَمّ بشيء وصَدق هَمَّه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله.
وقوله: (
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) أي:لم
يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده، ونصر
عبده، وأعزَّ جنده؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله وحده،
صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده « .
أخرجاه من حديث أبي هريرة . »
وفي
الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوْفى قال:دعا رسول
الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: « اللهم منـزل
الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب. اللهم، اهزمهم وزلزلهم » . وفي
قوله: ( وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ) :إشارة
إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون، بل غزاهم
المسلمون في بلادهم.
قال محمد
بن إسحاق:لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما
بلغنا: « لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم » فلم تغز
قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة.
وهذا
الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى، عن
سفيان، حدثني أبو إسحاق قال:سمعت سليمان بن صُرَد يقول: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم يوم الأحزاب: « الآن نغزوهم ولا يغزونا » .
وهكذا
رواه البخاري في صحيحه، من حديث الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، به .
وقوله
تعالى: ( وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا )
أي:بحوله وقوته، ردهم خائبين، لم ينالوا خيرًا، وأعز الله الإسلام وأهله وصدق
وعده، ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.
وَأَنْزَلَ
الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ( 26 )
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ
تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( 27 ) .
قد تقدم
أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب، ونـزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وكان ذلك بسفارة حُيَيّ بن أخطب
النَّضَري - لعنه الله - دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد،
وقال له فيما قال:ويحك، قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان
وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدا وأصحابه. فقال له كعب:بل والله
أتيتني بذُلِّ الدهر. ويحك يا حيي، إنك مشؤوم، فدعنا منك. فلم يزل يفتل في
الذِّروة والغَارب حتى أجابه، واشترط له حُيي إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم
شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم. فلما نَقَضت قريظةُ، وبلغ ذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ساءه، وَشَقَّ عليه وعلى المسلمين جدًّا، فلما أيد الله
ونَصَر، وكبت الأعداء وردَّهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة مؤيدا منصورا، ووضع الناس السلاح. فبينما رسول الله صلى الله
عليه وسلم يغتسل من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة إذ تبدى له جبريل معتجرا
بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطيفة [ من ] ديباج،
فقال:أوضَعت السلاح يا رسول الله؟ قال: « نعم » .
قال:لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم. ثم قال:إن الله
يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة. وفي رواية فقال له:عذيرَك من مقاتل، أوضعتم السلاح؟
قال: « نعم » . قال:لكنا لم نضع أسلحتنا
بعد، انهض إلى هؤلاء. قال: « أين؟ » .
قال:بني قريظة، فإن الله أمرني أن أزلزل عليهم. فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم
من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد
صلاة الظهر، وقال: « لا يصلين أحد منكم العصر إلا
في بني قريظة » . فسار الناس، فأدركتهم الصلاة
في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا:لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا تعجيل السير، وقال آخرون:لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يُعَنِّف واحدا من
الفريقين. وتبعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استخلف على المدينة ابن أم
مكتوم، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب. ثم نازلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال، نـزلوا على حكم سعد بن معاذ -
سيد الأوس - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك،
كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك، ولم
يعلموا أن سعدا، رضي الله عنه، كان قد أصابه سهم في أكحَله أيام الخندق، فكواه
رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنـزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب.
وقال سعد فيما دعا به:اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها. وإن كنت
وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تُقرّ عيني من بني قريظة. فاستجاب
الله دعاءه، وقَدّر عليهم أن نـزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم،
فعند ذلك استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل
وهو راكب [ على حمار ] قد
وطَّؤوا له عليه، جعل الأوس يلوذون به ويقولون:يا سعد، إنهم مواليك، فأحسن فيهم.
ويرققونه عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا يرد عليهم. فلما أكثروا عليه قال:لقد آن
لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم، فلما دنا من الخيمة
التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قوموا
إلى سيدكم » . فقام إليه المسلمون، فأنـزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له
في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم. فلما جلس قال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نـزلوا على حكمك، فاحكم فيهم
بما شئت » . قال:وحكمي نافذ عليهم؟ قال: « نعم » .
قال:وعلى مَنْ في هذه الخيمة؟ قال: « نعم » .
قال:وعلى مَنْ هاهنا. - وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم -
وهو معرض بوجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا وإكرامًا وإعظامًا - فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعم » .
فقال:إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم، وتُسبْى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « لقد حكمت بحكم الله من فوق
سبعة أرقعة » . وفي رواية: « لقد
حكمتَ بحكم المَلك » . ثم أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالأخاديد فَخُدّت في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما
بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى مَنْ لم يُنبت منهم مع النساء وأموالهم ، وهذا
كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة، الذي أفردناه موجزا ومقتصَّا
. ولله الحمد والمنة.
ولهذا
قال تعالى: ( وَأَنـزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ )
أي:عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ ) يعني:بني قريظة من اليهود، من
بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نـزل آباؤهم الحجاز قديما، طَمَعًا في اتباع النبي
الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا
عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [ البقرة:89 ] ،
فعليهم لعنة الله.
وقوله: ( مِنْ
صَيَاصِيهِم ) يعني:حصونهم. كذا قال مجاهد، وعِكْرِمة، وعطاء، وقتادة، والسُّدِّي،
وغيرهم ومنه سميت صياصي البقر، وهي قرونها؛ لأنها أعلى شيء فيها.
(
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) :وهو
الخوف؛ لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس
مَنْ يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعزّوا في الدنيا، فانعكس
عليهم الحال، وانقلب الفال ، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا
العز ذلوا ، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة،
فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة؛ ولهذا قال تعالى: (
فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ) ،
فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء.
قال
الإمام أحمد:حدثنا هُشَيْم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي
قال:عُرضتُ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا فيَّ، فأمر بي النبي صلى
الله عليه وسلم أن ينظروا:هل أنبت بعد؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت، فخلى عني وألحقني
بالسبي.
وكذا
رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير، به . وقال الترمذي: « حسن
صحيح » . ورواه النسائي أيضا، من حديث ابن جُرَيْج، عن ابن أبي
نَجِيح، عن مجاهد، عن عطية، بنحوه .
وقوله: (
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ )
أي:جعلها لكم من قتلكم لهم ( وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا )
قيل:خيبر. وقيل:مكة. رواه مالك، عن زيد بن أسلم. وقيل:فارس والروم. وقال ابن
جرير:يجوز أن يكون الجميع مرادا.
(
وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ) :قال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص
قال:أخبرتني عائشة قالت:خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا
أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجَنَّه، قالت:فجلست إلى
الأرض، فمر سعد وعليه دِرْع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف
سعد، قالت:وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:
لَبَّــثْ
قليـلا يَشْـهدُ الهَيْجَـا حَـمَلْ مَـا أحْسَـنَ المـوتَ إذا حَـانَ الأجَلْ
قالت:فقمت
فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل
عليه تَسْبغَة له - تعني المغفر - فقال عمر:ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة ،
وما يؤمنُك أن يكون بلاء أو يكون تَحَوّز. قالت:فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض
انشقت بي ساعتئذ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد
الله فقال:يا عمر، ويحك، إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التَحَوُّز أو الفرار إلا
إلى الله تعالى؟ قالت:ويرمي سعدًا رجل من قريش، يقال له ابن العَرقة بسهم ، وقال
له:خذها وأنا ابن العَرقة فأصابَ أكْحَلَه فقطعه، فدعا الله سعد فقال:اللهم، لا
تمتني حتى تُقر عيني من قريظة. قالت:وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت:فرقأ
كَلْمُه، وبعث الله الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله
قويًّا عزيزًا. فلحق أبو سفيان ومَنْ معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومَنْ معه
بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت:فجاءه جبريل، عليه
السلام، وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال:أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت
الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم. قالت:فلبس رسول الله صلى الله
عليه وسلم لأمته، وأذّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، [
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فمر
على بني غَنْم وهم جيران المسجد حوله فقال:ومَنْ مر بكم؟ قالوا:مر بنا دحية الكلبي
- وكان دحية الكلبي تشبه لحيته، وسنه ووجهه جبريل، عليه الصلاة والسلام، فأتاهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد
البلاء قيل لهم:انـزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستشاروا أبا
لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا:ننـزل على حكم سعد بن معاذ [
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
انـزلوا على حكم سعد بن معاذ » . فنـزلوا وبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ ] فأتي
به على حمار عليه إكاف من ليف قد حُمِل عليه، وحَفّ به قومه، فقالوا:يا أبا عمرو،
حلفاؤك ومواليك وأهل النّكاية، ومَنْ قد علمت، قالت:ولا يَرْجعُ إليهم شيئا، ولا
يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال:قد آن لي ألا أبالي في
الله لومة لائم. قال :قال أبو سعيد :فلما طلع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قوموا
إلى سيدكم فأنـزلوه » . فقال عمر:سيدنا الله. قال: « أنـزلوه
» . فأنـزلوه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « احكم
فيهم » . قال سعد:فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم،
وتقسم أموالهم، فقال رسول الله: « لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم
رسوله » . ثم دعا سعد فقال:اللهم، إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب
قريش شيئًا، فأبقني لها. وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم، فاقبضني إليك.
قال:فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص، ورجع إلى قبته التي ضرب
عليه رسول الله.
قالت
عائشة:فَحَضَره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر قالت:فوالذي نفس
محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي. وكانوا كما قال
الله تعالى: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ .
قال
علقمة:فقلت:أيْ أمّه، فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ قالت:كانت عينه
لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته .
وقد أخرج
البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة
نحوًا من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه دُعاء سعد، رضي الله عنه .
يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلا ( 28 )
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ
اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( 29 ) .
هذا أمر
من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه ، بأن يخَيّر نساءه بين أن يفارقهن،
فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهن عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما
عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن، رضي الله عنهن
وأرضاهن، الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة
الآخرة.
قال
البخاري:حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال:أخبرني أبو سلمة بن عبد
الرحمن، أن عائشة، رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته:أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: « إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك
أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك » ، وقد
عَلمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت:ثم قال: « وإن
الله قال: ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) إلى
تمام الآيتين، فقلت له:ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة
. »
وكذا
رواه معلقا عن الليث:حدثني يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره
وزاد:قالت:ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت .
وقد حكى
البخاري أن مَعْمَرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن
الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة .
وقال ابن
جرير:حدثنا أحمد بن عبَدة الضَّبِّي، حدثنا أبو عَوَانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن
أبيه قال:قالت عائشة:لما نـزل الخيار قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني
أريد أن أذكر لك أمرا، فلا تقضي فيه شيئا حتى تستأمري أبويك » .
قالت:قلت:وما هو يا رسول الله؟ قال:فردّه عليها. فقالت:فما هو يا رسول الله؟
قالت:فقرأ عليها: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ) إلى
آخر الآية. قالت:فقلت:بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت:ففرح بذلك النبي
صلى الله عليه وسلم
.
وحدثنا
ابن وَكِيع، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، رضي الله
عنها، قالت:لما نـزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « يا
عائشة، إني عارض عليك أمرًا، فلا تُفتياني فيه [
بشيء ] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان » .
فقلت:يا رسول الله، وما هو؟ قال: « قال
الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا * وَإِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا )
.قالت:فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم
رومان، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقرأ الحُجَر فقال: » إن
عائشة قالت كذا وكذا « . فقلن:ونحن نقول مثل ما قالت
عائشة، رضي الله عنهن كلهن . »
ورواه
ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشَجِّ، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.
قال ابن جرير:وحدثنا
سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن
عَمرة، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزل إلى نسائه أمر أن
يخيرهن، فدخل عَليَّ فقال: « سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى
تستشيري أباك » . فقلت:وما هو يا نبي الله؟
قال: « إني أمرت أن أخيركن » ، وتلا
عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت:فقلت:وما الذي تقول لا تعجلي حتى
تستشيري أباك؟ فإني اختار الله ورسوله، فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن
كُلّهن، فاخترنَ الله ورسوله .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني
الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهري، أخبرنَي عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثَور، عن
ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:قالت عائشة، رضي الله عنها:أنـزلت آية التخيير فبدأ
بي أَوَّلَ امرأة من نسائه، فقال: « إني
ذاكر لك أمرا، فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك » .
قالت:قد عَلِم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت:ثم قال: « إن
الله قال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ )
الآيتين. قالت عائشة:فقلت:أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار
الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة، رضي الله عنهن. »
وأخرجه
البخاري ومسلم جميعا، عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة مثله .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صَبِِيح، عن مسروق، عن
عائشة قالت:خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئا.
أخرجاه من حديث الأعمش
.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي
الزبير، عن جابر قال:أقبل أبو بكر، رضي الله عنه، يستأذن على رسول الله صلى الله
عليه وسلم والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس:فلم يؤذن له. ثم
أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي صلى الله عليه
وسلم جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر:لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله
يضحك، فقال عمر:يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفا،
فوجأت عنقها. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه وقال: « هن
حولي يسألنني النفقة » . فقام أبو بكر، رضي الله عنه،
إلى عائشة ليضربها، وقام عمر، رضي الله عنه، إلى حفصة، كلاهما يقولان:تسألان النبي
صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده. فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن
نساؤه:والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال:وأنـزل الله، عز
وجل، الخيار، فبدأ بعائشة فقال: « إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن
تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك » . قالت:وما هو؟ قال:فتلا
عليها: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ ) الآية،
قالت عائشة، رضي الله عنها:أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألا
تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال: « إن
الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا ، لا تسألني امرأة منهن
عما اخترتِ إلا أخبرتُها » .
انفرد
بإخراجه مسلم دون البخاري، فرواه هو والنسائي، من حديث زكريا بن إسحاق المكي، به .
وقال عبد
الله بن الإمام أحمد:حدثنا سُرَيْج بن يونس، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد
بن عبيد [ الله بن علي ] بن أبي
رافع، عن عثمان بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، رضي الله عنه:أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خَيَّر نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق .
وهذا
منقطع، وقد رُوي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك. وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه
قال: ( فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلا ) أي:أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن.
وقد
اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن، على قولين، وأصحهما نعم لو وقع،
ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.
قال
عكرمة:وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش:عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم
سلمة، وكانت تحته صلى الله عليه وسلم صفية بنت حُيَيّ النَّضَريَّة، وميمونة بنت
الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضي الله
عنهن وأرضاهن.
[ ولم
يتزوج واحدة منهن، إلا بعد أن توفيت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي
بن كلاب، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة،
وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته فآمنت به ونصرته، وكانت له وزير صدق، وماتت
قبل الهجرة بثلاث سنين، رضي الله عنها، في الأصح، ولها خصائص منها:أنه لم يتزوج عليها
غيرها، ومنها أن أولاده كلهم منها، إلا إبراهيم، فإنه من سريته مارية، ومنها أنها
خير نساء الأمة.
واختلف
في تفضيلها على عائشة على ثلاثة أقوال، ثالثها الوقف.
وسئل
شيخنا أبو العباس بن تيمية عنهما فقال:اختصت كل واحدة منهما بخاصية، فخديجة كان
تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تُسلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبته،
وتسكنه، وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرة الإسلام، واحتملت الأذى في الله وفي رسوله
وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها.
وعائشة تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة،
وانتفاع بنيها بما أدَّت إليهم من العلم، ما ليس لغيرها. هذا معنى كلامه، رضي الله
عنه.
ومن
خصائصها:أن الله، سبحانه، بعث إليها السلام مع جبريل، فبلغها رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:أتى جبريل،
عليه السلام، النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، هذه خديجة، قد أتت معها
إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فأقرئها السلام من ربها ومني، وبشرها
ببيت في الجنة، من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب وهذه لعَمْر الله خاصة، لم تكن
لسواها. وأما عائشة، رضي الله عنها، فإن جبريل سلَّم عليها على لسان النبي صلى
الله عليه وسلم، فروى البخاري بإسناده أن عائشة قالت:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم يومًا: « يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام » .
فقلت:وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد رسول الله صلى الله
عليه وسلم . ومن خواص خديجة، رضي الله عنها:أنه لم تسوءه قط، ولم تغاضبه، ولم
ينلها منه إيلاءً، ولا عتب قط، ولا هجر، وكفى بهذه منقبة وفضيلة.
ومن
خواصها:أنها أول امرأة آمنت بالله ورسوله من هذه الأمة.
فصل:
فلمَّا
توفاها الله تزوج بعدها سودة بنت زمعة، رضي الله عنها، وهي سودة بنت زمعة بن قيس
بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن جبل بن عامر بن لؤي، وكبرت عنده، وأراد
طلاقها فوهبت يومها لعائشة، فأمسكها. وهذا من خواصها:أنها آثرت بيومها حب النبي
صلى الله عليه وسلم تقربًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبا له، وإيثارا
لمقامها معه، فكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة، ويقسم لنسائه، ولا يقسم لها وهي
راضية بذلك مؤثرة، لترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتزوج
الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، وهي بنت ست سنين قبل
الهجرة بسنتين، وقيل:بثلاث، وبنى بها بالمدينة أول مقدمه في السنة الأولى، وهي بنت
تسع، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي
عليها أبو هريرة سنة ثمان وخمسين، ومن خصائصها:أنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى
الله عليه وسلم إليه، كما ثبت ذلك عنه في البخاري وغيره، أنه سئل أي الناس أحب
إليك؟ قال: « عائشة » . قيل:فمن الرجال؟ قال: « أبوها
» .
ومن
خصائصها أيضا:أنه لم يتزوج بكرا غيرها.
ومن
خصائصها:أنه كان ينـزل عليه الوحي وهو في لحافها دون غيرها.
ومن
خصائصها:أن الله، عز وجل، لما أنـزل عليه آية التخيير بدأ بها فخيرها، فقال: « ولا
عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك » .
فقالت:أفي هذا أستأمر أبويَّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. فاستن بها
بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم، وقلن كما قالت.
ومن
خصائصها:أن الله، سبحانه، برأها مما رماها به أهل الإفك، وأنـزل في عذرها،
وبراءتها، وحيا يتلى في محاريب المسلمين، وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها أنها
من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم، وأخبر سبحانه، أن ما قيل فيها من الإفك
كان خيرًا لها، ولم يكن بذلك الذي قيل فيها شر لها، ولا عيب لها، ولا خافض من
شأنها، بل رفعها الله بذلك، وأعلى قدرها وعظم شأنها، وأصار لها ذكرًا بالطيب
والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها. وتأمل هذا التشريف
والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها، حيث قالت:ولشأني في نفسي كان
أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله
عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها، فهذه صديقة الأمة، وأم المؤمنين، وحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وهي تعلم أنها بريئة مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون مفترون
عليها، قد بلغ أذاهم إلى أبويها، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كان
احتقارها لنفسها وتصغيرها لشأنها، فما ظنك بمن قد صام يوما أو يومين، أو شهرا أو
شهرين، قد قام ليلة أو ليلتين، فظهر عليه شيء من الأحوال، ولاحظوا أنفسهم بعين
استحقاق الكرامات، وأنهم ممن يتبرك بلقائهم، ويُغتنم بصالح دعائهم، وأنهم يجب على
الناس احترامهم وتعظيمهم وتعزيزهم وتوقيرهم، فيتمسح بأثوابهم، ويقبل ثرى أعتابهم،
وأنهم من الله بالمكانة التي تنتقم لهم لأجلها من تنقصهم في الحال، وأن يؤخذ من
أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وإن إساءة الأدب عليهم ذنب لا يكفره شيء إلا
رضاهم.
ولو
كان هذا من وراء كفاية لهان، ولكن من وراء تخلف، وهذه الحماقات والرعونات نتاج
الجهل الصميم، والعقل غير المستقيم، فإن ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه، غافل
عن جرمه وعيوبه وذنوبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه بما هو فيه من الكبر
والازدراء على من لعله عند الله خير منه. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
وينبغي للعبد أن يستعيذ بالله أن يكون عند نفسه عظيما، وهو عند الله حقير، ومن
خصائص عائشة، رضي الله عنها:أن الأكابر من الصحابة، رضي الله عنهم، كان إذا أشكل
الأمر عليهم من الدين، استفتوها فيجدون علمه عندها.
ومن
خصائصها:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتها. ومن خصائصها:أن الملك أرى
صورتها للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها في خرقة حرير، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: « إن يكن هذا من عند الله يمضه
» .
ومن
خصائصها:أن الناس كانوا يتحرون هداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم
تقربًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فيتحفونه بما يحب في منـزل أحب نسائه إليه،
رضي الله عنهم أجمعين، وتكنى أم عبد الله، وروي أنها أسقطت من النبي صلى الله عليه
وسلم سقطًا، ولا يثبت ذلك.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت قبله عند حبيش بن
حذافة، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن شهد بدرا، توفيت سنة سبع،
وقيل:ثمان وعشرين، ومن خواصها:ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في
السيرة:أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها، فأتاه جبريل فقال:إن الله يأمرك أن
تراجع حفصة، فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة.
وقال
الطبراني في المعجم الكبير:حدثنا أحمد بن طاهر بن حرملة بن يحيى، حدثنا جدي حرملة،
حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن صالح الحضرمي، عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن
عقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب،
فوضع التراب على رأسه، وقال:ما يعبأ الله بابن الخطاب بعد هذا. فنـزل جبريل، عليه
السلام، على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة
لعمر.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة بنت صخر بن حرب
بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى أرض الحبشة،
فتنصر بالحبشة، وأتم الله لها الإسلام، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي
بأرض الحبشة، وأصدقها عند النجاشي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم عمرو بن أمية الضمري بها إلى أرض الحبشة، وولى نكاحها عثمان بن عفان،
وقيل:خالد بن سعيد بن العاص، وهي التي أكرمت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يجلس عليه أبوها لما قدم أبو سفيان المدينة، وقالت له:إنك مشرك، ومنعته الجلوس عليه.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد
الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي
سلمة بن عبد الأسد، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي
صلى الله عليه وسلم موتًا، وقيل:بل ميمونة، ومن خصائصها:أن جبريل دخل على النبي
صلى الله عليه وسلم، وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي. ففي صحيح مسلم عن أبي
عثمان قال:أنبئت أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أم سلمة، فقال:فجعل
يتحدث، ثم قام فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: « من
هذا؟ » أو كما قال. قالت:هذا دحية الكلبي. قالت:وايم الله، ما
حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم، يخبر أنه جبريل، أو كما
قال، قال سليمان التيمي:فقلت لأبي عثمان:ممن سمعت هذا الحديث؟ قال:من أسامة بن زيد
وزوَّجها ابنها- عمر- من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردت طائفة ذلك بأن ابنها
لم يكن له من السن حينئذ ما يعقد التزويج، ورد الإمام أحمد ذلك، وأنكر على من
قاله، ويدل على صحة قول أحمد ما رواه مسلم في صحيحه أن عمر بن أبي سلمة- ابنها-
سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم؟ فقال: « سل هذه
» يعني:أم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يفعله، فقال:لسنا كرسول الله صلى الله عليه وسلم، يحل الله لرسوله ما شاء. فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني أتقاكم لله وأعلمكم به » أو
كما قال. ومثل هذا لا يقال لصغير جدا، وعمر ولد بأرض الحبشة قبل الهجرة. وقال
البيهقي:وقول من زعم أنه كان صغيرا، دعوى ولم يثبت صغره بإسناد صحيح.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن
مضر، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبل عند مولاه زيد بن حارثة،
فطلقها فزوجه الله إياها من فوق سبع سموات، وأنـزل عليه: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ
مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تفخر بذلك
على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول:زوَّجكن أهاليكن وزوَّجني الله من
فوق سبع سمواته، وهذا من خصائصها. توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع.
وتزوج
النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت تحت عبد الله بن جحش،
تزوجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين، ولم تلبث عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلا يسيرا، شهرين أو ثلاثة، وتوفيت، رضي الله عنها.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت سبيت في
غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة ست وخمسين، وهي التي
أعتق المسلمون بسببها مائة أهل بيت من الرقيق، وقالوا:أصهار رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وكان ذلك من بركتها على قومها.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي، من ولد هارون بن عمران أخي موسى، سنة
سبع، فإنها سبيت من خيبر، وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتله رسول الله
صلى الله عليه وسلم، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل:سنة خمسين. ومن خصائصها:أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها. قال أنس:أمهرها نفسها، وصار
ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة، ويجوز للرجل أن يجعل عتق جاريته صداقها، وتصير
زوجته على منصوص الإمام أحمد، رحمه الله. قال الترمذي:حدثنا إسحاق بن منصور، وعبد
بن حميد، قالا حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال:بلغ صفية أن
حفصة قالت:صفية بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي
فقال: « ما يبكيك؟ »
قالت:قالت لي حفصة:إني ابنة يهودي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنك
لابنة نبي وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فبما تفخر عليك؟ » ثم
قال: « اتق الله يا حفصة » .
قال الترمذى:هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. وهذا من خصائصها، رضي الله عنها.
وتزوج
رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها بسَرَف وهو على
تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنه ثلاث وستين، وهي
خالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس، فإن أمه أم الفضل بنت الحارث وهي التي اختلف
في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لها. هل نكحها حلالا أو مُحرمًا؟ والصحيح إنما
تزوجها حلالا كما قال أبو رافع الشفير في نكاحها.
قال
الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره:وعقد على سبع ولم يدخل بهن، فالصلاة على أزواجه تابعة
لاحترامهن وتحريمهن على الأمة، وأنهن نساؤه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة،
فمن فارقها في حياتها ولم يدخل، لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن صلى الله
عليه وعلى أزواجه وآله وذريته وسلم تسليما ] .
يَا
نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ
لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 30 )
يقول تعالى واعظًا نساء النبي
صلى الله عليه وسلم، اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهن بحكمهن [
وتخصيصهن ] دون سائر النساء، بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة - قال ابن
عباس:وهي النشوز وسوء الخلق. وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله
تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [
الزمر:65 ] ، وكقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ [ الأنعام:88 ] ، قُلْ
إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [
الزخرف:81 ] ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى
مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [
الزمر:4 ] ، فلما كانت محلَّتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع
منهن مغلظا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ( مَنْ
يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) .
قال مالك، عن زيد بن أسلم: (
يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) قال:في
الدنيا والآخرة.
وعن ابن أبي نجيح [ عن
مجاهد ] مثله.
(
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا )
أي:سهلا هينا.