الجزء 23

 

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ( 29 ) .

وقوله: ( وَمَا أَنـزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنـزلِينَ ) :يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبًا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر تعالى:أنه ما أنـزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنـزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود، فيما رواه ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عنه أنه قال في قوله: ( وَمَا أَنـزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنـزلِينَ ) أي:ما كاثرناهم بالجموع الأمر كان أيسر علينا من ذلك، ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) قال:فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية.

وقيل: ( وَمَا كُنَّا مُنـزلِينَ ) أي:وما كنا ننـزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم.

وقيل:المعنى في قوله: ( وَمَا أَنـزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ ) أي:من رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة:فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ) .

قال ابن جرير:والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا.

قال المفسرون:بعث الله إليهم جبريل، عليه السلام، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد.

وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، عليه السلام، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه:

أحدها:أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله، عز وجل، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ إلى أن قالوا: رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [ يس:14- 17 ] . ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح، عليه السلام، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا [ يس:15 ] .

الثاني:أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتَاركة، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم وأطَّدَه. ولما ابتنى القسطنطينية نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول مدينة آمنت، فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسله ، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخمدتهم ، فالله أعلم.

الثالث:أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نـزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف:أن الله تعالى بعد إنـزاله التوراة لم يهلك أمة من الأمم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى [ القصص:43 ] . فعلى هذا يتعين أن هذه القرية المذكورة في القرآن [ العظيم ] قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظا في هذه القصة مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله، سبحانه وتعالى، أعلم.

فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حُسَين الأشقر، حدثنا ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « السُّبَّق ثلاثة:فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب » , فإنه حديث منكر، لا يعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو شيعي متروك، [ والله أعلم ] .

يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 30 ) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ( 32 )

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) أي:يا ويل العباد.

وقال قتادة: ( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) :أي يا حسرة العباد على أنفسها، على ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله. قال:وفي بعض القراءة: « يا حسرة العباد على أنفسها » .

ومعنى هذا:يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم.

( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) أي:يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.

ثم قال تعالى: ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) أي:ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفَجَرتهم من قولهم: إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا [ المؤمنون:37 ] ، وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، فرد الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) .

وقوله: ( وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) أي:وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر للحساب يوم القيام بين يدي الله، عز وجل، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذه كقوله تعالى: وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ [ هود:111 ] .

وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف؛ فمنهم مَنْ قرأ: « وَإن كل لَمَا » بالتخفيف، فعنده أن « إن » للإثبات، ومنهم مَنْ شدد « لَمَّا » ، وجعل « إن » نافية، و « لمَّا » بمعنى « إلا » تقديره:وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله أعلم.

وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) .

يقول تعالى: ( وَآيَةٌ لَهُمُ ) أي:دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ( الأرْضُ الْمَيْتَةُ ) أي:إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنـزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: ( أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) أي:جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم، ( وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ) أي:جعلنا فيها أنهارًا سارحة في أمكنة، يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره. لما امتن على خلقه بإيجاد الزروع لهم عَطَف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.

وقوله: ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) أي:وما ذاك كله إلا من رحمة الله بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم. قاله ابن عباس وقتادة؛ ولهذا قال: ( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) ؟ أي:فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ واختار ابن جرير - بل جزم به، ولم يحك غيره إلا احتمالا- أن « ما » في قوله: ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) بمعنى: « الذي » ، تقديره:ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم، أي:غرسوه ونصبوه، قال:وهي كذلك في قراءة ابن مسعود ( لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ ) .

ثم قال: ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ ) أي:من زروع وثمار ونبات. ( وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فجعلهم ذكرًا وأنثى، ( وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) أي:من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات:49 ] .

وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 )

يقول تعالى:ومن الدلالة لهم على قدرته تعالى العظيمة خلق الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [ الأعراف:54 ] ؛ ولهذا قال عز وجل هاهنا: ( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ) أي:نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: ( فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) كما جاء في الحديث: « إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم » .

هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [ الحج:61 ] وقد ضعف ابن جرير قولَ قتادة هاهنا، وقال:إنما معنى الإيلاج:الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادًا في هذه الآية. وهذا الذي قاله ابن جرير حق.

وقوله: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ، في معنى قوله: ( لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) قولان:

أحدهما:أن المراد:مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث.

قال البخاري:حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم [ التيمي ] ، عن أبيه، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال:كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: « يا أبا ذر، أتدري أين تغربُ الشمس؟ » قلت:الله ورسوله أعلم. قال: « فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) » .

حدثنا عبد الله بن الزبير الحُميديّ، حدثنا وَكِيع عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) ، قال: « مستقرها تحت العرش » .

كذا أورده هاهنا. وقد أخرجه في أماكن متعددة ، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه، من طرق، عن الأعمش، به.

وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس، فقال: « يا أبا ذر، أتدري أين تذهب الشمس؟ » قلت:الله ورسوله أعلم. قال: « فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل، فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها:ارجعي من حيث جئت. فترجع إلى مطلعها، وذلك مستقرها، ثم قرأ: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) »

وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: « أتدري أين هذا؟ » قلت:الله ورسوله أعلم. قال: « فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها:ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، فذلك قوله: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) » .

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو قال في قوله: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) ، قال:إن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سلَّمت وسجدت واستأذنت فيؤذن لها، حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت، واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول:إن المسير بعيد وإني إلا يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها: « اطلعي من حيث غربت » . قال: « فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا » .

وقيل:المراد بقوله: ( لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) هو انتهاء سيرها وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.

والقول الثاني:أن المراد بمستقرها هو:منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني.

قال قتادة: ( لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) أي:لوقتها ولأجل لا تعدوه.

وقيل:المراد:أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، يروى هذا عن عبد الله بن عمرو.

وقرأ ابن مسعود، وابن عباس: « وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَهَا » أي:لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلا ونهارًا، لا تفتر ولا تقف. كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ [ إبراهيم:33 ] أي:لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة.

( ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ) أي:الذي لا يخالَف ولا يُمانَع، ( الْعَلِيم ) بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك وقَنَّنَه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال تعالى: فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام:96 ] . وهكذا ختم آية حم السجدة بقوله: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فصلت:12 ] . ثم قال: ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ) أي:جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مضي الشهور، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار، كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ البقرة:189 ] ، وقال هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ الآية [ يونس:5 ] ، وقال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا [ الإسراء:12 ] ، فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفًا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري. وأما القمر، فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منـزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسًا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.

قال ابن عباس:وهو أصل العِذْق.

وقال مجاهد:العرجون القديم:أي العذق اليابس.

يعني ابن عباس:أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى، وكذا قال غيرهما. ثم بعد هذا يبديه الله جديدًا في أول الشهر الآخر، والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول « غُرَر » واللواتي بعدها « نفل » ، واللواتي بعدها « تُسع » ؛ لأن أخراهن التاسعة، واللواتي بعدها « عُشَر » ؛ لأن أولاهن العاشرة، واللواتي بعدها « البيض » ؛ لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتي بعدهن « دُرَع » جمع دَرْعاء؛ لأن أولهن سُود ؛ لتأخر القمر في أولهن، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود. وبعدهن ثلاث « ظُلم » ثم ثلاث « حَنَادس » ، وثلاث « دآدئ » وثلاث « مَحاق » ؛ لانمحاق القمر أواخر الشهر فيهن. وكان أبو عُبيد ينكر التُّسع والعشَر. كذا قال في كتاب « غريب المصنف » .

وقوله: ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) :قال مجاهد:لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله: ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) قال:ذلك ليلة الهلال.

وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال:إن للريح جناحًا، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء.

وقال الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح:لا يدرك هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا .

وقال عكرمة في قوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) :يعني:أن لكل منهما سلطانا، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.

وقوله: ( وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) :يقول:لا ينبغي إذا كان الليلُ أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل.

وقال الضحاك:لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا. وأومأ بيده إلى المشرق.

وقال مجاهد: ( وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) يطلبان حثيثين، ينسلخ أحدهما من الآخر.

والمعنى في هذا:أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ؛ لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثِيثًا.

وقوله: ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يعني:الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون، أي:يدورون في فلك السماء. قاله ابن عباس، وعِكْرِمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:في فلك بين السماء والأرض. رواه ابن أبي حاتم، وهو غريب جدًّا، بل منكر.

قال ابن عباس وغير واحد من السلف:في فَلْكَةٍ كفَلْكَة المغْزَل.

وقال مجاهد:الفَلَك كحديد الرَّحَى، أو كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.

 

وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ( 44 )

يقول تعالى:ودلالة لهم أيضًا على قدرته تعالى:تسخيره البحر ليحمل السفن، فمن ذلك - بل أوله- سفينة نوح، عليه السلام، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم؛ ولهذا قال: ( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي:آباءهم، ( فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) أي:في السفينة [ الموقرة ] المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين.

قال ابن عباس:المشحون:المُوقَر. وكذا قال سعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، [ والضحاك ] والسدي.

وقال الضحاك، وقتادة، وابن زيد:وهي سفينة نوح، عليه السلام.

وقوله: ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ) :قال العَوْفي، عن ابن عباس:يعني بذلك:الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة - في رواية- عبد الله بن شَداد، وغيرهم .

وقال السدي - في رواية- :هي الأنعام.

وقال ابن جرير:حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس قال:تدرون ما ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ) ؟ قلنا:لا. قال:هي السفن، جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها.

وكذا قال [ غير واحد و ] أبو مالك، والضحاك، وقتادة، وأبو صالح، والسدي أيضًا:المراد بقوله: ( وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ) :أي السفن.

ويُقَوِّي هذا المذهب في المعنى قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [ الحاقة:11 ، 12 ] .

وقوله: ( وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ) يعني:الذين في السفن، ( فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ) أي:فلا مغيث لهم مما هم فيه، ( وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ) أي:مما أصابهم. ( إِلا رَحْمَةً مِنَّا ) وهذا استثناء منقطع، تقديره:ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونُسَلِّمكم إلى أجل مسمى؛ ولهذا قال: ( وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) أي:إلى وقت معلوم عند الله.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 45 ) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ( 46 ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 )

يقول تعالى مخبرًا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ) قال مجاهد:من الذنوب. وقال غيره بالعكس، ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أي:لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه. وتقدير كلامه:أنهم لا يجيبون إلى ذلك ويعرضون عنه. واكتفى عن ذلك بقوله: ( وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ ) أي:على التوحيد وصدق الرسل ( إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ) أي:لا يتأملونها ولا ينتفعون بها.

وقوله: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ) أي:وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين ( قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي:عن الذين آمنوا من الفقراء، أي:قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجين لهم فيما أمروهم به: ( أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ) أي:وهؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن نوافق مشيئة الله فيهم، ( إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي:في أمركم لنا بذلك.

قال ابن جرير:ويحتمل أن يكون من قول الله للكفار حين ناظروا المسلمين وردوا عليهم، فقال لهم: ( إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ، وفي هذا نظر.

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 48 ) مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( 49 ) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 )

يخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: ( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ] ) ؟ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا [ الشورى:18 ] ، قال الله تعالى: ( مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) أي:ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه - والله أعلم- نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله تعالى إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يُطَوِّلُها ويَمُدُّها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا - وهي صفحة العنق- يتسمع الصوت من قبل السماء. ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار، تحيط بهم من جوانبهم؛ ولهذا قال: ( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ) أي:على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، ( وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) .

وقد وردت هاهنا آثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر ثم يكون بعد هذا نفخة الصعق، التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 )

هذه هي النفخة الثالثة ، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور؛ ولهذا قال: ( فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ) والنَّسلان هو:المشي السريع، كما قال تعالى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [ المعارج:43 ] .

( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ؟ يعنون: [ من ] قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ، وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم؛ لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد.

وقال أُبَيّ بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة:ينامون نومة قبل البعث.

قال قتادة:وذلك بين النفختين.

فلذلك يقولون: ( مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) ، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون - قاله غير واحد من السلف- : ( هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) . وقال الحسن:إنما يجيبهم بذلك الملائكة.

ولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله أعلم.

وقال عبد الرحمن بن زيد:الجميع من قول الكفار: ( يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) .

نقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، وذلك كقوله تعالى في الصافات: وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [ الصافات:20 ، 21 ] ، وقال [ الله ] تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ الروم:55 ، 56 ] .

وقوله: ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ) ، كقوله: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات:13 ، 14 ] . وقال تعالى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل:77 ] ، وقال: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [ الإسراء:52 ] .

أي:إنما نأمرهم أمرًا واحدًا، فإذا الجميع محضرون، ( فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ) أي:من عملها، ( وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )

 

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ( 56 ) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ( 57 ) سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ( 58 )

يخبر تعالى عن أهل الجنة:أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات فنـزلوا في روضات الجنات:أنهم ( فِي شُغُلٍ [ فَاكِهُونَ ) أي:في شغل ] عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم.

قال الحسن البصري:وإسماعيل بن أبي خالد: ( فِي شُغُلٍ ) عما فيه أهل النار من العذاب.

وقال مجاهد: ( فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ) أي:في نعيم معجبون، أي:به. وكذا قال قتادة.

وقال ابن عباس: ( فَاكِهُونَ ) أي فرحون.

قال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيّب، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة، والأعمش، وسليمان التيمي، والأوزاعي في قوله: ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ) قالوا:شغلهم افتضاض الأبكار.

وقال ابن عباس - في رواية عنه - : ( فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ) أي بسماع الأوتار.

وقال أبو حاتم:لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار.

وقوله: ( هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ ) قال مجاهد:وحلائلهم ( فِي ظِلالٍ ) أي:في ظلال الأشجار ( عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ) .

قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والسُّدِّيّ، وخُصَيْف : ( الأرَائِكِ ) هي السرر تحت الحجال.

قلت:نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين، والله أعلم.

وقوله: ( لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ ) أي:من جميع أنواعها، ( وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ) أي:مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف الملاذ.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المَعَافري، عن سليمان بن موسى، حدثني كُرَيْب؛ أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألا هل مُشَمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطر لها هي - ورب الكعبة- نور كلها يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مَشيد، ونهر مُطَّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سلامة، وفاكهة خضرة وحَبْرَة ونعمة، ومحلة عالية بَهيَّة » . قالوا:نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: « قولوا:إن شاء الله » . قال القوم:إن شاء الله.

وكذا رواه ابن ماجه في « كتاب الزهد » من سننه، من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مُهَاجر، به .

وقوله: ( سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) قال ابن جريج:قال ابن عباس في قوله: ( سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) فإن الله نفسه سلام على أهل الجنة.

وهذا الذي قاله ابن عباس كقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [ الأحزاب:44 ]

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا ، وفي إسناده نظر، فإنه قال:حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العَبَّاداني، حدثنا الفضل الرَّقاشيّ، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال:السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: ( سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) » . قال: « فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم » .

ورواه ابن ماجه في « كتاب السنة » من سننه ، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، به.

وقال ابن جرير:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حَرْمَلة، عن سليمان بن حُمَيد قال:سمعت محمد بن كعب القُرَظِي يحدّث عن عمر بن عبد العزيز قال:إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظُلَل من الغمام والملائكة، قال:فيسلم على أهل الجنة، فيردون عليه السلام - قال القرظي:وهذا في كتاب الله ( سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) - فيقول:سلوني. فيقولون:ماذا نسألك أيْ ربّ؟ قال:بلى سلوني. قالوا:نسألك - أيْ رب- رضاك. قال:رضائي أحلكم دار كرامتي. قالوا:يا رب، فما الذي نسألك، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ولأسقيناهم ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا ينقصنا ذلك شيئًا. قال:إن لديَّ مزيدًا. قال فيفعل ذلك بهم في درجهم، حتى يستوي في مجلسه. قال:ثم تأتيهم التحف من الله، عز وجل، تحملها إليهم الملائكة. ثم ذكر نحوه.

وهذا أثر غريب، أورده ابن جرير من طرق.

وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) .

يقول تعالى مخبرًا عمّا يؤول إليه حال الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى: يتميزون عن المؤمنين في موقفهم، كقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ [ يونس:28 ] ، وقال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم:14 ] ، يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [ الروم:43 ] أي:يصيرون صدْعَين فرقتين، احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [ الصافات:22 ، 23 ] .

وقوله تعالى: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) :هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ ولهذا قال: ( وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي:قد أمرتكم في دار الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به؛ ولهذا قال: ( وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا ) ، يقال: « جِبِلا » بكسر الجيم، وتشديد اللام. ويقال: « جُبُلا » بضم الجيم والباء، وتخفيف اللام. ومنهم من يسكن الباء. والمراد بذلك الخلق الكثير، قاله مجاهد، والسُّدِّيّ، وقتادة، وسفيان بن عيينة.

وقوله: ( أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ) ؟ أي:أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعُدُولُكم إلى اتباع الشيطان؟!

قال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم فيخرج منها عُنق ساطع مظلم، يقول: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) امتازوا اليوم أيها المجرمون. فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله تعالى: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الجاثية:28 ] . »

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 ) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 )

يقال للكفرة من بني آدم يوم القيامة، وقد برزَت الجحيم لهم تقريعًا وتوبيخًا: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) أي:هذه التي حذرتكم الرسل فكذبتموهم، ( اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) ، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [ الطور:13- 15 ] .

وقوله تعالى: ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) :هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا مِنْجَاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان، عن عبيد المُكتب، عن الفُضَيْل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال:كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: « أتدرون مم أضحك؟ » قلنا:الله ورسوله أعلم. قال: « من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول:رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول:بلى. فيقول:لا أجيز علي إلا شاهدًا من نفسي. فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حَسيبًا، وبالكرام الكاتبين شهودا. فيختم على فيه، ويُقال لأركانه:انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول:بُعدًا لَكُنَّ وسُحقًا، فعنكنَّ كنتُ أناضل » .

وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عُبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان - هو الثوري- به. ثم قال النسائي: [ لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم.

كذا قال، وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي - وهو العَقَدِيّ- عن سفيان.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن بَهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إنكم تُدْعَون مُفَدَّمة أفواهكم بالفِدَام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه » . رواه النسائي ] عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به .

وقال سفيان بن عيينة، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل، قال فيه: « ثم يلقى الثالث فيقول:ما أنت؟ فيقول:أنا عبدك، آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت - ويثني بخير ما استطاع- قال:فيقال له:ألا نبعث عليك شاهدنا ؟ قال:فيفكر في نفسه، من الذي يشهد عليه، فيُختَم على فيه، ويقال لفخذه:انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه. وذلك الذي سخط الله عليه » .

ورواه مسلم وأبو داود، من حديث سفيان بن عيينة، به بطوله .

ثم قال ابن أبي حاتم، رحمه الله:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضَمْضَم بن زُرْعَة عن شُرَيْح بن عبيد، عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخذُه من الرِّجل اليسرى » . .

ورواه ابن جرير عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش، به مثله .

وقد جَوَّد إسناده الإمام أحمد، رحمه الله، فقال:حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شُرَيْح بن عُبَيد الحضرمي، عمن حَدَّثه عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخذه من الرجل الشمال » .

وقال ابن جرير:حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا يونس بن عُبَيد، عن حُمَيد بن هلال قال:قال أبو بردة:قال أبو موسى هو الأشعري، رضي الله عنه- :يُدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فَيَعْرضُ عليه رَبُّه عملَه فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول:نعم أيْ رب، عملتُ عملتُ عملت. قال:فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها. قال:فما على الأرض خَليقة ترى من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو حسناته، فَوَدَّ أن الناس كلهم يرونها، ويُدعى الكافر والمنافق للحساب، فَيَعرضُ رَبُّه عليه عمله، فيجحد وفيقول:أي رب، وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك:أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول:لا وعزتك أيْ رب ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه. قال أبو موسى الأشعري:فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا ( الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) .

وقوله: ( وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) :قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسيرها:يقول:ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟ وقال مرة :أعميناهم.

وقال الحسن البصري:لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عُميًا يترددون.

وقال السدي:لو شِئْنا أعمينا أبصارهم.

وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والسدي: ( فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ ) يعني:الطريق.

وقال ابن زيد:يعني بالصراط هاهنا:الحق، ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) وقد طمسنا على أعينهم؟

وقال العوفي، عن ابن عباس: ( فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) ] يقول ] :لا يبصرون الحق.

وقوله: ( وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِم ) قال العوفي عن ابن عباس:أهلكناهم.

وقال السدي:يعني:لَغَيَّرْنَا خَلْقَهم.

وقال أبو صالح:لجعلناهم حجارة.

وقال الحسن البصري، وقتادة:لأقعدهم على أرجلهم.

ولهذا قال تعالى: ( فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا ) أي:إلى أمام، ( وَلا يَرْجِعُونَ ) أي:إلى وراء، بل يلزمون حالا واحدًا، لا يتقدمون ولا يتأخرون.

وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 70 )

يخبر تعالى عن ابن آدم أنه كلما طال عمره ردّ إلى الضعف بعد القوة والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [ الروم:54 ] . وقال: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا [ الحج:5 ] .

والمراد من هذا - والله أعلم- الإخبارُ عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار؛ ولهذا قال: ( أَفَلا يَعْقِلُونَ ) أي:يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى [ نفس ] الشَّبيبَة، ثم إلى الشيخوخة؛ ليعلموا أنهم خُلقوا لدار أخرى، لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.

وقوله: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) :يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم :أنه ما علمه الشعر، ( وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) أي:وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّته؛ ولهذا وَرَدَ أنه، عليه الصلاة والسلام، كان لا يحفظ بيتًا على وزنٍ منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه.

وقال أبو زُرْعة الرازي:حُدِّثت عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال:ما وَلَد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشِّعر، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره ابن عساكر في ترجمة « عتبة بن أبي لهب » الذي أكله السَّبُع بالزرقاء .

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن - هو البصري- قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت:

كَفَى بالإسْلام والشيْب للمرْء نَاهيًا

فقال أبو بكر:يا رسول الله:

كَفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا

قال أبو بكر، أو عمر:أشهد أنك رسول الله، يقول الله: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) .

وهكذا روى البيهقي في الدلائل:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:للعباس بن مرداس السلمي: « أنت القائل:»

أتجعل نَهبي ونَهْب العُبَيد بين الأقرع وعيينة « . »

فقال:إنما هو: « بين عيينة والأقرع » فقال: « الكل سواء » .

يعني:في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه.

وقد ذكر السهيلي في « الروض الأنف » لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه، عليه السلام، في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شَرَفُ الأقرع بن حابس على عُيَيْنَة بن بدر الفزاري؛ لأنه ارتد أيام الصديق، بخلاف ذاك، والله أعلم.

وهكذا روى الأموي في مغازيه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي بين القتلى يوم بدر، وهو يقول: « نُفلق هَامًا.................................. » .

فيقول الصديق، رضي الله عنه، متمما للبيت:

..... مِـــنْ رجَـــال أعـــزَّةٍ عَلَيْنَــا وَهُـم كَـانُوا أعَـقَّ وَأظلمـا

وهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له، وهي في الحماسة .

وقال الإمام أحمد:حدثنا هُشَيْم، حدثنا مغيرة، عن الشعبي، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر، تمثل فيه ببيت طَرَفَة:

ويَأْتِيكَ بالأخْبار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

وهكذا رواه النسائي في « اليوم والليلة » من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي، عنها. ورواه الترمذي والنسائي أيضًا من حديث المقدام بن شُرَيْح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، كذلك. ثم قال الترمذي. هذا حديث حسن صحيح .

وقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أسامة، عن زائدة، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الأشعار:

وَيَأتيكَ بالأخْبَار مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

ثم قال:رواه غير زائدة، عن سِمَاك، عن عِكرمة، عن عائشة.

وهذا في شعر طرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهذا المذكور [ هو عجز بيت ] منها، أوله:

سَـتُبْدي لـكَ الأيـامُ مَـا كُنْتَ جَاهلا وَيَـأتيك بالأخْبَــارِ مَـنْ لَـمْ تُـزَوِّدِ

وَيَـأتيكَ بالأخْبَـار مَـنْ لَـمْ تَبِـع لهُ بَتَاتـا ولـم تَضـرب لـه وَقْتَ مَوْعِدِ

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي:أخبرنا أبو عبد الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم - وكيل المتقي ببغداد- حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط، إلا بيتا واحدًا.

تَفَــاءلْ بمـا تَهْـوَى يَكُـنْ فَلَقَلَّمَـا يُقَــالُ لِشَــيْءٍ كَــانَ إلا تَحَقَّقَـا

سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي عن هذا الحديث، فقال:هو منكر. ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة:قيل لعائشة:هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت:كان أبغضَ الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي » . رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه.

وقال معمر عن قتادة:بلغنى أن عائشة سُئلت:هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت:لا إلا بيت طَرَفَة:

سَـتُبْدي لـكَ الأيـامُ مَـا كُنْتَ جَاهلا وَيَــأْتيك بالأخبـارِ مَـنْ لَـمْ تُـزَوِّدِ

فجعل يقول: « مَن لم تُزَوّد بالأخبار » . فقال أبو بكر:ليس هذا هكذا. فقال: « إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي »

وثبت في الصحيحين أنه، عليه الصلاة والسلام، تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:

لاهُـمَّ لوْلا أنت مَا اهْتَدَيْنَا مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْــنَــــا وَلا صَلَّيْنَـــا

فَــأَنـزلَـنْ سَــكِينَــةً عَـلَيْنَـا وَثَبِّـــت الأقْــــدَامَ إنْ لاقَيْنَــا

إنّ الألــى قَــدْ بَغَــوا عَلــيْنَـا إذَا أرَادُوا فِتْـــنَــــةً أَبَيْنَـــا

ويرفع صوته بقوله: « أبينا » ويمدها . وقد روي هذا بزحاف في الصحيح أيضًا. وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة، يُقدم بها في نحور العدو:

أنــــا النَّبِــــيّ لا كَــــذِبْ أنَـــا ابْـــنُ عُبْــد المُطَّلِــبْ

لكن قالوا:هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه.

وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جُنْدَب بن عبد الله قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فَنَكِبت أصبعه، فقال:

هَــلْ أنْــت إلا إصْبَــعٌ دَمِيــت وفــي سَــبيل اللــه مَـا لَقِيـت

وسيأتي عند قوله تعالى: إِلا اللَّمَمَ [ النجم:32 ] إنشاد

إنْ تَغْفــر اللَّهُــمَّ تَغْفِــرْ جَمَّــا وَأيُّ عَبْـــدٍ لـــكَ مَــا ألَمَّــا

وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما عُلِّم شعرًا ولا ينبغي له؛ فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم،الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت:42 ] . وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يُؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضُّلال وآراء الجُهَّال. وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعًا وشرعًا، كما رواه أبو داود قال:

حدثنا عبيد الله بن عُمَر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المَعَافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال:سمعت عبد الله بن عمرو يقول: [ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ] : « ما أبالي ما أوتيت إن أنا شَربت ترياقًا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي » . تفرد به أبو داود .

وقال الإمام أحمد، رحمه الله:حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل قال:سألتُ عائشة:أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟ فقالت:كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك .

وقال أبو داود:حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا » . تفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه .

وقال الإمام أحمد:حدثنا بريد، حدثنا قَزَعةُ بن سُوَيْد الباهلي، عن عاصم بن مَخْلَد، عن أبي الأشعث، الصنعاني ( ح ) وحدثنا الأشيب فقال:عن ابن عاصم، عن [ أبي ] الأشعث عن شَدَّاد بن أوس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة » .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم. على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رَوَاحة، وأمثالهم وأضرابهم، رضي الله عنهم أجمعين. ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي الله صلى الله عليه وسلم: « آمن شعره وكفر قلبه » . وقد أنشد بعض الصحابة منه للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت، يقول عقب كل بيت: « هيه » . يعني يستطعمه، فيزيده من ذلك .

وقد روى أبو داود من حديث أُبي بن كعب، وبُريدة بن الحُصَيْب ، وعبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكما » .

ولهذا قال تعالى: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ) يعني:محمدًا صلى الله عليه وسلم ما علمه الله شعرًا، ( وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) أي:وما يصلح له، ( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ) أي:ما هذا الذي علمناه، ( إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ) أي:بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره. ولهذا قال: ( لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ) أي:لينذر هذا القرآن البيّن كلّ حي على وجه الأرض، كقوله: لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام:19 ] ، وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] . وإنما ينتفع بنذارته من هو حَيّ القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة:حي القلب، حي البصر. وقال الضحاك:يعني:عاقلا ( وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) أي:هو رحمة للمؤمن، وحجة على الكافر.

 

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ ( 73 )

يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم، ( فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ) :قال قتادة:مطيقون أي:جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه. وكذا لو كان القطَارُ مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسيرِ صغيرٍ.

وقوله: ( فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) أي:منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، إلى سائر الجهات والأقطار. ( وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ) إذا شاؤوا نحروا واجتزروا .

( وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ) أي:من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، ( وَمَشَارِبُ ) أي:من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى، ونحو ذلك. ( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) ؟ أي:أفلا يُوَحِّدُون خالق ذلك ومسخره، ولا يشركون به غيره؟

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ( 76 )

يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى.

قال الله تعالى: ( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ) أي:لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدخر، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.

وقوله: ( وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ) :قال مجاهد:يعني:عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خِزْيهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم.

وقال قتادة: ( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ) يعني:الآلهة، ( وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ) ، والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءا، إنما هي أصنام.

وهكذا قال الحسن البصري. وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله.

وقوله: ( فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ) أي:تكذيبهم لك وكفرهم بالله، ( إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) أي:نحن نعلم جميع ما هم عليه، وسنجزيهم وصْفَهم ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرًا، ولا صغيرًا ولا كبيرًا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا.

أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 )

قال مجاهد، وعِكْرِمَة، وعروة بن الزبير، والسُّدِّي. وقتادة:جاء أُبي بن خلف [ لعنه الله ] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يُفَتِّتُه ويذريه في الهواء، وهو يقول:يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: « نعم، يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار » . ونـزلت هذه الآيات من آخر « يس » : ( أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ ) ، إلى آخرهن.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، عن هُشَيْم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، أن العاصى بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففتَّه بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم » . قال: ونـزلت الآيات من آخر « يس » .

ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم، عن هُشَيْمٍ، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فذكره ولم يذكر « ابن عباس » .

وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس قال:جاء عبد الله بن أبي بعظم ففَتَّه وذكر نحو ما تقدم.

وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة. وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نـزلت في أُبي بن خلف، أو [ في ] العاص [ بن وائل ] ، أو فيهما، فهي عامة في كل مَنْ أنكر البعث. والألف واللام في قوله: ( أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ ) للجنس، يعم كل منكر للبعث.

( أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) أي:أولم يستدل مَنْ أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ [ المرسلات:20- 22 ] . وقال إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [ الإنسان:2 ] أي:من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال الإمام أحمد في مسنده:

حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حَريز، حدثني عبد الرحمن بن مَيْسَرة، عن جُبَيْر بن نفير، عن بُسْر ابن جَحَّاش؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصق يوما في كفِّه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: « قال الله تعالى:ابن آدم، أنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيتك وعَدَلتك، مشيت بين بردَيك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بَلَغَت التراقي قلت:أتصدقُ وأنَّى أوان الصدقة؟ » .

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جَرير بن عثمان، به . ولهذا قال: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) ؟ أي:استبعد إعادة الله تعالى - ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض- للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده؛ ولهذا قال تعالى: ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) أي:يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت.

قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيّ قال:قال عقبة بن عمرو لحذيفة:ألا تحدثُنا ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:سمعته يقول: « إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله:إذا أنا متّ فاجمعوا لي حَطَبا كثيرًا جزَلا ثم أوقدوا فيه نارًا، حتى إذا [ أكلت ] لحمي وخلَصت إلى عظمي فامتُحِشْتُ، فخذوها فدقوها فَذَروها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله إليه فقال له:لم فعلت ذلك؟ قال:من خشيتك. فغفر الله له » . فقال عقبة بن عمرو:وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نبَّاشا .

وقد أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الملك بن عمير، بألفاظ كثيرة منها: « أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم يَذْروا نصفه في البر ونصفه في البحر، في يوم رائح، أي:كثير الهواء - ففعلوا ذلك. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له:كن. فإذا هو رجل قائم. فقال له:ما حملك على ما صنعت؟ فقال:مخافتك وأنت أعلم. فما تلافاه أن غفر له » .

وقوله: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) أي:الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خَضرًا نَضرًا ذا ثمر ويَنْع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء.

قال قتادة في قوله: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) يقول:الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه.

وقيل:المراد بذلك سَرْح المرخ والعَفَار، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قَدْح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء. روي هذا عن ابن عباس، رضي الله عنهما . وفي المثل: لكل شجر نار، واستمجد المَرْخُ والعَفَار. وقال الحكماء:في كل شجر نار إلا الغاب.

أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 83 )

يقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال، وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدًا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر:57 ] . وقال هاهنا: ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) أي:مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم. قاله ابن جرير .

وهذه الآية كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأحقاف:33 ] ، وقال: ( بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي:يأمر بالشيء أمرًا واحدًا، لا يحتاج إلى تكرار:

إذَا مَــا أَرَادَ اللــهُ أَمْــرًا فَإِنَّمَـا يَقُــولُ لَــهُ « كُنْ » قَوْلَــة فَيَكُـونُ

وقال الإمام أحمد:حدثنا ابن نُمَيْر، حدثنا موسى بن المسَيَّب، عن شَهْر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذَر، رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله يقول:يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئًا فإنما أقول له كن فيكون » .

وقوله: ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي:تنـزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المتفضل.

ومعنى قوله: ( فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) كقوله عز وجل: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [ المؤمنون:88 ] ، وكقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [ الملك:1 ] ، فالملك والملكوت واحد في المعنى، كرحمة ورَحَمُوت، ورَهْبَة ورَهَبُوت، وجَبْر وجَبَرُوت. ومن الناس من زعم أن المُلْك هو عالم الأجساد ‌‌ والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.

قال الإمام أحمد:حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة - وهو ابن اليمان- رضي الله عنه، قال:قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ السبع الطُّوَل في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: « سمع الله لمن حمده » . ثم قال: « الحمد لذي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة » وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي .

وقد روى أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرة، عن أبي حَمْزة - مولى الأنصار- عن رجل من بني عَبْس، عن حذيفة؛ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، وكان يقول: « الله أكبر - ثلاثًا - ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة » . ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: « سبحان ربي العظيم » . ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوا من ركوعه، يقول: [ « لربي الحمد » . ثم سجد، فكان سجوده نحوا من ] قيامه، وكان يقول في سجوده: « سبحان ربي الأعلى » . ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: « رب، اغفر لي، رب اغفر لي » . فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة - أو الأنعام - - شك شعبة- هذا لفظ أبي داود .

وقال النسائي: « أبو حمزة عندنا:طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة » . كذا قال. والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، [ والله أعلم ] . فأما رواية صلة بن زفر، عن حذيفة، فإنها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.

وقال أبو داود:حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حُمَيْد، عن عوف بن مالك الأشجعي قال:قمتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ. قال:ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: « سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة » . ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة.

ورواه الترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث معاوية بن صالح، به .

[ آخر تفسير سورة « يس » ولله الحمد أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا ]

 

تفسير سورة الصافات

 

[ وهي ] مكية.

قال النسائي:أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد - يعني ابن الحارث- عن ابن أبي ذئب قال:أخبرني بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي .

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ( 1 ) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ( 2 ) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ( 3 ) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ( 4 ) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ( 5 )

قال سفيان الثوري, عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه أنه قال: ( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ) وهي:الملائكة، ( فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ) وهي:الملائكة، ( فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ) هي:الملائكة.

وكذا قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، ومجاهد، والسُّدِّيّ، وقتادة، والربيع بن أنس.

قال قتادة:الملائكة صفوف في السماء.

وقال مسلم:حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، حدثنا محمد بن فُضَيْل، عن أبي مالك الأشجعي، عن رِبْعِيّ، عن حذيفة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « فُضِّلنا على الناس بثلاث:جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجُعلت لنا تُربتها طهورًا إذا لم نجد الماء » .

وقد روى مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث الأعمش، عن المُسَيَّب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرَة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا تَصُفّون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ » قلنا:وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: « يُتِمون الصفوف المتقدمة ويَتَراصون في الصف » .

وقال السدي وغيره:معنى قوله ( فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ) أنها تزجر السحاب .

وقال الربيع بن أنس: ( فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ) :ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا رَوَى مالك، عن زيد بن أسلم.

( فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ) قال السدي:الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا [ المرسلات:5، 6 ] .

وقوله: ( إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ) هذا هو المقسم عليه، أنه تعالى لا إله إلا هو ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) أي:من المخلوقات، ( وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ) أي:هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [ المعارج:40 ] . وقال في الآية الأخرى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ الرحمن:17 ] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر .

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ( 6 ) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ( 7 ) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ( 8 ) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ( 9 ) إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ( 10 )

يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض ( بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ) ، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [ الملك:5 ] ، وقال: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [ الحجر:16- 18 ] .

وقوله ها هنا: ( وَحِفْظًا ) تقديره:وحفظناها حفظًا، ( مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ) يعني:المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: ( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى ) أي:لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ:23 ] ولهذا قال ( وَيُقْذَفُون ) أي:يرمون ( مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ) أي:من كل جهة يقصدون السماء منها، ( دُحُورًا ) أي:رجما يدحرون به ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، ( وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ) أي:في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [ الملك:5 ] .

وقوله: ( إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ ) أي:إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: ( إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) أي:مستنير.

قال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال:كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحي. قال:وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرْمى قال:فإذا سمعوا الوحي نـزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعًا. قال:فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يُخْطئه حتى يُحرقَه. قال:فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال:ما هو إلا من أمْر حدث. قال:فَبَثّ جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة - قال وكيع:يعني بطن نخلة- قال:فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال:هذا الذي حدث.

وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [ الجن:8- 10 ] .

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ( 11 ) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ ( 13 ) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ( 14 ) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 16 ) أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ( 17 ) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ( 18 ) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ( 19 )

يقول تعالى:فَسَل هؤلاء المنكرين للبعث:أيما أشد خلقًا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ - وقرأ ابن مسعود: « أم من عددنا » - فإنهم يُقرّون أن هذه المخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا . كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [ غافر:57 ] ثم بين أنهم خُلقوا من شيء ضعيف، فقال ( إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ )

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك:هو الجيّد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال ابن عباس، وعكرمة:هو اللزج. وقال قتادة:هو الذي يلزق باليد.

وقوله: ( بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ) أي:بل عجبت - يا محمد- من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك .

قال قتادة:عجب محمد صلى الله عليه وسلم، وسَخِر ضُلال بني آدم. ( وَإِذَا رَأَوْا آيَةً ) أي:دلالة واضحة على ذلك ( يَسْتَسْخِرُونَ ) قال مجاهد وقتادة:يستهزئون .

( وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ) أي:إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، ( أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ ) يستبعدون ذلك ويكذبون به، ( قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ) أي:قل لهم يا محمد:نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، ( وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ) أي:حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [ النمل:87 ] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [ غافر:60 ] .

ثم قال: ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ) أي:إِنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [ قيام ] بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.

وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ( 20 ) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( 21 ) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ( 24 )

يخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدمُوا كلَّ الندم حيث لا ينفعهم الندم، ( وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ) . فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: ( هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ) . وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تُميزَ الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) قال النعمان بن بشير رضي الله عنه، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة ومجاهد، والسُّدِّي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم [ وغيرهم ] .

وقال سفيان الثوري، عن سمَاك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) قال إخوانهم: .

وقال شريك، عن سماك، عن النعمان قال:سمعت عمر يقول ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ) قال:أشباههم قال:يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خُصَيْف، عن مِقْسَم، عن ابن عباس: ( أَزْوَاجَهُمْ ) :نساءهم. وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: ( أَزْوَاجَهُمْ ) :قُرَناءهم .

« وما كانوا يعبدون من دون الله » أي:من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله: ( فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ) أي:أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الإسراء:97 ] .

وقوله: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) أي:قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس:يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النُّفَيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال:سمعت ليثا يُحدّث عن بشر، عن أنس بن مالك [ رضي الله عنه ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا » ، ثم قرأ: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) . ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعا .

 

مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 )

وقال عبد الله بن المبارك:سمعت عثمان بن زَائدَةَ يقول:إن أول ما يُسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ( مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ ) أي:كما زعمتم أنكم جميع منتصر، ( بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) أي:منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 27 ) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ( 31 ) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ( 32 ) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( 33 ) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 34 ) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ( 37 )

يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دَرَكات النار، فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [ غافر:47، 48 ] . وقال: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ سبأ:31- 33 ] . قالوا لهم ههنا: ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) قال الضحاك، عن ابن عباس:يقولون:كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.

وقال مجاهد:يعني:عن الحق، الكفار تقوله للشياطين.

وقال قتادة:قالت الإنس للجن: ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) قال:من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه.

وقال السدي تأتوننا [ عن اليمين ] من قبل الحق، تزينون لنا الباطل، وتصدونا عن الحق.

وقال الحسن في قوله: ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) إيْ والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه.

وقال ابن زيد:معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به.

وقال يزيد الرشْك:من قبل « لا إله إلا الله » . وقال خُصيف:يعنون من قبل ميامنهم. وقال عكرمة ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) ، قال:من حيث نأمنكم .

وقوله: ( قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) تقول القادة من الجن، والإنس للأتباع:ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، ( وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) أي:من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، ( بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ) أي:بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.

( فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ) ، يقول الكبراء للمستضعفين:حقت علينا كلمة الله :إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، ( فَأَغْوَيْنَاكُمْ ) أي:دعوناكم إلى الضلالة، ( إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ) أي:دعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: ( فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) أي:الجميع في النار، كل بحسبه، ( إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا ) أي:في الدار الدنيا ( إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) أي:يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وَهْب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مُسافر - يعني عبد الرحمن بن خالد- عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيرة، رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا:لا إله إلا الله، فمن قال:لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله » ، وأنـزل الله في كتابه - وذكر قوما استكبروا- فقال: ( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) .

وقال ابن أبي حاتم أيضا:حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حمَّاد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء قال:يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم:ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:الله وعُزَيرًا. فيقال لهم:خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم:ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:نعبد الله والمسيح. فيقال لهم:خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: « لا إله إلا الله » ، فيستكبرون. ثم يقال لهم: « لا إله إلا الله » ، فيستكبرون. ثم يقال لهم: « لا إله إلا الله » فيستكبرون. فيقال لهم:خذوا ذات الشمال - قال أبو نضرة:فينطلقون أسرع من الطير- قال أبو العلاء:ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم:ما كنتم تعبدون؟ فيقولون:كنا نعبد الله. فيقال لهم:هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون:نعم. فيقال لهم:فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا:نعلم أنه لا عِدْلَ له. قال:فيتعرف لهم تبارك وتعالى، وينجي الله المؤمنين.

( وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ) أي:أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [ هذا ] الشاعر المجنون، يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال الله تعالى تكذيبا لهم، وردا عليهم: ( بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ ) يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرْعة الله له من الإخبار والطلب، ( وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ) أي:صدّقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه [ وقدره ] وأمره كما أخبروا، مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ الآية [ فصلت:43 ] .

إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ ( 38 ) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( 44 ) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزَفُونَ ( 47 ) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ( 48 ) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ( 49 )

يقول تعالى مخاطبًا للناس: ( إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ العصر:1- 3 ] .

وقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ التين:4- 6 ] ، وقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [ مريم:71، 72 ] ، وقال: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [ المدثر:38، 39 ] ولهذا قال هاهنا: ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) أي:ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف.

وقوله: ( أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ) قال قتادة، والسدي:يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى ( فَوَاكِهُ ) أي:متنوعة ( وَهُمْ مُكْرَمُونَ ) أي:يُخْدمون [ ويرزقون ] ويرفهون وينعمون، ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) قال مجاهد:لا ينظر بعضهم في قفا بعض.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال:خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية ( عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) ينظر بعضهم إلى بعض. حديث غريب .

وقوله ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْـزفُونَ ) ، كما قال في الآية الأخرى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ [ الواقعة:17- 19 ] فنـزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن - وهو الغول- وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: ( يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) أي:بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها.

قال مالك، عن زيد بن أسلم:خمر جارية بيضاء، أي:لونها مشرق حسن بهى لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو أصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.

وقوله عز وجل: ( لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك .

وقوله: ( لا فِيهَا غَوْلٌ ) يعني:لا تؤثر فيهم غولا - وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد- كما تفعله خمر الدنيا من القُولَنْج ونحوه، لكثرة مائيتها.

وقيل:المراد بالغول هاهنا:صداع الرأس. وروي هكذا عن ابن عباس.

وقال قتادة:هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي:لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر:

فَمَــا زَالَــتِ الكــأسُ تَغْتَالُنــا وتَـــــذْهبُ بــــالأوَّل الأوَّلِ

وقال سعيد بن جبير:لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد:إنه وجع البطن.

وقوله: ( وَلا هُمْ عَنْهَا يُنـزفُونَ ) قال مجاهد:لا تذهب عقولهم، وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم.

وقال الضحاك، عن ابن عباس:في الخمر أربع خصال:السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنـزهها عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة « الصافات » .

وقوله: ( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) أي:عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

وقوله ( عِينٌ ) أي:حسان الأعين. وقيل:ضخام الأعين. هو يرجع إلى الأول، وهي النجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف حين جملته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن أنه ملك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره، قالت: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [ يوسف:32 ] أي:هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، [ فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن ] . وهكذا الحور العين خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [ الرحمن:70 ] ، ولهذا قال: ( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ )

وقوله: ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما: ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) يقول:اللؤلؤ المكنون.

وينشد هاهنا بيت أبي دهبل الشاعر في قصيدة له:

وَهْــيَ زَهْـرَاء مثْـلَ لؤلـؤة الغـوّ اص مُــيِّزَتْ مِـن جـوهر مكْنُـون

وقال الحسن: ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) يعني:محصون لم تمسه الأيدي.

وقال السدي:البيض في عشه مكنون.

وقال سعيد بن جبير: ( [ كَأَنَّهُنَّ ] بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) ، يعني:بطن البيض .

وقال عطاء الخراساني:هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيضة.

وقال السدي: ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) يقول:بياض البيض حين ينـزع قشره. واختاره ابن جرير لقوله: ( مَكْنُونٌ ) ، قال:والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش، وتنالها الأيدي بخلاف داخلها، والله أعلم.

وقال ابن جرير:حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي، عن عمرو بن هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة رضي الله عنها ، قلت :يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: ( كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) قال: « رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة، التي تلي القشر وهي الغِرْقِئ » .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي:حدثنا أبو غسان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي عز وجل ولا فخر، يطوف علي ألف خادم كأنهن البيض المكنون - أو:اللؤلؤ المكنون » .

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 50 ) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ( 51 )

يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي:عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السرر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ قال مجاهد:يعني شيطانا.

وقال العوفي، عن ابن عباس:هو الرجل المشرك، يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا.

ولا تنافي بين كلام مجاهد، وابن عباس؛ فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإنس فيقول كلاما تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان، قال الله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [ الأنعام:112 ] وكل منهما يوسوس، كما قال تعالى: ( [ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ] * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ سورة الناس ] .

 

يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ( 52 ) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ( 53 ) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ( 54 ) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ( 61 ) .

ولهذا ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ) أي:أأنت تصدق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني:يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد . ( أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ) قال مجاهد، والسدي:لمحاسبون؟ وقال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي:لمجزيون بأعمالنا؟.

قال: ( قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ) أي:مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة . ( فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخليد العصري وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني [ وغيرهم ] يعني في وسط الجحيم.

وقال الحسن البصري:في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد.

وقال قتادة:ذكر لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر لنا أن كعب الأحبار قال:في الجنة كوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرا .

( قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ) يقول المؤمن مخاطبا للكافر:والله إن كدت لتهلكني لو أطعتك . ( وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) أي:ولولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل [ عليّ ] ورحمني فهداني للإيمان، وأرشدني إلى توحيده وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [ الأعراف:43 ] .

وقوله: ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) هذا من كلام المؤمن مغبطا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب؛ ولهذا قال: ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال:قال ابن عباس رضي الله عنهما، في قول الله تبارك وتعالى لأهل الجنة: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور:19 ] ، قال ابن عباس، رضي الله عنهما:قوله: ( هَنِيئًا ) أي:لا يموتون فيها. فعندها قالوا: ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )

وقال الحسن البصري:علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: ( أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ، قيل [ لهم ] : لا. قالوا: ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

وقوله: ( لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) قال قتادة:هذا من كلام أهل الجنة.

وقال ابن جرير:هو من كلام الله تعالى، ومعناه:لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة .

وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.

قال أبو جعفر بن جرير:حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ قال:إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر:ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك، مات، فدعا صاحبه فأراه فقال:كيف ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار؟ قال:ما أحسنها! فلما خرج قال:اللهم إن صاحبي ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارا من دور الجنة، فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاما. فلما أتاه قال:إني تزوجت امرأة بألف دينار. قال:ما أحسن هذا! فلما انصرف قال:يا رب، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال:إني ابتعت هذين البستانين. فقال:ما أحسن هذا! فلما خرج قال:يا رب، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارا تعجبه، وإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئا الله به عليم، فقال عند ذلك:ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال:فإنه ذاك، ولك هذا المنـزل والبستانان والمرأة. قال:فإنه كان لي صاحب يقول:أئنك لمن المصدقين؟ قيل له:فإنه في الجحيم. قال:هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم. فقال عند ذلك: ( تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ) الآيات.

قال ابن جرير:وهذا يقوي قراءة من قرأ: « أئنك لمن المُصَّدّقِينَ » بالتشديد.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص قال:سألت إسماعيل السدي عن هذه الآية: ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ) ? قال:فقال لي:ما ذكرك هذا ؟ قلت:قرأته آنفا فأحببت أن أسألك عنه؟ فقال:أما فاحفظ، كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن:ما صنعت في مالك؟ أضربت به شيئا؟ أتجرت به في شيء؟ فقال له المؤمن:لا فما صنعت أنت؟ فقال:اشتريت به أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا قال:فقال له المؤمن:أو فعلت؟ قال:نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال:اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر- اشترى أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا بألف دينار، ثم يموت غدا ويتركها، اللهم إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضا ونخلا وثمارا وأنهارا في الجنة. قال:ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال:ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن:ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال:لا فما صنعت أنت. قال:كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقا بألف دينار، يقومون بي فيها، ويعملون لي فيها. فقال له المؤمن:أوفعلت؟ قال:نعم. قال:فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال:اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر- اشترى رقيقا من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدا ويتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإني اشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال:ثم مكثا ما شاء الله تعالى أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن:ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال لا فما صنعت أنت؟ قال:أمري كله قد تم إلا شيئا واحدا، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن:أوفعلت؟ قال:نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال:اللهم إن فلانا - يعني شريكه الكافر- تزوج زوجة من أزواج الدنيا فيموت غدا فيتركها، أو يموت فتتركه، اللهم وإني أخطب إليك بهذه الألف الدينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين. قال:فبقي المؤمن ليس عنده شيء. قال:فلبس قميصا من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مرا فجعله على رقبته، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال:فجاءه رجل فقال:يا عبد الله، أتؤاجرني نفسك مشاهرة، شهرا بشهر، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سَرْقينها؟ قال:نعم. قال:فواجره نفسه مشاهرة، شهرا بشهر، يقوم على دوابه. قال:فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له:سرقت شعير هذه البارحة؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال:لآتين شريكي الكافر، فلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يوما ، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال:فانطلق يريده، فلما انتهى إلى بابه وهو ممس، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون فقال لهم:استأذنوا لي صاحب هذا القصر فإنكم إذا فعلتم سره ذلك، فقالوا له:انطلق إن كنت صادقا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرض له. قال:فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته، ونصفه فوقه، ثم نام. فلما أصبح أتى شريكه فتعرض له، فخرج شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عرفه فوقف عليه وسلم عليه وصافحه، ثم قال له:ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ قال:بلى وهذه حالي وهذه حالك. قال:أخبرني ما صنعت في مالك؟ قال:لا تسألني عنه. قال:فما جاء بك؟ قال:جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة يوما بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال:لا ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيرا حتى تخبرني ما صنعت في مالك؟ قال:أقرضته:قال:من؟ قال:المليء الوفي. قال:من؟ قال:الله ربي. قال:وهو مصافحه فانتزع يده من يده، ثم قال: ( أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ) - قال السدي:محاسبون- قال:فانطلق الكافر وتركه. قال:فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال:فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة، يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول:لمن هذا ؟ فيقال:هذا لك. فيقول:يا سبحان الله! أوَ بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال:ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول:لمن هذا؟ فيقال:هؤلاء لك. فيقول:يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال:ثم يمر فإذا هو بقبة من ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول:لمن هذه؟ فيقال:هذه لك. فيقول:يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال:ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول: ( إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ) قال:فالجنة عالية، والنار هاوية. قال:فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، فيقول ( تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) بمثل ما من عليه. قال:فيتذكر المؤمن ما مر عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما مر عليه في الدنيا من الشدة، أشد عليه من الموت .

أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 )

يقول الله تعالى:أهذا الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ - خير ضيافة وعطاء ( أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) ? أي:التي في جهنم.

وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، كما قال بعضهم من أنها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محال جهنم كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنة إلا وفيها منها غصن.

وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر، يقال له:الزقوم، كقوله تعالى: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ [ المؤمنون:20 ] ، يعني الزيتونة. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ [ الواقعة:51، 52 ] .

وقوله: ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) ، قال قتادة:ذكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا:صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنـزل الله عز وجل:: ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) غذت من النار، ومنها خلقت.

وقال مجاهد: ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) قال أبو جهل - لعنه الله- :إنما الزقوم التمر والزبد أتزقمه.

قلت:ومعنى الآية:إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم اختبارا تختبر به الناس، من يصدق منهم ممن يكذب، كقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا [ الإسراء:60 ] .

وقوله: ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) أي:أصل منبتها في قرار النار، ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ) تبشيع [ لها ] وتكريه لذكرها.

قال وهب بن منبه:شعور الشياطين قائمة إلى السماء.

وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر.

وقيل:المراد بذلك ضرب من الحيات، رءوسها بشعة المنظر.

وقيل:جنس من النبات، طلعه في غاية الفحاشة.

وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير، والأول أقوى وأولى، والله أعلم .

وقوله: ( فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) ، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها، لأنهم لا يجدون إلا إياها، وما في معناها، كما قال [ تعالى ] : لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [ الغاشية:6، 7 ] .

وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله:حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية، وقال: « اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ » .

ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث شعبة، وقال الترمذي:حسن صحيح .

وقوله تعالى: ( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) قال ابن عباس:يعني شرب الحميم على الزقوم.

وقال في رواية عنه: ( شَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) مزجا من حميم.

وقال غيره:يعني يمزج لهم الحميم بصديد وغساق، مما يسيل من فروجهم وعيونهم.

وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا حَيْوَة بن شُرَيح الحضرمي، حدثنا بَقيَّة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، أخبرني عبيد بن بسر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: « يقرب - يعني إلى أهل النار- ماء فيتكرهه، فإذا أدنى منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه. فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره » .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال:إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم [ فيها ] . فلو أن مارا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل - وهو الذي قد انتهى حره- فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل أمعاؤهم وتتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور .

وقوله: ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ ) أي:ثم إن مردهم بعد هذا الفصل لإلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا، كما قال تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن:44 ] . هكذا تلا قتادة هذه الآية عند هذه الآية، وهو تفسير حسن قوي.

وقال السدي في قراءة عبد الله: « ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم » وكان عبد الله يقول:والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ثم قرأ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا [ الفرقان:24 ] .

وروى الثوري، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال:لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء. قال سفيان:أراه، ثم قرأ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا ، « ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم » .

قلت:على هذا التفسير تكون « ثم » عاطفة لخبر على خبر.

وقوله: ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ) أي:إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك، من غير دليل ولا برهان؛ ولهذا قال: ( فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) قال مجاهد:شبيهة بالهرولة. وقال سعيد بن جبير:يسفهون .

وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ ( 71 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 74 )

يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وذكر تعالى أنه أرسل فيهم منذرين، ينذرون بأس الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم. فأهلك المكذبين ودمرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفرهم، ولهذا قال: ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ )

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ( 75 ) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 76 )

لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة، شرع يبين ذلك مفصلا فذكر نوحا، عليه السلام، وما لقى من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلا القليل مع طول المدة، [ فإنه ] لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نفرة، فدعى ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله لغضبه عليهم؛ ولهذا قال: ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) أي:فلنعم المجيبون له. ( وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) ، وهو التكذيب والأذى، وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول:لم تبق إلا ذرية نوح عليه السلام.

 

وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ( 77 ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ( 78 ) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ( 79 ) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 80 ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 81 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ( 82 )

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ( وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ) قال:الناس كلهم من ذرية نوح [ عليه السلام ] .

وقد روى الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ) قال: « سام، وحام ويافث » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم » .

ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد - وهو ابن أبي عروبة- عن قتادة، به .

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ:وقد روي عن عمران بن حُصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. والمراد بالروم هاهنا:هم الروم الأوَل، وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح، عليه السلام. ثم روى من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال:ولد نوح عليه السلام ثلاثة:سام وحام ويافث، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة، فولد سامُ العربَ وفارسَ والروم، وولد يافثُ الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حامُ القبطَ والسودان والبربر. وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، والله أعلم .

وقوله: ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) ، قال ابن عباس:يذكر بخير.

وقال مجاهد:يعني لسان صدق للأنبياء كلهم.

وقال قتادة والسدي:أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين. قال الضحاك:السلام والثناء الحسن .

وقوله تعالى: ( سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) مفسر لما أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن أنه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم.

( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي:هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله، نجعل له لسانَ صدْق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك .

ثم قال: ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) أي المصدقين الموحدين الموقنين، ( ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ ) أي:أهلكناهم، فلم تبْق منهم عين تطرف، ولا ذكر لهم ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.

وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ( 83 ) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ( 85 ) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 87 )

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ ) يقول:من أهل دينه. وقال مجاهد:على منهاجه وسنته .

( إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) قال ابن عباس:يعني شهادة أن لا إله إلا الله.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، عن عَوْف:قلت لمحمد بن سِيرين:ما القلب السليم؟ قال:يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.

وقال الحسن:سليم من الشرك، وقال عروة:لا يكون لعانا .

وقوله: ( إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ) :أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد، ولهذا قال: ( أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ . فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) قال قتادة: [ يعني ] : ما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم غيره؟!

فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ( 91 ) مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 92 ) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ( 96 ) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ( 98 )

إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزف خروجُهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاما هو حق في نفس الأمر، فَهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) قال قتادة:والعرب تقول لمن تفكر:نظر في النجوم:يعني قتادة:أنه نظر في السماء متفكرا فيما يلهيهم به، فقال: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أي:ضعيف.

فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لم يكذب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، غير ثلاث كذبات:ثنتين في ذات الله، قوله: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [ الأنبياء:63 ] ، وقوله في سارة:هي أختي » فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزا، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: « إن [ في ] المعاريض لمندوحة عن الكذب »

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نَضْرَة ، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: « ما منها كلمة إلا ما حمل بها عن دين الله تعالى، فقال: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وقال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ، وقال للملك حين أراد المرأة:هي أختي » .

قال سفيان في قوله: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) يعني:طعين. وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: ( فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) ، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم:اخرج. فقال:إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون.

وقال قتادة عن سعيد بن المسيب:رأى نجما طلع فقال: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) كابد نبي الله عن دينه ( فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ) .

وقال آخرون:فقال : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني:مرض الموت.

وقيل:أراد ( إِنِّي سَقِيمٌ ) أي:مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله عز وجل.

وقال الحسن البصري:خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم.

ولهذا قال تعالى: ( فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ) أي:إلى عيدهم، ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ ) أي:ذهب إليها بعد أن خرجوا في سرعة واختفاء، ( فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ) ، وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاما قربانا لتُبرّك لهم فيه.

قال السدي:دخل إبراهيم، عليه السلام إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بَهْوٍ عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه [ صنم آخر ] أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما وضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا:إذا كان حين نرجع وقد بَرَكَت الآلهةُ في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم، عليه والسلام، إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ( أَلا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) ؟!

وقوله: ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) :قال الفراء:معناه مال عليهم ضربا باليمين.

وقال قتادة والجوهري:فأقبل عليهم ضربا باليمين.

وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى؛ ولهذا تركهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في سورة الأنبياء تفسير ذلك.

قوله هاهنا: ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) :قال مجاهد وغير واحد:أي يسرعون.

وهذه القصة هاهنا مختصرة، وفي سورة الأنبياء مبسوطة، فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم، عليه السلام، هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم، فقال: ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) ؟! أي:أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟! ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) يحتمل أن تكون « ما » مصدرية، فيكون تقدير الكلام:والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى « الذي » تقديره:والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب « أفعال العباد » ، عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربْعِيّ بن حراش، عن حذيفة مرفوعا قال: « إن الله يصنع كل صانع وصنعته » . وقرأ بعضهم: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ )

فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر، فقالوا: ( ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها؛ ولهذا قال تعالى: ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ )

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 )

يقول تعالى مخبرا عن خليله إبراهيم [ عليه السلام ] :إنه بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعدما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: ( إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) يعني:أولادا مطيعين عوَضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم. قال الله تعالى: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أولُ ولد بشر به إبراهيم، عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل وُلِدَ ولإبراهيم، عليه السلام، ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمْر إبراهيم تسع وتسعون سنة. وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة:بكْره، فأقحموا هاهنا كذبا وبهتانا « إسحاق » ، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا « إسحاق » لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحَرّفوا وحيدك، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: « وحيد » إلا لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.

وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تُلقى إلا عن أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلما من غير حجة. وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [ الحجر:53 ] . وقال تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [ هود:71 ] ، أي:يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل. وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله [ تعالى ] قد وعدهما بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا، وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم؛ لأنه مناسب لهذا المقام.

وقوله: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) أي:كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه. وقد كان إبراهيم، عليه السلام، يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد « فاران » وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البراق سريعا إلى هناك، فالله أعلم.

وعن ابن عباس ومجاهد وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء الخراساني، وزيد بن أسلم، وغيرهم: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ) يعني:شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل، ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) قال عبيد بن عمير:رؤيا الأنبياء وَحْي، ثم تلا هذه الآية: ( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى )

وقد قال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سِمَاك، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « رؤيا الأنبياء في المنام وَحْي » ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه .

وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه.

( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ) أي:امض لما أمرك الله من ذبحي، ( سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) أي:سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل. وصدق، صلوات الله وسلامه عليه، فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [ مريم:54، 55 ] .

 

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ( 109 ) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 )

قال الله تعالى: ( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) أي:فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد على شهادة الموت. وقيل: ( أَسْلَمَا ) ، [ يعني ] :استسلما وانقادا؛ إبراهيم امتثل أمْرَ الله، وإسماعيل طاعة الله وأبيه. قاله مجاهد، وعكرمة والسدي، وقتادة، وابن إسحاق، وغيرهم.

ومعنى ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) أي:صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه، ليكون أهون عليه، قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة: ( وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) :أكبه على وجهه.

وقال الإمام أحمد:حدثنا سُرَيْج ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغَنَويّ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس أنه قال:لما أمر إبراهيم بالمناسك عَرَض له الشيطان عند السعي، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، وثَمّ تَلَّه للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له:يا أبت، إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتى تكفنني فيه. فعالجه ليخلعه، فنُوديَ من خلفه: ( أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) ، فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين. قال ابن عباس:لقد رأيتنا نتبع ذلك الضرب من الكباش.

وذكر تمام الحديث في « المناسك » بطوله . ثم رواه أحمد بطوله عن يونس، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، فذكر نحوه إلا أنه قال: « إسحاق » . فعن ابن عباس في تسمية الذبيح روايتان، والأظهر عنه إسماعيل، لما سيأتي بيانه.

وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عباس في قوله: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال:خرج عليه كبش من الجنة. قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلَتَه عندها، فجاء الجمرةَ الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها. ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفسُ ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد حَشَّ ، يعني:يبس.

وقال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، أخبرنا القاسم قال:اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل كعب يحدث عن الكُتُب، فقال أبو هريرة:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خَبَأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة » . فقال له كعب:أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:نعم. قال:فداك أبي وأمي - أو:فداه أبي وأمي- أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه السلام؟ إنه لما أُريَ ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان:إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدا. فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال:أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت:غدا به لبعض حاجته. قال:لم يغد لحاجة، وإنما ذهب به ليذبحه. قالت:وَلِم يذبحه؟ قال:زعم أن ربه أمره بذلك. قالت:فقد أحسن أن يطيع ربه. فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام:أين يذهب بك أبوك؟ قال:لبعض حاجته. قال: إنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال:ولم يذبحني؟ قال:زعم أن ربه أمره بذلك. قال:فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن. قال:فيئس منه فلحق بإبراهيم، فقال:أين غدوت بابنك؟ قال لحاجة. قال:فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به لتذبحه قال:وَلم أذْبَحه؟ قال:تزعم أن ربك أمرك بذلك. قال:فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. قال:فتركه ويئس أن يطاع .

وقد رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وَهْب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جَاريَةَ الثقفي أخبره، أن كعبا قال لأبي هريرة... فذكره بطوله، وقال في آخره:وأوحى الله إلى إسحاق أني أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق:اللهم، إني أدعو أن تستجيب لي:أيُّما عَبْد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئًا، فأدخله الجنة.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن أختبئ شفاعتي، فاختبأت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجَمْ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرْبَ الذبح قيل له:يا إسحاق، سل تعطه. فقال:أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نـزغات الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وأدخله الجنة » .

هذا حديث غريب منكر . وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مُدْرَجَة، وهي قوله: « إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق » إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظا فالأشبه أن السياق إنما هو عن « إسماعيل » ، وإنما حرفوه بإسحاق؛ حَسَدًا منهم كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة، حيث كان إسماعيل لا إسحاق [ عليهما السلام ] ، فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام.

وقوله تعالى: ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) أي:قد حصل المقصودُ من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح

وذكر السدي وغيره أنه أمَرّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا، بل حال بينها وبينه صفيحة من نحاس ونودي إبراهيم، عليه السلام، عند ذلك: ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا )

وقوله: ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) أي:هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجا ومخرجا، كقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [ الطلاق:2، 3 ] .

وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل، خلافا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة، لأن الله تعالى شرع لإبراهيم ذَبْحَ ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) أي:الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلما لأمر الله، منقادا لطاعته؛ ولهذا قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم:37 ] .

وقوله: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال سفيان الثوري، عن جابر الجُعْفي، عن أبي الطفيل، عن علي، رضي الله عنه: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال:بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة - قال أبو الطفيل وجدوه مربوطًا بسُمَرة في ثَبِير

وقال الثوري أيضا، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفًا.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء، فذبحه، وهو الكبش الذي قَرّبه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونا حتى فدي به إسحاق.

وروي أيضا عن سعيد بن جبير أنه قال:كان الكبش يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه عِهْن أحمر.

وعن الحسن البصري:أنه كان اسم كبش إبراهيم:جرير.

وقال ابن جريج:قال عبيد بن عمير:ذبحه بالمقام. وقال مجاهد:ذبحه بمنى عند المنحر . وقال هُشَيْم، عن سيار، عن عكرمة؛ أنّ ابن عباس كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا أن ينحر نفسه، فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك:لو كنت أفتيته بكبش لأجزأه أن يذبح كبشا، فإن الله تعالى قال في كتابه: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش. وقال الثوري، عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) قال:وَعْلٌ.

وقال محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقول:ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأرْوَى، أهبط عليه من ثبير .

وقد قال الإمام أحمد:حدثنا سفيان، حدثنا منصور، عن خاله مُسافع ، عن صفية بنت شيبة قالت:أخبرتني امرأة من بني سليم - وَلدت عامة أهل دارنا- أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة - وقال مرة:إنها سألت عثمان:لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال:قال: « إني كنتُ رأيت قرني الكبش، حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فَخَمَّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي » . قال سفيان:لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت، فاحترقا .

وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل، عليه السلام، فإن قريشا توارثوا قرني الكبش الذي فدي به إبراهيم خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل، إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟:

ذكر من قال:هو إسحاق [ عليه السلام ] :

قال حمزة الزيات، عن أبي ميسرة، رحمه الله، قال:قال يوسف، عليه السلام، للملك في وجهه:ترغب أن تأكل معي، وأنا - والله- يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.

وقال الثوري، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل:إن يوسف، عليه السلام، قال للملك كذلك أيضا.

وقال سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: « قال موسى:يا رب، يقولون:يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال:إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه. وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود. وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن » .

وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال:افتخر رجل عند ابن مسعود فقال:أنا فلان بن فلان، ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله:ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله [ صلوات الله وسلامه عليهم ] .

وهذا صحيح إلى ابن مسعود، وكذا روى عكرمة، عن ابن عباس أنه إسحاق. وعن أبيه العباس، وعلي بن أبي طالب مثل ذلك. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن شقيق، والزهري، والقاسم بن أبي بزة، ومكحول، وعثمان بن حاضر، والسدي، والحسن، وقتادة، وأبو الهذيل، وابن سابط. وهو اختيار ابن جرير. وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق.

وهكذا روى ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سفيان بن العلاء، بن جارية ، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنه قال:هو إسحاق .

وهذه الأقوال - والله أعلم- كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر، رضي الله عنه عن كتبه، فربما استمع له عمر، رضي الله عنه، فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة - والله أعلم- حاجة إلى حرف واحد مما عنده. وقد حكى البغوي هذا القول بأنه إسحاق عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، ومن التابعين عن كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، ومقاتل، وعطاء، والزهري، والسدي - قال:وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس . وقد ورد في ذلك حديث - لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين، ولكن لم يصح سنده- قال ابن جرير:

حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذكره قال:هو إسحاق .

ففي إسناده ضعيفان ، وهما الحسن بن دينار البصري، متروك. وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحدث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، به مرفوعا. . ثم قال:قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قوله، وهذا أشبه وأصح.

[ ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل - عليه السلام- وهو الصحيح المقطوع به ] .

قد تقدمت الرواية عن ابن عباس أنه إسحاق. قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي، ويوسف بن مهران، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عباس، هو إسماعيل عليه لسلام.

وقال ابن جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال:المفدى إسماعيل، عليه السلام، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود .

وقال إسرائيل، عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر قال:الذبيح إسماعيل.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد:هو إسماعيل. وكذا قال يوسف بن مهران.

وقال الشعبي:هو إسماعيل، عليه السلام، وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة.

وقال محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري:أنه كان لا يشك في ذلك:أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل.

قال ابن إسحاق:وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول:إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل. وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) . يقول الله تعالى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ، يقول بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من [ الله ] الموعد بما وعده ، وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل.

وقال ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم؛ أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر:إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب:وأنا عند عمر بن عبد العزيز- فقال له عمر:أيُّ ابني إبراهيم أُمِر بذبحه؟ فقال:إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه، والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنه إسحاق، بكون إسحاق أبوهم، والله أعلم أيهما كان، وكل قد كان طاهرا طيبا مطيعا لله عز وجل.

وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله:سألت أبي عن الذبيح، من هو؟ إسماعيل أو إسحاق؟ فقال:إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد.

وقال ابن أبي حاتم:وسمعت أبي يقول:الصحيح أن الذبيح إسماعيل، عليه السلام. قال:وروي عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا:الذبيح إسماعيل.

وقال البغوي في تفسيره:وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والسدي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضا عن أبي عمرو بن العلاء .

وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا فقال:حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان- عن أبيه:حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال:كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح:إسماعيل أو إسحاق؟ فقال على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال:يا رسول الله، عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له:يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال:إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه، ليذبحن أحد ولده، قال:فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا:افد ابنك بمائة من الإبل. ففداه بمائة من الإبل، وإسماعيل الثاني .

وهذا حديث غريب جدا. وقد رواه الأموي في مغازيه:حدثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي - من ولد عتبة بن أبي سفيان- حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال:حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره. كذا كتبته من نسخة مغلوطة .

وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى:: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) ، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله: وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ [ الذاريات:28 ] . وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي العمل. ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا. قال:وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال:وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو بعيد جدا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى، والله أعلم .

وقوله: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) ، لما تقدمت البشارة بالذبيح - وهو إسماعيل- عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي هود « و » الحجر « .»

وقوله: ( نَبِيًّا ) حال مقدرة، أي:سيصير منه نبي من الصالحين.

وقال ابن جرير:حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال:قال ابن عباس، رضي الله عنهما:الذبيح إسحاق. قال:وقوله: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال:بشر بنبوته. قال:وقوله: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [ مريم:53 ] قال:كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد:وهب له نبوته.

وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان قال:سمعت داود يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال:إنما بشر به نبيا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال:بشر به حين ولد، وحين نبئ.

وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) قال:بعد ما كان من أمره، لما جاد لله بنفسه، وقال الله: ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ )

وقوله: ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) كقوله تعالى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [ هود:48 ] .

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ( 114 ) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ( 116 ) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 ) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 118 ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ ( 119 ) سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ( 120 ) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 121 ) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 122 )

يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنـزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً [ الأنبياء:48 ] .

وقال هاهنا: ( وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) أي:في الأقوال والأفعال .

( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ ) أي:أبقينا لها من بعدهما ذكرا جميلا وثناء حسنا، ثم فسره بقوله: ( سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ )

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ( 124 ) أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ( 125 ) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 126 )

قال قتادة، ومحمد بن إسحاق، يقال:إلياس هو إدريس. وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة ، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال:إلياس هو إدريس. وكذا قال الضحاك.

وقال وَهْب بن منَبِّه:هو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل، عليهما السلام، وكانوا قد عبدوا صنما يقال له: « بعل » ، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه. وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد ، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم.

فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب، عليه السلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه ولا يهبه، فجاءته فرس من نار فركب ، وألبسه الله النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكا إنسيا سماويا أرضيا، هكذا حكاه وهب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته.

( إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ ) أي:ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ .

( أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: ( بَعْلا ) يعني:ربا.

قال قتادة وعكرمة:وهي لغة أهل اليمن. وفي رواية عن قتادة قال:هي لغة أزد شنوءة.

وقال ابن إسحاق:أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها: « بعل » .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه:هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها: « بعلبك » ، غربي دمشق.

وقال الضحاك:هو صنم كانوا يعبدونه.

وقوله: ( أَتَدْعُونَ بَعْلا ) أي:أتعبدون صنما؟ ( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ) أي:هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له .

 

فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 127 ) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 128 ) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ( 129 ) سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ( 130 ) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 131 ) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 132 )

قال الله تعالى: ( فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) أي للعذاب يوم الحساب .

( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) أي:الموحدين منهم. وهذا استثناء منقطع من مثبت .

وقوله: ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ ) أي:ثناء جميلا.

( سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) كما يقال في إسماعيل:إسماعين. وهي لغة بني أسد. وأنشد بعض بني نمير في ضَبِّ صَادَه.

يَقُــولُ رَبّ الســوق لمــا جينـا هـــذا وربِّ البيـــت إسْــرَائينا

ويقال:ميكال، وميكائيل، وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، وإسرائيل وإسرائين، وطور سيناء، وطور سينين. وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ

وقرأ آخرون: « سلام على إدراسين » ، وهي قراءة عبد الله بن مسعود. وآخرون: « سَلامٌ عَلَى آلْ يَاسِينَ » يعني:آل محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ) قد تقدم تفسيره .

وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 133 ) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 134 ) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ( 135 ) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ( 136 ) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 138 )

يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط، عليه السلام أنه بعثه إلى قومه.

فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله.

إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها.

فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلا ونهارا؛ ولهذا قال: ( وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي:أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 139 ) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 140 ) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ( 141 ) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 142 ) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ( 143 ) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 144 ) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ( 145 ) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ( 146 ) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ( 148 )

قد تقدمت قصة يونس، عليه السلام، في سورة الأنبياء. وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما ينبغي لعبد أن يقول:أنا خير من يونس بن متَّى ونَسَبَه إلى أمه » وفي رواية قيل: « إلى أبيه » .

وقوله: ( إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال ابن عباس:هو الموقر، أي:المملوء بالأمتعة.

( فَسَاهَمَ ) أي:قارع ( فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) أي:المغلوبين. وذلك أن السفينة تَلَعَّبَت بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس، عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك.

وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم، يونس عليه السلام، فلا يَهْشِمُ له لحما، ولا يكسر له عظما . فجاء ذلك الحوت وألقى يونس، عليه السلام، نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام يصلي في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: « يا رب، اتخذتُ لك مسجدا في موضع لم يبلغه أحد من الناس » واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل:ثلاثة أيام، قاله قتادة. وقيل جُمْعَة قاله جعفر الصادق. وقيل:أربعين يوما، قاله أبو مالك.

وقال مُجَالد ، عن الشعبي:التقمه ضحى، وقذفه عشية.

والله أعلم بمقدار ذلك. وفي شعر أمية بن أبي الصلت:

وَأنْـتَ بفَضـلٍ منْـكَ نَجَّـيتَ يُونُسًـا وَقَـدْ بَـاتَ فِـي أضْعَاف حُوتٍ ليَالِيا

وقوله: ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ، قيل:لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهَب بن مُنَبِّه، وقتادة، وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن ابن عباس: « تَعَرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة »

وقال ابن عباس، وسعيد بن جُبَيْر، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) يعني:المصلين.

وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك. وقال بعضهم:كان من المسبحين في جوف أبويه. وقيل:المراد: ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) هو قوله: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [ الأنبياء:87، 88 ] قاله سعيد بن جبير وغيره.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي حدثنا أبو صخر :أن يزيد الرّقاشي حَدّثه:أنه سمع أنس بن مالك - ولا أعلم إلا أنّ أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- « أن يونس النبي صلى الله عليه وسلم حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال:اللهم لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف بالعرش، قالت الملائكة:يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيده غريبة؟ فقال:أما تعرفون ذلك؟ قالوا:يا رب، ومن هو؟ قال:عبدي يونس. قالوا:عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل، ودعوة مستجابة؟ قالوا:يا رب، أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجِّيه في البلاء؟ قال:بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعرَاء » .

ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، به زاد ابن أبي حاتم:قال أبو صخر حُمَيد بن زياد:فأخبرني ابن قُسيَط وأنا أحدثه هذا الحديث:أنه سمع أبا هريرة يقول:طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة. قلنا:يا أبا هريرة، وما اليقطينة، قال:شجرة الدُّباء. قال أبو هريرة:وَهَيَّأ الله له أرْويَّة وحشية تأكل من خشاش الأرض - أو قال:هشاش الأرض- قال:فَتَتَفشَّح عليه فَتَرْويه من لبنها كل عَشيَّة وبُكرةٍ حتى نَبَت.

وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره:

فَــأَنْبَتَ يَقْطينًــا عَلَيــه برَحْمَـةٍ مِـن اللـه لَـولا اللـهُ ألفـى ضَاحيـا

وقد تقدم حديث أبي هريرة مسندًا مرفوعا في تفسير سورة « الأنبياء » .

ولهذا قال تعالى: ( فَنَبَذْنَاهُ ) أي:ألقيناه ( بِالْعَرَاءِ ) قال ابن عباس، وغيره:وهي الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء. قيل:على جانب دجلة. وقيل:بأرض اليمن. فالله أعلم.

( وَهُوَ سَقِيمٌ ) أي:ضعيف البدن. قال ابن مسعود، رضي الله عنه:كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السدي:كهيئة الصبي: حين يولد، وهو المنفوس. وقاله ابن عباس، وابن زيد أيضا.

( وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ) قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وهلال بن يَسَاف وعبد الله بن طاوس، والسدي، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم:اليقطين هو القرع.

وقال هُشَيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَير:كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين.

وفي رواية عنه:كل شجرة تَهْلِك من عَامِها فهي من اليقطين.

وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها:سرعة نباته، وتظليلُ ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئا ومطبوخا بلبه وقشره أيضا. وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُحِبّ الدُّبَّاء، ويتتبعه من حَوَاشي الصَّحْفة .

وقوله تعالى: ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) روى شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن عباس أنه قال:إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت. رواه ابن جرير:حدثني الحارث قال:حدثنا الحسن قال:حدثنا أبو هلال عن شهر، به.

وقال ابن أبي نَجِيح عن مجاهد:أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.

قلت:ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولا أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون.

وقوله: ( أَوْ يَزِيدُونَ ) قال ابن عباس - في رواية عنه- :بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفا. وعنه:مائة ألف وبضعةً وثلاثين ألفا. وعنه:مائة ألف وبضعةً وأربعين ألفا.

وقال سعيد بن جبير:يزيدون سبعين ألفا.

وقال مكحول:كانوا مائة ألف وعشرة آلاف. رواه ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن عبد الرحيم البَرْقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال:سمعت زُهَيرًا عمن سمع أبا العالية قال:حدثني أبي بن كعب:أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) ، قال: « يزيدون عشرين ألفا » .

ورواه الترمذي عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن زُهَير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به، وقال:غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير، به .

قال ابن جرير:وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك:معناه إلى المائة الألف ، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول:كذلك كانوا عندكم.

وهكذا سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة:74 ] ، وقوله إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [ النساء:77 ] ، وقوله: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [ النجم:9 ] أن المراد ليس أنقص من ذلك، بل أزيد.

وقوله: ( فَآمَنُوا ) أي:فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس، عليه السلام، جميعهم. ( فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) أي:إلى وقت آجالهم، كقوله: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [ يونس:98 ] .

فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ( 149 ) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ( 150 ) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ( 151 ) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 152 ) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ( 153 )

يقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم لله البنات، سبحانه، ولهم ما يشتهون، أي:من الذكور، أي:يَودّون لأنفسهم الجيد. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [ النحل:58 ] أي:يسوءه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول تعالى:فكيف نسبوا إلى الله [ تعالى ] القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال: ( فَاسْتَفْتِهِمْ ) أي:سلهم على سبيل الإنكار عليهم: ( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) كقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [ النجم:21، 22 ] .

وقوله: ( أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ) أي:كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟ كقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [ الزخرف:19 ] أي:يسألون عن ذلك يوم القيامة .

وقوله: ( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ ) أي:من كذبهم ( لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ ) أي:صدر منه الولد ( وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) فذكر الله عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولا جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدًا. وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون الله. وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم.

ثم قال منكرا عليهم: ( أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ) أي:أيّ شيء يحمله عن أن يختار البنات دون البنين؟ كقوله: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا [ الإسراء:40 ] ؛ ولهذا قال: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي:ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟ .

 

مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 154 ) أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 155 ) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ( 156 ) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 157 ) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 158 ) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 159 ) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 160 )

( أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ) أي:حجة على ما تقولونه.

( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندًا إلى كتاب مُنـزل من السماء عن الله:أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يُجَوّزُه العقل بالكلية.

وقوله: ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ) قال مجاهد:قال المشركون:الملائكةُ بناتُ الله. فسأل أبو بكر، رضي الله عنه:فمن أمهاتهن؟ قالوا:بنات سَرَوات الجن. وكذا قال قتادة، وابن زيد، ولهذا قال تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ) أي:الذين نسبوا إليهم ذلك: ( إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) أي:إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم.

وقال العوفي:عن ابن عباس في قوله: ( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ) قال:زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. حكاه ابن جرير .

وقوله: ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) أي:تعالى وتقدس وتنـزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوا كبيرا.

وقوله: ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله: ( عَمَّا يَصِفُونَ ) عائدا إلى جميع الناس ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنـزل على كل نبي ومرسل. وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله: ( إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) ، وفي هذا الذي قاله نظر.

فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ( 161 ) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ( 162 ) إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ( 163 ) وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 )

يقول تعالى مخاطبا للمشركين ( فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ) أي:ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذُري للنار. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [ الأعراف:179 ] . فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات:8، 9 ] أي:إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.

ثم قال تعالى مُنـزها للملائكة مما نَسَبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) أي:له موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة لا يتجاوزه ولا يتعداه .

وقال ابن عساكر في ترجمته لمحمد بن خالد بسنده إلى عبد الرحمن بن العلاء بن سعد ، عن أبيه - وكان ممن بايع يوم الفتح- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه: « أطَّت السماء وحُقّ لها أن تَئِطّ، ليس فيها موضع قَدَم إلا عليه ملك راكع أو ساجد » . ثم قرأ: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) .

وقال الضحاك في تفسيره: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) قال:كان مسروق يَرْوي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم » . فذلك قوله: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) .

وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن مسروق:عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه، ثم قرأ عبد الله: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) وكذا قال سعيد بن جبير.

وقال قتادة:كانوا يُصَلُّون الرجال والنساء جميعًا، حتى نـزلت: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) ، فتقدم الرجال وتأخر النساء .

( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) أي:نقف صفوفًا في الطاعة، كما تقدم عند قوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا . قال ابن جُرَيْج، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال:كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نـزلت: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ، فصفوا.

وقال أبو نَضْرَة:كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال:أقيموا صفوفكم، استووا قياما، يريد الله بكم هدي الملائكة، ثم يقول: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ، تأخر يا فلان، تقدم يا فلان، ثم يتقدم فيكبر، رضي الله عنه. رواه ابن أبي، حاتم وابن جرير.

وفي صحيح مسلم عن حذيفة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فُضِّلنا على الناس بثلاث:جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورا » الحديث .

( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) أي:نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننـزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه.

وقال ابن عباس، ومجاهد: ( وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ) الملائكة، ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) الملائكة، ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) :الملائكة يسبحون الله عز وجل.

وقال قتادة: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ، يعني:المصلون، يثبتون بمكانهم من العبادة، كما قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأنبياء:26- 29 ] .

وقوله: ( وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) أي:قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، كما قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا [ فاطر:42 ] ، وقال: أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [ الأنعام:156، 157 ] ؛ ولهذا قال هاهنا:: ( فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ، وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم - سبحانه وتعالى- وتكذيبهم - رسوله صلى الله عليه وسلم .

وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 )

يقول تعالى: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) أي:تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ المجادلة:21 ] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [ غافر:51 ] ؛ ولهذا قال:: ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) أي:في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم، وكيف أهلك الله الكافرين، ونجى عباده المؤمنين .

( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) أي:تكون لهم العاقبة.

وقوله جل وعلا ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) أي:اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر؛ ولهذا قال بعضهم:غيَّى ذلك إلى يوم بدر. وما بعدها أيضا في معناها .

وقوله: ( وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) أي:أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال على وجه التهديد والوعيد: ( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) . ثُمَّ قَالَ عز وجل ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) أي:هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم ، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل لهم العقوبة، ومع هذا أيضا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة .

قال الله تعالى: ( فَإِذَا نـزلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أي:فإذا نـزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم .

قال السدي: ( فَإِذَا نـزلَ بِسَاحَتِهِمْ ) يعني:بدارهم، ( فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أي:فبئس ما يصبحون، أي:بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس، رضي الله عنه، قال:صَبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا [ وهم ] يقولون:محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نـزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » ورواه البخاري من حديث مالك، عن حُميد، عن أنس .

وقال الإمام أحمد:حدثنا رَوح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوَبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال:لما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وقد أخذوا مساحيهم وغَدَوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ولوا مدبرين، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: « الله أكبر، الله أكبر، إنا إذا نـزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » لم يخرجوه من هذا الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين .

وقوله: ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ )

تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 182 )

ينـزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون - تعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا- ولهذا قال: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ) ، أي:ذي العزة التي لا ترام، ( عَمَّا يَصِفُونَ ) أي:عن قول هؤلاء المعتدين المفترين.

( وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) أي:سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة؛ لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحقيته .

( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي:له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التسبيح يتضمن التنـزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنـزيه من النقص - قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن؛ ولهذا قال: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا سلمتم عليَّ فسلموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين » . هكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سعيد، عنه كذلك .

وقد أسنده ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال:حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين، ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة قال:حدثنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين » .

وقال الحافظ أبو يعلى:حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح، حدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سلم قال: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ثم يسلم. إسناده ضعيف .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق ، عن الشعبي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي، رضي الله عنه. »

قال أبو محمد البغوي في تفسيره:أخبرنا أبو سعيد أحمد بن شريح، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي، رضي الله عنه، قال:من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .

وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس ، عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من قال دبر كل صلاة: ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ثلاث مرات، فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر » .

وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس:سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءا على حدة، فلتكتب هاهنا إن شاء الله تعالى .

آخر تفسير سورة الصافات.

 

تفسير سورة ص

 

[ وهي ] مكية.

بسم الله الرحمن الرحيم

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ( 2 ) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ( 3 )

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة « البقرة » بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله: ( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) أي:والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد.

قال الضحاك في قوله: ( ذِي الذِّكْرِ ) كقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء:10 ] أي:تذكيركم. وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير.

وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي ( ذِي الذِّكْرِ ) ذي الشرف أي:ذي الشأن والمكانة.

ولا منافاة بين القولين، فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.

واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم:هو قوله: إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [ ص:14 ] . وقيل قوله: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ ص:64 ] حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير.

وقال قتادة:جوابه: ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) واختاره ابن جرير.

وقيل:جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم .

ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال:جوابه « ص » بمعنى:صدق حق والقرآن ذي الذكر.

وقوله: ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) أي:إن في هذا القرآن لذكراً لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ( فِي عِزَّةٍ ) أي:استكبار عنه وحمية ( وَشِقَاقٍ ) أي:مخالفة له ومعاندة ومفارقة.

ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنـزلة من السماء فقال: ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) أي:من أمة مكذبة، ( فَنَادَوْا ) أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. كما قال تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [ الأنبياء:12 ] أي:يهربون، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [ الأنبياء:13 ]

قال أبو داود الطيالسي:حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال:سألت ابن عباس عن قول الله: ( فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) قال:ليس بحين نداء، ولا نـزو ولا فرار

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:ليس بحين مغاث.

وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس:نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد:

تَذَكَّر ليلى لاتَ حين تذَكّر

.

وقال محمد بن كعب في قوله: ( فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) يقول:نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم.

وقال قتادة:لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء.

وقال مجاهد: ( فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) ليس بحين فرار ولا إجابة.

وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة.

وعن مالك، عن زيد بن أسلم: ( وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) ولا نداء في غير حين النداء.

وهذه الكلمة وهي « لات » هي « لا » التي للنفي، زيدت معها « التاء » كما تزاد في « ثم » فيقولون: « ثمت » ، و « رب » فيقولون: « ربت » . وهي مفصولة والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ ابن جرير ] أنها متصلة بحين: « ولا تحين مناص » . والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب « حين » تقديره:وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:

تَذَكَّــر حُــب ليــلى لاتَ حينـا وأَضْحَـى الشَّـيْبُ قـد قَطَـع القَرينا

ومنهم من جوز الجر بها، وأنشد:

طَلَبُــــوا صُلْحَنَـــا ولاتَ أوانٍ فأجَبْنَـــا أن ليس حـــينُ بقــاءِ

وأنشد بعضهم أيضا:

ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم

بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون:النوص:التأخر، والبوص:التقدم. ولهذا قال تعالى: ( وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) أي:ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ( 4 ) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ( 5 ) وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ( 6 ) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ( 7 ) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ( 8 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ ( 10 ) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزَابِ ( 11 )

يقول تعالى مخبرا عن المشركين في تعجبهم من بعثة الرسول بشرا، كما قال تعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ وقال هاهنا: ( وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) أي:بشر مثلهم، ( وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ) أي:أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك - قبحهم الله تعالى- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وأشربته قلوبهم فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ ) وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ( [ أن ] امْشُوا ) أي:استمروا على دينكم ( وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.

وقوله: ( إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ) قال ابن جرير:إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا مجيبيه إليه.

ذكر سبب نـزول هذه الآيات:

قال السدي:إن أناسا من قريش اجتمعوا فيهم:أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض:انطلقوا بنا إلى أبي طالب فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا إليه شيء. فتعيرنا [ به ] العرب يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه « . فبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب » فاستأذن لهم على أبي طالب فقال:هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك. قال:أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا:يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا فأنصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال:فبعث إليه أبو طالب فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: « يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟ » قال:وإلام تدعوهم؟ قال: « أدعوهم [ إلى ] أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم » . فقال أبو جهل من بين القوم:ما هي وأبيك؟ لنعطينها وعشرة أمثالها. قال:تقولون: « لا إله إلا الله » . فنفر وقال:سلنا غير هذا قال: « لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها » فقاموا من عنده غضابا، وقالوا:والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا. ( وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ )

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد:فلما خرجوا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قول: « لا إله إلا الله » فأبى وقال:بل على دين الأشياخ. ونـزلت: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص:56 ]

وقال أبو جعفر بن جرير:حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو أسامة حدثنا الأعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا:إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل قال:فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب:أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول؟ قال:وأكثروا عليه من القول وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة! يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية » ففزعوا لكلمته ولقوله وقالوا كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرا فقالوا:وما هي؟ وقال أبو طالب وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ فقال: « لا إله إلا الله » فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ( أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) قال:ونـزلت من هذا الموضع إلى قوله: ( لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ) لفظ أبي كريب

وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب به نحوه ورواه الترمذي، والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضا كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر نحوه. وقال الترمذي حسن

وقولهم: ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ ) أي:ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.

قال مجاهد وقتادة وابن زيد:يعنون دين قريش.

وقال غيرهم:يعنون النصرانية، قاله محمد بن كعب والسدي.

وقال العوفي عن ابن عباس: ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ ) يعني:النصرانية قالوا:لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى.

( إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ ) قال مجاهد، وقتادة كذب وقال ابن عباس:تخرص.

وقولهم: ( أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ) يعني:أنهم يستبعدون تخصيصه بإنـزال القرآن عليه من بينهم كلهم كما قالوا في الآية الأخرى: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف:31 ] قال الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [ الزخرف:32 ] ولهذا لما قالوا هذا الذي دل على جهلهم وقلة عقلهم في استبعادهم إنـزال القرآن على الرسول من بينهم، قال الله تعالى: ( بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ) أي:إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله ونقمته سيعلمون غب ما قالوا، وما كذبوا به يوم يُدَعّون إلى نار جهنم دَعّا.

ثم قال مبينا أنه المتصرف في ملكه الفعال لما يشاء الذي يعطي من يشاء ما يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء وينـزل الروح من أمره على من يشاء من عباده ويختم على قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعد الله وإن العباد لا يملكون شيئا من الأمر وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرا عليهم: ( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ) أي:العزيز الذي لا يرام جنابه الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد.

وهذه الآية شبيهة بقوله: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [ النساء:53:55 ] وقوله قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا [ الإسراء:100 ] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري وكما أخبر تعالى عن قوم صالح [ عليه السلام ] حين قالوا: أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ [ القمر:25:26 ]

وقوله: ( أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ ) أي:إن كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.

قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم:يعني طرق السماء.

وقال الضحاك:فليصعدوا إلى السماء السابعة.

ثم قال: ( جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ ) أي:هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين وهذه كقوله: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وكان ذلك يوم بدر بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [ القمر:44:46 ] .

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُولَئِكَ الأَحْزَابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ( 14 ) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ( 15 ) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ( 16 )

يقول تعالى مخبرا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة.

وقوله: ( أُولَئِكَ الأحْزَابُ ) أي:كانوا أكثر منكم وأشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فما دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك ولهذا قال: ( إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ) فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر .

وقوله: ( وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ ) قال مالك عن زيد بن أسلم:أي ليس لها مثنوية أي:ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها أي:فقد اقتربت ودنت وأزفت وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع إلا من استثنى الله عز وجل .

وقوله: ( وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ) هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتاب وقيل:هو الحظ والنصيب.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد:سألوا تعجيل العذاب - زاد قتادة كما قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال:32 ]

وقيل:سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة إن كانت موجودة أن يلقوا ذاك في الدنيا. وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب .

وقال ابن جرير:سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد والله أعلم.

 

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ( 20 )

ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له بالصبر على أذاهم ومبشرا له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر .

يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه السلام:أنه كان ذا أيد والأيد:القوة في العلم والعمل.

قال [ ابن عباس ] وابن زيد والسدي:الأيد:القوة وقرأ ابن زيد: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [ الذاريات:47 ]

وقال مجاهد:الأيد:القوة في الطاعة.

وقال قتادة:أعطي داود [ عليه السلام ] قوة في العبادة وفقها في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه عليه السلام كان يقوم ثلث الليل ويصوم نصف الدهر.

وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أحب الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى » وإنه كان أوابا، وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشئونه.

وقوله: ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ ) أي:إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [ سبأ:10 ] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه إذا مر به الطير وهو سابح في الهواء فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور لا تستطيع الذهاب بل تقف في الهواء وتسبح معه وتجيبه الجبال الشامخات ترجع معه وتسبح تبعا له.

قال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب حدثنا محمد بن بشر عن مِسْعَر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس أنه بلغه:أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات، قال ابن عباس:قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة يقول الله تعالى: ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ )

ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى قال:فأدخلته على أم هانئ فقلت:أخبري هذا ما أخبرتني به. فقالت أم هانئ:دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي ثم أمر بماء صب في قصعة ثم أمر بثوب فأخذ بيني وبينه فاغتسل ثم رش ناحية البيت فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء قريب بعضهن من بعض فخرج ابن عباس وهو يقول:لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: ( يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ ) وكنت أقول:أين صلاة الإشراق وكان بعد يقول:صلاة الإشراق.

ولهذا قال: ( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ) أي:محبوسة في الهواء، ( كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ) أي:مطيع يسبح تبعا له.

قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: ( كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ) أي:مطيع.

[ وقوله ] ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ) أي:جعلنا له ملكا كاملا من جميع ما يحتاج إليه الملوك.

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد:كان أشد أهل الدنيا سلطاناً.

وقال السدي:كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف.

وقال بعض السلف:بلغني أنه كان حَرَسُه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفا لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل.

وقال غيره:أربعون ألفا مشتملون بالسلاح. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية عِلْباء بن أحمر عن عِكْرِمة عن ابن عباس:أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه السلام أنه اغتصبه بقراً فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة فأرجأ أمرهما فلما كان الليل أمر داود عليه السلام، في المنام بقتل المدعي فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي فقال:يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال:إن الله عز وجل أمرني بقتلك فأنا قاتلك لا محالة. فقال:والله يا نبي الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإني لصادق فيما ادعيت ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد فأمر به داود [ عليه السلام ] فقتل.

قال ابن عباس:فاشتدت هيبته في بني إسرائيل وهو الذي يقول الله عز وجل: ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ )

وقوله: ( وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ ) قال مجاهد:يعني:الفهم والعقل والفطنة. وقال مرة:الحكمة والعدل. وقال مرة:الصواب.

وقال قتادة:كتاب الله واتباع ما فيه.

وقال السدي: ( الْحِكْمَةَ ) النبوة.

وقوله: ( وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) قال شريح القاضي والشعبي فصل الخطاب:الشهود والأيمان.

وقال قتادة:شاهدان على المدعي أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل - أو قال:المؤمنون والصالحون- وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي.

وقال مجاهد والسدي:هو إصابة القضاء وفهمه.

وقال مجاهد أيضا:هو الفصل في الكلام وفي الحكم

وهذا يشمل هذا كله وهو المراد واختاره ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عمر بن شبة النميري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال:أول من قال: « أما بعد » داود عليه السلام وهو فصل الخطاب.

وكذا قال الشعبي:فصل الخطاب: « أما بعد » .

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ( 22 ) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ( 23 ) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ( 24 ) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 )

قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين- لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.

وقوله: ( [ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ ] فَفَزِعَ مِنْهُمْ ) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تَسَوَّرا عليه المحراب أي:احتاطا به يسألانه عن شأنهما.

وقوله: ( وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) أي:غلبني يقال:عز يعز:إذا قهر وغلب.

وقوله: ( وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:أي اختبرناه.

وقوله: ( وَخَرَّ رَاكِعًا ) أي:ساجدا ( وَأَنَابَ ) ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا، ( فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ) أي:ما كان منه مما يقال فيه:إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد اختلف الأئمة رضي الله عنهم في سجدة « ص » هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي رحمه الله أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال:

حدثنا إسماعيل - وهو ابن علية- عن أيوب عن ابن عباس أنه قال في السجود في « ص » :ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.

ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي:حسن صحيح.

وقال النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية:أخبرني إبراهيم بن الحسن - هو المقسمي- حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في « ص » وقال: « سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكرا » .

تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع:

أخبرنا أبو إسحاق المدرجي أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعيد الكَنْجَرُوذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد ابن خُنَيْس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال:قال لي ابن جريج:يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال:جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة:اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود.

قال ابن عباس:فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل من كلام الشجرة

رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه وقال الترمذي:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه

وقال البخاري عند تفسيرها أيضا:حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال:سألت مجاهدا عن سجدة « ص » فقال: سألت ابن عباس:من أين سجدت؟ فقال:أو ما تقرأ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ [ الأنعام:84 ] أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [ الأنعام:90 ] فكان داود عليه السلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال الإمام أحمد:حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر - هو ابن عبد الله المزني- أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب « ص » فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال:فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به [ الإمام ] أحمد

وقال أبو داود:حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر « ص » فلما بلغ السجدة نـزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تَشَزّن الناس للسجود، فقال: « إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تَشَزّنْتُم » . فنـزل وسجد وسجدوا. تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح .

وقوله: ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) أي:وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها وحسن مرجع وهو الدرجات العاليات في الجنة لتوبته وعدله التام في ملكه كما جاء في الصحيح: « المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا »

وقال الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر » . ورواه الترمذي من حديث فضيل - وهو ابن مرزوق الأغر- عن عطية به وقال:لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان:سمعت مالك بن دينار في قوله: ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) قال:يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش ثم يقول:يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا. فيقول:وكيف وقد سلبته؟ فيقول:إني أرده عليك اليوم. قال:فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان .

يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ( 26 )

هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنـزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله وقد توعد [ الله ] تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة - وكان قد قرأ الكتاب- أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت:يا أمير المؤمنين أقول؟ قال:قل في أمان. قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله - عز وجل- جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال: ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ ) الآية.

وقال عكرمة: ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.

وقال السدي:لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب.

وهذا القول أمشى على ظاهر الآية فالله أعلم.

 

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ( 27 ) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ( 28 ) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ( 29 )

يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثا وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه ثم يجمعهم ليوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر ولهذا قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:الذين لا يرون بعثا ولا معادا وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) أي:ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.

ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمن والكافر فقال: ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) أي:لا نفعل ذلك ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال: ( كِتَابٌ أَنـزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ) أي:ذوو العقول وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل.

قال الحسن البصري:والله ما تَدَبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول:قرأت القرآن [ كله ] ما يرى له القرآنُ في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم .

وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ( 31 ) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ( 32 ) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ ( 33 )

يقول تعالى مخ وَالأَعْنَاقِ لداود سليمان، أي:ن وَالأَعْنَاقِ: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ أي:في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.

وقوله: ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ثناء على سليمان، عليه السلام، بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا مكحول قال:لما وهب الله لداود سليمان عليه السلام قال له:يا بني ما أحسن؟ قال:سكينة الله وإيمان. قال:فما أقبح؟ قال:كفر بعد إيمان. قال:فما أحلى؟ قال:روح الله بين عباده. قال:فما أبرد؟ قال:عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود عليه السلام:فأنت نبي.

وقوله: ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ) أي:إذ عرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.

قال مجاهد:وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد:السراع. وكذا قال غير واحد من السلف.

وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن بشار حدثنا مُؤمَّل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله: ( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ) قال:كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. كذا رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال:كانت الخيل التي شغلت سليمان، عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس، فعقرها وهذا أشبه والله أعلم.

وقال أبو داود:حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني عُمَارة بن غَزيَّة:أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت:قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك - أو خيبر- وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة - لُعَب- فقال: « ما هذا يا عائشة؟ » قالت:بناتي. ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال: « ما هذا الذي أرى وسطهن؟ » قالت:فرس. قال: « وما هذا الذي عليه؟ » قالت:جناحان قال: « فرس له جناحان؟! » قالت:أما سمعت أن لسليمان خيل لها أجنحة؟ قالت:فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم

وقوله: ( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدا بل نسيانا كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، من ذلك عن جابر قال:جاء عمر، رضي الله عنه يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش، ويقول:يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والله ما صليتها » فقال: فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب

ويحتمل أنه كان سائغا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال. والخيل تراد للقتال. وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعا فنسخ ذلك بصلاة الخوف ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة، حيث لا يمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب؛ لأنه قال بعدها: ( رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ )

قال الحسن البصري. قال:لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك. ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة.

وقال السدي:ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:جعل يمسح أعراف الخيل، وعراقيبها حبالها. وهذا القول اختاره ابن جرير قال:لأنه لم يكن ليعذب حيوانا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا ولا سيما إذا كان غضبا لله عز وجل بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى ما هو خير منها وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل

وقال الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء - وكانا يكثران السفر نحو البيت- قالا أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي:أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى وقال: « إنك لا تدع شيئا اتقاء الله - عز وجل- إلا أعطاك الله خيرا منه »

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ( 34 ) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ( 36 ) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ( 38 ) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 )

يقول تعالى: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ) أي:اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم:يعني شيطانا. ( ثُمَّ أَنَابَ ) أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته.

قال ابن جرير:وكان اسم ذلك الشيطان صخرا. قاله ابن عباس، وقتادة. وقيل:آصف. قاله مجاهد وقيل:آصروا. قاله مجاهد أيضا. وقيل:حبقيق. قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.

وقد قال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة:قال أمر سليمان، عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له:ابنه ولا يُسمَعُ فيه صوت حديد. فقال:فطلب ذلك فلم يقدر عليه. فقيل له:إن شيطانا في البحر يقال له: « صخر » شبه المارد. قال:فطلبه وكانت عين في البحر يَردهُا في كل سبعة أيام مرة فنـزح ماؤها وجعل فيها خمر، فجاء يوم ورْده فإذا هو بالخمر فقال:إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم رجع حتى عطش عطشا شديدا ثم أتاها فقال:إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلا. ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال:فأري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فَذَلَّ. قال:وكان ملكه في خاتمه فأتي به سليمان فقال:إنه قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا:لا يسمعن فيه صوت حديد. قال:فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان [ عليه السلام ] إذا أراد أن يدخل الخلاء - أو:الحمام- لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيه بعض نسائه. قال:فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونـزع مُلك سليمان منه وألقي على الشيطان شَبَه سليمان. قال:فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسُلِّط على ملك سليمان كله غير نسائه. قال:فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا:لقد فتن نبي الله. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال:والله لأجربنه. قال:فقال:يا نبي الله - وهو لا يرى إلا أنه نبي الله- أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى عليه بأسا؟ فقال: لا. قال:فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال:هو الشيطان صخر

وقال السدي: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ) أي:ابتلينا سليمان، ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال:جلس الشيطان على كرسيه أربعين يوما. قال:وكان لسليمان عليه السلام مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها: « جرادة » ، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نـزع خاتمه ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال:هاتي الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت:ألم تأخذه قبل؟ قال:لا. وخرج مكانه تائها. قال:ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما، قال:فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا:إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال:فبكى النساء عند ذلك قال:فأقبلوا يمشون حتى أتوا فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوا. قال:فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه. ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال:وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه. فاستطعمهم من صيدهم وقال:إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته. قال:إنه زعم أنه سليمان. قال:فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شط البحر فشق بطونهما فجعل يغسل [ دمه ] فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان عليه السلام فقام القوم يعتذرون مما صنعوا [ به ] فقال:ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال:فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى تقوم الساعة. وكان اسمه حبقيق قال:وسخر له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله: ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ) قال:شيطانا يقال له:آصف. فقال له سليمان:كيف تفتنون الناس؟ قال:أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن - ولم يقربنه وأنكرنه. قال:فكان سليمان يستطعم فيقول:أتعرفوني ؟ أطعموني أنا سليمان فيكذبونه، حتى أعطته امرأة يوما حوتا فجعل يطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر فارا.

وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم:

حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا:حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ( وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) قال:أراد سليمان أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه - وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه- فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها:هاتي خاتمي. فأعطته إياه. فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها:هاتي خاتمي. قالت:قد أعطيته سليمان. قال:أنا سليمان. قالت:كذبت لست سليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له: « أنا سليمان » ، إلا كذبه حتي جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأى ذلك عَرَف أنه من أمر الله عز وجل. قال:وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال:فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن:أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن:نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس. وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس [ ويغلبهم ] فأكفر الناس سليمان عليه السلام فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان فقال:تحمل لي هذا السمك؟ فقال:نعم. قال:بكم؟ قال بسمكة من هذا السمك. قال:فحمل سليمان عليه السلام السمك ثم انطلق به إلى منـزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه. قال:فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وَهَرب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان في طلبه وكان شيطاناً مريداً فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من الرصاص قال:فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان، فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله: ( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ) قال:يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.

إسناده إلى ابن عباس قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه- من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه السلام فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفاً وتكريماً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متُلقًّاة من قصص أهل الكتاب والله أعلم بالصواب.

وقال يحيى بن أبي عمرو السيباني:وجد سليمان خاتمه في عسقلان، فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعا لله عز وجل، رواه ابن أبي حاتم.

وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبرا عجيبا فقال:حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار؛ أنه لما فرغ من حديث « إرم ذات العماد » قال له معاوية:يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان بن داود وما كان عليه؛ ومن أي شيء هو؟ فقال:كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مُفَصّصاً بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ. وقد جُعل له درجة منها مُفَصّصة بالدر والياقوت والزبرجد ثم أمر بالكرسي فحُفّ من جانبيه بالنخل، نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ. وجعل على رءوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جعل على رءوس النخل التي على يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من ذهب، وعن يسارها أسدان من ذهب وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد وجعل من جانبي الكرسي شجرتا كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر. ثم جُعل فوق دَرَج الكرسي أسَدَان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه السلام، ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد [ سليمان ] على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة. فقال معاوية رضي الله عنه:وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال:تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسْدُ والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن على رأس سليمان [ ابن داود ] عليه السلام وهو جالس ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان عليه السلام. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراةَ فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان على الناس.

وذكر تمام الخبر وهو غريب جدا .

( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) قال بعضهم:معناه:لا ينبغي لأحد من بعدي أي:لا يصلح لأحد أن يسلبنيه كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال البخاري عند تفسير هذه الآية:حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن عفريتا من الجن تَفَلَّت عليّ البارحة - أو كلمة نحوها- ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان: ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) »

قال روح:فرده خاسئا

وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به

وقال مسلم في صحيحه:حدثنا محمد بن سلمة المُرَادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يَزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال:قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول: « أعوذ بالله منك » . ثم قال: « ألعنك بلعنة الله » - ثلاثا- وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا:يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك؟ قال: « إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت:أعوذ بالله منك - ثلاث مرات- ثم قلت:ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخْذَه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة »

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو أحمد حدثنا ميسرة بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال:رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي، فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال: « لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت بَرْدَ لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل » .

وقد روى أبو داود منه: « من استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل » عن أحمد بن أبي سُرَيج عن أبي أحمد الزبيري به

وقال الإمام أحمد:حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال:دخلت على عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف يقال له: « الوهط » ، وهو مُخَاصر فتى من قريش يُزَنّ بشُرْب الخمر، فقلت:بلغني عنك حديث أنه « من شرب شربة خَمْر لم يقبل الله - عز وجل- له تَوبَةً أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه وإنه من أتى بيت المقدس لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق. فقال عبد الله بن عمرو إني لا أحل لأحد أن يقول عَلَيّ ما لم أقل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » من شرب من الخمر شربة لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد - قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة- فإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من رَدْغَة الخبال يوم القيامة « قال:وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل « وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: » إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة:سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطانا إياها « »

وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا ثلاثا ... » وذكره

وقد روي من حديث رافع بن عمير رضي الله عنه، بإسناد وسياق غريبين فقال الطبراني:

حدثنا محمد بن الحسن بن قُتَيْبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سُوَيْد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن أبي عَبْلَة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « قال الله عز وجل لداود عليه السلام:ابن لي بيتًا في الأرض. فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه:يا داود نصبت بيتك قبل بيتي؟ قال:يا رب هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا فشكا ذلك إلى الله عز وجل فقال:يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا قال:ولم يا رب؟ قال:لما جرى على يديك من الدماء. قال:يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال:بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه:لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان. فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه فلما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله إليه:قد أرى سرورَك ببنيان بيتي فسلني أعطك. قال:أسألك ثلاث خصال حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتي هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما ثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة »

وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد الصمد حدثنا عُمَر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال:ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا دعاءً إلا استفتحه بـ « سبحان الله ربي الأعلى العلي الوهاب »

وقد قال أبو عبيد:حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن بَرْقان عن صالح بن مسمار قال:لما مات نبي الله داود أوحى الله إلى ابنه سليمان عليهما السلام:أن سلني حاجتك. قال:أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي. فقال الله:أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت [ حاجته ] أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني لأهَبَنّ له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله تعالى: ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) والتي بعدها، قال:فأعطاه [ الله ] ما أعطاه وفي الآخرة لا حساب عليه.

هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه السلام في تاريخه

وروي عن بعض السلف أنه قال:بلغني عن داود [ عليه السلام ] أنه قال: « إلهي كن لسليمان كما كنت لي » :فأوحى الله إليه:أن قل لسليمان:يكون لي كما كنت لي، أكون له كما كنتُ لك.

وقوله: ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ) قال الحسن البصري رحمه الله:لما عقر سليمان الخيل غضبا لله، عز وجل عوضه الله ما هو خير منها وأسرع الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر.

وقوله: ( حَيْثُ أَصَابَ ) أي:حيث أراد من البلاد .

وقوله: ( وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ) أي:منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها ( وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ ) أي:موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تَمَرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى .

وقوله: ( هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) أي:هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي:مهما فعلتَ فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خُيِّر بين أن يكون عبدًا رسولا - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به- وبين أن يكون ملكا نبيا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنـزلة الأولى بعد ما استشار جبريل فقال له:تواضع فاختار المنـزلة الأولى لأنها أرفع قدرا عند الله وأعلى منـزلة في المعاد وإن كانت المنـزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا، فقال: ( وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) أي:في الدار الآخرة.

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ( 42 )

يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب عليه السلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة. وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فَسُلبَ جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحا و [ لا ] مساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبًا. فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر المقدور وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء:83 ] وفي هذه الآية الكريمة قال:رب إني مسني الشيطان بنصب وعذاب، قيل:بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله. ففعل فأنبع الله عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تعالى: ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ )

قال ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا:حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه:تعلم - والله- لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه:وما ذاك؟ قال:من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشفَ ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب:لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال:وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله تعالى إلى أيوب، عليه السلام، أن ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ) فاستبطأته فتلقته تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت:أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال:فإني أنا هو. قال:وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير رحمه الله »

وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق حدثنا مَعْمَر عن همام بن مُنَبِّه قال:هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثو في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال:بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك » .

انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به

 

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 )

ولهذا قال تعالى: ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) قال الحسن وقتادة:أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم.

وقوله: ( رَحْمَةً مِنَّا ) أي:به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته ( وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) أي:لذوي العقول ليعلموا أن عاقبةَ الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة .

وقوله: ( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ ) وذلك أن أيوب عليه السلام كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته. قيل: [ إنها ] باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة. وقيل:لغير ذلك من الأسباب. فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثًا - وهو:الشِّمراخ- فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد بَرّت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه ولهذا قال تعالى: ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) أي:رَجَّاع منيب ولهذا قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق:2 ، 3 ]

وقد استدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها وأخذوها بمقتضاها [ ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك، وقالوا:لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع أيوب، عليه السلام، فلذلك رخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة ]

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ( 45 ) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ( 46 ) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ( 47 ) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ ( 48 ) هَذَا ذِكْرٌ

يقول تعالى مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ ) يعني بذلك:العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( أُولِي الأيْدِي ) يقول:أولي القوة ( وَالأبْصَارِ ) يقول:الفقه في الدين.

وقال مجاهد: ( أُولِي الأيْدِي ) يعني:القوة في طاعة الله ( وَالأبْصَارِ ) يعني:البصر في الحق.

وقال قتادة والسدي:أعطُوا قوة في العبادة وبَصرًا في الدين.

[ وقوله ] ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) قال مجاهد:أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمّ غيرها. وكذا قال السدي:ذكرهم للآخرة وعملهم لها.

وقال مالك بن دينار:نـزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. وكذا قال عطاء الخراساني.

وقال سعيد بن جُبَيْر:يعني بالدار الجنة يقول:أخلصناها لهم بذكرهم لها وقال في رواية أخرى: ( ذِكْرَى الدَّارِ ) عقبى الدار.

وقال قتادة:كانوا يذَكّرون الناس الدار الآخرة والعمل لها.

وقال ابن زيد:جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة.

وقوله: ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ ) أي:لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.

وقوله: ( وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ ) قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة « الأنبياء » بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وقوله: ( هَذَا ذِكْرٌ ) أي:هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر.

وقال السدي:يعني القرآن.

وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ( 51 ) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ( 52 ) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ( 53 ) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ( 54 )

يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في [ الدار ] الآخرة ( لَحُسْنَ مَآبٍ ) وهو:المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) أي:جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب.

والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: « مفتحة لهم أبوابها » أي:إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها.

قال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن ثواب الهَبَّاري حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا عبد الله بن مسلم - يعني:ابن هرمز- عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في الجنة قصرا يقال له: » عدن « حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبَرَة لا يدخله - أو:لا يسكنه- إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل » .

وقد ورد في [ ذكر ] أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة .

وقوله: ( مُتَّكِئِينَ فِيهَا ) قيل:متربعين فيها على سرر تحت الحجال ( يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ) أي:مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا. ( وَشَرَابٍ ) أي:من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [ الواقعة:18 ]

( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) أي:عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ( أَتْرَابٌ ) أي:متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسّدّي .

( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) أي:هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.

ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: ( إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ ) كقوله تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [ النحل:96 ] وكقوله عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [ هود:108 ] وكقوله لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ فصلت:8 ] أي:غير مقطوع وكقوله: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [ الرعد:35 ] والآيات في هذا كثيرة جدا .

هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ ( 56 ) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ( 57 ) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ( 58 ) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ( 59 ) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ ( 60 ) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ( 61 )

لما ذكر تعالى مآل السعداء ثَنّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال: ( هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ ) وهم:الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله ( لَشَرَّ مَآبٍ ) أي:لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ) أي:يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم ( فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ) أما الحميم فهو:الحار الذي قد انتهى حره وأما الغَسَّاق فهو:ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال: ( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ) أي:وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها.

قال الإمام أحمد:حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لَهِيعة حدثنا دَرّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لو أن دَلْوًا من غَسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا »

ورواه الترمذي عن سُوَيْد بن نصر عن ابن المبارك عن رِشْدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دَرّاج به. ثم قال: « لا نعرفه إلا من حديث رشدين » كذا قال:وقد تقدم من غير حديثه ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به

وقال كعب الأحبار:غساق:عين في جهنم يسيل إليها حُمَة كل ذات حُمَة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويُجَر لحمه كما يَجُر الرجل ثوبه. رواه ابن أبي حاتم.

وقال الحسن البصري في قوله: ( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ) ألوان من العذاب.

وقال غيره:كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسببه.

وقوله: ( هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ) هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [ الأعراف:38 ] يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: ( هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ ) أي:داخل معكم ( لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ) [ أي ] لأنهم من أهل جهنم ( قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ ) أي:فيقول لهم الداخلون: ( بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ) أي:أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ( فَبِئْسَ الْقَرَارُ ) أي:فبئس المنـزل والمستقر والمصير. ( قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ ) كما قال عز وجل قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف:38 ] أي:لكل منكم عذاب بحسبه .

 

وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ ( 62 ) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ ( 63 ) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( 64 )

هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا:ما لنا لا نراهم معنا في النار؟.

قال مجاهد:هذا قول أبي جهل يقول:ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا. وهذا مثل ضرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم:يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: ( مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ ) أي:في الدنيا ( أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ ) يسلون أنفسهم بالمحال يقولون:أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ إلى قوله: [ وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ] ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [ الأعراف:44 - 49 ]

وقوله: ( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) أي:إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك .

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 65 ) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 66 ) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ( 67 ) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ( 68 ) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 69 ) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 70 )

يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله:إنما أنا منذر لست كما تزعمون ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) أي:هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه. ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) أي:هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ( الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) أي:غفار مع عزته وعظمته .

( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ) أي:خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله إياي إليكم ( أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ) أي:غافلون.

قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله: ( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ ) يعني:القرآن.

وقوله: ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) أي:لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني:في شأن آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه، قال:احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا فَثَوّب بالصلاة فصلى وتَجَوّز في صلاته فلما سلم قال: « كما أنتم على مصافكم » . ثم أقبل إلينا فقال: « إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قُدّر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي في أحسن صورة فقال:يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا أدري رب - أعادها ثلاثا- فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال:يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت:في الكفارات. قال:وما الكفارات؟ قلت نقل الأقدام إلى الجمعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال:وما الدرجات؟ قلت:إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام. قال:سل. قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك » . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنها حق فادرسوها وتعلموها » فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق.

وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث « جهضم بن عبد الله اليمامي » به. وقال: « حسن صحيح » وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو قوله تعالى:

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ( 72 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 73 ) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 74 ) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ ( 75 ) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 )

هذه القصة ذكرها الله، تعالى في سورة « البقرة » وفي أول « الأعراف » وفي سورة « الحجر » و [ في ] « سبحان » و « الكهف » ، وهاهنا وهي أن الله سبحانه أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمأ مسنون وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله عز وجل. فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسا كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه عز وجل فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه. وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله، وكفر بذلك فأبعده الله وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه وسماه « إبليس » إعلاما له بأنه قد أبْلَس من الرحمة وأنـزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يَعْجَل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى وقال: ( لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) كما قال: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا [ الإسراء:62 ] وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا [ الإسراء:65 ]

 

قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 )

وقوله: ( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع « الحق » الأولى وفسره مجاهد بأن معناه:أنا الحق، والحق أقول وفي رواية عنه:الحق مني، وأقول الحق.

وقرأ آخرون بنصبهما.

قال السدي:هو قسم أقسم الله به.

قلت:وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [ السجدة:13 ] وكقوله تعالى: قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا [ الإسراء:63 ]

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 )

يقول تعالى:قل يا محمد لهؤلاء المشركين:ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أي:وما أزيد على ما أرسلني الله به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة.

قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال:أتينا عبد الله بن مسعود قال:يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لا يعلم فليقل:الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم:الله أعلم فإن الله قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أخرجاه من حديث الأعمش به

وقوله: ( إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) يعني:القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن، قاله ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل:حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله: ( لِلْعَالَمِينَ ) قال:الجن والإنس.

وهذه الآية كقوله تعالى: لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام:19 ] ، [ وكقوله ] وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود:17 ] .

وقوله: ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ ) أي:خبره وصدقه ( بَعْدَ حِينٍ ) أي:عن قريب. قال قتادة:بعد الموت. وقال عكرمة:يعني يوم القيامة ولا منافاة بين القولين؛ فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة.

وقال قتادة في قوله تعالى: ( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) قال الحسن:يا ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.

آخر تفسير سورة « ص » ، ولله الحمد والمنة.

 

تفسير سورة الزمر

 

وهي مكية.

قال النسائي:حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول:ما يريد أن يفطر. ويفطر حتى نقول:ما يريد أن يصوم. وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر .

بسم الله الرحمن الرحيم

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ( 2 ) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ( 3 ) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 4 ) .

يخبر تعالى أن تنـزيل هذا الكتاب - وهو القرآن العظيم- من عنده، تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء:192- 195 ] .

وقال: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت:41، 42 ] . وقال هاهنا: ( تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ ) أي:المنيع الجناب، ( الْحَكِيمِ ) أي:في أقواله وأفعاله، وشرعه، وقدره .

( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ) أي:فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له [ وحده ] ، وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد؛ ولهذا قال: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) أي:لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله، وحده لا شريك له .

وقال قتادة في قوله: ( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) شهادة أن لا إله إلا الله. ثم أخبر تعالى عن عُبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) أي:إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنـزيلا لذلك منـزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.

قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ( إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) أي:ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منـزلة.

ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: « لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك » . وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل:36 ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] .

وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [ النحل:74 ] ، تعالى الله عن ذلك.

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) أي:يوم القيامة، ( فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي:سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [ سبأ:40، 41 ] .

وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) أي:لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله، وقلبه كفار يجحد بآياته [ وحججه ] وبراهينه.

ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير، وعيسى فقال: ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أي:لكان الأمر على خلاف ما يزعمون . وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [ الأنبياء:17 ] قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [ الزخرف:81 ] ، كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم.

وقوله: ( سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) أي:تعالى وتنـزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت.

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 5 )

يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف، فيه يقلب ليله ونهاره، ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ) أي:سخرهما يجريان متعاقبين لا يقران ، كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، كقوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [ الأعراف:54 ] هذا معنى ما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وغيرهم .

وقوله: ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ) أي:إلى مدة معلومة عند الله ثم تنقضي يوم القيامة. ( أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) أي:مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.

 

 

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 6 )

وقوله: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) أي:خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم عليه السلام ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) ، وهي حواء، عليهما السلام، كقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً [ النساء:1 ] .

وقوله: ( وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ) أي:وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية، أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [ الأنعام:143 ] ، وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [ الأنعام:144 ] .

وقوله: ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) أي:قدركم في بطون أمهاتكم ( خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) أي:يكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [ المؤمنون:14 ] .

وقوله: ( فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ) يعني:ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة - التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد - وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد [ وغيرهم ] .

وقوله: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ) أي:هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم ، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك، ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ( فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) أي:فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يُذْهَبُ بعقولكم؟! .

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ( 8 )

يقول تعالى مخبرا عن نفسه تعالى:أنه الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى: إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [ إبراهيم:8 ] .

وفي صحيح مسلم: « يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا » .

وقوله ( وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) أي:لا يحبه ولا يأمر به، ( وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) أي:يحبه منكم ويزدكم من فضله.

( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) أي:لا تحمل نفس عن نفس شيئا، بل كل مطالب بأمر نفسه، ( ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي:فلا تخفى عليه خافية .

وقوله: ( وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ) أي:عند الحاجة يضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [ الإسراء:67 ] . ولهذا قال: ( ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ) أي:في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [ يونس:12 ] .

( وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) أي:في حال العافية يشرك بالله، ويجعل له أندادا. ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) أي:قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه:تمتع بكفرك قليلا. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [ إبراهيم:30 ] ، وقوله: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [ لقمان:24 ] .

أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ( 9 )

يقول تعالى:أمن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادا؟ لا يستوون عند الله، كما قال تعالى: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [ آل عمران:113 ] ، وقال هاهنا: ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ) أي:في حال سجوده وفي حال قيامه؛ ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده كما، ذهب إليه آخرون.

قال الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود أنه قال:القانت المطيع لله ولرسوله.

وقال ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن زيد: ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) :جوف الليل. وقال الثوري، عن منصور:بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء.

وقال الحسن، وقتادة: ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) :أوله وأوسطه وآخره.

وقوله: ( يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) أي:في حال عبادته خائف راج ، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال: ( يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) ، فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه، كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده.

حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت عن أنس قال:دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت، فقال له: « كيف تجدك ؟ » قال:أرجو وأخاف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو، وأمنه الذي يخافه » .

ورواه الترمذي والنسائي في « اليوم والليلة » ، وابن ماجه، من حديث سَيَّار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، به . وقال الترمذي: « غريب. وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا » .

وقال ابن أبي حاتم، حدثنا عمر بن شبَّة ، عن عبيدة النميري، حدثنا أبو خَلَف عبد الله بن عيسى الخَزَّاز، حدثنا يحيى البّكَّاء، أنه سمع ابن عمر قرأ: ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) ؛ قال ابن عمر:ذاك عثمان بن عفان، رضي الله عنه.

وإنما قال ابن عمر ذلك؛ لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، كما روى ذلك أبو عبيدة عنه، رضي الله عنه ، وقال الشاعر .

ضَحُّـوا بأشْـمَطَ عُنـوانُ السُّـجُودِ بِهِ يُقَطَّــع الليــلَ تَسْــبيحا وقُرآنـا

وقال الإمام أحمد:كتب إلي الربيع بن نافع:حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة ، عن تميم الداري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة » .

وكذا رواه النسائي في « اليوم والليلة » عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع، كلاهما عن الهيثم بن حميد، به .

وقوله: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) أي:هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله؟! ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ ) أي:إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل.

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 10 )

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ) أي:لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم.

وقوله: ( وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ) قال مجاهد:فهاجروا فيها، وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان.

وقال شريك، عن منصور، عن عطاء في قوله: ( وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ) قال:إذا دعيتم إلى المعصية فاهربوا، ثم قرأ: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [ النساء:97 ] .

وقوله: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) قال الأوزاعي:ليس يوزن لهم ولا يكال ، إنما يغرف لهم غرفا.

وقال ابن جريج:بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك.

وقال السدي: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) يعني:في الجنة.

 

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ( 11 ) وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ( 12 ) .

وقوله: ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ) أي:إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، .

( وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) قال السدي:يعني من أمته صلى الله عليه وسلم.

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) .

يقول تعالى:قل يا محمد وأنت رسول الله: ( إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ، وهو يوم القيامة. وهذا شَرْط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، ( قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ) وهذا أيضا تهديد وتَبَرّ منهم، ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ ) أي:إنما الخاسرون كل الخسران ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي:تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، ( ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) أي:هذا هو الخسار البين الظاهر الواضح .

ثم وصف حالهم في النار فقال: ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ) كما قال: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الأعراف:41 ] ، وقال: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ العنكبوت:55 ] .

وقوله: ( ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ) أي:إنما يَقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، لينـزجروا عن المحارم والمآثم.

وقوله: ( يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) أي:اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي .

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ ( 18 )

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ) نـزلت في زيد بن عمرو بن نُفَيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي.

والصحيح أنها شاملةٌ لهم ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة .

ثم قال: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) أي:يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا [ الأعراف:145 ] .

( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ) أي:المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة ، أي:ذوو العقول الصحيحة، والفطَر المستقيمة .

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ( 20 ) .

يقول تعالى:أفمن كتب الله أنه شَقِي تَقْدر تُنْقذُه مما هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي:لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضل له .

ثم أخبر عن عباده السعداء أنهم لهم غرف في الجنة، وهي القصور الشاهقة ( مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ ) ، أي:طباق فوق طباق، مَبْنيات محكمات مزخرفات عاليات.

قال عبد الله بن الإمام أحمد:حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في الجنة لغرفًا يُرَى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها » فقال أعرابي:لمن هي يا رسول الله؟ قال: « لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى لله بالليل والناس نيام » .

ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق ، وقال: « حسن غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبَل حفظه » .

وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن مُعانق - أو:أبي مُعَانق - عن أبي مالك الأشعري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن في الجنة لغرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام » .

تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن مُعَانق الأشعري، عن أبي مالك، به.

وقال الإمام أحمد:حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في السماء » . قال:فحدثتُ بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال:سمعت أبا سعيد الخدري يقول: « كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي » .

أخرجاه في الصحيحين، من حديث أبي حازم ، وأخرجاه أيضًا في الصحيحين من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال الإمام أحمد:حدثنا فَزارة، أخبرني فُلَيح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، رضي الله عنه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف، كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع، في تفاضل أهل الدرجات » . فقالوا:يا رسول الله، أولئك النبيون؟ فقال: « بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل » .

ورواه الترمذي عن سُويد ، عن ابن المبارك عن فُلَيح به وقال:حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدَلَّة - مولى أم المؤمنين- أنه سمع أبا هريرة يقول:قلنا:يا رسول الله، إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشَممْنَا النساء والأولاد. قال: « لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تُذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم » قلنا:يا رسول الله، حَدّثنا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: « لَبِنَةُ ذهب ولَبِنَةُ فضّة، وملاطها المسك الأذْفَر، وحَصْباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يَبْأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. ثلاثة لا تُرَدَّ دعوتُهم:الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تُحمَل على الغَمام، وتفتح لها أبواب السموات، ويقول الرب:وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين » .

وروى الترمذي، وابنُ ماجه بعضَه، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي - وكان ثقة- عن أبي المُدَلِّه - وكان ثقة- به .

وقوله: ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) أي:تسلك الأنهار بين خلال ذلك، كما يشاءوا وأين أرادوا، ( وَعَدَ اللَّهُ ) أي:هذا الذي ذكرناه وعد وعده الله عباده المؤمنين ( إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ )

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الألْبَابِ ( 21 )

يخبر تعالى:أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [ الفرقان:48 ] ، فإذا أنـزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، ويُنِبُعه عيونًا ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها؛ ولهذا قال: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) .

قال ابن أبي حاتم - رحمه الله- :حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة عتبة بن يقظان، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) ، قال:ليس في الأرض ماء إلا نـزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) ، فمن سره أن يعود الملح عذاب فليصعده.

وكذا قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي:أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء.

وقال سعيد بن جبير:أصله من الثلج يعني:أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها.

وقوله: ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) أي:ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا ( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) أي:أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه، ( ثُمَّ يَهِيجُ ) أي:بعد نضارته وشبابه يكتهل ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) ، قد خالطه اليُبْس، ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) أي:ثم يعود يابسا يتحطم، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) أي:الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خَضرةً نضرةً حسناء، ثم تعود عَجُوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هَرِما كبيرا ضعيفا [ قد خالطه اليبس ] ، وبعد ذلك كله الموت. فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيرًا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينـزل الله من السماء من ماء، وينبت به زروعا وثمارا، ثم يكون بعد ذلك حُطاما، كما قال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [ الكهف:45 ] .

 

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 22 ) .

وقوله: ( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ) أي:هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [ الأنعام:122 ] ؛ ولهذا قال: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) أي:فلا تلين عند ذكره ، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، ( أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 23 )

هذا مَدْحٌ من الله - عز وجل- لكتابه القرآن العظيم المنـزل على رسوله الكريم، قال الله تعالى: ( اللَّهُ نـزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) قال مجاهد:يعني القرآن كله متشابه مثاني.

وقال قتادة:الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف.

وقال الضحاك: ( مَثَانِيَ ) ترديد القول ليفهموا عن ربهم عز وجل.

وقال عكرمة، والحسن:ثنَّى الله فيه القضاء - زاد الحسن:تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ( مَثَانِيَ ) مُرَدَّد، رُدِّد موسى في القرآن، وصالح وهود والأنبياء، عليهم السلام، في أمكنة كثيرة.

وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( مَثَانِيَ ) قال:القرآن يشبه بعضه بعضا، ويُرَدُّ بعضه على بعض.

وقال بعض العلماء:وُيرْوى عن سفيان بن عيينة معنى قوله: ( مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ) أنّ سياقات القرآن تارةً تكونُ في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارةً تكونُ بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني، كقوله تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [ الانفطار:13، 14 ] ، وكقوله كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [ المطففين:7 ] ، إلى أن قال: كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين:18 ] ، هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ ص:49 ] ، إلى أن قال: هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ ص:55 ] ، ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني، أي:في معنيين اثنين، وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضا، فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [ آل عمران:7 ] ، ذاك معنى آخر.

وقوله: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) أي هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد. والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) لما يرجون ويُؤمِّلون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه:

أحدها:أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نَغَمات لأبيات، من أصوات القَيْنات.

الثاني:أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [ الأنفال:2- 4 ] وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [ الفرقان:73 ] أي:لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها؛ فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم [ أي يرون غيرهم قد سجد فيسجدون تبعا له ] . .

الثالث:أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة، رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارخُون ولا يتكلّفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالقِدح المُعَلّى في الدنيا والآخرة.

قال عبد الرزاق:حدثنا مَعْمَر قال:تلا قتادة، رحمه الله: ( تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) قال:هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.

وقال السُّدِّي: ( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) أي:إلى وعد الله. وقوله: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أي:هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [ الرعد:33 ] .

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 24 ) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 25 ) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 26 ) .

يقول تعالى: ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، ويُقْرَعُ فيقال له ولأمثاله من الظالمين: ( ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) ، كمن يأتي آمنا يوم القيامة؟! كما قال تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الملك:22 ] ، وقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [ القمر:48 ] ، وقال [ تعالى ] أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ فصلت:40 ] ، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر، كقول الشاعر .

فَمَـــا أدْري إذَا يَمَّمْــتُ أرْضًــا أريــدُ الخــيرَ:أيّهمــا يَلينــي?

يعني:الخير أو الشر .

وقوله: ( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ) يعني:القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.

وقوله: ( فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي:بما أنـزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء، والذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظمُ مما أصابهم في الدنيا؛ ولهذا قال: ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) .

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 27 ) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 28 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) .

يقول تعالى: ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) أي:بينا للناس فيه بضرب الأمثال، ( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ، فإن المثل يُقَرّب المعنى إلى الأذهان، كما قال تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ الروم:28 ] أي:تعلمونه من أنفسكم، وقال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [ العنكبوت:43 ] .

وقوله: ( قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) أي:هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله [ عز وجل ] كذلك، وأنـزله بذلك ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أي:يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما فيه من الوعد .

ثم قال: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ) أي:يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ( وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ ) أي:خالصا لرجل، لا يملكه أحد غيره، ( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ) أي:لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. فأين هذا من هذا؟

قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد:هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثلُ ظاهرا بَيِّنا جليا، قال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) أي:على إقامة الحجة عليهم، ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) أي:فلهذا يشركون بالله.

وقوله: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق [ رضي الله عنه ] عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران:144 ] .

ومعنى هذه الآية:ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين.

ثم إن هذه الآية - وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذِكْر الخصومة بينهم في الدار الآخرة- فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة .

قال ابن أبي حاتم، رحمه الله:حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن ابن حاطب - يعني يحيى بن عبد الرحمن- عن ابن الزبير، عن الزبير قال:لما نـزلت: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال الزبير:يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة؟ قال: « نعم » . قال:إن الأمر إذًا لشديد.

وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان، وعنده زيادة:ولما نـزلت: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [ التكاثر:8 ] قال الزبير:أي رسول الله، أي نعيم نسأل عنه؟ وإنما- يعني:هما الأسودان:التمر والماء- قال: « أما إن ذلك سيكون » .

وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان، به . وقال الترمذي:حسن.

وقال الإمام أحمد أيضا:حدثنا ابن نمير حدثنا محمد - يعني ابن عمرو- عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام قال:لما نـزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال الزبير:أي رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: « نعم ليكررن عليكم، حتى يُؤدَّى إلى كل ذي حق حقه » . قال الزبير:والله إن الأمر لشديد.

ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال:حسن صحيح.

وقال الإمام أحمد:حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبي عُشَّانة، عن عقبة بن عامر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أول الخصمين يوم القيامة جاران » . تفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي نفسي بيده، إنه ليختصم ، حتى الشاتان فيما انتطحتا » تفرد به أحمد .

وفي المسند عن أبي ذر، رضي الله عنه [ أنه ] قال:رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين ينتطحان، فقال: « أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر؟ » قلت:لا. قال: « لكن الله يدري وسيحكم بينهما » .

وقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت عن أنس [ رضي الله عنه ] ، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يجاء بالإمام الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية فيفلجون عليه، فيقال له:سد ركنا من أركان جهنم » .

ثم قال:الأغلب بن تميم ليس بالحافظ .

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) يقول:يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهدي الضال، والضعيف المستكبر. .

وقد روى ابن منده في كتاب « الروح » ، عن ابن عباس أنه قال:يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد:أنت فعلت. ويقول الجسد للروح:أنت أمرت، وأنت سولت. فيبعث الله ملكا يفصل بينهما، فيقول [ لهما ] إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير، دخلا بستانا، فقال المقعد للضرير:إني أرى هاهنا ثمارا، ولكن لا أصل إليها. فقال له الضرير:اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان:كلاهما. فيقول لهما الملك. فإنكما قد حكمتما على أنفسكما. يعني:أن الجسد للروح كالمطية، وهو راكبه.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا جعفر بن أحمد بن عَوْسَجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة، حدثنا القمي - يعني يعقوب بن عبد الله- عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر [ رضي الله عنهما ] قال:نـزلت هذه الآية، وما نعلم في أي شيء نـزلت: ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) [ قال ] قلنا:من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر:هذا الذي وعدنا ربنا - عز وجل- نختصم فيه.

ورواه النسائي عن محمد بن عامر، عن منصور بن سلمة، به .

وقال أبو العالية [ في قوله ] ( ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) قال:يعني أهل القبلة.

وقال ابن زيد:يعني أهل الإسلام وأهل الكفر.

وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله أعلم.