الجزء 24
فَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ( 32 )
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 )
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 )
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) .
يقول
تعالى مخاطبا للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادعوا أن
الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولدا - تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا- ومع هذا
كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله، صلوات الله [
وسلامه ] عليهم أجمعين، ولهذا قال: (
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ
) أي:لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل، كذب على
الله، وكَذَّب رسول الله، قالوا الباطل وردوا الحق؛ ولهذا قال متوعدا لهم: (
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ) وهم
الجاحدون المكذبون .
ثم قال:
( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) قال
مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: (
الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) هو الرسول. وقال السدي:هو
جبريل عليه السلام، ( وَصَدَّقَ بِهِ )
يعني:محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
) قال:من جاء بلا إله إلا الله، (
وَصَدَّقَ بِهِ ) يعني:رسول الله صلى الله عليه
وسلم.
وقرأ
الربيع بن أنس: « الذين جاءوا بالصدق »
يعني:الأنبياء، « وصدقوا به »
يعني:الأتباع.
وقال ليث
بن أبي سليم عن مجاهد: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
وَصَدَّقَ بِهِ ) قال:أصحاب القرآن المؤمنون
يجيئون يوم القيامة، فيقولون:هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا.
وهذا
القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول صلى
الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق
، وصدق المرسلين، وآمن بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته
وكتبه ورسله.
وقال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم: ( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ
) هو رسول الله صلى الله عليه وسلم (
وَصَدَّقَ بِهِ ) المسلمون .
(
أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) قال ابن عباس:اتقوا الشرك .
(
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
يعني:في الجنة، مهما طلبوا وجدوا، (
ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي
عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) كما
قال في الآية الأخرى: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ
الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [
الأحقاف:16 ] .
أَلَيْسَ
اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 36 )
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي
انْتِقَامٍ ( 37 )
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) قُلْ
يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) .
يقول تعالى: (
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) - وقرأ
بعضهم: « عباده » - يعني أنه تعالى يكفي من عبده
وتوكل عليه.
وقال ابن أبي حاتم هاهنا:حدثنا
أبو عبيد الله ابن أخي ابن، وهب حدثنا عمي، حدثنا أبو هانئ، عن أبي علي عمرو بن
مالك الجنبي ، عن فضالة بن عبيد الأنصاري؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: « أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقَنَعَ به » .
ورواه الترمذي والنسائي من حديث
حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني، به . وقال الترمذي:صحيح.
(
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )
يعني:المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دونه؛
جهلا منهم وضلالا؛ ولهذا قال تعالى: (
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا
لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ )
أي:منيع الجناب لا يضام، من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا
أعز منه، ولا أشد انتقاما منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
) يعني: [ أن ]
المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه
غيره، مما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا؛ ولهذا قال: ( قُلْ
أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ
بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ) أي:لا تستطيع شيئا من الأمر .
وذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث
قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس مرفوعا: « احفظ
الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا
سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن
يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه
الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف، ورفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم
أن الصبر على ما تكره خير كثير، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع
العسر يسرا » .
( قُلْ
حَسْبِيَ اللَّهُ ) أي:الله كافيّ، عليه توكلت
وعليه يتوكل المتوكلون، كما قال هود، عليه السلام، حين قال له قومه: إِنْ نَقُولُ
إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ
وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي
جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي
وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود:54- 56 ] .
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن
عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم، عن أبي المقدام
- مولى آل عثمان- عن محمد بن كعب القرظي، حدثنا ابن عباس [ رضي
الله عنهما ] - رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من أحب
أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد
الله أوثق [ منه ] بما في يديه، ومن أحب أن يكون
أكرم الناس فليتق الله » .
وقوله: ( قُلْ
يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ) أي:على
طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد. . ( إِنِّي عَامِلٌ ) أي:على
طريقتي ومنهجي، ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )
أي:ستعلمون غب ذلك ووباله ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيهِ ) أي:في الدنيا، ( وَيَحِلُّ
عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) أي:دائم مستمر، لا محيد له
عنه. وذلك يوم القيامة.
إِنَّا
أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِوَكِيلٍ ( 41 )
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) .
يقول
تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم: (
إِنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ )
يعني:القرآن ( لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ )
أي:لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به، (
فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ) أي:فإنما يعود نفع ذلك إلى
نفسه، ( وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا )
أي:إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، ( وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) أي:بموكل أن يهتدوا، إِنَّمَا
أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [
هود:12 ] ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [
الرعد:40 ] .
ثم قال تعالى
مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة
الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند
المنام، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا
جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [
الأنعام:60، 61 ] ، فذكر الوفاتين:الصغرى ثم
الكبرى. وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى؛ ولهذا قال: (
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي
مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) فيه دلالة على أنها تجتمع في
الملأ الأعلى، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره. وفي صحيحي
البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
أوى أحدكم إلى فراشه فلْينْفُضْه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم
ليقل:باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها
بما تحفظ به عبادك الصالحين » .
وقال بعض
السلف [ رحمهم الله ] يقبض
أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن
تتعارف ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) التي
قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.
قال
السدي:إلى بقية أجلها. وقال ابن عباس:يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء، ولا
يغلط. ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
أَمِ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ
شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ( 43 ) قُلْ
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 )
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) .
يقول
تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي
اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئا من
الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات
أسوأ حالا من الحيوان بكثير .
ثم
قال:قل:أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن
الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، مَنْ ذَا
الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ [
البقرة:255 ] .
( لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:هو المتصرف في جميع ذلك. ( ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي:يوم القيامة، فيحكم بينكم
بعدله، ويجزي كلا بعمله.
ثم قال
تعالى ذاما للمشركين أيضا: ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَحْدَهُ ) أي:إذا قيل:لا إله إلا الله (
اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) قال
مجاهد: ( اشْمَأَزَّتْ ) انقبضت.
وقال
السدي:نفرت. وقال قتادة:كفرت واستكبرت. وقال مالك، عن زيد بن أسلم:استكبرت. كما
قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ
يَسْتَكْبِرُونَ [ الصافات:35 ] ،
أي:عن المتابعة والانقياد لها. فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل
الشر؛ ولهذا قال: ( وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِنْ دُونِهِ ) أي:من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، ( إِذَا
هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) أي:يفرحون ويسرون .
قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ
تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 )
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ
اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 )
يقول تعالى بعد ما ذكر عن
المشركين ما ذكر من المذمة، لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد ( قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) أي:ادع
أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي:جعلها على غير مثال
سبق، ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ )
أي:السر والعلانية، ( أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ
عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي:في
دنياهم ، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم.
وقال مسلم في صحيحه:حدثنا عبد
بن حميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني
أبو سلمة بن عبد الرحمن قال:سألت عائشة [ رضي
الله عنها ] بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا
قام من الليل؟ قالت:كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: « اللهم
رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم
بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي
من تشاء إلى صراط مستقيم » وقال الإمام أحمد:حدثنا عفان،
حدثنا حماد بن سلمة، وأخبرنا سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن
عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: « من قال:اللهم فاطر السموات
والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا
أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من
الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا تُوَفِّينيه
يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله، عز وجل، لملائكته يوم القيامة:إن
عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة » .
قال سهيل:فأخبرت القاسم بن عبد
الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا؟ فقال:ما في أهلنا جارية إلا وهي تقول هذا في
خدرها. انفرد به الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن،
حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حُييّ بن عبد الله؛ أن أبا عبد الرحمن حدثه قال:أخرج لنا
عبد الله بن عمرو قرطاسا وقال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا يقول: « اللهم
فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت رب كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن
لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون، أعوذ
بك من الشيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثما، أو أجره إلى مسلم » .
قال أبو عبد الرحمن:كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام.
تفرد به أحمد أيضا .
وقال [
الإمام ] أحمد أيضا:حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش ، عن محمد
بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الحُبْرَاني قال:أتيت عبد الله بن عمرو فقلت
له:حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فألقى بين يَدَي صحيفة
فقال:هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا
بكر الصديق قال:يا رسول الله، علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « يا أبا بكر، قل اللهم فاطر
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، رب كل شي ومليكه، أعوذ بك
من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءا، أو أجره إلى مسلم » .
ورواه الترمذي، عن الحسن بن
عرفة، عن إسماعيل بن عياش ، به ، وقال:حسن غريب من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم،
حدثنا شيبان، عن ليث، عن مجاهد قال:قال أبو بكر الصديق:أمرني رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: « اللهم
فاطر السموات والأرض » إلى آخره .
وقوله: (
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) وهم
المشركون، ( مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) أي:ولو
أن جميع ملك الأرض وضعفه معه ( لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ
الْعَذَابِ ) أي:الذي أوجبه الله لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يُتقبل
منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهبا، كما قال في الآية الأخرى: (
وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ )
أي:وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم،.
وَبَدَا
لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
( 48 ) .
(
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا )
أي:وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، (
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )
أي:وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا .
فَإِذَا
مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ( 50 )
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ
سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 ) أَوَلَمْ
يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن الإنسان أنه في حال الضراء يَضْرَع إلى الله، عز وجل، وينيب إليه
ويدعوه، وإذا خوله منه نعمة بغى وطغى، وقال: (
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) أي:لما
يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خَوَّلني هذا!
قال
قتادة: عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي على خيرٍ عندي.
قال الله
عز وجل: ( بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) أي:ليس
الأمر كما زعموا، بل [ إنما ] أنعمنا
عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم
بذلك، فهي فتنة أي:اختبار، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ) فلهذا يقولون ما يقولون، ويدعون ما يدعون.
( قَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي:قد
قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى، كثير ممن سلف من الأمم ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي:فما
صح قولهم ولا منعهم جمعهم وما كانوا يكسبون.
(
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ ) أي:من
المخاطبين ( سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) أي:كما
أصاب أولئك، ( وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ) كما
قال تعالى مخبرا عن قارون أنه قال له قومه: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ
نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ
أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [
القصص:76- 78 ] ، وقال تعالى: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا
وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [
سبأ:35 ] .
وقوله: ( أَوَلَمْ
يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ )
أي:يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين، ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )
أي:لعبرا وحججا.
قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 )
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ
كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 )
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة
من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب
منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل
هذه [ الآية ] على غير توبة ؛ لأن الشرك لا
يغفر لمن لم يتب منه.
وقال البخاري:حدثنا إبراهيم بن
موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جريج أخبرهم:قال يعلى:إن سعيد بن جبير أخبره عن
ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ؛ أن
ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا. فأتوا محمدا صلى الله
عليه وسلم فقالوا:إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة.
فنـزل: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [
الفرقان:68 ] ، ونـزل [ قوله ] : ( قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ ) .
وهكذا رواه مسلم وأبو داود
والنسائي، من حديث ابن جريج، عن يعلى بن مسلم المكي، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، به .
والمراد من الآية الأولى قوله:
إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا الآية . [
الفرقان:70 ] .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن،
حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل قال:سمعت أبا عبد الرحمن المري يقول:سمعت ثوبان -
مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
« ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) إلى
آخر الآية » ، فقال رجل:يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله
عليه وسلم ثم قال: « ألا ومن أشرك » ثلاث
مرات. تفرد به الإمام أحمد .
وقال الإمام أحمد أيضا:حدثنا
سريج بن النعمان، حدثنا روح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن عمرو
بن عَبَسة قال:جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شيخ كبير يدعم على عصا له،
فقال:يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال: « ألست
تشهد أن لا إله إلا الله؟ » قال:بلى، وأشهد أنك رسول الله.
فقال: « قد غفر لك غدراتك وفجراتك » . تفرد
به أحمد .
وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن
هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد
قالت:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [
هود:46 ] وسمعته يقول: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) ولا
يبالي ( إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )
ورواه أبو داود والترمذي، من
حديث ثابت، به .
فهذه الأحاديث كلها دالة على أن
المراد:أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه
وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [
التوبة:104 ] ، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [
النساء:110 ] ، وقال تعالى في حق المنافقين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي
الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلا
الَّذِينَ تَابُوا [ النساء:145، 146 ] ، وقال
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [
المائدة:73 ] ، ثم قال أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [
المائدة:74 ] ، وقال إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [
البروج:10 ] .
قال الحسن البصري:انظر إلى هذا
الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!.
والآيات في هذا كثيرة جدا.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم ندم وسأل عابدا
من عُبَّاد بني إسرائيل:هل له من توبة؟ فقال:لا. فقتله وأكمل به مائة. ثم سأل
عالما من علمائهم:هل له من توبة؟ فقال:ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب
إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة
الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب
فهو منها. فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة.
وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخيرة أن تقترب، وأمر تلك
البلدة أن تتباعد هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس، رضي الله عنهما [ في ] قوله:
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) إلى آخر الآية، قال:قد دعا
الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن
زعم أن عزيرا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم
أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [
المائدة:74 ] ثم دعا إلى توبته من هو أعظم قولا من هؤلاء، من قال: أَنَا
رَبُّكُمُ الأَعْلَى [ النازعات:24 ] ، وقال
مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [
القصص:38 ] . قال ابن عباس [ رضي
الله عنهما ] من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله،
ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه.
وروى الطبراني من طريق الشعبي، عن
شُتَير بن شَكَل أنه قال:سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله: اللَّهُ
لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [
البقرة:255 ] ، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [ النحل:90 ] ، وإن
أكثر آية في القرآن فرجا في سورة الغرف: ( قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ ) ، وإن أشد آية في كتاب الله
تصريفا وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق:2، 3 ] . فقال
له مسروق:صدقت.
وقال الأعمش، عن أبي سعيد، عن
أبي الكنود قال:مر عبد الله - يعني ابن مسعود- على قاص، وهو يذكر الناس، فقال:يا
مذكر لم تُقَنِّط الناس؟ ثم قرأ: ( قُلْ
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ ) رواه ابن أبي حاتم.
ذكر أحاديث فيها نفي القنوط:
قال الإمام أحمد:حدثنا سريج بن
النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله ، حدثني أخشن السدوسي قال:دخلت
على أنس بن مالك فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي
نفسي بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله
لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون
الله فيغفر لهم » تفرد به [
الإمام ] أحمد . وقال الإمام أحمد:حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني ليث
حدثني محمد بن قيس - قاص عمر بن عبد العزيز- عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري،
رضي الله عنه، أنه قال حين حضرته الوفاة:قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: « لولا أنكم تذنبون، لخلق الله
قوما يذنبون فيغفر لهم » .
هكذا رواه الإمام أحمد، وأخرجه
مسلم في صحيحه، والترمذي جميعا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد به . ورواه مسلم من وجه
آخر به، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة - وهو الأنصاري صحابي- عن أبي أيوب به
.
وقال الإمام أحمد:حدثنا أحمد بن
عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال:سمعت أبي يحدث عن أبي
الجوزاء، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كفارة
الذنب الندامة » ، وقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم » تفرد به
أحمد .
وقال عبد الله ابن الإمام
أحمد:حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسِي، حدثنا داود بن عبد الرحمن، حدثنا أبو
عبد الله مسلمة الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي
جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه،
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله يحب العبد المفتن التواب » . لم يخرجوه من هذا الوجه .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن
عمير قال:إن إبليس - عليه لعائن الله- قال:يا رب، إنك أخرجتني من الجنة من أجل
آدم، وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال:فأنت مسلط. قال:يا رب، زدني. قال:لا يولد
له ولد إلا ولد لك مثله. قال:يا رب، زدني. قال:أجعل صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم
مجرى الدم. قال:يا رب، زدني. قال:أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال
والأولاد، وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. فقال آدم [
عليه السلام ] يا رب، قد سلطته علي، وإني لا أمتنع [ منه
] إلا بك. قال:لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء
السوء. قال:يا رب، زدني. قال:الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال:يا
رب، زدني. قال:باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال:يا رب، زدني. قال: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ ) .
وقال محمد بن إسحاق:قال نافع:عن
عبد الله بن عمير، عن عمر، رضي الله عنه، في حديثه قال:وكنا نقول ما الله بقابل
ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
قال:وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال:فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، أنـزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا
أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ )
.
قال عمر، رضي الله عنه:فكتبتها
بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال:فقال هشام:لما أتتني جعلت أقرؤها
بذي طُوًى أصَعَّد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتى قلت:اللهم أفهمنيها. قال:فألقى
الله في قلبي أنها إنما أنـزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. فرجعت
إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة .
ثم استحث [
سبحانه ] وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: (
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ )
أي:ارجعوا إلى الله واستسلموا له، ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ )
أي:بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة،.
(
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) وهو
القرآن العظيم، ( مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) أي:من
حيث لا تعلمون ولا تشعرون.
ثم قال: ( أَنْ
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) أي:يوم
القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين
المخلصين المطيعين لله عز وجل.
وقوله: (
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ )
أي:إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق .
أَوْ
تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ
( 59 ) .
( أَوْ
تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ
حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أي:تود
أن لو أعيدت إلى الدار فتحسن العمل.
قال علي
بن أبي طلحة:عن ابن عباس:أخبر الله سبحانه ، ما العباد قائلون قبل أن يقولوه،
وعملهم قبل أن يعملوه ، وقال: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [
فاطر:14 ] ، ، ( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا
حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً
فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) فأخبر الله تعالى:أن لو رُدوا
لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ الأنعام:28 ] .
وقد قال
الإمام أحمد:حدثنا أسود، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل أهل
النار يرى مقعده من الجنة فيقول:لو أن الله هداني؟! فتكون عليه حسرة » . قال: « وكل
أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول:لولا أن الله هداني! » قال: « فيكون
له الشكر » .
ورواه
النسائي من حديث أبي بكر بن عياش، به .
ولما
تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله،
قال [ الله سبحانه وتعالى ] ( بَلَى
قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ
الْكَافِرِينَ ) أي:قد جاءتك أيها العبد
النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها
واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.
وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 )
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) .
يخبر
تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة
والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى هاهنا: (
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ) أي:في
دعواهم له شريكا وولدا ( وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ )
أي:بكذبهم وافترائهم.
وقوله: (
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ )
أي:أليست جهنم كافية لها سجنا وموئلا لهم فيها [ دار
] الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد
للحق.
قال ابن أبي
حاتم:حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي عيسى
الخياط، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار،
حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس، من نار الأنيار، ويسقون عصارة أهل
النار، ومن طينة الخَبَال » .
وقوله: (
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) أي:مما
سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ( لا
يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ) أي:يوم القيامة، ( وَلا هُمْ
يَحْزَنُونَ ) أي:ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع،
مزحزحون عن كل شر، مُؤمَلون كل خير .
اللَّهُ
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ( 64 )
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) .
يخبر
تعالى أنه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره وقهره
وكلاءته .
وقوله: ( لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ، قال
مجاهد:المقاليد هي:المفاتيح بالفارسية. وكذا قال قتادة، وابن زيد، وسفيان ابن
عيينة.
وقال
السدي: ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )
أي:خزائن السموات والأرض.
والمعنى
على كلا القولين:أن أزمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛
ولهذا قال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ )
أي:حججه وبراهينه ( أُولَئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ )
وقد روى
ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبا جدًا - وفي صحته نظر- ولكن نذكره كما ذكره، فإنه
قال:
حدثنا
يزيد بن سِنان البصري بمصر، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن
هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفان، رضي
الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير: ( لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) فقال: « ما
سألني عنها أحد قبلك يا عثمان » ، قال: «
تفسيرها:لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة
إلا بالله، الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل
شيء قدير، من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالا ستا:أما أولاهن:فيحرس
من إبليس وجنوده، وأما الثانية:فيعطى قنطارا من الأجر، وأما الثالثة:فترفع له درجة
في الجنة، وأما الرابعة:فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة:فيحضره اثنا عشر
ملكا، وأما السادسة:فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله
مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من
يومه طبع بطابع الشهداء » .
ورواه
أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد، به مثله . وهو غريب، وفيه نكارة شديدة،
والله أعلم .
وقوله: ( قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) ذكروا
في سبب نـزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس [ رضي
الله عنهما أنه قال ] :إن المشركين بجهلهم دعوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنـزلت: ( قُلْ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ
أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
وهذه
كقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [
الأنعام:88 ] .
وقوله: ( بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) أي:أخلص
العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.
وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) .
يقول تعالى:وما قدر المشركون
الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل
شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
قال مجاهد:نـزلت في قريش. وقال
السدي:ما عظموه حق عظمته.
وقال محمد بن كعب:لو قدروه حق
قدره ما كذبوه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس [ رضي الله عنهما ] : ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) هم
الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله [
تعالى ] عليهم، فمن آمن أن الله على كل شي قدير، فقد قدر الله حق
قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة
بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت
من غير تكييف ولا تحريف.
قال البخاري:قوله: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) حدثنا
آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال:جاء
حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا محمد:إنا نجد أن الله عز
وجل يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى
على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول:أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ) الآية .
و [ قد ] رواه
البخاري أيضا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنسائي
في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم عن
عبيدة، عن [ عبد الله ] ابن
مسعود، رضي الله عنه، بنحوه .
وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو
معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، عن عبد الله، رضي الله عنه، قال:جاء
رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، فقال:يا أبا القاسم، أبلغك أن
الله [ تعالى ] يحمل الخلائق على إصبع،
والسموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟
قال:فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال:وأنـزل الله عز وجل: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) إلى
آخر الآية.
وهكذا رواه البخاري، ومسلم،
والنسائي - من طرق- عن الأعمش به .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسين بن
حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال:مر يهودي
برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فقال:كيف تقول يا أبا القاسم:يوم يجعل
الله السماء على ذه - وأشار بالسبابة- والأرض على ذه، والجبال على ذه وسائر الخلق
على ذه - كل ذلك يشير بإصبعه - قال:فأنـزل الله عز وجل: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) الآية.
وكذا رواه الترمذي في التفسير
عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن الصَّلْت، عن أبي جعفر، عن أبي
كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، به ،
وقال:حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
ثم قال البخاري:حدثنا سعيد بن
عفير، حدثنا الليث، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة
بن عبد الرحمن:أن أبا هريرة ، رضي الله عنه، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: « يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول:أنا الملك،
أين ملوك الأرض » .
تفرد به من هذا الوجه ، ورواه
مسلم من وجه آخر .
وقال البخاري - في موضع آخر-
:حدثنا مُقَدَّم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول:أنا الملك
» .
تفرد به أيضا من هذا الوجه ،
ورواه مسلم من وجه آخر . وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا
السياق وأطول، فقال:
حدثنا عفان، حدثنا حماد بن
سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: « يمجد
الرب نفسه:أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم » . فرجف
برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا:لَيَخِرَّن به.
وقد رواه مسلم، والنسائي، وابن
ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم - زاد مسلم:ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن
أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، به، نحوه .
ولفظ مسلم - عن عبيد الله بن
مقسم في هذا الحديث- :أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي صلى الله عليه
وسلم، قال:يأخذ الله سمواته وأرضيه بيده ويقول:أنا الملك، ويقبض أصابعه
ويبسطها:أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني
لأقول:أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
وقال البزار:حدثنا سليمان بن
سيف ، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنْقرَي، حدثني محمد بن المنكدر
قال:حدثنا عبد الله بن عمر [ رضي الله عنهما ] ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) حتى
بلغ: ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ، فقال
المنبر هكذا، فجاء وذهب ثلاث مرات .
ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم
الطبراني من حديث عبيد بن عمير، عن عبد الله بن عمرو، وقال:صحيح .
وقال الطبراني في المعجم
الكبير:حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدثنا حيان بن نافع بن صخر بن
جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيْس، عن أبي
شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر
من أصحابه: « إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر، فمن بكى منكم وجبت
له الجنة » ؟ فقرأها من عند قوله: ( وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) ، إلى
آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا:يا رسول الله لقد
جهدنا أن نبكي فلم نبك؟ فقال: « إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك
فليتباك » . هذا حديث غريب جدا .
وأغرب منه ما رواه في المعجم
الكبير أيضا:حدثنا هاشم بن مُرْثَد ، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي،
حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن الله تعالى يقول:ثلاث خلال
غَيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءًا أبدا:لو كشفت غطائي فرآني حتى
نستيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم، وقبضت السموات بيدي، ثم قبضت الأرض
والأرضين، ثم قلت:أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم الجنة وما أعددت
لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر
فيستيقنوها، ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون، وقد بينته لهم » .
وهذا إسناد متقارب، وهي نسخة
تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم .
وَنُفِخَ
فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ
شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )
وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 )
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 70 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة،
فقوله: ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) ، هذه
النفخة هي الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات
والأرض، إلا من شاء الله كما هو مصرح به مفسرا في حديث الصور المشهور. ثم يقبض
أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا
وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء، ويقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [
غافر:16 ] ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ
الْقَهَّارِ أي:الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يحيي
أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثالثة نفخة
البعث، قال تعالى: ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ )
أي:أحياء بعد ما كانوا عظاما ورفاتا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة،
كما قال تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
[ النازعات:13، 14 ] ، وقال
تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ
لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [ الإسراء:52 ] ، وقال
تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ
إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [
الروم:25 ] .
قال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم قال:سمعت يعقوب
بن عاصم بن عروة بن مسعود قال:سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو :إنك تقول:الساعة
تقوم إلى كذا وكذا؟ قال:لقد هممت ألا أحدثكم شيئا، إنما قلت:سترون بعد قليل أمرا
عظيما. ثم قال عبد الله بن عمرو:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يخرج
الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين- لا أدري أربعين يوما أو أربعين عاما أو أربعين
شهرا أو أربعين ليلة - فيبعث الله عيسى ابن مريم ، كأنه عروة بن مسعود الثقفي،
فيظهر فيهلكه الله . ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل
الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا
قبضته، حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه » .
قال:سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويبقى
شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا » . قال: « فيتمثل
لهم الشيطان فيقول:ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارة
أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه
رجل يلوط حوضه، فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق. ثم يرسل الله - أو:ينـزل الله مطرا
كأنه الطل- أو الظل شك نعمان - فتنبت منه أجساد الناس. ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم
قيام ينظرون، ثم يقال:يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ
مَسْئُولُونَ [ الصافات:24 ] » قال: « ثم
يقال:أخرجوا بعث النار » . قال: «
فيقال:كم؟ فيقال:من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذ تبعث الولدان شيبا، ويومئذ
يكشف عن ساق » .
انفرد
بإخراجه مسلم في صحيحه .
وقال
البخاري:حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال:سمعت أبا صالح
قال:سمعت أبا هريرة [ رضي الله عنه ] عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بين النفختين أربعون » .
قالوا:يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال:أبيت، قالوا:أربعون سنة؟ قال:أبي،
قالوا:أربعون شهرا؟ قال:أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذنبه فيه يركب
الخلق .
وقال أبو
يعلى:حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن
محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « سألت
جبريل، عليه السلام، عن هذه الآية: (
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا
مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) من الذين لم يشأ الله أن
يصعقهم؟ قال:هم الشهداء، مقلدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى
المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير، مَدُّ خطاها مد أبصار الرجال،
يسيرون في الجنة يقولون عند طول النـزهة:انطلقوا بنا إلى ربنا، عز وجل، لننظر كيف
يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه » . رجاله
كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنه غير معروف والله أعلم .
وقوله: (
وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا )
أي:أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق، تبارك وتعالى، للخلائق لفصل القضاء، (
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) قال قتادة:كتاب الأعمال، (
وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ ) قال ابن عباس:يشهدون على
الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم، (
وَالشُّهَدَاءِ ) أي:الشهداء من الملائكة
الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، (
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أي:بالعدل (
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) قال الله [
تعالى ] : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [
الأنبياء:47 ] ، وقال [ الله ] تعالى:
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [
النساء:40 ] ، ولهذا قال: (
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ) أي:من
خير أو شر ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ )
وَسِيقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ
أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 71 )
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 ) .
يخبر
تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار؟ وإنما يساقون سوقا عنيفا بزجر
وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [
الطور:13 ] أي:يدفعون إليها دفعا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية
الأخرى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ
الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [
مريم:85، 86 ] . وهم في تلك الحال صُمُّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على
وجهه، وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا
وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [
الإسراء:97 ] .
وقوله: (
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا )
أي:بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم
خزنتها من الزبانية - الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ
والتنكيل- : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) أي:من
جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، (
يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ )
أي:يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه، ( وَيُنْذِرُونَكُمْ
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) أي:ويحذرونكم من شر هذا
اليوم؟ فيقول الكفار لهم: ( بَلَى ) أي:قد
جاءونا وأنذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، (
وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )
أي:ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا من الشَقْوة التي كنا نستحقها حيث
عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرا عنهم في الآية الأخرى: كُلَّمَا
أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ *
قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ
مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [
الملك:8- 10 ] ، أي:رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة فَاعْتَرَفُوا
بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ [
الملك:11 ] أي:بعدا لهم وخسارا .
وقوله
هاهنا: ( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:كل
من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب؛ ولهذا لم يسند هذا القول إلى
قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما
حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا ( قِيلَ
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا )
أي:ماكثين فيها لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، (
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ )
أي:فبئس المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق،
فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل .
وَسِيقَ
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا
وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَالِدِينَ ( 73 )
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 74 ) .
وهذا إخبار عن حال السعداء
المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة (
زُمَرًا ) أي:جماعة بعد جماعة:المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم:الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع
أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة
تناسب بعضها بعضا.
(
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ) أي:وصلوا إلى أبواب الجنة بعد
مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في
الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، وقد ورد في حديث الصور
أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول،
فيقصدون، آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا، صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين، كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله، عز وجل، أن
يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمد صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في المواطن
كلها.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس،
رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أنا
أول شفيع في الجنة » وفي لفظ لمسلم: « وأنا
أول من يقرع باب الجنة » . .
وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم،
حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن:من أنت؟
فأقول:محمد. قال:يقول:بك أُمِرْتُ ألا أفتح لأحد قبلك » .
ورواه مسلم عن عمرو الناقد
وزهير بن حرب، كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان - وهو ابن المغيرة
القيسي- عن ثابت، عن أنس، به .
وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الرزاق حدثنا مَعْمَر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا
يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة،
ومجامرهم الألوة ، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء
اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة
وعشيا » .
رواه البخاري عن محمد بن مقاتل،
عن ابن المبارك. ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كلاهما عن معمر
بإسناده نحوه . وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الحافظ أبو يعلى:حدثنا أبو
خَيْثَمة، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أول
زُمْرَة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدُّ
كوكب دُرِّي في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتْفلون ولا يمتخطون،
أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على
خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعا في السماء » .
وأخرجاه أيضا من حديث جرير .
وقال الزهري، عن سعيد، عن أبي
هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يدخل
الجنة من أمتي زُمْرَة، هم سبعون ألفا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر » . فقام
عُكَّاشة بن مِحْصَن فقال:يا رسول الله ادع الله، أن يجعلني منهم:فقال: « اللهم
اجعله منهم » . ثم قام رجل من الأنصار فقال:يا رسول الله، ادع الله أن
يجعلني منهم. فقال صلى الله عليه وسلم: « سبقك
بها عُكَّاشة » .
أخرجاه وقد روى هذا الحديث - في
السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب- البخاري ومسلم، عن ابن عباس، وجابر بن عبد
الله، وعمران بن حصين، وابن مسعود، ورفاعة بن عرابة الجهني، وأم قيس بنت محصن.
ولهما عن أبي حازم، عن سهل بن
سعد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليدخلن
الجنة من أمتي سبعون ألفا - أو:سبعمائة ألف- آخذٌ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم
وآخرهم الجنة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر » . .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة:حدثنا
إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال:سمعت أبا أمامة الباهلي يقول:سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: « وعدني ربي، عز وجل، أن يدخل
الجنة من أمتي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا، ولا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث
حَثَيَات من حثيات ربي عز وجل » .
وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن
صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر [ و ] أبي اليمان
عامر بن عبد الله بن لحُيّ عن أبي أمامة [ رضي
الله عنه ] .
ورواه الطبراني، عن عتبة بن
عَبْدٍ السُّلمي: « ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفا
» .
وروى مثله، عن ثوبان وأبي سعيد
الأنماري، وله شواهد من وجوه كثيرة.
وقوله: (
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) لم
يذكر الجواب هاهنا، وتقديره:حتى إذا جاءوها، وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم
إكراما وتعظيما، وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى
الزبانية الكفرة بالتثريب والتأنيب، فتقديره:إذا كان هذا سَعِدوا وطابوا، وسُرّوا
وفرحوا، بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم. وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كل مذهب
في الرجاء والأمل.
ومن زعم أن « الواو
» في قوله: ( وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) واو
الثمانية، واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية، فقد أبعد النّجْعَة وأغرق في
النـزع. وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.
قال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الرزاق:أخبرنا معمر، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « من أنفق زوجين من ماله في
سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من
باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي
من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان » فقال
أبو بكر، رضي الله تعالى عنه:يا رسول الله، ما على أحد من ضرورة دُعي، من أيها
دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: « نعم،
وأرجو أن تكون منهم » .
ورواه البخاري ومسلم، من حديث
الزهري، بنحوه .
وفيهما من حديث أبي حازم سلمة
بن دينار ، عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن في
الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون » .
وفي صحيح مسلم، عن عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو:فيسبغ الوضوء- ثم يقول:أشهد أن لا إله إلا الله، وأن
محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء » . .
وقال الحسن بن عرفة:حدثنا
إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَين، عن شَهْر بن حَوْشَب،
عن معاذ، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مفتاح الجنة:لا
إله إلا الله » .
ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل
الله العظيم من فضله أن يجعلنا من أهلها- :
في الصحيحين من حديث أبي
زُرْعَة، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] في
حديث الشفاعة الطويل: « فيقول الله يا محمد، أدخل من
لا حساب عليه . »
من أمتك من الباب الأيمن، وهم
شركاء الناس في الأبواب الأخر. والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من
مصاريع الجنة - ما بين عضادتي الباب- لكما بين مكة وهجر- أو هجر ومكة « . وفي
رواية: » مكة وبصرى « . »
وفي صحيح مسلم، عن عتبة بن
غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: « ولقد
ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة، مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم
وهو كظيظ من الزحام » .
وفي المسند عن حكيم بن معاوية،
عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله .
وقال عبد بن حميد:حدثنا الحسن
بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن ما بين مصراعين في الجنة
مسيرة أربعين سنة » .
وقوله: (
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ )
أي:طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم فطاب جزاؤكم، كما أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات: « إن
الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة » وفي رواية: « مؤمنة
» . .
وقوله: (
فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) أي:ماكثين فيها أبدا، لا
يبغون عنها حولا.
(
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ )
أي:يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم
المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك: (
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ )
أي:الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعوا في الدنيا: رَبَّنَا وَآتِنَا
مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا
تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [ آل عمران:194 ] ،
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ
لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [
الأعراف:43 ] ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا
الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ
الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا
لُغُوبٌ [ فاطر:34 - 35 ] .
وقولهم: (
وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ
أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) قال أبو العالية، وأبو صالح،
وقتادة، والسدي، وابن زيد :أي أرض الجنة.
وهذه الآية كقوله: وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [ الأنبياء:105 ] ،
ولهذا قالوا: ( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
حَيْثُ نَشَاءُ ) أي:أين شئنا حللنا، فنعم
الأجر أجرنا على عملنا.
وفي الصحيحين من حديث الزهري،
عن أنس في قصة المعراج قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أدخلت
الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك » .
وقال عبد بن حميد:حدثنا روح بن
عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد [ رضي
الله عنه ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ابن صائد عن تربة
الجنة؟ فقال:دَرْمَكة بيضاءُ مِسْك خالص:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « صدق » .
وكذا رواه مسلم، من حديث أبي
مسلمة ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، به .
ورواه مسلم [
أيضا ] عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن الجُرَيْرِي، عن
أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ أن ابن صائد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تربة
الجنة، فقال: « دَرْمكة بيضاء مسك خالص » .
وقول ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة ،
عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في قوله تعالى: (
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ) ، قال:سيقوا
حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان،
فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تُغَير أبشارهم
بعدها أبدا، ولم تُشْعَث أشعارهم أبدا بعدها، كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى
الأخرى كأنما أمروا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى،
وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة: (
سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) .
ويلقى كل غلمان صاحبهم يطيفُون به، فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة:أَبْشِر، قد
أعَد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا.
وقال:وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول:هذا فلان - باسمه في
الدنيا- فيقلن:أنت رأيته؟ فيقول:نعم. فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أَسكُفَّة
الباب. قال:فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة. قال:ثم
ينظر إلى تأسيس بنيانه ، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ، بين أحمر وأخضر وأصفر [
وأبيض ] ، ومن كل لون. ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله قدره
له، لألمَّ أن يذهب ببصره، إنه لمثل البرق. ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم
يتكئ على أريكة من أرائكه، ثم يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا
وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [
الأعراف:43 ] الآية.
ثم قال:حدثنا، أبي حدثنا أبو
غسان مالك بن إسماعيل النّهْدِي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي قال:سمعت أبا معاذ
البصري يقول:إن عليا، رضي الله عنه، كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « والذي
نفسي، بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يُسْتَقبلون - أو:يُؤْتون- بنوق لها أجنحة،
وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى
شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فيُغْسَل ما في بطونهم من دنس،
ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة
النعيم، فينتهون - أو:فيأتون- باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح
الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة ، فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن
زوجها قد أقبل، فتبعث قَيّمها فيفتح له، فإذا رآه خَرّ له - قال مسلمة:أراه
قال:ساجدًا - فيقول:ارفع رأسك، فإنما أنا قَيمك، وُكِّلْتُ بأمرك. فيتبعه ويقفو
أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم
تقول:أنت حبي، وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس،
وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن » . فيدخل
بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ، طرائق أصفر وأخضر
وأحمر، ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون
حَشْيَة، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مُخّ ساقها من باطن
الحُلَل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تَطّرد،
أنهار من ماء غير آسن - قال:صاف، لا كدر فيه- وأنهار من لبن لم يتغير طعمه -
قال:لم يخرج من ضروع الماشية- وأنهار من خمر لذة للشاربين - قال:لم تعصرها الرجال
بأقدامهم - وأنهار من عسل مصفى- قال:لم يخرج من بطون النحل. يستجني الثمار، فإن
شاء قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء متكئا - ثم تلا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ
ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا [
الإنسان:14 ] - فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض- قال:وربما قال:أخضر.
قال:- فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها، أي الألوان شاء، ثم يطير فيذهب ، فيدخل
الملك فيقول:سلام عليكم، تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من
شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سوادًا في نور « . »
هذا حديث غريب، وكأنه مرسل،
والله أعلم .
وَتَرَى
الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 75 )
لما ذكر
تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نـزل كُلا في المحل الذي يليق به ويصلح له
وهو العادل في ذلك الذي لا يجور - أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه
المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينـزهونه عن النقائص
والجور، وقد فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل؛ ولهذا قال: (
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي:بين الخلائق (
بِالْحَقِّ )
ثم قال:
( وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )
أي:ونطق الكون أجمعه - ناطقه وبهيمه- لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله؛
ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له
بالحمد.
قال
قتادة:افتتح الخلق بالحمد في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [ الأنعام:1 ] واختتم
بالحمد في قوله: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )
آخر
تفسير سورة الزمر ولله الحمد [ أولا وآخرًا ظاهرًا
وباطنًا ]
تفسير سورة غافر
وهي
مكية.
قد كره
بعض السلف، منهم محمد بن سيرين أن يقال: «
الحواميم » وإنما يقال: « آل حم
» .
قال عبد
الله بن مسعود: « آل حم » ديباج
القرآن.
وقال ابن
عباس:إن لكل شيء لبابًا ولُبَاب القرآن « آل حم
» - أو قال:الحواميم.
قال
مِسْعَر بن كِدَام:كان يقال لهن: «
العرائس » .
روى ذلك
كله الإمام العَلم أبو عُبيد القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتاب: « فضائل
القرآن » . وقال حُميد بن زَنْجويه:حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبيد الله قال:إن مثل القرآن كمثل رجل
انطلق يرتاد لأهله منـزلا فمر بأثر غيث فبينا هو يسير فيه ويتعجب [ منه
] ، إذ هبط على روضات دَمِثات فقال:عجبت من الغيث الأول، فهذا
أعجب وأعجب فقيل له:إن مثل الغيث الأول مثل عِظَم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات
الدمثات، مثل آل حم في القرآن. أورده البغوي .
وقال ابن
لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب:أن الجرّاح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس، قال:لكل
شيء لباب، ولباب القرآن الحواميم .
وقال ابن
مسعود:إذا وَقعتُ في « آل حم » فقد
وقعتُ في روضات أتأنَّق فيهن .
وقال أبو
عبيد:حدثنا الأشجعي، حدثنا مِسْعر - هو ابن كِدَام - عمن حدثه:أن رجلا رأى أبا
الدرداء [ رضي الله عنه ] يبني
مسجدًا، فقال له:ما هذا؟ فقال:أبنيه من أجل « آل حم
» .
وقد يكون
هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق. وقد
يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وُضع له، فإن هذا الكلام يدل على النصر على
الأعداء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات: « إن
بَيّتم الليلة فقولوا:حم، لا ينصرون » وفي
رواية: « لا تنصرون » .
وقال
الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا أحمد بن الحكم بن ظَبْيان بن خَلف المازني، ومحمد بن
الليث الهمداني قالا حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي،
عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، رضي الله عنه، قال:قال رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم: « من قرأ آية الكرسي وأول حم
المؤمن، عُصِم ذلك اليوم من كل سوء » .
ثم
قال:لا نعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد. ورواه الترمذي من حديث المليكي، وقال:تكلم
فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه .
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 )
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 )
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 )
أما
الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول « سورة
البقرة » بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقد
قيل:إن ( حم ) اسم من أسماء الله عز وجل،
وأنشدوا في ذلك
يُذَكِّــرُني حـامِيمَ والـرمحُ شَـاجر فَهَــلا تــلا
حَـاميمَ قَبْـل التَّقـدُّمِ
وقد ورد في
الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن
أبي صُفْرة قال:حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
بَيَّتم الليلة فقولوا:حم، لا ينصرون » وهذا
إسناد صحيح .
واختار
أبو عبيد أن يُروى: « فقولوا:حم، لا ينصروا » أي:إن
قلتم ذلك لا ينصروا، جعله جزاء لقوله:فقولوا.
وقوله: (
تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ )
أي:تنـزيل هذا الكتاب - وهو القرآن- من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا
يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه.
وقوله: (
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ )
أي:يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخَضَع لديه.
وقوله: (
شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أي:لمن تمرد وطغى وآثر الحياة
الدنيا، وعتا عن أوامر الله، وبغى [ وقد
اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف ] . وهذه
كقوله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ
عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [
الحجر:49 - 50 ] يقرن هذين الوصفين كثيرًا في
مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف.
وقوله: ( ذِي
الطَّوْلِ ) قال ابن عباس:يعني:السعة والغنى. وكذا قال مجاهد وقتادة.
وقال
يزيد بن الأصم: ( ذِي الطَّوْلِ )
يعني:الخير الكثير.
وقال
عكرمة: ( ذِي الطَّوْلِ ) ذي
المن.
وقال
قتادة: [ يعني ] ذي النعم والفواضل.
والمعنى:أنه
المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هو فيه من المنن والأنعام، التي لا يطيقون
القيام بشكر واحدة منها، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [
إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ] [
إبراهيم:34 ] .
وقوله: ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:لا نظير له في جميع صفاته،
فلا إله غيره، ولا رب سواه ( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ )
أي:المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [
الرعد:41 ] .
وقال أبو
بكر بن عياش:سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي يقول:جاء رجل إلى عمر بن الخطاب [ رضي
الله عنه ] فقال:يا أمير المؤمنين إني قَتَلْتُ، فهل لي من توبة؟ فقرأ
عليه ( حم * تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ )
وقال:اعمل ولا تيأس.
رواه ابن
أبي حاتم - واللفظ له- وابن جرير .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرِّقِّي، حدثنا عمر - يعني ابن أيوب-
أخبرنا جعفر بن بَرْقان، عن يزيد بن الأصم قال:كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان
يفد إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] ،
ففقده عمر فقال:ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا:يا أمير المؤمنين، يتابع في هذا
الشراب. قال:فدعا عمر كاتبه، فقال:اكتب: « من عمر
بن الخطاب إلى فلان ابن فلان، سلام عليك، [ أما
بعد ] :فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل
التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير » . ثم
قال لأصحابه:ادعوا الله لأخيكم أن يُقْبِل بقلبه، وأن يتوب الله عليه . فلما بلغ
الرجل كتابُ عمر جعل يقرؤه ويردده، ويقول:غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد
حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي .
ورواه
الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: « فلم
يزل يُرَدّدها على نفسه، ثم بكى ثم نـزع فأحسن النـزع فلما بلغ عمر [ رضي
الله عنه ] خبرهُ قال:هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلَّة فسددوه
ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا عمر بن شَبَّة ، حدثنا حماد بن واقد - أبو عُمَر الصفار- ، حدثنا
ثابت البناني، قال:كنت مع مصعب بن الزبير في سواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي
ركعتين فافتتحت: ( حم )
المؤمن، حتى بلغت: ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء
عليه مُقَطَّعات يمنية فقال:إذا قلت: (
غَافِرِ الذَّنْبِ ) فقل: « يا
غافر الذنب، اغفر لي ذنبي » . وإذا قلت: (
وَقَابِلِ التَّوْبِ ) ، فقل: « يا
قابل التوب، اقبل توبتي » . وإذا قلت: (
شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ، فقل: « يا
شديد العقاب، لا تعاقبني » . قال:فالتفت فلم أر أحدًا،
فخرجت إلى الباب فقلت:مَرّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا:ما رأينا أحدًا
فكانوا يُرَون أنه إلياس.
ثم رواه
من طريق أخرى، عن ثابت، بنحوه. وليس فيه ذكر إلياس.
مَا
يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ
تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 )
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ
أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ
الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ( 5 )
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ( 6 )
يقول
تعالى:ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ( إِلا
الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:الجاحدون لآيات الله وحججه
وبراهينه، ( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) أي:في
أموالهم ونعيمها وزهرتها، كما قال: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
[ آل عمران:196 - 197 ] ، وقال
تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [
لقمان:24 ] .
ثم قال
تعالى مسليًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، بأن له
أسوة من سلف من الأنبياء؛ فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا
قليل ، فقال: ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ ) وهو أول رسول بَعَثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، (
وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي:من كل أمة، (
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ )
أي:حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله ، (
وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ )
أي:مَاحَلُوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.
وقد قال
أبو القاسم الطبراني:حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا
مُعْتَمِر بن سليمان قال:سمعت أبي يحدث عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس [ رضي
الله عنه ] ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من
أعان باطلا ليدحض بباطله حقًّا، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله » .
وقوله: (
فَأَخَذْتُهُمْ ) أي:أهلكتهم على ما صنعوا من
هذه الآثام والذنوب العظام، ( فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ )
أي:فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا.
قال
قتادة:كان والله شديدًا.
وقوله: (
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ) أي:كما حقت كلمةُ العذاب على
الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك
وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبّك فلا وثوق له بتصديق غيرك.
الَّذِينَ
يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ
رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 7 )
يخبر تعالى عن الملائكة المقربين
من حَمَلة العرش الأربعة، ومن حوله من الكروبيين، بأنهم يسبحون بحمد ربهم،
أي:يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات
المدح، ( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ )
أي:خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم (
يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي:من
أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يَدْعُوا
للمؤمنين بظهر الغيب، ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، كانوا
يُؤمِّنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، كما ثبت في صحيح مسلم: « إذا
دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك:آمين ولك بمثله » .
وقد قال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن
يعقوب بن عتبة، عن عكرمة عن ابن عباس [ رضي
الله عنه ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَدّق أمية في شيء من
شعره، فقال:
رَجُـلٌ
وَثَـور تَحْـتَ رِجْـل يَمينـه وَالنَّسْــرُ للأخْـرَى وَلَيْـثٌ مُرْصَـدُ
فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « صدق » . فقال:
وَالشــمس
تَطلـعُ كـل آخـر لَيْلـةٍ حَــمْراءُ يُصْبــحُ لَونُهــا يَتَـوَرّدُ
تَـأبَى
فَمـا تَطلُـع لَنَـا فـي رِسْـلها إلا مـعَـذّبَــــة وَإلا تُجْـــلـدَ
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
« صدق » .
وهذا إسناد جيد:وهو يقتضي أن
حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية، كما قال تعالى:
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [
الحاقة:17 ] .
وهنا سؤال وهو أن يقال:ما الجمع
بين المفهوم من هذه الآية، ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود:
حدثنا محمد بن الصباح البزار،
حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سِماك، عن عبد الله بن عَمِيرة ، عن الأحنف بن قيس،
عن العباس بن عبد المطلب، قال:كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: « ما
تسمون هذه؟ » قالوا:السحاب. قال: «
والمزن؟ » قالوا:والمزن. قال: «
والعَنَان؟ » قالوا:والعنان - قال أبو داود:ولم أتقن العنان جيدًا - قال: « هل
تدرون بُعْدَ ما بين السماء والأرض؟ »
قالوا:لا ندري. قال: « بُعد ما بينهما إما واحدة، أو
اثنتان، أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك » حتى
عَدّ سبع سموات « ثم فوق السماء السابعة بحر ،
بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوْعَال، بين
أظلافهن ورُكبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه
مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله، عز وجل، فوق ذلك » ثم رواه
أبو داود والترمذي وابن ماجه، من حديث سماك بن حرب، به . وقال الترمذي:حسن غريب.
وهذا يقتضي أن حملة العرش
ثمانية، كما قال شَهْر بن حَوْشَب:حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون: « سبحانك
اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك » .
وأربعة يقولون: « سبحانك اللهم وبحمدك، لك
الحمد على عفوك بعد قدرتك » .
ولهذا يقولون إذا استغفروا
للذين آمنوا: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ
شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) أي:إن رحمتك تَسَع ذنوبهم
وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم [
وأقوالهم ] وحركاتهم وسكناتهم، (
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ )
أي:فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم
به، من فعل الخيرات وترك المنكرات، ( وَقِهِمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ ) أي:وزحزحهم عن عذاب الجحيم،
وهو العذاب الموجع الأليم .
رَبَّنَا
وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 8 ) وَقِهِمُ
السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ
هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 )
(
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ )
أي:اجمع بينهم وبينهم، لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة، كما قال [
تعالى ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ
بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ
عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الطور:21 ]
أي:ساوينا بين الكل في المنـزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني،
بل رفعنا الناقص في العمل ، فساويناه بكثير العمل، تفضلا منا ومنة.
قال سعيد
بن جبير:إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه، وأين هم؟ فيقال:إنهم لم
يبلغوا طبقتك في العمل فيقول:إني إنما عملت لي ولهم. فَيُلحَقُونَ به في الدرجة،
ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: (
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) .
قال
مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير:أنصحُ عبادِ الله للمؤمنين الملائكةُ، ثم تلا
هذه الآية: ( رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي
وَعَدْتَهُمْ ) وأغشُّ عباد الله للمؤمنين الشياطينُ.
وقوله: (
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي:الذي
لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك، من
شرعك وقدرك
( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ )
أي:فعلها أو وَبالها ممن وقعت منه، (
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ ) أي:يوم
القيامة، ( فَقَدْ رَحِمْتَهُ )
أي:لطفت به ونجيته من العقوبة، ( وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ) .
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 )
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 )
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ
بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) هُوَ
الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا
يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ ( 13 )
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 14 )
يقول
تعالى مخبرًا عن الكفار:أنهم يُنَادَون يوم القيامة وهم في غَمَرات النيران
يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله ما لا قِبَل لأحد به، فمقتوا عند ذلك
أنفسهم وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة، التي كانت سبب
دخولهم إلى النار، فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارا عاليا، نادوهم [ به ] نداء
بأن مقت الله لهم في الدنيا حين كان يُعرض عليهم الإيمان، فيكفرون، أشد من مقتكم
أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.
قال
قتادة في قوله: ( لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ
مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ )
يقول:لمقتُ الله أهل الضلالة حين عُرض عليهم الإيمان في الدنيا، فتركوه وأبوا أن
يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة .
وهكذا
قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذَرُّ بن عبد الله الهَمْداني، وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم، وابن جرير الطبري، رحمهم الله.
وقوله: (
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال
الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود [ رضي
الله عنه ] :هذه الآية كقوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ البقرة:28 ] وكذا
قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك. وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا
مرية.
وقال
السّدّي:أُميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم
القيامة.
وقال ابن
زيد:أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم [ ثم
أحياهم ] يوم القيامة.
وهذان
القولان - من السدي وابن زيد- ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات
وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما. والمقصود من هذا كله:أن الكفار
يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله، عز وجل، في عرصات القيامة، كما قال: وَلَوْ
تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [
السجدة:12 ] ، فلا يجابون. ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها،
ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنَّكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا
يجابون، قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا
لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ
رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [
الأنعام:27 - 28 ] فإذا دخلوا النار وذاقوا
مَسّها وحَسِيسها ومقامعها وأغلالها، كان سؤُالهم للرجعة أشد وأعظم، وَهُمْ
يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي
كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [
فاطر:37 ] ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا
ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [
المؤمنون:107، 108 ] ، وفي هذه الآية الكريمة
تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مُقدّمة، وهي قولهم: (
رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )
أي:قدرتك عظيمة، فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتا، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر
على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، (
فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) أي فهل
أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك؛ لنعمل غير الذي
كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون. فأُجِيبُوا ألا سبيل إلى عودكم
ومرجعكم إلى الدار الدنيا. ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا
تقتضيه بل تَجْحَده وتنفيه؛ ولهذا قال تعالى: (
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ
بِهِ تُؤْمِنُوا ) أي:أنتم هكذا تكونون، وإن
رددتم إلى الدنيا، كما قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ الأنعام:28 ] .
وقوله: ( فَالْحُكْمُ
لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) أي:هو الحاكم في خلقه، العادل
الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله
إلا هو .
وقوله: ( هُوَ
الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) أي:يظهر قدرته لخلقه بما
يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها
ومبدعها ومنشئها، ( وَيُنـزلُ لَكُمْ مِنَ
السَّمَاءِ رِزْقًا ) ، وهو المطر الذي يخرج به من
الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس، من اختلاف ألوانه وطعومه، وروائحه وأشكاله
وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، ( وَمَا
يَتَذَكَّرُ ) أي:يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها
( إِلا مَنْ يُنِيبُ ) أي:من
هو بصير منيب إلى الله، عز وجل.
وقوله: (
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )
أي:فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام - يعني بن عروة بن الزبير- عن أبي
الزبير محمد بن مسلم بن مدرس المكي قال:كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل
صلاة حين يسلم :لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له
النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين ولو كره
الكافرون « قال:وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُهَلِّل بهن دبر كل
صلاة . »
ورواه
مسلم وأبو داود والنسائي، من طرق، عن هشام بن عروة، وحجاج بن أبي عثمان، وموسى بن
عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال:كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول في دبر الصلاة: « لا إله إلا الله وحده لا شريك
له وذكر تمامه . »
وقد ثبت
في الصحيح عن ابن الزبير؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات
المكتوبات: « لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو
على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه،
له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره
الكافرون » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا الربيع حدثنا الخَصِيب بن ناصح، حدثنا صالح - يعني المِرِّي- عن
هشام بن حسان، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا
يستجيب دعاءً من قلب غافل لاه » .
رَفِيعُ
الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 )
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 )
يقول تعالى [
مخبرا ] عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع
مخلوقاته كالسقف لها، كما قال تعالى: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ
الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ
سَنَةٍ [ المعارج:3 - 4 ] ،
وسيأتي بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة، في قول جماعة من السلف
والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله [
تعالى ] . وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء، اتساع ما بين
قطريه مسيرة خمسين ألف سنة. وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد
تقدم في حديث « الأوعال » ما يدل على ارتفاعه عن السموات
السبع بشيء عظيم.
وقوله: (
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) كقوله
تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا [
فَاتَّقُونِ ] [ النحل:2 ] ،
وكقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * [
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين ] [
الشعراء:192 - 195 ] ؛ ولهذا قال: (
لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: ( يَوْمَ التَّلاقِ ) اسم من
أسماء يوم القيامة، حذر منه عباده.
وقال ابن جُرَيج:قال ابن عباس:يلتقي
فيه آدم وآخر ولده.
وقال ابن زيد:يلتقي فيه العباد.
وقال قتادة، والسدي، وبلال بن
سعد، وسفيان بن عيينة :يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض.
وقال قتادة أيضا:يلتقي فيه أهل
السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق.
وقال مَيْمون بن مِهْران:يلتقي
[ فيه ] الظالم والمظلوم.
وقد يقال:إن يوم القيامة هو
يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمل من خير وشر. كما قاله آخرون.
وقوله: (
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) أي:ظاهرون بادون كلهم، لا شيء
يكنهم ولا يظلهم ولا يسترهم. ولهذا قال: (
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ )
أي:الجميع في علمه على السواء.
وقوله: (
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) قد
تقدم في حديث ابن عمر:أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده، ثم يقول:أنا الملك، أنا
الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ .
وفي حديث الصور:أنه تعالى إذا
قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه وحده لا شريك له، حينئذ يقول:لمن الملك اليوم؟
ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه قائلا ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ
الْقَهَّارِ ) أي:الذي هو وحده قد قَهَر كل شيء وغلبه .
وقد قال ابن أبي حاتم:حدثنا
محمد بن غالب الدقاق، حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر، عن أبيه، حدثنا أبو
نَضْرة، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ]
قال:ينادي مناد بين يدي الساعة:يا أيها الناس، أتتكم الساعة. فيسمعها الأحياء
والأموات، قال:وينـزل الله [ عز وجل ] إلى
سماء الدنيا ويقول: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) .
الْيَوْمَ
تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ ( 17 )
وقوله: (
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يخبر تعالى عن عدله في حكمه
بين خلقه، أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها،
وبالسيئة واحدة؛ ولهذا قال: ( لا ظُلْمَ الْيَوْمَ ) كما
ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن
ربه عز وجل- أنه قال: « يا عبادي، إني حرمت الظلم على
نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - إلى أن قال- :يا عبادي، إنما هي أعمالكم
أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا
يلومن إلا نفسه » .
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) أي:يحاسب الخلائق كلهم، كما
يحاسب نفسًا واحدة، كما قال: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ
وَاحِدَةٍ [ لقمان:28 ] ، وقال
[ تعالى ] : وَمَا أَمْرُنَا إِلا
وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [
القمر:50 ] .
وَأَنْذِرْهُمْ
يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( 18 )
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 )
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ
بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 )
يوم
الآزفة هو:اسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى:
أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [
النجم:57 - 58 ] وقال اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ
الْقَمَرُ [ القمر:1 ] ، وقال
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [
الأنبياء:1 ] وقال أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [
النحل:1 ] وقال فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ [
الملك:27 ] .
وقوله: ( إِذِ
الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) [ أي
ساكتين ] ، قال قتادة:وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا
تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد.
ومعنى (
كَاظِمِينَ ) أي:ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ
وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
وَقَالَ صَوَابًا [ النبأ:38 ] .
وقال ابن
جُرَيْج : ( كَاظِمِينَ )
أي:باكين.
وقوله: ( مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) أي:ليس
للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد
تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
وقوله: (
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) يخبر
تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها،
دقيقها ولطيفها؛ ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حَقّ الحياء،
ويَتَّقُوهُ حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين
الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر.
قال ابن
عباس في قوله: ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ
الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) وهو
الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة
الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غَضّ، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض [
بصره عنها ] وقد اطلع الله من قلبه أنه وَدّ أن لو اطلع على فرجها. رواه
ابن أبي حاتم.
وقال
الضحاك: ( خَائِنَةَ الأعْيُنِ ) هو
الغمز، وقول الرجل:رأيت، ولم ير؛ أو:لم أر، وقد رأى.
وقال ابن
عباس:يعلم [ الله ] تعالى من العين في نظرها، هل
تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد، وقتادة.
وقال ابن
عباس في قوله: ( وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) يعلم
إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟.
وقال
السدي: ( وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) أي:من
الوسوسة .
وقوله: (
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) أي:يحكم بالعدل.
وقال
الأعمش:عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [ رضي
الله عنهما ] في قوله: (
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) قادر على أن يجزي بالحسنة
الحسنة، وبالسيئة السيئة ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
وهذا
الذي فسر به ابن عباس في هذه الآية كقوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا
بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [
النجم:31 ] . وقوله: (
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) أي:من
الأصنام والأوثان والأنداد، ( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) أي:لا
يملكون شيئا ولا يحكمون بشيء ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي:سميع لأقوال خلقه، بصير
بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك .
أَوَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا
مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ( 21 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 22 )
يقول
تعالى:أولم يسر هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ( فِي
الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي:من
الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حل بهم من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء
قوة ( وَآثَارًا فِي الأرْضِ )
أي:أثروا في الأرض من البنايات والمعالم والديارات، ما لا يقدر عليه هؤلاء، كما
قال: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [
الأحقاف:26 ] ، وقال وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا
عَمَرُوهَا [ الروم:9 ] أي:ومع
هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، ( وَمَا
كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ) أي:وما
دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق.
ثم ذكر
علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال: (
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ )
أي:بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، (
فَكَفَرُوا ) أي:مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، (
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ) أي:أهلكهم ودمَّر عليهم
وللكافرين أمثالها، ( إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ) أي:ذو قوة عظيمة وبطش شديد، وهو (
شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أي:عقابه أليم شديد وجيع.
أعاذنا الله منه.
وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 23 )
إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 )
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ
الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ
إِلا فِي ضَلالٍ ( 25 )
يقول تعالى مسليا لنبيه صلى
الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشرًا له بأن العاقبة والنصرة له في
الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران ، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات،
والدلائل الواضحات؛ ولهذا قال: ( بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ
مُبِينٍ ) والسلطان هو:الحُجة والبرهان.
( إِلَى
فِرْعَوْنَ ) هو:ملك القبط بالديار المصرية، (
وَهَامَانَ ) وهو:وزيره في مملكته (
وَقَارُونَ ) وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة ( فَقَالُوا
سَاحِرٌ كَذَّابٌ ) أي:كذبوه وجعلوه ساحرًا
مُمَخْرِقًا مموهًا كذابًا في أن الله أرسله. وهذه كقوله [
تعالى ] : كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ
رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ
قَوْمٌ طَاغُونَ [ الذاريات 52، 53 ] .
(
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا )
أي:بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم، (
قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ ) وهذا
أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول:فكان لأجل الاحتراز من وجود
موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين. وأما الأمر
الثاني:فللعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى، عليه السلام؛
ولهذا قالوا: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا
قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ الأعراف:129 ] .
قال قتادة:هذا أمر بعد أمر.
قال الله تعالى: ( وَمَا
كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) أي:وما
مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا يُنصروا عليهم، إلا ذاهب وهالك
في ضلال.
وَقَالَ
فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ( 26 )
وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا
يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ( 27 )
(
وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) وهذا
عَزْمٌ من فرعون - لعنه الله- على قتل موسى، عليه السلام، أي:قال لقومه:دعوني حتى
أقتل لكم هذا، ( وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ) أي:لا
أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد.
وقوله -
قبحه الله- : ( إِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ )
يعني:موسى، يخشى فرعون أن يُضِلَّ موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما
يقال في المثل: « صار فرعون مُذَكِّرًا »
يعني:واعظا، يشفق على الناس من موسى، عليه السلام.
وقرأ
الأكثرون: « أن يبدل دينكم وأن يُظهِر في الأرض الفساد » وقرأ
آخرون: ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ ) وقرأ
بعضهم: « يَظْهَر في الأرض الفسادُ » بالضم .
وقال
موسى: ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ
مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) أي:لما
بلغه قول فرعون: ( ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ) قال
موسى:استجرتُ بالله وعُذْتُ به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: (
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ) أيها
المخاطبون، ( مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ ) أي:عن
الحق، مجرم، ( لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) ؛
ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان إذا خاف قوما قال: « اللهم، إنا نعوذ بك من شرورهم،
وندرأ بك في نحورهم » .
وَقَالَ
رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا
أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ
الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) يَا
قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا
مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى
وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 29 )
المشهور
أن هذا الرجل المؤمن كان قبْطيًا من آل فرعون.
قال
السدي:كان ابن عم فرعون، ويقال:إنه الذي نجا مع موسى. واختاره ابن جرير ، وَرَدَّ
قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليًّا؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكف عن قتل
موسى، عليه السلام، ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم .
وقال ابن
جُرَيج عن ابن عباس:لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال:
يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [
القصص:20 ] رواه ابن أبي حاتم.
وقد كان
هذا الرجلُ يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون:
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ، فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل، و « أفضل
الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر » ، كما ثبت
بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: (
أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) [
أي:لأجل أن يقول ربي الله ] ، اللهم إلا ما رواه البخاري
في صحيحه حيث قال:
حدثنا
علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير،
حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال:قلت لعبد الله بن عمرو بن
العاص:أخبرني بأشد شيء مما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال:بينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عُقْبة بن أبي مُعَيط، فأخذ
بمَنْكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولَوَى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدا،
فأقبل أبو بكر، رضي الله عنه، فأخذ بمنكبة ودَفَع عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم
قال: ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ
جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) .
انفرد به
البخاري من حديث الأوزاعي قال:وتابعه محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه، به
.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عَبْدة عن هشام - يعني ابن عروة-
عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه سُئِل:ما أشد ما رأيت قريشًا بلغوا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم؟ قال:مر بهم ذات يوم فقالوا له:أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد
آباؤنا؟ فقال: « أنا ذاك » فقاموا
إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيتُ أبا بكر محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته،
وإن عينيه ليسيلان، وهو يقول:يا قوم، (
أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) حتى فرغ من الآية كلها.
وهكذا
رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص، رضي الله عنه .
وقوله: (
وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) أي:كيف
تقتلون رجلا لكونه يقول: « ربي الله » ، وقد
أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تَنـزل معهم في المخاطبة فقال:
( وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ
صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ )
يعني:إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه
ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذبا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا
والآخرة، وإن يك صادقا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن
خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فمن الجائز عندكم أن يكون صادقا، فينبغي على
هذا ألا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه.
وهكذا
أخبر الله [ تعالى ] عن موسى، عليه السلام، أنه
طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ
فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي
آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ
تَرْجُمُونِ * وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [
الدخان:17 - 21 ] وهكذا قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله [
تعالى ] عباد الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من
القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا
إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [
الشورى:23 ] أي:إلا ألا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني
وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية، وكان فتحًا مبينًا.
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) أي:لو
كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون، لكان أمره بينا، يظهر
لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره
سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما
ترون من انتظام أمره وفعله .
ثم قال
المؤمن محذرًا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم: ( يَا
قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ ) أي:قد
أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض،
فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، واحذروا نقمة الله
إن كذبتم رسوله، ( فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ
بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ) أي:لا تغني عنكم هذه الجنود
وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء.
( قَالَ
فِرْعَوْنُ ) لقومه، رادًّا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار
الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: ( مَا
أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى ) أي:ما أقول لكم وأشير عليكم
إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاء به من الرسالة
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
بَصَائِرَ [ الإسراء:102 ] ، وقال
الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا
[ النمل:14 ] .
فقوله: ( مَا
أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى ) كذب فيه وافترى، وخان الله
ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: ( وَمَا
أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) أي:وما
أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضا في ذلك، وإن كان قومه قد
أطاعوه واتبعوه، قال الله تعالى: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ
فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود:97 ] ، وقال
تعالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [
طه:79 ] ، وفي الحديث: « ما من إمام
يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يَرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة
خمسمائة عام » .
وَقَالَ
الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ( 30 ) مِثْلَ
دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ
يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ( 31 )
وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ( 32 )
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 33 )
هذا إخبار من الله، عز وجل، عن
هذا الرجل الصالح، مؤمن آل فرعون:أنه حذر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: ( يَا
قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ )
أي:الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر، كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من
الأمم المكذبة، كيف حل بهم بأس الله، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد.
( وَمَا
اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ )
أي:إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. فأنفذ فيهم قدره، ثم
قال: ( وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ
) يعني:يوم القيامة، وسمي بذلك قال بعضهم:لما جاء في حديث
الصور:إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى
ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا.
وقال آخرون منهم الضحاك:بل ذلك
إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هِرَابا ، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر،
وهو قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا [
الحاقة:17 ] ، وقوله يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ
اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا
لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ [
الرحمن:33 ] .
وقد روي عن ابن عباس، والحسن،
والضحاك:أنهم قرؤوا: « يوم التنادّ » بتشديد
الدال من ند البعير:إذا شرد وذهب.
وقيل:لأن الميزان عنده ملك،
وإذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته:ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى
بعدها أبدا. وإن خف عمله نادى:ألا قد شقي فلان بن فلان.
وقال قتادة:ينادي كل قوم
بأعمالهم:ينادي أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار.
وقيل:سمي بذلك لمناداة أهل
الجنة أهل النار: أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ
وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ [
الأعراف:44 ] . ومناداة أهل النار أهل الجنة: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا
مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا
عَلَى الْكَافِرِينَ [ الأعراف:50 ] ،
ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار، كما هو مذكور في سورة الأعراف.
واختار البغوي وغيره:أنه سمي
بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد، والله أعلم .
وقوله: (
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ) أي:ذاهبين هاربين، كَلا لا
وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [
القيامة:11، 12 ] ، ولهذا قال: ( مَا
لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) أي:ما
لكم مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، (
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) أي:من
أضله [ الله ] فلا هادي له غيره .
وَلَقَدْ
جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا
جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ
رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ( 34 )
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ
مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 )
وقوله: (
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ )
يعني:أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى، وهو يوسف، عليه السلام، كان
عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا
لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: ( فَمَا
زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ
يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا )
أي:يئستم فقلتم طامعين: ( لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ
بَعْدِهِ رَسُولا ) وذلك لكفرهم وتكذيبهم (
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ )
أي:كحالكم هذا.
ثم قال:
( الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ
سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) أي:الذين يدفعون الحق
بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد
المقت؛ ولهذا قال تعالى: ( كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ
اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي:والمؤمنون
أيضا يُبغضُون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا
يعرف بعد ذلك معروفًا، ولا ينكر منكرًا؛ ولهذا قال: (
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) أي:على
اتباع الحق ( جَبَّارٍ ) .
وروى ابن
أبي حاتم عن عكرمة - وحكي عن الشعبي- أنهما قالا:لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل
نفسين.
وقال أبو
عمران الجوني وقتادة:آية الجبابرة القتل بغير حق.
وَقَالَ
فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ( 36 )
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ
كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ( 37 )
يقول
تعالى مخبرا عن فرعون، وعتوه، وتمرده، وافترائه في تكذيبه موسى، عليه السلام، أنه
أمر وزيره هامان أن يبني له صرحا، وهو:القصر العالي المنيف الشاهق. وكان اتخاذه من
الآجرّ المضروب من الطين المشوي، كما قال: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى
الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا [
القصص:38 ] ، ولهذا قال إبراهيم النخعي:كانوا يكرهون البناء بالآجر،
وأن يجعلوه في قبورهم. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (
لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ) قال
سعيد بن جبير، وأبو صالح:أبواب السماوات. وقيل:طرق السماوات (
فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا ) ، وهذا
من كفره وتمرده، أنه كذب موسى في أن الله، عز وجل، أرسله إليه، قال الله تعالى: (
وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ )
أي:بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب
موسى، عليه السلام؛ ولهذا قال تعالى: ( وَمَا
كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ) قال
ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ،
ومجاهد:يعني إلا في خسار .
وَقَالَ
الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ( 38 ) يَا
قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ
الْقَرَارِ ( 39 ) مَنْ
عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 40 )
يقول المؤمن لقومه ممن تمرد
وطغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم: ( يَا
قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) لا كما
كذب فرعون في قوله: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ .
ثم زهدهم في الدنيا التي [ قد ] آثروها
على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى [ صلى
الله عليه وسلم ] ، فقال: ( يَا
قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ )
أي:قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب [
وتزول ] وتضمحل، ( وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ
دَارُ الْقَرَارِ ) أي:الدار التي لا زوال لها، ولا
انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم، ولهذا قال ( مَنْ
عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا )
أي:واحدة مثلها ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) أي:لا
يتقدر بجزاء بل يثيبه الله، ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد.
وَيَا
قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 )
تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا
جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا
فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ
أَصْحَابُ النَّارِ ( 43 )
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 44 )
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ ( 45 )
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( 46 )
يقول لهم
المؤمن:ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله
الذي بعثه ( وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ
بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) أي:جهل
بلا دليل ( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) أي:هو
في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، ( لا
جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ )
يقول:حقا.
قال
السدي وابن جرير:معنى قوله: ( لا جَرَمَ ) حقا.
وقال
الضحاك: ( لا جَرَمَ ) لا
كذب.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( لا جَرَمَ )
يقول:بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد (
لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ )
قال
مجاهد:الوثن ليس بشيء.
وقال
قتادة:يعني الوثن لا ينفع ولا يضر.
وقال
السدي:لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وهذا
كقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا
يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ *
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ
كَافِرِينَ [ الأحقاف:5، 6 ] ، إِنْ
تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [
فاطر:14 ] .
وقوله: (
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ) أي:في
الدار الآخرة، فيجازي كلا بعمله؛ ولهذا قال: (
وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ )
أي:خالدين فيها بإسرافهم، وهو شركهم بالله.
( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ
لَكُمْ ) أي:سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت
لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، (
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ )
أي:وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ( إِنَّ
اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) أي:هو بصير بهم، فيهدي من
يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر
النافذ.
وقوله [
تعالى ] : ( فَوَقَاهُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) أي:في الدنيا والآخرة، أما في
الدنيا فنجاه الله مع موسى، عليه السلام، وأما في الآخرة فبالجنة (
وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ )
وهو:الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا
ومساءً إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛
ولهذا قال: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ ) أي:أشده ألما وأعظمه نكالا .
وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: (
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) .
ولكن
هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في
البرزخ، وقد قال الإمام أحمد:
حدثنا
هاشم - هو ابن القاسم أبو النضر- حدثنا إسحاق بن سعيد - هو ابن عمرو بن سعيد بن
العاص- حدثنا سعيد - يعني أباه- عن عائشة؛ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة
إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية:وقاك الله عذاب القبر. قالت:فدخل
رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ فقلت:يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم
القيامة؟ قال: « لا وعم ذلك؟ »
قالت:هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت:وقاك الله عذاب القبر.
قال: « كذبت يهود . وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة » . ثم
مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه، محمرة
عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: « القبر كقطع الليل المظلم أيها
الناس، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا. أيها الناس، استعيذوا بالله
من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق » .
وهذا
إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.
وروى أحمد:حدثنا
يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال:سألتها امرأة يهودية
فأعطتها، فقالت لها:أعاذك الله من عذاب القبر. فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت رسول
الله صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال: « لا » . قالت
عائشة:ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: « وإنه
أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم » .
وهذا
أيضا على شرطهما .
فيقال:فما
الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب:أن
الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، وليس فيها دلالة على
اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح، فأما حصول ذلك
للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها.
وقد يقال
إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن
في قبره بذنب، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد:
حدثنا
عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول:أشعرت أنكم
تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « إنما
يفتن يهود » قالت عائشة:فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ » وقالت
عائشة:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يستعيذ من عذاب القبر.
وهكذا
رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي،
عن الزهري، به .
وقد
يقال:إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل
بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيّته استعاذ منه، والله، سبحانه
وتعالى، أعلم.
وقد روى
البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ، رضي
الله عنها، أن يهودية دخلت عليها فقالت:أعاذك الله من عذاب القبر . فسألت عائشة
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: « نعم
عذاب القبر حق » . قالت عائشة:فما رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعدُ صلى صلاة إلا تعوّذ من عذاب القبر .
فهذا يدل
على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار
المتقدمة:أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب
القبر كثيرة جدا.
وقال
قتادة في قوله: ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) صباحا
ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم:يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصَغَارا
لهم.
وقال ابن
زيد:هم فيها اليوم يُغدَى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن
هذيل، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه، قال:إن أرواح الشهداء في أجواف طير
خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح
في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف
طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها.
وقد رواه
الثوري عن أبي قيس عن الهُزَيل ابن شرحبيل، من كلامه في أرواح آل فرعون. وكذلك قال
السدي .
وفي حديث
الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: « ثم
انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجالٌ كلُّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم،
مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا. (
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) وآل
فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخْرَم، حدثنا عامر بن مُدْرِك
الحارثي، حدثنا عتبة - يعني ابن يقظان- عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن شهاب، عن ابن
مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما
أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله » .
قال:قلنا:يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ فقال: « إن كان
قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه
ذلك » . قلنا:فما إثابته في الآخرة؟ قال: « عذابا
دون العذاب » وقرأ: ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ ) ورواه البزار في مسنده، عن
زيد بن أخْرَم، ثم قال:لا نعلم له إسنادًا غير هذا .
وقال ابن
جرير:حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال:سمعت
الأوزاعي وسأله رجل فقال:رحمك الله. رأينا طيورًا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب
بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، عز وجل، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا.
قال:وفطنتم إلى ذلك؟ قال:نعم. قال:إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تعرض
على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت ريَاشُها وصارت سودا، فينبت
عليها من الليل ريش أبيض، ويتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع
إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: (
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )
قال:وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن أحدكم إذا مات عرض عليه
مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار
فمن أهل النار. فيقال:هذا مقعدك حتى يبعثك الله، عز وجل، إلى يوم القيامة » .
أخرجاه
في الصحيحين من حديث مالك، به .
وَإِذْ
يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ
النَّارِ ( 47 )
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ
الْعِبَادِ ( 48 )
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ
عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( 49 )
يخبر تعالى عن تحاج أهل النار
في النار، وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم (
فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ ) وهم:الأتباع (
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) وهم:القادة والسادة والكبراء:
( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا )
أي:أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، (
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ )
أي:قسطا تتحملونه عنا.
( قَالَ
الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا ) أي:لا
نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. ( إِنَّ
اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ )
أي:يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ
وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف:38 ] .
(
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ
عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ) لما علموا أن الله، سبحانه،
لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون:108 ] سألوا
الخزنة - وهم كالبوابين لأهل النار- أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو
يوما واحدا من العذاب.
قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ
إِلا فِي ضَلالٍ ( 50 )
فقالت لهم الخزنة رادين عليهم: ( أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ
رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ )
أي:أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ ( قَالُوا بَلَى قَالُوا
فَادْعُوا )
أي:أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء،
ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا :
( وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) أي:إلا من ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ( 53 ) هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي
الأَلْبَابِ ( 54 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ
وَالإِبْكَارِ ( 55 ) إِنَّ الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي
صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 )
قد أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى:
(
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) سؤالا فقال:قد عُلِم أن بعض الأنبياء،
عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من
بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم ، وإما إلى السماء كعيسى ، فأين النصرة في الدنيا؟
ثم أجاب عن ذلك بجوابين .
أحدهما:أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال:وهذا
سائغ في اللغة.
الثاني:أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء
كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فُعِلَ بقتلة يحيى وزكريا وشعياء،
سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ
عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح، عليه السلام، من اليهود، فسلط الله
عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم. ثم قبل يوم القيامة سينـزل
عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود،
ويقتل الخنـزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام. وهذه نصرة
عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه:أنه ينصر عباده المؤمنين في
الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « يقول الله تعالى:من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب » وفي الحديث الآخر: « إني لأثأر لأوليائي كما يثأر
الليث الحرب » ؛ ولهذا
أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم
وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم
أحدًا وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدا .
قال السدي:لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوما
من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من
ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا. قال:فكانت الأنبياء والمؤمنون
يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها.
وهكذا نصر الله [ سبحانه ] نبيه
محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته
هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان. وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه
إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم
بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في
الأصفاد، ثم من عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح [ عليه ] مكة، فقرت عينه ببلده، وهو
البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر،
وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا. ثم
قبضه الله، تعالى، إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء
بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرّساتيق
والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض
ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال
تعالى: (
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) أي:يوم
القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل.
قال مجاهد:الأشهاد:الملائكة .
وقوله: (
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) بدل من قوله: ( وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) .
وقرأ آخرون: « يَوْمُ
» بالرفع،
كأنه فسره به ( وَيَوْمَ
يَقُومُ الأشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِين ) ، وهم المشركون ( مَعْذِرَتُهُم ) أي:لا يقبل منهم عذر ولا
فدية، (
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ )
أي:الإبعاد والطرد من الرحمة، (
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) وهي
النار. قاله السدي، بئس المنـزل والمقيل.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) أي:سوء العاقبة.
وقوله: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى ) وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، ( وَأَوْرَثْنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ )
أي:جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه، بما صبروا على
طاعة الله واتباع رسوله موسى، عليه السلام، وفي الكتاب الذي أورثوه - وهو التوراة-
( هُدًى
وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ )
وهي:العقول الصحيحة السليمة .
وقوله: (
فَاصْبِرْ ) أي:يا
محمد، ( إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ )
أي:وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد.
وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك.
وقوله: (
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) هذا
تهييج للأمة على الاستغفار، (
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ ) أي:في أواخر النهار وأوائل الليل، ( وَالإبْكَارِ ) وهي أوائل النهار وأواخر
الليل .
وقوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ) أي:يدفعون الحق بالباطل،
ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، ( إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا
كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ) أي:ما
في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه من
إخمال الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو
الموضوع، (
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) أي:من
حال مثل هؤلاء، (
إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا
تفسير ابن جرير.
وقال كعب وأبو العالية:نـزلت هذه الآية في اليهود: ( إِنَّ الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي
صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ) قال أبو العالية:وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم
يملكون به الأرض. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم آمرا له أن يستعيذ من فتنة
الدجال، ولهذا قال: (
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم
في كتابه، والله أعلم .
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى
وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ
قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ( 58 )
يقول
تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه -
بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على
ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ
بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [
الأحقاف:33 ] . وقال
هاهنا: (
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ؛ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير
من العرب يعترفون بأن الله خلق السماوات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادا وكفرا
وعنادا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا .
ثم قال:
( وَمَا
يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَلا الْمُسِيءُ ) أي كما
لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل
بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار، ( قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) أي:ما أقل ما يتذكر كثير من
الناس.
إِنَّ
السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
( 59 )
ثم قال:
( إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ ) أي
لكائنة وواقعة ( لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) أي:لا يصدقون بها، بل يكذبون
بوجودها.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ
قديم من أهل اليمن - قدم من ثم- قال:سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على
الناس، واشتد حر الشمس.
وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( 60 )
هذا من
فضله، تبارك وتعالى، وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان
سفيان الثوري يقول:يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض
عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب.
رواه ابن
أبي حاتم.
وفي هذا
المعنى يقول الشاعر:
اللــهُ يَغْضــبُ إن تـركْتَ سُـؤَالهُ وَبُنــيُّ آدمَ
حــين يُسـألُ يَغْضَـبُ
وقال قتادة::قال
كعب الأحبار:أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تُعطهُن أمة قبلهم إلا نبي:كان إذا أرسل
الله نبيا قيل له: « أنت شاهد على أمتك » ،
وجَعلتُكم شهداء على الناس. وكان يقال له: « ليس
عليك في الدين من حرج » . وقال لهذه الأمة: وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [
الحج:78 ] . وكان يقال له: « ادعني
أستجب لك » وقال لهذه الأمة: (
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) رواه ابن أبي حاتم.
وقال
الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده:حدثنا أبو إبراهيم
الترجماني، حدثنا صالح المري قال:سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه عز وجل- قال: « أربع
خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين
عبادي :فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك عليَّ فما عملت من خير
جزيتك به، وأما التي بيني وبينك:فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين
عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذر، عن يُسيع الكندي، عن النعمان
بن بشير، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الدعاء هو العبادة » ثم قرأ: (
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) .
وهكذا
رواه أصحاب السنن:الترمذي، والنسائي ،وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم
من حديث الأعمش، به . وقال الترمذي:حسن صحيح.
ورواه
أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير أيضا، من حديث شعبة، عن منصور، عن ذر، به
. وأخرجه الترمذي أيضا من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، كلاهما عن ذر، به .
ورواه
ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم:صحيح الإسناد .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا وكيع، حدثني أبو مليح المدني - شيخ من أهل المدينة- سمعه عن أبي
صالح، وقال مرة:سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لم
يدع الله، عز وجل، غضب عليه » .
تفرد به
أحمد ، وهذا إسناد لا بأس به.
وقال
الإمام أحمد أيضا:حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صُبيح أبو المليح:سمعت أبا صالح يحدث
عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لا
يسأله يغضب عليه » .
قال ابن
معين:أبو المليح هذا اسمه:صُبَيْح. كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد. وأما أبو
صالح هذا فهو الخُوزي ، سكن شِعَب الخوز . قاله البزار في مسنده. وكذا وقع في
روايته أبو المليح الفارسي، عن أبي صالح الخُوزي، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « من لا يسأل الله يغضب عليه » .
وقال الحافظ
أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهُرْمزي:حدثنا همام، حدثنا إبراهيم بن الحسن،
حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد قال:لما مات محمد بن
مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا:بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن لربكم في بقية دهركم نفحات
، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا
» .
وقوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) أي:عن
دعائي وتوحيدي، ( سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ ) أي:صاغرين حقيرين، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا
يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: « يُحْشَر المتكبرون يوم
القيامة أمثال الذّرّ، في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في
جهنم - يقال له:بولس- تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال:عصارة أهل النار » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خُنَيْس:سمعت أبي
يحدث عن وُهَيب بن الورد:حدثني رجل قال:كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت
هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول:يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك! يا رب،
عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك - قال:ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى
- قال:ثم عاد الثانية فقال:يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يُرضي
غيرك. قال وهيب:وهذه الطامة الكبرى. قال:فناديته:أجني أنت أم إنسي؟ قال:بل إنسي،
أشغل نفسك بما يَعْنيك عما لا يعنيك .
اللَّهُ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
( 61 )
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ ( 62 )
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 )
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 64 ) هُوَ
الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 65 )
يقول
تعالى ممتنا على خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات
ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرا، أي:مضيئا، ليتصرفوا فيه بالأسفار،
وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات، ( إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) أي:لا
يقومون بشكر نعم الله عليهم.
ثم قال:
( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:الذي فعل هذه الأشياء هو
الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، (
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) أي:فكيف تعبدون غيره من الأصنام،
التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة منحوتة .
وقوله: (
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) أي:كما
ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا
برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته .
وقوله: (
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا )
أي:جعلها مستقرا لكم، بساطا مهادا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في
مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، (
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) أي:سقفا للعالم محفوظا، (
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ )
أي:فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، (
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) أي:من
المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق - فهو الخالق
الرازق، كما قال في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي
جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ
مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [
البقرة:21، 22 ] وقال هاهنا بعد خلق هذه
الأشياء: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ
الْعَالَمِينَ ) أي:فتعالى وتقدس وتنـزه رب
العالمين كلهم .
ثم قال:
( هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:هو
الحي أزلا وأبدًا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:لا نظير له ولا عديل له، (
فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
أي:موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو (
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
قال ابن
جرير:كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: « لا إله
إلا الله » أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية.
ثم روى
عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن
مجاهد، عن ابن عباس قال:من قال: « لا إله إلا الله » فليقل
على أثرها: « الحمد لله رب العالمين » فذلك
قوله تعالى: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
وقال أبو
أسامة وغيره، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير قال:إذا قرأت: فَادْعُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [
غافر:14 ] ، فقل: « لا إله إلا الله » وقل على
أثرها: « الحمد لله رب العالمين » ثم قرأ
هذه الآية: ( فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
قُلْ
إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا
جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ( 66 )
يقول تعالى:قل يا محمد لهؤلاء
المشركين:إن الله ينهى أن يُعْبَد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان.
هُوَ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ
يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ( 68 )
وقد بين
تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، في قوله: ( هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ
طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ) أي:هو
الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها، وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون
ذلك كله، ( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ) أي:من
قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم، بل تسقطه أمه سقطا، ومنهم من يتوفى صغيرا،
وشابا، وكهلا قبل الشيخوخة، كقوله: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ
مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [
الحج:5 ] وقال هاهنا: (
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) قال ابن جريج، تتذكرون البعث.
ثم قال:
( هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أي:هو
المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، (
فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي:لا
يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان [ لا
محالة ] .
أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 )
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ
الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي
الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 )
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 ) مِنْ
دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ
شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ( 74 )
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا
كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 )
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 )
يقول
تعالى:ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق والباطل،
كيف تُصرّف عقولهم عن الهدى إلى الضلال، (
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ) أي:من
الهدى والبيان، ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) هذا
تهديد شديد، ووعيد أكيد، من الرب، جل جلاله، لهؤلاء، كما قال تعالى: وَيْلٌ
يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المرسلات:15 ] .
وقوله: ( إِذِ
الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ )
أي:متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة
إلى الجحيم؛ ولهذا قال: ( يُسْحَبُونَ * فِي
الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) ، كما قال:
هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن:43، 44 ] . وقال
بعد ذكْره أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى
الْجَحِيمِ [ الصافات:68 ] وقال:
وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ *
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إلى أن قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ
أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ *
فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ *
فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [
الواقعة:41 - 56 ] . وقال: إِنَّ شَجَرَةَ
الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ
الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا
فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [
الدخان:43 - 50 ] ، أي:يقال لهم ذلك على وجه
التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا
بشير بن طلحة الخزامي، عن خالد بن دُرَيْك، عن يعلى بن مُنْيَه - رفع الحديث إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: « ينشئ
الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال:يا أهل النار، أي شيء تطلبون؟ فيذكرون
بها سحاب الدنيا فيقولون:نسأل بَرْد الشراب، فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم،
وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرا يُلْهِبُ النار عليهم » . هذا
حديث غريب .
وقوله: ( ثُمَّ
قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي:قيل
لهم:أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل ينصرونكم اليوم؟ (
قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) أي:ذهبوا فلم ينفعونا، ( بَلْ
لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا )
أي:جحدوا عبادتهم، كقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا
وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [
الأنعام:23 ] ؛ ولهذا قال: (
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ) .
وقوله: (
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا
كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ) أي:تقول لهم الملائكة:هذا
الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق، ومرحكم وأشركم وبطركم، (
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ) أي:فبئس المْنـزلُ والمَقِيلُ
الذي فيه الهوان والعذاب الشديد، لمن استكبر عن آيات الله، واتباع دلائله وحُججه.
فَاصْبِرْ
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ
نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( 77 )
يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات
الله وسلامه عليه، بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه؛ فإن الله سينجز لك ما وعدك
من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، (
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ) أي:في
الدنيا. وكذلك وقع، فإن الله أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم، أبيدوا في يوم بدر.
ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في أيام حياته صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ( أَوْ
نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )
أي:فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة.
وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ
مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا
بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ
هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ( 78 )
ثم قال
مسليا له: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ
قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) كما
قال في « سورة النساء » سواء،
أي:منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة
والنصرة، ( وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) وهم
أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء ، ولله الحمد
والمنة.
وقوله: ( وَمَا
كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي:ولم
يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات، إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدل
ذلك على صدقه فيما جاءهم به، ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ
اللَّهِ ) وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين (
قُضِيَ بِالْحَقِّ ) فينجو المؤمنون، ويهلك
الكافرون؛ ولهذا قال: ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْمُبْطِلُونَ )
اللَّهُ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 79 )
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 )
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 )
يقول
تعالى ممتنا على عباده، بما خلق لهم من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم
فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [
يس:72 ] ، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في الأسفار
والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة. والبقر تؤكل، ويشرب لبنها، وتحرث
عليها الأرض. والغنم تؤكل، ويشرب لبنها، والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها،
فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فَصَّل وبَيَّنَ في أماكن تقدم ذكرها في « سورة
الأنعام » ، و « سورة النحل » ، وغير
ذلك؛ ولهذا قال هاهنا: ( لِتَرْكَبُوا مِنْهَا
وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا
حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) .
وقوله: (
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) أي:حججه وبراهينه في الآفاق
وفي أنفسكم، ( فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ) أي:لا
تقدرون على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا .
أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 )
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ
الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 )
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 )
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي
قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 )
يخبر تعالى عن الأمم المكذبة
بالرسل في قديم الدهر، وماذا حل بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما أَثّروه
في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئا، ولا رد عنهم ذرة من بأس
الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين
الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في
زعمهم عما جاءتهم به الرسل.
قال مجاهد:قالوا:نحن أعلم منهم
لن نبعث ولن نعذب.
وقال السدي:فرحوا بما عندهم من
العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قِبَل لهم به.
( وَحَاقَ بِهِمْ )
أي:أحاط بهم ( مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ )
أي:يكذبون ويستبعدون وقوعه.
(
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) أي:عاينوا وقوع العذاب بهم، (
قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ )
أي:وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تُقَال العثرات، ولا تنفع المعذرة.
وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي
آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [
يونس:90 ] ، قال الله [
تبارك و ] تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ [ يونس:91 ] أي:فلم
يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال: وَاشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [
يونس:88 ] . و [ هكذا ] هاهنا
قال: ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا
بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) أي:هذا
حكم الله في جميع مَنْ تاب عند معاينة العذاب:أنه لا يقبل؛ ولهذا جاء في الحديث: « إن
الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » أي:فإذا
غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك، فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال: (
وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ )
آخر تفسير « سورة
غافر ، ولله الحمد والمنة.»
تفسير سورة فصلت
وهي
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ
مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 )
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 )
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 )
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا
وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 )
يقول
تعالى: ( حم * تَنـزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
يعني:القرآن منـزل من الرحمن الرحيم، كقوله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل:102 ] ،
وقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [
الشعراء:192 - 194 ] .
وقوله: (
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) أي:بُينت معانيه وأحكمت
أحكامه ، ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) أي:في
حال كونه لفظا عربيا، بينا واضحا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، كقوله:
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [
هود:1 ] أي:هو معجز من حيث لفظه ومعناه، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [
فصلت:42 ] .
وقوله: (
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أي:إنما يعرف هذا البيان
والوضوح العلماءُ الراسخون، ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا )
أي:تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، (
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ )
أي:أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئا مع بيانه ووضوحه.
( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي
أَكِنَّةٍ ) أي:في غلف مغطاة (
مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ) أي:صمم
عما جئتنا به، ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ ) فلا يصل إلينا شيء مما تقول، (
فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) أي:اعمل أنت على طريقتك، ونحن
على طريقتنا لا نتابعك.
قال
الإمام العَلَم عبد بن حُمَيد في مسنده:حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مُسْهِر
عن الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرْمَلة الأسدي عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه،
قال:اجتمعت قريش يوما فقالوا:انظروا أعْلَمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا
الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد
عليه؟ فقالوا:ما نعلم أحدا غير عتبة ابن ربيعة. فقالوا:أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة
فقال:يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:أنت
خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:فإن كنت تزعم أن هؤلاء
خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع
قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلةً قط أشأم على قومك منك؛ فرقت جماعتنا، وشتت
أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في
قريش كاهنا! والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحُبْلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف،
حتى نتفانى! أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا
وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش [ شئت
] فلنـزوجك عشرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
فَرَغْتَ؟ » قال:نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بسم
الله الرحمن الرحيم * حم * تَنـزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) حتى
بلغ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ فقال عتبة:حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: « لا » فرجع
إلى قريش فقالوا:ما وراءك؟ قال:ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته.
قالوا:فهل أجابك؟ [ قال:نعم، قالوا:فما قال؟ ] قال:لا
والذي نصبها بَنيَّةً ما فَهِمْتُ شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة
عاد وثمود. قالوا:ويلك! يكلمك الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟! قال:لا والله ما
فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة.
وهكذا
رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده، مثله سواء
.
وقد ساقه
البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فُضَيل، عن الأجلح - وهو ابن عبد الله الكندي [
الكوفي ] - وقد ضُعِّفَ بعض الشيء عن الذّيَّال بن حرملة، عن جابر،
فذكر الحديث إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ
صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم
يخرج إلى قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل:يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد
صَبَا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة [ قد ]
أصابته، فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل:يا عتبة، ما حبسك عنا إلا
أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك
عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، وقال:والله، لقد علمتم أني
من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه [
القصة ] فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ
السورة إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ
صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن
محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخشيت أن ينـزل بكم العذاب .
وهذا
السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله أعلم.
وقد أورد
هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط، فقال:
حدثني
يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي قال:حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة - وكان
سيدا- قال يوما وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في
المسجد وحده:يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل
بعضها، فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا:بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه
.فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا ابن أخي، إنك
منا حيث قد علمت من السِّطَة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك
بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به
من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.
قال:فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قل يا
أبا الوليد، أسمع » . قال:يا ابن أخي، إن كنت إنما
تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا
أموالا . وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت
تريد به ملكا ملكناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّا تراه لا تستطيع رده عن
نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على
الرجل حتى يُدَاوَى منه - أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يستمع منه قال: « أفرغت يا أبا الوليد؟ » قال:نعم
. قال: « فاستمع مني »
قال:أفعل. قال: ( بسم الله الرحمن الرحيم * حم
* تَنـزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ
فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) ثم مضى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا
عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم
قال: « قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك فقام عتبة إلى
أصحابه، فقال بعضهم لبعض:أقسم - يحلف بالله- لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي
ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا:ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال:ورائي أني قد سمعت قولا
والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة. يا معشر
قريش، أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله
ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على
العرب فمُلْكُهُ ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا:سحرك والله يا أبا
الوليد بلسانه! قال:هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم .»
وهذا
السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم.
قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 )
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 7 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 8 )
يقول
تعالى: ( قُلْ ) يا محمد لهؤلاء المكذبين
المشركين: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) لا كما تعبدونه من الأصنام
والأنداد والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، (
فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) أي:أخلصوا له العبادة على منوال
ما أمركم به على ألسنة الرسل، ( وَاسْتَغْفِرُوهُ )
أي:لسالف الذنوب، ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ )
أي:دمار لهم وهلاك عليهم،
(
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني:الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وكذا قال
عكرمة.
وهذا
كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [
الشمس:9، 10 ] ، وكقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ
رَبِّهِ فَصَلَّى [ الأعلى:14، 15 ] ،
وقوله: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى [
النازعات:18 ] والمراد بالزكاة هاهنا:طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن
أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام،
وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات.
وقال
السدي: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ ) أي:لا يَدِينون بالزكاة.
وقال
معاوية بن قرة:ليس هم من أهل الزكاة.
وقال
قتادة:يمنعون زكاة أموالهم.
وهذا هو
الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان
في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة، على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية،
اللهم إلا أن يقال:لا يبعد أن يكون أصل الزكاة الصدقة كان مأمورا به في ابتداء
البعثة، كقوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [
الأنعام:141 ] ، فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بَيَّن أمرها
بالمدينة، ويكون هذا جمعا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع
الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف،
فرض الله على رسوله [ صلى الله عليه وسلم ]
الصلوات الخمس، وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئا فشيئا، والله
أعلم.
ثم قال
بعد ذلك: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) قال مجاهد وغيره:لا مقطوع ولا
مجبوب ، كقوله: مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا [
الكهف:3 ] ، وكقوله تعالى: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [
هود:108 ] .
وقال
السدي:غير ممنون عليهم. وقد رد عليه بعض الأئمة هذا التفسير، فإن المنة لله على
أهل الجنة؛ قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ
لِلإِيمَانِ [ الحجرات:17 ] ، وقال
أهل الجنة: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [
الطور:27 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إلا أن
يتغمدني الله برحمة منه وفضل » .
قُلْ
أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9 )
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 )
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 11 )
هذا إنكار من الله على المشركين
الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقدر لكل شيء، فقال:
( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ
فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا )
أي:نظراء وأمثالا تعبدونها معه ( ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ )
أي:الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم.
وهذا المكان فيه تفصيل لقوله
تعالى: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [
الأعراف:54 ] ، ففصل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه
خلق الأرض أولا لأنها كالأساس، والأصل أن يُبْدَأَ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما
قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ سَمَاوَاتٍ الآية [
البقرة:29 ] ، .
فأما قوله: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا
أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا
وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا
مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ
وَلأنْعَامِكُمْ [ النازعات:27- 33 ] ففي
هذه الآية أن دَحْى الأرض كان بعد خلق السماء ، فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله:
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق
الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه
الآية من صحيحه، فإنه قال:
وقال المنهال، عن سعيد بن جبير
قال:قال رجل لابن عباس:إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: فَلا أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [
المؤمنون:101 ] ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [
الصافات:27 ] ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [
النساء:42 ] ، وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [
الأنعام:23 ] ، فقد كتموا في هذه الآية؟ وقال: أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
إلى قوله: دَحَاهَا [ النازعات:27 - 30 ] ، فذكر
خلق السماء قبل [ خلق ] الأرض
ثم قال: ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ
فِي يَوْمَيْنِ ) إلى قوله: (
طَائِعِينَ ) فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ وقال: وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [ النساء:96 ] ،
عَزِيزًا حَكِيمًا [ النساء:56 ] ،
سَمِيعًا بَصِيرًا [ النساء:58 ] ،
فكأنه كان ثم مضى.
قال - يعني ابن عباس- : فَلا
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ في النفخة الأولى، ثم ينفخ
في الصور، فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ
اللَّهُ [ الزمر:68 ] ، فلا
أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ثم في النفخة الأخرى وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ
وأما قوله: مَا كُنَّا
مُشْرِكِينَ ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص
ذنوبهم فقال المشركون:تعالوا نقول: « لم نكن
مشركين » ، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف أن الله
لا يكتم حديثا، وعنده يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية [
الحجر:2 ] .
وخلق الأرض في يومين، ثم خلق
السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض،
ودَحْيُها:أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجماد والآكام وما بينهما في
يومين آخرين، فذلك قوله: دَحَاهَا وقوله (
خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) فَخُلِقت الأرض وما فيها من
شيء في أربعة أيام، وخلقت السماوات في يومين.
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا [ النساء:96 ] ، سمى
نفسه بذلك، وذلك قوله، أي:لم يزل كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي
أراد، فلا يختلفن عليك القرآن، فإن كلا من عند الله عز وجل.
قال البخاري:حدثنيه يوسف بن
عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة ، عن المنهال - هو ابن
عمرو- بالحديث .
فقوله: (
خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) يعني:يوم الأحد ويوم الاثنين.
(
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا )
أي:جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، (
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) ، وهو:ما يحتاج أهلها إليه من
الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس، يعني:يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين
السابقين أربعة؛ ولهذا قال تعالى: ( فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) أي:لمن
أراد السؤال عن ذلك ليعلمه.
وقال مجاهد وعكرمة في قوله: (
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ) جعل في كل أرض ما لا يصلح في
غيرها، ومنه:العصب باليمن، والسابري بسابور والطيالسة بالرّي.
وقال ابن عباس، وقتادة، والسدي
في قوله تعالى: ( سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) أي:لمن
أراد السؤال عن ذلك.
وقال ابن زيد:معناه (
وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) أي:على
وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله قدر له ما هو محتاج إليه.
وهذا القول يشبه ما ذكروه في
قوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [
إبراهيم:34 ] ، والله أعلم.
وقوله: ( ثُمَّ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ) ،
وهو:بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض، (
فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا )
أي:استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين.
قال الثوري، عن ابن جريج، عن
سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله [
تعالى ] ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ
اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) قال:قال الله تعالى
للسماوات:أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض:شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فقالتا:
( أَتَيْنَا طَائِعِينَ )
واختاره ابن جرير - رحمه الله.
(
قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) أي:بل نستجيب لك مطيعين بما
فينا، مما تريد خلقه من الملائكة والإنس والجن جميعا مطيعين لك. حكاه ابن جرير عن
بعض أهل العربية قال:وقيل:تنـزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما.
وقيل إن المتكلم من الأرض بذلك
هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم.
وقال الحسن البصري:لو أبيا عليه
أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه. رواه ابن أبي حاتم.
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى
فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ
وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 )
( فَقَضَاهُنَّ
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) أي:ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين، أي:آخرين، وهما
يوم الخميس ويوم الجمعة.
(
وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) أي:ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما
فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، ( وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) وهن الكواكب المنيرة المشرقة
على أهل الأرض، (
وَحِفْظًا )
أي:حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى.
(
ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) أي:العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره، العليم بجميع
حركات المخلوقات وسكناتهم.
قال ابن جرير:حدثنا هَنَّاد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش،
عن أبي سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال هناد:قرأت سائر الحديث- أن
اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: « خلق الله الأرض يوم الأحد
ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء
الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة: قُلْ أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ
فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ
أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ لمن سأل، قال: » وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس
والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة
الآجال، حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس،
وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة « . ثم قالت اليهود:ثم ماذا يا
محمد؟ قال: » ثم
استوى على العرش « .
قالوا:قد أصبت لو أتممت! قالوا: ثم استراح. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا
شديدا، فنـزل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ ق:38- 39 ] . »
هذا الحديث فيه غرابة. فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن
أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال:أخذ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بيدي فقال: « خلق
الله التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين،
وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس،
وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين
العصر إلى الليل » فقد
رواه مسلم، والنسائي في كتابيهما، عن حديث ابن جريج، به . وهو من غرائب الصحيح،
وقد عَلَّله البخاري في التاريخ فقال:رواه بعضهم عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] عن كعب الأحبار، وهو الأصح.
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ
صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا
لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
كَافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 15 )
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى
وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ
الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 )
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )
يقول تعالى:قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به
من الحق:إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم، كما
حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين ( صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) أي:ومن شاكلهما ممن فعل
كفعلهما. ( إِذْ
جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) كقوله تعالى: وَاذْكُرْ أَخَا
عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ
يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [
الأحقاف:21 ] أي:في القرى
المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له،
ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم،
ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجحدوا، وقالوا: ( لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنـزلَ
مَلائِكَةً ) أي:لو
أرسل الله رسلا لكانوا ملائكة من عنده، ( فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أي:أيها البشر ( كَافِرُونَ ) أي:لا نتبعكم وأنتم بشر
مثلنا.
قال الله تعالى: ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ [ بِغَيْرِ الحَقٍّ ] ) أي:بغوا وعتوا وعصوا، ( وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةً )
أي:منوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون به من بأس الله! ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ
اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) أي:أفما يتفكرون فيمن يبارزون
بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه
شديد، كما قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [ الذاريات:47 ] ، فبارزوا الجبار بالعداوة،
وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) قال بعضهم:وهي الشديدة
الهبوب. وقيل:الباردة. وقيل:هي التي لها صوت.
والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛
لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، كقوله
تعالى: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [ الحاقة:6 ] ، أي:باردة شديدة، وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمي النهر
المشهور ببلاد المشرق « صرصرا
لقوة صوت جريه. »
وقوله: ( فِي
أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ )
أي:متتابعات، سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [ الحاقة:7 ] ، كقوله فِي يَوْمِ نَحْسٍ
مُسْتَمِرٍّ [
القمر:19 ] ،
أي:ابتدئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية
أيام حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة؛ ولهذا قال تعالى: ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى ) [ أي ] أشد خزيا لهم، ( وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) أي:في الأخرى ، كما لم ينصروا
في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ عنهم النكال.
وقوله: (
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة،
والسدي، وابن زيد:بينا لهم .
وقال الثوري:دعوناهم.
( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى
عَلَى الْهُدَى )
أي:بصرناهم، وبينا لهم، ووضحنا لهم الحق على لسان نبيهم صالح صلى الله عليه وسلم ،
فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، ( فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ
الْعَذَابِ الْهُونِ ) أي:بعث
الله عليهم صيحة ورجفة وذلا وهوانا وعذابا ونكالا ( بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي:من التكذيب والجحود.
(
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا [
وَكَانُوا يَتَّقُونَ ] ) أي:من بين أظهرهم، لم يمسهم
سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح [ عليه السلام ] بإيمانهم، وتقواهم لله، عز
وجل.
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ
يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 20 )
يقول
تعالى: (
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أي:اذكر لهؤلاء المشركين يوم
يحشرون إلى النار (
يُوزَعُونَ ) ،
أي:تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى
جَهَنَّمَ وِرْدًا [
مريم:86 ] ،
أي:عطاشا.
وقوله: ( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ) أي:وقفوا عليها، ( شَهِدَ عَلَيْهِمْ
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي:بأعمالهم مما قدموه
وأخروه، لا يُكْتَم منه حرف.
وَقَالُوا
لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي
أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 21 )
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا
أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ
كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 )
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ
مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 )
(
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا )
أي:لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: (
قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ
أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي:فهو لا يخالف ولا يمانع،
وإليه ترجعون.
قال
الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك،
عن عبيد المُكْتَب، عن الشعبي ، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال:ضحك رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم ، فقال: « ألا
تسألوني عن أي شيء ضحكت؟ » قالوا:يا رسول الله من أي شيء
ضحكت؟ قال: « عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول:أي ربي، أليس
وعدتني ألا تظلمني؟ قال:بلى فيقول:فإني لا أقبل عليّ شاهدا إلا من نفسي. فيقول
الله تبارك وتعالى:أوليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟! قال:فيردد
هذا الكلام مرارا » . قال: « فيختم
على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول:بُعْدًا لكُنَّ وسُحقا، عنكن كنت
أجادل » .
ثم رواه
هو وابن أبي حاتم، من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبيد المُكْتَب، عن
فُضيل بن عمرو، عن الشعبي ثم قال: « لا
نعلم رواه عن أنس غير الشعبي » . وقد أخرجه مسلم والنسائي
جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عُبَيد الله بن عبد الرحمن
الأشجعي ، عن الثوري به . ثم قال النسائي: « لا
أعلم أحدا رواه عن الثوري غير الأشجعي » . وليس
كما قال كما رأيت، والله أعلم.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلَّية، عن يونس بن
عُبَيْد، عن حُميد بن هلال قال:قال أبو بُرْدَة:قال أبو موسى:ويدعى الكافر
والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه - عز وجل- عمله، فيجحد ويقول:أي رب ، وعزتك لقد
كتب علي هذا الملك ما لم أعمل! فيقول له الملك:أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان
كذا؟ فيقول:لا وعزتك، أي رب ما عملته. [ قال
] فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه - قال الأشعري:فإني لأحسب أول
ما ينطق منه فخذه اليمنى.
وقال
الحافظ أبو يعلى:حدثنا زُهَيْر حدثنا حسن، عن ابن لَهِيعة:قال دَرّاج عن أبي
الهيثم عن أبى سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
كان يوم القيامة عُرّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال:هؤلاء جيرانك، يشهدون
عليك؟ فيقول:كذبوا. فيقول:أهلك [ و ]
عشيرتك؟ فيقول:كذبوا. فيقول:احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم،
ويدخلهم النار » .
وقال ابن
أبي حاتم:وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث:سمعت
أبي:حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صُبيْح أبي الضُّحى، عن ابن عباس:أنه قال لابن
الأزرق:إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون
حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله، فيحلفون له كما
يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم
وأيديهم وأرجلهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارح، فتقول:
( أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ
خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) فتقر
الألسنة بعد الجحود.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبد
الرحمن بن جبير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن - وصف رجلا جحد- قال:فيشير الله إلى لسانه،
فيربو في فمه حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه كلها:تكلمي
واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده، وفرجه ويداه ورجلاه:صنعنا، عملنا،
فعلنا.
وقد تقدم
أحاديث كثيرة، وآثار عند قوله تعالى في سورة يس: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى
أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ [ يس:65 ] ، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن
أبي حاتم - رحمه الله- :حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سُلَيم
الطائفي، عن ابن خُثَيْم، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال:لما رجعت إلى
النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر قال: « ألا
تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ » فقال
فتية منهم:بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم،
تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها
فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت:سوف تعلم يا
غُدَر، إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما
كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا؟ قال:يقول رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « صَدَقَتْ [ و ] صدقت،
كيف يُقدس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ » .
هذا حديث
غريب من هذا الوجه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال:أخبرنا إسحاق بن إبراهيم
قال:أخبرنا يحيى بن سليم، به
وقوله: ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ
وَلا جُلُودُكُمْ ) أي:تقول لهم الأعضاء والجلود
حين يلومونها على الشهادة عليهم:ما كنتم تتكتمون منا الذي كنتم تفعلونه بل كنتم
تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم؛ لأنكم كنتم لا تعتقدون
أنه يعلم جميع أفعالكم؛ ولهذا قال: (
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ *
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) أي:هذا
الظن الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون- هو الذي أتلفكم
وأرداكم عند ربكم، ( فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ) أي:في مواقف القيامة خسرتم
أنفسكم وأهليكم.
قال
الإمام أحمد - رحمه الله- :حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمارة، عن عبد
الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله قال:كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر:قرشي،
وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان- كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا
بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم:أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر:إنا إذا
رفعنا أصواتنا سمعه ، وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر:إن سمع منه شيئا سمعه
كله. قال:فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل: ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ
وَلا جُلُودُكُمْ ) إلى قوله: ( مِنَ
الْخَاسِرِينَ )
وكذا
رواه الترمذي عن هناد، عن أبي معاوية، بإسناده نحوه . وأخرجه أحمد ومسلم والترمذي
أيضا، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عُمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن
عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بنحوه . ورواه البخاري ومسلم أيضا، من حديث
السفيانين، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبرة، عن ابن مسعود به
.
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه
وسلم في قوله: ( أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) قال: « إنكم
تُدعَون مُفَدَّمًا على أفواهكم بالفدام، فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه » .
قال
معمر:وتلا الحسن: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ
الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ ) ثم
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال
الله أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني » ثم
افترَّ الحسن ينظر في هذا فقال:ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما
المؤمن فأحسن الظن بربه فأحسن العمل، وأما الكافر والمنافق فأساءا الظن بالله
فأساءا العمل. ثم قال:قال الله تعالى: ( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ ) إلى
قوله: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
وقال
الإمام أحمد:حدثنا النضر بن إسماعيل القاص - وهو أبو المغيرة- حدثنا ابن أبي ليلى،
عن أبي الزبير، عن جابر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال
الله تعالى: ( وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ
أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) . »
وقوله: (
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ
مِنَ الْمُعْتَبِينَ ) « أي:سواء
عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وإن
طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار، ولا تُقَال لهم عثرات. »
قال ابن
جرير:ومعنى قوله: ( وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا )
أي:يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم - قال:وهذا كقوله تعالى إخبارا عنهم:
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ *
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ
اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [
المؤمنون:106 - 108 ] .
وَقَيَّضْنَا
لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ
الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 25 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 )
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 )
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً
بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 28 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ( 29 )
يذكر تعالى أنه هو الذي أضل
المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله، بما قَيَّض لهم من
القرناء من شياطين الإنس والجن: (
فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )
أي:حَسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا
محسنين، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ
شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [
الزخرف:36 - 37 ] .
وقوله تعالى: (
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) أي:كلمة العذاب كما حق على
أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم، من الجن والإنس، (
إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) أي:استوَوا هم وإياهم في
الخسار والدمار.
وقوله تعالى: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ )
أي:تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره ، (
وَالْغَوْا فِيهِ ) أي:إذا تلي لا تسمعوا له. كما
قال مجاهد: ( وَالْغَوْا فِيهِ )
يعني:بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
قرأ القرآن قريش تفعله.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (
وَالْغَوْا فِيهِ ) عيبوه .
وقال قتادة:اجحدوا به، وأنكروه
وعادوه.
(
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) هذا حال هؤلاء الجهلة من
الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله - سبحانه- عباده المؤمنين
بخلاف ذلك فقال: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الأعراف:204 ] .
ثم قال تعالى، منتصرا للقرآن،
ومنتقما ممن عاداه من أهل الكفران: (
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا ) أي:في
مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه، (
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ )
أي:بشَرِّ أعمالهم وسيِّئ أفعالهم: (
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً
بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا
أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ
أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ) .
قال سفيان الثوري، عن سلمة بن
كُهَيْل، عن مالك بن الحصين الفزاري، عن أبيه ، عن علي، رضي الله عنه، في قوله: (
الَّذَيْنِ أَضَلانَا ) قال:إبليس وابن آدم الذي قتل
أخاه.
وهكذا روى حبة العُرَنِي عن
علي، مثل ذلك.
وقال السدي، عن علي:فإبليس يدعو
به كل صاحب شرك، وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة، فإبليس - لعنه الله- هو الداعي
إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول. كما ثبت في الحديث: « ما
قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل » .
وقوله (
نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا )
أي:أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابا منا؛ ولهذا قالوا: (
لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ ) أي:في الدرك الأسفل من النار،
كما تقدم في « الأعراف » من سؤال الأتباع من الله أن يعذب
قادتهم أضعاف عذابهم، قال: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [
الأعراف:38 ] أي:إنه تعالى قد أعطى كلا منهم ما يستحقه من العذاب
والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا
يُفْسِدُونَ [ النحل:88 ] .
إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 30 )
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 )
نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 )
يقول
تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) أي:أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع
الله لهم.
قال
الحافظ أبو يعلى الموصلي:حدثنا الجراح، حدثنا سلم بن قتيبة أبو قتيبة الشَّعِيري،
حدثنا سهيل بن أبي حزم، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال:قرأ علينا رسول الله صلى
الله عليه وسلم هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قد
قالها ناس ثم كفر أكثرهم ، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها.
وكذا
رواه النسائي في تفسيره، والبزار وابن جرير، عن عمرو بن علي الفلاس، عن سلم بن
قتيبة، به . وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الفلاس، به. ثم قال ابن جرير:
حدثنا
ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد ، عن سعيد
بن نمران قال:قرأت عند أبي بكر الصديق هذه الآية: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال:هم
الذين لم يشركوا بالله شيئا.
ثم روي
من حديث الأسود بن هلال قال:قال أبو بكر، رضي الله عنه:ما تقولون في هذه الآية: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) ؟
قال:فقالوا: ( رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) من
ذنب. فقال:لقد حملتموها على غير المحمل، ( قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) فلم
يلتفتوا إلى إله غيره.
وكذا قال
مجاهد، وعكرمة، والسدي، وغير واحد .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، أخبرنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن
أبان، عن عكرمة قال:سئل ابن عباس ، رضي الله عنهما:أي آية في كتاب الله أرخص؟ قال
قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا ) على شهادة أن لا إله إلا الله.
وقال
الزهري:تلا عمر هذه الآية على المنبر، ثم قال:استقاموا - والله- لله بطاعته، ولم
يروغوا روغان الثعالب.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) على أداء فرائضه. وكذا قال
قتادة، قال:وكان الحسن يقول:اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة.
وقال أبو
العالية: ( ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) أخلصوا
له العمل والدين.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هُشَيْم، حدثنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن
أبيه ؛ أن رجلا قال:يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال: « قل آمنت بالله، ثم استقم » قلت:فما
أتقي؟ فأومأ إلى لسانه.
ورواه
النسائي من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، به .
ثم قال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب، عن محمد
بن عبد الرحمن بن ماعز الغامدي، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال:قلت:يا رسول
الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: « قل ربي
الله، ثم استقم » قلت:يا رسول الله ما أكثر ما تخاف
علي؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه، ثم قال: « هذا » .
وهكذا
رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث الزهري، به . وقال الترمذي:حسن صحيح .
وقد
أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد
الله الثقفي قال:قلت:يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال: « قل آمنت بالله، ثم استقم » وذكر
تمام الحديث .
وقوله: (
تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) قال
مجاهد، والسدي، وزيد بن أسلم، وابنه:يعني عند الموت قائلين: ( أَلا
تَخَافُوا ) قال مجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم:أي مما تقدمون عليه من أمر
الآخرة، ( وَلا تَحْزَنُوا ) [ أي ] على ما
خلفتموه من أمر الدنيا، من ولد وأهل، ومال أو دين، فإنا نخلفكم فيه، (
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )
فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير.
وهذا كما
في حديث البراء ، رضي الله عنه: « إن الملائكة تقول لروح
المؤمن:اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح
وريحان، ورب غير غضبان » .
وقيل:إن
الملائكة تتنـزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، والسدي.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر بن سليمان:سمعت
ثابتا قرأ سورة « حم السجدة » حتى
بلغ: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
اسْتَقَامُوا تَتَنـزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ) فوقف
فقال:بلغنا أن العبد المؤمن حين يبعثه الله من قبره، يتلقاه الملكان اللذان كانا
معه في الدنيا، فيقولان له:لا تخف ولا تحزن، (
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )
قال:فيؤمن الله خوفه، ويقر عينه فما عظيمة يخشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن
قرة عين، لما هداه الله، ولما كان يعمل له في الدنيا.
وقال زيد
بن أسلم:يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم.
وهذا
القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدا، وهو الواقع.
وقوله: (
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ )
أي:تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار:نحن كنا أولياءكم، أي:قرناءكم في الحياة
الدنيا، نسددكم ونوفقكم، ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم
الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم
الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. (
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) أي:في
الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقر به العيون، (
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أي:مهما طلبتم وجدتم، وحضر
بين أيديكم، [ أي ] كما اخترتم.
( نـزلا
مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) أي:ضيافة وعطاء وإنعاما من
غفور لذنوبكم، رحيم بكم رءوف، حيث غفر، وستر، ورحم، ولطف.
وقد ذكر
ابن أبي حاتم هاهنا حديث « سوق الجنة » عند
قوله تعالى: ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نـزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) ،
فقال:
حدثنا
أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبي سعيد،
حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، عن سعيد بن المسيب:أنه لقي أبا هريرة [ رضي
الله عنه ] فقال أبو هريرة:نسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة.
فقال سعيد:أوفيها سوق؟ قال:نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة
إذا دخلوا فيها، نـزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة في أيام
الدنيا فيزورون الله، عز وجل، ويبرز لهم عرشه، ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة،
وتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر
من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس [ فيه ] أدناهم
وما فيهم دنيء على كثبان المسك والكافور، ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم
مجلسا.
قال أبو
هريرة:قلت:يا رسول الله، وهل نرى ربنا [ يوم
القيامة ] ؟ قال: « نعم هل تتمارون في رؤية الشمس
والقمر ليلة البدر؟ » قلنا:لا. قال صلى الله عليه
وسلم: « فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى، ولا يبقى في ذلك
المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى إنه ليقول للرجل منهم:يا فلان بن فلان،
أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ - يذكِّره ببعض غدراته في الدنيا- فيقول:أي رب، أفلم
تغفر لي؟ فيقول:بلى فبسعة مغفرتي بلغت منـزلتك هذه. قال:فبينما هم على ذلك غشيتهم
سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط » .
قال:ثم يقول ربنا - عز وجل- :قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، وخذوا ما اشتهيتم
« . قال: » فنأتي سوقا قد حَفَّت به
الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على
القلوب. قال:فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، وفي ذلك السوق
يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا « . قال: » فيقبل
الرجل ذو المنـزلة الرفيعة، فيلقى من هو دونه- وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه
من اللباس، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه؛ وذلك لأنه لا ينبغي لأحد
أن يحزن فيها.
ثم ننصرف
إلى منازلنا، فيتلقانا أزواجنا فيقلن:مرحبا وأهلا بِحِبَّنا، لقد جئت وإن بك من
الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول:إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار - عز
وجل- وبحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به « . »
وقد رواه
الترمذي في « صفة الجنة » من
جامعه، عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، به
نحوه . ثم قال الترمذي:هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا ابن أبي عَدِي، عن حميد، عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره
الله لقاءه » . قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت؟ قال: « ليس
ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حُضِر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس
شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه » قال: « وإن
الفاجر - أو الكافر- إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر - أو:ما يلقى من
الشر- فكره لقاء الله فكره الله لقاءه » .
وهذا
حديث صحيح ، وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه .
وَمَنْ
أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي
مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ ( 35 )
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 )
يقول
تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) أي:دعا
عباد الله إليه، ( وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ
إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي:وهو في نفسه مهتد بما
يقوله، فنفعه لنفسه ولغيره لازم ومُتَعَدٍ، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا
يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى
الخالق تبارك وتعالى. وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول
الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك، كما قال محمد بن سيرين، والسدي، وعبد
الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقيل:المراد
بها المؤذنون الصلحاء، كما ثبت في صحيح مسلم: «
المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة » وفي
السنن مرفوعا: « الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن،
فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عَرُوبَة الهروي، حدثنا غسان قاضي
هراة وقال أبو زرعة:حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن الحسن، عن سعد بن أبي وقاص
أنه قال: « سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المجاهدين، وهو
بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله في دمه » .
قال:وقال
ابن مسعود: « لو كنت مؤذنا ما باليت ألا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد » .
قال:وقال
عمر بن الخطاب:لو كنت مؤذنا لكمل أمري، وما باليت ألا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام
النهار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « اللهم
اغفر للمؤذنين » ثلاثا، قال:فقلت:يا رسول الله،
تركتنا، ونحن نجتلد على الأذان بالسيوف. قال: « كلا يا
عمر، إنه يأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم، وتلك لحوم حرمها الله
على النار، لحوم المؤذنين » .
قال:وقالت
عائشة:ولهم هذه الآية: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) قالت:فهو المؤذن إذا قال: « حي على
الصلاة » فقد دعا إلى الله.
وهكذا
قال ابن عمر، وعكرمة:إنها نـزلت في المؤذنين.
وقد ذكر
البغوي عن أبي أمامة الباهلي، رضي الله عنه، أنه قال في قوله: (
وَعَمِلَ صَالِحًا ) قال:يعني صلاة ركعتين بين
الأذان والإقامة.
ثم أورد
البغوي حديث « عبد الله بن المغفل » قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بين كل أذانين صلاة » . ثم
قال في الثالثة: « لمن شاء » وقد
أخرجه الجماعة في كتبهم، من حديث عبد الله بن بريدة، عنه وحديث الثوري، عن زيد
العمي، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال الثوري:لا
أراه إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: « الدعاء
لا يرد بين الأذان والإقامة » .
ورواه
أبو داود والترمذي، والنسائي في « اليوم والليلة » كلهم من
حديث الثوري، به . وقال الترمذي:هذا حديث حسن.
ورواه
النسائي أيضا من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس، به .
والصحيح
أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نـزول هذه الآية فإنه لم يكن
الأذان مشروعا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، حين
أريه عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري في منامه، فقصه على رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتا، كما هو مقرر في موضعه،
فالصحيح إذًا أنها عامة، كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن البصري:أنه تلا
هذه الآية: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ
وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )
فقال:هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خِيَرَة الله، هذا أحب أهل
الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته،
وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله.
وقوله: ( وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) أي:فرق
عظيم بين هذه وهذه، ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ ) أي:من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، كما قال عمر [ رضي
الله عنه ] ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
وقوله: (
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) وهو
الصديق، أي:إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إليه إلى مصافاتك ومحبتك،
والحنو عليك، حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي:قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان
إليك.
ثم قال:
( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا ) أي:وما
يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على ذلك، فإنه يشق على النفوس، ( وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) أي:ذو
نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.
قال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية:أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب،
والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان،
وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.
وقوله: (
وَإِمَّا يَنـزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نـزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) أي:إن
شيطان الإنس ربما ينخدع بالإحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلة فيه إذا وسوس
إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله ولجأت إليه، كفه عنك ورد
كيده. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا قام إلى الصلاة يقول: « أعوذ
بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه » .
وقد
قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في « سورة
الأعراف » عند قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ
عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [
الأعراف:199، 200 ] ، وفي سورة المؤمنين عند
قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا
يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ المؤمنون:96 - 98 ] .
[ لكن
الذي ذكر في الأعراف أخف على النفس مما ذكر في سورة السجدة؛ لأن الإعراض عن الجاهل
وتركه أخف على النفس من الإحسان إلى المسيء فتتلذذ النفس من ذلك ولا انتقاد له إلا
بمعالجة ويساعدها الشيطان في هذه الحال، فتنفعل له وتستعصي على صاحبها، فتحتاج إلى
مجاهدة وقوة إيمان؛ فلهذا أكد ذلك هاهنا بضمير الفصل والتعريف باللام فقال: (
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ] .
وَمِنْ
آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا
لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 )
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 )
يقول تعالى منبها خلقه على
قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قادر، (
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) أي:أنه
خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يقران، والشمس ونورها
وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه، واختلاف سيره في سمائه، ليُعرف
باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار، والجمع والشهور والأعوام، ويتبين
بذلك حلول الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات.
ثم لما كان الشمس والقمر أحسن
الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من
عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ( لا
تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) أي:ولا
تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به؛
ولهذا قال: ( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ) أي:عن
إفراد العبادة له وأبوا إلا أن يشركوا معه غيره، (
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) يعني:الملائكة، (
يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) ،
كقوله فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا
بِهَا بِكَافِرِينَ [ الأنعام:89 ] .
وقال الحافظ أبو يعلى:حدثنا
سفيان - يعني ابن وكيع- حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم،
وعذابا لقوم » .
وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا
الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى
إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )
وقوله: (
وَمِنْ آيَاتِهِ ) أي:على قدرته على إعادة
الموتى ( أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً ) أي:هامدة
لا نبات فيها، بل هي ميتة ( فَإِذَا أَنـزلْنَا
عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ )
أي:أخرجت من جميل ألوان الزروع والثمار، ( إِنَّ
الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
إِنَّ الَّذِينَ
يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ
خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ
عَزِيزٌ ( 41 ) لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) مَا
يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو
مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ( 43 )
قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا ) ، قال
ابن عباس:الإلحاد:وضع الكلام على غير مواضعه.
وقال
قتادة وغيره:هو الكفر والعناد.
وقوله: ( لا
يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ) أي:فيه تهديد شديد، ووعيد
أكيد، أي:إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك
بالعقوبة والنكال؛ ولهذا قال: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي
النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ؟
أي:أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان.
ثم قال -
عز وجل- تهديدًا للكفرة: ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) قال
مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني: (
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) :وعيد، أي:من خير أو شر، إنه
عليم بكم وبصير بأعمالكم؛ ولهذا قال: (
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )
ثم قال:
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ) قال
الضحاك، والسدي، وقتادة:وهو القرآن ( وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ) أي:منيع الجناب، لا يرام أن
يأتي أحد بمثله.
( لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) أي:ليس
للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منـزل من رب العالمين؛ ولهذا قال: (
تَنـزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) أي:حكيم في أقواله وأفعاله،
حميد بمعنى محمود، أي:في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته.
ثم قال:
( مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ
قَبْلِكَ ) قال قتادة، والسدي، وغيرهما:ما يقال لك من التكذيب إلا كما
قد قيل للرسل من قبلك، فكما قد كذبت فقد كذبوا، وكما صبروا على أذى قومهم لهم،
فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير، ولم يحك هو، ولا ابن أبي حاتم
غيره.
وقوله: ( إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ [ لِلنَّاسِ ] ) أي:لمن
تاب إليه ( وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) أي:لمن
استمر على كفره، وطغيانه، وعناده، وشقاقه ومخالفته.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن سعيد بن
المسيب قال:لما نـزلت هذه الآية: ( إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ) قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « لولا غَفْر الله وتجاوزه ما هَنَأ أحدا العيشُ، ولولا وعيده
وعقابه لاتكل كل أحد » .
وَلَوْ
جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ
أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ( 44 )
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
مُرِيبٍ ( 45 )
لما ذكر
تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته، وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به
المشركون، نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت، كما قال: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ
عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
[ الشعراء:198، 199 ] .
وكذلك لو أنـزل القرآن كله بلغة العجم، لقالوا على وجه التعنت والعناد: (
لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ )
أي:لقالوا:هلا أنـزل مفصلا بلغة العرب، ولأنكروا ذلك وقالوا:أعجمي وعربي؟ أي:كيف
ينـزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه.
هكذا
رُوي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم.
وقيل:المراد
بقولهم: ( لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) أي:هلا
أنـزل بعضها بالأعجمي، وبعضها بالعربي.
هذا قول
الحسن البصري، وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله (
أَعْجَمِيٌّ ) وهو رواية عن سعيد بن جبير وهو في [
التعنت و ] العناد أبلغ.
ثم قال
تعالى: ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) أي:قل
يا محمد:هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب، (
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) أي:لا
يفهمون ما فيه، ( وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) أي:لا
يهتدون إلى ما فيه من البيان كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ
شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [
الإسراء:82 ] .
( أُولَئِكَ
يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) قال
مجاهد:يعني بعيد من قلوبهم.
قال ابن
جرير:معناه:كأن من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد، لا يفهمون ما يقول .
قلت:وهذا
كقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا
يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [
البقرة:171 ] .
وقال
الضحاك:ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم.
وقال
السدي:كان عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] جالسا
عند رجل من المسلمين يقضي، إذ قال:يا لبَّيكاه. فقال عمر:لِمَ تلبي؟ هل رأيت أحدا،
أو دعاك أحد؟ قال:دعاني داع من وراء البحر. فقال عمر:أولئك ينادون من مكان بعيد.
رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ )
أي:كُذِّبَ وَأُوذِيَ ، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [
الأحقاف:35 ] . وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ
مُسَمًّى [ الشورى:14 ] بتأخير
الحساب إلى يوم المعاد، ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ )
أي:لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) أي:وما
كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا، بل كانوا شاكين فيما قالوا ، غير محققين
لشيء كانوا فيه. هكذا وجهه ابن جرير، وهو محتمل، والله أعلم.
مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ
لِلْعَبِيدِ ( 46 )
يقول تعالى: ( مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ) أي:إنما يعود نفع ذلك على
نفسه، ( وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا )
أي:إنما يرجع وبال ذلك عليه، ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ
لِلْعَبِيدِ ) أي:لا يعاقب أحدا إلا بذنب، ولا يعذب أحدا إلا بعد قيام
الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه.