الجزء 26
تفسير سورة الجاثية
وهي
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 )
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 2 )
إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 3 )
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 4 )
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ
فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ ( 5 )
يُرشد
تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات الأرض،
وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس،
والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة،
واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما
أنـزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقًا؛ لأن به
يحصل الرزق، ( فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي:بعد
ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء.
وقوله: (
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) أي:جنوبا وشآما ، ودبورًا
وصبًا، بحرية وبرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها
ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم [ لا
ينتج ] .
وقال
أولا ( لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ، ثم (
يوقنون ) ثم ( يعقلون ) وهو
تَرَقٍّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى. وهذه الآيات شبيهة بآية « البقرة
» وهي قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ
بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ
فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ
لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ البقرة:164 ] . وقد
أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن مُنَبِّه أثرا طويلا غريبًا في خلق الإنسان من
الأخلاط الأربعة.
تِلْكَ
آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ
وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ( 6 )
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 )
يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ
لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 8 )
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ مُهِينٌ ( 9 ) مِنْ
وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 10 ) هَذَا
هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ
أَلِيمٌ ( 11 )
يقول
تعالى:هذه آيات الله - يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات- (
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ) أي:متضمنة الحق من الحق، فإذا
كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟!
ثم قال:
( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ )
أي:أفاك في قوله كذاب، حلاف مهين أثيم في فعله وقيله كافر بآيات الله؛ ولهذا قال:
( يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ )
أي:تقرأ عليه ( ثُمَّ يُصِرُّ ) أي:على
كفره وجحوده استكبارًا وعنادا ( كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا )
أي:كأنه ما سمعها، ( فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ) [ أي ] فأخبره
أن له عند الله يوم القيامة عذابا أليما موجعا.
(
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا ) أي:إذا
حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوا، (
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) أي:في
مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به؛ ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر قال:نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله
العدو .
ثم فسر
العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ( مِنْ
وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ ) أي:كل من اتصف بذلك سيصيرون
إلى جهنم يوم القيامة، ( وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا
كَسَبُوا شَيْئًا ) أي:لا تنفعهم أموالهم ولا
أولادهم، ( وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ) أي:ولا
تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا، (
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )
ثم قال
تعالى: ( هَذَا هُدًى ) يعني
القرآن ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ
مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ) وهو المؤلم الموجع.
اللَّهُ
الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 )
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 13 )
يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما
سخر لهم من البحر ( لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ ) ، وهي
السفن فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها (
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) أي:في المتاجر والمكاسب، (
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي:على حصول المنافع المجلوبة
إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية.
ثم قال تعالى: (
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) أي:من
الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي:الجميع من فضله
وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: ( جَمِيعًا مِنْهُ ) أي:من عنده
وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ
اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [
النحل:53 ] .
وروى ابن جرير من طريق العوفي،
عن ابن عباس في قوله: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) كل شيء
هو من الله، وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعا منه، ولا ينازعه فيه
المنازعون، واستيقن أنه كذلك.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا محمد بن خَلَف العسقلاني، حدثنا الفِرْياني، عن سفيان، عن الأعمش، عن
المِنْهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال:سأل رجل عبد الله بن عمرو قال:مم خلق الخلق؟
قال:من النور والنار، والظلمة والثرى. قال وائت ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له
مثل ذلك، فقال:ارجع إليه فسله:مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا (
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) هذا
أثر غريب، وفيه نكارة.
( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
قُلْ
لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ
لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ ( 15 )
وقوله: ( قُلْ
لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ )
أي:يصفحوا عنهم ويحملوا الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا
على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم ، ثم لما أصروا على العناد
شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس، وقتادة.
وقال
مجاهد [ في قوله ] ( لا
يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) لا يبالون نعم الله.
وقوله: (
لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أي:إذا
صفحوا عنهم في الدنيا، فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: ( مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ
تُرْجَعُونَ ) أي:تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم [
عليه ] فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها.
وَلَقَدْ
آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 16 )
وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 17 )
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 18 ) إِنَّهُمْ
لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ( 19 )
هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 20 )
يذكر
تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنـزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم،
وجعله الملك فيهم؛ ولهذا قال: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ
الطَّيِّبَاتِ ) أي:من المآكل والمشارب، (
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) أي:في
زمانهم.
(
وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ )
أي:حججا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام
الحجة، وإنما كان ذلك بغيا منهم على بعضهم بعضا، ( إِنَّ
رَبَّكَ ) يا محمد ( يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )
أي:سيفصل بينهم بحكمه العدل. وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد
منهجهم؛ ولهذا قال: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى
شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا )
أي:اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين، وقال هاهنا: ( وَلا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ )
أي:وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضا، فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارا ودمارا
وهلاكا، ( وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) ، وهو
تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من
النور إلى الظلمات.
ثم قال:
( هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ )
يعني:القرآن ( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ ( 21 )
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 )
يقول تعالى:لا يستوي المؤمنون
والكافرون، كما قال: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [
الحشر:20 ] وقال هاهنا: ( أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ )
أي:عملوها وكسبوها ( أَنْ نَجْعَلَهُمْ
كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ )
أي:نساويهم بهم في الدنيا والآخرة! ( سَاءَ
مَا يَحْكُمُونَ ) أي:ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا
أن نُسَاوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار.
قال الحافظ أبو يعلى:حدثنا
مُؤمَّل بن إهاب، حدثنا بُكَير بن عثمان التَّنُوخِي، حدثنا الوَضِين بن عطاء، عن
يزيد بن مَرْثَد الباجي ، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال:إن الله بنى دينه على
أربعة أركان، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله [ وهو
] من الفاسقين. قيل:وما هن يا أبا ذر؟ قال:يسلم حلال الله
لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يؤتمن عليهن إلا الله.
قال أبو القاسم صلى الله عليه
وسلم: « كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار
منازل الأبرار » .
هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد
ذكر محمد بن إسحاق في كتاب « السيرة » أنهم
وجدوا حجرا بمكة في أسِّ الكعبة مكتوب عليه:تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل
كما يجتنى من الشوك العنب .
وقد روى الطبراني من حديث شعبة،
عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضحى، عن مسروق ، أن تميما الداري قام ليلة حتى أصبح
يردد هذه الآية: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ) ؛ ولهذا قال تعالى: ( سَاءَ
مَا يَحْكُمُونَ ) .
وقال (
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ )
أي:بالعدل، ( وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ ) .
أَفَرَأَيْتَ
مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى
سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ
بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 )
ثم قال [
تعالى ] ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ ) أي:إنما يأتمر بهواه، فمهما
رآه حسنا فعله، ومهما رآه قبيحا تركه:وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم
بالتحسين والتقبيح العقليين.
وعن مالك
فيما روي عنه من التفسير:لا يهوى شيئا إلا عبده.
وقوله: (
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) يحتمل
قولين:
أحدها
وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر:وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام
الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس.
( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) أي:فلا
يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها؛ ولهذا قال: (
فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) كقوله:
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ [ الأعراف:186 ] .
وَقَالُوا
مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا
الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ( 24 )
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ
قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 25 ) قُلِ
اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 26 )
يخبر تعالى
عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: (
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ) أي:ما
ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون وما ثم معاد ولا قيامة وهذا يقوله مشركو
العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة
والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة
وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا
تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا ( وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) قال الله تعالى: ( وَمَا
لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ )
أي:يتوهمون ويتخيلون.
فأما
الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود، والنسائي، من رواية سفيان بن عيينة،
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « يقول الله تعالى:يؤذيني ابن
آدم؛ يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره » وفي
رواية: « لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر » .
وقد
أورده ابن جرير بسياق غريب جدا فقال:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن
الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « كان أهل الجاهلية يقولون:إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو
الذي يهلكنا، يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: (
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ ) قال: » ويسبون
الدهر، فقال الله عز وجل:يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب
الليل والنهار « . »
وكذا
رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن شُرَيْح بن النعمان، عن ابن عيينة
مثله:ثم روي عن يونس، عن ابن وهب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « قال الله تعالى:يسب ابن آدم
الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار » .
وأخرجه
صاحبا الصحيح والنسائي، من حديث يونس بن زيد، به .
وقال محمد
بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « يقول الله:استقرضت عبدي فلم
يعطني، وسَبّنِي عبدي، يقول:وادهراه. وأنا الدهر » .
قال
الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله، عليه الصلاة والسلام: « لا
تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر » :كانت
العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا:يا خيبة الدهر. فيسندون
تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله [ عز
وجل ] فكأنهم إنما سبوا، الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة،
فلهذا نُهي عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه، ويسندون
إليه تلك الأفعال.
هذا أحسن
ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم. وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من
الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذا من هذا الحديث. .
وقوله
تعالى: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ) أي:إذا
استدل عليهم وبين لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها،
( مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا
بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )
أي:أحيوهم إن كان ما تقولونه حقا.
قال الله
تعالى: ( قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ) أي:كما
تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ
أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [
البقرة:28 ] أي:الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى
والأحرى.. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ
عَلَيْهِ [ الروم 27 ] ، ( ثُمَّ
يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ )
أي:إنما يجمعكم ليوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: (
ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يَوْمَ
يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [
التغابن:9 ] لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ [
المرسلات:12 ، 13 ] ، وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا
لأَجَلٍ مَعْدُودٍ [ هود:104 ] وقال
هاهنا: ( ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ
فِيهِ ) أي:لا شك فيه، (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي:فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد، قال الله تعالى: إِنَّهُمْ
يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا [
المعارج:6 ، 7 ] أي:يرون وقوعه بعيدا،
والمؤمنون يرون ذلك سهلا قريبا.
وَلِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ
الْمُبْطِلُونَ ( 27 )
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 28 ) هَذَا
كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 29 )
يخبر
تعالى أنه مالك السموات والأرض، الحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: (
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) أي:يوم القيامة (
يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ) وهم الكافرون بالله الجاحدون
بما أنـزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
وقال ابن
أبي حاتم:قدم سفيان الثوري المدينة، فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس.
فقال له:يا شيخ، أما علمت أن لله يومًا يخسر فيه المبطلون؟ قال:فما زالت تعرف في
المعافري حتى لحق بالله، عز وجل. ذكره ابن أبي حاتم.
ثم قال:
( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ) أي:على
ركبها من الشدة والعظمة، ويقال:إن هذا [
يكون ] إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا
لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول:نفسي، نفسي، نفسي لا أسألك اليوم إلا نفسي،
وحتى أن عيسى ليقول:لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك [
اليوم ] مريم التي ولدتني.
قال
مجاهد، وكعب الأحبار، والحسن البصري: ( كُلَّ
أُمَّةٍ جَاثِيَةً ) أي:على الركب. وقال عِكْرِمة:
( جاثية ) متميزة على ناحيتها، وليس على
الركب. والأول أولى.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو،
عن عبد الله بن باباه ، أن رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] قال: « كأني
أراكم جاثين بالكوم دون جهنم » .
وقال
إسماعيل بن رافع المديني ، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، مرفوعا في
حديث الصورة :فيتميز الناس وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله: (
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ) .
وهذا فيه
جمع بين القولين:ولا منافاة، والله أعلم.
وقوله: ( كُلُّ
أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا )
يعني:كتاب أعمالها، كقوله: وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ
وَالشُّهَدَاءِ [ الزمر:69 ] ؛
ولهذا قال: ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
أي:تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ
بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ
أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [ القيامة:13 - 15 ] .
ثم قال:
( هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ )
أي:يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص ، كقوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا
مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [
الكهف:49 ] .
وقوله: (
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي:إنا
كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.
قال ابن
عباس وغيره:تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون
الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ
في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفا
ولا ينقص حرفا، ثم قرأ: ( إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .
فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي
رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 30 )
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ( 31 )
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ
مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ
بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 )
يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم
القيامة، فقال: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) أي:آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم
الأعمال الصالحات ، وهي الخالصة الموافقة للشرع، (
فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ) ، وهي
الجنة، كما ثبت في الصحيح أن الله قال للجنة: « أنت
رحمتي، أرحم بك من أشاء » .
(
ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ )
أي:البين الواضح.
ثم قال: (
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَاسْتَكْبَرْتُمْ ) أي:يقال لهم ذلك تقريعا
وتوبيخا:أما قرئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها، (
وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ ) أي:في أفعالكم، مع ما اشتملت
عليه قلوبكم من التكذيب؟
(
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا ) أي:إذا
قال لكم المؤمنون ذلك، ( قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا
السَّاعَةُ ) أي:لا نعرفها، ( إِنْ
نَظُنُّ إِلا ظَنًّا ) أي:إن نتوهم وقوعها إلا
توهما، أي مرجوحا ؛ ولهذا قال: ( وَمَا نَحْنُ
بِمُسْتَيْقِنِينَ ) أي:بمتحققين.
وَبَدَا
لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
( 33 )
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا
وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 34 )
ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ
يُسْتَعْتَبُونَ ( 35 )
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 36 )
وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 37 ) .
قال الله
تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا )
أي:وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، (
وَحَاقَ بِهِمْ ) أي:أحاط بهم ( مَا
كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) أي:من العذاب والنكال، (
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ ) أي:نعاملكم معاملة الناسي لكم
في نار جهنم ( كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ) أي:فلم
تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به، ( وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ
وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ )
وقد ثبت
في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: « ألم
أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتَرْبَع؟ فيقول:بلى، يا
رب. فيقول:أفظننت أنك مُلاقيّ؟ فيقول:لا. فيقول الله تعالى:فاليوم أنساك كما
نسيتني » .
قال الله
تعالى: ( ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا
) أي:إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حجج الله عليكم
سخريا، تسخرون وتستهزئون بها، ( وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا ) أي:خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا
قال: ( فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا ) أي:من
النار ( وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) أي:لا
يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين
الجنة بغير عذاب ولا حساب.
ثم لما
ذكر حكمه في المؤمنين والكافرين قال: (
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السماواتِ وَرَبِّ الأرْضِ )
أي:المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: ( رَبِّ
الْعَالَمِينَ ) .
ثم قال:
( وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السماواتِ وَالأرْضِ ) قال
مجاهد:يعني السلطان. أي:هو العظيم الممجد، الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد
ورد في الحديث الصحيح: « يقول الله تعالى العظمة إزاري
والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري » . ورواه
مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد،
رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه .
وقوله: (
وَهُوَ الْعَزِيزُ ) أي:الذي لا يغالب ولا يمانع،
( الحكيم ) في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره،
تعالى وتقدس، لا إله إلا هو .
آخر
تفسير سورة الجاثية [ ولله الحمد والمنة ]
تفسير سورة الأحقاف
وهي
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم ( 1 )
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 2 ) مَا
خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ
مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ( 3 ) قُلْ
أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ
الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ
هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 4 )
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ( 5 )
يخبر تعالى أنه نـزل الكتاب على
عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ووصف نفسه بالعزة
التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: ( مَا
خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ ) أي:لا
على وجه العبث والباطل، ( وَأَجَلٌ مُسَمًّى ) أي:إلى
مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
قوله: (
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ )
أي:لاهون عما يراد بهم، وقد أنـزل إليهم كتابا وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن
ذلك كله، أي:وسيعلمون غبّ ذلك.
ثم قال: ( قُلْ )
أي:لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: (
أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ
الأرْضِ ) أي:أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، ( أَمْ
لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ) أي:ولا
شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إن المُلْك والتصرّف كله
إلا الله، عز وجل، فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟ من دعاكم
إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: (
اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا )
أي:هاتوا كتابا من كتب الله المنـزلة على الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام، يأمركم
بعبادة هذه الأصنام، ( أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ )
أي:دليل بَيِّن على هذا المسلك الذي سلكتموه ( إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:لا دليل لكم نقليًا ولا
عقليا على ذلك؛ ولهذا قرأ آخرون: « أو
أثَرَة من علم » أي:أو علم صحيح يأثرونه عن أحد
ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: ( أَوْ
أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) أو أحد يأثُر علما.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس:أو
بينة من الأمر.
وقال الإمام أحمد:حدثنا يحيى،
عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُلَيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس قال
سفيان:لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم: « أو
أثَرَة من علم » قال: « الخط » .
وقال أبو بكر بن عياش:أو بقية
من علم. وقال الحسن البصري: ( أَوْ أَثَارَةٍ ) شيء
يستخرجه فيثيره.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو بكر
بن عياش أيضا: ( أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) يعني
الخط.
وقال قتادة: ( أَوْ
أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ ) خاصة من علم.
وكل هذه الأقوال متقاربة، وهي
راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وأكرمه، وأحسن مثواه.
وقوله: (
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) أي:لا
أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما
يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ.
روَإِذَا
حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ( 6 ) .
وقوله: (
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ
كَافِرِينَ ) ، كقوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً
لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم:81 ، 82 ]
أي:سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم، وقال الخليل: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا
وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [
العنكبوت:25 ] .
وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ
لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) أَمْ
يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي
وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 8 ) قُلْ
مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن المشركين في كفرهم وعنادهم:أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات،
أي:في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: ( هَذَا
سِحْرٌ مُبِينٌ ) أي:سحر واضح، وقد كَذَبوا
وافتروا وضَلّوا وكفروا ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ )
يعنون:محمدا صلى الله عليه وسلم. قال الله [
تعالى ] ( قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) أي:لو
كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني - وليس كذلك- لعاقبني أشد العقوبة، ولم يَقْدرْ أحد من
أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي
مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلا بَلاغًا مِنَ
اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [ الجن:22 ، 23 ] ، وقال
تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ
بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ
عَنْهُ حَاجِزِينَ [ الحاقة:44 - 47 ] ؛
ولهذا قال هاهنا: ( قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ
كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) ، هذا
تهديد لهم ، ووعيد أكيد ، وترهيب شديد.
وقوله: (
وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ترغيب لهم إلى التوبة
والإنابة، أي:ومع هذا كله إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر [ لكم
] ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: وَقَالُوا
أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا
* قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [
الفرقان:5 ، 6 ] .
وقوله: ( قُلْ
مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ) أي:لست
بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له
حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى
الأمم.
قال ابن
عباس، ومجاهد، وقتادة: ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا
مِنَ الرُّسُلِ ) ما أنا بأول رسول. ولم يحك
ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.
وقوله: ( وَمَا
أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية:نـزل بعدها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [
الفتح:2 ] . وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة:إنها منسوخة بقوله:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ،
قالوا:ولما نـزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين:هذا قد بين الله ما هو فاعل بك يا
رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنـزل الله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ [ الفتح:5 ] .
هكذا
قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا:هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟
فأنـزل الله هذه الآية.
وقال
الضحاك: ( وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ) :ما
أدري بماذا أومر، وبماذا أنهى بعد هذا؟
وقال أبو
بكر الهذلِيّ، عن الحسن البصري في قوله: ( وَمَا
أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ )
قال:أما في الآخرة فمعاذ الله، قد علم أنه في الجنة، ولكن قال:لا أدري ما يفعل بي
ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء [ من ] قبلي؟
أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو تُرمون بالحجارة؟
وهذا
القول هو الذي عَوّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق
به، صلوات الله وسلامه عليه، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو
ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يئُول إليه أمره وأمر مشركي قريش إلى
ماذا:أيؤمنون أم يكفرون، فيعذبون فيستأصلون بكفرهم ؟ فأما الحديث الذي رواه الإمام
أحمد:
حدثنا
يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء - وهي امرأة
من نسائهم- أخبرته - وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- قالت:طار لهم في
السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمانُ بن مظعون. فاشتكى عثمان
عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله فقلت:رحمة
الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « وما يدريك أن الله أكرمه؟ » فقلت:لا
أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما هو
فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما
يفعل بي! » قالت:فقلت:والله لا أزكي أحدا بعده أبدا. وأحزنني ذلك، فنمت
فرأيت لعثمان عينا تجري، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ذاك
عمله » .
فقد
انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم ، وفي لفظ له: « ما
أدري وأنا رسول الله ما يفعل به » . وهذا
أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: «
فأحزنني ذلك » . وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا
الذي نص الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والغُميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد
الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن
حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء.
وقوله: ( إِنْ
أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ )
أي:إنما أتبع ما ينـزله الله عليَّ من الوحي، ( وَمَا
أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي:بين النّذَارة، وأمري ظاهر
لكل ذي لب وعقل.
قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا
إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 )
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ
لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 )
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 )
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 14 ) .
يقول تعالى: ( قُلْ ) يا
محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: (
أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ ) هذا القرآن ( مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ) أي:ما
ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنـزله عليَّ
لأبلغكموه، وقد كَفَرتم به وكذبتموه، (
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) أي:وقد
شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنـزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل
ما أخبر هذا القرآن به.
وقوله: (
فَآمَنَ ) أي:هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته ( وَاسْتَكْبَرْتُمْ
) أنتم:عن اتباعه.
وقال مسروق:فآمن هذا الشاهد
بنبيه وكتابه، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ( إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد
الله بن سلام وغيره، فإن هذه الآية مكية نـزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام. وهذه
كقوله: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [
القصص:53 ] ، وقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا [
الإسراء:107 ، 108 ] .
قال مسروق، والشعبي:ليس بعبد
الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة. رواه عنهما
ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير.
وقال مالك، عن أبي النَّضْر، عن
عامر بن سعد ، عن أبيه قال:ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي
على وجه الأرض: « إنه من أهل الجنة » ، إلا
لعبد الله بن سلام، قال:وفيه نـزلت: (
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ )
رواه البخاري ومسلم والنسائي،
من حديث مالك، به . وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ويوسف بن
عبد الله بن سلام، وهلال بن يَسَاف، والسُّدَّي، والثوري، ومالك بن أنس، وابن زيد؛
أنهم كلهم قالوا:إنه عبد الله بن سلام.
وقوله تعالى: (
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا
إِلَيْهِ ) أي:قالوا عن المؤمنين بالقرآن:لو كان القرآن خيرا ما سبقنا
هؤلاء إليه . يعنون بلالا وعمارا وصُهَيبا وخبابا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين
والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله
بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بينا، كما قال تعالى:
وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [ الأنعام:53 ]
أي:يتعجبون:كيف اهتدى هؤلاء دوننا؛ ولهذا قالوا: ( لَوْ
كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) وأما
أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة:هو بدعة؛ لأنه لو
كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها
.
وقوله: (
وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ) أي:بالقرآن (
فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ ) أي:كذب (
قَدِيمٌ ) أي:مأثور عن الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو
الكبر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بطر
الحق، وغَمْط الناس » .
ثم قال: (
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ) وهو التوراة ( إِمَامًا
وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ ) يعني:القرآن (
مُصَدِّقٌ ) أي:لما قبله من الكتب (
لِسَانًا عَرَبِيًّا ) أي:فصيحا بينا واضحا، (
لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ )
أي:مشتمل على النّذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.
وقوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) تقدم
تفسيرها في سورة « حم، السجدة » .
وقوله: ( فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أي:فيما يستقبلون، ( وَلا
هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما خلفوا، (
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) أي:الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسُبُوغها عليهم.
وَوَصَّيْنَا
الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ( 15 )
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ
عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا
يُوعَدُونَ ( 16 ) .
لما ذكر
تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية
بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا
تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [
الإسراء:23 ] وقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
[ لقمان:14 ] ، إلى
غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا: (
وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا )
أي:أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.
وقال أبو
داود الطيالسي:حدثنا شعبة، أخبرني سِمَاك بن حرب قال:سمعت مُصْعب بن سعد يحدث عن
سعد قال:قالت أم سعد لسعد:أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعاما، ولا
أشرب شرابا حتى تكفر بالله. فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها
بالعصا، ونـزلت هذه الآية: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا الآية
[ العنكبوت:8 ] .
ورواه
مسلم وأهل السنن إلا ابن ماجه، من حديث شعبة بإسناده، نحوه وأطول منه .
( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا )
أي:قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبا، من وِحَام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك
مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، (
وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ) أي:بمشقة أيضا من الطلق
وشدته، ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا )
وقد استدل
علي، رضي الله عنه، بهذه الآية مع التي في لقمان: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [
لقمان:14 ] ، وقوله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [
البقرة:233 ] ، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح.
ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم.
قال محمد
بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط، عن بَعْجَةَ بن عبد الله
الجهني قال:تزوج رجل منا امرأة من جُهَيْنة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق
زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها،
فقالت:ما يبكيك؟! فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله في ما
شاء. فلما أتي بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا فأتاه، فقال له:ما تصنع؟
قال:ولدت تماما لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له [ علي
] أما تقرأ القرآن؟ قال:بلى. قال:أما سمعت الله يقول: (
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ) وقال:
[ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ]
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ، فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال:فقال عثمان:والله ما
فطنت لهذا، علي بالمرأة فوجدوها قد فُرِغَ منها، قال:فقال بَعْجَةُ:فوالله ما
الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه. فلما رآه أبوه قال:ابني إني
والله لا أشك فيه، قال:وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الآكلة، فما زالت تأكله حتى
مات .
رواه ابن
أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [
الزخرف:81 ] .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا فَرْوَة بن أبي المَغْرَاء، حدثنا علي بن مِسْهَر، عن
داود بن أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال:إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه
من الرضاع أحد وعشرون شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون
شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى يقول: (
وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا )
(
حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) أي:قوى وشب وارتجل (
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) أي:تناهى عقله وكمل فهمه
وحلمه. ويقال:إنه لا يتغير غالبا عما يكون عليه ابن الأربعين.
قال أبو
بكر بن عياش، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال:قلت لمسروق:متى يؤخذ الرجل
بذنوبه؟ قال:إذا بَلَغْتَ الأربعين، فَخُذْ حذرك.
وقال الحافظ
أبو يعلى الموصلي:حدثنا عُبَيد الله القواريري، حدثنا عَزْرَة بن قيس الأزدي -
وكان قد بلغ مائة سنة- حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال:قال محمد بن عمرو
بن عثمان، عن عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « العبد
المسلم إذا بلغ أربعين سنة خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة
إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبّه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته
ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفَّعه
الله في أهل بيته، وكتب في السماء:أسير الله في أرضه » .
وقد روي
هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد .
وقد قال
الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق:تركت المعاصي والذنوب أربعين
سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياء من الله، عز وجل.
وما أحسن
قول الشاعر:
صَبَـا
مـا صَبَا حَتى عَلا الشَّيبُ رأسَهُ فلمَّــا عَـلاهُ قـال للبـاطل:ابطُـل
( قَالَ
رَبِّ أَوْزِعْنِي ) أي:ألهمني ( أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ
أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) أي:في المستقبل، (
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ) أي:نسلي وعقبي، (
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) وهذا
فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله، عز وجل، ويعزم
عليها.
وقد روى
أبو داود في سننه، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: « اللهم،
ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبُل السلام، ونجنا من الظلمات إلى
النور، وجنّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا
وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين
لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتممها علينا » .
قال الله
تعالى: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ )
أي:هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركون ما فات
بالتوبة والاستغفار، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم،
فيغفر لهم الكثير من الزلل، ويتقبل منهم اليسير من العمل، ( فِي
أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ) أي:هم في جملة أصحاب الجنة،
وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله من تاب إليه وأناب؛ ولهذا قال: (
وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ )
قال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المُعْتَمِر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن
الغطْرِيف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن
الروح الأمين، عليه السلام، قال: « يؤتى
بحسنات العبد وسيئاته ، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة »
قال:فدخلتُ على يزداد فَحُدّث بمثل هذا الحديث قال:قلت:فإن ذهبت الحسنة؟ قال: (
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ
عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا
يُوعَدُونَ ) .
وهكذا
رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن
سليمان، بإسناده مثله - وزاد عن الروح الأمين. قال:قال الرب، جل جلاله:يؤتى بحسنات
العبد وسيئاته... فذكره، وهو حديث غريب، وإسنادٌ جيد لا بأس به.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن مَعْبَد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا
أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وَحْشية، عن يوسف بن سعد ، عن محمد بن حاطب
قال:ونـزل في داري حيث ظهر علي على أهل البصرة، فقال لي يوما:لقد شهدتُ أمير
المؤمنين عليا، وعنده عمارا وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان فنالوا
منه، وكان علي، رضي الله عنه، على السرير، ومعه عود في يده، فقال قائل منهم:إن
عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي:كان عثمان من الذين قال الله: (
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ
عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا
يُوعَدُونَ ) قال:والله عثمان وأصحاب عثمان - قالها ثلاثا- قال يوسف:فقلت
لمحمد بن حاطب:آلله لسمعت هذا من عليّ؟ قال:آلله لسمعت هذا من علي، رضي الله عنه.
وَالَّذِي
قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ
الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 17 ) أُولَئِكَ
الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ
مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 18 )
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ ( 19 )
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ
فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 ) .
لما ذكر تعالى حال الداعين
للوالدين البارين بهما وما لهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين
للوالدين فقال: ( وَالَّذِي قَالَ
لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ) - وهذا عام في كل من قال هذا،
ومن زعم أنها نـزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي
بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
وروى العَوْفي، عن ابن
عباس:أنها نـزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جُرَيْج، عن
مجاهد:نـزلت في عبد الله بن أبي بكر. وهذا أيضا قاله ابن جريج.
وقال آخرون:عبد الرحمن بن أبي
بكر. وقاله السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ( أُفٍّ
لَكُمَا ) عقهما.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد،
أخبرني عبد الله بن المديني قال:إني لفي المسجد حين خطب مَرْوان، فقال:إن الله أرى
أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد
الرحمن بن أبي بكر:أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحدا
من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان:ألست
الذي قال لوالديه:أف لكما؟ فقال عبد الرحمن:ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أباك؟ قال:وسمعتهما عائشة فقالت:يا مروان، أنت القائل لعبد
الرحمن كذا وكذا؟ كذبتَ، ما فيه نـزلت، ولكن نـزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب
مروان، ثم نـزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها ،فجعل يكلمها حتى انصرف .
وقد رواه البخاري بإسناد آخر
ولفظ آخر، فقال:حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بِشْر، عن يوسف
بن مَاهَك قال:كان مَرْوان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل
يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا،
فقال:خذوه. فدخل بيت عائشة، رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان:إن هذا
الذي أنـزل فيه: ( وَالَّذِي قَالَ
لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ
الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ) فقالت عائشة من وراء
الحجاب:ما أنـزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنـزل عُذرِي .
طريق أخرى:قال النسائي:حدثنا
علي بن الحسين، حدثنا أميَّة بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال:لما بايع
معاوية لابنه، قال مروان:سُنَّة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر:سُنَّة
هرقل وقيصر. فقال مروان:هذا الذي أنـزل الله فيه: (
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ) الآية،
فبلغ ذلك عائشة فقالت:كذب مروان! والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنـزلت فيه
لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروانُ في صلبه، فمروان
فَضَضٌ من لعنة الله .
وقوله: (
أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ ) أي: [ أن ] أبعث (
وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي ) أن قد
مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، ( وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ
اللَّهَ ) أي:يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: (
وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ
الأوَّلِينَ ) قال الله [
تعالى ] ( أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ
وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ )
أي:دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم
القيامة.
وقوله: ( أولئك
) بعد قوله: (
وَالَّذِي قَالَ ) دليل على ما ذكرناه من أنه
جنس يعم كل من كان كذلك.
وقال الحسن وقتادة:هو الكافر
الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في
ترجمة سهل بن داود، من طريق هشام بن عمار:حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن
الزبرقان الحلبي، عن سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: « أربعة لعنهم الله من فوق
عرشه، وأَمَّنتْ عليهم الملائكة:مضل المساكين - قال خالد:الذي يهوي بيده إلى
المسكين فيقول:هلم أعطيك، فإذا جاءه قال:ليس معي شيء- والذي يقول للمكفوف:اتق
الدابة، وليس بين يديه شيء. والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي
يضرب الوالدين حتى يستغيثا » . غريب جدا.
وقوله: (
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) أي:لكل
عذاب بحسب عمله، ( وَلِيُوَفِّيَهُمْ
أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) أي:لا
يظلمهم مثقال ذرة فما دونها.
قال عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم:درجات النار تذهب سفالا ودرجات الجنة تذهب علوا.
وقوله: (
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ
فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا )
أي:يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وقد تورع [
أمير المؤمنين ] عمر بن الخطاب، رضي الله عنه،
عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنـزه عنها، ويقول: [ إني
] أخاف أن أكون كالذين قال الله تعالى لهم وقَرَّعهم: (
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا )
وقال أبو مِجْلَز:ليتفقَّدَنّ أقوامٌ
حَسَنات كانت لهم في الدنيا، فيقال لهم: (
أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا )
وقوله: (
فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي
الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) فجوزوا
من جنس عملهم، فكما نَعَّموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق
والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات
المتتابعة والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله من ذلك كله.
وَاذْكُرْ
أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 21 )
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 22 )
قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ
وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ( 23 )
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ
مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 24 )
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا
مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 ) .
يقول
تعالى مسليا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه: (
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ ) وهو هود، عليه السلام، بعثه
الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف - جمع حقْف وهو:الجبل من الرمل- قاله
ابن زيد. وقال عكرمة:الأحقاف:الجبل والغار. وقال علي بن أبي طالب، رضي الله
عنه:الأحقاف:واد بحضرموت، يدعى بُرْهوت، تلقى فيه أرواح الكفار. وقال قتادة:ذُكر
لنا أن عادا كانوا حيا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها:الشِّحْر.
قال ابن
ماجه: « باب إذا دعا فليبدأ بنفسه » :حدثنا
الحسين بن علي الخلال، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد
بن جبير، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يرحمنا
الله، وأخا عاد » .
وقوله: (
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ )
يعني:وقد أرسل الله إلى من حَول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين، كقوله:
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [
البقرة:66 ] ، وكقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ
صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ
شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
[ فصلت:13 ، 14 ] أي:قال
لهم هود ذلك، فأجابه قومه قائلين: (
أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ) أي:لتصدنا ( عَنْ
آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )
استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادًا منهم وقوعه، كقوله: يَسْتَعْجِلُ بِهَا
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا [
الشورى:18 ] .
( قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ
عِنْدَ اللَّهِ ) أي:الله أعلم بكم إن كنتم
مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم، وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به،
( وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) أي:لا
تعقلون ولا تفهمون.
قال الله
تعالى: ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ) أي:لما
رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به ، وقد كانوا
ممحلين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: ( بَلْ
هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي:هو
العذاب الذي قلتم: ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ )
(
تُدَمِّرُ ) أي:تخرب ( كُلَّ شَيْءٍ ) من
بلادهم، مما من شأنه الخراب ( بِأَمْرِ رَبِّهَا ) أي:بإذن
الله لها في ذلك، كقوله: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ
كَالرَّمِيمِ [ الذاريات:42 ]
أي:كالشيء البالي. ولهذا قال: ( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا
مَسَاكِنُهُمْ ) أي:قد بادوا كلهم عن آخرهم
ولم تبق لهم باقية، ( كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ
الْمُجْرِمِينَ ) أي:هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا،
وخالف أمرنا.
وقد ورد
حديث في قصتهم وهو غريب جدًا من غرائب الحديث وأفراده، قال الإمام أحمد:
حدثنا
زيد بن الحُبَاب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال:حدثنا عاصم بن أبي
النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال:خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالرَبْذَة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع
بها، فقالت لي:يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت
مبلغي إليه؟ قال:فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية
سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت:ما
شأن الناس؟ قالوا:يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها. قال:فجلست، فدخل منـزله - أو
قال:رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال: « هل كان
بينكم وبين تميم شيء؟ » قلت:نعم، وكانت لنا الدبرة
عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع، بها فسألتني أن أحملها إليك، وها هي
بالباب:فأذن لها فدخلت، فقلت:يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا
فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت، وقالت:يا رسول الله، فإلى أين يضطر مضطرك؟
قال:قلت:إن مثلي ما قال الأول: « مِعْزَى حَمَلَت حَتْفَها » ، حملت
هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قال: « هيه،
وما وافد عاد؟ » - وهو أعلم بالحديث منه، ولكن
يستطعمه - قلت:إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له:قَيل، فمر بمعاوية بن
بكر، فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما «
الجرادتان » - فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال:اللهم، إنك تعلم
أني لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه.
فمرت به سحابات سود، فنودي منها: « اختر » ، فأومأ
إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: « خذها
رمادًا رمددًا ، لا تبقي من عاد أحدا » .
قال:فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا-
قال أبو وائل:وصدق - وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: « لا تكن
كوافد عاد » .
رواه
الترمذي والنسائي وابن ماجه، كما تقدم في سورة «
الأعراف » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو:أن أبا النضر حدثه
عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت:ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا
ضاحكا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. قالت:وكان إذا رأى غيما - أو ريحا- عرف
ذلك في وجهه، قالت:يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه
المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ فقال: « يا
عائشة، ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب
فقالوا:هذا عارض ممطرنا » . وأخرجاه من حديث ابن وهب .
طريق
أخرى:قال أحمد:حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ناشئا في أفق من آفاق السماء، ترك
عمله، وإن كان في صلاته، ثم يقول: « اللهم،
إني أعوذ بك من شر ما فيه » . فإن كشفه الله حمد الله، وإن
أمطرت قال: « اللهم، صيبا نافعا » .
طريق
أخرى:قال مسلم في صحيحه:حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث عن
عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح
قال: « اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به،
وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به » .
قالت:وإذا تَخَيَّلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري
عنه، فعرفت ذلك عائشة، فسألته، فقال: « لعله
يا عائشة كما قال قوم عاد: ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا
مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا » ) .
وقد
ذكرنا قصة هلاك عاد في سورتي « الأعراف وهود » بما
أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال
الطبراني:حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك، عن
مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت
عليهم [ فحملتهم ] البدو
إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا:هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل
البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال:عتت على خزانها
حتى خرجت من خلال الأبواب » .
وَلَقَدْ
مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا
وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ
وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 26 ) وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ ( 27 )
فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً
بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 28 ) .
يقول تعالى:ولقد مكنا الأمم
السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا
قريبا منه، ( وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ
شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا
بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) أي:وأحاط بهم العذاب والنكال
الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي:فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا
مثلهم، فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
وقوله: (
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى )
يعني:أهل مكة، قد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف
بحضرموت عند اليمن وثمود، وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل
اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانوا يمرون
بها أيضا.
وقوله: (
وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ ) أي:بيناها ووضحناها، (
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً ) أي:فهلا نصروهم عند احتياجهم
إليهم، ( بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ ) أي:بل
ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم، (
وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ ) أي:كذبهم، ( وَمَا
كَانُوا يَفْتَرُونَ ) أي:وافتراؤهم في اتخاذهم
إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
وَإِذْ
صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا
حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ
مُنْذِرِينَ ( 29 )
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ
مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يَا
قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( 31 )
وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ
مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) .
قال
الإمام أحمد:حدثنا سفيان، حدثنا عمرو:سمعت عكرمة، عن الزبير: (
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ )
قال:بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة، كَادُوا يَكُونُونَ
عَلَيْهِ لِبَدًا [ الجن:19 ] ، قال
سفيان:اللبد:بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض .
تفرد به
أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس:أنهم سبعة من جن نَصِيبين.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة ( ح ) - وقال
الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه « دلائل
النبوة » :أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن
عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن
سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال:ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا
رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق
عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين
إلى قومهم فقالوا:ما لكم؟ فقالوا:حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب.
قالوا:ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها
وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض
ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين
توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة عامدا إلى سوق
عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا:هذا -
والله- الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، قالوا:يا
قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا، وأنـزل
الله على نبيه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [
الجن:1 ] ، وإنما أوحي إليه قول الجن.
رواه
البخاري عن مُسَدَّد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن أبي عوانة، به.
ورواه الترمذي والنسائي في التفسير، من حديث أبي عوانة .
وقال
الإمام أحمد أيضا:حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس، قال:كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا،
فيكون ما سمعوا حقًا وما زادوا باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما
أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال:ما هذا إلا من أمر قد حدث. فبث جنوده، فإذا بالنبي
صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال:هذا الحدث الذي حدث
في الأرض.
ورواه
الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث إسرائيل به وقال
الترمذي:حسن صحيح.
وهكذا
رواه أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضا،
بمثل هذا السياق بطوله، وهكذا قال الحسن البصري:إنه، عليه السلام، ما شعر بأمرهم
حتى أنـزل الله عليه بخبرهم.
وذكر
محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله عز وجل، وإبائهم عليه. فذكر
القصة بطولها، وأورد ذلك الدعاء الحسن: « اللهم
إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي » إلى آخره. قال:فلما انصرف عنهم
بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين .
وهذا
صحيح، ولكن قوله: « إن الجن كان استماعهم تلك
الليلة » . فيه نظر؛ لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دل
عليه حديث ابن عباس المذكور، وخروجه، عليه السلام، إلى الطائف كان بعد موت عمه،
وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره [
والله أعلم ] .
وقال أبو
بكر بن أبي شيبة:حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر ، عن عبد
الله بن مسعود قال:هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة،
فلما سمعوه قالوا:أنصتوا. قال صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنـزل الله عز وجل: (
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ
مُنْذِرِينَ ) إلى: ( ضَلالٍ مُبِينٍ ) .
فهذا مع
الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم
في هذه المرة وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم ثم بعد ذلك وفدوا إليه
أرسالا قوما بعد قوم، وفوجا بعد فوج، كما سيأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار، مما
سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأما ما
رواه البخاري ومسلم جميعا، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة
حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن قال:سمعت أبي قال:سألت
مسروقا:من آذن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة استمعوا القرآن؟ فقال:حدثني أبوك -
يعني ابن مسعود - أنه آذنته بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون
إثباتا مقدما على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات،
والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته
بهم الشجرة، أي:أعلمته باستماعهم، والله أعلم.
قال
الحافظ البيهقي:وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما ، إنما هو في أول ما سمعت
الجن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم
ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، عز وجل،
كما رواه عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه .
ذكر
الرواية عنه بذلك:
قال
الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود عن الشعبي - وابن أبي زائدة،
أخبرنا داود، عن الشعبي - عن علقمة قال:قلت لعبد الله بن مسعود:هل صحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال:ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات
ليلة بمكة، فقلنا:اغتيل؟ استطير ؟ ما فعل ؟ قال:فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما
كان في وجه الصبح - أو قال:في السحر- إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا:يا رسول
الله - فذكروا له الذي كانوا فيه- فقال: « إنه
أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم » .
قال:فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال:وقال الشعبي:سألوه الزاد- قال
عامر:سألوه بمكة، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: « كل عظم
ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه لحما، وكل بعرة أو روثة علف
لدوابكم - قال- فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن » .
وهكذا
رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حجر، عن إسماعيل ابن علية، به نحوه .
وقال
مسلم أيضا:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - وهو ابن أبي هند-
عن عامر قال:سألت علقمة:هل كان ابن مسعود، رضي الله عنه، شهد مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال:فقال علقمة:أنا سألت ابن مسعود؛ فقلت:هل شهد أحد
منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال:لا ولكنا كنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا:استطير؟
اغتيل؟ قال:فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء،
قال:فقلنا:يا رسول الله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم.
فقال: « أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن » .
قال:فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: « كل عظم
ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم
» . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فلا
تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم » .
طريق
أخرى عن ابن مسعود:قال أبو جعفر بن جرير:حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي،
حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله؛ أن ابن مسعود قال:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « بت الليلة أقرأ على الجن ربعا
بالحجون » .
طريق
أخرى:فيها أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير رحمه الله:حدثني أحمد بن عبد
الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي
عثمان بن سنة الخزاعي - وكان من أهل الشام - أن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة: « من أحب
منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل » . فلم
يحضر منهم أحد غيري، قال:فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا، ثم
أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني
وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم
رهط، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق فتبرز، ثم أتاني فقال: « ما فعل
الرهط؟ » فقلت:هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثا زادا، ثم
نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم.
ورواه
ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن
يونس بن يزيد الأيلي، به .
ورواه
البيهقي في الدلائل، من حديث عبد الله بن صالح - كاتب الليث- عن الليث، عن يونس به
.
وقد روى
إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر
نحو ما تقدم .
ورواه
الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى ، عن
ابن مسعود فذكر نحوه أيضا .
طريق
أخرى:قال أبو نعيم:حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني
أبي قال:حدثنا عفان وعكرمة قالا حدثنا معتمر قال:قال أبي:حدثني أبو تميمة، عن عمرو
- ولعله قد يكون قال:البكالي- يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه،
قال:استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا،
فخط لي خطا فقال: « كن بين ظهر هذه لا تخرج منها؛
فإنك إن خرجت منها هلكت » فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة
شديدة .
طريق
أخرى:قال ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي
كثير ، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي؛ أنه قال لابن مسعود:حدثت أنك كنت مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن؟ قال:أجل. قال:فكيف كان؟ فذكر الحديث
كله، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطا، وقال: « لا
تبرح منها » فذكر مثل العَجَاجة السوداء غشيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبا من الصبح، أتاني النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: « أنمت؟ » فقلت:لا والله، ولقد هممت
مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: « اجلسوا
» فقال: « لو خرجت لم آمن أن يخطفك
بعضهم » . ثم قال: « هل رأيت شيئا؟ »
فقلت:نعم رأيت رجالا سودًا مستشعرين ثيابا بياضا. قال: « أولئك
جن نصيبين سألوني المتاع - والمتاع:الزاد- فمتعتهم بكل عظم حائل، أو بعرة أو روثة
» - فقلت:يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ فقال: « إنهم
لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثا إلا وجدوا فيها حبها يوم
أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة » .
طريق
أخرى:قال الحافظ أبو بكر البيهقي:أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة
قالا أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم
البُوشَنْجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله
بن مسعود قال:استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « إن نفرا
من الجن - خمسة عشر بني إخوة وبني عم- يأتونني الليلة، فأقرأ عليهم القرآن » ،
فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطا وأجلسني فيه، وقال لي: « لا
تخرج من هذا » . فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السحر
في يده عظم حائل وروثة حُمَمة فقال لي: « إذا
ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء » .
قال:فلما أصبحت قلت:لأعلمن علمي حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذهبت
فرأيت موضع مبرك ستين بعيرا .
طريق
أخرى:قال البيهقي:أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا
العباس بن محمد الدُّوري، حدثنا عثمان بن عمر ، عن المستمر بن الريان، عن أبي
الجوزاء، عن عبد الله بن مسعود قال:انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة
الجن، حتى أتى الحجون، فخط لي خطًا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيد لهم
يقال له: « وردان » :أنا أرحلهم عنك. فقال:إني لن
يجيرني من الله أحد .
طريق
أخرى:قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن أبي فزارة العبسي، حدثنا
أبو زيد - مولى عمرو بن حريث- عن ابن مسعود قال:لما كان ليلة الجن قال لي النبي
صلى الله عليه وسلم: « أمعك ماء؟ » قلت:ليس
معي ماء، ولكن معي إداوة فيها نبيذ. فقال النبي: « تمرة
طيبة وماء طهور » فتوضأ.
ورواه
أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، من حديث أبي زيد، به .
طريق
أخرى:قال أحمد:حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حنش
الصنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود؛ أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم ليلة الجن، فقال رسول الله: « يا عبد
الله، أمعك ماء؟ » قال:معي نبيذ في إداوة، فقال « اصبب
علي » . فتوضأ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا عبد
الله شراب وطهور » .
تفرد به أحمد
من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر، عن ابن مسعود، [ به ] .
طريق
أخرى:قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي عن ميناء، عن عبد الله قال:كنت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس، فقلت:ما شأنك؟
قال: « نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود » .
هكذا
رأيته في المسند مختصرا ، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه « دلائل
النبوة » ، فقال:حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن
إبراهيم - وحدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي
قالا حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، عن ابن مسعود قال:كنت مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، فتنفس، فقلت:ما لك يا رسول الله؟ قال: « نعيت
إلي نفسي يا ابن مسعود » . قلت:استخلف. قال: « من؟ » قلت:أبا
بكر. فسكت ، ثم مضى ساعة فتنفس، فقلت:ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: « نعيت
إلي نفسي يا ابن مسعود » . قلت:استخلف. قال: « من؟ » قلت:عمر
[ بن الخطاب ] .
فسكت، ثم مضى ساعة، ثم تنفس فقلت:ما شأنك؟ قال: « نعيت
إلي نفسي » . قلت:فاستخلف. قال صلى الله عليه وسلم: « من؟ » قلت:علي
بن أبي طالب. قال صلى الله عليه وسلم: « أما
والذي نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين » .
وهو حديث
غريب جدًّا، وأحرى به ألا يكون محفوظا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم
إليه بالمدينة على ما سنورده، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة، ودخل
الناس والجان أيضا في دين الله أفواجا، نـزلت سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ، وهي السورة
التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه، كما قد نص على ذلك ابن عباس، ووافقه عمر بن
الخطاب عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها، والله أعلم. وقد رواه أبو
نعيم أيضا، عن الطبراني، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن علي بن الحسين بن أبي
بردة، عن يحيى بن سعيد الأسلمي، عن حرب بن صَبِيح، عن سعيد بن مسلمة، عن أبي مرة
الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن ابن مسعود، فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف ،
وهذا إسناد غريب، وسياق عجيب.
طريق
أخرى:قال الإمام أحمد:حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي
رافع، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط حوله، فكان أحدهم مثل سواد
النحل، وقال لي: « لا تبرح مكانك » ،
فأقرأهم كتاب الله ، فلما رأى الزُّط قال:كأنهم هؤلاء. وقال النبي صلى الله عليه
وسلم: « أمعك ماء؟ » قلت:لا.
قال: « أمعك نبيذ؟ »
قلت:نعم. فتوضأ به .
طريق
أخرى مرسلة:قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبد الله الظهراني ، أخبرنا حفص بن عمر
العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: (
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) قال:هم
اثنا عشر ألفا جاؤوا من جزيرة الموصل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: « أنظرني
حتى آتيك » ، وخط عليه خطا، وقال: « لا
تبرح حتى آتيك » . فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن
يذهب، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرح، فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم: « لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة » .
طريق
أخرى مرسلة أيضا:قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى: (
وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ )
قال:ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نِينَوَى، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « إني
أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟ »
فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل:يا رسول الله، إن ذاك
لذو ندبة فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل، قال:فدخل النبي صلى الله عليه وسلم شعبا يقال
له: « شعب الحجون » ، وخط
عليه، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك، قال:فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في
دفوفها، وسمعت لغطا شديدا، حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا
القرآن، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت:يا رسول الله، ما اللغط الذي
سمعت؟ قال: « اختصموا في قتيل، فقضي بينهم بالحق » . رواه
ابن جرير، وابن أبي حاتم .
فهذه
الطرق كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصدا، فتلا عليهم القرآن،
ودعاهم إلى الله، عز وجل، وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك
الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن [ و ] لم
يشعر بهم، كما قاله ابن عباس، رضي الله عنهما ، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه
ابن مسعود. وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال
مخاطبته الجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدا منه، ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه
وسلم أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي.
وقد
يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق
الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى،
والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير: ( قُلْ
أُوحِيَ ) ، من حديث ابن جريج قال:قال عبد العزيز بن عمر:أما الجن
الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي
على أنه يقول: « فبتنا بشر ليلة بات بها قوم » ، على
غير ابن مسعود ممن لم يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الجن، وهو محتمل على
بعد، والله أعلم.
وقد قال
الحافظ أبو بكر البيهقي:أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أخبرنا أبو بكر
الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثني سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن
جده سعيد بن عمرو، قال كان أبو هريرة يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإداوة
لوضوئه وحاجته، فأدركه يوما فقال: « من
هذا؟ » قال:أنا أبو هريرة قال: « ائتني
بأحجار أستنج بها، ولا تأتني بعظم ولا روثة » .
فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته، فقلت:يا رسول
الله، ما بال العظم والروثة ؟ قال: « أتاني
وفد جن نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوه
طعاما » .
أخرجه
البخاري في صحيحه، عن موسى بن إسماعيل، عن عمرو بن يحيى، بإسناده قريبا منه فهذا
يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك. وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك.
وقد روي
عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولا من وجه جيد، فقال ابن جرير:
حدثنا
أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس
في قوله: ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) الآية،
[ قال ] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين
فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم .
فهذا يدل
على أنه قد روى القصتين.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه، عن ابن
جريج، عن مجاهد: ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ ) الآية، قال:كانوا سبعة نفر،
ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حيى وحسى ومسى، وشاصر
وناصر، والأرد وإبيان والأحقم.
وذكر أبو
حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم:بنو الشيصبان، وكانوا أكثر الجن
عددا وأشرفهم نسبا، وهم كانوا عامة جنود إبليس.
وقال
سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذَرّ، عن ابن مسعود:كانوا تسعة، أحدهم زوبعة، أتوه من
أصل نخلة.
وتقدم
عنه أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية:أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم
سيدهم وردان، وقيل:كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثنى عشر ألفا، فلعل
هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ومما يدل على
ذلك ما قاله البخاري في صحيحه:
حدثنا
يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر - هو ابن محمد- أن سالما حدثه، عن عبد
الله بن عمر قال:ما سمعت عمر يقول لشيء قط: « إني
لأظنه كذا » إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل
جميل، فقال:لقد أخطأ ظني - أو:إن هذا على دينه في الجاهلية- أو لقد كان كاهنهم- علي
بالرجل، فدعي له ، فقال له ذلك، فقال:ما رأيت كاليوم استقبل له رجل مسلم. قال:فإني
أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال:كنت كاهنهم في الجاهلية. قال:فما أعجب ما جاءتك به
جِنِيَّتُك. قال:بينما أنا يوما في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:
ألـــم تَــرَ الجِــنَّ وإبْلاسَــهَا ويَأسَــها مــن بعــد
إنْكَاسِــها
ولُحوقَها
بالقلاص وَأَحْلاسها
قال
عمر:صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم
أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول:يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: « لا إله
إلا الله » فوثب القوم، فقلت:لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا؟ ثم نادى يا
جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: « لا إله إلا الله » . فقمت،
فما نشبنا أن قيل:هذا نبي.
هذا سياق
البخاري ، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب، بنحوه، ثم قال: « وظاهر
هذه الرواية يوهم أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح
في رواية ضعيفة عن عمر في إسلامه، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي
أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم » .
وهذا
الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في
سيرة عمر، رضي الله عنه، فمن أراده فليأخذه من ثَمَّ، ولله الحمد [
والمنة ] .
قال
البيهقي: « حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم
يذكر اسمه في الحديث الصحيح » .
أخبرنا
أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد
بن عبد الله الصفار الأصبهاني، قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار
الكوفي بالكوفة، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو بكر القصري، حدثنا محمد بن نواس
الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء [ رضي
الله عنه ] قال:بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله صلى
الله عليه وسلم، إذ قال:أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال:فلم يجبه أحد تلك
السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال:أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال:فقلت:يا
أمير المؤمنين، وما سواد بن قارب؟ قال:فقال له عمر:إن سواد بن قارب كان بَدءُ إسلامه
شيئا عجيبا، قال:فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال:فقال له عمر:يا سواد
حدثنا ببدء إسلامك، كيف كان؟ قال سواد:فإني كنت نازلا بالهند، وكان لي رَئِيّ من
الجن، قال:فبينا أنا ذات ليلة نائم، إذ جاءني في منامي ذلك. قال:قم فافهم واعقل إن
كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول:
عَجِـــبتُ للجـــنِّ وأنْجَاسِـــها وشَــــدّها العيسَ
بأحْلاســــهَا
تَهْــوي إلـى مَكـةَ تَبْغـي الهُـدَى مَــا مُؤمنــو
الجِــنِّ كَأرْجَاسـهَا
فَـانْهَض إلـى الصَّفْـوةِ مـن هَاشـمٍ واسْــمُ بعينَيْــك إلــى
رَاسِــهَا
قال:ثم
أنبهني فأفزعني، وقال:يا سواد بن قارب، إن الله بعث نبيًا فانهض إليه تهتد وترشد.
فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول كذلك:
عَجِـــبتُ للجـــنِّ وَتَطْلابِهـــا وَشَـــــدهَا العِيسَ
بأقْتَابِهَــــا
تَهْــوي إلـى مَكّـةَ تَبْغـي الهُـدَى ليسَ قُداماهـــــا
كَأذْنَابِهـــــا
فـانهض إلـى الصّفْـوةِ مـن هَاشـمٍ واسْـــمُ بعَيْنَيــك
إلــى نَابِهــا
فلما كان
في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال:
عَجِـــبتُ للجِـــنّ وَتَخْبارهـــا وَشَــــدَّها العِيسَ
بأكْوَارهَــــا
تَهْــوي إلـى مَكَّـةَ تَبْغِـي الهُـدَى لَيْسَ ذَوُو
الشَّــــر كَأخْيَارهَــــا
فَـانْهَضْ إلـى الصَّفْـوةِ مـن هَاشـمٍ مَــا مُؤمِنــو
الجِــنِّ كَكُفَّارهَــا
قال:فلما
سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم ما شاء الله، قال:فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي، فما حللت [
عليه ] نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فإذا هو بالمدينة - يعني مكة- والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد
علمنا ما جاء بك » . قال:قلت:يا رسول الله، قد
قلت شعرا، فاسمعه مني. قال سواد:فقلت:
أتَــانِي رئــيَّ بـعـد لُيـَلٍ وهَجْعةٍ وَلـم يَـكُ فيمـا
قَدْ بَلــوَتُ بـكَاذبِ
ثـَـلاثٍ لَيَـال قَولُــه كُـلَّ لَيْلَــة: أتـاك رسـول من
لُـؤيّ بن غَالبِ
فَشَـمَّرتُ عـن سَاقي الإزَارَ ووسـطت بـي الـدَّعلب
الوَجْنَـاءُ عند السَّبَاسبِ
فَأشْـهَدُ أنّ اللـهَ لا شَــيء غَيْــرهُ وَأَنّـكَ
مَـأْمُونٌ عَـلَـى كُـِّل غَائـبِ
وأَنَّـك أَدْنَـى المُرْسَـــلِينَ شَـفَاعَة إلـى اللـهِ
يـا ابنَ الأكـرَمينَ الأطايبِ
فَمُرنَـا بمَـا يَـأتِيكَ يـا خَـيرَ مُرْسل وإنْ كَـانَ
فِيمَـا جَـاءَ شَيبُ الذّوَائـبِ
وَكُـنْ لـي شَـفِيعا يَومَ لا ذُو شَـفَاعةٍ سِـوَاك
بِمغْـنٍ عـن سَوَاد بن قَـاربِ
قال:فضحك
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال لي: « أفلحت
يا سواد » :فقال له عمر:هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال:منذ قرأت القرآن لم
يأتني، ونعم العوض كتاب الله من الجن .
ثم أسنده
البيهقي من وجهين آخرين . ومما يدل على وفادتهم إليه، عليه السلام ، بعد ما هاجر
إلى المدينة، الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب « دلائل
النبوة » [ فقال ] :
حدثنا
سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة المصيصي، حدثنا أبو تَوْبَة الربيع بن نافع،
حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم:أنه سمع أبا سلام يقول:حدثني من حدثه عمرو
بن غيلان الثقفي قال:أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له:حدثت أنك كنت مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن؟ قال:أجل قلت:حدثني كيف كان شأنه؟ فقال:إن أهل
الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: « من هذا؟ »
فقلت:أنا ابن مسعود. فقال: « ما أخذك أحد يعشيك؟ »
فقلت:لا. قال: « فانطلق لعلي أجد لك شيئا » . قال:فانطلقنا
حتى أتى حجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت:يا ابن مسعود،
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد لك عشاء، فارجع إلى مضجعك. قال:فرجعت إلى
المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلا حتى جاءت
الجارية، فقالت: أجب رسول الله . فاتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى إذا بلغت مقامي،
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عسيب من نخل، فعرض به على صدري فقال: « أتنطلق
أنت معي حيث انطلقت؟ » قلت:ما شاء الله. فأعادها علي
ثلاث مرات، كل ذلك أقول:ما شاء الله. فانطلق وانطلقت معه، حتى أتينا بقيع الغرقد،
فخط بعصاه خطا، ثم قال: « اجلس فيها، ولا تبرح حتى آتيك
» . ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من
حيث لا أراه ثارت العَجَاجة السوداء، ففرقت فقلت:ألحق برسول الله صلى الله عليه
وسلم، فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، فأسعى إلى
البيوت، فأستغيث الناس. فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني:أن لا أبرح
مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعهم بعصاه ويقول: « اجلسوا
» . فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « أنمت
بعدي؟ » فقلت:لا ، ولقد فزعت الفزعة الأولى، حتى رأيت أن آتي البيوت
فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن، مكروا برسول الله صلى
الله عليه وسلم ليقتلوه. فقال: « لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما
آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟ »
فقلت:رأيت رجالا سودا مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أولئك
وفد جن نصيبين، أتوني فسألوني الزاد والمتاع، فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو
بعرة » . قلت:وما يغني عنهم ذلك؟ قال: « إنهم
لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا
فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة » .
وهذا
إسناد غريب جدًا ، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم [
والله أعلم ] ، وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني
نمير بن زيد القنبر ، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير بن العوام
قال:صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف
قال: « أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟ » فأسكت
القوم ثلاثا، فمر بي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها،
وأفضينا إلى أرض براز، فإذا برجال طوال كأنهم الرماح، مستشعرين بثيابهم من بين
أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم ، وهذا
حديث غريب، والله أعلم.
ومما
يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم:حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو
الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدَّوْرَقي، حدثنا الوليد بن بكير التميمي، حدثنا
حصين بن عمر ، أخبرني عبيد المُكتب، عن إبراهيم قال:خرج نفر من أصحاب عبد الله
يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق، إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض،
ينفخ منه ريح المسك، فقلت لأصحابي:امضوا، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه
أمر هذه الحية. قال:فما لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها، ثم
نحيتها عن الطريق فدفنتها، وأدركت أصحابي في المتعشى. قال:فوالله إنا لقعود إذ أقبل
أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت واحدة منهن:أيكم دفن عمرًا؟ قلنا:ومن عمرو،
قالت:أيكم دفن الحية؟ قال:قلت:أنا. قالت:أما والله لقد دفنت صواما قواما، يأمر بما
أنـزل الله، ولقد آمن بنبيكم، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال
الرجل فحمدنا الله، ثم قضينا حجتنا ، ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة، فأنبأته
بأمر الحية، فقال:صدقت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لقد
آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة » .
وهذا
حديث غريب جدا، والله أعلم.
قال أبو
نعيم:وقد روى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، بنحوه. وروى عبد
الله بن أحمد والظِّهراني، عن صفوان بن المعطل - هو الذي نـزل ودفن تلك الحية من
بين الصحابة- وأنهم قالوا:أما إنه آخر التسعة موتا الذين أتوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم يستمعون القرآن .
وروى أبو
نعيم من حديث الليث بن سعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشُون، عن عمه ، عن
معاذ بن عُبَيْد الله بن معمر قال:كنت جالسا عند عثمان بن عفان، فجاء رجل فقال:يا
أمير المؤمنين، إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل
أحدهما الآخر، قال:فذهبت إلى المعترك، فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها
ريح المسك، فجعلت أشمُّها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها
في عمامتي ودفنتها. فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد:يا عبد الله، لقد هُدِيتَ! هذان
حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا، فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي
دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال:فقال
عثمان لذلك الرجل:إن كنت صادقا فقد رأيت عجبا، وإن كنت كاذبا فعليك كذبك .
فقوله
تعالى: ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ )
أي:طائفة من الجن، ( يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا )
أي:استمعوا وهذا أدب منهم.
وقد قال
الحافظ البيهقي:حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن
محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا هِشام بن عمار
الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر
بن عبد الله قال:قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة « الرحمن
» حتى ختمها، ثم قال: « ما لي
أراكم سكوتا، لَلْجِنّ كانوا أحسن منكم ردًا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إلا قالوا:ولا بشيء من آلائك - أو نعمك-
ربنا نكذب، فلك الحمد » .
ورواه
الترمذي في التفسير، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم به .
قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن، فذكره،
ثم قال الترمذي: « غريب لا نعرفه إلا من حديث
الوليد، عن زهير » كذا قال. وقد رواه البيهقي من
حديث مروان بن محمد الطاطري، عن زهير بن محمد، به مثله .
وقوله: (
فَلَمَّا قُضِيَ ) أي:فرغ. كقوله: فَإِذَا
قُضِيَتِ الصَّلاةُ [ الجمعة:10 ] ،
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [
فصلت:12 ] ، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ [
البقرة:200 ] ( وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ
مُنْذِرِينَ ) أي:رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، كقوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [
التوبة:122 ] .
وقد
استدل بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ، وليس فيهم رسل:ولا شك أن الجن لم يبعث
الله منهم رسولا؛ لقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي
إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [
يوسف:109 ] ، وقال وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [
الفرقان:20 ] ، وقال عن إبراهيم الخليل: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ
النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ العنكبوت:27 ] .
فكل نبي
بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته، فأما قوله تعالى في [
سورة ] الأنعام: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ
يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام:130 ] ،
فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس، كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا
اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [ الرحمن:22 ]
أي:أحدهما. ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: (
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنـزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ] ) ، ولم
يذكروا عيسى؛ لأن عيسى، عليه السلام، أنـزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل
من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة؛
فلهذا قالوا:أنـزل من بعد موسى. وهكذا قال ورقة بن نوفل، حين أخبره النبي صلى الله
عليه وسلم بقصة نـزول جبريل [ عليه السلام ] عليه
أول مرة، فقال:بَخ بَخ، هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها
جَذَعًا.
(
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي:من
الكتب المنـزلة قبله على الأنبياء. وقولهم: (
يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) أي:في الاعتقاد والإخبار، (
وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) في الأعمال، فإن القرآن يشتمل
على شيئين خبر وطلب ، فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
صِدْقًا وَعَدْلا [ الأنعام:115 ] ، وقال
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [
التوبة:33 ] ، فالهدى هو:العلم النافع، ودين الحق:هو العمل الصالح.
وهكذا قالت الجن: ( يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) في
الاعتقادات، ( وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ) أي:في
العمليات.
( يَا
قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ ) فيه
دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن
حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم
ووعيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال (
أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ )
وقوله: (
يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) قيل:إن
« من » هاهنا زائدة وفيه نظر؛ لأن
زيادتها في الإثبات قليل، وقيل:إنها على بابها للتبغيض، (
وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )
أي:ويقيكم من عذابه الأليم.
وقد
استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما
جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة؛ ولهذا قالوا هذا في هذا
المقام، وهو مقام تبجح ومبالغة فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن
يذكروه.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي قال:حدثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:لا يدخل
مؤمنو الجن الجنة؛ لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة.
والحق أن
مُؤمِنَهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل
بعضهم لهذا بقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [
الرحمن:74 ] ، وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله تعالى: وَلِمَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [
الرحمن:46 ، 47 ] ، فقد امتن تعالى على الثقلين
بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجِنّ هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من
الإنس، فقالوا: « ولا بِشَيء من آلائك ربنا
نكذب، فلك الحمد » فلم يكن تعالى ليمتنّ عليهم
بجزاء لا يحصل لهم، وأيضا فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار - وهو مقام عدل-
فَلأنْ يجازي مؤمنهم بالجنة - وهو مقام فَضْل- بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل
أيضا على ذلك عمومُ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [
الكهف:107 ] ، وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء
على حدة، ولله الحمد والمنة. وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا،
أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحا؟ وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإيمان من
تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في
الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة. ولم يرد معنا
نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار،
ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح، عليه السلام، يقول لقومه: يَغْفِرْ لَكُمْ
مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [
نوح:4 ] ، ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء. وقد حكي
فيهم أقوال غريبة فعن عُمَر بن عبد العزيز:أنهم لا يدخلون بُحْبُوحَةَ الجنة،
وإنما يكونون في رَبَضها وحولها وفي أرجائها. ومن الناس من زعم أنهم في الجنة
يراهم بنو آدم ولا يرون بني آدم عكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من
قال:لا يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس،
عِوَضا عن الطعام والشراب كالملائكة، لأنهم من جنسهم. وكل هذه الأقوال فيها نظر،
ولا دليل عليها.
ثم قال
مخبرا عنه: ( وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي
الأرْضِ ) أي:بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به، (
وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ ) أي:لا
يجيرهم منه أحدٌ ( أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ
مُبِينٍ ) وهذا مقامُ تهديد وترهيب، فَدَعَوا قومهم بالترغيب
والترهيب؛ ولهذا نجع في كثير منهم، وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفودا
وفودا، كما تقدم بيانه.
أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ
بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 )
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا
بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 )
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ
نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ( 35 ) .
يقول تعالى: (
أَوَلَمْ يَرَوْا ) أي:هؤلاء المنكرون للبعث يوم
القيامة، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ( أَنَّ
اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ) أي:ولم
يَكْرثهُ خَلْقُهن، بل قال لها: « كوني » فكانت،
بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي
الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ
مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [
غافر:57 ] ، ولهذا قال: ( بَلَى
إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
ثم قال متهددا ومتوعدا لمن كفر
به: ( وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ) أي:يقال لهم:أما هذا حق؟
أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ ( قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ) أي:لا
يسعهم إلا الاعتراف، ( قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ
بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) ثم قال تعالى آمرا رسوله صلى
الله عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، (
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) أي:على
تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال، وأشهرها أنهم:نوح،
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد صلى الله عليه وسلم، قد نص الله
على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سُورَتَي «
الأحزاب » و « الشورى » ، وقد
يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرّسُل، وتكون ( مِنَ ) في
قوله: ( مِنَ الرُّسُلِ ) لبيان
الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم:
حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي،
حدثنا السري بن حَيَّان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن
مسروق قال:قالت لي عائشة [ رضي الله عنها ] :ظل
رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما ثم طواه، ثم ظل صائما ثم طواه، ثم ظل صائما، [ ثم ] قال: « يا
عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد. يا عائشة، إن الله لم يرض من أولي
العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن
يكلفني ما كلفهم، فقال: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ
أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) وإني -
والله- لأصبرن كما صبروا جَهدي، ولا قوة إلا بالله »
( وَلا
تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) أي:لا تستعجل لهم حلول
العقوبة بهم، كقوله: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا [ المزمل:11 ] ،
وكقوله فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [
الطارق:17 ] .
(
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ
نَهَارٍ ) ، كقوله كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا
إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [ النازعات:46 ] ،
وكقوله وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ
النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ
اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [
يونس:45 ] ، [ وحاصل ذلك أنهم استقصروا
مدة لبثهم في الدنيا وفي البرزخ حين عاينوا يوم القيامة وشدائدها وطولها ] .
وقوله: (
بَلاغٌ ) قال ابن جرير:يحتمل معنيين، أحدهما:أن يكون تقديره:وذلك
لَبثَ بلاغ. والآخر:أن يكون تقديره:هذا القرآن بلاغ.
وقوله: (
فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ) أي:لا
يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب.
آخر تفسير سورة الأحقاف
تفسير سورة القتال
[ وهي
مدنية ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الَّذِينَ
كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ( 1 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى
مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ( 2 )
ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ
أَمْثَالَهُمْ ( 3 ) .
يقول
تعالى: ( الَّذِينَ كَفَرُوا )
أي:بآيات الله، ( وصدوا ) غيرهم
( عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ )
أي:أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها جزاء ولا ثوابا، كقوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى
مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [
الفرقان:23 ] .
ثم قال:
( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )
أي:آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم، (
وَآمَنُوا بِمَا نـزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ) ، عطف
خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه
عليه.
وقوله: (
وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ) جملة معترضة حسنة؛ ولهذا قال:
( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال
ابن عباس:أي أمرهم. وقال مجاهد:شأنهم. وقال قتادة وابن زيد:حالهم. والكل متقارب.
وقد جاء في حديث تشميت العاطس: « يهديكم الله ويصلح بالكم » .
ثم قال
تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ )
أي:إنما أبطلنا أعمال الكفار، وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأن
الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي:اختاروا الباطل على الحق، (
وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ )
أي:يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.
فَإِذَا
لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ
فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ
الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ
وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ
اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ( 4 )
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ( 5 )
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ( 6 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ ( 7 )
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ( 8 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( 9 ) .
يقول
تعالى مرشدا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: (
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) أي:إذا
واجهتموهم فاحصدوهم حصدا بالسيوف، (
حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا )
أي:أهلكتموهم قتلا ( فشدوا ) [
وثاق ] الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال
المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجانا، وإن شئتم
فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشاطرونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نـزلت بعد
وقعة بدر، فإن الله، سبحانه، عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ
ليأخذوا منهم الفداء، والتقلل من القتل يومئذ فقال: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا
وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ
اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [
الأنفال:67 ، 68 ] .
ثم قد
ادعى بعض العلماء أن هذه الآية - المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه- منسوخة
بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ] الآية
[ التوبة:5 ] ، رواه
العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جُرَيْج.
وقال
الآخرون - وهم الأكثرون- :ليست بمنسوخة.
ثم قال
بعضهم:إنما الإمام مُخَيَّر بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.
وقال
آخرون منهم:بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن
الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر، وقال ثمامة بن أثال لرسول الله صلى الله
عليه وسلم حين قال له: « ما عندك يا ثمامة؟ » فقال:إن
تَقْتَلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ
تُعطَ منه ما شئت .
وزاد
الشافعي، رحمه الله، فقال:الإمام مخير بين قتله أو المن عليه، أو مفاداته أو
استرقاقه أيضا. وهذه المسألة مُحَرّرة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا
« الأحكام » ، ولله الحمد والمنة.
وقوله: (
حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) قال
مجاهد:حتى ينـزل عيسى ابن مريم [ عليه السلام ] .
وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: « لا
تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن سليمان،
عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي ، عن جُبَير بن نُفيَر؛ أن سلمة بن نُفيَل
أخبرهم:أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:إني سَيَّبْتُ الخيل، وألقيت
السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: « لا
قتال » فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « الآن
جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يُزيغ الله قلوب أقوام
فيقاتلونهم:ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ألا إن عُقْرَ دار
المؤمنين الشام، والخيلُ معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » .
وهكذا
رواه النسائي من طريقين، عن جُبَيْر بن نُفَير، عن سلمة بن نُفَيْل السكوني، به .
وقال أبو
القاسم البغوي:حدثنا داود بن رُشَيْد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن
الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جبير بن نُفَير، عن النواس بن سمعان قال:لما
فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتْح فقالوا:يا رسول الله، سيبت الخيل،
ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا:لا قتال، قال: « كذبوا،
الآن، جاء القتال، لا يزال الله يُرَفِّع قلوب قوم يقاتلونهم، فيرزقهم منهم، حتى
يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعُقْر دار المسلمين بالشام » .
وهكذا
رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رُشَيْد، به . والمحفوظ أنه من رواية
سلمة بن نُفَيْل كما تقدم. وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في
الحرب إلى ألا يبقى حرب.
وقال
قتادة: ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ) حتى لا
يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ [ البقرة:193 ] . ثم
قال بعضهم: ( حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا )
أي:أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله عز وجل. وقيل:أوزار أهلها
بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله، عز وجل.
وقوله: (
ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) أي:هذا
ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونَكَال من عنده، (
وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ )
أي:ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في
شرعية الجهاد في سورتي « آل عمران » و « براءة
» في قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
[ آل عمران:142 ] .
وقال في
سورة براءة: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ
غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ [ التوبة:14 ، 15 ] .
ثم لما
كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: (
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ) أي:لن
يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول بَرْزَخه، كما
ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال:
حدثنا
زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مُرّة ، عن
قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يعطى
الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه:يُكَفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة،
ويزوج من الحور العين، ويؤمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة
الإيمان » . تفرد به أحمد رحمه الله.
حديث
آخر:قال أحمد أيضا:حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بَحِير ابن
سعيد، عن خالد بن مَعْدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن للشهيد عند الله ست
خصال:أن يغفر له في أول دَفْعَة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حُلَّة
الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويَأمَن من الفزع الأكبر،
ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين
وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانا من أقاربه » .
وقد
أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه .
وفي صحيح
مسلم عن عبد الله بن عَمْرو، وعن أبي قتادة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« يُغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّيْن » . وروي
من حديث جماعة من الصحابة، وقال أبو الدرداء:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يشفع
الشهيد في سبعين من أهل بيته » . ورواه أبو داود . والأحاديث
في فضل الشهيد كثيرة جدا.
وقوله: (
سيهديهم ) أي:إلى الجنة، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [
يونس:9 ] .
وقوله: (
وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ) أي:أمرهم وحالهم، (
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ )
أي:عرفهم بها وهداهم إليها.
قال مجاهد:يهتدي
أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ
خلقوا، لا يستدلون عليها أحدا. وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا.
وقال
محمد بن كعب:يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من
الجمعة.
وقال مقاتل
بن حَيَّان:بلغنا أن الملك الذي كان وُكِّل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في
الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منـزل هو له، فيعرّفه كل شيء أعطاه الله في
الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منـزله في الجنة دخل [ إلى
] منـزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه ذكرهن ابن أبي حاتم، رحمه
الله.
وقد ورد
الحديث الصحيح بذلك أيضا، رواه البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن
أبي سعيد الخدري [ رضي الله عنه ] ؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاصّون مظالم كانت بينهم
في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده، إن
أحدهم بمنـزله في الجنة أهدى منه بمنـزله الذي كان في الدنيا » .
ثم قال
تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ،
كقوله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [
الحج:40 ] ، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: (
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ، كما جاء في الحديث: « من
بَلَّغ ذا سلطان حاجة مَنْ لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم
القيامة » .
ثم قال
تعالى: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ ) ، عكس
تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في
الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « تَعِس
عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القَطِيفة - [ وفي
رواية:تعس عبد الخميصة ] - تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا
انتقش » ، أي:فلا شفاه الله.
وقوله: (
وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) أي:أحبطها وأبطلها؛ ولهذا
قال: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنـزلَ اللَّهُ ) أي:لا
يريدونه ولا يحبونه، ( فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ )
أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ( 10 )
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا
مَوْلَى لَهُمْ ( 11 )
يقول تعالى: (
أَفَلَمْ يَسِيرُوا ) يعني:المشركين بالله المكذبين
لرسوله ( فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ )
أي:عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي:ونجى المؤمنين من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: (
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا )
ثم قال: (
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا
مَوْلَى لَهُمْ ) ، ولهذا لما قال أبو سفيان
صخرُ بن حرب رئيس المشركين يوم أحد حين سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي
بكر وعمر فلم يجب، وقال:أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب فقال:كذبت يا
عدو الله، بل أبقى الله لك ما يسوؤك، وإن الذين عَدَدت لأحياء [
كلهم ] . فقال أبو سفيان:يوم بيوم بدر، والحرب سِجال، أما إنكم
ستجدون مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم ذهب يرتجز ويقول:اعل هُبَل، اعل هبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألا
تجيبوه؟ » قالوا:يا رسول الله، وما نقول؟ قال: «
قولوا:الله أعلى وأجلّ » ثم قال أبو سفيان:لنا العزى،
ولا عُزّى لكم. فقال: « ألا تجيبوه؟ »
قالوا:وما نقول يا رسول الله؟ قال: «
قولوا:الله مولانا ولا مولى لكم » .
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى
لَهُمْ ( 12 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ
أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا
نَاصِرَ لَهُمْ ( 13 ) .
ثم قال [
تعالى ( إِنَّ
اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ )
أي:يوم القيامة (
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ ) أي:في دنياهم، يتمتعون
بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خَضْما وقضما وليس لهم همة إلا في ذلك. ولهذا ثبت
في الصحيح: « المؤمن
يأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء » .
ثم قال: ( وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) أي:يوم جزائهم.
وقوله: (
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي
أَخْرَجَتْكَ )
يعني:مكة، (
أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة، في تكذيبهم
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله،
عز وجل، قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من
هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم
العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفر على الكافرين به
في معادهم، يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ
وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [ هود:20 ] .
وقوله: ( مِنْ
قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ )
أي:الذين أخرجوك من بين أظهرهم.
وقال ابن أبي حاتم:ذكر أبي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن
المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش ، عن عكرمة، عن ابن عباس:أن النبي صلى الله
عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار أراه قال:التفت إلى مكة - وقال: « أنت أحب بلاد الله إلى الله،
وأنت أحبّ بلاد الله إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك » . فأعدى الأعداء من عَدَا
على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول الجاهلية، فأنـزل الله على
نبيه صلى الله عليه وسلم: (
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي
أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ )
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ( 14 ) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي
وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ
لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً
حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ( 15 ) .
يقول: ( أَفَمَنْ
كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) أي:على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنـزل الله
في كتابه من الهدى والعلم، وبما جَبَله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) أي:ليس هذا، كهذا كقوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [ الرعد:19 ] ،
وكقوله: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ
الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [ الحشر:20 ] .
ثم قال: ( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) قال عكرمة: ( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) أي:نعتها : ( فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ
غَيْرِ آسِنٍ )
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة:يعني غير متغير. وقال قتادة، والضحاك، وعطاء
الخراساني:غير منتن. والعرب تقول:أَسِن الماء، إذا تَغَيَّر ريحه.
وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: ( غَيْرِ آسِنٍ ) يعني:الصافي الذي لا
كَدَر فيه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وَكِيع،
عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة ، عن مسروق قال:قال عبد الله:أنهار الجنة
تُفَجَّر من جبل من مسك.
( وَأَنْهَارٌ
مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) أي:بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة. وفي حديث
مرفوع: « لم
يخرج من ضُرُوع الماشية » .
( وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ
لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ )
أي:ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل [ هي ] حسنة المنظر والطعم والرائحة
والفعل، لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [ الصافات:47 ] ، لا
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ [ الواقعة:19 ] ، بَيْضَاءَ لَذَّةٍ
لِلشَّارِبِينَ [ الصافات:46 ] ، وفي حديث مرفوع: « لم تعصرها الرجال بأقدامها » .
[
وقوله ] (
وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ) أي:وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي
حديث مرفوع: « لم
يخرج من بطون النحل » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجُريري،
عن حكيم بن معاوية، عن أبيه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « في الجنة بحر اللبن، وبحر
الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد » .
ورواه الترمذي في « صفة الجنة » ، عن محمد بن بَشار، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن إياس
الجَريري، به وقال:حسن صحيح.
وقال أبو بكر بن مردويه حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا
عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو
قدامة الإيادي، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هذه الأنهار تَشخُبُ من جنة عدن في جَوْبَة، ثم تصدع بعد أنهارا
»
وفي الصحيح: « إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى
الجنة، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن » .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا مصعب بن إبراهيم
بن حمزة الزبيري، وعبد الله بن الصفر السكري قالا حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن
الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن
عامر، قال دلهم:وحدثنيه أيضا أبو الأسود، عن عاصم بن لقيط أن لقيط بن عامر خرج
وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت:يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟
قال: « على
أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير
طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة » قلت:يا رسول الله، أو لنا
فيها أزواج مصلحات؟ قال: «
الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير ألا توالد » .
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا:حدثنا يعقوب
بن عبيدة ، عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، عن أبيه ، عن أنس
بن مالك قال:لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، والله إنها لتجري
سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذْفَر .
وقد رواه أبو بكر ابن مَرْدُويه، من حديث مهدي بن حكيم،
عن يزيد بن هارون، به مرفوعا .
وقوله: (
وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) ، كقوله: يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ
[ الدخان:55 ] . وقوله: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [ الرحمن:52 ] .
وقوله: (
وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ )
أي:مع ذلك كله.
وقوله: (
كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ ) أي:أهؤلاء الذين ذكرنا منـزلتهم من الجنة كمن هو خالد
في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، أي:ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) أي:حارا شديد الحر، لا
يستطاع. (
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ )
أي:قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذا بالله من ذلك.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا
مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
( 16 ) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا
زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ( 17 )
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ
أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ( 18 ) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ( 19 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئا، فإذا خرجوا من عنده ( قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ ) من
الصحابة: (
مَاذَا قَالَ آنِفًا )
أي:الساعة، لا يعقلون ما يقال ، ولا يكترثون له.
قال
الله تعالى: (
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ
)
أي:فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح.
ثم
قال: ( وَالَّذِينَ
اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى )
أي:والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها وزادهم منها،
(
وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ )
أي:ألهمهم رشدهم.
وقوله:
(
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ) أي:وهم غافلون عنها، ( فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) أي:أمارات اقترابها،
كقوله تعالى: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ [
النجم:56 ، 57 ] ، وكقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر:1
] وقوله: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل:1 ] ، وقوله:
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [ الأنبياء:1 ]
، فبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل
الله به الدين، وأقام به الحجة على العالمين. وقد أخبر - صلوات الله وسلامه عليه-
بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما هو مبسوط
في موضعه.
وقال
الحسن البصري:بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة. وهو كما قال؛ ولهذا
جاء في أسمائه عليه السلام، أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يُحشَر الناس
على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي.
وقال
البخاري:حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل
بن سعد قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا، بالوسطى والتي
تليها: « بعثت
أنا والساعة كهاتين » .
ثم
قال تعالى: (
فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ) أي:فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا
ينفعهم ذلك ، كقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ
الذِّكْرَى [ الفجر:23 ] ،
وَقَالُوا
آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [ سبأ:52 ] .
وقوله:
(
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) هذا إخبار:بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرا
بعلم ذلك؛ ولهذا عطف عليه بقوله: ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ )
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي،
وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هَزْلي وجدّي، وخَطَئي
وعَمْدي، وكل ذلك عندي » .
وفي الصحيح أنه كان يقول في آخر الصلاة: « اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما
أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت » وفي الصحيح أنه قال: « يا أيها الناس، توبوا إلى
ربكم، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة »
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال:سمعت عبد الله بن
سرجس قال:أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلت معه من طعامه، فقلت:غفر الله لك
يا رسول الله فقلت:استغفر لك ؟ فقال: « نعم، ولكم » ، وقرأ: ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ ) ،
ثم نظرت إلى نُغْض كتفه الأيمن - أو:كتفه الأيسر شعبة الذي شك- فإذا هو كهيئة
الجمع عليه الثآليل.
رواه
مسلم، والترمذي، والنسائي ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن عاصم الأحول، به
.
وفي
الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى:حدثنا مُحَرَّز بن عون ، حدثنا عثمان بن مطر،
حدثنا عبد الغفور، عن أبي نَصِيرَة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق، رضي الله
عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن
إبليس قال:أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بـ » لا إله إلا الله « ، والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون
أنهم مهتدون » .
وفي
الأثر المروي: « قال
إبليس:وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله عز
وجل:وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني »
والأحاديث
في فضل الاستغفار كثيرة جدا.
وقوله:
(
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) أي:يعلم تصرفكم في نهاركم
ومستقركم في ليلكم، كقوله: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ
مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [ الأنعام:60 ] ، وكقوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا
كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ هود:6 ] . وهذا القول ذهب إليه ابن جريج، وهو اختيار
ابن جرير. وعن ابن عباس:متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة.
وقال
السدي:متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم.
والأول
أولى وأظهر، والله أعلم.
وَيَقُولُ
الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى
لَهُمْ ( 20 )
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ( 21 )
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ ( 22 )
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( 23 ) .
يقول
تعالى مخبرا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله، عز وجل ، وأمر
به نكل عنه كثير من الناس، كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ
اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا
الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا
قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا [
النساء:77 ] .
وقال ها
هنا: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ )
أي:مشتملة على حُكْم القتال؛ ولهذا قال: (
فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ
الْمَوْتِ ) أي:من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء. ثم قال مشجعا
لهم: ( فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ )
أي:وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي:في الحالة الراهنة، (
فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ ) أي:جد الحال، وحضر القتال، (
فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ ) أي:أخلصوا له النية، (
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ )
وقوله: (
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) أي:عن
الجهاد ونكلتم عنه، ( أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ
وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ) أي:تعودوا إلى ما كنتم فيه من
الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام؛ ولهذا قال: (
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) وهذا
نهي عن الإفساد في الأرض عموما، وعن قطع الأرحام خصوصا، بل قد أمر [
الله ] تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى
الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال. وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من طرق عديدة، ووجوه كثيرة.
قال
البخاري:حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مُزَرّد، عن
سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خلق
الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن عز وجل، فقال:مه!
فقالت:هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال:ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من
قطعك؟ قالت:بلى. قال:فذاك . قال أبو هريرة:اقرؤوا إن شئتم: (
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ ) . »
ثم رواه
البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مزرد، به. قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « اقرؤوا إن شئتم: (
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ ) ورواه مسلم من حديث معاوية بن
أبي مزرد، به . »
وقال
الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه، عن أبي
بكرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من
ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي
وقطيعة الرحم » .
رواه أبو
داود والترمذي وابن ماجه، من حديث إسماعيل - هو ابن عُلَية- به . وقال الترمذي:هذا
حديث صحيح.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد
المخزومي، عن ثوبان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من سره
النِّساء في الأجل، والزيادة في الرزق، فليصل رحمه » . تفرد
به أحمد، وله شاهد في الصحيح.
وقال
أحمد أيضا:حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده قال:جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله إن لي ذوي
أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟ قال: « لا إذن
تتركون جميعا، ولكن جُدْ بالفضل وصلهم؛ فإنه لن يزال معك ظهير من الله، عز وجل، ما
كنت على ذلك » .
تفرد به
من هذا الوجه، وله شاهد من وجه آخر.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يَعْلَى، حدثنا فِطْر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الرحم معلقة بالعرش، وليس
الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها » ، رواه
البخاري .
وقال
أحمد:حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة، عن أبي ثمامة الثقفي، عن عبد
الله بن عمرو قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « توضع
الرحم يوم القيامة لها حُجْنَة كحجنة المغزل، تتكلم بلسان طُلَق ذُلَق، فتصل من
وصلها وتقطع من قطعها » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو - يبلغ
به النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «
الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شُجْنَة من
الرحمن، من وصلها وصلته، ومن قطعها بتته » .
وقد رواه
أبو داود والترمذي، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، به . وهذا هو الذي
يروي بتسلسل الأولية ، وقال الترمذي:حسن صحيح.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدَّسْتَوائي، عن يحيى بن أبي كثير،
عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ؛ أن أباه حدثه:أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو
مريض، فقال له عبد الرحمن:وصلتك رَحمٌ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله عز وجل:أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي، فمن يصلها أصله، ومن
يقطعها أقطعه فأبته - أو قال:من يبتها أبته » .
تفرد به
من هذا الوجه . ورواه أحمد أيضا من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن الرداد- أو أبي
الردّاد- عن عبد الرحمن بن عوف، به . ورواه أبو داود والترمذي، من رواية أبي سلمة،
عن أبيه . والأحاديث في هذا كثيرة.
وقال
الطبراني:حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن
يونس، عن محمد بن عبد الله بن علاثة ، عن الحجاج بن الفُرَافِصَة، عن أبي عمر
البصري، عن سلمان قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
الأرواح جنود مجندة، فما تَعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف » .
وبه قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا ظهر القول، وخزن العمل،
وائتلفت الألسنة، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله
فأصمهم وأعمى أبصارهم » .
أَفَلا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ( 24 )
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ
الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( 25 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ
سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( 26 )
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَارَهُمْ ( 27 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( 28 ) .
يقول
تعالى آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيا عن الإعراض عنه، فقال: (
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) أي:بل
على قلوب أقفالها، فهي مُطْبَقَة لا يخلص إليها شيء من معانيه.
قال ابن
جرير:حدثنا بشر، قال:حدثنا يزيد قال:حدثنا سعيد قال:حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام
بن عروة، عن أبيه قال:تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما: (
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ، فقال
شاب من أهل اليمن:بل عليها أقفالها حتى يكون الله عز وجل يفتحها أو يفرجها. فما
زال الشاب في نفس عمر، رضي الله عنه، حتى ولي، فاستعان به .
ثم قال
تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ )
أي:فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، ( مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ ) أي:زين
لهم ذلك وحسنه، ( وَأَمْلَى لَهُمْ )
أي:غرهم وخدعهم، ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا
لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نـزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ )
أي:مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما
يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: (
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ) أي: [
يعلم ] ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به، كقوله:
وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ [
النساء:81 ] .
ثم قال:
( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) أي:كيف حالهم إذا جاءتهم
الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف
والقهر والضرب، كما قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا
الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ الآية [
الأنفال:50 ] ، وقال: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ
الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أي:بالضرب أَخْرِجُوا
أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ
عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [
الأنعام:93 ] ؛ ولهذا قال ها هنا: (
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ )
أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ
أَضْغَانَهُمْ ( 29 )
يقول تعالى: ( أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ
أَضْغَانَهُمْ ) أي:اعتقد المنافقون أن الله
لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر،
وقد أنـزل تعالى في ذلك سورة « براءة » ، فبين
فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمى
الفاضحة. والأضغان:جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله
والقائمين بنصره.
وَلَوْ
نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي
لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ( 30 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
أَخْبَارَكُمْ ( 31 ) .
وقوله: (
وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) يقول تعالى:ولو
نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع
المنافقين سترا منه على خلقه، وحملا للأمور على ظاهر السلامة، ورد السرائر إلى
عالمها، ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ )
أي:فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني
كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي
الله عنه:ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه. وفي
الحديث: « ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها، إن خيرا فخير، وإن
شرًّا فشر » . وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل، وتكلمنا على نفاق
العمل والاعتقاد في أول « شرح البخاري » ، بما
أغنى عن إعادته ها هنا. وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام
أحمد:
حدثنا
وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن
عمرو، رضي الله عنه، قال:خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: « إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم » . ثم
قال: « قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان » . حتى
سمى ستة وثلاثين رجلا ثم قال: « إن فيكم - أو:منكم - فاتقوا
الله » . قال:فمر عمر برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه، فقال:ما لك؟
فحدثه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:بعدًا لك سائر اليوم .
وقوله: (
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) أي:ولنختبرنكم بالأوامر
والنواهي، ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) . وليس في تقدم علم الله
تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد:حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن
عباس في مثل هذا:إلا لنعلم، أي:لنرى.
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا
وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ( 32 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا
تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ( 33 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ
كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ
وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ( 35 ) .
يخبر
تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما
تبين له الهدى:أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط
الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من
خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات.
وقد قال
الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة:حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا
أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم يظنون أنه لا يضر مع « لا إله
إلا الله » ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنـزلت: (
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) فخافوا
أن يبطل الذنب العمل.
ثم روي
من طريق عبد الله بن المبارك:أخبرني بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن
ابن عمر قال:كنا معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من
الحسنات إلا مقبول، حتى نـزلت: ( أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) ،
فقلنا:ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا:الكبائر الموجبات والفواحش، حتى
نـزلت:إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَنْ يَشَاءُ [ النساء:48 ] ، فلما
نـزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن
لم يصيبها .
ثم أمر
تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة،
ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال؛ ولهذا قال: ( وَلا
تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) أي:بالردة؛ ولهذا قال بعدها:
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ) ، كقوله
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ الآية.
ثم قال
لعباده المؤمنين: ( فَلا تَهِنُوا ) أي:لا
تضعفوا عن الأعداء، ( وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ )
أي:المهادنة والمسالمة، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة
عَدَدِكم وعُدَدِكُمْ؛ ولهذا قال: ( فَلا
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) أي:في
حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع
المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع
الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك.
وقوله: (
وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) فيه بشارة عظيمة بالنصر
والظفر على الأعداء، ( وَلَنْ يَتِرَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ ) أي:ولن يحبطها ويبطلها
ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا.
إِنَّمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ
أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( 36 ) إِنْ
يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( 37 ) هَا
أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ
يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ
وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ
ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( 38 ) .
يقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا
وتهوينا لشأنها: ( إِنَّمَا الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) أي:حاصلها ذلك إلا ما كان
منها لله عز وجل؛ ولهذا قال: ( وَإِنْ تُؤْمِنُوا
وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ) أي:هو
غني عنكم لا يطلب منكم شيئا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم
الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم.
ثم قال: ( إِنْ
يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا )
أي:يحرجكم تبخلوا: ( وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ )
قال قتادة: « قد علم
الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان » . وصدق
قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.
وقوله: (
هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ
مَنْ يَبْخَلُ ) أي:لا يجيب إلى ذلك (
وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ )
أي:إنما نقص نفسه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه، (
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ ) أي:عن كل ما سواه، وكل شيء
فقير إليه دائما؛ ولهذا قال: ( وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ )
أي:بالذات إليه. فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، [ أي ] لا
ينفكون عنه.
وقوله: (
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ) أي:عن طاعته واتباع شرعه (
يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ )
أي:ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره.
وقال ابن أبي حاتم، وابن
جرير:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: (
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا
أَمْثَالَكُمْ ) ، قالوا:يا رسول الله من
هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال:فضرب بيده على كتف
سلمان الفارسي ثم قال: « هذا وقومه، ولو كان الدين عند
الثريا لتناوله رجال من الفرس » تفرد به مسلم بن خالد الزنجي،
ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة، والله أعلم.
آخر تفسير سورة القتال
تفسير سورة الفتح
وهي مكية
قال
الإمام أحمد حدثنا وَكِيع، حدثنا شُعْبَة، عن معاوية بن قرة قال:سمعت عبد الله بن
مغفل يقول:قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسيره سورة الفتح على
راحلته فرجَّع فيها - قال معاوية:لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم
قراءته، أخرجاه من حديث شعبة به .
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ( 1 ) لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( 2 )
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ( 3 ) .
نـزلت
هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي
القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ليقضي
عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه
هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء
الله. فلما نحر هديه حيث أحصر، ورجع، أنـزل الله، عز وجل، هذه السورة فيما كان من
أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه،
كما روى عن ابن مسعود، رضي الله عنه، وغيره أنه قال:إنكم تعدون الفتح فتح مكة،
ونحن نعد الفتح صلح الحديبية.
وقال
الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال:ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية .
وقال
البخاري:حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال:تعدون
أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم
الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر.
فنـزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاها
فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صبه فيها،
فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه ، عن عمر
بن الخطاب قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، قال:فسألته عن شيء -
ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال:فقلت لنفسي:ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، نـزرت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال:فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن
يكون نـزل في شيء، قال:فإذا أنا بمناد ينادي:يا عمر، أين عمر؟ قال:فرجعت وأنا أظن
أنه نـزل في شيء، قال:فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « نـزلت
علي الليلة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) » .
ورواه
البخاري، والترمذي، والنسائي من طرق، عن مالك، رحمه الله ، وقال علي بن
المديني:هذا إسناد مديني [ جيد ] لم
نجده إلا عندهم.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، رضي الله
عنه، قال:نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ( لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) مرجعه
من الحديبية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « لقد
أنـزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض » ، ثم
قرأها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:هنيئا مريئا يا نبي الله، لقد بين
الله، عز وجل، ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنـزلت عليه: لِيُدْخِلَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ حتى بلغ: فَوْزًا عَظِيمًا [
الفتح:5 ] ، أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مُجَمِّعُ بن يعقوب، قال:سمعت أبي يحدث عن
عمه عبد الرحمن بن أبي يزيد الأنصاري عن عمه مجمع بن جارية الأنصاري - وكان أحد
القراء الذين قرءوا القرآن- قال:شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس
ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض:ما للناس؟ قالوا:أوحي إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على
راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) ،
قال:فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي رسول الله، وفتح هو؟ قال: « إي
والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح » . فقسمت خيبر على أهل الحديبية
لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم
على ثمانية عشر سهما، وكان الجيش ألفا وخمسمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى
الراجل سهما.
رواه أبو
داود في الجهاد عن محمد بن عيسى، عن مجمع بن يعقوب، به .
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، حدثنا جامع بن
شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال:سمعت عبد الله بن مسعود يقول :لما أقبلنا
من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله
صلى الله عليه وسلم نائم، قال:فقلنا: « امضوا
» . فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم:فقال: « افعلوا
ما كنتم تفعلون وكذلك [ يفعل ] من نام
أو نسي » . قال:وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبنها،
فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها فركبها ، فبينا نحن نسير إذ أتاه
الوحي، قال:وكان إذا أتاه [ الوحي ] اشتد
عليه، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنـزل عليه: (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ) .
وقد رواه
أحمد وأبو داود، والنسائي من غير وجه، عن جامع بن شداد به .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة، قال:سمعت المغيرة بن
شعبة يقول:كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له:أليس قد غفر
الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: « أفلا
أكون عبدًا شكورًا » .
أخرجاه
وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، عن ابن قسيط، عن
عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى
تتفطر رجلاه .
فقالت له
عائشة:يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: « يا
عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا؟ » .
أخرجه
مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب، به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عون الخراز - وكان ثقة بمكة-
حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر، عن قتادة، عن أنس، قال:قام رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى تورمت قدماه - أو قال ساقاه- فقيل له:أليس قد غفر الله لك ما تقدم من
ذنبك وما تأخر؟ قال: « أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ » غريب من
هذا الوجه .
فقوله: (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا )
أي:بينا ظاهرا، والمراد به صلح الحديبية فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس
واجتمع بعضهم ببعض ، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان.
وقوله: (
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) :هذا
من خصائصه - صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها غيره. وليس صحيح في ثواب
الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، وهو - صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره على الطاعة
والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل
البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة. ولما كان أطوع خلق الله لله،
وأكثرهم تعظيما لأوامره ونواهيه. قال حين بركت به الناقة: « حبسها
حابس الفيل » ثم قال: « والذي نفسي بيده، لا يسألوني
اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها » فلما
أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله له: (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) أي:في
الدنيا والآخرة، ( وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا ) أي:بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم.
(
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا )
أي:بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك، كما جاء في الحديث الصحيح:
« وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا
رفعه الله » . وعن عمر بن الخطاب [ رضي
الله عنه ] أنه قال:ما عاقبت - أي في الدنيا والآخرة- أحدا عصى الله
تعالى فيك بمثل أن تطيع الله فيه.
هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 4 )
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ
ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ( 5 ) وَيُعَذِّبَ
الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ( 6 )
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 7 )
يقول
تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) أي:جعل
الطمأنينة. قاله ابن عباس، وعنه:الرحمة.
وقال
قتادة:الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله
ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم لذلك، واستقرت، زادهم
إيمانًا مع إيمانهم.
وقد
استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.
ثم ذكر
تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال: (
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:ولو
أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد
والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛
ولهذا قال: ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )
ثم قال
تعالى: ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) ، قد
تقدم حديث أنس:قالوا:هنيئا لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنـزل الله: (
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:ماكثين فيها أبدا. (
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ )
أي:خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر،
( وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ) ،
كقوله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ [ آل
عمران:185 ] .
وقوله: (
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ) أي:يتهمون
الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية؛ ولهذا قال: (
عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ )
أي:أبعدهم من رحمته ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .
ثم قال
مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء - أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين- : (
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) .
إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( 8 )
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلا ( 9 )
يقول تعالى لنبيه محمد - صلوات
الله وسلامه عليه ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِدًا ) أي:على الخلق، (
وَمُبَشِّرًا ) أي:للمؤمنين، (
وَنَذِيرًا ) أي:للكافرين. وقد تقدم تفسيرها في سورة «
الأحزاب » .
(
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ ) ، قال
ابن عباس وغير واحد:يعظموه، ( وَتُوَقِّرُوهُ ) من
التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام، (
وَتُسَبِّحُوهُ ) أي:يسبحون الله، (
بُكْرَةً وَأَصِيلا ) أي:أول النهار وآخره.
إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( 10 )
ثم قال
تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفا له وتعظيما وتكريما: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ) كقوله:
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [
النساء:80 ] ، ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ
أَيْدِيهِمْ ) أي:هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم
وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله: إِنَّ
اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ
لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ
وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ
أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي
بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [
التوبة:111 ] .
وقد قال
ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن
بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله » .
وحدثنا
أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد
بن جبير، عن ابن عباس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر: « والله
ليبعثه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق، به ويشهد على من استلمه
بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله » ، ثم
قرأ: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ
اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) .
ولهذا
قال هاهنا: ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ )
أي:إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه، (
وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )
أي:ثوابًا جزيلا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سَمُر بالحديبية،
وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قيل:ألف وثلثمائة.
وقيل:أربعمائة. وقيل:وخمسمائة. والأوسط أصح.
ذكر
الأحاديث الواردة في ذلك:
قال
البخاري:حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال:كنا يوم الحديبية ألفا
وأربعمائة.
ورواه
مسلم من حديث سفيان بن عيينة، به . وأخرجاه أيضا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي
الجعد، عن جابر قال:كنا يومئذ ألفا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فنبع الماء
من بين أصابعه، حتى رووا كلهم .
وهذا
مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أعطاهم سهما من كنانته، فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم،
فقيل لجابر:كم كنتم يومئذ؟ قال:كنا ألفا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا . وفي
رواية [ في ] الصحيحين عن جابر:أنهم كانوا
خمس عشرة مائة .
وروى
البخاري من حديث قتادة، قلت لسعيد بن المسيب:كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟
قال:خمس عشرة مائة.
قلت:فإن
جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال:كانوا أربع عشرة مائة. قال رحمه الله:وهم،
هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة .
قال
البيهقي:هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول:خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم
فقال:أربع عشرة مائة .
وروى
العوفي عن ابن عباس:أنهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين. والمشهور الذي رواه
غير واحد عنه:أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن
العباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن
المسيب، عن أبيه قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفا
وأربعمائة . وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع، ومعقل بن يسار، والبراء بن عازب.
وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة،
عن عمرو بن مرة قال:سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول:كان أصحاب الشجرة ألفا
وأربعمائة، وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين .
وروى
محمد بن إسحاق في السيرة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة،
ومروان بن الحكم، أنهما حدثاه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية
يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة
رجل، كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني عنه يقول:كنا أصحاب
الحديبية أربع عشرة مائة .
كذا قال
ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة
مائة.
ذكر سبب
هذه البيعة العظيمة:
قال محمد
بن إسحاق بن يسار في السيرة:ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب
ليبعثه إلى مكة ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال:يا رسول الله، إني أخاف
قريشا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي
إياها، وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى
أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرا لهذا البيت ومعظما
لحرمته.
فخرج
عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله
بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى
أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] ما أرسله به، فقالوا لعثمان
حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم:إن شئت أن تطوف بالبيت فطف.
فقال:ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول صلى الله عليه وسلم. واحتبسته قريش عندها،
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل.
قال ابن
إسحاق:فحدثني عبد الله بن أبي بكر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه
أن عثمان قد قتل: « لا نبرح حتى نناجز القوم » . ودعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة،
فكان الناس يقولون:بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وكان جابر بن
عبد الله يقول:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا
على ألا نفر.
فبايع
الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر
يقول:والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته، قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس،
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان باطل.
وذكر ابن
لهيعة عن الأسود . عن عروة بن الزبير قريبا من هذا السياق، وزاد في سياقه:أن قريشا
بعثوا وعندهم عثمان [ بن عفان ] سهيل
بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل
والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم:ألا إن روح القدس قد نـزل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا، فسار المسلمون إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألا يفروا أبدا، فأرعب
ذلك المشركين ، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.
وقال الحافظ
أبو بكر البيهقي:أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا
تمتام ، حدثنا الحسن بن بشر ، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك
قال:لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان [ رضي
الله عنه ] رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع
الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم
إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله » . فضرب
بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيرا من
أيديهم لأنفسهم .
قال ابن هشام
:حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن أبي مليكة ، عن ابن عمر قال:بايع رسول
الله صلى الله عليه وسلم لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
وقال عبد
الملك بن هشام النحوي:فذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي:أن أول من
بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي .
وقال أبو
بكر عبد الله بن الزبير الحميدي:حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي،
قال:لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى
إليه أبو سنان [ الأسدي رضي الله عنه ] ،
فقال:ابسط يدك أبايعك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « علام
تبايعني؟ » . فقال أبو سنان:على ما في نفسك. هذا أبو سنان [ بن ] وهب
الأسدي [ رضي الله عنه ] .
وقال
البخاري:حدثنا شجاع بن الوليد، سمع النضر بن محمد:حدثنا صخر [ بن
الربيع ] ، عن نافع، قال:إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر،
وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى الفرس له عند رجل من الأنصار
أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة، وعمر لا
يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم
للقتال، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة، فانطلق، فذهب
معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم
قبل عمر.
ثم قال
البخاري:وقال هشام بن عمار:حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري،
أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
الحديبية قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم
فقال - يعني عمر- :يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم. فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع.
وقد
أسنده البيهقي عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن
دحيم:حدثني الوليد بن مسلم فذكره .
وقال
الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه،
وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال:بايعناه على ألا نفر، ولم نبايعه على
الموت. رواه مسلم عن قتيبة عنه .
وروى
مسلم عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج،
عن معقل بن يسار، قال:لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع
الناس ، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال:ولم نبايعه
على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر .
وقال
البخاري:حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع،
قال:بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. قال يزيد:قلت:يا أبا مسلم ،
على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال:على الموت .
وقال
البخاري أيضا:حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة، قال:بايعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ثم تنحيت، فقال: « يا
سلمة ألا تبايع؟ » قلت:بايعت، قال: « أقبل
فبايع » . فدنوت فبايعته. قلت:علام بايعته يا سلمة؟ قال:على الموت.
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد . وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم،
أنهم بايعوه على الموت .
وقال
البيهقي:أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهم، حدثنا أحمد بن
سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهم، حدثنا أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا
عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع قال:قدمنا
الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة
لا ترويها، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها - يعني الركي- فإما دعا
وإما بصق فيها، فجاشت، فسقينا واستقينا. قال:ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
دعا إلى البيعة في أصل الشجرة. فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في
وسط الناس قال صلى الله عليه وسلم: « بايعني
يا سلمة » . قال:قلت:يا رسول الله، قد بايعتك في أول الناس. قال: « وأيضا
» . قال:ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلا فأعطاني حجفة
- أو درقة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال صلى الله عليه وسلم: « ألا
تبايع يا سلمة؟ » قال:قلت:يا رسول الله، قد
بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: « وأيضا
» . فبايعته الثالثة، فقال: « يا
سلمة، أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟ » .
قال:قلت:يا رسول الله، لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه:فضحك رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثم قال: « إنك كالذي قال الأول:اللهم
أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي » قال:ثم
إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال:وكنت
خادما لطلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، أسقي فرسه وأحسه وآكل من طعامه، وتركت
أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا
ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي
أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم، وتحولت إلى شجرة
أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي:يا
للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي، فشددت على أولئك الأربعة وهم رقود، فأخذت
سلاحهم وجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت :والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا
يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال:ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، قال:وجاء عمي عامر برجل من العَبَلات يقال له: « مكرز » من
المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من
المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « دعوهم
يكن لهم بدء الفجور وثناه » ، فعفا عنهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأنـزل الله [ عز وجل ] :
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ الآية [
الفتح:24 ] .
وهكذا
رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه، أو قريبا منه .
وثبت في
الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب، قال:كان أبي ممن بايع
رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. قال:فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا
مكانها، فإن كان تبينت لكم، فأنتم أعلم .
وقال أبو
بكر الحميدي:حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر، قال: « لما
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، وجدنا رجلا منا يقال له » الجد بن
قيس « مختبئا تحت إبط بعيره » .
رواه
مسلم من حديث ابن جريج، عن ابن الزبير، به .
وقال
الحميدي أيضا:حدثنا سفيان ، عن عمرو، سمع جابرا، قال:كنا يوم الحديبية ألفا
وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنتم
خير أهل الأرض اليوم » . قال جابر:لو كنت أبصر
لأريتكم موضع الشجرة. قال سفيان:إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يونس، حدثنا الليث. عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: « لا يدخل النار أحد ممن بايع
تحت الشجرة » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعد بن عمرو الأشعثي، حدثنا
محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم
الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر » . قال:فانطلقنا نبتدره فإذا
رجل قد أضل بعيره، فقلنا:تعال فبايع. فقال:أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع .
وقال عبد
الله بن أحمد:حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي حدثنا قرة، عن أبي الزبير ، عن
جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من
يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل » . فكان
أول من صعد خيل بني الخزرج، ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر » .
فقلنا:تعال يستغفر لك رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] . فقال:والله لأن أجد ضالتي
أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. فإذا هو رجل ينشد ضالة . رواه مسلم عن عبيد الله،
به .
وقال ابن
جريج:أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرا يقول:أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: « لا
يدخل النار - إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد » .
قالت:بلى يا رسول الله. فانتهرها، فقالت لحفصة: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا [
مريم:71 ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « قد قال
الله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا
[ مريم:72 ] » رواه
مسلم .
وفيه
أيضا عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن عبدًا لحاطب بن أبي بلتعة
جاء يشكو حاطبا، فقال:يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « كذبت، لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرا والحديبية » .
ولهذا
قال تعالى في الثناء عليهم: ( إِنَّ الَّذِينَ
يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) [
الفتح:10 ] ، كما قال تعالى في الآية الأخرى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [
الفتح:18 ] .
سَيَقُولُ
لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا
فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ
فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ
أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ( 11 ) بَلْ
ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ
أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ
وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ( 12 )
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
سَعِيرًا ( 13 )
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ
مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 14 )
يقول
تعالى مخبرا رسوله - صلوات الله وسلامه عليه - بما يعتذر به المخلفون من الأعراب
الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم ، وتركوا المسير مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول صلى الله عليه
وسلم، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة؛ ولهذا
قال تعالى: ( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا
أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ) أي:لا يقدر أحد أن يرد ما
أراده فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا
؛ ولهذا قال: ( بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) .
ثم قال:
( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ
وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا ) أي:لم
يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، ( بَلْ
ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ
أَبَدًا ) أي:اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم وتستباد خضراؤهم،
ولا يرجع منهم مخبر، ( وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ
السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا )
أي:هلكى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وقال قتادة:فاسدين. وقيل:هي بلغة
عمان.
ثم قال:
( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) أي:من
لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله، فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر
للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.
ثم بين
تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض: (
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) أي:لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه.
سَيَقُولُ
الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ
قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا
يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا ( 15 )
يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب
الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها:أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى
المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله
صلى الله عليه وسلم ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم. فإن الله تعالى
قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب
المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا؛ ولهذا قال: (
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ )
قال مجاهد، وقتادة، وجويبر:وهو
الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير .
وقال ابن زيد:هو قوله: فَإِنْ
رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ
لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ
رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [
التوبة:83 ] .
وهذا الذي قاله ابن زيد فيه
نظر؛ لأن هذه الآية التي في « براءة » نـزلت
في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية.
وقال ابن جريج: (
يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ )
يعني:بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد.
( قُلْ
لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ) أي:وعد
الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم، (
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ) أي:أن
نشرككم في المغانم، ( بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ
إِلا قَلِيلا ) أي:ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم .
قُلْ
لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ
شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ
أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( 16 )
لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى
الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ( 17 )
اختلف
المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد، على أقوال:
أحدها:أنهم
هوازن. رواه شعبة عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جبير - أو عكرمة ، أو جميعا- ورواه
هُشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه.
الثاني:ثقف،
قاله الضحاك.
الثالث:بنو
حنيفة، قاله جويبر. ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري. وروي مثله عن سعيد وعكرمة.
الرابع:هم
أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة - في
إحدى الروايات عنه.
وقال كعب
الأحبار:هم الروم. وعن ابن أبي ليلى، وعطاء، والحسن، وقتادة:هم فارس والروم. وعن
مجاهد:هم أهل الأوثان. وعنه أيضا:هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه يقول
ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن مَعْمَر ، عن
الزهري، في قوله: ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ
أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال:لم يأت أولئك بعد.
وحدثنا
أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة في
قوله: ( سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) قال:هم
البارزون.
قال:وحدثنا
سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: « لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، ذلف الآنف،
كأن وجوههم المجانّ المطرقة » . قال سفيان:هم الترك .
قال ابن
أبي عمر:وجدت في مكان آخر:ابن أبي خالد عن أبيه قال:نـزل علينا أبو هريرة ففسر قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « تقاتلون قومًا نعالهم
الشَّعْر » قال:هم البارزون، يعني الأكراد .
وقوله: (
تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ )
يعني:يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو
يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.
ثم قال:
( فَإِنْ تُطِيعُوا )
أي:تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، (
يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ
قَبْلُ ) يعني:زمن الحديبية، حيث دعيتم فتخلفتم، (
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) .
ثم ذكر
الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ
أياما ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.
ثم قال
تعالى مرغبا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: (
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ ) أي:ينكل عن الجهاد، ويقبل على
المعاش ( يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ) في
الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا ( 18 )
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ( 19 )
يخبر
تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة،
وقد تقدم ذكر عدتهم، وأنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض
الحديبية.
قال
البخاري:حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن طارق بن عبد الرحمن
قال:انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد؟ قالوا:هذه الشجرة، حيث
بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته،
فقال سعيد:حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة.
قال:فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد:إن أصحاب محمد
صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم .
وقوله: (
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) أي:من الصدق والوفاء، والسمع
والطاعة، ( فَأَنـزلَ السَّكِينَةَ ) :وهي
الطمأنينة، ( عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) :وهو
ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير
العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم،
وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: (
وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )
قال ابن أبي
حاتم:حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا
موسى، أخبرنا موسى - يعني ابن عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه، قال:بينما نحن
قائلون. إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم:أيها الناس، البيعة البيعة،
نـزل روح القدس. قال:فَثُرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة
فبايعناه، فذلك قول الله تعالى : (
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشَّجَرَةِ ) [ قال ] :فبايع
لعثمان بإحد يديه على الأخرى، فقال الناس:هنيئا لابن عفان، طوف بالبيت ونحن هاهنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو مكث
كذا كذا سنة ما طاف حتى أطوف » .
وَعَدَكُمُ
اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ
النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا ( 20 )
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ( 21 )
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ
وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 22 )
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلا ( 23 )
قال مجاهد في قوله: (
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ) :هي
جميع المغانم إلى اليوم، ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ )
يعني:فتح خيبر.
وروى العوفي عن ابن عباس: (
فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ) يعني:صلح الحديبية.
(
وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ) أي:لم
ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس [
عنكم ] الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، (
وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ )
أي:يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء، مع قلة عددهم،
وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره
لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة:216 ] .
(
وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا )
أي:بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله .
وقوله: (
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ) أي:وغنيمة أخرى وفتحا آخر
معينا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم، فإنه تعالى
يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.
وقد اختلف المفسرون في هذه
الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العَوْفي عن ابن عباس:هي خيبر. وهذا على قوله في
قوله تعالى: ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ) إنها
صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة:هي مكة. واختاره ابن
جرير.
وقال ابن أبي ليلى، والحسن
البصري:هي فارس والروم.
وقال مجاهد:هي كل فتح وغنيمة
إلى يوم القيامة.
وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا
شعبة، عن سماك الحنفي، عن ابن عباس: (
وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا )
قال:هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم .
وقوله: (
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ
وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) يقول تعالى مبشرا لعباده
المؤمنين:بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم
جيش الكفار فارا مدبرا لا يجدون وليا ولا نصيرا؛ لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه
المؤمنين.
ثم قال: (
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلا ) أي:هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإيمان
في موطن فيصل إلى نصر الله الإيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى
يوم بدر بأوليائه المؤمنين نصرهم على أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين
وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعددهم .
وَهُوَ
الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا ( 24 )
وقوله: (
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) :هذا امتنان من الله على
عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي
المؤمنين من المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا من الفريقين،
وأوجد بينهم صلحا فيه خيَرَةٌ للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة. وقد تقدم
في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأسارى فأوثقوهم بين يدي رسول
الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهم وقال: «
أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثنَاه » .
قال:وفي ذلك أنـزل الله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) الآية.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال:لما
كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من
أهل مكة في السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فدعا عليهم فأخذوا - قال عفان:فعفا عنهم- ونـزلت هذه الآية: (
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ )
ورواه
مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، من طرق، عن
حماد بن سلمة، به .
وقال أحمد
- أيضا- :حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البُنَاني، عن
عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِي قال:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل
الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب. وسهلُ بن عمرو بين يديه، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لعلي: « اكتب:بسم الله الرحمن الرحيم
» ، فأخذ سهل بيده وقال:ما نعرف الرحمن الرحيم. اكتب في قضيتنا
ما نعرف. قال: « اكتب باسمك اللهم » ، وكتب:
« هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة » . فأمسك
سهل بن عمرو بيده وقال:لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف. فقال: « اكتب
هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله » . فبينا
نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هل جئتم في عهد أحد؟ أو:هل
جعل لكم أحد أمانا؟ » فقالوا:لا. فخلى سبيلهم،
فأنـزل الله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ
أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) . رواه
النسائي من حديث حسين بن واقد، به .
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا يعقوب القُمّي، حدثنا جعفر، عن ابن أبْزَى قال:لما
خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة، قال له عمر:يا نبي
الله، تدخل على قوم لك حَرْب بغير سلاح ولا كُرَاع؟ قال:فبعث إلى المدينة، فلم يدع
فيها كراعا ولا سلاحا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى،
فنـزل بمنى، فأتاه عينه أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد
بن الوليد: « يا خالد، هذا ابن عمك أتاك في الخيل » ، فقال
خالد:أنا سيف الله، وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله- يا رسول الله، ارم بي أين
شئت. فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في
الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة،
فأنـزل الله: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ] ) إلى:
عَذَابًا أَلِيمًا . قال:فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من
المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل .
ورواه
ابن أبي حاتم عن ابن أبزى بنحوه. وهذا السياق فيه نظر؛ فإنه لا يجوز أن يكون عام
الحديبية؛ لأن خالدا لم يكن أسلم؛ بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في
الصحيح. ولا يجوز أن يكون في عمرة القضاء، لأنهم قاضوه على أن يأتي من العام
المقبل فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه، ولا حاربوه ولا
قاتلوه. فإن قيل:فيكون يوم الفتح؟ فالجواب:ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم
يسق عام الفتح هَديًا، وإنما جاء محاربا مقاتلا في جيش عَرَمْرَم، فهذا السياق فيه
خلل، قد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم.
وقال ابن
إسحاق:حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس:أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم
أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا من
أصحابه أحدًا، فأُخذُوا أخذًا ، فأُتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفا
عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا إلى عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة
والنبل. قال ابن إسحاق:وفي ذلك أنـزل الله: (
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) الآية
.
وقال قتادة:ذكر
لنا أن رجلا يقال له: « ابن زُنَيْم » اطلع
على الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم خيلا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم: « هل لكم
علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟ » . قالوا:لا. فأرسلهم، وأنـزل
الله في ذلك: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ
أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) الآية.
هُمُ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ
مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ
مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ
مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ
تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( 25 ) إِذْ
جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ
الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا
وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( 26 )
يقول
تعالى مخبرا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومن مالأهم على نصرتهم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:هم
الكفار دون غيرهم، ( وَصَدُّوكُمْ عَنِ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي:وأنتم أحق به، وأنتم أهله
في نفس الأمر، ( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ
يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) أي:وصدوا الهدي أن يصل إلى
محله، وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة، كما سيأتي بيانه.
وقوله: (
وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ) أي:بين
أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم
فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا
تعرفونهم حالة القتل؛ ولهذا قال: ( لَمْ
تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ ) أي:إثم
وغرامة ( بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ
) أي:يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير
منهم إلى الإسلام.
ثم قال:
( لَوْ تَزَيَّلُوا ) أي:لو
تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم (
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) أي:لسلطناكم
عليهم فلقتلتموهم قتلا ذريعا.
قال
الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا أبو الزِّنْباع - روح بن الفرج- حدثنا عبد
الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو سعيد - مولى بني
هاشم- حدثنا حُجْر بن خلف:سمعت عبد الله بن عوف يقول :سمعت جنيد بن سبع يقول
:قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافرا، وقاتلت معه آخر النهار
مسلما، وفينا نـزلت: ( وَلَوْلا رِجَالٌ
مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ )
قال:كنا تسعة نفر:سبعة رجال وامرأتين .
ثم رواه
من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه:عن أبي جمعة جنيد بن سبيع، فذكره
والصواب أبو جعفر:حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف ، به.
وقال:كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نـزلت: (
وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ ) .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن
عثمان بن جبلة، عن أبي حمزة ، عن عطاء عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ( لَوْ
تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا )
يقول:لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابا أليما بقتلهم إياهم.
وقوله: ( إِذْ
جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ
الْجَاهِلِيَّةِ ) ، وذلك حين أبوا أن يكتبوا « بسم
الله الرحمن الرحيم » ، وأبوا أن يكتبوا: « هذا ما
قاضى عليه محمد رسول الله » ، (
فَأَنـزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) ، وهي
قول: « لا إله إلا الله » ، كما
قال ابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد:حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري،
حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثوير ، عن أبيه عن الطفيل - يعني:ابن أبي بن
كعب [ رضي الله عنه ] - عن
أبيه [ أنه ] سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال: « لا إله
إلا الله » .
وكذا
رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال:غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا
زُرْعَة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث،
حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا:لا إله إلا الله، فمن قال:لا إله إلا الله، فقد عصم مني
ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله » ،
وأنـزل الله في كتابه، وذكر قوما فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [
الصافات:35 ] ، وقال الله جل ثناؤه: (
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) وهي: « لا إله
إلا الله، محمد رسول الله » ، فاستكبروا عنها واستكبر عنها
المشركون يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة..
وكذا
رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري ، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري،
والله أعلم.
وقال
مجاهد: ( كَلِمَةَ التَّقْوَى )
:الإخلاص. وقال عطاء بن أبي رباح:هي لا إله إلا الله وحده لا شريك، له له الملك
وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وقال
يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: (
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال:لا
إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقال
الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن رِبْعِي، عن علي: (
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال:لا
إله إلا الله، والله أكبر. وكذا قال ابن عمر، رضي الله عنهما.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى )
قال:يقول:شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.
وقال
سعيد بن جبير: ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ
التَّقْوَى ) قال:لا إله إلا الله والجهاد في سبيله.
وقال
عطاء الخراساني:هي:لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وقال عبد
الله بن المبارك، عن مَعْمَر عن الزهري: (
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى )
قال:بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال
قتادة: ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى ) قال:لا
إله إلا الله.
(
وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) :كان
المسلمون أحق بها، وكانوا أهلها.
(
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) أي:هو
عليم بمن يستحق الخير من يستحق الشر.
وقد قال
النسائي:حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن عبد الله بن
العلاء بن زبر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: ( إِذْ
جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ
الْجَاهِلِيَّةِ ) ، ولو حميتم كما حموا لفسد
المسجد الحرام. فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال:إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيعلمني مما علمه الله. فقال عمر:بل أنت رجل عندك علم وقرآن،
فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله .
وهذا ذكر
الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح:
قال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يَسَار، عن الزهري، عن
عُرْوَة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه الهدي
سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي ، فقال:يا رسول الله،
هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العُوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور،
يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه
إلى كراع الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا ويح
قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان
الذي أرادوا، وإن أظهرني الله [ عليهم ] دخلوا
في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا
أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة » . ثم
أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار
والحديبية من أسفل مكة. قال:فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش
قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم،
حتى إذا سلك ثنية المرار، بركت ناقته، فقال الناس:خلأت. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة،
والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها » [ ثم ] قال
للناس: « انـزلوا » . قالوا:يا رسول الله، ما
بالوادي من ماء ينـزل عليه الناس. فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمًا من
كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه، فنـزل في قليب من تلك القلب، فغرزه فيه فجاش بالماء
حتى ضرب الناس عنه بعطن. فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بُدَيل بن
ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا:يا
معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا
البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد
بن إسحاق:قال الزهري: [ و ] كانت
خزاعة في عَيْبَة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول
الله صلى الله عليه وسلم شيئًا كان بمكة، فقالوا:وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا
يدخلها أبدًا علينا عَنْوة، ولا يتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مِكْرَز بن حفص،
أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « هذا
رجل غادر » . فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه رسول
الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما
قال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ؛
فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: « هذا من قوم يتألهون، فابعثوا
الهَدْي » في وجهه، فبعثوا الهدي، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرْض
الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم إعظامًا لما رأى ، فقال:يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده،
الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله. قالوا:اجلس، إنما أنت أعرابي
لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال:يا معشر قريش، إن قد رأيت ما
يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم
والد وأنا ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئت حتى آسيتكم
بنفسي. قالوا:صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فجلس بين يديه، فقال:يا محمد جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها، إنها
قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألا تدخلها
عليهم عنوة أبدا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال:وأبو بكر قاعد
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟! قال:من
هذا يا محمد؟ قال: « هذا ابن أبي قحافة » .
قال:أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية
رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الحديد ، قال:فقرع يده. ثم قال:أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل - والله- لا تصل إليك. قال:ويحك! ما أفظعك وأغلظك! فتبسم رسول الله
صلى الله عليه وسلم. قال:من هذا يا محمد؟ قال صلى الله عليه وسلم: « هذا
ابن أخيك المغيرة بن شعبة » . قال:أغدر، وهل غسلت سوأتك
إلا بالأمس؟! قال فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه،
وأخبره أنه لم يأت يريد حربا. قال:فقام من عند رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] وقد رأى ما يصنع به أصحابه،
لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء
إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال:يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في ملكه، وجئت قيصر
والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما
لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم. قال:وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل
ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: « الثعلب
» فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم
الأحابيش، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة،
فقال:يا رسول الله، إنى أخاف قريشا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد
عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني:عثمان بن
عفان. قال:فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت
لحرب أحد، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته. فخرج عثمان حتى أتى مكة،
فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنـزل عن دابته وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره
حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان
وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا
لعثمان:إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال:ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] قال:واحتبسته قريش عندها،
قال:وبلغ رسول الله أن عثمان قد قتل.
قال
محمد:فحدثني الزهري:أن قريشًا بعثوا سهل بن عمرو، وقالوا:ائت محمدًا فصالحه ولا
يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا
عنوة أبدًا. فأتاه سهل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قد
أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل » . فلما
انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى
بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأت أبا
بكر فقال:يا أبا بكر، أو ليس برسول الله؟ أو لسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟
قال:بلى. قال:فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر:يا عمر، الزم غرزه حيث كان،
فإني أشهد أنه رسول الله. [ ثم ] قال
عمر:وأنا أشهد. ثم أتى رسول الله فقال:يا رسول الله، أو لسنا بالمسلمين أو ليسوا
بالمشركين؟ قال: « بلى »
قال:فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: « أنا
عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني » . ثم
قال عمر:ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به
يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا. قال:ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي
طالب [ رضي الله عنه ]
فقال:اكتب: « بسم الله الرحمن الرحيم » . فقال
سهل بن عمرو:ولا أعرف هذا، ولكن اكتب: « باسمك
اللهم، فقال رسول الله: » اكتب باسمك اللهم « . هذا
ما صلح عليه محمد رسول الله، سهل بن عمرو » ، فقال
سهل بن عمرو:ولو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه محمد
بن عبد الله، وسهل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم
عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى
قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه وأن بيننا عيبة مكفوفة،
وأنه لا أسلال ولا أغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب:أنه من أحب أن يدخل في
عقد محمد وعهده، دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت
خزاعة فقالوا:نحن في عقد رسول الله وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا:نحن في عقد قريش
وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا
عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في
القرب، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب، إذا جاءه أبو جندل بن سهل
بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:وقد كان أصحاب
رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] على نفسه، دخل الناس من ذلك
أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وقال:يا
محمد، قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: « صدقت » . فقام
إليه فأخذ بتلابيبه. قال:وصرخ أبو جندل بأعلى صوته:يا معشر المسلمين، أتردونني إلى
أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال:فزاد الناس شرا إلى ما بهم، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « يا أبا جندل، اصبر واحتسب،
فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين
القوم صلحا فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا ، وإنا لن نغدر بهم » .
قال:فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع [ أبي
] جندل إلى جنبه وهو يقول:اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون،
وإنما دم أحدهم دم كلب، قال:ويدني قائم السيف منه، قال:يقول:رجوت أن يأخذ السيف
فيضرب به أباه قال:فضن الرجل بأبيه. قال:ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال:فقام رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يا أيها الناس، انحروا
واحلقوا » . قال:فما قام أحد. قال:ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد
صلى الله عليه وسلم بمثلها، فما قام رجل.
فرجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فقال: « يا أم
سلمة ما شأن الناس؟ » قالت:يا رسول الله، قد دخلهم
ما رأيت، فلا تُكَلِّمن منهم إنسانًا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو
قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدًا حتى
أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، قال:فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال:حتى إذا كان بين
مكة والمدينة في وسط الطريق نـزلت سورة الفتح.
هكذا
ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بُكَيْر وزياد البكائي، عن ابن إسحاق،
بنحوه ، وفيه إغراب، وقد رواه أيضا عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، به نحوه
وخالفه في أشياء وقد رواه البخاري، رحمه الله، في صحيحه، فساقه سياقة حسنة مطولة
بزيادات جيدة، فقال في كتاب الشروط من صحيحه:
حدثنا
عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر:أخبرني الزهري:أخبرني عُرْوة
بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه،
قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه،
فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها بعمرة وبعث عينًا له من خزاعة،
وسار حتى إذا كان بغير الأشطاط أتاه عينه، فقال:إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا، وقد
جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال: « أشيروا
أيها الناس عليّ، أترون أن نميل عل عيالهم، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن صدونا عن
البيت؟ » وفي لفظ: « أترون أن نميل على ذراري
هؤلاء الذين أعانوهم. فإن يأتونا كان الله قد قطع عُنُقا من المشركين وإلا تركناهم
محزونين » ، وفي لفظ: « فإن
قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محرُوبين وإن نجوا يكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن
نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ » . فقال
أبو بكر [ رضي الله عنه ] :يا
رسول الله خرجت عامدًا لهذا البيت، لا نريد قتل أحد ولا حربًا، فتوجه له، فمن صدنا
عنه قاتلناه. وفي لفظ:فقال أبو بكر، رضي الله عنه:الله ورسوله علم إنما جئنا
معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: « فروحوا إذن » ، وفي
لفظ: « فامضوا على اسم الله » .
حتى إذا
كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن
خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين » .
فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار
النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به
راحلته. فقال الناس:حل حل فألحت، فقالوا:خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: « ما خلأت القصواء، وما ذاك لها
بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل » . ثم قال: « والذي
نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها » . ثم
زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نـزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه الناس
تبرضًا، فلم يلبث الناس حتى نـزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش،
فانتزع من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى
صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة،
وكانوا عيبة نصح رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من أهل
تهامة، فقال:إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نـزلوا أعداد مياه الحديبية معهم
العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إنا لم
نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب فأضرت بهم، فإن
شاؤوا ماددنهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل
فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري
هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره » قال
بديل:سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال:إنا قد جئنا من عند هذا الرجل،
وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم:لا حاجة لنا أن
تخبرنا عنه بشيء. وقال:ذوو الرأي منهم:هات ما سمعته يقول:قال:سمعته يقول كذا وكذا،
فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام عروة بن مسعود فقال:أي قوم،
ألستم بالوالد؟ قالوا:بلى. قال:أولست بالولد؟ قالوا:بلى. قال:فهل تتهموني؟
قالوا:لا. قال:ألستم تعلمون أني أستنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي
وولدي ومن أطاعني؟ قالوا:بلى. قال:فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني
آته. قالوا:ائته. فأتاه فجعل يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم له نحوا من قوله لبديل بن ورقاء. فقال عروة عند ذلك:أي محمد، أرأيت
إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني
والله لأرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال أبو
بكر، رضي الله عنه:امصص بَظْر اللات! أنحن نفر وندعه؟! قال:من ذا؟ قالوا:أبو بكر.
قال:أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. قال:وجعل يكلم
النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنه
قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة
بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال له:أخر يدك من
لحية النبي صلى الله عليه وسلم. فرفع عروة رأسه وقال:من هذا؟ قال:المغيرة بن شعبة.
فقال:أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟! وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية
فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أما
الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شي » .
ثم إن
عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه ، قال:فوالله ما تنخم رسول
الله [ صلى الله عليه وسلم ] نخامة إلا
وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذ توضأ
كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه،
تعظيما له صلى الله عليه وسلم، فرجع عروة إلى أصحابه فقال:أي قوم، والله لقد وفدت
على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه
ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك
بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه،
وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيما له، وإنه قد عرض
عليكم خطة رشْد فاقبلوها. فقال رجل منهم من بني كنانة:دعوني آته. فقالوا:ائته فلما
أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « هذا
فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له »
فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال:سبحان الله! ما ينبغي
لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال:رأيت البُدْن قد قُلِّدت
وأشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقال رجل منهم يقال له: «
مِكْرَز بن حفص » ، فقال:دعوني آته.
فقالوا:ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: « هذا
مكرز [ بن حفص ] وهو
رجل فاجر » ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ
جاء سهل بن عمرو .
وقال
معمر:أخبرني أيوب، عن عِكْرِمَةَ أنه قال:لما جاء سهل بن عمرو قال النبي صلى الله
عليه وسلم: « قد سَهُل لكم من أمركم » .
قال
معمر:قال الزهري في حديثه:فجاء سهل بن عمرو فقال:هات أكتب بيننا وبينك كتابا فدعا
النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « [
اكتب ] :بسم الله الرحمن الرحيم » ، فقال
سهل [ بن عمرو ] :أما « الرحمن
» فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: « باسمك
اللهم » ، كما كنت تكتب. فقال المسلمون:والله لا نكتبها إلا « بسم
الله الرحمن الرحيم » . فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: « اكتب:باسمك اللهم » . ثم
قال: « هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله » . فقال
سهل:والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: « محمد
بن عبد الله » ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « والله
إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله » قال
الزهري:وذلك لقوله: « والله لا يسألوني خطة يعظمون
فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها » . فقال
له النبي صلى الله عليه وسلم: « على أن تخلوا بيننا وبين
البيت فنطوف به » . فقال سهل:والله لا تتحدث
العرب أنا أخذنا ضُغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهل: « وعلى
أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا » . فقال
المسلمون:سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! فبينما هم كذلك إذ
جاء أبو جندل بن سهل بن عمرو يرسُفُ في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه
بين أظهر المسلمين، فقال سهل:هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تَرُدّه إلي، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: « إنا لم نَقْضِ الكتاب بعد » .
قال:فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « فأجزه
لي » فقال:ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: « بلى
فافعل » . قال:ما أنا بفاعل. قال مكرز:بلى قد أجزناه لك. قال أبو
جندل:أي معشر المسلمين، أرَدّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟!
وكان قد عُذِّبَ عذابا شديدا في الله عز وجل. قال عمر [ بن
الخطاب ] رضي الله عنه:فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت:ألست
نبي الله حقا؟ قال صلى الله عليه وسلم: « بلى » .
قلت:ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: « بلى » . قلت:فلم
نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: « إني رسول الله، ولستُ أعصيه،
وهو ناصري » ، قلت:أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: « بلى،
أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ » قلت:لا قال: « فإنك
آتيه ومُطوِّف به » . قال:فأتيت أبا بكر فقلت:يا
أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال:بلى. قلت:ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال:بلى. قلت:فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال:أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس
يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق. قلت:أو ليس كان
يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال:بلى قال:أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت:لا.
قال:فإنك تأتيه وتطوف به.
قال
الزهري:قال عمر:فعملت لذلك أعمالا. قال:فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لأصحابه: « قوموا فانحروا ثم احلقوا » .
قال:فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات!! فلما لم يقم منهم أحد دخل على
أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة:يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج
ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدا
منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل
بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنـزل الله،
عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ حتى بلغ: بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [
الممتحنة:10 ] . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما
معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى
المدينة فجاءه أبو بصير - رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين،
فقالوا:العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة،
فنـزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين:والله إني لأرى سيفك هذا
يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال:أجل! والله إنه لجيد، لقد جربت منه ثم جربت،
فقال أبو بصير:أرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد، وفَرّ الآخر حتى أتى
المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: « لقد
رأى هذا ذُعرًا » ، فلما انتهى إلى النبي صلى
الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال:يا رسول
الله، قد - والله- أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: « ويل أمّه مِسْعَرُ حرب! لو
كان له أحد » . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف
البحر، قال:وتفلت منهم أبو جندل بن سهل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل
قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش
إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى
الله عليه وسلم، تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم: « فمن
أتاه منهم فهو آمن » . فأرسل النبي صلى الله عليه
وسلم إليهم، وأنـزل الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ حتى بلغ: (
حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) ، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا
أنه رسول الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
هكذا
ساقه البخاري هاهنا ، وقد أخرجه في التفسير، وفي عمرة الحديبية، وفي الحج، وغير
ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري، به ووقع في بعض الأماكن عن
الزهري، عن عروة، عن مروان والمِسْوَر بن [
مَخْرَمة ] ، عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . وهذا أشبه
والله أعلم، ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع،
وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه، والله
المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقال
البخاري في التفسير:حدثنا أحمد بن إسحاق السُّلَمِي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز
بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال:أتيت أبا وائل أسأله فقال:كنا بصفين فقال
رجل:ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب:نعم. فقال سهل بن
حُنَيْف:اتهمُوا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني:الصلح الذي كان بين
النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين- ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر فقال:ألسنا
على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: « بلى »
قال:ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال: « يا ابن
الخطاب، إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدا » ، فرجع
متغيظا، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال:يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على
الباطل، فقال:يا ابن الخطاب، إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبدا، فنـزلت سورة
الفتح .
وقد رواه
البخاري أيضا في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان ابن سلمة،
عن سهل بن حنيف به ، وفي بعض ألفاظه: « يا
أيها الناس، اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر على أن أرد على رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددته » وفي
رواية:فنـزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب فقرأها
عليه.
قال
الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، أن قريشا صالحوا النبي صلى
الله عليه وسلم، فيهم سهل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «
اكتب:بسم الله الرحمن الرحيم » ، فقال سهل:لا ندري ما بسم
الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: « باسمك
اللهم » . فقال: « اكتب من محمد رسول الله » .
قال:لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب:اسمك واسم أبيك. فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: « اكتب:من محمد بن عبد الله » .
واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم
منا رددتموه علينا، فقال:يا رسول الله أتكتب هذا؟ قال: « نعم،
إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله » . رواه
مسلم من حديث حماد بن سلمة، به .
وقال
أحمد أيضا:حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار قال:حدثني سماك، عن عبد
الله بن عباس قال:لما خرجت الحرورية اعتزلوا، فقلت لهم:إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: « اكتب
يا علي:هذا ما صالح عليه محمد رسول الله »
قالوا:لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله: « امح يا
علي، اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب:هذا ما صالح عليه محمد بن عبد
الله » . والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه
ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا:نعم.
ورواه
أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي، بنحوه .
وروى
الإمام أحمد، عن يحيى بن آدم:حدثنا زهير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن
الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:نحر رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدَّت عن البيت حَنَّتْ
كما تَحِنُّ إلى أولادها .
لَقَدْ
صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا ( 27 ) هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( 28 ) .
كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد أُرِىَ في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو
بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا
العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل،
وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في
ذلك، فقال له فيما قال:أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: « بلى،
أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا » قال:لا قال: « فإنك
آتيه ومطوف به » . وبهذا أجاب الصديق، رضي الله
عنه، أيضا حَذْو القُذَّة بالقُذَّة؛ ولهذا قال تعالى: (
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) : [ و ] هذا
لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، [
وقوله ] : ( آمِنِينَ ) أي:في
حال دخولكم. وقوله: ( مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ
وَمُقَصِّرِينَ ) ، حال مقدرة؛ لأنهم في حال
حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق
رأسه ومنهم من قصره، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « رحم
الله المحلقين » ، قالوا:والمقصرين يا رسول
الله؟ قال: « رحم الله المحلقين » .
قالوا:والمقصرين يا رسول الله؟ قال: « رحم
الله المحلقين » . قالوا:والمقصرين يا رسول
الله؟ قال: « والمقصرين » في
الثالثة أو الرابعة .
وقوله: ( لا
تَخَافُونَ ) :حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى
عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي
القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة
رجع إلى المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلى خيبر ففتحها الله
عليه بعضها عنوة وبعضها صلحا، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها
من اليهود عليها على الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم
إلا الذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه،
ولم يغب منهم أحد، قال ابن زيد:إلا أبا دجانة سِمَاك بن خَرَشَة، كما هو مقرر في
موضعه ثم رجع إلى المدينة، فلما كان في ذي القعدة [ في ] سنة
سبع خرج إلى مكة معتمرا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي،
قيل:كان ستين بدنة، فلبى وسار أصحابه يلبون. فلما كان قريبا من مر الظهران بعث
محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه، فلما رآه المشركون رعبوا رعبا شديدا، وظنوا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينه بينهم من
وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم فنـزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل
والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيف مغمدة في قربها، كما شارطهم عليه. فلما
كان في أثناء الطريق بعثت قريش مِكْرَز بن حفص فقال:يا محمد، ما عرفناك تنقض
العهد. قال: « وما ذاك؟ » قال
:دخلت:علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال: « لم يكن
ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج » ، فقال:بهذا عرفناك، بالبر
والوفاء. وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
و [ لا ] إلى أصحابه غيظا وحنقا، وأما
بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام، وبين يديه
أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى، وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها
يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقودها، وهو يقول:
باســم
الــذي لا ديــن إلا دينُــه باســم الــذي محــمدٌ رســوله
خَــلُّوا
بنــي الكُفَّـار عَـنْ سَـبِيله اليــوم نضــربكم عــلى تَأْويلـه
كمــا
ضربنــاكم عـلى تنــزيلـه ضربًــا يـزيلُ الهـام عَـن مَقِيلـه
ويُــذْهِل
الخــليل عــن خليلــه قـد أنـــزل الرحـمن فـي تنـزيله
فـي
صُحـف تتــلى عـلى رسُـوله بــأن خــير القَتْــل فـي سـبيله
يا رب إني مؤمن بقيله
فهذا مجموع من روايات متفرقة.
قال يونس بن بكير، عن محمد بن
إسحاق:حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال:لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
مكة في عمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته صلى الله عليه وسلم
، وهو يقول:
خــلّوا
بنــي الكفـار عـن سـبيله إنـــي شَـــهيدٌ أنــه رَسُــولُهُ
خــلوا
فكـل الخير في رســوله يــا رب إنــي مــؤمـن بقيلــه
نحــن
قتلنــاكم عــلى تأويلــه كمــا قتلنــاكم عــلى تنـزيلــه
ضربًــا
يُـزيل الهـام عـن مقيلـه ويــذهل الخــليل عــن خليلــه
وقال عبد الرزاق:أخبرنا معمر،
عن الزهري، عن أنس بن مالك قال:لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة
القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين يديه، وفي رواية وابن رواحة آخذ بغرزه، وهو
يقول:
خــلوا بنــي
الكفـار عـن سـبيله قـد نــزل الرحـمن فـي تنـزيلـه
بــأن
خــير القتــل فـي سـبيله يــا رب إنــي مــؤمن بقيلــه
نحــن
قتلنــاكم عــلى تأويلــه كمــا قتلنــاكم عــلى تنـزيلـه
ضربًــا
يـزيل الهـام عـن مقيلـه ويــذهل الخــليل عــن خليلــه
وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن
الصباح، حدثنا إسماعيل - يعني:ابن زكريا- عن عبد الله - يعني:ابن عثمان- عن أبي
الطُّفَيْل ، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزل مرّ الظهران
في عمرته، بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا [
تقول ] :ما يتباعثون من العَجَف. فقال أصحابه:لو انتحرنا من ظهرنا،
فأكلنا من لحمه، وحَسَونا من مَرَقه، أصبحنا غدا حين ندخل على القوم وبنا
جَمَامَة. قال: « لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من
أزوادكم » . فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد
منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد، وقعدت قريش
نحو الحجر، فاضطبع بردائه، ثم قال: « لا يرى
القوم فيكم غميرة » فاستلم الركن ثم رَمَل، حتى
إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش:ما ترضون بالمشي أما
إنكم لتنقُزُون نَقْزَ الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط، فكانت سُنَّة. قال أبو
الطفيل:فأخبرني ابن عباس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع .
وقال أحمد أيضا:حدثنا يونس؛
حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حُمّى يثرب، ولقوا منها سوءا، فقال
المشركون:إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شرا، وجلس المشركون
من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم [
أصحابه ] أن يرملوا الأشواط الثلاثة؛ ليرى المشركون جلدهم،
قال:فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم
يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال
المشركون:أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
أخرجاه في الصحيحين من حديث
حماد بن زيد، به وفي لفظ:قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة، أي من
ذي القعدة، فقال المشركون:إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي
صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها
إلا الإبقاء عليهم.
قال البخاري:وزاد ابن سلمة -
يعني حماد بن سلمة- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:لما قدم النبي صلى
الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن قال: « ارملوا
» . ليري المشركون قوتهم، والمشركون من قبل قعيقعان.
وحدثنا محمد، حدثنا سفيان بن
عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال:إنما سعى النبي صلى الله عليه
وسلم بالبيت وبالصفا والمروة، ليرى المشركون قوته .
ورواه في مواضع أخر، ومسلم
والنسائي، من طرق، عن سفيان بن عيينة، به .
وقال أيضا:حدثنا علي بن عبد
الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، سمع ابن أبي أوفى يقول:لما اعتمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم. انفرد به البخاري دون مسلم .
وقال البخاري أيضا:حدثنا محمد
بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا فليح، وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم،
حدثنا أبي حدثنا فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية،
وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بها
إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن قام بها
ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج.
وهو في صحيح مسلم أيضا .
وقال البخاري أيضا:حدثنا عبيد
الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال:اعتمر النبي صلى الله عليه
وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها
ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: « هذا ما
قاضانا عليه محمد رسول الله » . قالوا:لا نقر بهذا، ولو نعلم
أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: « أنا رسول
الله، وأنا محمد بن عبد الله » . ثم قال لعلي بن أبي طالب: « امح
رسول الله » . قال:لا والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: « هذا ما
قاضى عليه محمد بن عبد الله:لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب، وألا يخرج من
أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وألا يمنع من أصحابه أحدا إن أراد أن يقيم بها » فلما
دخلها ومضى الأجل، أتوا عليا فقالوا:قل لصاحبك:اخرج عنا فقد مضى الأجل، فخرج النبي
صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي:يا عم، يا عم. فتناولها علي فأخذ
بيدها، وقال لفاطمة:دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال
عليّ:أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر:ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد:ابنة
أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: « الخالة
بمنـزلة الأم » ، وقال لعلي: « أنت
مني وأنا منك » وقال لجعفر: « أشبهت
خلقي وخلقي » وقال لزيد: « أنت
أخونا ومولانا » قال علي:ألا تتزوج ابنة حمزة؟
قال: « إنها ابنة أخي من الرضاعة » انفرد
به من هذا الوجه .
وقوله: (
فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا )
أي:فعلم الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك
ما لم تعلموا أنتم، ( فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ ) أي:قبل
دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، (
فَتْحًا قَرِيبًا ) :وهو الصلح الذي كان بينكم
وبين أعدائكم من المشركين.
ثم قال تعالى، مبشرا للمؤمنين
بنصرة الرسول صلوات الله [ وسلامه ] عليه
على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ )
أي:بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الشريعة تشتمل على شيئين:علم وعمل، فالعلم
الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، (
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) أي:على
أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم ومليين ومشركين، (
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) أي:أنه رسوله، وهو ناصره.
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ
السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( 29 )
يخبر
تعالى عن محمد صلوات الله عليه ، أنه رسوله حقا بلا شك ولا ريب، فقال: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) ، وهذا مبتدأ وخبر،
وهو مشتمل على كل وصف جميل، ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ( وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَافِرِينَ [ المائدة:54 ] وهذه
صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفًا على الكفار، رحيما برًا بالأخيار، غضوبًا
عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [ التوبة:123 ]
، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالحمَّى والسَّهر » ، وقال: « المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضا » وشبك بين أصابعه كلا الحديثين في الصحيح.
وقوله:
( تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ) :وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير
الأعمال، ووصفهم بالإخلاص فيها لله، عز وجل، والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو
الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه، تعالى، عنهم وهو أكبر
من الأول، كما قال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [
التوبة:72 ] .
وقوله:
( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
) :قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ ) يعني:السمت الحسن.
وقال
مجاهد وغير واحد:يعني:الخشوع والتواضع.
وقال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطُّنَافسي، حدثنا حسين الجَعْفي، عن
زائدة ، عن منصور عن مجاهد: ( سِيمَاهُمْ فِي
وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) قال:الخشوع قلت:ما كنت أراه إلا هذا
الأثر في الوجه، فقال:ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون.
وقال
السدي:الصلاة تحسن وجوههم.
وقال
بعض السلف:من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.
وقد
أسنده ابن ماجه في سننه، عن إسماعيل بن محمد الطَّلْحي، عن ثابت بن موسى، عن شريك،
عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من كَثُرَتْ صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار »
والصحيح أنه موقوف .
وقال
بعضهم:إن للحسنة نورا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب
الناس.
وقال
أمير المؤمنين عثمان:ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صَفَحَات وجهه،
وفَلتَات لسانه.
والغرض
أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع
الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال:من
أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وقال
أبو القاسم الطبراني:حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي،
حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن سلمة بن كُهَيْل ، عن
جُنْدَب بن سفيان البَجَلي قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن
شرا فشر » ، العرزمي متروك .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: « لو
أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنا ما كان »
.
وقال
الإمام أحمد [ أيضا ] :حدثنا حسن، حدثنا
زُهَيْر، حدثنا قابوس بن أبي ظَبْيَان:أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي صلى
الله عليه وسلم، قال: « إن الهدي الصالح، والسمت
الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة » ورواه أبو داود عن
عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير، به .
فالصحابة
[ رضي الله عنهم ] خلصت نياتهم وحسنت
أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.
وقال
مالك، رحمه الله:بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام
يقولون: « والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا »
. وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنـزلة والأخبار
المتداولة ؛ ولهذا قال هاهنا: ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
فِي التَّوْرَاةِ ) ، ثُمَّ قَالَ: (
وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) : ( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ] ) أي:فراخه، ( فَآزَرَهُ ) أي:شده (
فَاسْتَغْلَظَ ) أي:شب وطال، ( فَاسْتَوَى
عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) أي:فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع، (
لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) .
ومن
هذه الآية انتزع الإمام مالك - رحمه الله، في رواية عنه- بتكفير الروافض الذين
يبغضون الصحابة، قال:لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه
طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم
بمساءة كثيرة ، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.
ثم
قال: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ) « من » هذه
لبيان الجنس، ( مَغْفِرَةً ) أي:لذنوبهم. ( وَأَجْرًا عَظِيمًا ) أي:ثوابا جزيلا ورزقا كريما،
ووعد الله حق وصدق، لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم،
ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم
وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم ، وقد فعل.
قال
مسلم في صحيحه:حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ما أدرك مد أحدهم
ولا نصيفه » .
آخر
تفسير سورة الفتح، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة الحجرات
وهي مدنية .
بسم الله
الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا
لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ
أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 )
هذه آداب ، أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به
الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ] ) ، أي:لا تسرعوا في الأشياء بين
يديه، أي:قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب
الشرعي حديث معاذ، [ إذ ] قال له النبي صلى الله عليه
وسلم حين بعثه إلى اليمن: « بم
تحكم؟ »
قال:بكتاب الله. قال: « فإن لم
تجد؟ »
قال:بسنة رسول الله. قال: « فإن لم
تجد؟ »
قال:أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: « الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله، لما يرضي رسول الله » .
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه . فالغرض منه
أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما
لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ
يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) :لا
تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال العَوْفي عنه:نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وقال مجاهد:لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بشيء، حتى يقضي الله على لسانه.
وقال الضحاك:لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم.
وقال سفيان الثوري: ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) بقول ولا فعل.
وقال الحسن البصري: ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قال:لا تدعوا قبل الإمام.
وقال قتادة:ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون:لو أنـزل في كذا
كذا، وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك، وتقدم فيه.
(
وَاتَّقُوا اللَّهَ )
أي:فيما أمركم به، ( إِنَّ
اللَّهَ سَمِيعٌ )
أي:لأقوالكم (
عَلِيمٌ )
بنياتكم.
وقوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
) :هذا
أدب ثان أدب الله به المؤمنين ألا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه
وسلم [ فوق
صوته ] . وقد
روي أنها نـزلت في الشيخين أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما.
وقال البخاري:حدثنا بسرة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر،
عن ابن أبي مُلَيْكَة قال:كاد الخيِّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما،
رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار
أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع:لا أحفظ
اسمه- فقال أبو بكر لعمر:ما أردت إلا خلافي. قال:ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما
في ذلك، فأنـزل الله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) الآية، قال ابن الزبير:فما
كان عمر يسمعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر
ذلك عن أبيه:يعني أبا بكر رضي الله عنه. انفرد به دون مسلم .
ثم قال البخاري:حدثنا حسن بن محمد، حدثنا حَجَّاج، عن ابن
جُرَيْج، حدثني ابن أبي مليكة:أن عبد الله بن الزبير أخبره:أنه قَدم ركب من بني
تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر:أمرّ القعقاعَ بن مَعْبد. وقال
عمر:بل أمرّ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر:ما أردت إلى - أو:إلا- خلافي. فقال
عمر:ما أردتُ خلافَك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنـزلت في ذلك: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ، حتى انقضت الآية، ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ) الآية
[
الحجرات:5 ] .
وهكذا رواه هاهنا منفردا به أيضا .
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده:حدثنا الفضل بن سهل،
حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخَارق، عن طارق بن شهاب، عن أبى
بكر الصديق قال:لما نـزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ، قلت:يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السّرار .
حصين بن عمر هذا - وإن كان ضعيفًا- لكن قد رويناه من حديث عبد
الرحمن بن عوف، وأبي هريرة [ رضي
الله عنه ] بنحو
ذلك، والله أعلم .
وقال البخاري:حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد،
أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس ، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن النبي صلى
الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل:يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه.
فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له:ما شأنك؟ فقال:شر، كان يَرْفَعُ
صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى
الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى:فرجع إليه
المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: « اذهب
إليه فقل له:إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة » تفرد به البخاري من هذا الوجه
.
وقال الإمام أحمد:حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن
ثابت، عن أنس قال:لما نـزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا
أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) إلى: (
وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) ، وكان
ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال:أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى
الله عليه وسلم حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له:تفقدك رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ما لك؟ قال:أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم،
وأجهر له بالقول حبط عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم
فأخبروه بما قال، فقال: « لا بل
هو من أهل الجنة » . قال
أنس:فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة
كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس، وقد تحنط ولبس كفنه، فقال:بئسما
تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل .
وقال مسلم:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى،
حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك قال:لما نـزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) إلى آخر الآية، جلس ثابت في
بيته، قال:أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم لسعد بن معاذ: « يا أبا
عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ » فقال
سعد:إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال:فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال ثابت:أُنـزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « بل، هو من أهل الجنة » .
ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال،
عن سليمان بن المغيرة، به، قال:ولم يذكر سعد بن معاذ. وعن قطن بن نُسَير عن جعفر
بن سليمان ، عن ثابت، عن أنس بنحوه. وقال:ليس فيه ذكر سعد بن معاذ.
حدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر بن سليمان،
سمعت أبي يذكر، عن ثابت، عن أنس قال:لما نـزلت هذه الآية، واقتص الحديث، ولم يذكر
سعد بن معاذ، وزاد:فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رَجلٌ من أهل الجنة. .
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد
به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح:أن حال نـزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ
موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نـزلت في
وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا زيد بن الحُبَاب،
حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شـمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن
قيس بن شماس، عن أبيه قال:لما نـزلت هذه الآية: ( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ) قال:قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال:فمر به عاصم بن
عدي من بني العَجلان، فقال:ما يبكيك يا ثابت؟ قال:هذه الآية، أتخوف أن تكون نـزلت
فيَّ وأنا صيت، رفيع الصوت. قال:فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال:وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أبي بن سلول فقال
لها:إذا دخلتُ بيت فَرَسي فشدّي عَلَيّ الضبَّة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرج
عطفه، وقال:لا أخرج حتى يتوفاني الله، عز وجل، أو يرضى عني رسول الله صلى الله
عليه وسلم. قال:وأتى عاصم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، فقال: « اذهب فادعه لي » . فجاء عاصم إلى المكان فلم
يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له:إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يدعوك. فقال:اكسر الضبة. قال:فخرجا فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
يبكيك يا ثابت؟ » .
فقال:أنا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نـزلت في: ( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ
فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ) . فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « أما
ترضى أن تَعِيش حَميدًا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟ » . فقال:رضيت ببشرى الله ورسوله
صلى الله عليه وسلم، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال:وأنـزل الله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ
امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ) .
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله
عز وجل، عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا عن أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب [ رضي
الله عنه ] أنه
سمع صَوت رجلين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء،
فقال:أتدريان أين أنتما؟ ثم قال:مِن أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف. فقال:لو كنتما
من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا .
وقال العلماء:يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في
حياته؛ لأنه محترم حيا وفي قبره، صلوات الله وسلامه عليه ، دائما. ثم نهى عن الجهر
له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا
قال: ( وَلا
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) ، كما قال: لا تَجْعَلُوا
دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [ النور:63 ] .
وقوله: ( أَنْ
تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) أي:إنما نهيناكم عن رفع الصوت
عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا
يدري، كما جاء في الصحيح: « إن
الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بَالا يكتب له بها الجنة. وإن
الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلقي لها بالا يَهْوِي بها في النار أبعد
ما بين السموات والأرض » .
ثم ندب الله عز وجل ، إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك،
وأرشد إليه، ورغَّب فيه، فقال: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ
امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ) أي:أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
عَظِيمٌ ) .
وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد:حدثنا عبد الرحمن، حدثنا
سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال:كُتب إلى عمر يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي
المعصية ولا يعمل بها، أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر، رضي الله
عنه:إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ( أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) .
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 )
ثم إنه
تعالى ذَمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف
الأعراب، فقال: (
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ )
وَلَوْ
أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )
ثم أرشد
إلى الأدب في ذلك فقال: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا
حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ) أي:
لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة.
ثم قال
داعيا لهم إلى التوبة والإنابة: (
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وقد ذُكر
أنها نـزلت في الأقرع بن حابس التميمي، فيما أورده غير واحد، قال الإمام
أحمد:حدثنا عفان، حدثنا وُهَيْب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن الأقرع بن حابس؛ أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات،
فقال:يا محمد، يا محمد - وفي رواية:يا رسول الله- فلم يجبه. فقال:يا رسول الله، إن
حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال: « ذاك الله، عز وجل » .
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو عمار الحسين بن حُرَيْث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين
بن واقد، عن أبي إسحاق ، عن البراء في قوله: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )
قال:جاء رجل رسول الله فقال:يا محمد، إن حمدي زين، وذمي شين. فقال: « ذاك
الله، عز وجل » .
وهكذا
ذكره الحسن البصري، وقتادة مرسلا.
وقال
سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة قال:كان بِشْر بن غالب ولَبِيد بن عُطَارِد
- أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب- وهما عند الحجاج جالسان- فقال بشر بن غالب للبيد
بن عطارد:نـزلت في قومك بني تميم: ( إِنَّ
الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )
قال:فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال:أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه: يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [ الحجرات:17 ] ،
قالوا:أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عَمرو بن علي الباهلي، حدثنا المعتمر بن سليمان:سمعت
داود الطفاوي يحدث عن أبي مسلم البجلي ، عن زيد بن أرقم قال:اجتمع أناس من العرب
فقالوا:انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكا
نعش بجناحه. قال:فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا
إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته:يا محمد، يا محمد. فأنـزل الله [ عز
وجل ] : ( إِنَّ الَّذِينَ
يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ )
قال:فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني فمدها، فجعل يقول: « لقد
صدق الله قولك يا زيد، لقد صدق الله قولك يا زيد » .
ورواه
ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان، به .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ
تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( 6 )
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ
الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( 7 )
فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 8 ) .
يأمر
تعالى بالتثبت في خبر الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون - في نفس الأمر-
كاذبًا أو مخطئًا، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه، وقد نهى الله عن اتباع سبيل
المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول رواية مجهول الحال لاحتمال
فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا
ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال. وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح
البخاري، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر
كثير من المفسرين أن هذه الآية نـزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه
رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق. وقد روي ذلك من طرق، ومن
أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن
ضِرَار، والد جُويرية بنت الحارث أم المؤمنين، رضي الله عنها، قال الإمام أحمد:
حدثنا
محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي يقول:قدمت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به،
ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت:يا رسول الله، أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام
وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، ويُرسل إليَّ رسول الله رسولا لإبَّان
كذا وكذا ليأتيك بما جمَعتُ من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له،
وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه، احتبس عليه
الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سُخْطة من الله ورسوله، فدعا بسَرَوات
قومه، فقال لهم:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وَقَّت لي وقتا يرسل إلي
رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم
الخُلْف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما
كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرَق -
أي:خاف- فرجع فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:يا رسول الله، إن الحارث
منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث.
وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفَصَل عن المدينة لقيهم الحارث،
فقالوا:هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم:إلى من بُعثتم؟ قالوا:إليك. قال:ولم؟
قالوا:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك
منعته الزكاة وأردت قتله. قال:لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا
أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « منعت
الزكاة وأردت قتل رسولي؟ » . قال:لا والذي بعثك بالحق ما
رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم،
خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله. قال:فنـزلت الحجرات: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) إلى
قوله: ( حكيم ) .
ورواه
ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث
محمد بن سابق، به ، غير أنه سماه الحارث بن سرار، والصواب:الحارث بن ضرار، كما
تقدم.
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جعفر بن عَوْن، عن موسى بن عبيدة، عن ثابت مولى أم
سلمة، عن أم سلمة قالت:بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في صدقات بني
المصطلق بعد الوقيعة ، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قالت:فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت:فرجع إلى رسول الله فقال:إن
بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
قالت:فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصفوا له حين صلى
الظهر، فقالوا:نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقًا، فسررنا
بذلك، وقرت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله
ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر، قالت:ونـزلت: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ
تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) .
وروى ابن
جرير أيضا من طريق العَوْفي، عن ابن عباس في هذه الآية قال:كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيْط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات،
وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأنه لما حُدِّثَ الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال:يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. فغضب رسول الله صلى الله
عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد
فقالوا:يا رسول الله، إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رده
كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله. وإن النبي
صلى الله عليه وسلم استغشهم وهمّ بهم، فأنـزل الله عذرهم في الكتاب، فقال: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) إلى
آخر الآية .
وقال
مجاهد وقتادة:أرسل رسول الله الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليُصدّقهم، فتلقوه
بالصدقة، فرجع فقال:إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة:وإنهم قد
ارتدوا عن الإسلام- فبعث رسول الله خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا
يعجل. فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم مستمسكون
بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنـزل الله هذه الآية. قال
قتادة:فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «
التَّبيُّن من الله، والعَجَلَة من الشيطان » .
وكذا ذكر
غير واحد من السلف، منهم:ابن أبي ليلى، ويزيد بن رومان، والضحاك، ومقاتل بن
حَيَّان، وغيرهم في هذه الآية:أنها نـزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم .
وقوله: (
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ )
أي:اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظِّموه ووقروه، وتأدبوا معه، وانقادوا لأمره،
فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتمّ من رأيكم لأنفسكم، كما قال
تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [
الأحزاب:6 ] .
ثم
بَيَّن [ تعالى ] أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى
مراعاة مصالحهم فقال: ( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي
كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ) أي:لو
أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحَرَجكم، كما قال تعالى: وَلَوِ
اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ
فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [
المؤمنون:71 ] .
وقوله: (
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ )
أي:حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا بَهْز، حدثنا علي بن مَسْعَدة، حدثنا قتادة، عن أنس قال:كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «
الإسلام علانية، والإيمان في القلب » قال:ثم
يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، ثم يقول: « التقوى
هاهنا، التقوى هاهنا » .
(
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ )
أي:وبغض إليكم الكفر والفسوق، وهي:الذنوب الكبار. والعصيان وهي جميع المعاصي. وهذا
تدريج لكمال النعمة.
وقوله: (
أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ) أي:المتصفون بهذه الصفة هم
الراشدون، الذين قد آتاهم الله رشدهم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي، عن
ابن رفاعة الزرقي، عن أبيه قال:لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « استووا حتى أثني على ربي، عز
وجل » فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: « اللهم
لك الحمد كله. اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت،
ولا مُضل لمن هديت. ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت. ولا مقرب لما باعدت،
ولا مباعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم، إني
أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم
العَيْلَة، والأمن يوم الخوف. اللهم إنى عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما
منعتنا. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق
والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم، توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا
بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم، قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون
عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله
الحق » .
ورواه
النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب، عن مَرْوَان بن معاوية، عن عبد الواحد
بن أيمن، عن عُبَيْد بن رِفاعة، عن أبيه، به .
وفي
الحديث المرفوع: « من سرته حسنته، وساءته سيئته،
فهو مؤمن » .
ثم قال:
( فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ) أي:هذا
العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه، (
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أي:عليم بمن يستحق الهداية
ممن يستحق الغواية، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
وَإِنْ
طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ
بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ
إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 9 )
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا
اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 10 )
يقول
تعالى آمرًا بالإصلاح بين المسلمين الباغين بعضهم على بعض: (
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) ،
فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإيمان
بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وهكذا
ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
خطب يوما ومعه على المنبر الحسن بن علي، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى
ويقول: « إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من
المسلمين » . فكان كما قال، صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين
أهل الشام وأهل العراق، بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة.
وقوله: (
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى
تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) أي:حتى ترجع إلى أمر الله
وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« انصر أخاك ظالما أو مظلوما » .
قلت:يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: « تمنعه
من الظلم، فذاك نصرك إياه » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عارم، حدثنا معتمر قال:سمعت أبي يحدث:أن أنسًا قال:قيل للنبي صلى
الله عليه وسلم، لو أتيت عبد الله بن أبي؟ فانطلق إليه نبي الله صلى الله عليه
وسلم وركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « إليك عني، فوالله لقد آذاني
ريح حمارك » فقال رجل من الأنصار:والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك.
قال:فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال:فكان بينهم ضرب
بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنـزلت فيهم: (
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) .
ورواه
البخاري في « الصلح » عن مُسَدَّد، ومسلم في «
المغازي » عن محمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن
أبيه، به نحوه .
وذكر
سعيد بن جبير:أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنـزل الله هذه
الآية، فأمر بالصلح بينهما.
وقال
السدي:كان رجلا من الأنصار يقال له: « عمران
» ، كانت له امرأة تدعى أم زيد ، وإن المرأة أرادت أن تزور
أهلها فحبسها زوجها وجعلها في عُلَيَّة له لا يدخل عليها أحد من أهلها. وإن المرأة
بعثت إلى أهلها، فجاء قومها وأنـزلوها لينطلقوا بها، وإن الرجل قد كان خرج،
فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا
واجتلدوا بالنعال، فنـزلت فيهم هذه الآية. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله.
وقوله: (
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) أي:اعدلوا بينهم فيما كان
أصاب بعضهم لبعض، بالقسط، وهو العدل، ( إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) .
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى، عن
مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « إن المقسطين في الدنيا على
منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا » .
ورواه
النسائي عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، به . وهذا إسناده جيد قوي، رجاله على
شرط الصحيح.
وحدثنا
محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن
أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش، الذين يعدلون في
حكمهم وأهاليهم وما وَلُوا » .
ورواه
مسلم والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به .
وقوله: (
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )
أي:الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « المسلم
أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه » . وفي الصحيح: « والله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » . وفي
الصحيح أيضا: « إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك:آمين، ولك بمثله
» . والأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح: « مثل
المؤمنين في تَوادِّهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسَّهَر » . وفي
الصحيح أيضا: « المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا » وشبك
بين أصابعه .
وقال
أحمد:حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن ثابت، حدثني أبو حازم
قال:سمعت سهل بن سعد الساعدي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
المؤمن من أهل الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان، كما
يألم الجسد لما في الرأس » . تفرد به ولا بأس بإسناده.
وقوله: (
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ )
يعني:الفئتين المقتتلتين، ( وَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي:في
جميع أموركم ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ، وهذا
تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا
خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ
الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 11 )
ينهى تعالى عن السخرية بالناس،
وهو احتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه قال: « الكِبْر بطر الحق وغَمْص الناس » ويروى: « وغمط
الناس » والمراد من ذلك:احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد
يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له؛ ولهذا قال:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ
قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى
أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) ، فنص على نهي الرجال وعطف
بنهي النساء.
وقوله: ( وَلا
تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) أي:لا تلمزوا الناس .
والهمَّاز اللَّماز من الرجال مذموم ملعون، كما قال [
تعالى ] : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [
الهمزة:1 ] ، فالهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ
بِنَمِيمٍ [ القلم:11 ]
أي:يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي:اللمز بالمقال؛
ولهذا قال هاهنا: ( وَلا تَلْمِزُوا
أَنْفُسَكُمْ ) ، كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [
النساء:29 ] أي:لا يقتل بعضكم بعضا .
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن
جبير، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان: ( وَلا
تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) أي:لا يطعن بعضكم على بعض.
وقوله: ( وَلا
تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ) أي:لا تتداعوا بالألقاب، وهي
التي يسوء الشخص سماعها.
قال الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل،
حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:حدثني أبو جَبِيرة بن الضحاك قال:فينا نـزلت
في بني سلمة: ( وَلا تَنَابَزُوا
بِالألْقَابِ ) قال:قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا
رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دُعِىَ أحد منهم باسم من تلك الأسماء
قالوا:يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. فنـزلت: ( وَلا
تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ )
ورواه أبو داود عن موسى بن
إسماعيل، عن وُهَيْب، عن داود، به .
وقوله: (
بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ) أي:بئس
الصفة والاسم الفسوق وهو:التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون، بعدما
دخلتم في الإسلام وعقلتموه، ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ) أي:من
هذا ( فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ( 12 )
يقول
تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب
والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثما محضا، فليجتنب كثير منه احتياطا،
وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال:ولا تظنن بكلمة
خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا .
وقال أبو
عبد الله بن ماجه:حدثنا أبو القاسم بن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحِمْصي،
حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النَّضري، حدثنا عبد الله بن عمر قال:رأيت
النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: « ما
أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم
عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خير » . تفرد
به ابن ماجه من هذا الوجه .
وقال
مالك، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا،
ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا » .
رواه
البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن العتبي [
ثلاثتهم ] ، عن مالك، به .
وقال
سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس [ رضي
الله عنه ] قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تقاطعوا،
ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل للمسلم
أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام » .
رواه
مسلم والترمذي - وصححه- من حديث سفيان بن عيينة، به .
وقال
الطبراني:حدثنا محمد بن عبد الله القِرْمِطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب
المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال،
عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاث
لازمات لأمتي:الطِّيَرَةُ، والحسد وسوء الظن » . فقال
رجل:ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: « إذا
حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فَأمض » . وقال
أبو داود:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد قال:أتي
ابن مسعود، رضي الله عنه، برجل ، فقيل له:هذا فلان تقطر لحيته خمرا. فقال عبد
الله:إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
سماه ابن
أبي حاتم في روايته الوليد بن عقبة بن أبي معيط .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هاشم، حدثنا لَيْث، عن إبراهيم بن نَشِيط الخَوْلاني، عن كعب بن
علقمة، عن أبي الهيثم، عن دُخَيْن كاتب عقبة قال:قلت لعقبة:إن لنا جيرانا يشربون
الخمر، وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم. قال:لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال:ففعل
فلم ينتهوا. قال:فجاءه دُخَيْن فقال:إني قد نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط
فيأخذونهم. قال:لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال:ففعل فلم ينتهوا. قال:فجاءه دخين
فقال:إني قد نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة:ويحك لا
تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من ستر
عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها » .
ورواه
أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد، به نحوه .
وقال
سفيان الثوري، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية قال:سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: « إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم » أو: « كدت أن
تفسدهم » . فقال أبو الدرداء:كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، نفعه الله بها. رواه أبو داود منفردا به من حديث الثوري، به .
وقال أبو
داود أيضا:حدثنا سعيد بن عمرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضَمْضَم بن
زُرَعَة، عن شُرَيْح بن عبيد، عن جُبَيْر بن نُفَيْر، وكثير بن مُرَّة، وعمرو بن
الأسود، والمقدام بن معد يكرب ، وأبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس، أفسدهم » .
[
وقوله ] : ( وَلا تَجَسَّسُوا ) أي:على
بعضكم بعضا. والتجسس غالبا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبا
في الخير، كما قال تعالى إخبارا عن يعقوب [
عليه السلام ] أنه قال: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ
وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [
يوسف:87 ] ، وقد يستعمل كل منهما في الشر، كما ثبت في الصحيح أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا
تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا » .
وقال
الأوزاعي:التجسس:البحث عن الشيء. والتحسس:الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون،
أو يتسمع على أبوابهم. والتدابر:الصَّرْم. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ( وَلا
يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها
الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود:حدثنا القَعْنَبِي، حدثنا عبد العزيز
بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:قيل:يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال:
« ذكرك أخاك بما يكره » .
قيل:أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: « إن كان
فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته » .
ورواه
الترمذي عن قتيبة، عن الدَّرَاوَرْدي، به . وقال:حسن صحيح. ورواه ابن جرير عن
بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن العلاء . وهكذا قال ابن عمر، ومسروق، وقتادة،
وأبو إسحاق، ومعاوية بن قُرَّة.
وقال أبو
داود:حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة،
عن عائشة قالت:قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:حسبك من صفية كذا وكذا! - قال غير
مسدد:تعني قصيرة- فقال: « لقد قلت كلمة لو مُزِجَتْ
بماء البحر لمزجته » . قالت:وحكيت له إنسانا، فقال
صلى الله عليه وسلم: « ما أحب أني حكيت إنسانًا، وإن
لي كذا وكذا » .
ورواه
الترمذي من حديث يحيى القَطَّان، وعبد الرحمن بن مَهْدِيّ، ووَكِيع، ثلاثتهم عن
سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة سلمة بن صهيبة الأرحبي، عن عائشة،
به. وقال:حسن صحيح .
وقال ابن
جرير:حدثني ابن أبي الشوارب:حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني،
حدثنا حسان بن المخارق ؛ أن امرأة دخلت على عائشة، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة
بيدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أي:إنها قصيرة- فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: « اغتبتيها » .
والغيبة
محرمة بالإجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل
والنصيحة، كقوله صلى الله عليه وسلم ، لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: « ائذنوا
له، بئس أخو العشيرة » ، وكقوله لفاطمة بنت قيس - وقد
خطبها معاوية وأبو الجهم- : « أما معاوية فصعلوك ، وأما أبو
الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه » . وكذا ما جرى مجرى ذلك. ثم
بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد ؛ ولهذا شبهها تعالى بأكل
اللحم من الإنسان الميت، كما قال تعالى: (
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) ؟
أي:كما تكرهون هذا طبعا، فاكرهوا ذاك شرعا؛ فإن عقوبته أشد من هذا وهذا من التنفير
عنها والتحذير منها، كما قال، عليه السلام، في العائد في هبته: « كالكلب
يقيء ثم يرجع في قيئه » ، وقد قال: « ليس
لنا مثل السوء » . وثبت في الصحاح والحسان
والمسانيد من غير وجه أنه، عليه السلام، قال في خطبة [ حجة
] الوداع: « إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم
عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا » .
وقال أبو
داود:حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل
المسلم على المسلم حرام:ماله وعرضه ودمه، حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم » .
ورواه
الترمذي عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه، به . وقال:حسن غريب.
وحدثنا
عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن
سعيد بن عبد الله بن جريج، عن أبي برزة الأسلمي قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا
المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع
الله عورته يفضحه في بيته » .
تفرد به
أبو داود . وقد روي من حديث البراء بن عازب، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده:حدثنا
إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام، عن حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي إسحاق
السَّبِيعي ، عن البراء بن عازب قال:خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع
العواتق في بيوتها - أو قال:في خدورها- فقال: « يا
معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة
أخيه يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته » .
طريق
أخرى عن ابن عمر:قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي:أخبرنا عبد الله بن
ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن
أوفى بن دَلْهَم، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يا
معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا
تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله
عورته يفضحه ولو في جوف رحله » . قال:ونظر ابن عمر يوما إلى
الكعبة فقال:ما أعظمك وأعظم حرمتك، وللمؤمن أعظمُ حرمة عند الله منك .
قال أبو
داود:وحدثنا حَيْوَة بن شُرَيْح، حدثنا بَقِيَّة، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن
مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد؛ أنه حدثه:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
« من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم ، ومن
كُسى ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم. ومن قام برجل مقام سمعةٍ ورياء
فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة » . تفرد
به أبو داود .
وحدثنا
ابن مصفى، حدثنا بقية وأبو المغيرة قالا حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد
الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لما
عُرِج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت:من هؤلاء يا
جبرائيل ؟ قال:هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم » .
تفرد به
أبو داود، وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي،
به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا أبو عبد الصمد بن عبد العزيز ابن
عبد الصمد العمي، حدثنا أبو هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخدري [ رضي
الله عنه ] قال:قلنا يا رسول الله، حدثنا ما رأيت ليلة أسريَ بك؟...
قال: « ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء مُوَكَّل
بهم رجال يعمدون إلى عُرْض جنَب أحدهم فَيَحْذُون منه الحُذْوَة من مثل النعل ثم يضعونه
في فيّ أحدهم، فيقال له:كل كما أكلت » ، وهو
يجد من أكله الموت - يا محمد- لو يجد الموت وهو يكره عليه فقلت:يا جبرائيل ، من
هؤلاء:قال:هؤلاء الهمَّازون اللمَّازون أصحاب النميمة. فيقال : (
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ) وهو
يكره على أكل لحمه.
هكذا
أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير « سورة
سبحان » ولله الحمد .
وقال أبو
داود الطيالسي في مسنده:حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أمر الناس أن يصوموا يوما ولا يفطرن أحدٌ حتى آذن له. فصام الناس، فلما
أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:ظللت منذ اليوم
صائما، فائذن لي. فأفطر فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل
فقال:يا رسول الله، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فَلْيفطرا
فأعرض عنه، ثم أعاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ اذهب، فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا
» . ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما عَلَقةً علقَةً فأتى النبي
صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لو
ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار » .
إسناد
ضعيف، ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون:حدثنا سليمان
التيمي قال:سمعت رجلا يحدث في مجلس أبي عثمان النَّهْدِي عن عبيد - مولى رسول الله
- أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن رجلا أتى رسول الله
فقال:يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان من العطش -
أرَاهُ قال:بالهاجرة- فأعرض عنه - أو:سكت عنه- فقال:يا نبي الله، إنهما - والله قد
ماتتا أو كادتا تموتان . فقال:ادعهما. فجاءتا، قال:فجيء بقدح - أو عُسّ- فقال
لإحداهما: « قيئي » فقاءت من قيح ودم وصديد حتى
قاءت نصف القدح. ثم قال للأخرى:قيئي فقاءت قيحا ودما وصديدا ولحما ودما عبيطا
وغيره حتى ملأت القدح. فقال:إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم
الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس.
وهكذا قد
رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي، كلاهما عن سليمان بن طِرْخان
التيمي، به مثله أو نحوه . ثم رواه أيضا من حديث مُسَدَّد، عن يحيى القَطَّان، عن
عثمان بن غياث، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد - مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم- أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال:يا رسول الله،
فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد. فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا، ثم قال: « ادعهما
» . فجاء بعُس - أو:قَدَح- فقال لإحداهما: « قيئي » ، فقاءت
لَحْمًا ودمًا عبيطا وقيحا، وقال للأخرى مثل ذلك، فقال: « إن
هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما
للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحا » .
وقال
البيهقي:كذا قال « عن سعد » ،
والأول - وهو عبيد- أصح.
وقال
الحافظ أبو يعلى:حدثنا عمرو بن الضحاك بن مَخْلَد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن
جُرَيْج، أخبرني أبو الزبير عن ابن عَمّ لأبي هريرة أن ماعزًا جاء إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، إني قد زنيت فأعرض عنه - قالها أربعا- فلما
كان في الخامسة قال: « زنيت » ؟
قال:نعم. قال: « وتدري ما الزنا؟ »
قال:نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: « ما
تريد إلى هذا القول؟ » قال:أريد أن تطهرني. قال:فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أدخلت ذلك منك في ذلك منها
كما يغيب المِيل في المكحلة والرِّشاء في البئر؟ » .
قال:نعم، يا رسول الله. قال:فأمر برجمه فرجم، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين
يقول أحدهما لصاحبه:ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجمَ
رجم الكلب. ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم حتى مَرّ بجيفة حمار فقال:أين فلان
وفلان؟ أنـزلا فكلا من جيفة هذا الحمار « قالا
غفر الله لك يا رسول، الله وهل يُؤكل هذا؟ » قال: « فما
نلتما من أخيكما آنفا أشد أكلا من، والذي نفسي بيده، إنه الآن لفي أنهار الجنة
ينغمس فيها » ] إسناده صحيح ] .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا واصل - مولى ابن عيينة- حدثني خالد
بن عُرْفُطَة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله قال:كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتدرون
ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين » .
طريق
أخرى:قال عبد بن حُميد في مسنده:حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفُضيل بن عياض،
عن سليمان، عن أبي سفيان - وهو طلحة بن نافع- عن جابر قال:كنا مع النبي صلى الله
عليه وسلم في سفر فهاجت ريح منتنة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن
نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسا من المسلمين، فلذلك بعثت هذه الريح » وربما
قال: « فلذلك هاجت هذه الريح » .
وقال
السدي في قوله: ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ) :زعم
أن سلمان الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفر يخدمهما
ويخف لهما، وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائما،
لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه فلم يجداه، فضربا الخِباء فقالا ما يريد سليمان
- أو:هذا العبد- شيئا غير هذا:أن يجيء إلى طعام مقدور، وخباء مضروب! فلما جاء
سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداما، فانطلق فأتى رسول
الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومعه
قَدَح له، فقال:يا رسول الله، بعثني أصحابي لِتؤدِمَهم إن كان عندك؟ قال: « ما
يصنع أصحابك بالأدْم؟ قد ائتدموا » . فرجع
سلمان يخبرهما بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقا حتى أتيا رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقالا لا والذي بعثك بالحق، ما أصبنا طعاما منذ نـزلنا. قال: « إنكما
قد ائتدمتما بسلمان بقولكما » .
قال:ونـزلت:
( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْتًا ) ، إنه كان نائما .
وروى
الحافظ الضياء المقدسي في كتابه « المختارة » من طريق
حَبَّان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال:كانت العرب تخدم
بعضها بعضا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ما رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا ولم
يهيئ لهما طعاما، فقالا إن هذا لنؤوم، فأيقظاه، فقالا له:ائت رسول الله فقل له:إن
أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، ويستأدمانك.
فقال: « إنهما
قد ائتدما » فجاءا فقالا يا رسول الله، بأي شيء ائتدمنا؟ فقال: « بلحم
أخيكما، والذي نفسي بيده، إني لأرى لحمه بين ثناياكما » . فقالا
استغفر لنا يا رسول الله فقال: « مُرَاه فليستغفر لكما » .
وقال
الحافظ أبو يعلى:حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا محمد بن مسلم، عن محمد بن إسحاق، عن
عمه موسى بن يَسار، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أكل
من لحم أخيه في الدنيا، قُرِّب له لحمه في الآخرة، فيقال له:كله مَيْتًا كما أكلته
حَيًّا. قال:فيأكله ويَكْلَح ويصيح » . غريب
جدا .
وقوله: (
وَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي:فيما أمركم به ونهاكم عنه،
فراقبوه في ذلك واخشوا منه، ( إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
رَحِيمٌ ) أي:تواب على من تاب إليه، رحيم بمن رجع إليه، واعتمد عليه.
قال
الجمهور من العلماء:طريق المغتاب للناس في توبته أن يُقلع عن ذلك، ويعزم على ألا
يعود. وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نـزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال
آخرون:لا يشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما
كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن
يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا
أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن سليمان؛ أن
إسماعيل بن يحيى المعَافِريّ أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجُهَنِيّ أخبره، عن
أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من حمى
مؤمنا من منافق يعيبه ، بعث الله إليه ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم.
ومن رمى مؤمنا بشيء يريد شينه، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال » . وكذا
رواه أبو داود من حديث عبد الله - وهو ابن المبارك- به بنحوه .
وقال أبو
داود أيضا:حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث:حدثني يحيى بن
سليم؛ أنه سمع إسماعيل بن بشير يقول:سمعت جابر بن عبد الله، وأبا طلحة بن سهل
الأنصاري يقولان:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من
امرىء يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله
في مواطن يحب فيها نصرته. وما من امرئ ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه،
وينتهك فيه من حرمته ، إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته » . تفرد
به أبو داود .
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( 13 )
يقول
تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء،
وجعلهم شعوبا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر
والعمائر والأفخاذ وغير ذلك.
وقيل:المراد
بالشعوب بطون العَجَم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل.
وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب: «
الإنباه » لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب « القصد
والأمم، في معرفة أنساب العرب والعجم » . فجميع
الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور
الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى بعد
النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: ( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا )
أي:ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته.
وقال
مجاهد في قوله: ( لِتَعَارَفُوا ) ، كما
يقال:فلان بن فلان من كذا وكذا، أي:من قبيلة كذا وكذا.
وقال
سفيان الثوري:كانت حِمْير ينتسبون إلى مَخَاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى
قبائلها.
وقد قال
أبو عيسى الترمذي:حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك بن
عيسى الثقفي، عن يزيد - مولى المنبعث- عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
« تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة
في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر » . ثم
قال:غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
وقوله: ( إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )
أي:إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب. وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
قال
البخاري رحمه الله:حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي
سعيد، عن أبي هريرة قال:سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي الناس أكرم؟ قال: « أكرمهم
عند الله أتقاهم » قالوا:ليس عن هذا نسألك. قال: « فأكرم
الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله » .
قالوا:ليس عن هذا نسألك. قال: « فعن معادن العرب تسألوني؟ »
قالوا:نعم. قال: « فخياركم في الجاهلية خياركم
في الإسلام إذا فَقِهُوا » .
وقد رواه
البخاري في غير موضع من طرق عن عبدة بن سليمان . ورواه النسائي في التفسير من حديث
عبيد الله - وهو ابن عمر العمري- به .
حديث
آخر:قال مسلم ، رحمه الله:حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كَثِير بن هشام، حدثنا جعفر بن
برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » .
ورواه
ابن ماجه عن أحمد بن سنان، عن كَثِير بن هشام، به .
حديث
آخر:وقال الإمام أحمد:حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أبي ذر قال:إن النبي
صلى الله عليه وسلم قال له: « انظر، فإنك لست بخير من أحمر
ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى . تفرد به أحمد . »
حديث
آخر:وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا أبو عبيدة عبد الوارث بن إبراهيم
العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، حدثنا عبيد بن حنين الطائي، سمعت
محمد بن حبيب بن خِرَاش العَصَرِيّ، يحدث عن أبيه:أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول :المسلمون إخوة، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى « »
حديث
آخر:قال أبو بكر البزار في مسنده:حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن
الحسين، حدثنا قيس - يعني ابن الربيع- عن شبيب بن غَرْقَدَة ، عن المستظل بن حصين،
عن حذيفة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كلكم
بنو آدم. وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله
من الجِعْلان » .
ثم
قال:لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه .
حديث آخر:قال
ابن أبي حاتم:حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا
القطان، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال:طاف رسول الله
صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته القَصْواء يستلم الأركان بمحجن في يده،
فما وجد لها مناخًا في المسجد حتى نـزل صلى الله عليه وسلم على أيدي الرجال، فخرج
بها إلى بطن المسيل فأنيخت. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم على راحلته،
فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: « يا
أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس
رجلان:رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. إن الله يقول: ( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) » ثم قال:
« أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم » .
هكذا
رواه عبد بن حميد، عن أبي عاصم الضحاك بن مَخْلَد، عن موسى بن عبيدة، به .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد،
عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على
أحد فضل إلا بدين وتقوى، وكفى بالرجل أن يكون بَذِيّا بخيلا فاحشًا » .
وقد رواه
ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لَهِيعة، به ولفظه: « الناس
لآدم وحواء، طف الصاع لم يَمْلَئُوه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم
يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم » .
وليس هو
في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سِمَاك، عن عبد الله
بن عَمِيرة زوج درة ابنة أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت:قام رجل إلى النبي صلى
الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال:يا رسول الله، أي الناس خير؟ فقال صلى الله
عليه وسلم: « خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم لله عز وجل، وآمرهم بالمعروف،
وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم » .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن
محمد، عن عائشة قالت:ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا، ولا
أعجبه أحد قط، إلا ذو تقى. تفرد به أحمد رحمه الله .
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) أي:عليم بكم، خبير بأموركم،
فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من
يشاء، وهو الحكيم العليم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة وهذه
الأحاديث الشريفة، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا
يشترط سوى الدين، لقوله: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى
مذكورة في كتب الفقه، وقد ذكرنا طرفا من ذلك في « كتاب
الأحكام » ولله الحمد والمنة. وقد روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع
رجلا من بني هاشم يقول:أنا أولى الناس برسول الله. فقال:غيرك أولى به منك، ولك منه
نسبه.
قَالَتِ
الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا
يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا
يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 )
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ
يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) قُلْ
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 )
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
( 17 )
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ ( 18 )
يقول تعالى منكرا على الأعراب
الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في
قلوبهم بعد: ( قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ
قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) . وقد
استفيد من هذه الآية الكريمة:أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة
والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، عليه السلام، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان،
ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
قال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال:أعطى
رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئًا، فقال سعد:يا رسول
الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: « أو مسلم » حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي
صلى الله عليه وسلم يقول: « أو مسلم » ثم قال
النبي صلى الله عليه وسلم: « إني لأعطي رجالا وأدع من هو
أحب إليّ منهم فلم أعطيه شيئًا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم » .
أخرجاه في الصحيحين من حديث
الزهري، به .
فقد فرق النبي صلى الله عليه
وسلم بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك
بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من « صحيح
البخاري » ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس
منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن
هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم
الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك.
وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا
هذا لأن البخاري، رحمه الله، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهرون الإيمان
وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: (
وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ) أي:استسلمنا خوف القتل
والسباء. قال مجاهد:نـزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة:نـزلت في قوم امتنوا
بإيمانهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والصحيح الأول؛ أنهم قوم ادعوا
لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه
بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة. وإنما
قيل لهؤلاء تأديبًا: ( قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا
وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) أي:لم
تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.
ثم قال: (
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [
شَيْئًا ] ) أي:لا ينقصكم من أجوركم شيئا،
كقوله: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [
الطور:21 ] .
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي:لمن تاب إليه وأناب.
وقوله: (
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي:إنما المؤمنون الكُمَّل (
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) أي:لم
يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، (
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
أي:وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، (
أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) أي:في قولهم إذا قالوا: « إنهم
مؤمنون » ، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة
الظاهرة.
وقال الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن
غيلان، حدثنا رِشْدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي
سعيد قال:إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [
الذين ] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع
تركه لله، عز وجل » .
وقوله: ( قُلْ
أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ )
أي:أتخبرونه بما في ضمائركم، ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) أي:لا
يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، (
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .
ثم قال [
تعالى ] : ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُوا ) ، يعني:الأعراب [
الذين ] يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، يقول الله
ردًا عليهم: ( قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ) ، فإن نفع
ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، ( بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) أي:في
دعواكم ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم حنين: « يا
معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟
وعالة فأغناكم الله بي؟ » كلما قال شيئًا قالوا:الله
ورسوله أَمَنُّ .
وقال الحافظ أبو بكر
البزار:حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن
قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [ رضي
الله عنهما ] قال:جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا:يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم تقاتلك، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم » .
ونـزلت هذه الآية: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ
أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ
عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )
ثم قال:لا نعلمه يروى إلا من
هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير هذا
الحديث .
ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع
الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال: ( إِنَّ
اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ )
آخر تفسير الحجرات، ولله الحمد
والمنة .
تفسير سورة ق
وهي
مكية.
وهذه السورة
هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل:من الحجرات. وأما ما يقوله العامة :إنه من ( عَمّ ) فلا
أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة
هي أول المفصل ما رواه أبو داود في سننه، باب « تحزيب
القرآن » ثم قال:
حدثنا
مُسَدَّد، حدثنا قُرَّان بن تمام، ( ح ) وحدثنا
عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد سليمان بن حبان - وهذا لفظه- عن
عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده - قال عبد
الله بن سعيد:حدثنيه أوس بن حذيفة- ثم اتفقا. قال:قدمنا على رسول الله صلى الله
عليه وسلم في وفد ثقيف، قال:فنـزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنـزل رسول الله
صلى الله عليه وسلم بني مالك في قُبة له - قال مسَدَّد:وكان في الوفد الذين قدموا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثقيف، قال:كان رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] كل ليلة يأتينا بعد العشاء
يحدثنا - قال أبو سعيد:قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام- فأكثر
ما يحدثنا ما لقي من قومه قريش، ثم يقول:لا سواء وكنا مستضعفين مستذلين - قال
مُسدَّد:بمكة- فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندال عليهم
ويدالون علينا. فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا:لقد
أبطأت عنا الليلة! قال: « إنه طرأ علي حزبي من القرآن،
فكرهت أن أجيء حتى أتمه » . قال أوس:سألت أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم:كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا:ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى
عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.
ورواه
ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، به. ورواه الإمام أحمد عن
عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، هو ابن يعلى الطائفي به .
إذا علم
هذا، فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة، فالتي بعدهن سورة « ق » .
بيانه:ثلاث:البقرة، وآل عمران، والنساء. وخمس:المائدة، والأنعام، والأعراف،
والأنفال، وبراءة. وسبع:يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل.
وتسع:سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان.
وإحدى عشرة:الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والم، السجدة،
والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. وثلاث عشرة:الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة،
وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم
بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة، رضي الله عنهم. فتعين أن أوله سورة « ق » وهو
الذي قلناه ، ولله الحمد والمنة.
قال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضَمْرة بن سعيد، عن عُبَيد
الله بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي:ما كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقرأ في العيد؟ قال:بقاف، واقتربت.
ورواه
مسلم وأهل السنن الأربعة، من حديث مالك، به . وفي رواية لمسلم عن فليح عن ضمرة، عن
عبيد الله ، عن أبي واقد قال:سألني عمر، فذكره .
حديث
آخر:وقال أحمد:حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن
أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، عن
أم هشام بنت حارثة قالت:لقد كان تَنُّورنا وتنور النبي صلى الله عليه وسلم واحدا
سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلا على لسان رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
رواه
مسلم [ أيضا ] من حديث ابن إسحاق، به .
وقال أبو
داود:حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن خبيب ، عن عبد الله
بن محمد بن معن، عن ابنة الحارث بن النعمان قالت:ما حفظت « ق » إلا من
فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة. قالت:وكان تنورنا وتنور رسول
الله صلى الله عليه وسلم واحدًا.
وكذا
رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، من حديث شعبة، به .
والقصد
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد
والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب،
والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
ق
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ
عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ
عَجِيبٌ ( 2 ) أَئِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) قَدْ
عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) بَلْ
كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 )
( ق ) :حرف
من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله: ( ص، ن،
الم، حم، طس ) ونحو ذلك، قاله مجاهد وغيره. وقد أسلفنا الكلام عليها، في
أول « سورة البقرة » بما
أغنى عن إعادته.
وقد روي
عن بعض السلف أنهم قالوا ( ق ) :جبل
محيط بجميع الأرض، يقال له جبل قاف. وكأن هذا - والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل
التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب.
وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر
دينهم، كما افترى في هذه الأمة - مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى،
وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور ، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل
كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: « وحدثوا
عن بني إسرائيل، ولا حرج » فيما قد يجوزه العقل، فأما
فيما تُحيله العقول ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا
القبيل - والله أعلم.
وقد أكثر
كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل
الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة،
حتى إن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، رحمه الله، أورد هاهنا
أثرا غريبا لا يصح سنده عن ابن عباس فقال:
حدثنا
أبي قال:حدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي:حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن
ابن عباس قال:خلق الله من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا، ثم خلق من وراء ذلك جبلا
يقال له « ق » السماء الدنيا مرفوعة عليه. ثم
خلق الله من وراء ذلك الجبل أرضا مثل تلك الأرض سبع مرات. ثم خلق من وراء ذلك بحرا
محيطًا بها، ثم خلق من وراء ذلك جبلا يقال له « ق » السماء
الثانية مرفوعة عليه، حتى عد سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سموات.
قال:وذلك قوله: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [
لقمان:27 ] .
فإسناد
هذا الأثر فيه انقطاع، والذي رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( ق ) قال:هو
اسم من أسماء الله، عز وجل.
والذي
ثبت عن مجاهد:أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله: ( ص، ن،
حم، طس، الم ) ونحو ذلك. فهذه تُبْعِد ما تقدم عن ابن عباس.
وقيل:المراد
« قضِي الأمر واللهِ » ، وأن
قوله: ( ق ) دلت على المحذوف من بقية
الكلم كقول الشاعر:
قلـت
لها:قفي فقلت:قاف
وفي هذا
التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا
من ذكر هذا الحرف؟.
وقوله: (
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) أي:الكريم العظيم الذي لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنـزيل من حكيم حميد.
واختلفوا
في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله: ( قَدْ
عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ )
وفي هذا
نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد،
وتقريره وتحقيقه وإن لم يكن القسم متلقى لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما
تقدم في قوله: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ [ ص:1 ، 2 ] ،
وهكذا قال هاهنا: ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ *
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا
شَيْءٌ عَجِيبٌ ) أي:تعجبوا من إرسال رسول إليهم
من البشر كقوله تعالى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ
مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [
يونس:2 ] أي:وليس هذا بعجيب؛ فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن
الناس.
ثم قال
مخبرًا عنهم في عجبهم أيضًا من المعاد واستبعادهم لوقوعه: ( أَئِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ )
أي:يقولون:أإذا متنا وبلينا، وتقطعت الأوصال منا، وصرنا ترابا، كيف يمكن الرجوع
بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ (
ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ) أي:بعيد الوقوع، ومعنى
هذا:أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه.
قال الله
تعالى رادًا عليهم: ( قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ
الأرْضُ مِنْهُمْ ) أي:ما تأكل من أجسادهم في
البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان؟ وأين ذهبت؟ وإلى أين صارت؟ (
وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ) أي:حافظ لذلك، فالعلم شامل،
والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة.
قال
العوْفِي، عن ابن عباس في قوله: ( قَدْ
عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ ) أي:ما
تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك،
وغيرهم.
ثم بين
تعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد فقال: ( بَلْ
كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ )
أي:وهذا حال كل من خرج عن الحق، مهما قال بعد ذلك فهو باطل. والمريج:المختلف
المضطرب الملتبس المنكر خلاله، كقوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ *
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [ الذاريات:8 ، 9 ] .
أَفَلَمْ
يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا
لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ( 6 )
وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 )
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 )
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ
وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 )
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 )
رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 )
يقول
تعالى منبها للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا
مستبعدين لوقوعه: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى
السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ) ؟
أي:بالمصابيح، ( وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) . قال
مجاهد:يعني من شقوق. وقال غيره:فتوق. وقال غيره:من صدوع. والمعنى متقارب، كقوله
تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ
الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ
ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ
حَسِيرٌ [ الملك:3 ، 4 ]
أي:كليل، أي:عن أن يرى عيبًا أو نقصًا.
وقوله: (
وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا ) أي:وسعناها وفرشناها، (
وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) وهي:الجبال؛ لئلا تميد بأهلها
وتضطرب؛ فإنها مُقَرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، (
وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أي:من
جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذاريات:49 ] ،
وقوله: ( بهيج ) أي:حسن نضر.
(
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ )
أي:ومشاهدة خلق السموات [ والأرض ] وما
جعل [ الله ] فيهما من الآيات العظيمة
تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب، أي:خاضع خائف وجل رَجَّاع إلى الله عز وجل.
وقوله
تعالى: ( وَنـزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا )
أي:نافعًا، ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ )
أي:حدائق من بساتين ونحوها، ( وَحَبَّ الْحَصِيدِ )
وهو:الزرع الذي يراد لحبه وادخاره.
(
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) أي:طوالا شاهقات. وقال ابن
عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم:الباسقات الطوال. ( لَهَا
طَلْعٌ نَضِيدٌ ) أي:منضود. (
رِزْقًا لِلْعِبَادِ ) أي:للخلق، (
وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا )
وهي:الأرض التي كانت هامدة، فلما نـزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج
بهيج، من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات
بها، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله
الموتى. وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث كقوله
تعالى: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [
غافر:57 ] ، وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ
يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [
الأحقاف:33 ] ، وقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ
خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [
فصلت:39 ] .
كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 )
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ( 13 )
وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ
( 14 )
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 )
يقول تعالى متهددا لكفار قريش
بما أحله بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم، من النقمات والعذاب
الأليم في الدنيا، كقوم نوح وما عذبهم الله به من الغرق العام لجميع أهل الأرض،
وأصحاب الرس وقد تقدمت قصتهم في سورة «
الفرقان » ( وَثَمُودُ * وَعَادٌ
وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ) ، وهم أمته الذين بعث إليهم
من أهل سدوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة
منتنة خبيثة؛ بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق.
(
وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ ) وهم قوم شعيب عليه السلام، (
وَقَوْمُ تُبَّعٍ ) وهو اليماني. وقد ذكرنا من
شأنه في سورة الدخان ما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد.
( كُلٌّ
كَذَّبَ الرُّسُلَ ) أي:كل من هذه الأمم وهؤلاء
القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل، كقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ
نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء:105 ] ،
وإنما جاءهم رسول واحد، فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم، (
فَحَقَّ وَعِيدِ ) أي:فحق عليهم ما أوعدهم الله،
على التكذيب من العذاب والنكال فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم فإنهم قد
كذبوا رسولهم كما كذب أولئك.
وقوله: (
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ )
أي:أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة، ( بَلْ
هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ )
والمعنى:أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه، كما قال تعالى: وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [
الروم:27 ] ، وقال الله تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ
خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي
أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [
يس:78- 79 ] ، وقد تقدم في الصحيح: « يقول
الله تعالى:يؤذيني ابن آدم، يقول:لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي
من إعادته » .
وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16 ) إِذْ
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ( 17 ) مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) وَجَاءَتْ
سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 19 )
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ( 20 )
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 )
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ
الْيَوْمَ حَدِيدٌ ( 22 )
يخبر
تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعمله محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى
يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت
به أنفسها ما لم تقل أو تعمل » .
وقوله: (
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )
يعني:ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله على العلم
فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن
اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل:وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: (
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) كما
قال في المحتضر: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [
الواقعة:85 ] ، يعني ملائكته. وكما قال [
تعالى ] : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ [ الحجر:9 ] ،
فالملائكة نـزلت بالذكر - وهو القرآن- بإذن الله، عز وجل. وكذلك الملائكة أقرب إلى
الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله لهم على ذلك، فللملك لَمّة في الإنسان كما
أن للشيطان لمة وكذلك: « الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
الدم » ، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: ( إِذْ
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ) يعني:الملكين اللذين يكتبان
عمل الإنسان. ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ
الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) أي:مترصد .
( مَا
يَلْفِظُ ) أي:ابن آدم ( مِنْ
قَوْلٍ ) أي:ما يتكلم بكلمة ( إِلا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) أي:إلا ولها من يراقبها معتد
لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ
لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [
الانفطار:10 - 12 ] .
وقد اختلف
العلماء:هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما
فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: ( مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )
وقد قال
الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن
جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له
بها رضوانه إلى يوم يلقاه . وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ
ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه » .
قال:فكان علقمة يقول:كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث.
ورواه
الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن عمرو به . وقال الترمذي:حسن صحيح.
وله شاهد في الصحيح .
وقال الأحنف
بن قيس:صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة
قال له:أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها. رواه ابن أبي
حاتم.
وقال
الحسن البصري وتلا هذه الآية: ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ
الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) :يا ابن آدم، بُسطت لك صحيفة،
ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ
حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر حتى إذا مت
طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول:
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ
الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [ الإسراء:13 ، 14 ] ثم
يقول:عدل - والله- فيك من جعلك حسيب نفسك.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ
إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) قال:يكتب كل ما تكلم به من
خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: « أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت
» ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان
فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ
وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [
الرعد:39 ] ، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس
أنه قال:يكتب الملك كل شيء حتى الأنين. فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله .
وقوله: (
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ، يقول
تعالى:وجاءت - أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، أي:كشفت لك عن اليقين الذي كنت
تمتري فيه، ( ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) أي:هذا
هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص.
وقد
اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: (
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ،
فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل:الكافر، وقيل:غير ذلك.
وقال أبو
بكر بن أبي الدنيا:حدثنا إبراهيم بن زياد - سَبَلان- أخبرنا عَبَّاد بن عَبَّاد عن
محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص أن عائشة، رضي الله عنها،
قالت:حضرت أبي وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشيةٌ فتمثلت ببيت من الشعر:
مــن لا يــزال دمعــه مُقَنَّعــا فإنــه لا بــــد مــــرةً
مدقوق
قالت:فرفع
رأسه فقال:يا بنية، ليس كذلك ولكن كما قال تعالى: (
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) .
وحدثنا
خلف بن هشام؛ حدثنا أبو شهاب [ الخياط ] ، عن
إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي قال:لما أن ثقل أبو بكر ، رضي الله عنه، جاءت
عائشة، رضي الله عنها، فتمثلت بهذا البيت:
لعمـرك
مـا يغنـي الـثراء عن الفتى إذا حشـرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن
وجهه وقال:ليس كذلك، ولكن قولي: (
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) وقد
أوردت لهذا الأثر طرقا [ كثيرة ] في
سيرة الصديق عند ذكر وفاته، رضي الله عنه.
وقد ثبت
في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم:لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه
ويقول: « سبحان الله! إن للموت لسكرات » . وفي
قوله: ( ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) قولان:
أحدهما:أن
« ما » هاهنا موصولة، أي:الذي كنت منه
تحيد - بمعنى:تبتعد وتنأى وتفر- قد حل بك ونـزل بساحتك.
والقول
الثاني:أن « ما » نافية بمعنى:ذلك ما كنت تقدر
على الفرار منه ولا الحيد عنه.
وقد قال
الطبراني في المعجم الكبير:حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص بن عمر
الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهُذَلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سَمُرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مثل
الذي يفر من الموت مثل الثعلب، تطلبه الأرض بدَيْن، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر
دخل جحره، فقالت له الأرض:يا ثعلب، ديني. فخرج وله حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت
عنقه ومات » .
ومضمون
هذا المثل:كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت.
وقوله: (
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) . قد
تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث ، وذلك يوم القيامة.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كيف
أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له » .
قالوا:يا رسول الله كيف نقول؟ قال: « قولوا
حسبنا الله ونعم الوكيل » . فقال القوم:حسبنا الله ونعم
الوكيل.
(
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) أي:ملك
يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو الظاهر من الآية الكريمة. وهو
اختيار ابن جرير، ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن رافع - مولى
لثقيف- قال:سمعت عثمان بن عفان يخطب ، فقرأ هذه الآية: (
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) ،
فقال:سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت. وكذا قال مجاهد، وقتادة،
وابن زيد.
وقال
مُطَرِّف، عن أبي جعفر - مولى أشجع- عن أبي هريرة:السائق:الملك والشهيد:العمل.
وكذا قال الضحاك والسدي.
وقال
العَوْفي عن ابن عباس:السائق من الملائكة، والشهيد:الإنسان نفسه، يشهد على نفسه.
وبه قال الضحاك بن مُزاحِم أيضا.
وحكى ابن
جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله: (
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ
الْيَوْمَ حَدِيدٌ )
أحدها:أن
المراد بذلك الكافر. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وبه يقول الضحاك بن مزاحم
وصالح بن كيسان.
والثاني:أن
المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة والدنيا
كالمنام. وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
والثالث:أن
المخاطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. وبه يقول زيد بن أسلم، وابنه. والمعنى على
قولهما:لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنـزاله
إليك، فبصرك اليوم حديد.
والظاهر من
السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله: (
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا )
يعني:من هذا اليوم، ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ
غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )
أي:قوي؛ لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرا، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم
القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك. قال الله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ
وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [
مريم:38 ] ، وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو
رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا
نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [
السجدة:12 ] .
وَقَالَ
قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ( 23 )
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ( 24 )
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ( 25 ) الَّذِي
جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ( 26 )
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ( 27 )
قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) مَا
يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ( 29 )
يقول
تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم:أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل
ويقول: ( هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ )
أي:معتد محضر بلا زيادة ولا نقصان.
وقال
مجاهد:هذا كلام الملك السائق يقول:هذا ابن آدم الذي وكلتني به، قد أحضرته.
وقد
اختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة.
فعند ذلك
يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: (
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) .
وقد
اختلف النحاة في قوله: ( ألقيا ) فقال بعضهم:هي
لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول:يا حرسي،
اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه اللغة قول الشاعر:
فإن
تزجراني - يا ابن عفان- أنـزجر وإن تتركـاني أحـم عرضـا ممنعـا
وقيل:بل هي
نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر
أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد
عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير.
(
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ )
أي:كثير الكفر والتكذيب بالحق، ( عنيد ) :معاند
للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. (
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ) أي:لا يؤدي ما عليه من
الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، ( معتد )
أي:فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد.
وقال
قتادة:معتد في منطقه وسيرته وأمره.
( مريب ) أي:شاك
في أمره، مريب لمن نظر في أمره.
(
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ )
أي:أشرك بالله فعبد معه غيره، ( فَأَلْقِيَاهُ فِي
الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ) . وقد تقدم في الحديث:أن
عنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق:إني وكلت بثلاثة، بكل جبار،
ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى عليهم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا معاوية - هو ابن هشام- حدثنا شيبان، عن فِراس عن عطية ، عن أبي
سعيد الخدري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « يخرج
عنق من النار يتكلم، يقول:وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر،
ومن قتل نفسا بغير نفس . فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم » .
( قَالَ
قَرِينُهُ ) :قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم:هو الشيطان الذي وكل
به: ( رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ )
أي:يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: (
رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ) أي:ما أضللته، (
وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي:بل
كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندًا للحق. كما أخبر تعالى في الآية الأخرى
في قوله: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ
وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ
سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا
أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي
كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ [ إبراهيم:22 ] .
وقوله: ( قَالَ
لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) يقول الرب عز وجل للإنسي
وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق فيقول الإنسي:يا رب، هذا أضلني عن
الذكر بعد إذ جاءني. ويقول الشيطان: (
رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) أي:عن
منهج الحق. فيقول الرب عز وجل لهما: ( لا
تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) أي:عندي، (
وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) أي:قد
أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنـزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات
والبراهين.
( مَا
يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ) قال مجاهد:يعني قد قضيت ما
أنا قاض، ( وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) أي:لست
أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه.
يَوْمَ
نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( 30 )
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 )
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ
خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 )
ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ( 34 )
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( 35 )
يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم
القيامة:هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه
يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى وهي تقول: ( هَلْ
مِنْ مَزِيدٍ ) أي:هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه
تدل الأحاديث:
قال البخاري عند تفسير هذه
الآية:حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا حَرَمي بن عُمَارة حدثنا شعبة، عن
قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يُلقَى
في النار، وتقول:هل من مزيد، حتى يضع قدمه فيها، فتقول قط قط » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تزال جهنم يلقى فيها وتقول:هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينـزوي بعضها
إلى بعض، وتقول:قط قط، وعزتك وكَرَمِك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها
خلقا آخر فيسكنهم في فضول الجنة » .
ثم رواه مسلم من حديث قتادة،
بنحوه . ورواه أبان العطار وسليمان التيمي، عن قتادة، بنحوه .
حديث آخر:قال البخاري:حدثنا
محمد بن موسى القطان، حدثنا أبو سفيان الحميري سعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عَوْف،
عن محمد عن أبي هريرة - رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان- : « يقال
لجهنم:هل امتلأت، وتقول:هل من مزيد، فيضع الرب، عز وجل، قدمه عليها ، فتقول:قط قط
» .
رواه أيوب وهشام بن حسان عن
محمد بن سيرين، به .
طريق أخرى:قال البخاري:وحدثنا
عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال:قال
النبي صلى الله عليه وسلم: « تحاجت الجنة والنار، فقالت
النار:أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة:ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس
وسقطهم. قال الله، عز وجل، للجنة:أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال
للنار:إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما
النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول:قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض ولا
يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا آخر » .
حديث آخر:قال مسلم في
صحيحه:حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « احتجت
الجنة والنار، فقالت النار:فيَّ الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة:فيَّ ضعفاء
الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة:إنما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من
عبادي. وقال للنار:إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما
ملؤها » انفرد به مسلم دون البخاري من هذا الوجه. والله، سبحانه
وتعالى، أعلم.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق
أخرى، عن أبي سعيد بأبسط من هذا السياق فقال:
حدثنا حسن وروح قالا حدثنا حماد
بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد
الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « افتخرت
الجنة والنار، فقالت النار:يا رب، يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف.
وقالت الجنة:أي رب، يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين. فيقول الله، عز وجل،
للنار:أنت عذابي، أصيب بك من أشاء. وقال للجنة:أنت رحمتي، وسعت كل شيء، ولكل واحدة
منكما ملؤها، فيلقى في النار أهلها فتقول:هل من مزيد؟ قال:ويلقى فيها وتقول:هل من
مزيد؟ ويلقى فيها وتقول:هل من مزيد؟ حتى يأتيها عز وجل، فيضع قدمه عليها، فتزوي
وتقول:قدني، قدني. وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى، فينشئ الله لها
خلقا ما يشاء » .
حديث آخر:وقال الحافظ أبو يعلى
في مسنده:حدثنا عقبة بن مُكْرَم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عُدي
بن ثابت، عن زِرِّ بن حُبَيْش، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « يعرفني الله، عز وجل، نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى
بها عني، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على
الصراط - مضروب بين ظهراني جهنم- فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود
الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو، وهي الأعمال. وجهنم تسأل المزيد، حتى يضع فيها
قدمه، فينـزوي بعضها إلى بعض وتقول:قط قط! وأنا على الحوض » .
قيل:وما الحوض يا رسول الله؟ قال: « والذي
نفسي بيده، إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحا
من المسك. وآنيته أكثر من عدد النجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدا، ولا يصرف
فيروى أبدا » . وهذا القول هو اختيار ابن جرير.
وقد قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الحمَّاني عن نضر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس، (
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) قال:ما
امتلأت، قال:تقول:وهل في من مكان يزاد في.
وكذا روى الحكم بن أبان عن
عكرمة: ( وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) :وهل
في مدخل واحد، قد امتلأت.
[ و ] قال
الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم أنه سمع مجاهدًا يقول:لا يزال يقذف فيها حتى
تقول:قد امتلأت فتقول:هل [ فيَّ ] من
مزيد؟ وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو هذا.
فعند هؤلاء أن قوله تعالى: ( هَلِ
امْتَلأتِ ) ، إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه، فتنـزوي وتقول حينئذ:هل بقي
في [ من ] مزيد؟ يسع شيئا.
قال العوفي، عن ابن عباس:وذلك
حين لا يبقى فيها موضع [ يسع ] إبرة.
فالله أعلم.
وقوله: (
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ) :قال
قتادة، وأبو مالك، والسدي: ( أُزْلِفَتِ ) أدنيت
وقربت من المتقين، ( غَيْرَ بَعِيدٍ ) وذلك
يوم القيامة، وليس ببعيد؛ لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت آت.
( هَذَا
مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ )
أي:رجاع تائب مقلع، ( حفيظ )
أي:يحفظ العهد فلا ينقضه و [ لا ] ينكثه.
وقال عبيد بن
عمير:الأواب:الحفيظ الذي لا يجلس مجلسًا [
فيقوم ] حتى يستغفر الله، عز وجل.
( مَنْ
خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ) أي:من خاف الله في سره حيث لا
يراه أحد إلا الله. كقوله [ عليه السلام ] « ورجل
ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه » .
(
وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) أي:ولقي الله يوم القيامة
بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه.
(
ادْخُلُوهَا ) أي:الجنة (
بِسَلامٍ ) ، قال قتادة:سلموا من عذاب الله، وسلم عليهم ملائكة الله.
وقوله: (
ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ) أي:يخلدون في الجنة فلا
يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا، ولا يبغون عنها حولا.
وقوله: (
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ) أي:مهما اختاروا وجدوا من أي
أصناف الملاذ طلبوا أحضر لهم.
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
زُرْعَة، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بَقِيَّة، عن بَحِير بن سعد، عن خالد بن
مَعْدان، عن كثير بن مُرَّة قال:من المزيد أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول:ماذا
تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم. قال كثير:لئن أشهدني الله ذلك
لأقولن:أمطرينا جواري مزينات.
وفي الحديث عن ابن مسعود أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: « إنك
لتشتهي الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويا » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا علي بن
عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن عامر الأحول، عن أبي الصديق ، عن أبي
سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
اشتهى المؤمن الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسِنّه في ساعة واحدة » .
ورواه الترمذي وابن ماجه، عن
بُنْدار، عن معاذ بن هشام، به وقال الترمذي:حسن غريب، وزاد « كما
يشتهي » .
وقوله: (
وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) كقوله تعالى: لِلَّذِينَ
أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [
يونس:26 ] . وقد تقدم في صحيح مسلم عن صُهَيب بن سنان الرومي:أنها
النظر إلى وجه الله الكريم. وقد روى البزار وابن أبي حاتم، من حديث شريك القاضي،
عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قوله عز وجل: (
وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) قال:يظهر لهم الرب، عز وجل،
في كل جمعة .
وقد رواه الإمام أبو عبد الله
الشافعي مرفوعًا فقال في مسنده:أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني موسى بن عبيدة،
حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبد الله بن عبيد بن عمير أنه سمع
أنس بن مالك يقول:أتى جبرائيل بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: « ما هذه؟ »
فقال:هذه الجمعة، فُضّلتَ بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى،
ولكم فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا استجيب له، وهو
عندنا يوم المزيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا
جبريل، وما يوم المزيد؟ » قال:إن ربك اتخذ في الفردوس
واديا أفيح فيه كثب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنـزل الله ما شاء من ملائكته،
وحوله منابر من نور، عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب، مكللة
بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب،
فيقول الله عز وجل:أنا ربكم، قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم. فيقولون:ربنا، نسألك
رضوانك، فيقول:قد رضيت عنكم، ولكم علي ما تمنيتم، ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة
لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق
آدم، وفيه تقوم الساعة.
[ و ] هكذا
أورده الإمام الشافعي في كتاب « الجمعة » من الأم
، وله طرق عن أنس بن مالك، رضي الله عنه. وقد أورد ابن جرير هذا من رواية عثمان بن
عمير، عن أنس بأبسط من هذا وذكر هاهنا أثرًا مطولا عن أنس بن مالك موقوفًا وفيه
غرائب كثيرة .
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن،
حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا دَراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « إن الرجل في الجنة ليتكئ في
الجنة سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكبه فينظر وجهه في خدها
أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب. فتسلم عليه،
فيرد السلام، فيسألها:من أنت؟ فتقول:أنا من المزيد. وإنه ليكون عليها سبعون حلة،
أدناها مثل النعمان، من طوبى، فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن
عليها من التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب » .
وهكذا رواه عبد الله بن وهب، عن
عمرو بن الحارث، عن دراج، به .
وَكَمْ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا
فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ( 36 )
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ
وَهُوَ شَهِيدٌ ( 37 )
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 )
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( 39 )
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ( 40 )
يقول
تعالى:وكم أهلكنا قبل هؤلاء المنكرين : ( مِنْ
قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا )
أي:كانوا أكثر منهم وأشد قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها؛ ولهذا قال
هاهنا: ( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) قال
ابن عباس:أثروا فيها. وقال مجاهد: (
فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ ) :ضربوا في الأرض. وقال قتادة:فساروا
في البلاد، أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكاسب أكثر مما طفتم أنتم
فيها ويقال لمن طوف في البلاد:نقب فيها. قال امرؤ القيس:
لقــد
نَقَّبْــتُ فـي الآفـاق حَـتّى رضيــتُ مــن الغَنِيمـة بالإيَـابِ
وقوله: ( هَلْ
مِنْ مَحِيصٍ ) أي:هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما
جمعوه ورد عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضًا لا مفر لكم ولا
محيد ولا مناص ولا محيص.
وقوله: ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ) أي:لعبرة (
لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) أي:لُبٌّ يَعِي به. وقال
مجاهد:عقل ( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ )
أي:استمع الكلام فوعاه، وتعقله بقلبه وتفهمه بلبه.
وقال
مجاهد: ( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ )
يعني:لا يحدث نفسه بغيره، ( وَهُوَ شَهِيدٌ )
وقال:شاهد بالقلب .
وقال
الضحاك:العرب تقول:ألقى فلان سمعه:إذا استمع بأذنيه وهو شاهد يقول غير غائب. وهكذا
قال الثوري وغير واحد.
وقوله: (
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ
أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ) :فيه
تقرير المعاد؛ لأن من قدر على خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن
يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى.
وقال
قتادة:قالت اليهود - عليهم لعائن الله- :خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ثم
استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنـزل الله
تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: ( وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ
) أي:من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ
يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الأحقاف:33 ] ، وكما
قال: لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [
غافر:57 ] وقال أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
[ النازعات:27 ] .
وقوله: (
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) يعني:المكذبين، اصبر عليهم
واهجرهم هجرًا جميلا ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) ،
وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل
الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى
أمته حولا ثم نسخ في حق الأمة وجوبه. ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء
بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.
وقد قال
الإمام أحمد:حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير
بن عبد الله قال:كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة
البدر فقال: « أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر، لا
تضامون فيه، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا
» ثم قرأ: ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ )
ورواه
البخاري ومسلم وبقية الجماعة، من حديث إسماعيل، به .
وقوله: (
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) أي:فصل له، كقوله: وَمِنَ
اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا مَحْمُودًا [ الإسراء:79 ] .
(
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) قال ابن أبي نَجِيح، عن
مجاهد، عن ابن عباس:هو التسبيح بعد الصلاة.
ويؤيد
هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال:جاء فقراء المهاجرين فقالوا:يا رسول
الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلَى والنعيم المقيم. فقال: « وما
ذاك؟ » قالوا:يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا
نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! قال: « أفلا أعلمكم شيئًا إذا
فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون
وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين » . قال:فقالوا:يا
رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. قال: « ذلك
فضل الله يؤتيه من يشاء » .
والقول
الثاني:أن المراد بقوله: ( وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) هما
الركعتان بعد المغرب، روي ذلك عن عمر وعلي، وابنه الحسن وابن عباس، وأبي هريرة،
وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنَّخَعِي والحسن، وقتادة وغيرهم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرَة،
عن علي قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين
إلا الفجر والعصر. وقال عبد الرحمن:دبر كل صلاة.
ورواه
أبو داود والنسائي، من حديث سفيان الثوري، به . زاد النسائي:ومطرف، عن أبي إسحاق،
به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن فضيل، عن رشدين بن كريب، عن
أبيه، عن ابن عباس قال:بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين
خفيفتين، اللتين قبل الفجر. ثم خرج إلى الصلاة فقال: « يا ابن
عباس، ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب إدبار السجود » .
ورواه
الترمذي عن أبي هشام الرفاعي، عن محمد بن فضيل، به . وقال:غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه.
وحديث
ابن عباس، وأنه بات في بيت خالته ميمونة وصلى تلك الليلة مع النبي صلى الله عليه
وسلم ثلاث عشرة ركعة، ثابت في الصحيحين وغيرهما، فأما هذه الزيادة فغريبة [ و ] لا
تعرف إلا من هذا الوجه، ورِشْدِين بن كُرَيْب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفا
عليه، والله أعلم.
وَاسْتَمِعْ
يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ( 41 )
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ( 42 )
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ( 43 )
يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ( 44 )
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ
بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ( 45 )
يقول
تعالى: ( وَاسْتَمِعْ ) يا
محمد ( يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ) قال
قتادة:قال كعب الأحبار:يأمر الله [
تعالى ] ملكا أن ينادي على صخرة بيت المقدس:أيتها العظام البالية،
والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
(
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ )
يعني:النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون. (
ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) أي:من الأجداث.
(
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ) أي:هو
الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا
بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
وقوله: (
يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ) :وذلك
أن الله تعالى ينـزل مطرًا من السماء تنبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت
الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، وقد
أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل فيه خرجت الأرواح تتوهج بين
السماء والأرض، فيقول الله، عز وجل:وعزتي وجلالي، لترجعن كل روح إلى الجسد الذي
كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ وتنشق الأرض
عنهم، فيقومون إلى موقف الحساب سراعا، مبادرين إلى أمر الله، عز وجل، مُهْطِعِينَ
إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ [
القمر:8 ] ، وقال الله تعالى: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ
بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا [
الإسراء:52 ] ، وفي صحيح مسلم عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أنا أول من تنشق عنه الأرض » .
وقوله: (
ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ) أي:تلك
إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ
كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر:50 ] ، وقال
تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ لقمان:28 ] .
وقوله: (
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) أي:نحن
علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك ذلك، كقوله [
تعالى ] : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا
يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [
الحجر:97 - 99 ] .
وقوله: ( وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) أي:ولست بالذي تجبر هؤلاء على
الهدى، وليس ذلك ما كلفت به.
وقال
مجاهد، وقتادة، والضحاك: ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِجَبَّارٍ ) أي:لا تتجبر عليهم.
والقول
الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال:ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال: ( وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) بمعنى:وما أنت بمجبرهم على
الإيمان إنما أنت مبلغ.
قال
الفراء:سمعت العرب تقول:جبر فلان فلانا على كذا ، بمعنى أجبره .
ثم قال
تعالى: ( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) أي:بلغ
أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله [
تعالى ] : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [
الرعد:40 ] ، وقوله: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ
عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [ الغاشية:21، 22 ] ،
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [
البقرة:272 ] ، إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [ القصص:56 ] ،
ولهذا قال هاهنا: ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ
بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ) كان
قتادة يقول:اللهم، اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا بار، يا رحيم.
آخر
تفسير سورة ( ق ) ، والحمد لله وحده، وحسبنا
الله ونعم الوكيل
تفسير سورة الذاريات
وهي
مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا ( 1 )
فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ( 2 )
فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ( 3 )
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ( 4 )
إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ( 5 )
وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ( 6 )
قال شعبة بن الحجاج، عن سِمَاك،
عن خالد بن عَرْعَرَة أنه سمع عليا وشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن أبي
الطُّفَيْل، سمع عليًا. وثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب:أنه صعد منبر الكوفة فقال:لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن
رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال:يا أمير المؤمنين، ما
معنى قوله تعالى: ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ) ؟
قال:الريح [ قال ] : (
فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا ) ؟ قال:السحاب. [ قال
] : ( فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ) ؟
قال:السفن. [ قال ] : (
فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ) ؟ قال:الملائكة .
وقد روي في ذلك حديث مرفوع،
فقال الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار،
حدثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال:جاء صَبِيغ
التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال:يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ( الذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا ) ؟ فقال:هي الرياح، ولولا أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقوله ما قلته. قال:فأخبرني عن (
الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ) قال:هي الملائكة، ولولا أني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. قال:فأخبرني عن (
الْجَارِيَاتِ يُسْرًا ) قال:هي السفن، ولولا أني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت،
فلما برأ [ دعا به و ] ضربه
مائة أخرى، وحمله على قَتَب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري:امنع الناس من مجالسته.
فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد
شيئا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر:ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة
الناس.
قال أبو بكر البزار:فأبو بكر بن
أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث .
قلت:فهذا الحديث ضعيف رفعه،
وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبِيغ بن عسل مشهورة مع عمر ، وإنما
ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه
القصة في ترجمة صبيغ مطولة . وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن
جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير
ذلك.
وقد قيل:إن المراد
بالذاريات:الريح كما تقدم وبالحاملات وقرًا:السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء،
كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وَأسْــلَمْتُ
نَفْســي لمَــنْ أسْـلَمَتْ لَــهُ المــزْنُ تَحْــمِلُ عَذْبـا زُلالا
فأما الجاريات يسرًا، فالمشهور
عن الجمهور - كما تقدم- :أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا. وقال
بعضهم:هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى
ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا الملائكة
فوق ذلك، تنـزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله عز جل على وقوع
المعاد؛ ولهذا قال: ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ
لَصَادِقٌ ) أي:لخبر صدق، (
وَإِنَّ الدِّينَ ) ، وهو:الحساب ( لواقع
) أي:لكائن لا محالة.
وَالسَّمَاءِ
ذَاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) إِنَّكُمْ
لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 )
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 )
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ( 10 )
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ( 11 )
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ( 12 )
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 )
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 14 )
ثم قال:
( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ) قال
ابن عباس:ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن
جُبَيْر، وأبو مالك ، وأبو صالح، والسدي، وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقال
الضحاك، والمِنْهَال بن عمرو، وغيرهما:مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته
الريح، فينسج بعضه بعضا طرائق [ طرائق ] ، فذلك
الحبك.
قال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن
رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه
قال: « إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حُبُك حُبُك
» يعني بالحبك:الجعودة .
وعن أبي
صالح: ( ذَاتِ الْحُبُكِ )
:الشدة. وقال خصيف: ( ذَاتِ الْحُبُكِ ) :ذات
الصفافة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ( ذَاتِ
الْحُبُكِ ) :حبكت بالنجوم.
وقال
قتادة:عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد
الله بن عمرو: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ
الْحُبُكِ ) :يعني:السماء السابعة.
وكأنه -
والله أعلم- أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء
الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى
شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ، فإنها من حسنها
مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم
الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات.
وقوله: (
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ )
أي:إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع.
وقال
قتادة:إنكم لفي قول مختلف، [ يعني ] ما بين
مصدق بالقرآن ومكذب به.
( يُؤْفَكُ
عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) أي:إنما يروج على من هو ضال
في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال
غَمْر، لا فهم له، كما قال تعالى: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ
عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [
الصافات:161 - 163 ] .
قال ابن
عباس، والسدي: ( يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ
) :يضل عنه من ضل. وقال مجاهد: (
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) يؤفن عنه من أفن. وقال الحسن
البصري:يصرف عن هذا القرآن من كذب به.
وقوله: (
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) قال مجاهد:الكذابون. قال:وهي
مثل التي في عبس: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [
عبس:17 ] ، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ) أي:لعن
المرتابون.
وهكذا
كان معاذ، رضي الله عنه، يقول في خطبه:هلك المرتابون. وقال قتادة:الخراصون أهل
الغرة والظنون.
وقوله: (
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ) :قال
ابن عباس وغير واحد:في الكفر والشك غافلون لاهون.
(
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ) :وإنما
يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا. قال الله تعالى: (
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) .
قال ابن
عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: (
يفتنون ) :يعذبون [ قال مجاهد ] :كما
يفتن الذهب على النار.
وقال
جماعة آخرون كمجاهد أيضا، وعكرمة، وإبراهيم النَّخَعِي، وزيد بن أسلم، وسفيان
الثوري: ( يفتنون ) :يحرقون.
(
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ) :قال مجاهد:حريقكم. وقال
غيره:عذابكم. ( هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تَسْتَعْجِلُونَ ) :أي:يقال لهم ذلك تقريعًا
وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.
إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 )
آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 )
كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ( 17 )
وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 )
وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 )
وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ( 21 )
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ( 22 )
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ
تَنْطِقُونَ ( 23 )
يقول
تعالى مخبرا عن المتقين لله، عز وجل:إنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف
ما تَنْطِقُونَ قياء فيه من العذاب والنكال، والحريق والأغلال.
وقوله: (
آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ) :قال
ابن جرير:أي عاملين بما آتاهم الله من الفرائض. (
إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ) أي:قبل
أن يفرض عليهم الفرائض. كانوا محسنين في الأعمال أيضا. ثم روى عن ابن حميد، حدثنا
مهْرَان، عن سفيان، عن أبي عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله: (
آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ) قال:من
الفرائض، ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ) :قبل
الفرائض يعملون. وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس. وقد رواه عثمان بن أبي
شيبة، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، عن سعيد
بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله: (
آَخِذِينَ ) حال من قوله: ( فِي
جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) :فالمتقون في حال كونهم في
الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم ، أي:من النعيم والسرور والغبطة.
وقوله :
( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ ) أي:في
الدار الدنيا ( محسنين ) ،
كقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ
الْخَالِيَةِ [ الحاقة:24 ] ثم إنه
تعالى بَيَّن إحسانهم في العمل فقال: (
كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ،
اختلف المفسرون في ذلك على قولين:
أحدهما:أن
« ما » نافية، تقديره:كانوا قليلا من
الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس:لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئا.
وقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله:قلَّ ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها لله، عز وجل،
إما من أولها وإما من أوسطها. وقال مجاهد:قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا
يتهجدون. وكذا قال قتادة. وقال أنس بن مالك، وأبو العالية:كانوا يصلون بين المغرب
والعشاء. وقال أبو جعفر الباقر، كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.
والقول
الثاني:أن « ما » مصدرية، تقديره:كانوا قليلا من
الليل هجوعهم ونومهم. واختاره ابن جرير. وقال الحسن البصري: (
كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ )
:كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى
كان الاستغفار بسحر. وقال قتادة:قال الأحنف بن قيس: (
كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) :كانوا
لا ينامون إلا قليلا ثم يقول:لست من أهل هذه الآية. وقال الحسن البصري:كان الأحنف
بن قيس يقول:عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونًا بعيدا، إذا
قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وعرضت عملي على عمل أهل
النار فإذا قوم لا خير فيهم يكذبون بكتاب الله وبرسل الله، يكذبون بالبعث بعد
الموت، فوجدت من خيرنا منـزلة قومًا خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
وقال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم:قال رجل من بني تميم لأبي:يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا،
ذكر الله قوما فقال: ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) ، ونحن والله قليلا من الليل
ما نقوم. فقال له أبي:طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ.
وقال عبد
الله بن سلام:لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفل الناس إليه،
فكنت فيمن انجفل. فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رَجُل كذاب، فكان أول ما
سمعته يقول: « يا أيها الناس، أطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وأفشوا
السلام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي
عبد الرحمن الحُبُلى، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن في
الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها » . فقال
أبو موسى الأشعري:لمن هي يا رسول الله؟ قال: « لمن
ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائما، والناس نيام » .
وقال
مَعْمَر في قوله: ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) :كان الزهري والحسن يقولان:
كانوا كثيرا من الليل ما يصلون.
وقال ابن
عباس، وإبراهيم النَّخَعِي: ( كَانُوا قَلِيلا مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) :ما ينامون.
وقال
الضحاك: ( إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا
قَلِيلا ) ثم ابتدأ فقال: ( مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .
وقوله عز
وجل: ( وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) . قال
مجاهد، وغير واحد:يصلون. وقال آخرون:قاموا الليل، وأخروا الاستغفار إلى الأسحار.
كما قال تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ [ آل
عمران:17 ] ، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح
وغيرها عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن
الله ينـزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول:هل من تائب
فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر » .
وقال
كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارا عن يعقوب:أنه قال لبنيه: سَوْفَ
أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [ يوسف 98 ]
قالوا:أخرهم إلى وقت السحر.
وقوله: ( وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) :لما
وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال: ( وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ ) أي:جزء مقسوم قد أفرزوه (
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) ، أما السائل فمعروف، وهو
الذي يبتدئ بالسؤال، وله حق، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا
وَكِيع وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن
فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « للسائل
حق وإن جاء على فرس » .
ورواه
أبو داود من حديث سفيان الثوري، به ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب . وروي
من حديث الهِرْماس بن زياد مرفوعا .
وأما (
المحروم ) ، فقال ابن عباس، ومجاهد:هو المحارف الذي ليس له في الإسلام
سهم. يعني:لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها.
وقالت أم
المؤمنين عائشة:هو المحارَف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه. وقال الضحاك:هو الذي لا
يكون له مال إلا ذهب، قضى الله له ذلك.
وقال أبو
قِلابَة:جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة:هذا المحروم.
وقال ابن
عباس أيضا، وسعيد بن المسيَّب، وإبراهيم النخعي، ونافع - مولى ابن عمر- وعطاء بن
أبي رباح ( المحروم ) :المحارف.
وقال
قتادة، والزهري: ( الْمَحْرُوم ) :الذي
لا يسأل الناس شيئا، قال الزهري وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليس
المسكين بالطوَّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين
الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه » .
وهذا
الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر .
وقال
سعيد بن جبير:هو الذي يجيء وقد قُسِّم المغنم، فيرضخ له.
وقال
محمد بن إسحاق:حدثني بعض أصحابنا قال:كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة فجاء
كلب فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه، وقال:يقولون:إنه المحروم.
وقال
الشعبي:أعياني أن أعلم ما المحروم.
واختار
ابن جرير أن المحروم: [ هو ] الذي
لا مال له بأي سبب كان، قد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله
أو نحوه بآفة أو نحوها.
وقال
الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث
سرية فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة فنـزلت هذه الآية: ( وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) .
وهذا
يقتضي أن هذه مدنية، وليس كذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها.
وقوله: ( وَفِي
الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ) أي:فيها من الآيات الدالة على
عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد
والجبال، والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه
من الإرادات والقوى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة
والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج
إليه فيه؛ ولهذا قال: ( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا
تُبْصِرُونَ ) :قال قتادة:من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت
مفاصله للعبادة.
ثم قال:
( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ )
يعني:المطر، ( وَمَا تُوعَدُونَ )
يعني:الجنة. قاله ابن عباس، ومجاهد وغير واحد.
وقال
سفيان الثوري:قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ( وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ )
فقال:ألا إني أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث [
فيها ] ثلاثا لا يصيب شيئا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو
بِدَوْخَلَة من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل
ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما .
وقوله: (
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
) يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة
والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا
في نطقكم حين تنطقون. وكان معاذ، رضي الله عنه، إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه:إن هذا
لحق كما أنك هاهنا.
قال
مسدد، عن ابن أبي عَدِيّ، عن عَوْف، عن الحسن البصري قال:بلغني أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « قاتل الله أقوامًا أقسم لهم
ربهم ثم لم يصدقوا » .
ورواه
ابن جرير، عن بُنْدَار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، فذكره مرسلا .
هَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ
دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 )
فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 )
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ ( 27 )
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 )
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ
عَقِيمٌ ( 29 )
قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 )
هذه القصة قد تقدمت في سورة « هود » و « الحجر
» أيضا. وقوله: ( هَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ )
أي:الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب
الضيافة للنـزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنـزيل.
وقوله: (
قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ ) :الرفع أقوى وأثبت من النصب،
فرده أفضل من التسليم؛ ولهذا قال تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [
النساء:86 ] ، فالخليل اختار الأفضل.
وقوله: (
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) :وذلك أن الملائكة وهم:جبريل
وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صور شبان حسان عليهم مهابة عظيمة؛ ولهذا قال: (
قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ) .
وقوله: (
فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ) أي:انسل خفية في سرعة، (
فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ) أي:من خيار ماله. وفي الآية
الأخرى: فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [
هود:69 ] أي:مشوي على الرَّضف، (
فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ) أي:أدناه منهم، ( قَالَ
أَلا تَأْكُلُونَ ) :تلطف في العبارة وعرض حسن.
وهذه الآية انتظمت آداب
الضيافة؛ فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: « نأتيكم
بطعام؟ » بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي
سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه، وقال:اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم
أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: ( أَلا
تَأْكُلُونَ ) على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم:إن رأيت أن
تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل .
وقوله: (
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) :هذا محال على ما تقدم في
القصة في السورة الأخرى، وهو قوله: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ
إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا
أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [
هود:70 ، 71 ] أي:استبشرت بهلاكهم؛ لتمردهم وعتوهم على الله، فعند ذلك
بشرتها الملائكة ( بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ
إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ) . (
قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ
هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ
اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) [ هود
72 ، 73 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ) ، فالبشارة له هي بشارة لها؛
لأن الولد منهما، فكل منهما بشر به.
وقوله: (
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ ) أي:في
صرخة عظيمة ورنة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن
أسلم والثوري والسدي وهي قولها: يَا وَيْلَتَى (
فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) أي:ضربت بيدها على جبينها،
قاله مجاهد وابن سابط.
وقال ابن عباس:لطمت، أي تعجبا
كما تتعجب النساء من الأمر الغريب، (
وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) أي:كيف ألد وأنا عجوز [
عقيم ] ، وقد كنتُ في حال الصبا عقيما لا أحبل؟.
(
قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ )
أي:عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله.