الجزء 25
إِلَيْهِ
يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا
تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ
شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ( 47 ) وَضَلَّ
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 48 )
ثم قال:
( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ) أي:لا
يعلم ذلك أحد سواه، كما قال صلى الله عليه وسلم، وهو سيد البشر لجبريل وهو من
سادات الملائكة - حين سأله عن الساعة، فقال: « ما
المسئول عنها بأعلم من السائل » ، وكما قال تعالى: إِلَى
رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا [ النازعات:44 ] ، وقال
لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ [
الأعراف:187 ] .
وقوله: ( وَمَا
تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا
تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ ) أي:الجميع بعلمه، لا يعزب عن
علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقد قال تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ
وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا [ الأنعام:59 ] ، وقال
جلت عظمته: يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا
تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [
الرعد:8 ] ، وقال وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ
عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [
فاطر:11 ] .
وقوله: (
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي ) أي:يوم
القيامة ينادي الله المشركين على رءوس الخلائق:أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ (
قَالُوا آذَنَّاكَ ) أي:أعلمناك، ( مَا مِنَّا
مِنْ شَهِيدٍ ) أي:ليس أحد منا اليوم يشهد أن معك شريكا.
( وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا
كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ ) أي:ذهبوا فلم ينفعوهم، (
وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي:وظن
المشركون يوم القيامة، وهذا بمعنى اليقين، ( مَا
لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي:لا محيد لهم عن عذاب الله،
كقوله تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [
الكهف:53 ] .
لا
يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ
قَنُوطٌ ( 49 ) وَلَئِنْ
أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا
لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي
عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ( 50 )
وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ( 51 )
يقول
تعالى:لا يَمَلّ الإنسان من دعائه ربّه بالخير - وهو:المال، وصحة الجسم، وغير ذلك-
وإن مسه الشر - وهو البلاء أو الفقر- (
فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ) أي:يقع في ذهنه أنه لا يتهيأ
له بعد هذا خير.
(
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي ) أي:إذا أصابه خير ورزق بعد ما
كان في شدة ليقولن:هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي، ( وَمَا
أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) أي:يكفر بقيام الساعة،
أي:لأجل أنه خُوِّل نعمة يفخر، ويبطر، ويكفر، كما قال تعالى: كَلا إِنَّ
الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [
العلق:6، 7 ] .
(
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى )
أي:ولئن كان ثَمّ معاد فليُحسنَنّ إلي ربي، كما أحسن إلي في هذه الدار، يتمنى على
الله، عز وجل، مع إساءته العمل وعدم اليقين. قال تعالى: (
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ
عَذَابٍ غَلِيظٍ ) يتهدد تعالى من كان هذا عمله
واعتقاده بالعقاب والنكال.
ثم قال:
( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى
بِجَانِبِهِ ) أي:أعرض عن الطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله، عز
وجل، كقوله تعالى: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ [
الذاريات:39 ] .
( وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ ) أي:الشدة،
( فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ )
أي:يطيل المسألة في الشيء الواحد فالكلام العريض:ما طال لفظه وقل معناه،
والوجيز:عكسه، وهو:ما قل ودل. وقد قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ
دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ
مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [
يونس:12 ] .
قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ
مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 52 ) سَنُرِيهِمْ
آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) أَلا
إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
مُحِيطٌ ( 54 )
يقول تعالى:قل يا محمد لهؤلاء
المشركين المكذبين بالقرآن: ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ) هَذَا
الْقُرْآنُ ( مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ) أي:كيف
تُرَون حالكم عند الذي أنـزله على رسوله؟ ولهذا قال: ( مَنْ
أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) ؟
أي:في كفر وعناد ومشاقة للحق، ومَسْلَك بعيد من الهدى.
ثم قال: (
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ )
أي:سنظهر لهم دلالاتنا وحُجَجنا على كون القرآن حقا منـزلا من عند الله، عز وجل،
على رسوله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية ( فِي
الآفَاقِ ) ، من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان.
قال مجاهد، والحسن،
والسدي:ودلائل في أنفسهم، قالوا:وقعة بَدْر ، وفتح مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي
حَلّت بهم، نصر الله فيها محمدا وصحبه، وخذل فيها الباطل وحِزْبَه.
ويحتمل أن يكون المراد من ذلك
ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو
مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع تبارك وتعالى. وكذلك ما هو مجبول عليه
من الأخلاق المتباينة، من حسن وقبيح وبين ذلك، وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي
لا يقدر بحوله، وقوته، وحِيَله، وحذره أن يجوزها، ولا يتعداها، كما أنشده ابن أبي
الدنيا في كتابه « التفكر والاعتبار » ، عن
شيخه أبي جعفر القرشي:
وَإذَا
نَظَـــرْتَ تُريــدُ مُعْتَـــبَرا فَــانظُـرْ إليْــكَ فَفِيــكَ مُعْتَـبَرُ
أنــتَ
الـذي يُمْسِـي وَيُصْبـحُ فـي الدنيــا وكُــلّ أمُـــوره عـبَـرُ
أنـتَ
المصـرّفُ كــانَ فـي صِغَـرٍ ثُــمّ اســتَقَلَّ بِشَــخْصِكَ الكِــبَرُ
أنــتَ
الـــذي تَنْعَــاه خـلْقَتُـه يَنْعــاه منــه الشَّـــعْرُ والبَشَـرُ
أنــتَ
الــذي تُعْطَـى وَتُـسْـلَب لا يُنْجيــه مــن أنْ يُسْــلَبَ الحَـذَرُ
أنْــتَ
الــذي لا شَـيءَ منْـه لَـهُ وَأحَــقُّ منـْــه بـِمَالــه القَـدَرُ
وقوله تعالى: (
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) ؟ أي:كفى بالله شهيدا على
أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمدًا صادق فيما أخبر به عنه، كما قال: لَكِنِ
اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ
يَشْهَدُونَ [ النساء:166 ] .
وقوله: ( أَلا
إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ) أي:في
شك من قيام الساعة؛ ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، ولا يحذرون منه، بل هو
عندهم هَدَرٌ لا يعبئون به وهو واقع لا ريب فيه وكائن لا محالة.
قال ابن أبي الدنيا:حدثنا أحمد
بن إبراهيم، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد الأنصاري:أن عمر بن
عبد العزيز صَعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:أما بعد، أيها الناس، فإني
لم أجمعكم لأمر أحدثه فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت
أن المصدق بهذا الأمر أحمق، والمكذب به هالك ثم نـزل.
ومعنى قوله، رضي الله عنه: « أن
المصدق به أحمق » أي:لأنه لا يعمل له عمل مثله،
ولا يحذر منه ولا يخاف من هوله، وهو مع ذلك مصدق به موقن بوقوعه، وهو مع ذلك
يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه، فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في
اللغة:ضعيف العقل.
وقوله: «
والمكذب به هالك » هذا واضح، والله أعلم.
ثم قال تعالى - مقررا على أنه
على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه تبارك وتعالى-
: ( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ )
أي:المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها
بحكمه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
[ آخر
تفسير سورة فصلت ] .
تفسير سورة الشورى
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 ) عسق
( 2 )
كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 3 ) لَهُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 4 )
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 5 )
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ
وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 6 )
قد تقدم
الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا منكرا، فقال:
حدثنا
أحمد بن زُهَير، حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةَ الحَوْطي، حدثنا أبو المغيرة عبد
القدوس بن الحجاج، عن أرطاة بن المنذر قال:جاء رجل إلى ابن عباس فقال له - وعنده
حُذيفة بن اليمان- :أخبرني عن تفسير قول الله: ( حم *
عسق ) قال:فأطرق ثم أعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض عنه، فلم يجبه
بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يُحِرْ إليه شيئا. فقال حذيفة :أنا أنبئك
بها، قد عرفت لم كرهها؟ نـزلت في رجل من أهل بيته يقال له « عبد
الإله » - أو:عبد الله- ينـزل على نهر من أنهار المشرق تُبْنَى عليه
مدينتان ، يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم
ومدتهم، بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة وقد احترقت، كأنها لم
تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة:كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك، حتى
يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله: ( حم *
عسق ) يعني:عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حُمّ: ( حم )
عين:يعني عدلا منه، سين:يعني سيكون، ق:يعني واقع بهاتين المدينتين .
وأغرب
منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس، وعن أبي
ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولكن إسناده ضعيف جدا ومنقطع، فإنه قال:
حدثنا
أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الملك الحسن بن يحيى الخُشَني
الدمشقي، عن أبي معاوية قال:صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال:أيها الناس هل سمع منكم
أحد رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر ( حم *
عسق ) ؟ فوثب ابن عباس فقال:أنا:قال: « ( حم ) اسم من
أسماء الله تعالى » قال:فعين؟ قال: « عاين
المولون عذاب يوم بدر » قال:فسين؟ قال: « سيعلم
الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون » قال:فقاف؟ فسكت فقام أبو ذر،
ففسر كما قال ابن عباس، رضي الله عنهما، وقال:قاف:قارعة من السماء تغشى الناس .
وقوله: (
كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) أي:كما أنـزل إليك هذا القرآن، كذلك أنـزل الكتب والصحف على
الأنبياء قبلك. وقوله: ( اللَّهُ الْعَزِيزُ ) أي:في
انتقامه، ( الْحَكِيمُ ) في
أقواله وأفعاله.
قال:الإمام
مالك - رحمه الله- عن هشام بن عُرْوَة عن أبيه، عن عائشة:أن الحارث بن هشام سأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ
الجَرَس، وهو أشده عَلَيّ فيفصم عني قد وَعَيت ما قال. وأحيانا يأتيني الملك رجُلا
فيكلمني، فأعي ما يقول » قالت عائشة فلقد رأيته ينـزل
عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا.
أخرجاه
في الصحيحين، ولفظه للبخاري .
وقد رواه
الطبراني عن عبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالح، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام؛ أنه سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم:كيف ينـزل عليك الوحي؟ فقال: « مثل
صلصلة الجرس فيفصمُ عني وقد وعَيتُ ما قاله » قال: « وهو
أشده علي » قال: « وأحيانا يأتيني الملك فيتمثل
لي فيكلمني فأعي ما يقول » .
وقال:الإمام
أحمد:حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن
عبد الله بن عمرو ، رضي الله عنهما، قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقلت:يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أسمع
صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننت أن نفسي تُقبَض » تفرد به
أحمد .
وقد
ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شرح البخاري،
بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقوله
تعالى: ( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ )
أي:الجميع عبيد له وملك له، تحت قهره وتصريفه، (
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) كقوله تعالى: الْكَبِيرُ
الْمُتَعَالِ [ الرعد:9 ] وَهُوَ
الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ:23 ]
والآيات في هذا كثيرة.
وقوله: (
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ) قال
ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي، وكعب الأحبار:أي فرقًا، من العظمة (
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي
الأرْضِ ) كقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [
غافر:7 ] .
وقوله: ( أَلا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) إعلام
بذلك وتنويه به.
وقوله: (
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ )
يعني:المشركين، ( اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ )
أي:شهيد على أعمالهم، يحصيها ويعدها عدًّا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء. ( وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) أي:إنما أنت نذير والله على
كل شيء وكيل.
وَكَذَلِكَ
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ
وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 )
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ
يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 8 )
يقول
تعالى:وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك، (
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا )
أي:واضحا جليا بينا، ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى ) وهي
مكة، ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) أي:من
سائر البلاد شرقا وغربا، وسميت مكة « أم
القرى » ؛ لأنها أشرف من سائر البلاد، لأدلة كثيرة مذكورة في
مواضعها. ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد:
حدثنا
أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزُّهْرِي، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله
بن عَدِي بن الحمراء الزهري أخبره:أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -
وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة- : « والله،
إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت » .
وهكذا
رواية الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الزهري، به وقال الترمذي:حسن صحيح.
وقوله: (
وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ) ، وهو يوم القيامة، يجمع الله
الأولين والآخرين في صعيد واحد.
وقوله: ( لا
رَيْبَ فِيهِ ) أي:لا شك في وقوعه، وأنه كائن لا محالة. وقوله: (
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ،
كقوله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [
التغابن:9 ] أي:يَغْبَن أهل الجنة أهل النار، وكقوله تعالى: ذَلِكَ
يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ
إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود:103- 105 ] .
قال
الإمام أحمد:حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا لَيْث، حدثني أبو قبيل المعافري، عن
شُفَيّ الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال:خرج علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: « أتدرون
ما هذان الكتابان؟ » قال:قلنا:لا إلا أن تخبرنا يا
رسول الله قال للذي في يده اليمينى: « هذا
كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم
- لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا » ثم قال
للذي في يساره: « هذا كتاب أهل النار بأسمائهم
وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم - لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا » فقال
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:فلأي شيء إذًا نعمل إن كان هذا أمر قد فُرِغ
منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
سَدِّدُوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة ، وإن عَمِلَ أي عَمل، وإن
صاحب النار يختم له بعمل النار ، وإن عمل أي عمل » ثم قال
بيده فقبضها، ثم قال: « فرغ ربكم عز وجل من العباد » ثم قال
باليمنى فنبذ بها فقال: « فريق في الجنة » ، ونبذ
باليسرى فقال: « فريق في السعير » .
وهكذا
رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة عن الليث بن سعد وبكر بن مضر، كلاهما عن
أبي قبيل، عن شُفَيّ بن ماتع الأصبحي، عن عبد الله بن عمرو، به .
وقال
الترمذي:حسن صحيح غريب.
وساقه
البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر ، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزاهرية، عن عبد
الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحوه. وعنده زيادات منها:ثم
قال: « فريق في الجنة وفريق في السعير، عدل من الله عز وجل » .
ورواه
ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عبد الله بن صالح - كاتب الليث- عن الليث، به.
ورواه
ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قَبِيل، عن شفي، عن رجل
من الصحابة، فذكره .
ثم روي
عن يونس، عن ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث وحَيْوَة بن شُرَيْح، عن يحيى بن أبي
أسيد؛ أن أبا فراس حدثه:أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول:إن الله لما خلق آدم نفضه
نفض المزْوَد ، وأخرج منه كل ذريته، فخرج أمثال النَّغَف، فقبضهم قبضتين، ثم
قال:شقي وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما فقال:فريق في الجنة، وفريق في السعير .
وهذا
الموقوف أشبه بالصواب، والله أعلم.
وقال
الإمام أحمد، رحمه الله:حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة- أخبرنا
الجريري، عن أبي نضرة، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له:أبو عبد
الله - دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له:ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « خذ من شاربك ثم أقره حتى
تلقاني » قال:بلى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
الله قبض بيمينه قبضة، وأخرى باليد الأخرى، قال:هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أبالي » فلا
أدري في أي القبضتين أنا .
وأحاديث
القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا، منها حديث علي، وابن مسعود، وعائشة،
وجماعة جمة.
وقوله: (
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) أي:إما
على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من يشاء إلى الحق، وأضل
من يشاء عنه، وله الحكمة والحجة البالغة؛ ولهذا قال: (
وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ
وَلا نَصِيرٍ )
وقال:ابن
جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي سويد، حدثه عن
ابن حجيرة:أنه بلغه أن موسى، عليه السلام، قال::يا رب خَلقُك الذين خلقتهم، جعلت
منهم فريقا في الجنة وفريقا في النار، لو ما أدخلتهم كلهم الجنة؟! فقال:يا موسى،
ارفع ذَرْعك. فرفع، قال:قد رفعت. قال:ارفع. فرفع، فلم يترك شيئا، قال:يا رب قد
رفعت، قال:ارفع. قال:قد رفعت، إلا ما لا خير فيه. قال:كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة،
إلا ما لا خير فيه.
أَمِ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي
الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 )
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 10 )
يقول تعالى منكرًا على المشركين
في اتخاذهم آلهة من دون الله، ومخبرا أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا
له وحده، فإنه القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير.
ثم قال: ( وَمَا
اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ )
أي:مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام في جميع الأشياء، (
فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) أي:هو الحاكم فيه بكتابه،
وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كقوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء:59 ] . .
(
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي ) أي:الحاكم في كل شيء، (
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
أي:أرجع في جميع الأمور.
فَاطِرُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ
الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ
وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 12 )
وقوله: (
فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )
أي:خالقهما وما بينهما، ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أي:من جنسكم وشكلكم، منة
عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى، (
وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا ) أي:وخلق لكم من الأنعام
ثمانية أزواج.
وقوله: (
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) أي:يخلقكم فيه، أي:في ذلك
الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا، خلقا من بعد خلق، وجيلا بعد
جيل، ونسلا بعد نسل، من الناس والأنعام.
وقال البغوي
رحمه الله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) أي:في
الرحم. وقيل:في البطن. وقيل:في هذا الوجه من الخلقة.
قال
مجاهد:ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام.
وقيل: « في » بمعنى « الباء
» ، أي:يذرؤكم به.
(
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أي:ليس كخالق الأزواج كلها
شيء؛ لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له، (
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )
وقوله: ( لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) تقدم
تفسيره في « سورة الزمر » ، وحاصل
ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما، ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) أي:يوسع على من يشاء، ويضيق على
من يشاء، وله الحكمة والعدل التام، (
إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
شَرَعَ
لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا
تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ( 13 )
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ
مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 )
يقول
تعالى لهذه الأمة: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ
مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) ، فذكر
أول الرسل بعد آدم وهو نوح، عليه السلام وآخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ثم
ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم:إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، عليهم السلام.
وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية «
الأحزاب » عليهم في قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ
مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ الآية [ الأحزاب:7 ] .
والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو:عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ
إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] . وفي
الحديث: « نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد »
أي:القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم
ومناهجهم، كقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [
المائدة:48 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: ( أَنْ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) أي:وصى
الله [ سبحانه و ] تعالى
جميع الأنبياء، عليهم السلام، بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.
وقوله: (
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) أي:شق
عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد.
ثم قال:
( اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي
إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) أي:هو الذي يُقدّر الهداية
لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد؛ ولهذا قال: ( وَمَا
تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ )
أي:إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك
إلا البغيُ والعنادُ والمشاقة.
ثم قال [
الله ] تعالى: ( وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي:لولا
الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل لهم
العقوبة في الدنيا سريعًا.
وقوله: (
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ )
يعني:الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذّب للحق ( لَفِي
شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) أي:ليسوا على يقين من أمرهم،
وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا بُرهان، وهم في حيرة من أمرهم،
وشك مريب، وشقاق بعيد.
فَلِذَلِكَ
فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ
رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 15 )
اشتملت هذه الآية الكريمة على
عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، [ لها
] حكم برأسه- قالوا:ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضا
عشرة فصول كهذه.
قوله (
فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) أي:فللذي أوحينا إليك من
الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم
وغيرهم، فادعُ الناس إليه.
وقوله: (
وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) أي:واستقم أنت ومن اتبعك على
عبادة الله، كما أمركم الله عز وجل.
وقوله: ( وَلا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يعني:المشركين فيما اختلقوه،
وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.
وقوله: (
وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ )
أي:صدقت بجميع الكتب المنـزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم.
وقوله: (
وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) أي:في الحكم كما أمرني الله.
وقوله: (
اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أي:هو المعبود، لا إله غيره،
فنحن نقر بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا، فله يسجد من في العالمين
طوعا واختيارا.
وقوله: ( لَنَا
أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أي:نحن
برآء منكم، كما قال تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ
عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا
تَعْمَلُونَ [ يونس:41 ] .
وقوله: ( لا
حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) قال مجاهد:أي لا خصومة. قال
السدي:وذلك قبل نـزول آية السيف. وهذا مُتَّجَهٌ لأن هذه الآية مكية، وآية السيف
بعد الهجرة.
وقوله: (
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ) أي:يوم القيامة، كقوله: قُلْ
يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ
الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [ سبأ:26 ] .
وقوله: (
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) أي:المرجع والمآب يوم الحساب.
وَالَّذِينَ
يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ
عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ( 16 )
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ( 17 )
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا
مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ
يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 18 )
يقول
تعالى - متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به- : (
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ )
أي:يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، (
حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ )
أي:باطلة عند الله، ( وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ )
أي:منه، ( وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) أي:يوم
القيامة.
قال ابن
عباس، ومجاهد:جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى،
وطمعوا أن تعود الجاهلية.
وقال
قتادة:هم اليهود والنصارى، قالوا لهم:ديننا خير من دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن
خير منكم، وأولى بالله منكم. وقد كذبوا في ذلك.
ثم قال:
( اللَّهُ الَّذِي أَنـزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ )
يعني:الكتب المنـزلة من عنده على أنبيائه (
والميزان ) ، وهو:العدل والإنصاف، قاله مجاهد، وقتادة. وهذه كقوله
تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ
الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [
الحديد:25 ] وقوله: وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلا
تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا
الْمِيزَانَ [ الرحمن:7- 9 ] .
وقوله: ( وَمَا
يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ) فيه
ترغيب فيها، وترهيب منها، وتزهيد في الدنيا.
وقوله: (
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا )
أي:يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [
سبأ:29 ] ، وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا، وكفرا وعنادا، (
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا )
أي:خائفون وجلون من وقوعها ( وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا
الْحَقُّ ) أي:كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.
وقد رُوي
من طرق تبلغ درجة التواتر، في الصحاح والحسان، والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه؛
أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جَهْوَرِيّ، وهو في بعض أسفاره
فناداه فقال:يا محمد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من صوته « هاؤم » .
فقال:متى الساعة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويحك،
إنها كائنة، فما أعددت لها؟ » فقال:حُب الله ورسوله. فقال: « أنت مع
من أحببت » .
فقوله في
الحديث: « المرء مع من أحب » ، هذا
متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها.
وقوله: ( أَلا
إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ )
أي:يحاجّون في وجودها ويدفعون وقوعها، ( لَفِي
ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي:في جهل بين؛ لأن الذي خلق
السماوات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأحرى، كما قال: وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [
الروم:27 ] .
اللَّهُ
لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 19 ) مَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) أَمْ
لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 21 )
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ
مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 22 )
يقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه
في رزقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحدا منهم، سواء في رزقه البرّ والفاجر، كقوله
تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [
هود:6 ] ولها نظائر كثيرة.
وقوله: (
يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ) أي:يوسع على من يشاء، (
وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) أي:لا يعجزه شيء.
ثم قال: ( مَنْ
كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ) أي:عمل الآخرة ( نـزدْ
لَهُ فِي حَرْثِهِ ) أي:نقويه ونعينه على ما هو
بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء
الله ( وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا
لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) أي:ومن
كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همَّة البتة بالكلية،
حَرَمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا هذه ولا
هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.
والدليل على هذا أن هذه الآية
هاهنا مقيدة بالآية التي في « سبحان » وهي
قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ
لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا *
وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ
كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ
رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا [
الإسراء:18- 21 ] .
وقال الثوري، عن مُغيرة، عن أبي
العالية، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ]
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بشر
هذه الأمة بالسَّنَاء والرفعة، والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة
للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب » .
وقوله: ( أَمْ
لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) أي:هم
لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن
والإنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل
الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة، التي كانوا قد
اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: « رأيت عمرو بن لُحَيّ بن
قَمَعَة يَجُر قُصْبَه في النار » لأنه
أول من سيب السوائب. وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء،
وهو الذي حَمَل قريشا على عبادة الأصنام، لعنه الله وقبحه؛ ولهذا قال تعالى: (
وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ )
أي:لعوجلوا بالعقوبة، لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد، (
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
أي:شديد موجع في جهنم وبئس المصير.
ثم قال تعالى: ( تَرَى
الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا ) أي:في
عرصات القيامة، ( وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ )
أي:الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة، هذا حالهم يوم معادهم، وهم في هذا الخوف
والوجل، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي
رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) فأين
هذا من هذا: أين من هو في العَرَصَات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه،
ممن هو في روضات الجنات، فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح
وملاذ، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال:الحسن بن عرفة:حدثنا عمر بن
عبد الرحمن الأبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طَيْبَة، قال:إن الشَّرْب
من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول:ما أمْطِرُكُم. قال:فما يدعو داع من القوم بشيء
إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول:أمطرينا كواعب أترابا.
رواه ابن جرير، عن الحسن بن
عرفة، به.
ولهذا قال تعالى: (
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ )
أي:الفوز العظيم، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.
ذَلِكَ
الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ
يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ( 23 ) أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 24 )
يقول تعالى
لما ذكر روضات الجنة، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: (
ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ) أي:هذا حاصل لهم كائن لا
محالة، ببشارة الله لهم به.
وقوله: ( قُلْ
لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) أي:قل
يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش:لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالا
تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم
تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.
قال
البخاري:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن
ميسرة قال:سمعت طاوسا عن ابن عباس:أنه سئل عن قوله تعالى: ( إِلا
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) فقال سعيد بن جبير:قربى آل
محمد. فقال ابن عباس:عَجِلْتَ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا
كان له فيهم قرابة، فقال:إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. انفرد به
البخاري .
ورواه
الإمام أحمد، عن يحيى القطان، عن شعبة به. وهكذا روى عامر الشعبي، والضحاك، وعلي
بن أبي طلحة، والعَوْفي، ويوسف بن مِهْران وغير واحد، عن ابن عباس، مثله. وبه قال مجاهد،
وعكرمة، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.
وقال
الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا
حدثنا آدم بن أبي أياس، حدثنا شريك، عن خُصَيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال:قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
أسألكم عليه أجرا إلا أن تَوَدّوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي
بيني وبينكم » .
وروى
الإمام أحمد، عن حسن بن موسى:حدثنا قَزَعَة يعني ابن سُوَيد - وابن أبي حاتم- عن
أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن قَزَعة بن سويد- عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن
ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا
أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا، إلا أن تُوَادوا الله، وأن تقربوا
إليه بطاعته » .
وهكذا
روى قتادة عن الحسن البصري، مثله.
وهذا
كأنه تفسير بقول ثان، كأنه يقول: ( إِلا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى ) أي:إلا أن تعملوا بالطاعة
التي تقربكم عند الله زلفى.
وقول
ثالث:وهو ما حكاه البخاري وغيره، رواية عن سعيد بن جبير، ما معناه أنه قال:معنى
ذلك أن تودوني في قرابتي، أي:تحسنوا إليهم وتبروهم.
وقال
السدي، عن أبي الديلم قال:لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام
رجل من أهل الشام فقال:الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قرني الفتنة. فقال له
علي بن الحسين:أقرأت القرآن؟ قال:نعم. قال:أقرأت آل حم؟ قال:قرأت القرآن، ولم أقرأ
آل حم. قال:ما قرأت: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ
عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟
قال:وإنكم أنتم هم؟ قال:نعم.
وقال:أبو
إسحاق السَّبِيعيّ:سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى: ( قُلْ
لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )
فقال:قربى النبي صلى الله عليه وسلم. رواهما ابن جرير .
ثم قال
ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد
بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال:قالت الأنصار:فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا
فقال ابن عباس - أو:العباس، شك عبد السلام- :لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال: « يا
معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ »
قالوا:بلى، يا رسول الله. قال: « ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله
بي؟ » قالوا:بلى يا رسول الله قال: « أفلا
تجيبوني؟ » قالوا:ما نقول يا رسول الله؟ قال: « ألا
تقولون:ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك » ؟
قال:فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا:أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله.
قال:فنـزلت: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ
فِي الْقُرْبَى ) .
وهكذا
رواه ابن أبي حاتم، عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام، عن
يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف- بإسناده مثله، أو قريبا منه.
وفي
الصحيحين - في قسم غنائم حنين- قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نـزول هذه
الآية. وذكْرُ نـزولها في المدينة فيه نظر؛ لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه
الآية الكريمة وبين السياق مناسبة، والله أعلم.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن
الأعمش، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:لما نـزلت هذه الآية: ( قُلْ
لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )
قالوا:يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: « فاطمة
وولدها، عليهم السلام » .
وهذا
إسناد ضعيف، فيه مبهم لا يعرف، عن شيخ شيعي مُتَخَرّق ، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل
خبره في هذا المحل. وذكر نـزول هذه الآية في المدينة بعيد؛ فإنها مكية ولم يكن إذ
ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من
الهجرة.
والحق
تفسير الآية بما فسرها به الإمام حَبرُ الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس،
كما رواه عنه البخاري [ رحمه الله ] ولا
تنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من
ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا
كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس
وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين.
و [ قد
ثبت ] في الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته
بغَدِير خُمّ: « إني تارك فيكم الثقلين:كتاب
الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي
زياد، عن عبد الله بن الحارث ، عن العباس بن عبد المطلب قال:قلت:يا رسول الله، إن
قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها؟
قال:فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا، وقال: « والذي
نفسي بيده، لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله » .
ثم قال
أحمد حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد المطلب بن
ربيعة قال:دخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:إنا لنخرج فنرى قريشا
تُحدث، فإذا رأونا سكتوا . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودَرّ عِرْقُ بين
عينه ، ثم قال: « والله لا يدخل قلب امرئ إيمان
حتى يحبكم لله ولقرابتي » .
وقال
البخاري:حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال:سمعتُ
أبي يحدّث عن ابن عمر، عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، قال:ارقبوا محمدا صلى
الله عليه وسلم في أهل بيته .
وفي
الصحيح:أن الصديق قال لعلي، رضي الله عنهما:والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه
وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي .
وقال عمر
بن الخطاب للعباس، رضي الله عنهما:والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليَّ من إسلام
الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب.
فحال
الشيخين، رضي الله عنهما، هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك؛ ولهذا كانا أفضل
المؤمنين بعد النبيين والمرسلين، رضي الله عنهما، وعن سائر الصحابة أجمعين.
وقال
الإمام أحمد، رحمه الله:حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حَيّان التيمي، حدثني
يزيد ابن حيان قال:انطلقت أنا وحُسَيْن بن مَيْسَرة، وعمر بن مسلم إلى زيد بن
أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حسين:لقد لقيتَ يا زيد خيرا كثيرا ، رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه وغزوت معه، وصليت معه. لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا.
حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:يا ابن أخي، والله
كَبُرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال:قام رسول الله صلى الله عليه
وسلم يومًا خطيبًا فينا، بماء يدعى خُمّا - بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثنى
عليه، وذكر ووعظ، ثم قال: « أما بعد، ألا أيها الناس ،
إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما:كتاب
الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به » فحث على
كتاب الله ورغب فيه، وقال: « وأهل بيتي أذكركم الله في أهل
بيتي أذكركم الله في أهل بيتي » فقال له حصين:ومن أهل بيته يا
زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال:إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم
الصدقة بعده قال:ومن هم؟ قال:هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، قال:أكل
هؤلاء حرم الصدقة؟ قال:نعم.
وهكذا
رواه مسلم [ في فضائل ]
والنسائي من طرق عن يزيد بن حَيّان به .
وقال أبو
عيسى الترمذي حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن
عطية، عن أبي سعيد - والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم- قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم
به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر:كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض،
والآخر عترتي:أهل بيتي، ولن يَتَفَرَّقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني
فيهما »
تفرد
بروايته الترمذي ثم قال:هذا حديث حسن غريب.
وقال
الترمذي أيضا حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: « يا أيها
الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا:كتاب الله، وعترتي:أهل بيتي »
تفرد به
الترمذي أيضا ، وقال:حسن غريب. وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم،
وحذيفة بن أسيد.
ثم قال
الترمذي:حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن مَعِين، حدثنا هشام بن
يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن
أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أحبوا
الله لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي »
ثم قال
حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه .
وقد
أوردنا أحاديث أُخَر عند قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [
الأحزاب:33 ] ، بما أغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال
الحافظ أبو يعلى:حدثنا سويد بن سَعِيد، حدثنا مفضل بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن
حَنَش قال:سمعت أبا ذر وهو آخذ بحلقة الباب يقول:يا أيها الناس، من عرفني فقد
عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إنما
مثل أهل بيتي فيكم مَثَل سفينة نوح، من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك » .
هذا بهذا
الإسناد ضعيف.
وقوله: (
وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نـزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) أي:ومن
يعمل حسنة ( نـزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا )
أي:أجرا وثوابا، كقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [
النساء:40 ] .
وقال بعض
السلف: [ إن ] من ثواب الحسنة الحسنة بعدها،
ومن جزاء السيئة ( السيئة ) بعدها.
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) أي:يغفر الكثير من السيئات، ويكثر
القليل من الحسنات، فيستر ويغفر، ويضاعف فيشكر.
وقوله: ( أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى
قَلْبِكَ ) أي:لو افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون (
يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) أي:لَطَبَعَ على قلبك وسلبك
ما كان آتاك من القرآن، كقوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ
الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ
الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [
الحاقة:44- 47 ] أي:لانتقمنا منه أشد
الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.
وقوله: (
وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ) ليس معطوفا على قوله: ( يختم ) فيكون
مجزوما، بل هو مرفوع على الابتداء، قاله ابن جرير، قال:وحذفت من كتابته « الواو
» في رسم المصحف الإمام، كما حذفت في قوله: سَنَدْعُ
الزَّبَانِيَةَ [ العلق:18 ] وقوله:
وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ [
الإسراء:11 ] .
وقوله: (
وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) معطوف
على ( وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ )
أي:يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته، أي:بحججه وبراهينه، (
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي:بما
تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر.
وَهُوَ
الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ
وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( 25 )
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ
فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ( 26 )
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ
يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 )
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ
رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 )
يقول
تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه:أنه من كرمه وحلمه
أنه يعفو ويصفح ، ويستر ويغفر، كقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ
نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [
النساء:110 ] وقد ثبت في صحيح مسلم، رحمه الله، حيث قال:
حدثنا
محمد بن الصباح وزهير بن حرب قال حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا
إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك - وهو عمه - قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان
راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع
في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها
ثم قال من شدة الفرح:اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح » .
وقد ثبت
أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه .
وقال عبد
الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: (
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) :إن
أبا هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لله
أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه » .
وقال
همام بن الحارث:سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال:لا بأس به،
وقرأ: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) الآية
رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن
إبراهيم النخعي، عن همام فذكره .
وقوله: (
وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) أي:يقبل التوبة في المستقبل
ويعفو عن السيئات في الماضي، ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) أي:هو عالم
بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه.
وقوله: (
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال
السدي:يعني يستجيب لهم. وكذا قال ابن جرير:معناه يستجيب الدعاء لهم [
لأنفسهم ] ولأصحابهم وإخوانهم. وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها
كقوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [ آل
عمران:195 ] .
ثم روى
هو وابن أبي حاتم، من حديث الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال:خطبنا
معاذ بالشام فقال:أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة. والله إني أرجو أن يدخل الله من
تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له - يعني أحدُهم عملا-
قال:أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ: (
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ
فَضْلِهِ )
وحكى ابن
جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل [ مثل
] قوله: ( وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
آمَنُوا ) كقوله: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ [
الزمر:18 ] أي:هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه، كقوله تبارك وتعالى:
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [
الأنعام:36 ] والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى: (
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي:يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق
ذلك؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم:
حدثنا
علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله
الكندي، حدثنا الأعمش، عن شقيق عن عبد الله قال:قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم
في قوله: ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) قال: «
الشفاعة لمن وجبت له النار، ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا » .
وقال
قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى: (
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )
قال:يشفعون في إخوانهم، ( وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
) قال:يشفعون في إخوان إخوانهم.
وقوله: (
وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) لما
ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل، ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من
العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.
وقوله: (
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ ) أي:لو
أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض،
أشرا وبطرا.
وقال
قتادة:كان يقال:خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك. وذكر قتادة حديث: « إنما
أخاف عليكم ما يخرج الله من زهرة الحياة الدنيا » وسؤال
السائل:أيأتي الخير بالشر؟ الحديث.
وقوله: (
وَلَكِنْ يُنـزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ )
أي:ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق
الغنى، ويفقر من يستحق الفقر. كما جاء في الحديث المروي: « إن من
عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا
يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه »
وقوله: (
وَهُوَ الَّذِي يُنـزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ) أي:من
بعد إياس الناس من نـزول المطر، ينـزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله:
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ
لَمُبْلِسِينَ [ الروم:49 ] .
وقوله: (
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ) أي:يعم بها الوجود على أهل
ذلك القُطْر وتلك الناحية.
قال
قتادة:ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب:يا أمير المؤمنين، قُحط المطر وقنط
الناس؟ فقال عمر، رضي الله عنه:مطرتم، ثم قرأ: (
وَهُوَ الَّذِي يُنـزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ
) .
(
وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) أي:هو المتصرف لخلقه بما
ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.
وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ
وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ( 29 ) وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
( 30 )
وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ
وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 31 )
يقول تعالى: (
وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالة على عظمته وقدرته العظيمة
وسلطانه القاهر ( خَلْقُ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ) أي:ذرأ فيهما، أي:في السماوات
والأرض، ( مِنْ دَابَّةٍ ) وهذا
يشمل الملائكة والجن والإنس وسائر الحيوانات، على اختلاف أشكالهم وألوانهم
ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم، وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار الأرض والسماوات،
( وهو ) مع هذا كله ( عَلَى
جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ ) أي:يوم
القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي،
وينفذهم البصر، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.
وقوله: ( وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )
أي:مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم (
وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) أي:من السيئات، فلا يجازيكم
عليها بل يعفو عنها، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ
عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر:45 ] وفي
الحديث الصحيح: « والذي نفسي بيده، ما يصيب
المؤمن من نصب ولا وَصَب ولا هم ولا حُزَن، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه، حتى
الشوكة يشاكها » .
وقال ابن جرير:حدثنا يعقوب بن
إبراهيم، حدثنا ابن عُليَّة، حدثنا أيوب قال:قرأت في كتاب أبي قِلابَةَ قال:نـزلت:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة:7، 8 ] وأبو
بكر يأكل، فأمسك وقال:يا رسول الله، إني لراء ما عملت من خير وشر؟ فقال: « أرأيت
ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذَرّ الشر، وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم
القيامة » قال:قال أبو إدريس:فإني أرى مصداقها في كتاب الله: ( وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) .
ثم رواه من وجه آخر، عن أبي
قِلابَةَ، عن أنس ، قال:والأول أصح.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، حدثنا الأزهر بن
راشد الكاهلي، عن الخَضْر بن القَوَّاس البجلي، عن أبي سخيلة عن علي، رضي الله عنه
قال:ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل، وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) .
وسأفسرها لك يا علي: « ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو
بلاء في الدنيا، فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يُثَنِّيَ عليه العقوبة
في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه »
وكذا رواه الإمام أحمد، عن
مروان بن معاوية وعَبْدة، عن أبي سُخَيلة قال:قال علي... فذكر نحوه مرفوعا .
ثم روى ابن أبي حاتم [
نحوه ] من وجه آخر موقوفا فقال:حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي
مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح، عن أبي الحسن، عن أبي جُحَيفَة قال:دخلت على
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال:ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يَعيَه ؟
قال:فسألناه فتلا هذه الآية: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) قال:ما
عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يُثَنِّي عليه العقوبة يوم القيامة، وما
عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة.
وقال الإمام أحمد:حدثنا يعلى بن
عبيد، حدثنا طلحة - يعني ابن يحيى- عن أبي بُرْدَةَ، عن معاوية- هو ابن أبي سفيان،
رضي الله عنهما، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من
شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كَفَّرَ الله عنه به من سيئاته » .
وقال أحمد أيضا:حدثنا حسين، عن
زائدة، عن ليث، عن مجاهد ، عن عائشة قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها ، ابتلاه الله بالحَزَنِ ليكفرها » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا عمرو
بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن - هو البصري-
قال في قوله: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )
قال:لما نـزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي
نفس محمد بيده، ما من خَدْش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عَثْرة قدم، إلا بذنب وما
يعفو الله عنه أكثر » .
وقال أيضا:حدثنا أبي، حدثنا عمر
بن علي، حدثنا هُشَيمْ، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين، رضي الله عنه،
قال:دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده، فقال له بعضهم إنا لَنَبْتَئِسُ
لك لما نرى فيك. قال:فلا تبتئس بما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر،
ثم تلا هذه الآية: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ )
[
قال: ] وحدثنا أبي:حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني، حدثنا جرير
عن أبي البلاد قال:قلت للعلاء بن بدر: ( وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) ، وقد ذهب
بصري وأنا غلام؟ قال:فبذنوب والديك.
وحدثنا أبي:حدثنا علي بن محمد
الطَّنَافسي، حدثنا وكيع، عن عبد العزيز بن أبي راود، عن الضحاك قال:ما نعلم أحدا
حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ الضحاك: ( وَمَا
أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ) . ثم
يقول الضحاك:وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن.
وَمِنْ
آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ
يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ
يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 )
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 )
يقول
تعالى:ومن آياته الدالة على قدرته وسلطانه، تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره،
وهي الجواري في البحر كالأعلام، أي:كالجبال، قاله مجاهد، والحسن، والسدي، والضحاك،
أي:هي في البحر كالجبال في البر،.
( إِنْ
يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ) أي:التي تسير بالسفن ، لو شاء
لسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تظل راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره،
أي:على وجه الماء ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِكُلِّ صَبَّارٍ ) أي:في الشدائد ( شكور ) أي:إن
في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، لدلالات على نعمه
تعالى على خلقه ( لِكُلِّ صَبَّارٍ ) أي:في
الشدائد، ( شكور ) في الرخاء.
وقوله: ( أَوْ
يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ) أي:ولو شاء لأهلك السفن
وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون عليها (
وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) أي:من ذنوبهم. ولو أخذهم
بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر .
وقال بعض
علماء التفسير:معنى قوله: ( أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا
كَسَبُوا ) أي:لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن
سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا
إلى جهة مقصد.
وهذا
القول هو يتضمن هلاكها، وهو مناسب للأول ، وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت،
أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت. ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة، كما يرسل
المطر بقدر الكفاية، ولو أنـزله كثيرا جدا لهدم البنيان، أو قليلا لما أنبت الزرع
والثمار، حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحا من أرض أخرى غيرها ؛ لأنهم لا
يحتاجون إلى مطر، ولو أنـزل عليهم لهدم بنيانهم، وأسقط جدرانهم.
وقوله: (
وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) أي:لا
محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا.
فَمَا
أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 )
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا
غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 )
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى
بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 )
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 )
يقول
تعالى محقرا بشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني،
بقوله: ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ) أي:مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة
الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، ( وَمَا
عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى )
أي:وثواب الله خير من الدنيا، وهو باق سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي؛ ولهذا
قال: ( لِلَّذِينَ آمَنُوا )
أي:للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا، (
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ )
أي:ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات.
ثم قال:
( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ
وَالْفَوَاحِشَ ) وقد قدمنا الكلام على الإثم
والفواحش في « سورة الأعراف » ( وَإِذَا
مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) أي:سجيتهم [
وخلقهم وطبعهم ] تقتضي الصفح والعفو عن الناس،
ليس سجيتهم الانتقام من الناس.
وقد ثبت
في الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات
الله وفي حديث آخر: « كان يقول لأحدنا عند
المعتبة:ما له؟ تربت جبينه » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن زائدة، عن منصور ، عن
إبراهيم قال:كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا.
وقوله: (
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ )
أي:اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، (
وَأَقَامُوا الصَّلاةَ ) وهي أعظم العبادات لله عز
وجل، ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) أي:لا
يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها،
كما قال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ [ آل عمران:159 ] ولهذا
كان عليه [ الصلاة ]
السلام، يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك قلوبهم. وهكذا لما حضرت عمر بن
الخطاب [ رضي الله عنه ] الوفاة
حين طعن، جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم:عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد،
وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم أجمعين، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم
عثمان عليهم، رضي الله عنهم، ( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ ) وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب.
وقوله: ( وَالَّذِينَ
إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ )
أي:فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون
على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا وعفوا، كما قال يوسف،
عليه السلام، لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
[ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ] [
يوسف:92 ] ، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما
عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام
الحديبية، ونـزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم مَنَّ عليهم مع قدرته على
الانتقام، وكذلك عفوه عن غَوْرَث بن الحارث، الذي أراد الفتك به [
عليه السلام ] حين اخترط سيفه وهو نائم ، فاستيقظ، عليه السلام، وهو في
يده صَلْتا، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف من
يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا
عن لبيد بن الأعصم ، الذي سحره، عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له، ولا عاتبه، مع
قدرته عليه. وكذلك عفوه، عليه السلام، عن المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب
اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن مسلمة- التي سمت الذراع يوم خيبر، فأخبره
الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت فقال: « ما
حملك على ذلك » قالت:أردت إن كنت نبيا لم
يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك، فأطلقها، عليه الصلاة والسلام، ولكن لما مات
منه بشر بن البراء قتلها به، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا، والحمد لله .
وَجَزَاءُ
سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 )
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 )
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 42 )
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ( 43 )
قوله
تعالى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) كقوله
تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ [ البقرة:194 ] وكقوله
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ
صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [
النحل:126 ] فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله [
تعالى ] وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة:45 ] ؛
ولهذا قال هاهنا: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) أي:لا يضيع ذلك عند الله كما
صح في الحديث: « وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا
» وقوله: ( إِنَّهُ لا يُحِبُّ
الظَّالِمِينَ ) أي:المعتدين، وهو المبتدئ
بالسيئة.
[
وقال بعضهم:لما كانت الأقسام ثلاثة:ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات، ذكر
الأقسام الثلاثة في هذه الآية فذكر المقتصد وهو الذي يفيض بقدر حقه لقوله: (
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) ،
ثم ذكر السابق بقوله: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ثم ذكر الظالم بقوله: (
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
فأمر بالعدل ،وندب إلى الفضل، ونهى من الظلم ] .
ثم قال:
( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا
عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ) أي:ليس عليهم جناح في
الانتصار ممن ظلمهم.
قال ابن
جرير حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزيع حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عَوْن
قال:كنت أسأل عن الانتصار: ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ
ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ) فحدثني
علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد - امرأة أبيه- قال ابن عون:زعموا أنها كانت تدخل
على أم المؤمنين عائشة - قالت:قالت أم المؤمنين:دخل علينا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وعندنا زينب بنت جحش، فجعل يصنع بيده شيئا فلم يَفْطِن لها، فقلت بيده حتى
فَطَّنته لها، فأمسك. وأقبلت زينب تقحم لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي. فقال
لعائشة: « سُبّيها » فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب
فأتت عليا فقالت:إن عائشة تقع بكم، وتفعل بكم. فجاءت فاطمة فقال لها « إنها
حبة أبيك ورب الكعبة » فانصرفت، وقالت لعلي:إني قلت
له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا. قال:وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه
في ذلك .
هكذا ورد
هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالبا، وهذا فيه
نكارة، والحديث الصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث خالد
بن سلمة الفأفاء، عن عبد الله البَهِيّ، عن عروة قال:قالت عائشة، رضي الله عنها:ما
علمتُ حتى دخلت عليَّ زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله صلى الله عليه
وسلم:حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر ذُرَيّعَتَيهَا ثم أقبلت علي فأعرضت عنها، حتى
قال النبي صلى الله عليه وسلم: « دونك فانتصري » فأقبلت
عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فمها، ما ترد علي شيئا. فرأيت النبي صلى الله
عليه وسلم يتهلل وجهه. وهذا لفظ النسائي .
وقال
البزار:حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حمزة، عن
إبراهيم، عن الأسود ، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « من دعا على من ظلمه فقد انتصر » .
ورواه
الترمذي من حديث أبي الأحوص، عن أبي حمزة - واسمه ميمون- ثم قال: « لا
نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قبل حفظه » .
وقوله: (
إِنَّمَا السَّبِيلُ ) أي:إنما الحرج والعنت ( عَلَى
الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )
أي:يبدؤون الناس بالظلم. كما جاء في الحديث الصحيح: «
المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يَعْتَد المظلوم » .
(
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
أي:شديد موجع.
قال أبو
بكر بن أبي شيبة:حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد- حدثنا
عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال:قدمت مكة فإذا على الخندق مَنْظَرَة، فأخذت
فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة، فقال:حاجتك يا أبا عبد الله.
قلت حاجتي إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي. قال:ومن أخو بني عدي؟
قال:العلاء بن زياد، استعمل صديقا له مرة على عمل، فكتب إليه:أما بعد فإن استطعت
ألا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك
إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل، (
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي
الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فقال
صدق والله ونصح ثم قال:ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت:حاجتي أن تلحقني بأهلي.
قال:نعم رواه ابن أبي حاتم .
ثم إنه
تعالى لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادبا إلى العفو والصفح: (
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ) أي:صبر على الأذى وستر
السيئة، ( إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ )
قال سعيد
بن جبير: [ يعني ] لمن حق الأمور التي أمر الله
بها، أي:لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد -
خادم الفضيل بن عياض- قال:سمعت الفضيل بن عياض يقول إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا
فقل: « يا أخي، اعف عنه » . فإن
العفو أقرب للتقوى، فإن قال:لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز
وجل. فقل له إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه
من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار
يقلب الأمور .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد القطان- عن ابن عَجْلان، حدثنا سعيد بن
أبي سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه
وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض
قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر فقال:يا رسول الله إنه
كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: « إنه
كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع
الشيطان » . ثم قال: « يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق، ما
من عبد ظُلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا أعز الله بها نَصْرَه، وما فتح رجل باب
عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة،
إلا زاده الله بها قلة »
وكذا
رواه أبو داود، عن عبد الأعلى بن حماد، عن سفيان بن عيينة - قال:ورواه صفوان بن
عيسى، كلاهما عن محمد بن عَجْلان ورواه من طريق الليث، عن سعيد المَقْبُرِي، عن
بشير بن المحرر، عن سعيد بن المسيب مرسلا .
وهذا
الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو سببُ سبه للصديق .
وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ
لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 )
يقول تعالى مخبرا عن نفسه
الكريمة:إنه ما شاء كان ولا راد له، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له وأنه من هداه
فلا مُضِل له، ومن يضلل فلا هادي له، كما قال: وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ
وَلِيًّا مُرْشِدًا [ الكهف:17 ]
ثم قال مخبرا عن الظالمين، وهم
المشركون بالله ( لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) أي:يوم
القيامة يتمنون الرجعة إلى الدنيا، (
يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ) ، كما
قال [ تعالى ] وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا
عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا
وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ
قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [
الأنعام:27، 28 ] .
وَتَرَاهُمْ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ
( 45 )
وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 )
وقوله: (
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ) أي:على
النار ( خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ )
أي:الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله، (
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) قال
مجاهد:يعني ذليل، أي ينظرون إليها مُسَارقَة خوفا منها، والذي يحذرون منه واقع بهم
لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك.
(
وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي:يقولون يوم القيامة: ( إِنَّ
الْخَاسِرِينَ ) أي:الخسار الأكبر (
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي:ذهب
بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أصحابهم
وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم، فخسروهم، ( أَلا
إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ )
أي:دائم سرمدي أبدي، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها.
وقوله: ( وَمَا
كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ )
أي:ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال، (
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ) أي:ليس
له خلاص.
اسْتَجِيبُوا
لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا
لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 )
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا
الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ
كَفُورٌ ( 48 )
لما ذكر
تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة حَذَّر منه وأمر
بالاستعداد له، فقال: ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) أي:إذا
أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع.
وقوله: ( مَا
لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) أي:ليس
لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه، فتغيبون عن بصره، تبارك
وتعالى، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه، يَقُولُ
الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ
يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [ القيامة:10- 12 ] .
وقوله: (
فَإِنْ أَعْرَضُوا ) يعني:المشركين ( فَمَا
أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) أي:لست
عليهم بمصيطر. وقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي
مَنْ يَشَاءُ [ البقرة:272 ] ، وقال
تعالى: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [
الرعد:40 ] وقال هاهنا: ( إِنْ
عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ ) أي:إنما كلفناك أن تبلغهم
رسالة الله إليهم.
ثم قال
تعالى: ( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً
فَرِحَ بِهَا ) أي:إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك، (
وَإِنْ تُصِبْهُمْ ) يعني الناس ( سيئة ) أي:جدب
ونقمة وبلاء وشدة، ( فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ )
أي:يجحد ما تقدم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر
وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [
للنساء ] « يا معشر النساء، تصدقن فإني
رأيتكن أكثر أهل النار » فقالت امرأة:ولِمَ يا رسول
الله؟ قال: « لأنكن تُكثرن الشكاية، وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن
الدهر ثم تركت يوما قالت:ما رأيت منك خيرا قط » وهذا
حال أكثر الناس إلا من هداه الله وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا
الصالحات، فالمؤمن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن
أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد
إلا للمؤمن » .
لِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ
إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ
يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ
عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 )
يخبر
تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم
يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما
منع، وأنه يخلق ما يشاء، و ( يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ
إِنَاثًا ) أي:يرزقه البنات فقط - قال البغوي:ومنهم لوط، عليه السلام (
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ )
أي:يرزقه البنين فقط. قال البغوي:كإبراهيم الخليل، عليه السلام - لم يولد له
أنثى،. ( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا )
أي:ويعطي من يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي:من هذا وهذا . قال
البغوي:كمحمد، عليه الصلاة والسلام (
وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا ) أي:لا
يولد له. قال البغوي:كيحيى وعيسى، عليهما السلام، فجعل الناس أربعة أقسام، منهم من
يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا،
ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيما لا نسل له ولا يولد له، (
إِنَّهُ عَلِيمٌ ) أي:بمن يستحق كل قسم من هذه
الأقسام، ( قَدِيرٌ ) أي:على من يشاء، من تفاوت
الناس في ذلك.
وهذا المقام
شبيه بقوله تعالى عن عيسى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [
مريم:21 ] أي:دلالة لهم على قدرته، تعالى وتقدس، حيث خلق الخلق على
أربعة أقسام، فآدم، عليه السلام، مخلوق من تراب لا من ذكر ولا أنثى، وحواء عليها
السلام، [ مخلوقة ] من ذكر
بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى [
عليه السلام ] من ذكر وأنثى، وعيسى، عليه السلام، من أنثى بلا ذكر فتمت
الدلالة بخلق عيسى ابن مريم، عليهما السلام؛ ولهذا قال: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً
لِلنَّاسِ ، فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة
أقسام، فسبحان العليم القدير.
وَمَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
( 51 )
هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى
جناب الله، عز وجل، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا
لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: « إن رُوح القُدُس نفث في
رُوعي:أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب » .
وقوله: ( أَوْ
مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) كما كلم موسى، عليه السلام،
فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها.
وفي الصحيح أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: « ما كلم
الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا » الحديث
، وكان [ أبوه ] قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في
عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا.
وقوله: ( أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) كما
ينـزل جبريل [ عليه السلام ] وغيره
من الملائكة على الأنبياء، عليهم السلام، (
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ، فهو علي عليم خبير حكيم.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا
كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ
الأُمُورُ ( 53 )
وقوله ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا )
يعني:القرآن، ( مَا
كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ ) أي:على التفصيل الذي شرع لك في القرآن، ( وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ ) أي:القرآن ( نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ
نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) ،
كقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ
مَكَانٍ بَعِيدٍ [
فصلت:44 ] .
وقوله: ( وَإِنَّكَ ) [ أي ] يا محمد ( لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ ) ، وهو
الخلق القويم. ثم فسره بقوله: (
صِرَاطِ اللَّهِ [
الَّذِي ] ) أي:شرعه الذي أمر به الله، ( الَّذِي لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ) أي:ربهما ومالكهما، والمتصرف فيهما، الحاكم الذي لا معقب
لحكمه، ( أَلا
إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ) ،
أي:ترجع الأمور، فيفصلها ويحكم فيها.
آخر
تفسير سورة « [ حم ] الشورى » والحمد لله رب العالمين.
تفسير سورة الزخرف
وهي مكية.
بسم الله
الرحمن الرحيم
حم ( 1 ) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْنَاهُ
قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 )
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ
الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ( 5 ) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ
نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ( 6 ) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ
نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 7 )
فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ ( 8 )
يقول تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ) أي:البين الواضح الجلي
المعاني والألفاظ؛ لأنه نـزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس؛
ولهذا قال: (
إِنَّا جَعَلْنَاهُ )
أي:أنـزلناه (
قُرْآنًا عَرَبِيًّا )
أي:بلغة العرب فصيحا واضحا، (
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
أي:تفهمونه وتتدبرونه، كما قال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [ الشعراء:195 ] .
وقوله تعالى: ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ
حَكِيمٌ ) بين
شرفه في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ( وإنه ) أي:القرآن ( فِي أُمِّ الْكِتَابِ ) أي:اللوح المحفوظ، قاله ابن
عباس، ومجاهد، ( لدينا
)
أي:عندنا، قاله قتادة وغيره، ( لعلي ) أي:ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل،
قاله قتادة ( حكيم ) أي:محكم بريء من اللبس
والزيغ.
وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ
كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ
مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [
الواقعة:77 - 80 ] وقال:
كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *
مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ [ عبس:11 - 16 ] ؛ ولهذا استنبط العلماء،
رحمهم الله، من هاتين الآيتين:أن المُحدِثَ لا يمس المصحف، كما ورد به الحديث إن
صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض
بذلك أولى وأحرى، لأنه نـزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه
بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله: ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ
الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )
وقوله: (
أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ) اختلف المفسرون في معناها،
فقيل:معناها:أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟ قاله ابن
عباس، ومجاهد وأبو صالح، والسدي، واختاره ابن جرير.
وقال قتادة في قوله:: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا ) :والله لو أن هذا القرآن رفع
حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته، وكرره عليهم
ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك.
وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه:أنه
تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر الحكيم - وهو القرآن-
وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي من قَدّر هدايته، وتقوم الحجة على
من كتب شقاوته.
ثم قال تعالى - مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه، وآمرا
له بالصبر عليهم- : (
وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ ) أي:في شيع الأولين، ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِئُونَ )
أي:يكذبونه ويسخرون به.
وقوله: ( فَأَهْلَكْنَا
أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا )
أي:فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد.
كقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً [ غافر:82 ] والآيات في ذلك كثيرة.
وقوله: (
وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ ) قال
مجاهد:سنتهم. وقال قتادة:عقوبتهم. وقال غيرهما:عبرتهم، أي:جعلناهم عبرة لمن بعدهم
من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله في آخر هذه السورة: فَجَعَلْنَاهُمْ
سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ [
الزخرف:56 ] .
وكقوله: سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ [ غافر:85 ] وقال: وَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا [
الأحزاب:62 ] .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 )
يقول
تعالى:ولئن سألت - يا محمد- هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: ( مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) أي:ليعترفن بأن الخالق لذلك
هو الله [
تعالى ] وحده
لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد.
ثم قال:
(
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا ) أي:فراشًا قرارًا ثابتة، يسيرون عليها ويقومون وينامون
وينصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا
هكذا، (
وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا )
أي:طرقا بين الجبال والأودية (
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي:في
سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم.
وَالَّذِي
نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا
كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 )
وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ
وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ( 12 )
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ
عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ ( 13 )
وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 )
( وَالَّذِي نـزلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ) أي:بحسب الكفاية لزروعكم
وثماركم وشربكم، لأنفسكم ولأنعامكم. وقوله: (
فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا )
أي:أرضا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج.
ثم نبه
بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: (
كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) .
ثم قال:
( وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا ) أي:مما
تنبت الأرض من سائر الأصناف، من نبات وزروع وثمار وأزاهير، وغير ذلك [ أي ] من
الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها، (
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ ) أي:السفن (
وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ) أي:ذللها لكم وسخرها ويسرها
لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها؛ ولهذا قال: (
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ) أي:لتستووا متمكنين مرتفقين ( عَلَى
ظُهُورِهِ ) أي:على ظهور هذا الجنس، ( ثُمَّ
تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ ) أي:فيما سخر لكم ( إِذَا
اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا
كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) أي:مقاومين. ولولا تسخير الله
لنا هذا ما قدرنا عليه.
قال ابن
عباس ، وقتادة، والسدي وابن زيد: (
مقرنين ) أي:مطيقين .
( وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا
لَمُنْقَلِبُونَ ) أي:لصائرون إليه بعد مماتنا،
وإليه سيرنا الأكبر. وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه
بالزاد الدنيوي على [ الزاد ]
الأخروي في قوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [
البقرة:197 ] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: وَرِيشًا
وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [
ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ] [
الأعراف:26 ] .
ذكر
الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة:
حديث
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه:
قال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة
قال:رأيت عليا، رضي الله عنه، أتى بدابة، فلما وضع رجله في الرِّكاب قال:باسم
الله. فلما استوى عليها قال:الحمد لله، (
سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا
إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) ثم حمد الله ثلاثا، وكبر
ثلاثا، ثم قال:سبحانك، لا إله إلا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي. ثم ضحك فقلت له:من
أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال:رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما
صنعت ، ثم ضحك. فقلت:مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال: « يعجب
الرب من عبده إذا قال:رب اغفر لي. ويقول:علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري » .
وهكذا
رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث أبي الأحوص - زاد النسائي:ومنصور- عن
أبي إسحاق السَّبِيعي، عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي، به . وقال الترمذي:حسن
صحيح.
وقد قال
عبد الرحمن بن مَهْدِيّ، عن شعبة:قلت لأبي إسحاق السَّبِيعي:ممن سمعت هذا الحديث؟
قال:من يونس بن خباب. فلقيت يونس بن خباب فقلت:ممن سمعته؟ فقال:من رجل سمعه من علي
بن ربيعة. ورواه بعضهم عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة
الوالبي، به .
حديث عبد
الله بن عباس، رضي الله عنهما:
قال
الإمام أحمد:حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن علي بن أبي طلحة،
عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما
استوى عليها كبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا، وحمد ثلاثا، وهلل الله
واحدة. ثم استلقى عليه فضحك، ثم أقبل عليه فقال: « ما من
امرئ مسلم يركب دابة فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله، عز وجل، عليه، فضحك إليه كما
ضحكت إليك » . تفرد به أحمد .
حديث عبد
الله بن عمر، رضي الله عنهما:
قال
الإمام أحمد:حدثنا أبو كامل حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله
البارقي، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
إذا ركب راحلته كبر ثلاثا، ثم قال: (
سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا
إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ) . ثم يقول: « اللهم
إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم، هون علينا السفر
واطو لنا البعيد. اللهم، أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم، اصحبنا
في سفرنا، واخلفنا في أهلنا » . وكان إذا رجع إلى أهله قال: « آيبون
تائبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون » .
وهكذا
رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة،
كلاهما عن أبي الزبير، به .
حديث
آخر:
قال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن
عمرو بن الحكم بن ثوبان ، عن أبي لاس الخزاعي قال:حملنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم على إبل من إبل الصدقة إلى الحج. فقلنا:يا رسول الله، ما نرى أن تحملنا هذه!
فقال: « ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا
ركبتموها كما آمركم ، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله عز وجل » .
أبو لاس
اسمه:محمد بن الأسود بن خَلَف.
حديث آخر
في معناه:
قال
أحمد:حدثنا عَتَّاب، أخبرنا عبد الله ( ح ) وعلي
بن إسحاق، أخبرنا عبد الله - يعني ابن المبارك- أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد
بن حمزة؛ أنه سمع أباه يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « على
ظهر كل بعير شيطان، فإن ركبتموها فسموا الله، عز وجل، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم » .
وَجَعَلُوا
لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ
اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 )
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ
مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 )
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 )
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا
خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ( 19 )
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ
عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ( 20 )
يقول
تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم
وبعضها لله، كما ذكر الله عنهم في سورة «
الأنعام » ، في قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ
وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا
لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا
كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [
الأنعام:136 ] . وكذلك جعلوا له من قسمي البنات والبنين أخسَّهما وأردأهما
وهو البنات، كما قال تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا
قِسْمَةٌ ضِيزَى [ النجم:21، 22 ] . وقال
هاهنا: ( وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ
لَكَفُورٌ مُبِينٌ )
ثم قال:
( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ
بِالْبَنِينَ ) وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار فقال:
( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ
مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) أي:إذا
بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من
سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول تعالى:فكيف تأنفون أنتم من
ذلك، وتنسبونه إلى الله عز وجل؟.
ثم قال:
( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ
غَيْرُ مُبِينٍ ) أي:المرأة ناقصة يكمل نقصها
بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عَيِيَّة، أوَ مَنْ
يكون هكذا ينسب إلى جناب الله عز وجل ؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة
والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر ما فيها من
نقص، كما قال بعض شعراء العرب:
وَمَـا
الحَـلْي إلا زينَـةٌ مـن نقيصـةٍ يتمّـمُ مـن حُسْـن إذا الحُسْـن قَصَّرا
وأمَّــا
إذَا كـان الجمـالُ مــوفَّـرا كحُسْـنك, لـم يَحْـتَجْ إلـى أن يزَوَّرا
وأما نقص
معناها، فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما
قال بعض العرب وقد بشر ببنت: « ما هي بنعم الولد:نصرها
بالبكاء، وبرها سرقة » .
وقوله: (
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا )
أي:اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: (
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) أي:شاهدوه وقد خلقهم الله
إناثا، ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ )
أي:بذلك، ( ويسألون ) عن ذلك يوم القيامة. وهذا
تهديد شديد، ووعيد أكيد.
(
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ) أي:لو
أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة التي هي
بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقررنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ:
أحدها:جَعْلُهم
لله ولدا، تعالى وتقدس وتنـزه عن ذلك علوا كبيرا.
الثاني:دعواهم
أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا.
الثالث:عبادتهم
لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بمجرد الآراء
والأهواء، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء.
الرابع:احتجاجهم
بتقديرهم على ذلك قَدَرا [ والحجة إنما تكون بالشرع ] ، وقد
جهلوا في هذا الاحتجاج جهلا كبيرًا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار،
فإنه منذ بعث الرسل وأنـزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما
سواه، قال [ تعالى ] ، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي
كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [
النحل:36 ] ، وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ
مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [
الزخرف:45 ] .
وقال في
هذه الآية - بعد أن ذكر حجتهم هذه- : ( مَا
لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ) أي:بصحة ما قالوه واحتجوا به
( إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ )
أي:يكذبون ويتقولون.
وقال
مجاهد في قوله: ( مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ
عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) أي ما
يعلمون قدرة الله على ذلك.
أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ
قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
مُهْتَدُونَ ( 22 )
يقول تعالى منكرا على المشركين
في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: ( أَمْ
آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ ) أي:من
قبل شركهم، ( فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ )
أي:فيما هم فيه، أي:ليس الأمر كذلك، كقوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ
سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [
الروم:35 ] أي:لم يكن ذلك.
ثم قال: ( بَلْ
قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ
مُهْتَدُونَ ) أي:ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء
والأجداد، بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين هاهنا، وفي قوله: إِنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [ الأنبياء:92 ] .
وقولهم: (
وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ ) أي:ورائهم (
مهتدون ) ، دعوى منهم بلا دليل.
وَكَذَلِكَ
مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا
إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ
( 23 ) قَالَ
أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا
إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ( 24 )
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 )
ثم بين
تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة
للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ
بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [ الذاريات:52 ، 53 ] ،
وهكذا قال هاهنا: ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا
مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ )
ثم قال
تعالى: ( قل ) أي:يا محمد لهؤلاء المشركين:
( أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ
آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) أي:ولو
علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به، لما انقادوا لذلك بسوء قصدهم ومكابرتهم للحق
وأهله.
قال الله
تعالى: ( فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) أي:من
الأمم المكذبة بأنواع من العذاب، كما فصله تعالى في قصصهم، (
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) ؟
أي:كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجى الله المؤمنين؟ .
وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلا
الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 )
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ
مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 )
وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ( 30 )
وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ
عَظِيمٍ ( 31 )
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ
بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 )
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ
بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا
يَظْهَرُونَ ( 33 )
يقول تعالى مخبرا عن عبده
ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش
في نسبها ومذهبها:أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: (
إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ
* وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) أي:هذه
الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان وهي « لا إله
إلا الله » أي:جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية
إبراهيم، عليه السلام، ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
أي:إليها.
وقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك،
وقتادة، والسدي، وغيرهم في قوله تعالى: (
وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ )
يعني:لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها. ورُوي نحوه عن ابن عباس.
وقال ابن زيد:كلمة الإسلام. وهو
يرجع إلى ما قاله الجماعة.
ثم قال تعالى: ( بَلْ
مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ ) يعني:المشركين، (
وآباءهم ) أي:فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ، (
حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ) أي:بين
الرسالة والنذارة.
(
وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ )
أي:كابروه وعاندوه ودفعوا بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا، (
وقالوا ) [ أي ]
كالمعترضين على الذي أنـزله تعالى وتقدس: (
لَوْلا نـزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) أي:هلا
كان إنـزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة
والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة والسدي، وابن زيد.
وقد ذكر غير واحد منهم :أنهم
أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي.
وقال مالك عن زيد بن أسلم،
والضحاك، والسدي:يعنون الوليد بن المغيرة، ومسعود بن عمرو الثقفي.
وعن مجاهد:عمير بن عمرو بن
مسعود الثقفي. وعنه أيضا:أنهم يعنون الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرو بن عمير
الثقفي.
وعن مجاهد:يعنون عتبة بن ربيعة
بمكة، وابن عبد يا ليل بالطائف.
وقال السدي:عنوا [
بذلك ] الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي.
والظاهر:أن مرادهم رجل كبير من
أي البلدتين كان.
قال الله تعالى رادا عليهم في
هذا الاعتراض: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ
رَبِّكَ ) ؟ أي:ليس الأمر مردودا إليهم، بل إلى الله، عز وجل، والله
أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينـزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا، وأشرفهم
بيتا وأطهرهم أصلا.
ثم قال تعالى مبينا أنه قد فاوت
بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى
الظاهرة والباطنة، فقال: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ
مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ )
وقوله: (
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا )
قيل:معناه ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله
السدي وغيره.
وقال قتادة والضحاك:ليملك بعضهم
بعضا. وهو راجع إلى الأول.
ثم قال: (
وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )
أي:رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا.
ثم قال تعالى: (
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً )
أي:لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن
أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال - هذا معنى قول ابن عباس، والحسن، وقتادة،
والسدي، وغيرهم- ( لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ
بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ [
عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ] )
أي:سلالم ودرجا من فضة - قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي:وابن زيد، وغيرهم-
( عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ) ،
أي:يصعدون .
وَلِبُيُوتِهِمْ
أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ( 34 )
وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 )
(
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا ) أي:أغلاقا على أبوابهم (
وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ) ،
أي:جميع ذلك يكون فضة، ( وزخرفا ) ،
أي:وذهبا. قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن زيد.
ثم قال:
( وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
) أي:إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله [
تعالى ] أي:يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب،
ليوافوا الآخرة وليس لهم عند الله حسنة يجزيهم بها، كما ورد به الحديث الصحيح . [ وقد
] ورد في حديث آخر: « لو أن الدنيا
تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا شربة ماء » ، أسنده
البغوي من رواية زكريا بن منظور، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله
عليه وسلم فذكره ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح، عن أبي حازم عن سهل بن سعد
عن النبي صلى الله عليه وسلم: « لو عدلت الدنيا جناح بعوضة،
ما أعطى كافرا منها شيئا » .
ثم قال:
( وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) أي:هي
لهم خاصة لا يشاركهم:فيها [ أحد ] غيرهم
ولهذا لما قال عمر بن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين صعد إليه في تلك المشربه
لما آلى من نسائه، فرآه [ عمر ] على
رمال حصير قد أثر بجنبه فابتدرت عيناه بالبكاء وقال:يا رسول الله هذا كسرى وقيصر
فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا
فجلس وقال: « أوَ في شك أنت يا ابن الخطاب؟ » ثم قال:
« أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا » وفي
رواية: « أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ »
وفي
الصحيحين أيضا وغيرهما:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا
تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في
الآخرة » . وإنما خولهم الله تعالى في الدنيا لحقارتها، كما روى
الترمذي وابن ماجه، من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرا
شربة ماء أبدا » ، قال الترمذي:حسن صحيح .
وَمَنْ
يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 )
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
مُهْتَدُونَ ( 37 )
حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ
الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 38 )
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ
مُشْتَرِكُونَ ( 39 )
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ ( 40 )
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ
نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 )
فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 )
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ( 44 ) وَاسْأَلْ
مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 )
يقول
تعالى: ( وَمَنْ يَعْشُ )
أي:يتعامى ويتغافل ويعرض، ( عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) والعشا
في العين:ضعف بصرها. والمراد هاهنا:عشا البصيرة، (
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) كقوله:
وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا [ النساء:115 ] ،
وكقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [
الصف:5 ] ، وكقوله: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا
لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا
خَاسِرِينَ [ فصلت:25 ] ؛
ولهذا قال هاهنا: ( وَإِنَّهُمْ
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى
إِذَا جَاءَنَا ) أي:هذا الذي تغافل عن الهدى
نقيض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة
يتبرم بالشيطان الذي وكل به، ( قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي
وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) [
أي:فبئس القرين كنت لي في الدنيا ] وقرأ
بعضهم: « حتى إذا جاءانا »
يعني:القرين والمقارن.
قال عبد
الرزاق:أخبرنا معمر، عن سعيد الجُرَيري قال:بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم
القيامة سَفَع بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين
يقول: ( يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
فَبِئْسَ الْقَرِينُ )
والمراد
بالمشرقين هنا هو ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبا، كما يقال
القمران، والعمران، والأبوان، [ والعسران ] . قاله
ابن جرير وغيره.
[ ولما كان الاشتراك في
المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي
أخاها:
ولَــوْلا كــثرةُ البــاكين حَــوْلي عَــلَى قَتْلاهــم
لقتلـــتُ نَفْســي
ومــا يَبْكُــون مثـلَ أخـي ولكـن أُسَـــلِّي النفسَ
عنـــه بالتأسِّــي
قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي
وتسلية ولا تخفيف ] .
ثم قال
تعالى: ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ
فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) أي:لا يغني عنكم اجتماعكم في
النار واشتراككم في العذاب الأليم.
وقوله: (
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ ) أي:ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن
الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل في ذلك.
ثم قال:
( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ
مُنْتَقِمُونَ ) أي:لا بد أن ننتقم منهم
ونعاقبهم، ولو ذهبت أنت، ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي
وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) أي:نحن
قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله رسوله حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في
نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم. هذا معنى قول السدي، واختاره ابن جرير.
وقال ابن
جرير حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر قال:تلا قتادة: ( فَإِمَّا
نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ )
فقال:ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة، ولم يُرِ الله نبيه صلى الله
عليه وسلم في أمته شيئا يكرهه، حتى مضى ، ولم يكن نبي قط إلا ورأى العقوبة في
أمته، إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال:وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أرِيَ ما يصيب أمته من بعده، فما رُئِي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله عز وجل .
وذكر من
رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة نحوه. ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا.
وفي
الحديث: « النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما
تُوعَدُ، وأنا أمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون » .
ثم قال
تعالى: ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي:خذ بالقرآن المنـزل على
قلبك، فإنه هو الحق، وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل
إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم.
ثم قال:
( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ )
قيل:معناه لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد.
واختاره ابن جرير، ولم يحك سواه.
وأورد
البغوي هاهنا حديث الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن معاوية قال:سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: « إن هذا الأمر في قريش لا
ينازعهم فيه أحد إلا أكَبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين » . رواه
البخاري .
و [ قيل
] معناه:أنه شرف لهم من حيث إنه أنـزل بلغتهم، فهم أفهم الناس
له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من
الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين، ومن شابههم وتابعهم.
وقيل:معناه:
( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ )
أي:لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنَا
إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [
الأنبياء:10 ] ، وكقوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [
الشعراء:214 ] .
(
وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) أي:عن هذا القرآن وكيف كنتم
في العمل به والاستجابة له.
وقوله: (
وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ؟
أي:جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا
عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا
أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [
النحل:36 ] . قال مجاهد:في قراءة عبد الله بن مسعود: « واسأل
الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا » . وهكذا حكاه قتادة والضحاك
والسدي، عن ابن مسعود. وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم.
وقال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم:واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء جُمِعوا له. واختار ابن
جرير الأول، [ والله أعلم ] .
وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي
رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 46 )
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ( 47 )
يقول تعالى مخبرا عن عبده
ورسوله موسى، عليه السلام، أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء
والقادة، والأتباع والرعايا، من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده
لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظاما، كيده وعصاه، وما
أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس
والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها،
وضحكوا ممن جاءهم بها.
وَمَا نُرِيهِمْ
مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 48 )
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ
إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ( 49 )
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 50 )
( وَمَا
نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ) ومع
هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم. وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات
يضرعون إلى موسى، عليه السلام، ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ( يَا
أَيُّهَا السَّاحِرُ ) أي:العالم، قاله ابن جرير.
وكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما، فليس هذا
منهم على سبيل الانتقاص منهم؛ لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما
هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يَعِدُون موسى [
عليه السلام ] إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا ويرسلوا معه بني إسرائيل. وفي كل
مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله [
تعالى ] فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ
وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا
وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا
يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا
الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ *
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ
يَنْكُثُونَ [ الأعراف:133 - 135 ] .
وَنَادَى
فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ
الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ( 52 )
فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ
الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( 53 )
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 54 ) فَلَمَّا
آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ( 55 )
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ ( 56 ) .
يقول تعالى مخبرا عن فرعون
وتمرده وعتوه وكفره وعناده:أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر
وتصرفه فيها: ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ) ، قال
قتادة قد كانت لهم جنان وأنهار ماء، (
أَفَلا تُبْصِرُونَ ) ؟ أي:أفلا ترون ما أنا فيه من
العظمة والملك، يعني:وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء. وهذا كقوله تعالى: فَحَشَرَ
فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ
الآخِرَةِ وَالأُولَى [ النازعات:23 - 25 ] .
وقوله: ( أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) قال
السدي:يقول:بل أنا خير من هذا الذي هو مهين. وهكذا قال بعض نحاة البصرة:إن « أم » هاهنا
بمعنى « بل » . ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن
بعض القراء أنه قرأها: « أما أنا خير من هذا الذي هو
مهين » . قال ابن جرير:ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا
واضحا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار، فإنهم قرؤوا: ( أَمْ
أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ) ؟ على
الاستفهام.
قلت:وعلى كل تقدير فإنما يعني
فرعون - عليه اللعنة - أنه خير من موسى، عليه السلام، وقد كذب في قوله هذا كذبا
بينا واضحا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
ويعني بقوله: ( مهين ) كما قال
سفيان:حقير. وقال قتادة والسدي:يعني:ضعيف. وقال ابن جرير:يعني:لا ملك له ولا سلطان
ولا مال.
( وَلا
يَكَادُ يُبِينُ ) يعني:لا يكاد يفصح عن كلامه ،
فهو عيي حصر .
قال السدي: ( وَلا
يَكَادُ يُبِينُ ) أي:لا يكاد يفهم. وقال قتادة،
والسدي، وابن جرير:يعني عيي اللسان. وقال سفيان:يعني في لسانه شيء من الجمرة حين
وضعها في فيه وهو صغير.
وهذا الذي قاله فرعون - لعنه
الله- كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى، عليه
السلام، بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ، عليه السلام، من الجلالة والعظمة والبهاء
في صورة يبهر أبصار ذوي [ الأبصار و ]
الألباب. وقوله: ( مهين ) كذب،
بل هو المهين الحقير خِلْقةً وخلقا ودينا. وموسى [
عليه السلام ] هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد . وقوله: ( وَلا
يَكَادُ يُبِينُ ) افتراء أيضا، فإنه وإن كان قد
أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله، عز وجل، أن يحل عقدة
من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله له في [ ذلك
في ] قوله: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [
طه:26 ] ، وبتقدير أن يكون قد بقى شيء لم يسأل إزالته، كما قاله
الحسن البصري، وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الخلقية
التي ليست من فعل العبد لا يعاب بها ولا يذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل
فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته، فإنهم كانوا جهلة أغبياء، وهكذا
كقوله: ( فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) أي:وهي
ما يجعل في الأيدي من الحلي، قاله ابن عباس وقتادة وغير واحد، ( أَوْ
جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ )
أي:يكتنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر، ولم يفهم السر
المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه، لو كان يعلم؛ ولهذا قال تعالى: (
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ )
أي:استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له، (
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ) .
قال الله تعالى: (
فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) ، قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( آسفونا )
أسخطونا.
وقال الضحاك، عنه:أغضبونا.
وهكذا قال ابن عباس أيضا، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي،
وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم التجيبي
عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
رأيت الله عز وجل يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه
له » ثم تلا ( فَلَمَّا آسَفُونَا
انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) .
وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد
الحميد الحِمَّاني، حدثنا قيس بن الربيع، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب
قال:كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة، فقال:تخفيف على المؤمن، وحسرة على
الكافر. ثم قرأ: ( فَلَمَّا آسَفُونَا
انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) .
وقال عمر بن عبد العزيز رضي
الله عنه:وجدت النقمة مع الغفلة، يعني قوله: (
فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) .
وقوله: (
فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ ) :قال
أبو مجلز: ( سَلَفًا ) لمثل من عمل بعملهم.
وقال هو ومجاهد: ( ومثلا
) أي:عبرة لمن بعدهم.
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ
مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 )
وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ
هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ
هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
( 59 ) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا
مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) يقول
تعالى مخبرا عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: (
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قال
غير واحد، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي:يضحكون ، أي:أعجبوا بذلك.
وقال قتادة:يجزعون ويضحكون.
وقال إبراهيم النخعي:يعرضون.
وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد
بن إسحاق في السيرة حيث قال:وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني- يوما
مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس
غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن
الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم:
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
وَارِدُونَ ) الآيات [ الأنبياء:98 ] . ثم
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزّبعَرى التميمي حتى جلس،
فقال الوليد بن المغيرة له:والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد،
وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعرى:أما
والله لو وجدته لَخَصَمْتُه، سلوا محمدا:أكلّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من
عبده، فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح [
عيسى ] ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد
الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: « كل من أحب أن يعبد من دون الله، فهو مع من عبده، فإنهم إنما
يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته » فأنـزل
الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا
مُبْعَدُونَ [ الأنبياء:101 ]
أي:عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، عز
وجل، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله. ونـزل فيما يذكرون
أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا
سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ الآيات [
الأنبياء:26 ] ، ونـزل فيما يذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله. وعجب
الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: (
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ )
أي:يصدون عن أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى فقال: ( إِنْ
هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
* وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ *
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) أي:ما وضعت على يديه من
الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلا على علم الساعة، يقول: ( فَلا
تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) .
وذكر ابن جرير من رواية
العَوفي، عن ابن عباس قوله: ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ
مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ )
قال:يعني قريشا، لما قيل لهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [
الأنبياء:98 ] إلى آخر الآيات، فقالت له قريش:فما ابن مريم؟ قال: « ذاك
عبد الله ورسوله » . فقالوا:والله ما يريد هذا
إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربا، فقال الله تعالى ( مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم بن
القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي رَزِين، عن أبي يحيى -
مولى ابن عقيل الأنصاري- قال:قال ابن عباس:لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها
رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها.
قال:ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا ألا نكون سألناه عنها. فقلت:أنا لها إذا راح
غدا. فلما راح الغد قلت:يا ابن عباس، ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل
قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت:أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت
قبلها. قال:نعم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: « يا
معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير » ، وقد
علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما تقول في محمد، فقالوا:يا محمد، ألست
تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فإن كنت صادقا كان آلهتهم كما
تقولون؟ قال:فأنـزل الله: ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ
مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) .
قلت:ما يَصِدون؟ قال:يضحكون، ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ
لِلسَّاعَةِ ) قال:هو خروج عيسى ابن مريم قبل القيامة .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد
بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي أحمد
مولى الأنصار ، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير » .
فقالوا له:ألست تزعم أن عيسى كان نبيا وعبدا من عباد الله صالحا، فقد كان يُعبد من
دون الله ؟ فأنـزل الله عز وجل: (
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) .
وقال مجاهد في قوله: (
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) :قالت
قريش:إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى. ونحو هذا قال قتادة.
وقوله: (
وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) :قال
قتادة:يقولون:آلهتنا خير منه. وقال قتادة:قرأ ابن مسعود: « وقالوا
أآلهتنا خير أم هذا » ، يعنون محمدا صلى الله عليه
وسلم.
وقوله: ( مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا ) أي:مراء، وهم يعلمون أنه ليس
بوارد على الآية؛ لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [
الأنبياء:98 ] . ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام
والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلا
منهم، ليسوا يعتقدون صحتها.
وقد قال الإمام أحمد، رحمه الله
تعالى:حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما ضل قوم بعد هدى كانوا
عليه، إلا أورثوا الجدل » ، ثم تلا هذه الآية: ( مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وقد رواه الترمذي، وابن ماجه،
وابن جرير، من حديث حجاج بن دينار، به . ثم قال الترمذي:حسن صحيح لا نعرفه إلا من
حديثه كذا قال.
وقد روي من وجه آخر عن أبي
أمامة بزيادة فقال ابن أبي حاتم:حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمَّل، حدثنا
حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة - قال
حماد:لا أدري رفعه أم لا؟ - قال:ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب
بالقدر، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، ثم قرأ: ( مَا
ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )
وقال ابن جرير أيضا:حدثنا أبو
كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عباد بن عباد، عن جعفر، عن القاسم ، عن أبي
أمامة قال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن،
فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال: « لا
تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل » ، ثم
تلا ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ
خَصِمُونَ )
وقوله: ( إِنْ
هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ )
يعني:عيسى، عليه السلام، ما هو إلا عبد [ من
عباد الله ] أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة، (
وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ )
أي:دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء.
وقوله: (
وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ )
أي:بدلكم ( مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ ) ، قال
السدي:يخلفونك فيها. وقال ابن عباس، وقتادة:يخلف بعضهم بعضا، كما يخلف بعضكم بعضا.
وهذا القول يستلزم الأول. وقال مجاهد:يعمرون الأرض بدلكم.
وَإِنَّهُ
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ
مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلا
يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) وَلَمَّا
جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ
لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 )
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) فَاخْتَلَفَ
الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ
أَلِيمٍ ( 65 ) هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 66 )
الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ( 67 ) يَا
عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 )
الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ( 69 )
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ( 70 )
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ
الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 71 )
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 72 )
لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 73 ) .
وقوله: (
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) :تقدم تفسير ابن إسحاق:أن
المراد من ذلك:ما بُعث به عيسى، عليه السلام، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه
والأبرص، وغير ذلك من الأسقام. وفي هذا نظر. وأبعد منه ما حكاه قتادة، عن الحسن
البصري وسعيد بن جبير:أي الضمير في ( وإنه ) ، عائد
على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى [
عليه السلام ] ، فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نـزوله قبل يوم
القيامة، كما قال تبارك وتعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ
بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي:قبل موت عيسى، عليه الصلاة والسلام، ثم وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [ النساء:159 ] ،
ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: « وإنه
لعَلَم للساعة » أي:أمارة ودليل على وقوع
الساعة، قال مجاهد: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ
لِلسَّاعَةِ ) أي:آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. وهكذا
روي عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ، وابن
عباس، وأبي العالية، وأبي مالك، وعكرمة، والحسن وقتادة، والضحاك، وغيرهم.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنـزول عيسى [ ابن
مريم ] ، عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا.
وقوله: ( فَلا
تَمْتَرُنَّ بِهَا ) أي:لا تشكوا فيها، إنها واقعة
وكائنة لا محالة، ( واتبعون )
أي:فيما أخبركم به ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ *
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ) أي:عن
اتباع الحق ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى
بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ )
أي:بالنبوة ( وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ )
قال ابن جرير:يعني من الأمور
الدينية لا الدنيوية . وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن « بعض » هاهنا
بمعنى « كل » ، واستشهد بقول لبيد الشاعر:
تَــرّاك
أمْكنَــة إذَا لــم أرْضَهـا أو يَعْتَلــق بَعْضَ النفوس حمَامُها
وأولوه على أنه أراد جميع
النفوس. قال ابن جرير:وإنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها. وهذا الذي قاله
محتمل.
وقوله: (
فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي: [
فيما ] أمركم به، (
وأطيعون ) ، فيما جئتكم به، ( إِنَّ
اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي:أنا
وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له، ( هَذَا
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أي:هذا الذي جئتكم به هو
الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب، عز وجل، وحده.
وقوله: (
فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ )
أي:اختلفت الفرق وصاروا شيعا فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله - وهو الحق-
ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول:إنه الله - تعالى الله عن قولهم علوا
كبيرا- ولهذا قال: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ )
يقول تعالى:هل ينتظر هؤلاء
المشركون المكذبون للرسل ( إِلا السَّاعَةَ أَنْ
تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ؟
أي:فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين [ لها
] فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذ يندمون كل
الندم، حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم.
وقوله: (
الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ ) أي:كل
صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة إلا ما كان لله، عز وجل،
فإنه دائم بدوامه. وهذا كما قال إبراهيم، عليه السلام، لقومه: إِنَّمَا
اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [
العنكبوت:25 ] .
وقال عبد الرزاق:أخبرنا
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث ، عن علي، رضي الله عنه: (
الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ )
قال:خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله،
فقال:اللهم، إن فلانا خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير
وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما
أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني. فيقال له:اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيرا
وبكيت قليلا. قال:ثم يموت الآخر، فتجتمع أرواحهما، فيقال:ليثن أحدكما علىصاحبه،
فيقول كل واحد منهما لصاحبه:نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل. وإذا مات أحد
الكافرين، وبشر بالنار ذكر خليله فيقول:اللهم إن خليلي فلانا كان يأمرني بمعصيتك
ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا
تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت علي. قال:فيموت الكافر
الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقال:ليثن كل واحد منكما على صاحبه. فيقول كل واحد
منهما لصاحبه:بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل. رواه ابن أبي حاتم .
وقال ابن عباس، ومجاهد،
وقتادة:صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين.
وروى الحافظ ابن عساكر - في
ترجمة هشام بن أحمد- عن هشام بن عبد الله بن كثير:حدثنا أبو جعفر محمد بن الخضر
بالرقة، عن معافي:حدثنا حكيم بن نافع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي
الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو أن
رجلين تحابا في الله، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع الله بينهما يوم
القيامة، يقول:هذا الذي أحببته في » .
وقوله: ( يَا
عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ) ثم
بشرهم .
فقال: (
الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ )
أي:آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم.
قال المعتمر بن سليمان، عن
أبيه:إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع، فينادي
مناد: ( يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ ) فيرجوها الناس كلهم، قال:فيتبعُها: (
الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ) ،
قال:فييأس الناس منها غير المؤمنين. (
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ) أي:يقال لهم:ادخلوا الجنة (
أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ) أي:نظراؤكم (
تُحْبَرُونَ ) أي:تنعمون وتسعدون، وقد تقدم تفسيرها في سورة الروم.
(
يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ )
أي:زبادي آنية الطعام، ( وَأَكْوَابٍ )
وهي:آنية الشراب، أي:من ذهب لا خراطيم لها ولا عُرَى، (
وَفِيهَا مَا تَشْهِي الأنْفُسُ ) - وقرأ بعضهم: « تشتهيه
الأنفس » - ( وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ) أي:طيب
الطعم والريح وحسن المنظر.
قال عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر،
أخبرني إسماعيل بن أبي سعيد ، عن عكرمة - مولى ابن عباس- أخبره أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « إن أدنى أهل الجنة منـزلة
وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام في
قصور من ذهب، وخيام من لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين
ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى، مثله شهوته في آخرها
كشهوته في أولها، لو نـزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما
أوتي شيئا » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
الحسين بن الجنيد، حدثنا عمرو بن سواد السرحي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن
لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة:أن أبا أمامة، رضي الله عنه، حدث أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم - وذكر الجنة- فقال: « والذي
نفس محمد بيده، ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر،
فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى » ثم قرأ:
( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ
وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن -
هو ابن موسى- حدثنا سُكَيْن بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن
حَوْشَب، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
أدنى أهل الجنة منـزلة إن له لسبع درجات، وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له
ثلثمائة خادم، ويغدى عليه ويراح كل يوم بثلثمائة صحفة - ولا أعلمه إلا قال:من ذهب-
في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة
إناء، في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه يقول:يا رب،
لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور
العين لاثنين وسبعين زوجة، سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها
قدر ميل من الأرض » .
(
وَأَنْتُمْ فِيهَا ) أي:في الجنة (
خَالِدُونَ ) أي:لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولا. ثم قيل لهم على وجه
التفضل والامتنان: ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي
أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي:أعمالكم الصالحة كانت سببا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عمله
الجنة، ولكن بفضل من الله ورحمته. وإنما الدرجات تفاوتها بحسب عمل الصالحات.
قال ابن أبي حاتم:حدثنا الفضل
بن شاذان المقرئ، حدثنا يوسف بن يعقوب - يعني الصفار- حدثنا أبو بكر بن عياش، عن
الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « كل أهل النار يرى منـزله من الجنة حسرة، فيقول: لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [
الزمر:57 ] وكل أهل الجنة يرى منـزله من النار فيقول: وَمَا كُنَّا
لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [
الأعراف:43 ] ، ليكون له شكرا » .
قال:وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من
أحد إلا وله منـزل في الجنة ومنـزل في النار، فالكافر يرث المؤمنَ منـزلَه من
النار، والمؤمن يرث الكافرَ منـزله من الجنة » وذلك
قوله تعالى: ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
وقوله: (
لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ) أي:من
جميع الأنواع، ( مِنْهَا تَأْكُلُونَ )
أي:مهما اخترتم وأردتم. ولما ذكر [
الله تعالى ] الطعام والشراب، ذكر بعده الفاكهة لتتم [ هذه
] النعمة والغبطة.
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ( 74 ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ
فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 ) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ
وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ( 76 )
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ( 77 ) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ
بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ( 78 ) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا
فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ( 79 ) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا
نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) .
لما ذكر [
تعالى ] حال
السعداء، ثنى بذكر الأشقياء، فقال: ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ *
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ )
أي:ساعة واحدة (
وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ )
أي:آيسون من كل خير، ( وَمَا
ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ) أي:بأعمالهم السيئة بعد قيام
الحجج عليهم وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا، فجوزوا بذلك جزاء وفاقا، وما ربك
بظلام للعبيد.
(
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ )
وهو:خازن النار.
قال البخاري:حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
عمرو بن عطاء ، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقرأ على المنبر: (
وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) أي:ليقبض أرواحنا فيريحنا مما
نحن فيه، فإنهم كما قال تعالى: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ
عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [
فاطر:36 ] .
وقال: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ
لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [
الأعلى:11 - 13 ] ، فلما
سألوا أن يموتوا أجابهم مالك، ( قَالَ
إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) :قال
ابن عباس:مكث ألف سنة، ثم قال:إنكم ماكثون. رواه ابن أبي حاتم.
أي:لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها.
ثم ذكر سبب شقوتهم وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: ( لَقَدْ جِئْنَاكُمْ
بِالْحَقِّ )
أي:بيناه لكم ووضحناه وفسرناه، (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) أي:ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد
للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة،
واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.
ثم قال تعالى: ( أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ) قال مجاهد:أرادوا كيد شر
فكدناهم.
وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل:50 ] ، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل
ومكر يسلكونه، فكادهم الله، ورد وبال ذلك عليهم؛ ولهذا قال: ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا
نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ) أي:سرهم وعلانيتهم، ( بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) أي:نحن نعلم ما هم عليه،
والملائكة أيضا يكتبون أعمالهم، صغيرها وكبيرها.
قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
الْعَابِدِينَ ( 81 ) سُبْحَانَ رَبِّ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا
وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 ) وَهُوَ الَّذِي فِي
السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 85 ) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ( 86 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ
قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ
سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 )
يقول
تعالى: ( قُلْ ) يا محمد: ( إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ
وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) أي:لو فرض هذا لعبدته على ذلك لأني عبد من عبيده، مطيع
لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض كان هذا، ولكن
هذا ممتنع في حقه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضا، كما قال
تعالى: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ
مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ الزمر:4 ] .
[ و ] قال بعض المفسرين في قوله: ( فَأَنَا أَوَّلُ
الْعَابِدِينَ )
أي:الآنفين. ومنهم سفيان الثوري، والبخاري حكاه فقال:ويقال: ( أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) الجاحدين، من عبد يعبد.
وذكر ابن
جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، حدثني ابن
أبي ذئب، عن أبي قُسَيْط ، عن بَعَجة بن زيد الجهني؛ أن امرأة منهم دخلت على زوجها
- وهو رجل منهم أيضا- فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان، رضي
الله عنه، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال:إن
الله يقول في كتابه: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [ الأحقاف:15 ] ، وقال وَفِصَالُهُ فِي
عَامَيْنِ [
لقمان:14 ] ،
قال:فوالله ما عبد عثمان، رضي الله عنه، أن بعث إليها:ترد - قال يونس:قال ابن
وهب:عبد:استنكف.
[ و ] قال الشاعر:
مَتَـى
مَـا يَشَـأ ذُو الوُدِّ يصْرِمْ خَليله ويَعْبَــدُ عَلَيــه لا مِحَالَــة
ظَالمًـا
وهذا
القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره:إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟
هذا فيه نظر، فليتأمل. اللهم إلا أن يقال: « إن » ليست
شرطا، وإنما هي نافية كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ
لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ ) ،
يقول:لم يكن للرحمن ولد فأنا أول الشاهدين.
وقال
قتادة:هي كلمة من كلام العرب: ( قُلْ
إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) أي:إن ذلك لم يكن فلا ينبغي.
وقال أبو
صخر: ( قُلْ
إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) أي:فأنا أول من عبده بأن لا
ولد له، وأول من وحده. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال
مجاهد: (
فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) أي:أول
من عبده ووحده وكذبكم.
وقال البخاري:
(
فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ )
الآنفين. وهما لغتان، رجل عابد وعبد .
والأول
أقرب على أنه شرط وجزاء، ولكن هو ممتنع.
وقال
السدي [ في
قوله ] ( قُلْ إِنْ كَانَ
لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) يقول:لو كان له ولد كنت أول من
عبده، بأن له ولدا، لكن لا ولد له. وهو اختيار ابن جرير، وردّ قول من زعم أن « إن » نافية.
ولهذا
قال: (
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ) أي:تعالى وتقدس وتنـزه خالق الأشياء
عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له، فلا ولد له.
وقوله: ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ) أي:في جهلهم وضلالهم ( وَيَلْعَبُوا ) في دنياهم ( حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ
الَّذِي يُوعَدُونَ ) وهو
يوم القيامة، أي:فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم، ومآلهم، وحالهم في ذلك اليوم.
وقوله: ( وَهُوَ الَّذِي فِي
السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ) أي:هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، يعبده أهلهما،
وكلهم خاضعون له، أذلاء بين يديه، ( وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ )
وهذه
الآية كقوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ
سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [ الأنعام:3 ] أي:هو المدعو الله في السموات
والأرض.
( وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) أي:هو خالقهما ومالكهما والمتصرف
فيهما، بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد، وتبارك:أي استقر له
السلامة من العيوب والنقائص؛ لأنه الرب العلي العظيم، المالك للأشياء، الذي بيده
أزمة الأمور نقضا وإبراما، (
وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) أي:لا
يجليها لوقتها إلا هو، (
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
أي:فيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
ثم قال
تعالى: ( وَلا
يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) أي:من الأصنام والأوثان ( الشَّفَاعَةَ ) أي:لا يقدرون على الشفاعة لهم، ( إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) هذا استثناء
منقطع، أي:لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له.
ثم قال:
(
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
)
أي:ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره ( مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ ) أي:هم
يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها، وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه
غيره، ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة
وسخافة العقل؛ ولهذا قال: (
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ )
وقوله: ( وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ
هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ )
أي:وقال:محمد:قيله، أي:شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه، فقال:يا رب، إن
هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [ الفرقان:30 ] وهذا الذي قلناه هو [ معنى ] قول ابن مسعود، ومجاهد،
وقتادة، وعليه فسر ابن جرير .
قال
البخاري:وقرأ عبد الله - يعني ابن مسعود- : « وقال الرسول يا رب » .
وقال
مجاهد في قوله: (
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ) ، قال:فأبر الله قول محمد.
وقال
قتادة:هو قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل.
ثم حكى
ابن جرير في قوله: (
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ )
قراءتين، إحداهما النصب، ولها توجيهان:أحدهما أنه معطوف على قوله: نَسْمَعُ
سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [
الزخرف:80 ]
والثاني:أن يقدر فعل، وقال:قيلَه. والثانية:الخفض، وقيلِهِ، عطفا على قوله: ( وَعِنْدَهُ عِلْمُ
السَّاعَةِ )
تقديره:وعِلم قيله.
وقوله: ( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ ) أي:المشركين، ( وَقُلْ سَلامٌ ) أي:لا تجاوبهم بمثل ما
يخاطبونك به من الكلام السيئ، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلا وقولا ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ، هذا تهديد منه تعالى لهم،
ولهذا أحل بهم بأسه الذي لا يرد، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد،
حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب.
آخر
تفسير سورة الزخرف
تفسير سورة الدخان
وهي
مكية.
قال الترمذي:حدثنا
سفيان بن وَكِيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن عُمَر بن أبي خَثْعَم، عن يحيى بن أبى
كثير، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « من قرأ ( حم الدخان ) في
ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك » .
ثم
قال:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمَر بن أبي خثعم يضعف. قال البخاري:منكر
الحديث .
ثم
قال:حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحباب، عن هشام أبي المقدام،
عن الحسن ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ
( حم الدخان ) في
ليلة الجمعة، غفر له » .
ثم
قال:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يضعف، والحسن لم يسمع من
أبي هريرة كذا قال أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد .
وفي مسند
البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن زيد بن حارثة؛ أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لابن صَيَّاد: « إني قد
خبأت خبأ فما هو؟ » وخبأ له رسول الله صلى الله
عليه وسلم سورة الدخان، فقال:هو الدُّخ. فقال: « اخسأ
ما شاء الله كان » . ثم انصرف .
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 )
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ( 3 )
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ( 4 )
أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 5 )
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 6 )
رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 7 ) لا
إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ ( 8 )
يقول
تعالى مخبرا عن القرآن العظيم:إنه أنـزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال
تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [
القدر:1 ] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال:تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [
البقرة:185 ] وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في « سورة
البقرة » بما أغنى عن إعادته.
ومن قال:إنها
ليلة النصف من شعبان - كما روي عن عكرمة- فقد أبعد النَّجْعَة فإن نص القرآن أنها
في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن
الزهري:أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد
له، وقد أخرج اسمه في الموتى » فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض
به النصوص.
وقوله: (
إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ) أي:معلمين الناس ما ينفعهم
ويضرهم شرعًا، لتقوم حجة الله على عباده.
وقوله: (
فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) أي:في
ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال
والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد،
والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقوله: ( حكيم )
أي:محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: ( أَمْرًا
مِنْ عِنْدِنَا ) أي:جميع ما يكون ويقدره الله
تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه، (
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ) أي:إلى الناس رسولا يتلو
عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: (
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ) أي:الذي أنـزل هذا القرآن هو
رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، ( إِنْ
كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ) أي:إن كنتم متحققين.
ثم قال:
( لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ
آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ) وهذه الآية كقوله تعالى: قُلْ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ [
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ] الآية
[ الأعراف:158 ] .
بَلْ
هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ( 9 )
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ( 10 )
يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 11 )
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 )
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ( 13 )
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ( 14 )
إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ( 15 )
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ( 16 )
يقول تعالى:بل
هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي:قد جاءهم اليقين ، وهم يشكون فيه، ويمترون ولا
يصدقون به، ثم قال متوعدا لهم ومتهددًا: (
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) .
قال
سليمان بن مِهْرَان الأعمش، عن أبي الضُّحَى مسلم بن صُبَيْح ، عن مسروق قال:دخلنا
المسجد - يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه: (
يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) تدرون
ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم،
ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام. قال:فأتينا ابن مسعود فذكرنا ذلك له، وكان مضطجعًا
ففزع فقعد، وقال إن الله عز وجل قال لنبيكم صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [
ص:86 ] ، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: « الله
أعلم » سأحدثكم عن ذلك، إن قريشا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد
والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا
الدخان - وفي رواية:فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان
من الجهد- [ قال ] قال الله تعالى: (
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ
هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ، فأتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقيل:يا رسول الله استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. فاستسقى لهم فَسُقُوا
فأنـزل الله: ( إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ
قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) قال:ابن مسعود:فيكشف العذاب
عنهم يوم القيامة، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنـزل الله: (
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ) ،
قال:يعني يوم بدر.
قال ابن
مسعود:فقد مضى خمسة:الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللِّزام. وهذا الحديث مخرج
في الصحيحين. ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيرهما ،
وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة، عن الأعمش، به وقد وافق ابن مسعود على
تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى، جماعة من السلف كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم
النخعي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لَهِيعة،
حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله: ( يَوْمَ
تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ )
قال:كان يوم فتح مكة.
وهذا
القول غريب جدًّا بل منكر.
وقال
آخرون:لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث أبي سَرِيحة
حذيفة بن أسيد الغفاري، رضي الله عنه، قال:أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: « لا
تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات:طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج
يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف:خسف بالمشرق، وخسف
بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو:تحشر الناس-
:تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا » تفرد
بإخراجه مسلم في صحيحه .
وفي
الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن الصياد: « إني
خبأت لك خَبْأ » قال:هو الدُّخ. فقال له: « اخسأ
فلن تعدو قدرك » قال:وخبأ له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) .
وهذا فيه
إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم
يُقَرطمون العبارة؛ ولهذا قال: « هو الدُّخ »
يعني:الدخان. فعندها عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مادته وأنها شيطانية، فقال
له: « اخسأ فلن تعدو قدرك » .
ثم قال
ابن جرير:وحدثني عصام بن رَوَّاد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد
الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي بن حِرَاش قال:سمعت حذيفة بن اليمان
يقول :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أول
الآيات الدجال، ونـزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى
المحشر، تقيل معهم إذا قالوا، والدخان- قال حذيفة:يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا
رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ
هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) - يملأ ما بين المشرق
والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة ، وأما
الكافر فيكون بمنـزلة السكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره » .
قال ابن
جرير:لو صح هذا الحديث لكان فاصلا وإنما لم أشهد له بالصحة؛ لأن محمد بن خلف
العسقلاني حدثني أنه سأل روادا عن هذا الحديث:هل سمعه من سفيان؟ فقال له:لا
قال:فقلت:أقرأته عليه؟ قال:لا قال:فقلت له:فقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به؟ فقال:لا
فقلت له:فمن أين جئت به؟ فقال:جاءني به قوم فعرضوه علي، وقالوا لي:اسمعه منا. فقرءوه
عليَّ ثم ذهبوا به، فحدثوا به عني، أو كما قال .
وقد أجاد
ابن جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه
في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدًا، ولا سيما في أول سورة « بني
إسرائيل » في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليل، عن الحسن، عن
أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يهيج
الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل
مسمع منه » .
ورواه
سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري موقوفًا. ورواه عوف،
عن الحسن قوله.
وقال ابن
جرير أيضًا:حدثني محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني
ضَمْضَم بن زُرعَة، عن شُريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن ربكم أنذركم ثلاثا:الدخان
يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه والثانية
الدابة والثالثة الدجال » .
ورواه
الطبراني عن هاشم بن يزيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش، به وهذا
إسناد
جيد.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن الحارث، عن علي، رضي الله عنه، قال:لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن
كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفذ.
وروى ابن
جرير من حديث الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن
البيلماني، عن ابن عمر قال:يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع
الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ، أي:المشوي على الرَّضف.
ثم قال
ابن جرير:حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة عن ابن جريج ، عن عبد الله بن أبي مليكة
قال:غدوت على ابن عباس، رضي الله عنهما، ذات يوم فقال:ما نمت الليلة حتى أصبحت.
قلت:لم؟ قال:قالوا طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى
أصبحت وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه، عن ابن عمر، عن سفيان، عن عبد الله بن
أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره. وهذا إسناد صحيح إلى ابن
عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين،
مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع
ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن.
قال الله
تعالى: ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ) أي:بين
واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر به ابن مسعود، رضي الله عنه:إنما هو خيال رأوه في
أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله: (
يَغْشَى النَّاسَ ) أي:يتغشاهم ويَعُمهم ، ولو كان
أمرا خياليًّا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: (
يَغْشَى النَّاسَ )
وقوله: ( هَذَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي:يقال لهم ذلك تقريعًا
وتوبيخًا، كقوله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ
النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [
الطور:13 ، 14 ] ، أو يقول بعضهم لبعض ذلك.
وقوله: (
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ )
أي:يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله:
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا
نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [
الأنعام:27 ] . وكذا قوله: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ
الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ
مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [
إبراهيم:44 ] ، وهكذا قال هاهنا: (
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا
عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ )
يقول:كيف
لهم بالتذكر، وقد أرسلنا إليهم رسولا بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما
وافقوه، بل كذبوه وقالوا:معلم مجنون. وهذا كقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ
الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ
لِحَيَاتِي [ الفجر:23 ، 24 ] ، وقوله
تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ *
وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ *
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ
* وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ
قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [
سبأ:51 - 54 ] .
وقوله: (
إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) يحتمل
معنيين:
أحدهما:أنه
يقوله تعالى:ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم
فيه من الكفر والتكذيب، كقوله: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ
ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [
المؤمنون:75 ] ، وكقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ الأنعام:28 ] .
والثاني:أن
يكون المراد:إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم
مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون
باشرهم، كقوله تعالى: إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [
يونس:98 ] ، ولم يكن العذاب باشرهم، واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه [
ووصوله ] عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم
عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب أنه قال لقومه حين قالوا:
لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ
افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ
نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا [ الأعراف:88 ، 89 ] ،
وشعيب [ عليه السلام ] لم يكن
قط على ملتهم وطريقتهم.
وقال
قتادة: ( إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ) إلى
عذاب الله.
وقوله
تعالى: ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا
مُنْتَقِمُونَ ) فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر.
وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضًا عن ابن
عباس [ وجماعة ] من
رواية العوفي، عنه. وعن أبي بن كعب وجماعة، وهو محتمل.
والظاهر
أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا.
قال ابن
جرير:حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال:قال ابن
عباس:قال ابن مسعود:البطشة الكبرى:يوم بدر، وأنا أقول:هي يوم القيامة .
وهذا
إسناد صحيح عنه، وبه يقول الحسن البصري، وعكرمة في أصح الروايتين ، عنه.
وَلَقَدْ
فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ( 17 ) أَنْ
أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 18 )
يقول تعالى:ولقد اختبرنا قبل
هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، (
وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ) يعني:موسى كليمه، عليه
السلام،
( أَنْ
أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ) ،
كقوله: فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ
بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [
طه:47 ] .
وقوله: (
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ) أي:مأمون على ما أبلغكموه.
وَأَنْ
لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 19 )
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 )
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 )
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 )
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ
الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ
تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 )
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 )
وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ( 27 )
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ( 28 )
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 )
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 )
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 32 )
وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ( 33 )
وقوله: (
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ) أي:لا
تستكبروا عن اتباع آياته، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه ، كقوله: إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [
غافر:60 ] .
(
إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ [ مُبِينٍ ] )
أي:بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسله الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعة .
(
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) قال
ابن عباس، وأبو صالح:هو الرجم باللسان وهو الشتم.
وقال
قتادة: [ هو ] الرجم بالحجارة.
أي أعوذ
بالله الذي خلقني وخلقكم [ من ] أن
تصلوا إليَّ بسوء من قول أو فعل.
(
وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ) أي:فلا
تتعرضوا إليَّ ، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال
مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرًا وعنادًا،
دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ
آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ
* قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا [
يونس:88 ، 89 ] . وهكذا قال هاهنا: (
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ) فعند
ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون
ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: (
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) كما
قال: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ
طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [
طه:77 ] .
وقوله
هاهنا: ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ
) وذلك أن موسى، عليه السلام، لما جاوز هو وبنو إسرائيل
البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون،
فلا يصل إليهم. فأمره الله أن يتركه على حاله ساكنًا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه
، وأنه لا يخاف دركًا ولا يخشى.
قال ابن
عباس: ( وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ) كهيئته
وامضِهْ. وقال مجاهد ( رهوا ) طريقًا
يبسًا كهيئته، يقول:لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع
بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد وكعب الأحبار وسِمَاك بن حرب، وغير واحد .
ثم قال
تعالى: ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ ) وهي
البساتين ( وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ )
والمراد بها الأنهار والآبار، ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) وهي المساكن
الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة.
وقال
مجاهد، وسعيد بن جبير: ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ )
المنابر.
وقال ابن
لَهِيعة، عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال:نيل مصر سيد الأنهار،
سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَهُ له، فإذا أراد الله أن يجري نيل
مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا
انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
وقال في
قوله تعالى: ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ
وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ )
قال:كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعًا، ما بين
أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج:خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس،
وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما
بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من
ستة عشر ذراعًا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها.
(
وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ )
أي:عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال
والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا
وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية
والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تعالى: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ [ الشعراء:59 ] وقال
في موضع آخر : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ
مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [
الأعراف:137 ] . وقال هاهنا: (
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) وهم
بنو إسرائيل، كما تقدم.
وقوله: ( فَمَا
بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) أي:لم
تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع
عبدوا الله فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم،
وعتوهم وعنادهم.
قال
الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده:حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن
إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك ، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « ما من عبد إلا وله في السماء
بابان:باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه » وتلا
هذه الآية: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) وذُكر
أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم. ولم يصعد لهم إلى السماء
من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم .
ورواه
ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي.
وقال ابن
جرير:حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد
الحضرمي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود
غريبًا. ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت
عليه السماء والأرض « . ثم قرأ رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ ) ثم
قال: » إنهما لا يبكيان على الكافر « .»
وقال ابن
أبى حاتم:حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري- حدثنا العلاء بن
صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال:سأل رجل عليًّا رضي الله
عنه:هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له:لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد
قبلك، إنه ليس [ من ] عبد
إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في
الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي، رضي الله عنه ( فَمَا
بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ )
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غَنَّام، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن
سعيد بن جبير قال:أتى ابنَ عباس رجلٌ فقال:يا أبا عباس أرأيت قول الله: ( فَمَا
بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ) فهل
تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال:نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في
السماء منه ينـزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء
الذي كان يصعد فيه عمله وينـزل منه رزقه بكى عليه، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي
كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار
صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض .
وروى
العوفي، عن ابن عباس، نحو هذا.
وقال
سفيان الثوري، عن أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس [ رضي
الله عنهما ] قال:كان يقال:تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا. وكذا
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد.
وقال
مجاهد أيضا:ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال:فقلت
له:أتبكي الأرض؟ فقال:أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع
والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟
وقال
قتادة:كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل،
حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال:ما بكت السماء منذ كانت
الدنيا إلا على اثنين قلت لعبيد:أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال:ذاك
مقامه حيث يصعد عمله. قال:وتدري ما بكاء السماء؟ قلت لا قال:تحمر وتصير وردة
كالدهان، إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دمًا. وإن حسين بن علي لما
قتل احمرت السماء.
وحدثنا
علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو - زُنَيج- حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي
زياد قال:لما قتل حسين بن علي، رضي الله عنهما، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر. قال
يزيد:واحمرارها بكاؤها. وهكذا قال السدي الكبير.
وقال
عطاء الخراساني:بكاؤها:أن تحمر أطرافها.
وذكروا
أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عَبِيط، وأنه كسفت
الشمس، واحمر الأفق، وسقطت حجارة. وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سُخْف الشيعة
وكذبهم، ليعظموا الأمر - ولا شك أنه عظيم- ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه،
وقد وقع ما هو أعظم من [ ذلك ] - قتل
الحسين رضي الله عنه- ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب،
وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع [ شيء من ] ذلك،
وعثمان بن عفان قتل محصورًا مظلومًا، ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب، رضي
الله عنه، قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك،
ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر في الدنيا
والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه
وسلم خسفت الشمس فقال الناس: [ الشمس ] خسفت
لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، وخطبهم وبين
لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته .
وقوله: (
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) يمتن
عليهم تعالى بذلك، حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره
إياهم في الأعمال المهينة الشاقة.
وقوله: ( مِنْ
فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [
مِنَ الْمُسْرِفِينَ ] )
أي:مستكبرًا جبارًا عنيدًا، كقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ [
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا ] [
القصص:4 ] .
وقوله:
فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ [
المؤمنون:46 ] ، [ وقوله فَاسْتَكْبَرُوا فِي
الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ ] [
العنكبوت:39 ] ، [ فكان فرعون ] سِرفًا
في أمره، سخيف الرأي على نفسه.
وقوله: (
وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) قال
مجاهد: ( اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) على من
هم بين ظهريه. وقال قتادة:اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال:إن لكل زمان
عالما. وهذه كقوله تعالى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [
الأعراف:144 ] أي:أهل زمانه، وكقوله لمريم: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ
الْعَالَمِينَ [ آل عمران:42 ] أي:في
زمانها؛ فإن خديجة أفضل منها، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، أو مساوية لها في
الفضل، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
وقوله: (
وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ ) أي: [ من ] الحجج
والبراهين وخوارق العادات ( مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ )
أي:اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به.
إِنَّ
هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ( 34 ) إِنْ
هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 )
فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 36 )
أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ
إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ( 37 )
يقول
تعالى منكرًا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ثم إلا هذه الحياة
الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور. ويحتجون بآبائهم الماضين الذين
ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقًا (
فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وهذه
حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في هذه الدار، [ بل ] بعد
انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار
جهنم وقودًا، يوم تكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا.
ثم قال
تعالى متهددًا لهم، ومتوعدًا ومنذرًا لهم بأسه الذي لا يرد، كما حل بأشباههم
ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث وكقوم تبع - وهم سبأ- حيث أهلكهم الله
وخَرَّب بلادهم، وشردهم في البلاد، وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي
مُصَدَّرة بإنكار المشركين للمعاد. وكذلك هاهنا شبههم بأولئك، وقد كانوا عربًا من
قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير - وهم سبأ- كلما ملك فيهم رجل
سموه تُبَّعًا، كما يقال:كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك
مصر كافرا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس. ولكن اتفق أن بعض
تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه
وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مَصَّر الحيرة فاتفق أنه
مَرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه
بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من
أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة؛ فإنها مُهَاجَرُ
نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة
أراد هدم الكعبة فنهياه [ عن ذلك ] أيضًا،
وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم
على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها ، وكساها الملاء
والوصائل والحبير. ثم كر راجعًا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك
دين موسى ، عليه السلام، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح، عليه السلام،
فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه
السيرة وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة، أورد فيها أشياء كثيرة
مما ذكرنا وما لم نذكر . وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له
من دمشق إلى اليمن، ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب ، عن
المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما
أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تبع لعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو
القرنين نبيًّا كان أم ملكا؟ » وقال غيره: «
أعزيرًا كان نبيًّا أم لا؟ » . وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن
محمد بن حماد الظهراني، عن عبد الرزاق .
قال
الدارقطني:تفرد به عبد الرزاق . ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كُرَيْب، عن
أبيه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، مرفوعا: « عُزيرُ
لا أدري أنبيًّا كان أم لا؟ ولا أدري ألعين تُبَّع أم لا؟ » .
ثم أورد
ما جاء في النهي عن سبه ولعنته، كما سيأتي. وكأنه - والله أعلم- كان كافرًا ثم
أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل
بعثة المسيح، عليه السلام، وحج البيت في زمن الجُرهُميين، وكساه الملاء والوصائل
من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن. وقد
ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر، من طرق متعددة مطولة مبسوطة، عن أبي بن كعب
وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن عباس وكعب الأحبار. وإليه المرجع في ذلك كله،
وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن
مُنَبِّه، ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن
عساكر في بعض السياقات ترجمة تُبَّع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن
تُبَّعًا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده
إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ، وقد بسطنا
قصتهم هنالك، ولله الحمد والمنة.
وقال سعيد
بن جبير:كسا تبع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه.
وتُبَّع
هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كُرَيْب بن مَلْكيكرب اليماني ذكروا أنه ملك
على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل
مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعمائة عام. وذكروا أنه لما ذكر له
الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مُهَاجَرُ نبي آخر في الزمان ، اسمه أحمد،
قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة. وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفًا عن
سلف. وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
في داره، وهو:
شَــهِدْتُ عَــلَى أَحْــمَـدَ أنَّــه رَسُــولٌ مِــنَ
اللـهِ بَـاري النَّسَـمْ
فَلَــو مُــدَّ عُمْــري إلـى عُمْـرِهِ لَكُــنْت وَزيــرا
لـه وابــن عَـمْ
وَجَـــاهَدْتُ بالسَّــيفِ أعْــدَاءَهُ وَفرَّجــتُ عَـنْ
صَـدْرِه كُـلَّ غَــمْ
وذكر ابن
أبي الدنيا أنه حُفِر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند
رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: « هذا
قبر حبي ولميس - وروي:حبي وتماضر- ابنتي تُبَّع ماتتا، وهما تشهدان أن لا إله إلا
الله ولا تشركان به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.»
وقد
ذكرنا في « سورة سبأ » شعر سبأ
في ذلك أيضًا.
قال
قتادة:ذكر لنا أن كعبًا كان يقول في تبع:نُعِت نَعْت الرجل الصالح، ذم الله تعالى
قومه ولم يذمه، قال:وكانت عائشة تقول:لا تسبوا تُبَّعًا؛ فإنه قد كان رجلا صالحًا.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن
لَهِيعَة عن أبي زُرْعَة - يعني عمرو بن جابر الحضرمي- قال:سمعت سهل بن سعد
الساعدي يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تسبوا تُبَّعًا؛ فإنه قد كان أسلم » .
ورواه
الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى، عن ابن لَهِيعة، به .
وقال
الطبراني:حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بَزَّة، حدثنا مؤمل
ابن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سمَاك بن حرب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « لا تسبوا تبعا؛ فإنه قد أسلم
» .
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن ابن أبي ذئب، عن المقْبُري، عن أبي هريرة، رضي الله
عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
أدري، تُبَّع نبيًّا كان أم غير نبي » .
وتقدم
بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: « لا
أدري تُبَّع كان لعينًا أم لا؟ » . فالله أعلم.
ورواه
ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البدي ، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا.
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال:قال عطاء بن أبي
رباح:لا تسبوا تُبَّعًا؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه .
وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ( 38 ) مَا
خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 )
يقول تعالى مخبرًا عن عدله
وتنـزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل، كقوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ
وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [
ص:27 ] ، وقال أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا
وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [
المؤمنون:115 ، 116 ] .
إِنَّ
يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ( 40 )
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 41 ) إِلا
مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 42 )
ثم قال:
( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ) وهو
يوم القيامة، يفصل الله فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين.
وقوله: (
مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ) أي:يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم.
(
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ) أي:لا
ينفع قريب قريبًا، كقوله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ
يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [
المؤمنون:101 ] ، وكقوله وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا *
يُبَصَّرُونَهُمْ [ المعارج:10 ، 11 ] أي:لا
يسأل أخًا له عن حاله وهو يراه عيانًا.
وقوله: ( وَلا
هُمْ يُنْصَرُونَ ) أي:لا ينصر القريب قريبه، ولا
يأتيه نصره من خارج.
ثم قال:
( إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ ) أي:لا
ينفع يومئذ إلا من رحمه الله، عز وجل، لخلقه (
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) أي:هو
عزيز ذو رحمة واسعة.
إِنَّ
شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ( 43 )
طَعَامُ الأَثِيمِ ( 44 )
كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 )
كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ( 46 )
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ( 47 )
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 )
إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ( 50 )
يقول
تعالى مخبرًا عما يعذب به [ عباده ]
الكافرين الجاحدين للقائه: ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ
* طَعَامُ الأثِيمِ ) والأثيم أي:في قوله وفعله،
وهو الكافر. وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست
خاصة به.
قال ابن
جرير:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم عن
همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلا ( إِنَّ
شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ ) فقال:طعام
اليتيم فقال أبو الدرداء قل:إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. أي:ليس له طعام غيرها.
قال
مجاهد:ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. وقد تقدم نحوه
مرفوعا.
وقوله: (
كَالْمُهْلِ ) قالوا:كعكر الزيت ( يَغْلِي
فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ) أي:من
حرارتها ورداءتها.
وقوله: (
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ ) أي: [
خذوا ] الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية (
خُذُوهُ ) ابتدره سبعون ألفًا منهم.
(
فَاعْتِلُوهُ ) أي:سوقوه سحبا ودفعا في ظهره.
قال
مجاهد: ( خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ )
أي:خذوه فادفعوه.
وقال
الفرزدق:
لَيسَ الكِـــرَامُ بِنَــاحِلِيكَ أَبَــاهُمُ حَــتَّى
تُــرَدَّ إلـى عَطيَّـة تُعْتَـلُ
( إِلَى
سَوَاءِ الْجَحِيمِ ) أي:وسطها.
( ثُمَّ
صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ) كقوله
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ
وَالْجُلُودُ [ الحج:19 ، 20 ] .
وقد تقدم
أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، تفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه فينـزل في
بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه، حتى تمرق من كعبيه - أعاذنا الله تعالى من ذلك.
وقوله: ( ذُقْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ )
أي:قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.
وقال
الضحاك عن ابن عباس:أي لست بعزيز ولا كريم.
وقد قال
الأموي في مغازيه:حدثنا أسباط، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة قال:لقي رسول الله
صلى الله عليه وسلم أبا جهل - لعنه الله- فقال: « إن
الله تعالى أمرني أن أقول لك: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ
فَأَوْلَى [ القيامة:34 ، 35 ]
قال:فنـزع ثوبه من يده وقال:ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء. ولقد علمت أني
أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال:فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعيره
بكلمته، وأنـزل: ( ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) .»
وقوله: ( إِنَّ
هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ) ،
كقوله يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي
كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [
الطور:13 - 15 ] ، ؛ ولهذا قال هاهنا: ( إِنَّ
هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ )
إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 )
يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ ( 53 )
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 )
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا
يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ
الْجَحِيمِ ( 56 )
فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 )
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 )
فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( 59 )
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف
بذكر [ حال ] السعداء - ولهذا سُمّي القرآن
مثاني- فقال: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) أي:لله
في الدنيا ( فِي مَقَامٍ أَمِينٍ ) أي:في
الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب
ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب.
( فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) وهذا في مقابلة ما أولئك فيه
من شجر الزقوم، وشرب الحميم.
وقوله تعالى: (
يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ )
وهو:رفيع الحرير، كالقمصان ونحوها (
وَإِسْتَبْرَقٍ ) وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك
كالرياش، وما يلبس على أعالي القماش، (
مُتَقَابِلِينَ ) أي:على السرر لا يجلس أحد
منهم وظهره إلى غيره.
وقوله: (
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) أي:هذا
العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان اللاتي لَمْ يَطْمِثْهُنَّ
إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [ الرحمن:56 ، 74 ]
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [
الرحمن:58 ] هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ [
الرحمن:60 ] .
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار، حدثنا عمر بن سعد، عن رجل عن أنس -
رفعه نوح- قال:لو أن حوراء بَزَقَت في بحر لُجِّي، لعَذُبَ ذلك الماء لعذوبة ريقها
.
وقوله: (
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ )
أي:مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر
إليهم كلما أرادوا.
وقوله: ( لا
يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى ) هذا
استثناء يؤكد النفي، فإنه استثناء منقطع ومعناه:أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا،
كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يؤتى
بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم يقال:يا أهل الجنة
خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت » وقد
تقدم الحديث في سورة مريم .
وقال عبد الرزاق:حدثنا سفيان
الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة، رضي الله
عنهما، قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقال
لأهل الجنة:إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا
أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تَبْأسوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا
» . رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد
الرزاق به .
هكذا يقول أبو إسحاق وأهل
العراق « أبو مسلم الأغر » ، وأهل
المدينة يقولون: « أبو عبد الله الأغر » .
وقال أبو بكر بن أبي داود
السجستاني:حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن طَهْمَان، عن الحجاج - هو
ابن حجاج - عن عبادة ، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه،
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
اتقى الله دخل الجنة، ينعم فيها ولا يبأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه،
ولا يفنى شبابه » .
وقال أبو القاسم الطبراني:حدثنا
أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليمان بن عبيد الله الرقي، حدثنا
مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن
محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر، رضي الله عنه، قال:سُئل نبي الله صلى الله عليه
وسلم:أينام أهل الجنة؟ فقال: « النوم أخو الموت، وأهل الجنة
لا ينامون » .
وهكذا رواه أبو بكر بن
مُرْدَويه في تفسيره:حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود،
حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن الْمنكَدِر، عن جابر
بن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « النوم
أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون » .
وقال أبو بكر البزار في
مسنده:حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفِريابي، عن سفيان، عن محمد بن
المنكدر، عن جابر قال:قيل:يا رسول الله، هل ينام أهل الجنة؟ قال: « لا
النوم أخو الموت » ثم قال: « لا
نعلم أحدًا أسنده عن ابن المنكدر، عن جابر إلا الثوري، ولا عن الثوري، إلا
الفريابي » هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم.
وقوله: (
وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) أي:مع هذا النعيم العظيم
المقيم قد وقاهم، وسلمهم ونجاهم وزحزحهم من العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل
لهم المطلوب، ونجاهم من المرهوب؛ ولهذا قال: (
فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
أي:إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: « اعملوا وسددوا وقاربوا،
واعلموا أن أحدًا لن يُدخله عمله الجنة »
قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟ قال: « ولا
أنا إلا أن يتغمَّدني الله برحمة منه وفضل » .
وقوله: (
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )
أي:إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنـزلناه سهلا واضحًا بينًا جليًا بلسانك الذي هو
أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها (
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي:يتفهمون ويعملون. ثم لما
كان مع هذا البيان والوضوح من الناس من كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله
مسليا له وواعدًا له بالنصر، ومتوعدًا لمن كذبه بالعطب والهلاك: (
فَارْتَقِبْ ) أي:انتظر (
إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ) أي:فسيعلمون لمن يكون النصر
والظفر وعُلُو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين
والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين، كما قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا
وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [
المجادلة:21 ] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا
يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ
الدَّارِ [ غافر:51 ، 52 ] .
آخر تفسير سورة الدخان، ولله
الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة