الجزء 3
تِلْكَ
الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ
وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا
اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ( 253
)
يخبر
تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ
النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [
الإسراء:55 ] وقال هاهنا: (
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ
اللَّهُ ) يعني:موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكذلك آدم، كما ورد به
الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه (
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) كما ثبت في حديث الإسراء حين
رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السموات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز
وجل.
فإن
قيل:فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة
قال:استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه:لا والذي
اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال:أي خبيث وعلى
محمد صلى الله عليه وسلم! فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكى
على المسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تفضلوني على الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى
باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على
الأنبياء » وفي رواية: « لا
تفضلوا بين الأنبياء » .
فالجواب
من وجوه:
أحدها:أن
هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل وفي هذا نظر.
الثاني:أن
هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
الثالث:أن
هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
الرابع:لا
تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
الخامس:ليس
مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله عز وجل وعليكم الانقياد والتسليم له
والإيمان به.
وقوله: ( وَآتَيْنَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ )
أي:الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله
ورسوله إليهم ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ
الْقُدُسِ ) يعني:أن الله أيده بجبريل عليه السلام ثم قال تعالى: (
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ
مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ) أي:بل
كل ذلك عن قضاء الله وقدره؛ ولهذا قال: (
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ )
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ
هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )
يأمر
تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم
ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) يعني:يوم القيامة ( لا
بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ) أي:لا
يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا ولا تنفعه خلة
أحد، يعني:صداقته بل ولا نسابته كما قال: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [
المؤمنون:101 ] ( وَلا شَفَاعَةٌ ) أي:ولا
تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقوله: (
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) مبتدأ محصور
في خبره أي:ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا. وقد روى ابن أبي حاتم عن
عطاء بن دينار أنه قال:الحمد لله الذي قال: (
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ولم
يقل:والظالمون هم الكافرون.
اللَّهُ
لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا
يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ
الْعَظِيمُ ( 255 )
هذه آية
الكرسي ولها شأن عظيم قد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل
آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن سعيد الجريري
عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح، عن أبي - هو ابن كعب- أن النبي صلى الله عليه
وسلم سأله: « أي آية في كتاب الله أعظم » ؟
قال:الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا ثم قال أبى:آية الكرسي. قال: «
لِيَهْنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند
ساق العرش » وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الأعلى بن عبد
الأعلى عن الجريري- به وليس عنده زيادة: « والذي
نفسي بيده... » إلخ.
حديث
آخر:عن أبي أيضاً في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي:حدثنا أحمد بن
إبراهيم الدورقي حدثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة
عن عبد الله بن أبي بن كعب:أن أباه أخبره:أنه كان له جرن فيه تمر قال:فكان أبي
يتعاهده فوجده ينقص قال:فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم
قال:فسلمت عليه فرد السلام. قال:فقلت:ما أنت، جني أم إنسي؟ قال:جني. قلت:ناولني
يدك. قال:فناولني، فإذا يد كلب وشعر كلب. فقلت:هكذا خَلْقُ الجن؟ قال:لقد علمت
الجن ما فيهم أشد مني، قلت:فما حملك على ما صنعت؟ قال:بلغني أنك رجل تحب الصدقة
فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال:فقال له فما الذي يجيرنا منكم؟ قال:هذه الآية:آية
الكرسي. ثم غدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: « صدق الخبيث » .
وهكذا
رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي
كثير عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب عن جده به . وقال:صحيح
الإسناد ولم يخرجاه.
طريق
أخرى:قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عثمان بن غياث قال:سمعت أبا السليل
قال:كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه فيصعد
على سطح بيت فيحدث الناس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أي آية
في القرآن أعظم؟ » فقال رجل:
اللَّهُ
لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) قال:فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، أو قال:فوضع
يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي وقال: « ليهنك
العلم يا أبا المنذر » .
حديث
آخر:عن الأسفع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا أبو يزيد القراطيسي
حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج أخبرني عمر بن
عطاء أن مولى ابن الأسفع - رجل صدق- أخبره عن الأسفع البكري:أنه سمعه يقول:إن
النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان:أي آية في القرآن
أعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا
نَوْمٌ ) حتى انقضت الآية. .
حديث
آخر:عن أنس قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الله بن الحارث حدثني سلمة بن وردان أن أنس
بن مالك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا من صحابته فقال: « أي
فلان هل تزوجت » ؟ قال:لا وليس عندي ما أتزوج
به. قال: « أوليس معك: ( قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) » ؟
قال:بلى. قال: « ربع القرآن. أليس معك: ( قُلْ
يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) » ؟
قال:بلى. قال: « ربع القرآن. أليس معك ( إِذَا
زُلْزِلَتِ ) » ؟ قال:بلى. قال: « ربع
القرآن أليس معك: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
[ وَالْفَتْحُ ] ) » ؟
قال:بلى. قال: « ربع القرآن. أليس معك آية
الكرسي: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) » ؟
قال:بلى. قال: « ربع القرآن » . حديث آخر:عن
أبي ذر جُنْدَب بن جنادة قال الإمام أحمد:حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا المسعودي
أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر رضي الله عنه قال:أتيت النبي
صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست. فقال: « يا أبا
ذر هل صليت؟ » قلت:لا. قال: « قم فصل
» قال:فقمت فصليت ثم جلست فقال: « يا أبا
ذر تَعَوَّذ بالله من شر شياطين الإنس والجن »
قال:قلت:يا رسول الله أوللإنس شياطين؟ قال: « نعم »
قال:قلت:يا رسول الله الصلاة؟ قال: « خير
موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر » . قال:قلت:يا رسول الله
فالصوم؟ قال: « فرض مُجْزِئ وعند الله مزيد » قلت:يا
رسول الله فالصدقة؟ قال: « أضعاف مضاعفة » .
قلت:يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال: « جهد من
مقل أو سر إلى فقير » قلت:يا رسول الله أي الأنبياء
كان أول؟ قال: « آدم » قلت:يا
رسول الله ونبي كان؟ قال: « نعم نبي مكلم »
قال:قلت:يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: «
ثلثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا » وقال
مرة: « وخمسة عشر »
قال:قلت:يا رسول الله أيما أنـزل عليك أعظم؟ قال: « آية
الكرسي: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) » ورواه
النسائي .
حديث
آخر:عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري، رضي الله عنه وأرضاه قال الإمام أحمد:حدثنا
سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب:أنه كان في
سهوة له، وكانت الغول تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم:فقال: « فإذا
رأيتها فقل:باسم الله أجيبي رسول الله » .
قال:فجاءت فقال لها:فأخذها فقالت:إني لا أعود. فأرسلها فجاء فقال له النبي صلى
الله عليه وسلم: « ما فعل أسيرك؟ »
قال:أخذتها فقالت لي:إني لا أعود، إني لا أعود. فأرسلتها، فقال : « إنها
عائدة » فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول:لا أعود. وأجيء إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: « ما فعل
أسيرك؟ » فأقول:أخذتها فتقول:لا أعود. فيقول: « إنها
عائدة » فأخذتها فقالت:أرسلني وأعلمك شيئًا تقوله فلا يقربك شيء:آية
الكرسي، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: « صدقت
وهي كذوب » .
ورواه
الترمذي في فضائل القرآن عن بُنْدار عن أبي أحمد الزبيري به ، وقال:حسن غريب.
وقد ذكر
البخاري هذه القصة عن أبي هريرة فقال في كتاب « فضائل
القرآن » وفي كتاب « الوكالة » وفي « صفة
إبليس » من صحيحه:قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن
سيرين عن أبي هريرة قال:وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان
فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت:لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال:إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة. قال:فخليت عنه. فأصبحت فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: « يا أبا هريرة ما فعل أسيرك
البارحة؟ » قال:قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فَرحِمْتُه
وخليت سبيله. قال: « أما إنه قد كَذَبك وسيعود » فعرفت
أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنه
سيعود » فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت:لأرفعنك إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال:دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود. فرحمته وخليت
سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أبا
هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ » قلت :يا رسول الله شكا حاجة
وعيالا فرحمته فخليت سبيله. قال: « أما
إنه قد كذبك وسيعود » فرصدته الثالثة فجاء يحثو من
الطعام فأخذته فقلت:لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا آخر ثلاث مرات
أنَّك تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال:دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت:ما هن
. قال:إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) حتى
تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله
فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما فعل
أسيرك البارحة؟ » قلت:يا رسول الله زعم أنه
يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله. قال: « ما هي؟
» قال:قال لي:إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها
حتى تختم الآية: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وقال لي:لن يزال عليك من الله
حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: « أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب مُذْ ثلاث ليال يا أبا
هريرة؟ » قلت :لا قال: « ذاك
شيطان » .
كذا رواه
البخاري معلقا بصيغة الجزم وقد رواه النسائي في « اليوم
والليلة » عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره وقد روي من
وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في
تفسيره:
حدثنا
محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أخبرنا مسلم بن
إبراهيم أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبدي أخبرنا أبو المتوكل الناجي:أن أبا هريرة
كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر فذهب يوما ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ
منه ملء كف ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف ثم دخل يومًا آخر ثالثًا فإذا قد
أخذ منه مثل ذلك. فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: « تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟ »
قال:نعم. قال: « فإذا فتحت الباب فقل:سبحان من
سخرك محمد » فذهب ففتح الباب فقال :سبحان من سخرك محمد . فإذا هو قائم
بين يديه قال:يا عدو الله أنت صاحب هذا؟ قال:نعم دعني فإني لا أعود ما كنت آخذا
إلا لأهل بيت من الجن فقراء، فخلى عنه ثم عاد الثانية ثم عاد الثالثة. فقلت:أليس
قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:لا
تفعل فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير
ذكر ولا أنثى قال له:لتفعلن؟ قال:نعم. قال:ما هن؟ قال: (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) قرأ آية
الكرسي حتى ختمها فتركه فذهب فأبعد فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أما
علمت أن ذلك كذلك؟ » .
وقد رواه
النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله عن شعيب بن حرب عن إسماعيل بن مسلم عن أبي
المتوكل عن أبي هريرة به وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا فهذه ثلاث
وقائع.
قصة
أخرى:قال أبو عبيد في كتاب « الغريب » :حدثنا
أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال:خرج رجل من
الإنس فلقيه رجل من الجن فقال:هل لك أن تصارعني ؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها
حين تدخل بيتك لم يدخل شيطان؟ فصارعه فصرعه فقال:إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك
ذراعا كلب أفهكذا أنتم أيها الجن. كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال:إني بينهم لضليع
فعاودني فصارعه فصرعه الإنسي. فقال:تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل
بيته إلا خرج الشيطان وله خَبَخٌ كخبج الحمار.
فقيل
لابن مسعود:أهو عمر؟ فقال:من عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو
عبيد:الضئيل:النحيف الجسم والخَبَج بالخاء المعجمة ويقال:بالحاء المهملة:الضراط .
حديث آخر
عن أبي هريرة:قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه:حدثنا علي بن حمشاذ حدثنا بشر بن
موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثني حكيم بن جُبَير الأسدي عن أبي صالح عن أبي
هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « سورة
البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه! آية الكرسي
» .
وكذا
رواه من طريق أخرى عن زائدة عن حكيم بن جبير ثم قال:صحيح الإسناد ولم يخرجاه كذا
قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة [ به ] ولفظه:
« لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة
آي القرآن:آية الكرسي » . ثم قال:غريب لا نعرفه إلا من
حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه .
قلت:وكذا
ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد من الأئمة وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.
حديث
آخر:قال ابن مَرْدُويه:حدثنا عبد الباقي بن نافع أخبرنا عيسى بن محمد المروزي
أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا أبي أخبرنا عيسى بن موسى غُنْجَار عن عبد الله
بن كَيْسان، أخبرنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب:أنه
خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال:أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن
مسعود:على الخبير سَقَطْتَ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « أعظم
آية في القرآن: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) » .
حديث آخر
في اشتماله على اسم الله الأعظم:قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن بكر أخبرنا عبيد
الله بن أبي زياد حدثنا شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت :سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) و الم
* اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ آل
عمران:1، 2 ] « إن فيهما اسم الله الأعظم » .
وكذا
رواه أبو داود عن مُسدَّد والترمذي عن علي بن خَشْرم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي
شيبة ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به وقال الترمذي:حسن صحيح.
حديث آخر
في معنى هذا عن أبي أمامة رضي الله عنه:قال ابن مَرْدُويه:أخبرنا عبد الرحمن بن
نمير أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أخبرنا هشام بن عمار أخبرنا الوليد بن
مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد:أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي
أمامة يرفعه قال: « اسم الله الأعظم الذي إذا دعي
به أجاب في ثلاث:سورة البقرة وآل عمران وطه » وقال
هشام - وهو ابن عمار خطيب دمشق- :أما البقرة فـ (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وفي آل
عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وفي طه: وَعَنَتِ
الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [
طه:111 ] .
حديث آخر
عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة:قال أبو بكر بن مَرْدُويه:حدثنا محمد
بن محرز بن مساور الأدمي أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن أخبرنا الحُسَين بن بشر
بطَرسُوس أخبرنا محمد بن حمير أخبرنا محمد بن زياد عن أبي أمامة قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « من قرأ دُبُر كل صلاة مكتوبة
آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت » .
وهكذا
رواه النسائي في « اليوم والليلة » عن
الحسين بن بشر به وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن حِمْير وهو الحمصي من
رجال البخاري أيضًا فهو إسناد على شرط البخاري، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه
حديث موضوع فالله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن
عبد الله نحو هذا الحديث. ولكن في إسناد كل منها ضعف.
وقال ابن
مردويه أيضا:حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري أخبرنا يحيى بن دُرُسْتُوَيه
المروزي أخبرنا زياد بن إبراهيم أخبرنا أبو حمزة السكري عن المثنى عن قتادة عن
الحسن عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « أوحى
الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة
فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعلْ له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب
المنيبين وأعمال الصديقين ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنتُ قلبه
للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله » وهذا
حديث منكر جدًّا.
حديث آخر
في أنها تحفظ من قرأها أول النهار وأول الليل:قال أبو عيسى الترمذي:حدثنا يحيى بن
المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني أخبرنا ابن أبي فديك عن عبد الرحمن المليكي عن
زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
قرأ: حم المؤمن إلى: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي
ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح » ثم
قال:هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي
مُلَيْكة المليكي من قبل حفظه .
وقد ورد
في فضيلتها أحاديث أخر تركناها اختصارًا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث على
قراءتها عند الحجامة:أنها تقوم مقام حجامتين وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد
اليسرى بالزعفران سبع مرات وتلحس للحفظ وعدم النسيان أوردهما ابن مردويه وغير ذلك.
وهذه
الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
فقوله: (
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) إخبار بأنه المتفرد بالإلهية
لجميع الخلائق ( الْحَيُّ الْقَيُّومُ )
أي:الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا القيم لغيره وكان عمر يقرأ: «
القَيَّام » فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون
أمره كقوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ [
الروم:25 ] وقوله: ( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا
نَوْمٌ ) أي:لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على
كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية ، ومن تمام
القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ( لا
تَأْخُذُهُ ) أي:لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال: ( وَلا
نَوْمٌ ) لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسى قال:قام فينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: « إن
الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل
عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور - أو النار- لو كشفه لأحرقت
سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » .
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا معمر أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ( لا
تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ) أن موسى عليه السلام سأل
الملائكة هل ينام الله عز وجل؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا
فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما.
قال:فجعل ينعس وهما في يده في كل يد واحدة قال:فجعل ينعس وينبه وينعس وينبه حتى
نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر:إنما هو مثل ضربه الله عز وجل
يقول:فكذلك السموات والأرض في يديه.
وهكذا
رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق فذكره وهو من أخبار بني إسرائيل وهو
مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل وأنه منـزه
عنه.
وأغرب من
هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير:
حدثنا
إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن
عكرمة عن أبي هريرة قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه
السلام على المنبر، قال: « وقع في نفس موسى:هل ينام
الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة
وأمره أن يحتفظ بهما » . قال: « فجعل
ينام تكاد يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت
يداه فانكسرت القارورتان » قال: « ضرب
الله له مثلا عز وجل:أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض » .
وهذا
حديث غريب جدا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي
حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن
ابن عباس:أن بني إسرائيل قالوا:يا موسى هل ينام ربك؟ قال:اتقوا الله. فناداه ربه
عز وجل:يا موسى سألوك:هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ففعل موسى فلما
ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس
فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال:يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن
كما هلكت الزجاجتان في يديك. وأنـزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي.
وقوله: ( لَهُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ ) إخبار
بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله:
إِنْ
كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ
أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
[ مريم:93- 95 ] .
وقوله: ( مَنْ
ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ) كقوله:
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ
بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [
النجم:26 ] وكقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى [
الأنبياء:28 ] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد
على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة: « آتي تحت
العرش فأخر ساجدًا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال:ارفع رأسك وقل تسمع واشفع
تشفع » قال: « فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة » .
وقوله: (
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) دليل
على إحاطة علمه بجميع الكائنات:ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارًا عن
الملائكة: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا
وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [
مريم:64 ] .
وقوله: ( وَلا
يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ) أي:لا
يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن
يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه
كقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [
طه:110 ] .
وقوله: (
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف عن جعفر بن
أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ) قال:علمه، وكذا رواه ابن جرير
من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم كلاهما عن مطرف بن طريف به.
قال ابن
أبي حاتم:وروي عن سعيد بن جبير مثله. ثم قال ابن جرير:وقال آخرون:الكرسي موضع
القدمين ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين.
وقال
شجاع بن مخلد في تفسيره:أخبرنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الدُّهْني عن مسلم
البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول
الله: ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) قال: « كرسيه
موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل » .
كذا أورد
هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره وهو غلط
وقد رواه وَكِيع في تفسيره:حدثنا سفيان عن عمار الدُّهْنِي عن مسلم البطين عن سعيد
بن جبير عن ابن عباس قال:الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه
الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن محمد بن معاذ عن أبي
عاصم عن سفيان - وهو الثوري- بإسناده عن ابن عباس موقوفًا مثله وقال:صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظُهَيْر الفزاري الكوفي
- وهو متروك- عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح أيضًا.
وقال
السدي عن أبي مالك:الكرسي تحت العرش. وقال السدي:السموات والأرض في جوف الكرسي
والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس:لو أن السموات السبع والأرضين
السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنـزلة الحلقة في
المفازة.
ورواه
ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال ابن
جرير:حدثني يونس أخبرني ابن وهب قال:قال ابن زيد:حدثني أبي قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « ما السموات السبع في الكرسي
إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس » .
قال:وقال أبو ذر:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما
الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض » .
وقال أبو
بكر بن مردويه:أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا عبد الله بن وهيب الغزي أخبرنا محمد
بن أبي السَّرِيّ العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم بن محمد
الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي صلى الله عليه
وسلم عن الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي
نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة،
وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة » .
وقال
الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده:حدثنا زهير حدثنا ابن أبي بُكَيْر حدثنا إسرائيل
عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة عن عمر، رضي الله عنه قال:أتت امرأة إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقالت:ادع الله أن يدخلني الجنة. قال:فعظم الرب تبارك
وتعالى وقال: « إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرَّحل
الجديد من ثقله » .
وقد رواه
الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما والطبراني
وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما والحافظ الضياء في كتاب «
المختار » من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك
المشهور وفي سماعه من عمر نظر ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا ومنهم من يرويه
عنه مرسلا ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها.
وأغرب من
هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه ،
والله أعلم.
وقد روى
ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء،
والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية.
وقد زعم
بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين:أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن وهو
فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير ويقال له:الأطلس. وقد رد ذلك
عليهم آخرون.
وروى ابن
جرير من طريق جُويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول:الكرسي هو العرش. والصحيح أن
الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه، كما دلت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد
ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك وعندي في صحته نظر والله
أعلم.
وقوله: ( وَلا
يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ) أي:لا يثقله ولا يُكْرثُهُ
حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم
على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء
والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو
الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهو القاهر لكل
شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه فقوله: (
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) كقوله: وَهُوَ [
الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وكقوله ] : الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [
الرعد:9 ] .
وهذه
الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح إمرارها
كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 256
)
يقول تعالى: ( لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّين ) أي:لا تكرهوا أحدًا على
الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره
أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على
بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين
مكرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نـزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان
حكمها عامًّا.
وقال ابن جرير:حدثنا ابن بشار
حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:كانت
المرأة تكون مِقْلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو
النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا:لا ندع أبناءنا فأنـزل الله عز وجل: ( لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ )
وقد رواه أبو داود والنسائي
جميعا عن بُنْدَار به ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن
حبان في صحيحه من حديث شعبة به ، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن
البصري وغيرهم:أنها نـزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن
أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد [ بن
جبير ] عن ابن عباس قوله: ( لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) قال:نـزلت في رجل من الأنصار
من بني سالم بن عوف يقال له:الحصيني كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلمًا فقال
للنبي صلى الله عليه وسلم:ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنـزل
الله فيه ذلك.
رواه ابن جرير وروى السدي نحو
ذلك وزاد:وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا فلما عزما على
الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يبعث في آثارهما، فنـزلت هذه الآية.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي
حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أُسَق قال:كنت في دينهم مملوكًا
نصرانيًا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول: ( لا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) ويقول:يا أُسَق لو أسلمت
لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.
وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء
أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا
الجزية. وقال آخرون:بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى
الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول فيه ولم ينقد له أو
يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل. وهذا معنى الإكراه قال الله تعالى: سَتُدْعَوْنَ
إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [
الفتح:16 ] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [
التحريم:9 ] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [
التوبة:123 ] وفي الصحيح: « عجب
ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل »
يعني:الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال
ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإمام
أحمد:حدثنا يحيى عن حميد عن أنس:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: « أسلم » قال:إني
أجدني كارها. قال: « وإن كنت كارها » فإنه
ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي صلى الله عليه وسلم على
الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: « أسلم
وإن كنت كارهًا فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص » .
وقوله: (
فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي:من
خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله،
ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ) أي:فقد
ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.
قال أبو القاسم البغوي:حدثنا
أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق عن حسان - هو ابن
فائد العبسي- قال:قال عمر رضي الله عنه:إن الجِبت:السحر والطاغوت:الشيطان، وإن
الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من
أمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نبطيا. وهكذا رواه ابن
جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر
فذكره.
ومعنى قوله في الطاغوت:إنه
الشيطان قوي جدًّا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان
والتحاكم إليها والاستنصار بها.
وقوله: (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا ) أي:فقد
استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها
محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال: (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ ) .
قال مجاهد: (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى )
يعني:الإيمان. وقال السدي:هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك:يعني لا إله إلا
الله. وعن أنس بن مالك: ( بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى )
:القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال:هو الحب في الله والبغض في الله.
وكل هذه الأقوال صحيحة ولا
تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله: ( لا
انْفِصَامَ لَهَا ) أي:لا انقطاع لها دون دخول
الجنة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا ) ثم
قرأ: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ [ الرعد:11 ] .
وقال الإمام أحمد:حدثنا إسحاق
بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال:كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه
أثر من خشوع، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم:هذا رجل من أهل الجنة. فلما
خرج اتبعته حتى دخل منـزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له:إن القوم لما دخلت
قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال:سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم
وسأحدثك لم:إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه:رأيت
كأني في روضة خضراء - قال ابن عون:فذكر من خضرتها وسعتها- وسطها عمود حديد أسفله
في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة، فقيل لي:اصعد عليه فقلت:لا أستطيع.
فجاءني مِنْصَف - قال ابن عون:هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال:اصعد. فصعدت
حتى أخذت بالعروة فقال:استمسك بالعروة. فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه. فقال: « أما
الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى،
أنت على الإسلام حتى تموت » .
قال:وهو عبد الله بن سلام
أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد
بن سيرين به .
طريق أخرى وسياق آخر:قال الإمام
أحمد:حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة عن
المسيب بن رافع عن خرشة بن الحُرِّ قال:قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد
النبي صلى الله عليه وسلم. فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له فقال القوم:من سره أن ينظر
إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه، فقلت
له:قال بعض القوم:كذا وكذا. فقال:الجنة لله يُدخلها من يشاء وإني رأيت على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا، رأيت كأن رجلا أتاني فقال:انطلق. فذهبت معه
فسلك بي منهجًا عظيمًا فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها. فقال:إنك لست من
أهلها. ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل
فإذا أنا على ذروته، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب
فأخذ بيدي فزجل حتى أخذت بالعروة فقال:استمسك. فقلت:نعم. فضرب العمود برجله
فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « رأيت
خيرًا أما المنهج العظيم فالمحشر ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل
النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما
الجبل الزلق فمنـزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك
بها حتى تموت » . قال:فإنما أرجو أن أكون من
أهل الجنة. قال:وإذا هو عبد الله بن سلام .
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن
سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب
كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان
بن مُسْهِر عن خرشة بن الحُرّ الفزاري به .
اللَّهُ
وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ
إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 257
)
يخبر
تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سُبُل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر
والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما
وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم
عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
ولهذا
وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة
كما قال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأنعام:153 ] وقال
تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [
الأنعام:1 ] وقال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ [
النحل:48 ] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار
الباطل وتفرده وتشعبه.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن
عبيدة عن أيوب بن خالد قال:يبعث أهل الأهواء - أو قال:يبعث أهل الفتن- فمن كان
هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة،
ثم قرأ هذه الآية: ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ
آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ
الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ
الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 258
)
هذا الذي
حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل:نمروذ بن كنعان بن كُوش بن سام بن نوح.
ويقال:نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح والأول قول مجاهد
وغيره.
قال
مجاهد:وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة:مؤمنان وكافران فالمؤمنان:سليمان بن
داود وذو القرنين. والكافران:نمرود [ بن
كنعان ] وبختنصر. فالله أعلم.
ومعنى
قوله: ( أَلَمْ تَرَ )
أي:بقلبك يا محمد ( إِلَى الَّذِي حَاجَّ
إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ) أي: [ في ] وجود
ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه: مَا عَلِمْتُ
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ القصص:38 ] وما
حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره، وطول مدته في
الملك؛ وذلك أنه يقال:إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه؛ ولهذا قال: ( أَنْ
آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلا
على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم: (
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ )
أي:الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها.
وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من
موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج
- وهو النمروذ- : ( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ )
قال
قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد:وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل
فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإحياء والإماتة.
والظاهر
- والله أعلم- أنه ما أراد هذا؛ لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛
لأنه غير مانع لوجود الصانع. وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا
ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في
قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه
المكابرة: ( فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ) أي:إذا كنت كما تدعي من أنك [ أنت
الذي ] تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في
خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا
كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب. فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر
على المكابرة في هذا المقام بهت أي:أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله
تعالى ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي:لا
يلهمهم حجة ولا برهانًا بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.
وهذا
التنـزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين:أن عدول إبراهيم عن
المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق
عبارة ردية. وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان
ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر
السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار ولم يكن
اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة.
وروى عبد
الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم:أن النمروذ كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه
للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط
إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من
أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال:أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم
فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام. فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما
ملآنين طعامًا طيبًا فعملت منه طعاما. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه
فقال:أنى لكم هذا؟ قالت:من الذي جئت به. فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل. قال
زيد بن أسلم:وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه
ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى وقال:اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع النمروذ
جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين
الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة
منها في منخري الملك فمكثت في منخريه أربعمائة سنة، عذبه الله بها فكان يضرب رأسه
بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله بها.
أَوْ
كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى
يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ
بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ
يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ
إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ
لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 259
)
تقدم قوله تعالى: (
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [
أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ] ) وهو في
قوة قوله:هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه؟ ولهذا عطف عليه بقوله: ( أَوْ
كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا )
اختلفوا في هذا المار من هو؟ فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رَوَّاد عن آدم بن أبي
إياس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال:هو
عزير.
ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه.
وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن
بُرَيْدَة وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه وعبد الله بن
عبيد بن عمير:هو أرميا بن حلقيا. قال محمد بن إسحاق؛ عمن لا يتهم عن وهب بن منبه
أنه قال:وهو اسم الخضر عليه السلام.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي
قال:سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري - من أهل الجار، ابن عم مطرف- قال:سمعت
رجلا من أهل الشام يقول:إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه:حزقيل بن بورا.
وقال مجاهد بن جبر:هو رجل من
بني إسرائيل.
[
وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنه؛ فبعثه الله وهو كذلك، وكان له ابن فبلغ
من السن مائة وعشرين سنة، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجد شابا وابنه وابن ابنه
شيخان كبيران قد بلغا الهرم، وأنشدني به بعض الشعراء:
واسـوَدّ
رأس شـاب مـن قبـل ابنه ومـن قبلـه ابـن ابنـــه فهو أكبر
يـرى
أنـه شـيخا يـدب على عصا ولحيتـه ســـوداء والـرأس أشـعر
ومـا
لابنـــه حـبل ولا فضل قوة يقـوم كمـــا يمشـي الصغير فيعثر
وعمــر
ابنـه أربعــون أمرهــا ولابـن ابنـه فـي الناس تسعين غبر ]
وأما القرية:فالمشهور أنها بيت
المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها. (
وَهِيَ خَاوِيَة ) أي:ليس فيها أحد من قولهم:خوت
الدار تخوي خواءً وخُويا.
وقوله: ( عَلَى
عُرُوشِهَا ) أي:ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرا فيما آل
أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال: (
أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) وذلك
لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه قال الله تعالى:
( فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه ) قال :وعمرت
البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها. فلما
بعثه الله عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع
الله فيه كيف يحيي بدنه؟ فلما استقل سويا قال الله له - أي بواسطة الملك- : ( كَمْ
لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم )
قالوا:وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظن
أنها شمس ذلك اليوم فقال: ( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ
يَتَسَنَّهْ ) وذلك:أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما فقده
لم يتغير منه شيء، لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب تعفن (
وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِك ) أي:كيف يحييه الله عز وجل
وأنت تنظر ( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ )
أي:دليلا على المعاد ( وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ
كَيْفَ نُنْشِزُهَا ) أي:نرفعها فتركب بعضها على
بعض.
وقد روى الحاكم في مستدركه من
حديث نافع بن أبي نُعَيْم عن إسماعيل بن أبي حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن
أبيه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (
كَيْفَ نُنشِزُهَا ) بالزاي ثم قال:صحيح الإسناد
ولم يخرجاه .
وقرئ: (
ننشرها ) أي:نحييها قاله مجاهد ( ثُمَّ
نَكْسُوهَا لَحْمًا ) .
وقال السدي وغيره:تفرقت عظام
حماره حوله يمينًا ويسارًا فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحًا فجمعتها
من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام
لا لحم عليها ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في
منخري الحمار فنهق كله بإذن الله عز وجل وذلك كله بمرأى من العزير فعند ذلك لما
تبين له هذا كله ( قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي:أنا
عالم بهذا وقد رأيته عيانًا فأنا أعلم أهل زماني بذلك وقرأ آخرون: « قَالْ
اعْلَمْ » على أنه أمر له بالعلم.
وَإِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً
مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ
جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ( 260 )
ذكروا
لسؤال إبراهيم عليه السلام، أسبابا، منها:أنه لما قال لنمروذ: (
رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أحب أن
يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة فقال: ( رَبِّ
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )
فأما
الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية:حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب،
أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه،
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « نحن
أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال:رب أرني كيف تحيى الموتى؟ قال:أو لم تؤمن. قال:بلى،
ولكن ليطمئن قلبي » وكذا رواه مسلم، عن حرملة بن
يحيى، عن ابن وهب به - فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده، بلا
خلاف. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، أحدها. . . .
وقوله: ( قَالَ
فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) اختلف
المفسرون في هذه الأربعة:ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك
مُتَّهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس أنه قال:هي الغرنوق، والطاوس، والديك،
والحمامة. وعنه أيضًا:أنه أخذ وزًّا، ورألا - وهو فرخ النعام - وديكا، وطاووسًا.
وقال مجاهد وعكرمة:كانت حمامة، وديكا، وطاووسًا، وغرابًا.
وقوله: (
فَصُرْهُنَّ إِلَيْك ) أي:قطعهن. قاله ابن عباس،
وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الدؤلي، ووهب بن منبه، والحسن،
والسدي، وغيرهم.
وقال
العوفي، عن ابن عباس: ( فَصُرْهُنَّ إِلَيْك )
أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى
أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزقهن وخلط بعضهن في ببعض، ثم جزأهن
أجزاءً، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل:أربعة أجبل . وقيل:سبعة. قال ابن
عباس:وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله عز وجل، أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله عز
وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم،
والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين
سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في
يد إبراهيم، عليه السلام، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع
بقية جثته بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: (
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
أي:عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع لأنه العظيم
القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
قال عبد
الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب في قوله: (
وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) قال:قال ابن عباس:ما في
القرآن آية أرجى عندي منها .
وقال ابن
جرير:حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي
يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال:اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن
العاص أن يجتمعا. قال:ونحن شببة، فقال أحدهما لصاحبه:أي آية في كتاب الله أرجى
لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو:قول الله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا الآية [
الزمر:53 ] . فقال ابن عباس:أما إن كنت تقول:إنها، وإن أرجى منها لهذه
الأمة قول إبراهيم: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ
الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني ابن أبي سلمة عن
محمد بن المنْكَدِر، أنه قال:التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص:أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن
عمرو:قول الله عز وجل: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا
تَقْنَطُوا [ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ] الآية
- فقال ابن عباس:لكن أنا أقول :قول الله: (
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ) رضي من إبراهيم قوله: ( بَلَى
) ال:فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان.
وهكذا
رواه الحاكم في المستدرك، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، عن إبراهيم بن
عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، بإسناده،
مثله. ثم قال:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه .
مَثَلُ
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ
يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 261
)
هذا مثل
ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة
تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: (
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قال
سعيد بن جبير:في طاعة الله. وقال مكحول:يعني به:الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل
وإعداد السلاح وغير ذلك، وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس:الجهاد والحج،
يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله تعالى: (
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ
حَبَّةٍ )
وهذا
المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال
الصالحة ينميها الله عز وجل، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة،
وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف، قال الإمام أحمد:
حدثنا
زياد بن الربيع أبو خِدَاش، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، عن بشار بن أبي سيف
الجرمي، عن عياض بن غطيف قال:دخلنا على أبي عبيدة [ بن
الجراح ] نعوده من شكوى أصابه - وامرأته تُحَيْفَة قاعدة عند رأسه -
قلنا:كيف بات أبو عبيدة؟ قالت:والله لقد بات بأجر، قال أبو عبيدة:ما بت بأجر، وكان
مقبلا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال:ألا تسألوني عما قلت؟
قالوا:ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من
أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضا
أو مازَ أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله عز
وجل، ببلاء في جسده فهو له حطة » .
وقد روى
النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به، ومن وجه آخر موقوفا .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، سمعت أبا عمرو
الشيباني، عن ابن مسعود:أن رجلا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « لتأتين يوم القيامة بسبعمائة
ناقة مخطومة » .
ورواه
مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن مِهْران، عن الأعمش، به . ولفظ مسلم:جاء رجل
بناقة مخطومة، فقال:يا رسول الله، هذه في سبيل الله. فقال: « لك بها
يوم القيامة سبعمائة ناقة » .
حديث
آخر:قال أحمد:حدثنا عمرو بن مَجْمَع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري، عن
أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله عز وجل، جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم
لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان:فرحة عند إفطاره وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم
الصائم أطيب عند الله من ريح المسك » .
حديث
آخر:قال [ الإمام ]
أحمد:حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، يقول الله:إلا الصوم، فإنه لي
وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان:فرحة عند فطره، وفرحة عند
لقاء ربه، ولخُلُوف فِيه أطيب عند الله من ريح المسك. الصوم جنة، الصوم جنة » . وكذا
رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع، به .
حديث
آخر:قال أحمد:حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن يُسَيْر بن عميلة عن
خريم بن فاتك قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف » .
حديث
آخر:قال أبو داود:حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب
وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن الصلاة والصيام والذكر
يضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف » .
حديث
آخر:قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي
فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: « من أرسل بنفقة في سبيل الله،
وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة ومن غزا في سبيل الله، وأنفق
في جهة ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم » . ثم
تلا هذه الآية: ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ
يَشَاءُ ) وهذا حديث غريب .
وقد تقدم
حديث أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند
قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
أَضْعَافًا كَثِيرَةً [ البقرة:245 ] .
حديث
آخر:قال ابن مردويه:حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن
بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي، عن عيسى بن المسيب، عن
نافع، عن ابن عمر قال:لما نـزلت هذه الآية: (
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه ) قال
النبي صلى الله عليه وسلم: « رب زد أمتي » قال:فأنـزل
الله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا قال: « رب زد
أمتي » قال:فأنـزل الله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ الزمر:10 ] .
وقد رواه
أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد
العزيز المقرئ، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر،
فذكره .
وقوله
هاهنا: ( وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ )
أي:بحسب إخلاصه في عمله ( وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
أي:فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق.
الَّذِينَ
يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا
أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262
) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا
أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ( 263
) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ
وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ
عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى
شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 264
)
يمدح تعالى الذين ينفقون
أموالهم في سبيل الله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منا على من
أعطوه، فلا يمنون على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا فعل.
وقوله: ( وَلا
أَذًى ) أي:لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروها يحبطون به ما سلف من
الإحسان. ثم وعدهم تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: (
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم )
أي:ثوابهم على الله، لا على أحد سواه ( وَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِم ) أي:فيما يستقبلونه من أهوال
يوم القيامة ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) أي: [ على
] ما خلفوه من الأولاد وما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا
يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: (
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) أي:من كلمة طيبة ودعاء لمسلم
( وَمَغْفِرَة ) أي:غفر
عن ظلم قولي أو فعلي ( خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذًى )
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا ابن نفيل قال:قرأت على معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار قال:بلغنا أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ما من
صدقة أحب إلى الله من قول معروف، ألم تسمع قوله: ( قول
معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ) » (
وَاللَّهُ غَنِيٌّ ) [ أي ] :عن
خلقه.
حَلِيمٌ ) أي:يحلم ويغفر ويصفح
ويتجاوز عنهم.
وقد وردت الأحاديث بالنهي عن
المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم، من حديث شعبة، عن الأعمش عن سليمان بن مُسْهِر، عن
خرشة بن الحر، عن أبي ذر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثة
لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم:المنان
بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب » .
وقال ابن مردويه:حدثنا أحمد بن
عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان
بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر
»
وروى أحمد وابن ماجه، من حديث
يونس بن ميسرة نحوه .
ثم روى ابن مردويه، وابن حبان،
والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد
الله بن عمر، عن أبيه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثلاثة
لا ينظر الله إليهم يوم القيامة:العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى » .
وقد روى النسائي، عن مالك بن
سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا
يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان » .
وقد رواه ابن أبي حاتم، عن
الحسن بن المنهال عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتاب، عن خُصَيف، عن
مجاهد، عن ابن عباس .
ورواه النسائي من حديث، عبد
الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، قوله. وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد وعن مجاهد،
عن أبي هريرة، نحوه . ولهذا قال تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى ) فأخبر
أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن
والأذى.
ثم قال تعالى: (
كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ) أي:لا
تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه
يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين
الناس، أو يقال:إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة
الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ( وَلا
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر )
ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي
بإنفاقه - قال الضحاك:والذي يتبع نفقته منا أو أذى - فقال: (
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ) وهو جمع صَفْوانة، ومنهم من
يقول:الصفوان يستعمل مفردا أيضا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس (
عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ ) وهو
المطر الشديد ( فَتَرَكَهُ صَلْدًا )
أي:فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا، أي :أملس يابسًا، أي:لا شيء عليه من ذلك
التراب، بل قد ذهب كله، أي:وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهر لهم
أعمال فيما يرى الناس كالتراب؛ ولهذا قال: ( لا
يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ ) .
وَمَثَلُ
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا
مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ
أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 )
وهذا مثل
المؤمنين المنفقين ( أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّه ) عنهم في ذلك (
وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي:وهم متحققون مُثَبتون أن
الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في المعنى، قوله عليه السلام في
الحديث المتفق على صحته: « من صام رمضان إيمانًا
واحتسابًا. . . » أي:يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب
عند الله ثوابه.
قال
الشعبي: ( وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ )
أي:تصديقا ويقينا . وكذا قال قتادة، وأبو صالح، وابن زيد. واختاره ابن جرير. وقال
مجاهد والحسن:أي:يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.
وقوله: (
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ) أي:كمثل بستان بربوة. وهو عند
الجمهور:المكان المرتفع المستوي من الأرض. وزاد ابن عباس والضحاك:وتجري فيه
الأنهار.
قال ابن
جرير:وفي الربوة ثلاث لغات هن ثلاث قراءات:بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة
والحجاز والعراق. وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال:إنها لغة تميم.
وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس.
وقوله: ( أَصَابَهَا
وَابِلٌ ) وهو المطر الشديد، كما تقدم، (
فَآتَتْ أُكُلَهَا ) أي:ثمرتها (
ضِعْفَيْن ) أي:بالنسبة إلى غيرها من الجنان. (
فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ) قال
الضحاك:هو الرَّذَاذ، وهو اللين من المطر. أي:هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل
أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا
يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه؛ ولهذا قال: (
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي:لا
يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
أَيَوَدُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 266
)
قال
البخاري عند تفسير هذه الآية:حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام - هو ابن يوسف -
عن ابن جريج:سمعت عبد الله بن أبي مُلَيكة، يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر
بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عُمَير قال:قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم:فيمن ترون هذه الآية نـزلت: (
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) ؟
قالوا:الله أعلم. فغضب عمر فقال:قولوا:نعلم أو لا نعلم . فقال ابن عباس:في نفسي
منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر:يا ابن أخي، قل ولا تحقر نفسك. فقال ابن
عباس:ضربت مثلا لعمل. قال عمر:أيُّ عملٍ؟ قال ابن عباس:لعمل. قال عمر:لرجل غني
يعمل بطاعة الله. ثم بعث الله له الشيطان فعمِل بالمعاصي حتى أغرق أعماله .
ثم رواه
البخاري، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره
. وهو من أفراد البخاري، رحمه الله.
وفي هذا
الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل
أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأبطل
بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق
الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوجَ ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: (
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ ) وهو
الريح الشديد ( فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ )
أي:أحرق ثمارَها وأباد أشجارها، فأيّ حال يكون حاله.
وقد روى
ابن أبي حاتم، من طريق العَوْفي، عن ابن عباس قال:ضرب الله له مثلا حسنًا، وكل
أمثاله حسن، قال: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ
لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ )
يقول:ضيّعَه في شيبته ( وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ) وولده
وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فأحرق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن
يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يوم القيامة، إذ
ردّ إلى الله عز وجل، ليس له خير فيُسْتَعْتَب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل
بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه، كما لم يُغْن عن هذا ولدُه، وحُرم
أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنة الله عند أفقر ما كان إليها عند كبره
وضعف ذريته.
وهكذا ،
روى الحاكم في مستدركه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: « اللهم
اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقضاء عمري » ؛ ولهذا
قال تعالى: ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَتَفَكَّرُونَ ) أي:تعتبرون وتفهمون الأمثال
والمعاني، وتنـزلونها على المراد منها، كما قال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [
العنكبوت:43 ] .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 267 )
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ
يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 268
) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو
الأَلْبَابِ ( 269 )
يأمر تعالى عباده المؤمنين
بالإنفاق - والمراد به الصدقة هاهنا؛ قاله ابن عباس - من طيبات ما رزقهم من
الأموال التي اكتسبوها. قال مجاهد:يعني التجارة بتيسيره إياها لهم.
وقال علي والسدي: ( مِنْ
طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم ) يعني:الذهب والفضة، ومن
الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض.
قال ابن عباس:أمرهم بالإنفاق من
أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق بِرُذَالَةِ المال ودَنيه - وهو خبيثه
- فإن الله طَيْب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ( وَلا
تَيَمَّمُوا ) أي:تقصدوا (
الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ) أي:لو
أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما
تكرهون.
وقيل:معناه: ( وَلا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) أي:لا
تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن
مُرّة الهَمْداني، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن
لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحبَّ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي
بيده، لا يسلم عَبْدٌّ حتى يُسلِمَ قلبُه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جارُه بوائقه
» . قالوا:وما بوائقه يا نبي الله؟. قال: «
غَشَمُه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفقَ منه فيباركَ له فيه، ولا يتصدقُ
به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ
بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث » .
والصحيح القول الأول؛ قال ابن
جرير:حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزيِّ، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدّي، عن عدي
بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) الآية.
قال:نـزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذَاذ النخل، أخرجت من حيطانها
أقناء البُسْر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعْمد الرجل منهم إلى الحَشَف، فيدخله مع أقناء
البسر، يظن أن ذلك جائز، فأنـزل الله فيمن فعل ذلك: ( وَلا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ )
ثم رواه ابن جرير، وابن ماجه،
وابن مَرْدُوَيه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء،
بنحوه. وقال الحاكم:صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء: ( وَلا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا
فِيهِ ) قال:نـزلت فينا، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله
بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقِنْو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم
طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، فيسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان
أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقِنْو فيه الحَشَف والشِّيص، ويأتي بالقنو قد
انكسر فيعلقه، فنـزلت: ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) قال:لو
أنّ أحدكم أهدي له مثل ما أعْطَى ما أخذه إلا على إغماض وحَياء، فكنا بعد ذلك يجيء
الرجل منا بصالح ما عنده.
وكذا رواه الترمذي، عن عبد الله
بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله - هو ابن موسى العبسي - عن إسرائيل، عن السدي
- وهو إسماعيل بن عبد الرحمن - عن أبي مالك الغفاري - واسمه غَزْوان - عن البراء،
فذكر نحوه .
ثم قال :وهذا حديث حسن غريب.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف،
عن أبيه:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لونين من التمر:الجُعْرُور ولون
الحُبَيق . وكان الناس يَتيمّمون شرار ثمارهم ثم يخرجونها في الصدقة، فنـزلت: ( وَلا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون ) .
ورواه أبو داود من حديث سفيان
بن حسين، عن الزهري [ به ] . ثم
قال:أسنده أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، ولفظه:نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن الجُعْرُور ولون الحُبيق أن يؤخذا في الصدقة .
وقد روى النسائي هذا الحديث من
طريق عبد الجليل بن حُمَيد اليَحْصُبي، عن الزهري، عن أبي أمامة. ولم يقل:عن أبيه،
فذكر نحوه . وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن مَعْقل في
هذه الآية: ( وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُون )
قال:كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدّق بالحشف، والدرهم الزّيف، وما لا خير
فيه.
وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو
سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد - هو ابن أبي سليمان - عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة قالت:أُتِي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه.
قلت:يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال: « لا
تطعموهم مما لا تأكلون » .
ثم رواه عن عفان عن حماد بن
سلمة، به. فقلت:يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال: « لا تطعموهم
ما لا تأكلون » .
وقال الثوري:عن السدي، عن أبي
مالك، عن البراء ( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا
أَنْ تُغْمِضُوا فِيه ) يقول:لو كان لرجل على رجل،
فأعطاه ذلك لم يأخذه؛ إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه رواه ابن جرير.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: ( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيه )
يقول:لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى
تنقصوه. قال:فذلك قوله: ( إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ) فكيف
ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه!!
رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير،
وزاد:وهو قوله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل
عمران:92 ] . ثم روى من طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس نحو ذلك، وكذا
ذكر غير واحد.
قوله : (
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) أي:وإن
أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير،
كقوله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ
التَّقْوَى مِنْكُمْ [ الحج:37 ] وهو
غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه، فمن
تصدق بصدقة من كسب طيب، فليَعلمْ أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، سيجزيه بها
ويضاعفها له أضعافًا كثيرة من يقرض غَيْرَ عديم ولا ظلوم، وهو الحميد، أي:المحمود
في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وقوله: (
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ
يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا هَنَّاد بن السِّرِي، حدثنا أبو الأحوص، عن
عطاء بن السائب، عن مرة الهَمْداني، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم « إن للشيطان لَلَمّة بابن آدم،
وللمَلك لَمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد
بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلَمْ أنه من الله، فَلْيحمَد الله، ومن وجد
الأخرى فليتعوذ من الشيطان » . ثم قرأ: (
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ
يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا ) الآية.
وهكذا رواه الترمذي والنسائي في
كتابي التفسير من سُنَنَيْهما جميعًا، عن هَنَّاد بن السِّرِي .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن
أبي يعلى الموصلي، عن هَنَّاد، به . وقال الترمذي:حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص -
يعني سلام بن سليم - لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه. كذا قال. وقد رواه أبو بكر بن
مَرْدُويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رُسْتَه، عن هارون
الفَرْوِي، عن أبي ضَمْرة عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود،
مرفوعًا نحوه.
ولكن رواه مِسْعر، عن عطاء بن
السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود. فجعله من قوله، والله
أعلم.
ومعنى قوله تعالى: (
الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ) أي:يخوفكم
الفقر، لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله، (
وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) أي:مع نهيه إياكم عن الإنفاق
خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخَلاق، قال [
الله ] تعالى: ( وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ
مَغْفِرَةً مِنْهُ ) أي:في مقابلة ما أمركم
الشيطان بالفحشاء ( وَفَضْلا ) أي:في
مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر (
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )
وقوله: (
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه
ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وروى جُوَيْبر، عن الضحاك، عن
ابن عباس مرفوعًا:الحكمة:القرآن . يعني:تفسيره، قال ابن عباس:فإنه [ قد ] قرأه
البر والفاجر. رواه ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن
مجاهد:يعني بالحكمة:الإصابة في القول.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد:
( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء ) ليست
بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن.
وقال أبو العالية:الحكمة خشية
الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.
وقد روى ابن مَرْدُويه، من طريق
بقية، عن عثمان بن زُفَر الجُهَني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعًا: « رأس
الحكمة مخافة الله » .
وقال أبو العالية في رواية
عنه:الحكمة:الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخَعي:الحكمة:الفهم. وقال أبو
مالك:الحكمة:السنة. وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم:الحكمة:العقل. قال
مالك:وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمْرٌ يدخله الله في
القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك، أنك تجد الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا نظر
فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله
إياه ويحرمه هذا، فالحكمة:الفقه في دين الله.
وقال السدي:الحكمة:النبوة.
والصحيح أن الحكمة - كما قاله
الجمهور - لا تختص بالنبوة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن
لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبَع، كما جاء في بعض الأحاديث: « من حفظ
القرآن فقد أدْرِجَت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه » . رواه
وَكِيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن
عمر وقوله.
وقال الإمام أحمد:حدثنا وَكِيع
ويزيد قالا حدثنا إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - عن قيس - وهو ابن أبي حازم - عن
ابن مسعود قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا حسد
إلا في اثنتين:رجل آتاه الله مالا فسلَّطه على هَلَكته في الحق، ورجل آتاه الله
حكمة فهو يقضي بها ويعلمها » .
وهكذا رواه البخاري، ومسلم،
والنسائي، وابن ماجة - من طرق متعددة - عن إسماعيل بن أبي خالد، به .
وقوله: ( وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ ) أي:وما
ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لب وعقل يعي به الخطاب ومعنى الكلام.
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ
نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( 270 ) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ
فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ ( 271
)
يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات
والمنذورات وتَضَمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه
ورجاء موعوده. وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره،
فقال: ( وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار ) أي:يوم
القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.
وقوله: ( إِنْ
تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) أي:إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: (
وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم ) فيه دلالة على أن إسرار
الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة،
من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « الجاهر
بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمُسِر بالقرآن كالمُسِر بالصدقة » .
والأصل أن الإسرار أفضل، لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين،
عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سبعة يظلهم الله في ظله يوم
لا ظل إلا ظله:إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا
عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر
الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال:إني أخاف الله،
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن
حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قال: « لما
خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من
خلق الجبال، فقالت:يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال:نعم، الحديد.
قالت:يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال:نعم، النار. قالت:يا رب، فهل من
خلقك شيء أشد من النار؟ قال:نعم، الماء. قالت:يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من
الماء؟ قال:نعم، الريح. قالت:يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال:نعم، ابنُ
آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله » .
وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي، عن أبي ذر قال:قلت:يا رسول
الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: « سر إلى
فقير، أو جهد من مقِل » . رواه
أحمد .
ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي
أمامة، عن أبي ذر فذكره. وزاد:ثم نـزع بهذه الآية: ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ
فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم
) الآية
.
وفي الحديث المروي: « صدقة السر تطفئ غضب الرب، عز وجل » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي
مؤدب محارب، أخبرنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي في قوله: ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا
هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم ) قال:أنـزلت في أبي بكر وعمر،
رضي الله عنهما، فأما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه
وسلم:فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ » . قال:خلفت لهم نصف مالي، وأما
أبو بكر فجاء بماله كلّه يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي صلى الله عليه
وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ » . فقال:عدة الله وعدةُ رسوله.
فبكى عمر، رضي الله عنه، وقال:بأبي أنت يا أبا بكر، والله ما اسْتَبَقْنا إلى باب
خير قط إلا كنت سابقا .
وهذا الحديث مروي من وجه آخر، عن عمر، رضي الله عنه . وإنما
أوردناه هاهنا لقول الشعبي:إن الآية نـزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء
الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة. لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية، قال:جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل
علانيتها، فقال:بسبعين ضعفًا. وجعل صدقة الفريضة عَلانيتَها أفضلَ من سرها،
فقال:بخمسة وعشرين ضعفًا.
وقوله: (
وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُم ) أي:بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرا يحصل لكم الخير في
رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات، وقد قرئ: « وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ » بالضم، وقرئ: « وَنُكَفِّرْ » بالجزم، عطفًا على جواب الشرط، وهو قوله: ( فَنِعِمَّا هِي ) كقوله: « فَأَصَّدَقَ وَأَكُونَ
وَأَكُنْ . »
وقوله (
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أي:لا يخفى عليه من ذلك شيء، وسيجزيكم عليه [ سبحانه وبحمده ] .
لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ
يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272
)
لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ
ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ
بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 273
)
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا
وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا
هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274
)
قال أبو
عبد الرحمن النسائي:أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، أخبرنا الفِرْيَابي،
حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:كانوا
يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا، فرخص لهم، فنـزلت هذه الآية: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) .
وكذا
رواه أبو حذيفة، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيري، وأبو داود الحَفَري، عن سفيان -
وهو الثوري - به.
وقال ابن
أبي حاتم:أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن - يعني
الدَّشْتَكِيّ - حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي
المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم:أنه كان يأمر
بألا يتصَدق إلا على أهل الإسلام، حتى نـزلت هذه الآية: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ) إلى آخرها، فأمر بالصدقة
بعدها على كل من سألك من كل دين . وسيأتي عند قوله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ
عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ
دِيَارِكُمْ الآية [
الممتحنة:8 ] حديث
أسماء بنت الصديق في ذلك [ إن
شاء الله تعالى ] .
وقوله: ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُم ) كقوله
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [ فصلت:46، الجاثية:15 ] ونظائرها في القرآن كثيرة .
وقوله: ( وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ) قال
الحسن البصري:نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن - إذا أنفق - إلا ابتغاء وجه
الله.
وقال
عطاء الخراساني:يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عملُه وهذا معنى حسن،
وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في
نفس الأمر لمن أصاب:ألِبَرّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده،
ومستَنَدُ هذا تمام الآية: ( وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) والحديث المخرج في الصحيحين،
من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « قال
رجل:لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس
يتحدثون:تُصُدقَ على زانية! فقال:اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة،
فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون:تُصُدق الليلة على غَني!
فقال:اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد
سارق، فأصبحوا يتحدثون:تُصدق الليلة على سارق! فقال:اللهم لك الحمد على زانية،
وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له:أما صدقتك فقد قبلت؛ وأما الزانية فلعلها أن
تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف
بها عن سرقته » .
وقوله: ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
يعني:المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم
سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و ( لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْض ) يعني:سفرًا للتسبب في طلب
المعاش. والضرب في الأرض:هو السفر؛ قال الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي
الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [ النساء:101 ] ، وقال تعالى: عَلِمَ أَنْ
سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية [ المزمل:20 ] .
وقوله: ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ
أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ )
أي:الجاهلُ بأمْرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.
وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة قال:
قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ليس المسكين
بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان،
ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فَيُتَصَدقَ عليه، ولا يسأل
الناس شيئا » . وقد
رواه أحمد، من حديث ابن مسعود أيضًا .
وقوله: ( تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ) أي:بما يظهر لذوي الألباب من
صفاتهم، كما قال [
الله ] تعالى:
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ [
الفتح:29 ] ،
وقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد:30 ] . وفي الحديث الذي في السنن: « اتقوا فراسة المؤمن، فإنه
ينظر بنور الله » ، ثم قرأ:
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [ الحجر:75 ] . .
وقوله: ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافًا ) أي:لا
يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن
السؤال، فقد ألحف في المسألة؛ قال البخاري:
حدثنا
ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شريك بن أبي نمر:أن عطاء بن يَسَار وعبد
الرحمن بن أبي عَمْرَة الأنصاري قالا سمعنا أبا هريرة يقول:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « ليس
المسكينُ الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي
يتعفَّفُ؛ » اقرؤوا
إن شئتم - يعني قوله- : ( لا
يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) .
وقد رواه
مُسْلِم، من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمر، عن
عطاء بن يسار - وحده - عن أبي هريرة، به .
وقال أبو
عبد الرحمن النسائي :أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شريك - وهو ابن أبي
نمر - عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ليس المسكين الذي ترده التمرة
والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين المتعفف؛ اقرؤوا إن شئتم: ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ
إِلْحَافًا ) » .
وروى
البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وسلم، نحوه .
وقال ابن
أبي حاتم:أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي
الوليد، عن أبي هريرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس المسكين بالطواف عليكم،
فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا » .
وقال ابن
جرير:حدثني معتمر، عن الحسن بن ماتك عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة قال:ليس
المسكين الطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته، لا
يسأل الناس شيئا تصيبه الحاجة؛ اقرؤوا إن شئتم: ( لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا )
وقال
الإمام أحمد أيضًا:حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن
رجل من مزينة، أنه قالت له أمه:ألا تنطلق فتسأل رسول الله صلى الله عليه سلم كما
يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائما يخطب، وهو يقول: « ومن استعف أعفه الله، ومن
استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافا » . فقلت بيني وبين نفسي:لناقة
لي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق فرجعت ولم أسأل .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن
عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال:سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أسأله، فأتيته فقعدت، قال:فاستقبلني فقال: « من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفَّه الله، ومن استكف
كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف » . قال:فقلت:ناقتي الياقوتة خير من أوقية. فرجعت ولم أسأله.
وهكذا
رواه أبو داود والنسائي، كلاهما عن قتيبة. زاد أبو داود:وهشام بن عمار كلاهما عن
عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده، نحوه .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهير، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن
عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد قال:قال أبو سعيد الخدري:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « من سأل
وله قيمة وقية فهو ملحف »
والوقية:أربعون درهما .
وقال
أحمد:حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني
أسد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سأل وله أوقية - أو عدلها - فقد سأل إلحافا » .
وقال
الإمام أحمد أيضا:حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن
بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سأل وله ما يغنيه، جاءت
مسألته يوم القيامة خدوشا - أو كدوحا - في وجهه » . قالوا:يا رسول الله، وما غناه؟ قال: « خمسون درهما، أو حسابها من
الذهب » .
وقد رواه
أهل السنن الأربعة، من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي . وقد تركه شعبة بن
الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء هذا الحديث.
وقال
الحافظ أبو القاسم الطبراني:حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين عبد
الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن
محمد بن سيرين قال:بلغ الحارث- رجلا كان بالشام من قريش - أن أبا ذر كان به عوز،
فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال:ما وجد عبد الله رجلا هو أهون عليه مني، سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من سأل
وله أربعون فقد ألحف » ولآل
أبي ذر أربعون درهما وأربعون شاة وماهنان. قال أبو بكر بن عياش:يعني خادمين .
وقال ابن
مَرْدُوَيه:حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد
الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من سأل
وله أربعون درهمًا فهو مُلْحِف، وهو مثل سف الملة » يعني:الرمل.
ورواه
النسائي، عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان - وهو ابن عيينة - بإسناده
نحوه .
قوله : ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) أي:لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه
يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.
وقوله: ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون ) هذا مدح منه تعالى للمنفقين
في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار،
حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص - حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية عام
حجة الوداع- : « وإنك
لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في
امرأتك » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر وبَهْز قالا حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت قال:سمعت
عبد الله بن يزيد الأنصاري، يحدث عن أبي مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم، أنه قال: « إن
المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة » أخرجاه من حديث شعبة، به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب،
قال:سمعت سعيد بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نـزلت
هذه الآية: (
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا
وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلا هُمْ يَحْزَنُون ] ) في أصحاب الخيل » .
وقال حنش
الصنعاني:عن ابن عباس في هذه الآية، قال:هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله. رواه
ابن أبي حاتم، ثم قال:وكذا روي عن أبي أمامة، وسعيد بن المسيب، ومكحول.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد بن
جبر، عن أبيه قال:كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلا ودرهمًا نهارًا،
ودرهمًا سرًا، ودرهما علانية، فنـزلت: ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً )
وكذا
رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف. ولكن رواه ابن مردويه من
وجه آخر، عن ابن عباس أنها نـزلت في علي بن أبي طالب.
وقوله: ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ
رَبِّهِم ) أي:يوم
القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) تقدم تفسيره.
الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ
الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 275
)
لما ذكر
تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات لذوي
الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات - شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس
بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم
ونشورهم، فقال: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّ ) أي:لا يقومون من قبورهم يوم
القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما
منكرًا. وقال ابن عباس:آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يُخْنَق. رواه ابن أبي
حاتم، قال:وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن
حيان، نحو ذلك.
وحكي عن
عبد الله بن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم
قالوا في قوله: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ
الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِّ ) يعني:لا يقومون يوم القيامة.
وكذا قال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، والضحاك، وابن زيد.
وروى ابن
أبي حاتم، من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن ابن عبد الله بن
مسعود، عن أبيه أنه كان يقرأ: « الذين يأكلون الربا لا يقومون
إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة »
وقال ابن
جرير:حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:يقال يوم القيامة لآكل الربا:خذ سلاحك للحرب. وقرأ:
( لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) قال:وذلك حين يقوم من قبره.
وفي حديث
أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة سبحان:أنه، عليه السلام مر ليلتئذ بقوم
لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل:هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولا.
وقال ابن
ماجة:حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أتيت
ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. فقلت:من
هؤلاء يا جبريل؟ قال:هؤلاء أكلة الربا » .
ورواه
الإمام أحمد، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، به . وفي إسناده ضعف.
وقد روى
البخاري، عن سَمُرَة بن جندب في حديث المنام الطويل: « فأتينا
على نهر- حسبت أنه كان يقول:أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا
على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، [ ما
يسبح ] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه
حجرًا » وذكر في تفسيره:أنه آكل الربا .
وقوله: (
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) أي:إنما جُوزُوا بذلك
لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن
المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من
باب القياس لقالوا:إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: (
إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ) أي:هو
نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي:هذا مثل هذا، وقد
أحل هذا وحرم هذا!
وقوله
تعالى: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) يحتمل
أن يكون من تمام الكلام ردًا عليهم، أي:قالوا:ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم
بتفريق الله بين هذا وهذا حكما، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل
عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه
لهم، وما يضرهم فينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: (
فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ
إِلَى اللَّهِ ) أي:من بلغه نهي الله عن الربا
فانتهى حال وصول الشرع إليه. فله ما سلف من المعاملة، لقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا
سَلَفَ [ المائدة:95 ] وكما
قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: « وكل
ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس » ولم
يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال
تعالى: (
فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ )
قال سعيد
بن جبير والسدي: ( فَلَهُ مَا سَلَفَ ) فإنه
ما كان أكل من الربا قبل التحريم.
وقال ابن
أبي حاتم:قرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن
حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس - يعني امرأته العالية بنت أيفع - أن
عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم- :يا أم
المؤمنين، أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت:نعم. قالت:فإني بعته عبدًا إلى العطاء
بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة. فقالت:بئس ما شريت!
وبئس ما اشتريت! أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن
لم يتب قالت:فقلت:أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت:نعم، (
فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ) .
وهذا
الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المقررة
في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
ثم قال
تعالى: ( وَمَنْ عَادَ ) أي:إلى
الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛
ولهذا قال: ( فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
وقد قال
أبو داود:حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن
عثمان بن خُثَيْم، عن أبي الزبير، عن جابر قال:لما نـزلت: (
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي
يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لم يذر المخابرة، فليأذن
بحرب من الله ورسوله » .
ورواه
الحاكم في مستدركه، من حديث ابن خثيم، وقال:صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه .
وإنما
حرمت المخابرة وهي:المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة وهي:اشتراء الرطب في
رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي:اشتراء الحب في سنبله في الحقل
بالحب على وجه الأرض - إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها، حسمًا لمادة الربا؛ لأنه
لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف. ولهذا قال الفقهاء:الجهل بالمماثلة
كحقيقة المفاضلة. ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى
الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم،
وقد قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [
يوسف:76 ] .
وباب
الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه:ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن
عهدًا ننتهي إليه:الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا ، يعني بذلك بعض المسائل
التي فيها شائبة الربا والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما
أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد ثبت في
الصحيحين، عن النعمان بن بشير، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
الحلال بين وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه
وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع
فيه » .
وفي
السنن عن الحسن بن علي، رضي الله عنهما، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . وفي
الحديث الآخر: « الإثم ما حاك في القلب وترددت
فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس » . وفي
رواية: « استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك » .
وقال
الثوري:عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال:آخر ما نـزل على رسول الله صلى الله
عليه وسلم آية الربا. رواه [ البخاري ] عن
قبيصة، عنه .
وقال
أحمد، عن يحيى، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن عمر
قال:من آخر ما نـزل آية الربا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها
لنا، فدعوا الربا والريبة.
رواه ابن
ماجه وابن مردويه.
وروى ابن
مَرْدويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة عن أبي سعيد
الخدري قال:خطبنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال:إني لعلي أنهاكم عن أشياء
تصلح لكم وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نـزولا آية الربا، وإنه قد
مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا
يريبكم.
وقد قال
ابن ماجة:حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد، عن
إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله - هو ابن مسعود - عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: « الربا ثلاثة وسبعون بابا » .
ورواه
الحاكم في مستدركه، من حديث عمرو بن علي الفلاس، بإسناد مثله، وزاد: « أيسرها
أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم » .
وقال:صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه .
وقال ابن
ماجة:حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر، عن سعيد
المقبري، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الربا
سبعون حوبا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هُشَيْم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خَيرة حدثنا الحسن -
منذ نحو من أربعين أو خمسين سنة - عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا » قال:قيل
له:الناس كلهم؟ قال: « من لم يأكله منهم ناله من
غباره » وكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من غير وجه، عن
سعيد بن أبي خيرة عن الحسن، به .
ومن هذا
القبيل، وهو تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي رواه الإمام
أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة
قالت:لما نـزلت الآيات من آخر البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى المسجد، فقرأهُن، فحرم التجارة في الخمر.
وقد
أخرجه الجماعة سوى الترمذي، من طرق، عن الأعمش به وهكذا لفظ رواية البخاري، عند
تفسير الآية:فحرم التجارة، وفي لفظ له، عن عائشة قالت:لما نـزلت الآيات من آخر
سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم حرم
التجارة في الخمر. قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة:لما حرم الربا
ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال، عليه السلام في
الحديث المتفق عليه: « لعن الله اليهود، حرمت عليهم
الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها » .
وقد تقدم
في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلل في تفسير قوله: حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْجًا غَيْرَهُ [ البقرة:230 ] قوله
صلى الله عليه وسلم: « لعن الله آكل الربا وموكله،
وشاهديه وكاتبه » . قالوا:وما يشهد عليه ويكتب
إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون داخله فاسدا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته؛
لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: « إن
الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » .
وقد صنف
الإمام، العلامة أبو العباس ابن تيمية كتابا في « إبطال
التحليل » تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى
في ذلك وشفى، فرحمه الله ورضي عنه.
يَمْحَقُ
اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ
أَثِيمٍ ( 276 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا
الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
يَحْزَنُونَ ( 277 )
يخبر
الله تعالى أنه يمحق الربا، أي:يذهبه، إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو
يَحْرمَه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم
القيامة. كما قال تعالى: قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ
أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [
المائدة:100 ] ، وقال تعالى: وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ [
الأنفال:37 ] ، وقال: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي
أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ [
الآية ] [ الروم:39 ] .
وقال ابن
جرير:في قوله: ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ) وهذا
نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه
قال: « الربا وإن كثر فإلى قُلّ » .
وهذا
الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال:حدثنا حجاج [ قال
] حدثنا شريك عن الركين بن الربيع [ بن
عميلة الفزاري ] عن أبيه، عن ابن مسعود، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الربا وإن كثر فإن عاقبته
تصير إلى قل » وقد رواه ابن ماجة، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن
يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه،
عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما أحد
أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة » .
وهذا من
باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد:حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم،
حدثنا الهيثم بن رافع الطاطري، حدثني أبو يحيى - رجل من أهل مكة - عن فروخ مولى
عثمان:أن عمر - وهو يومئذ أمير المؤمنين - خرج إلى المسجد، فرأى طعاما منثورًا.
فقال:ما هذا الطعام؟ فقالوا:طعام جلب إلينا. قال:بارك الله فيه وفيمن جلبه. قيل:يا
أمير المؤمنين، إنه قد احتكر. قال:ومن احتكره؟ قالوا:فروخ مولى عثمان، وفلان مولى
عمر. فأرسل إليهما فدعاهما فقال:ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا يا أمير
المؤمنين، نشتري بأموالنا ونبيع!! فقال عمر:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: « من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجذام
» . فقال فروخ عند ذلك:أعاهد الله وأعاهدك ألا أعود في طعام
أبدًا. وأما مولى عمر فقال:إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى:فلقد رأيت
مولى عمر مجذومًا.
ورواه
ابن ماجة من حديث الهيثم بن رافع، به . ولفظه: « من
احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس » .
وقوله: (
وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) قُرئ بضم الياء والتخفيف، من « ربا الشيء
يربو » و « أرباه يربيه »
أي:كثّره
ونماه ينميه. وقرئ: « ويُرَبِّي » بالضم
والتشديد، من التربية، كما قال البخاري:حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر،
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله ليقبلها بيمينه، ثم
يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى يكون مثل الجبل » .
كذا رواه
في كتاب الزكاة. وقال في كتاب التوحيد:وقال خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن
عبد الله بن دينار، فذكر بإسناده، نحوه .
وقد رواه
مسلم في الزكاة عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره . قال
البخاري:ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة،
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت:أما
رواية مسلم بن أبي مريم:فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم:فرواها
مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن
أسلم، به . وأما حديث سهيل فرواه مسلم، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن
سهيل، به . والله أعلم.
قال
البخاري:وقال ورقاء عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة، عن النبي صلى
الله عليه وسلم .
وقد أسند
هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن
العباس المروزي عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن ورقاء - وهو ابن عمر اليشكري - عن
عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة، قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا
الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون
مثل أحد » .
وهكذا
روى هذا الحديث مسلم، والترمذي، والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن
سعيد المقبري. وأخرجه النسائي - من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري - ومن
طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني،
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره .
وقد روي عن
أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم:حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا
وَكِيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال:سمعت أبا هريرة يقول:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله عز وجل يقبل الصدقة
ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره - أو فلوه - حتى إن اللقمة
لتصير مثل أحد » . وتصديق ذلك في كتاب الله: (
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) .
وكذا
رواه أحمد، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع. ورواه الترمذي، عن أبي كُرَيْب، عن وكيع،
به وقال:حسن صحيح، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور، به. ورواه أحمد أيضا، عن
خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن منصور كلاهما عن
أبي نضرة، عن القاسم، به .
وقد رواه
ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن
القاسم بن محمد، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
العبد إذا تصدق من طيب، يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه، ويُرَبِّيها كما يربي
أحدكم مُهْره أو فصيله وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال:في كف
الله - حتى تكون مثل أحد، فتصدقوا » .
وهكذا
رواه أحمد، عن عبد الرزاق . وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب،
والمحفوظ ما تقدم. وروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإمام أحمد:
حدثنا
عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « إن الله ليربي لأحدكم التمرة
واللقمة، كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد » . تفرد
به أحمد من هذا الوجه .
وقال
البزار:حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن
سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي
هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن
بيده فيربيها، كما يربي أحدكم فلوه - أو وَصيفه - أو قال:فصيله » ثم
قال:لا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيد بن عمرة إلا أبو أويس .
وقوله: (
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) أي:لا
يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة،
وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من
التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب
الخبيثة،
فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.
ثم قال
تعالى مادحا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من
التبعات آمنون، فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 )
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ( 279
) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 280
) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281
)
يقول تعالى آمرًا عباده
المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه، فقال: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ )
أي:خافوه وراقبوه فيما تفعلون ( وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ
الرِّبَا ) أي:اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال،
بعد هذا الإنذار ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي:بما
شرع الله لكم من تحليل البيع، وتحريم الربا وغير ذلك.
وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن
جُرَيج ، ومقاتل بن حيان، والسدي:أن هذا السياق نـزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف،
وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا
فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا وقالت بنو المغيرة:لا نؤدي الربا في
الإسلام فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فنـزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) فقالوا:نتوب إلى الله، ونذر
ما بقي من الربا، فتركوه كلهم.
وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد،
لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج:قال ابن عباس: (
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ ) أي:استيقنوا بحرب من الله
ورسوله. وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال:يقال يوم القيامة لآكل الربا:خذ سلاحك للحرب. ثم قرأ: (
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ ) فمن كان مقيمًا على الربا لا ينـزع عنه فحق على إمام
المسلمين أن يستتيبه، فإن نـزع وإلا ضرب عنقه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن
سيرين، أنهما قالا والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من
الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم
السلاح. وقال قتادة:أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، وجعلهم بهرجا أينما أتوا ،
فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا؛ فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا
تلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الربيع بن أنس:أوعد الله
آكل الربا بالقتل. رواه ابن جرير.
وقال السهيلي:ولهذا قالت عائشة
لأم محبة، مولاة زيد بن أرقم، في مسألة العينة:أخبريه أن جهاده مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم قد بطل، إلا أن يتوب، فخصت الجهاد؛ لأنه ضد قوله: (
فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )
قال:وهذا المعنى ذكره كثير . قال:ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ثم قال تعالى: (
وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ )
أي:بأخذ الزيادة ( وَلا تُظْلَمُونَ )
أي:بوضع رؤوس الأموال أيضا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن
الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي،
عن سليمان بن الأحوص عن أبيه قال:خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
فقال: « ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس
أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع
كله » كذا وجدته:سليمان بن الأحوص.
وقد قال ابن مردويه:حدثنا
الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة،
عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ألا إن
كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » .
وكذا رواه من حديث حماد بن
سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حُرَّة الرقاشي، عن عمرو - هو ابن خارجة - فذكره.
وقوله: (
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) :يأمر
تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: (
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة ) [ أي ] : لا كما
كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين:إما أن تقضي وإما أن تربي.
ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد
على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: (
وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي:وأن
تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن
النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك:
فالحديث الأول:عن أبي أمامة
أسعد بن زرارة [ النقيب ] ، قال
الطبراني:حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني حدثنا يحيى بن حكيم المقوم،
حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد
الله، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من سره
أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فَلْيُيَسِّر على معسر أو ليضع عنه » .
حديث آخر :عن بريدة، قال الإمام
أحمد:حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن
أبيه قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « من
أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة » .
قال:ثم سمعته يقول: « من أنظر معسرًا فله بكل يوم
مثلاه صدقة » . قلت:سمعتك - يا رسول الله - تقول: « من
أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة » . ثم
سمعتك تقول: « من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة » ؟! قال:
« له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين
فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة » .
حديث آخر :عن أبي قتادة الحارث
بن ربعي الأنصاري، قال [ الإمام ] أحمد:حدثنا
عفان حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي:أن أبا
قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي
فسأله عنه، فقال:نعم، هو في البيت يأكل خزيرة فناداه:يا فلان، اخرج، فقد أخبرت أنك
هاهنا فخرج إليه، فقال:ما يغيبك عني؟ فقال:إني معسر، وليس عندي. قال:آلله إنك
معسر؟ قال:نعم. فبكى أبو قتادة، ثم قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من نفس
عن غريمه - أو محا عنه - كان في ظل العرش يوم القيامة » . ورواه
مسلم في صحيحه .
حديث آخر :عن حذيفة بن اليمان،
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي:حدثنا الأخنس أحمد بن عمران حدثنا محمد بن فضيل،
حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن رِبْعي بن حراش، عن حذيفة قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة، قال:ماذا عملت لي في
الدنيا؟ فقال:ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها، قالها ثلاث مرات،
قال العبد عند آخرها:يا رب، إنك أعطيتني فضل مال، وكنت رجلا أبايع الناس وكان من
خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. قال:فيقول الله، عز وجل:أنا أحق
من ييسر، ادخل الجنة » .
وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وابن
ماجه - من طرق - عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. زاد مسلم:وعقبة بن عامر وأبي مسعود
البدري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. ولفظ البخاري.
حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى
بن حمزة، حدثنا الزهري، عن عبد الله بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كان
تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرا قال لفتيانه:تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عنا،
فتجاوز الله عنه » .
حديث آخر :عن سهل بن حنيف، قال
الحاكم في مستدركه:حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى،
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد
بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلا حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيا، أو غارما في عسرته،
أو مكاتبًا في رقبته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله » ثم
قال:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه .
حديث آخر :عن عبد الله بن عمر،
قال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
أراد أن تستجاب دعوته، وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر » ، انفرد
به أحمد .
حديث آخر :عن أبي مسعود عقبة بن
عمرو، قال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن
حذيفة، أن رجلا أتى به الله عز وجل، فقال:ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل:ما
عملت مثقال ذرة من خير أرجوك بها، فقالها له ثلاثا، وقال في الثالثة:أي رب كنت
أعطيتني فضلا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر
المعسر. فقال تبارك وتعالى نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي. فغفر له. قال أبو
مسعود:هكذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك
سعد بن طارق به .
حديث آخر :عن عمران بن حصين،
قال الإمام أحمد:حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن
عمران بن حصين قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من كان
له على رجل حق فأخره كان له بكل يوم صدقة » .
غريب من هذا الوجه وقد تقدم عن
بريدة نحوه.
حديث آخر :عن أبي اليسر كعب بن
عمرو، قال الإمام أحمد:حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير،
عن ربعي، قال:حدثني أبو اليسر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من
أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله، عز وجل، في ظله يوم لا ظل إلا ظله » .
وقد أخرجه مسلم في صحيحه من وجه
آخر، من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال:خرجت أنا وأبي نطلب العلم
في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي اليسر بردة
ومعافري، وعلى غلامه بردة ومعافري فقال له أبي:يا عم، إني أرى في وجهك سفعة من
غضب؟ قال أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرامي مال، فأتيت أهله فسلمت، فقلت:أثم
هو؟ قالوا:لا فخرج علي ابن له جفر فقلت:أين أبوك؟ فقال:سمع صوتك فدخل أريكة أمي.
فقلت:اخرج إلي فقد علمت أين أنت؟ فخرج، فقلت:ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال:أنا
والله أحدثك ثم لا أكذبك؛ خشيت - والله - أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت
صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت - الله - معسرًا قال:قلت:آلله؟
قال:قلتُ:آلله، قال:اللهِ. قلتُ:آلله؟ قال:الله. قال:فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم
قال:فإن وجدت قضاء فاقضني، وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيني - ووضع أصبعيه على
عينيه - وسمع أذني هاتين، ووعاه قلبي - وأشار إلى مناط قلبه - رسول الله صلى الله
عليه وسلم وهو يقول: « من أنظر معسرًا، أو وضع عنه
أظله الله في ظله » . وذكر تمام الحديث .
حديث آخر :عن أمير المؤمنين
عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد [ في
مسند أبيه ] حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن
بشر بن سلم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن
أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال:سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
يقول: « أظل الله عبدا في ظله، يوم لا ظل إلا ظله من أنظر معسرًا،
أو ترك لغارم » .
حديث آخر :عن ابن عباس، قال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن
مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى
المسجد، وهو يقول بيده هكذا - وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض- : « من
أنظر معسرًا أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -
ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى
الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا » تفرد به
أحمد .
طريق أخرى:قال الطبراني:حدثنا
أحمد بن محمد البُورَاني قاضي الحَدِيَثة من ديار ربيعة، حدثنا الحُسَين بن علي الصُّدَائي،
حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد - خال ابن عيينة - عن أبيه، عن
عطاء، عن ابن عباس، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته » .
ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم
زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى
ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم
عقوبته، فقال: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ
لا يُظْلَمُونَ )
وقد روي أن هذه الآية آخرُ آية
نـزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لَهِيعة:حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير،
قال:آخر ما نـزل من القرآن كله ( وَاتَّقُوا يَوْمًا
تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ
لا يُظْلَمُونَ ) وعاش النبي صلى الله عليه
وسلم بعد نـزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من ربيع
الأول. رواه ابن أبي حاتم.
وقد رواه ابن مَرْدُويه من حديث
المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:آخر آية نـزلت:
( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )
وقد رواه النسائي، من حديث يزيد
النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال:آخر شيء نـزل من القرآن: (
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) .
وكذا رواه الضحاك، والعَوْفي،
عن ابن عباس، وروى الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال:آخر آية
أنـزلت : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) فكان
بين نـزولها [ وبين ] موت النبي صلى الله عليه وسلم
واحد وثلاثون يومًا.
وقال ابن جريج:قال ابن عباس:آخر
آية نـزلت: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) الآية.
قال ابن جريج:يقولون:إن النبي
صلى الله عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت ومات يوم الاثنين، رواه
ابن جرير.
ورواه عطية عن أبي سعيد، قال:آخر
آية أنـزلت: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ
تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي
عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا
يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ
لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً
تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ
تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 282
)
هذه الآية الكريمة أطول آية في
القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير:
حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب،
أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيب:أنه بلغه أن أحدث القرآن
بالعرش آية الدَّيْن.
وقال الإمام أحمد:حدثنا عفان،
حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس أنه قال:لما
نـزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أول
من جحد آدم، عليه السلام، أن الله لما خلق آدم، مسح ظهره فأخرِج منه ما هو ذارئ
إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلا يَزْهر، فقال:أي رب، من
هذا؟ قال:هو ابنك داود. قال:أي رب، كم عمره؟ قال:ستون عامًا، قال:رب زد في عمره.
قال:لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب
عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضر آدم وأتته الملائكة قال:إنه قد
بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له:إنك قد وهبتها لابنك داود. قال:ما فعلت. فأبرز
الله عليه الكتاب، وأشهد عليه الملائكة » .
وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد
بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: « فأتمها الله لداود مائة،
وأتمها لآدم ألف سنة » .
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن
يوسف بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة [ به ] .
هذا حديث غريب جدا، وعلي بن زيد
بن جُدعان في أحاديثه نكارة. وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه، من حديث الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ومن رواية داود بن أبي
هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
ومن حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى
الله عليه وسلم، فذكره بنحوه .
فقوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
فَاكْتُبُوهُ ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات
مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه
على هذا في آخر الآية حيث قال: ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ
اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا )
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي
نَجيح عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
فَاكْتُبُوهُ ) قال:أنـزلت في السَّلَم إلى أجل معلوم.
وقال قتادة، عن أبي حَسَّان
الأعرج، عن ابن عباس، قال:أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن
فيه، ثم قرأ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) رواه
البخاري.
وثبت في الصحيحين من رواية
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المِنْهال، عن ابن
عباس، قال:قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يُسْلفُون في الثمار السنتين
والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم » .
وقوله: (
فَاكْتُبُوهُ ) أمر منه تعالى بالكتابة [
والحالة هذه ] للتوثقة والحفظ، فإن قيل:فقد ثبت في الصحيحين، عن عبد الله
بن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنا
أمَّة أمية لا نكتب ولا نحسب » فما الجمع بينه وبين الأمر
بالكتابة؟ فالجواب:أن الدّين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلا؛ لأن كتاب الله
قد سَهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا
أمْر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج:من ادّان فليكتب،
ومن ابتاع فليُشْهد.
وقال قتادة:ذكر لنا أن أبا
سليمان المرعشيّ، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه:هل تعلمون مظلوما دعا
ربه فلم يستجب له؟ فقالوا:وكيف [ يكون ] ذلك؟
قال:رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه
فلم يستجب له؛ لأنه قد عصى ربه.
وقال أبو سعيد، والشعبي،
والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد، وغيرهم:كان ذلك واجبًا ثم نسخ
بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ
أَمَانَتَهُ
قال الإمام أحمد:حدثنا يونس بن
محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هُرْمُز، عن أبي هريرة، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر « أن
رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسْلفه ألف دينار، فقال:ائتني بشهداء
أشهدهم. قال:كفى بالله شهيدًا. قال:ائتني بكفيل. قال:كفى بالله كفيلا. قال:صدقت.
فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه
للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة
معها إلى صاحبها، ثم زَجج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال:اللهم إنك قد علمت أني
استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت:كفى بالله كفيلا. فرضي بذلك، وسألني
شهيدًا، فقلت:كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جَهِدْتُ أن أجد مركبًا أبعث
بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا، وإني اسْتَوْدعْتُكَها. فرمى بها في البحر
حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان
أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله
حطبًا فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تَسَلف منه، فأتاه
بألف دينار وقال:والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل
الذي أتيت فيه. قال:هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال:ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل
هذا الذي جئت فيه؟ قال:فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك
راشدًا » .
وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري
في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقًا بصيغة
الجزم، فقال:وقال الليث بن سعد،
فذكره . ويقال:إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عنه.
وقوله: (
وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ )
أي:بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من
غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ( وَلا
يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ) أي:ولا
يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما
علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما
جاء في الحديث: « إن من الصدقة أن تعين صانعًا
أو تصنع لأخْرَق » . وفي الحديث الآخر: « من كتم
علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار » .
وقال مجاهد وعطاء:واجب على
الكاتب أن يكتب.
وقوله: (
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ )
أي:وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك، ( وَلا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ) أي:لا يكتم منه شيئًا، (
فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا )
محجورًا عليه بتبذير ونحوه، ( أَوْ ضَعِيفًا )
أي:صغيرًا أو مجنونًا ( أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ
يُمِلَّ هُوَ ) إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه. (
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ )
وقوله (
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم ) أمْرٌ
بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة، (
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ) وهذا
إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان
عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه:حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو
بن أبي عَمْرو، عن المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: « يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر
أهل النار » ، فقالت امرأة منهن جَزْلة:وما لنا - يا رسول الله - أكثر
أهل النار ؟ قال: « تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ
العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن » .
قالت:يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: « أما
نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا
تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين » .
وقوله: (
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ) فيه
دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيَّد، حَكَم به الشافعي على كل مطلق
في القرآن، من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط. وقد استدل من رد المستور بهذه الآية
الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيًا.
وقوله: ( أَنْ
تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ) يعني:المرأتين إذا نسيت الشهادة
( فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى )
أي:يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد، ولهذا قرأ آخرون: «
فَتُذكر » بالتشديد من التذكار. ومن قال:
إن شهادتها معها تجعلها كشهادة
ذكر فقد أبعد، والصحيح الأول. والله أعلم.
وقوله: ( وَلا يَأْبَ
الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ) قيل:معناه:إذا دعوا للتحمل
فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله: ( وَلا
يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ) ومن
هاهنا استفيد أن تَحَمّل الشهادة فرض كفاية.
وقيل - وهو مذهب الجمهور -
:المراد بقوله: ( وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ
إِذَا مَا دُعُوا ) للأداء، لحقيقة قوله: (
الشُّهَدَاء ) والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة
إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.
وقال مجاهد وأبو مِجْلَز، وغير
واحد:إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب.
وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن،
من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، عن أبيه، عن عبد
الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن زيد بن خالد:أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: « ألا أخبركم بخير الشهداء؟
الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها » .
فأما الحديث الآخر في الصحيحين:
« ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يُستْشْهَدوا
» ، وكذا قوله: « ثم
يأتي قوم تسبق أيمانُهم شهادتهم وتسبق شهادَتُهم أيمانهم » . وفي
رواية: « ثم يأتي قوم يَشْهَدُون ولا يُسْتَشْهَدون » .
فهؤلاء شهود الزور. وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري:أنها تعم الحالين:التحَمّل
والأداء.
وقوله: ( وَلا
تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه ) هذا من
تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ( وَلا
تَسْأَمُوا ) أي:لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة
والكثرة ( إلى أجله )
وقوله (
ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا
تَرْتَابُوا ) أي:هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو (
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) أي:أعدل (
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ) أي:أثبت للشاهد إذا وضع خطه
ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا
( وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا ) وأقرب
إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا
ريبة.
وقوله: ( إِلا
أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا ) أي:إذا كان البيع بالحاضر يدا
بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإشهاد على البيع، فقد
قال تعالى: ( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم ) قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدثني ابن
لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله: (
وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُم )
يعني:أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن، فأشهدوا على حقكم على كل حال.
قال:وروي عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك، نحو ذلك.
وقال الشعبي والحسن:هذا الأمر
منسوخ بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ
أَمَانَتَهُ
وهذا الأمر محمول عند الجمهور
على الإرشاد والندب، لا على الوجوب. والدليل على ذلك حديث خُزَيمة بن ثابت
الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد:
حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب،
عن الزهري، حدثني عمَارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه - وهو من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه
النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ
الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى
الله عليه وسلم ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي
ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم
فقال:إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي صلى الله عليه
وسلم حين سمع نداء الأعرابي، قال: « أو ليس
قد ابتعته منك؟ » قال الأعرابي:لا والله ما
بعتك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « بل قد
ابتعته منك » . فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي
وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول:هَلُم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من
المسلمين قال للأعرابي:ويلك! إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقًا.
حتى جاء خزَيْمة، فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول
هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة:أنا أشهد أنك قد بايعته. فأقبل النبي صلى
الله عليه وسلم على خزيمة فقال: « بم تشهد؟ »
فقال:بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهادة خُزَيمة
بشهادة رجلين.
وهكذا رواه أبو داود من حديث
شعيب، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيري كلاهما عن الزهري، به نحوه.
ولكن الاحتياط هو الإشهاد، لما
رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن
معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: « ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب
لهم:رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل
أقرض رجلا مالا فلم يُشْهد » .
ثم قال الحاكم:صحيح الإسناد على
شرط الشيخين، قال:ولم يخرجاه، لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما
أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: « ثلاثة
يؤتون أجرهم مرتين » .
وقوله: ( وَلا
يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ ) قيل:معناه:لا يضار الكاتب ولا
الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو
قول الحسن وقتادة وغيرهما.
وقيل:معناه:لا يضر بهما، كما
قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا
الحسين - يعني ابن حفص - حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقْسَم، عن ابن
عباس في هذه الآية: ( وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا
شَهِيدٌ ) قال:يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان:إنا
على حاجة فيقول:إنكما قد أمرتما أن تجيبا. فليس له أن يضارهما.
ثم قال:وروي عن عكرمة، ومجاهد،
وطاوس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطية، ومقاتل بن حَيَّان، والربيع بن أنس،
والسدي، نحو ذلك.
وقوله: (
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) أي:إن
خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي:لازم لكم لا
تحيدون عنه ولا تنفكون عنه.
وقوله: (
وَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي:خافوه وراقبوه، واتبعوا
أمره واتركوا زجره ( وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) كقوله
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ
فُرْقَانًا [ الأنفال:29 ] ،
وكقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [
الحديد:28 ] .
وقوله: (
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي:هو
عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه
محيط بجميع الكائنات.
وَإِنْ
كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ
اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ
قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283
)
يقول
تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ )
أي:مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى (
وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا ) يكتب لكم. قال ابن عباس:أو
وجدوه ولم يجد قرطاسًا أو دواة أو قلمًا فَرُهُن مقبوضة، أي:فَلْيكن بدل الكتابة
رِهَان مقبوضة في يد صاحب الحق.
وقد
استدل بقوله: ( فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة ) على أن
الرهن لا يلزم إلا بالقبض، كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على
أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب
إليه طائفة.
واستدل
آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعا إلا في السفر، قاله مجاهد
وغيره.
وقد ثبت
في الصحيحين، عن أنس، أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم تُوفِّي وَدِرْعُه مرهونة
عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعير، رهنها قوتًا لأهله . وفي رواية:من يهود المدينة
. وفي رواية الشافعي:عند أبي الشحم اليهودي . وتقرير هذه المسائل في كتاب «
الأحكام الكبير » ، ولله الحمد والمنة، وبه
المستعان.
وقوله: (
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ) روى
ابنُ أبي حاتم بإسناد جيد، عن أبي سعيد الخدري أنه قال:هذه نسخت ما قبلها.
وقال
الشعبي:إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس ألا تكتبوا أو لا تُشهدوا.
وقوله: (
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّه ) يعنى:المؤتَمن، كما جاء في
الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من رواية قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة:أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « على
اليد ما أخذت حتى تؤديه » .
وقوله: ( وَلا
تَكْتُمُوا الشَّهَادَة ) أي:لا تخفوها وتغلوها ولا
تظهروها. قال ابن عباس وغيره:شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. ولهذا
قال: ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) قال
السدي:يعني:فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا
إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ [ المائدة:106 ] ، وقال
تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ
لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ
يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا
الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [ النساء:135 ] ،
وهكذا قال هاهنا: ( وَلا تَكْتُمُوا
الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )
لِلَّهِ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ
مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284
)
يخبر
تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا
تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسب عباده
على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي
صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ آل
عمران:29 ] ، وقال: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [
طه:7 ] ، والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على
العلم، وهو:المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نـزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة،
رضي الله عنهم، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا
من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال
الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -
يعني
العلاء - عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ
تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جثوا على الركب، وقالوا:يا رسول الله، كلفنا من
الأعمال ما نُطيق:الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنـزل عليك هذه الآية ولا
نطيقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «
أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم:سمعنا وعصينا؟ بل قولوا:سمعنا
وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير » . فلما
أقَر بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنـزل الله في أثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فلما
فعلوا ذلك نسخها الله فأنـزل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا
أَوْ أَخْطَأْنَا إلى آخره .
ورواه
مسلم منفردًا به، من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن
أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه: « فلما فعلوا [ ذلك
] نسخها الله، فأنـزل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا
وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال:نعم، رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قال:نعم،
رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قال:نعم، وَاعْفُ عَنَّا
وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ قال:نعم » .
حديث ابن
عباس في ذلك:قال الإمام أحمد:حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت
سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:لما نـزلت هذه الآية: (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه ) قال:دخل
قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال:فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: « قولوا
سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا » . فألقى الله الإيمان في
قلوبهم، فأنـزل الله. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ إلى قوله: فَانْصُرْنَا عَلَى
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
وهكذا
رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن
وكيع، به وزاد: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قال:قد
فعلت رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِنَا قال:قد فعلت، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا
بِهِ قال:قد فعلت وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [
فَانْصُرْنَا ] قال:قد فعلت.
طريق
أخرى عن ابن عباس:قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن حميد
الأعرج، عن مجاهد، قال:دخلت على ابن عباس فقلت:يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ
هذه
الآية فبكى. قال:أيَّة آية؟ قلت: (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ) قال
ابن عباس، إن هذه الآية حين أنـزلت غَمَّت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
غمًا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا:يا رسول الله، هلكنا، إن كنا
نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله، صلى
الله عليه وسلم: « قولوا:سمعنا وأطعنا » .
قالوا:سمعنا وأطعنا. قال:فنسختها هذه الآية: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ إلى لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
فتَجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال .
طريق
أخرى عنه:قال ابن جرير:حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن
شهاب، عن سعيد بن مَرْجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا
هذه الآية: ( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ
تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ) الآية. فقال:والله لئن واخذنا
الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه. قال ابن مَرْجانة:فقمت حتى أتيت
ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن
عباس:يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لَعَمْري لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنـزلت
مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنـزل الله بعدها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلا وُسْعَهَا إلى آخر السورة، قال ابن عباس:فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة
للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله، عز وجل، أن للنفس ما كسبت وعليها ما
اكتسبت في القول والفعل .
طريق
أخرى:قال ابن جرير:حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن
حسين، عن الزهري، عن سالم:أن أباه قرأ: (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) فدمعت
عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال:يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزلت، فنسختها الآية التي بعدها: لا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا .
فهذه طرق
صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس.
قال
البخاري:حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مَرْوان الأصفر،
عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أحسبُه ابن عمر - (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ )
قال:نسختها الآية التي بعدها .
وهكذا
رُوي عن علي، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والشعبي، والنخَعي، ومحمد بن كعب
القُرَظي، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة:أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت
بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلَّم أو تعمل » .
وفي
الصحيحين، من حديث سفيان بن عُيَينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال
الله:إذا هَم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم
بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنَة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا » . لفظ
مسلم وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله:إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات
إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة
واحدة » .
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن هَمام بن منبه قال:هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قال
الله:إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها
فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها،
فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها » . وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قالت الملائكة:رب، وإن عبدك
يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به - فقال:ارقُبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها،
وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَراي » . وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا أحسن أحد إسلامه، فكل
حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى
الله عز وجل » .
تفرد به
مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ وبعضه في صحيح البخاري.
وقال
مسلم أيضا:حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [
عشرا ] إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن
عملها كُتِبَت » . تفرد به مسلم دون غيره من
أصحاب الكتب .
[
وقال مسلم ] حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجَعْد أبي
عثمان، حدثنا أبو رجاء العُطَاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيما يروي عن ربه تعالى قال: « إن الله كتب الحسنات
والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كَتَبها الله عنده حسنة كاملة،
وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
وإن هم بسيئة فلم »
يعملها
كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة « . »
ثم رواه
مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد
بمعنى حديث عبد الوارث وزاد: « ومحاها الله، ولا يَهلك على
الله إلا هالك » .
وفي حديث
سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال:جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فسألوه:إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: « وقد
وجدتموه؟ » قالوا:نعم. قال: « ذاك
صريح الإيمان » .
لفظ مسلم
وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، به. وروى مسلم [ أيضا ] من
حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال:سئل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن الوسوسة، قال: « تلك صريح الإيمان » . وقال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه ) فإنها
لم تُنْسَخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول:إني أخبركم بما أخفيتم في
أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به
أنفسهم، وهو قوله: ( يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
يقول:يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله: (
فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء ) وهو
قوله: ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) [
البقرة:225 ] أي:من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من
هذا.
وروى ابن
جرير، عن مجاهد والضحاك، نحوه. وعن الحسن البصري أنه قال:هي مُحْكمة لم تنسخ.
واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد
يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب بالحديث الذي رواه عند هذه الآية، قائلا حدثنا ابن
بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام، ( ح ) وحدثني
يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا هشام، قالا جميعًا في حديثهما:عن
قتادة، عن صفوان بن مُحْرز، قال:بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر، وهو
يطوف، إذ عرض له رجل فقال:يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
في النجوى؟ فقال:سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يدنو
المؤمن مِنْ ربه، عز وجل، حتى يضع عليه كَنَفَه، فيقرره بذنوبه فيقول:هل تعرف كذا؟
فيقول:رب أعْرف - مرتين - حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال:فإني قد سترتها
عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم » . قال: « فيعطى
صحيفة حسناته - أو كتابه - بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس
الأشهاد: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ
عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود:18 ] » .
وهذا
الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة، عن قتادة، به .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
أمية قالت:سألت عائشة عن هذه الآية: (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
فقالت:ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: « هذه
مبايعة الله العبد، وما يصيبه من الحمى، والنَّكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه،
فيفتقدها فيفزع لها، ثم يجدها في ضِبْنِه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج
التبر الأحمر [ من الكير ] » .
وكذا رواه
الترمذي، وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به . وقال الترمذي:غريب لا نعرفه إلا من
حديثه.
قلت:وشيخه
علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف، يغرب في رواياته وهو يروي هذا الحديث عن امرأة
أبيه:أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.
آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ
بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ
رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ ( 285 ) لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ
لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
( 286 )
ذكر الأحاديث الواردة
في فضل هاتين الآيتين الكريمتين
نفعنا الله بهما .
الحديث الأول:قال البخاري:حدثنا
محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي مسعود،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من قرأ
بالآيتين » ، وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن
عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من قرأ
بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه » .
وقد أخرجه بقية الجماعة من طريق
سليمان بن مِهْران الأعمش، بإسناده، مثله . وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن
منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عنه، به . وهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن،
عن علقمة عن أبي مسعود - قال عبد الرحمن:ثم لقيت أبا مسعود، فحدثني به .
وهكذا رواه أحمد بن حنبل:حدثنا
يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي مسعود، عن
النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « من قرأ الآيتين من آخر سورة
البقرة في ليلته كفتاه » .
الحديث الثاني:قال الإمام
أحمد:حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن رِبعي، عن خَرشة بن الحُر، عن المعرور
بن سويد، عن أبي ذر، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعطيت
خواتيم سورة البقرة من كنـز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي » .
وقد رواه ابن مردويه، من حديث
الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن رِبْعِي، عن زيد بن ظِبْيان، عن أبي ذر قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعطيت خواتيم سورة البقرة من
كنـز تحت العرش » .
الحديث الثالث:قال مسلم:حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغْول ( ح ) وحدثنا
ابن نُمَير، وزهير بن حرب جميعًا، عن عبد الله بن نُمير - وألفاظهم متقاربة - قال
ابن نمير:حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مِغْوَل، عن الزبير بن عدي عن طلحة، عن مُرَة،
عن عبد الله، قال:لما أسْريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم انْتُهِيَ به إلى سدرة
المنتهى، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يُعْرَج به من الأرض فَيُقْبَض
منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به من فوقها فيُقْبَض منها، قال: إِذْ يَغْشَى
السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [ النجم:16 ] ،
قال:فرَاش من ذهب. قال:وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا:أعْطِيَ الصلوات
الخمس، وأعْطِي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا
المُقْحَماتُ .
الحديث الرابع:قال أحمد:حدثنا
إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن
أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر الجهني قال:قال لي رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « اقرأ الآيتين من آخر سورة
البقرة فإني أعطيتهما من تحت العرش » . هذا
إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم .
الحديث الخامس:قال ابن
مَرْدُويه:حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مُسَدَّد
أخبرنا أبو عوانة، عن أبي مالك، عن ربْعِي، عن حذيفة، قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « فضلنا على الناس بثلاث، أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة
البقرة من بيت كنـز تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي، ولا يعطاها أحد بعدي » .
ثم رواه من حديث نُعَيم بن أبي
هندي، عن ربعي، عن حذيفة، بنحوه.
الحديث السادس:قال ابن
مردويه:حدثنا عبد الباقي بن نافع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن حاتم
بن بزَيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مِغْول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن
علي قال:لا أرى أحدًا عَقِل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها كنـز
أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش.
ورواه وَكِيع عن إسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارفي، عن علي قال:ما أرى أحدًا يعقل، بلغه الإسلام،
ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنـز تحت العرش .
الحديث السابع:قال أبو عيسى
الترمذي:حدثنا بُنْدَار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث
بن عبد الرحمن الجَرْمي عن أبي قِلابَة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن
بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنـزل منه آيتين ختم بهما
سورة البقرة، ولا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان » . ثم
قال:هذا حديث غريب. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به،
وقال:صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه .
الحديث الثامن:قال ابن
مردويه:حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل
بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس
قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي ضحك،
وقال: « إنهما من كنـز الرحمن تحت العرش » . وإذا
قرأ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [
النساء:123 ] ، وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى * وَأَنَّ
سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى [
النجم:39- 41 ] ، استرجع واستكان .
الحديث التاسع:قال ابن
مردويه:حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا محمد
بن بكر حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مَلِيح، عن معقل
بن يسار، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أعطيت
فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمُفَصل نافلة » .
الحديث العاشر:قد تقدم في فضائل
الفاتحة، من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جُبير،
عن ابن عباس قال:بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا
فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال:هذا باب قد فتح من السماء ما فُتِح قَط.
قال:فنـزل منه مَلَك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:أبشر بنورين قد
أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك:فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا
منهما إلا أوتيته، رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه .
[
الحديث الحادي عشر:قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده:حدثنا
أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا أيفع بن عبد الله الكلاعي قال:قال رجل:يا رسول
الله، أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: « آية
الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قال:فأي آية في كتاب
الله تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: » آخر سورة البقرة، ولم يترك
خيرًا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه « ] .
»
فقوله تعالى: ( آمَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه ) إخبار
عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
قال ابن جرير:حدثنا بشر، حدثنا
يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال:ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما
نـزلت هذه الآية: « ويحق له أن يؤمن » .
وقد روى الحاكم في
مستدركه:حدثنا أبو النضر الفقيه:حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى،
حدثنا أبو عقيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال:لما نـزلت هذه الآية على
النبي صلى الله عليه وسلم ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّه ) قال النبي صلى الله عليه
وسلم: « حق له أن يؤمن » . ثم
قال الحاكم:صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. .
وقوله: (
وَالْمُؤْمِنُون ) عطف على (
الرَّسُولُ ) ثم أخبر عن الجميع فقال: ( كُلٌّ
آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْ رُسُلِهِ ) فالمؤمنون يؤمنون بأن الله
واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل
والكتب المنـزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد
منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مَهْديون
هادون إلى سُبُل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نُسخ الجميع
بشرع محمدّ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته،
ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين.
وقوله: (
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )
أي:سمعنا قولك يا ربنا، وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه، (
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ) سؤال للغَفْر والرحمة واللطف.
قال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
في قول الله: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ) إلى
قوله: ( غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ) قال:قد
غفرت لكم، ( وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )
أي:إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.
قال ابن جرير:حدثنا ابن حميد،
حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم عن جابر قال:لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنـزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا
نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) قال
جبريل:إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تُعْطه. فسأل: ( لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) إلى
آخر الآية .
وقوله: ( لا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ) أي:لا
يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه
هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله: (
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) أي:هو
وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من
وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من
الإيمان.
وقوله: ( لَهَا
مَا كَسَبَتْ ) أي:من خير، (
وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) أي:من شر، وذلك في الأعمال
التي تدخل تحت التكليف، ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم
بالإجابة، كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا:رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ [
نَسِينَا ] أي:إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك،
( أَوْ أَخْطَأْنَا ) أي:الصوابَ
في العمل، جهلا منا بوجهه الشرعي.
وقد تقدم في صحيح مسلم لحديث
أبي هريرة: « قال الله:نعم » ولحديث
ابن عباس قال الله: « قد فعلت » .
وروى ابن ماجة في سننه، وابن
حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء - قال ابن ماجة في روايته:عن
ابن عباس. وقال الطبراني وابن حبان:عن عطاء، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه » . وقد
روي من طُرُق أخَرَ وأعله أحمد وأبو حاتم والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم:حدثنا
أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله تجاوز لأمتي عن
ثلاث:عن الخطأ، والنسيان، والاستكراه » قال أبو
بكر:فذكرت ذلك للحسن، فقال:أجل، أما تقرأ بذلك قرآنا: (
رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) .
وقوله: (
رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِنَا ) أي:لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته
للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا
صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف
السهل السمح.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي
هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قال
الله:نعم » .
وعن ابن عباس، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « قال الله:قد فعلت » . وجاء
الحديث من طرق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « بعثت
بالحَنيفيَّة السمحة » .
وقوله: (
رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ) أي:من
التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به.
وقد قال مكحول في قوله: (
رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ )
قال:الغرْبة والغلمة، رواه ابن أبي حاتم، « قال
الله:نعم » وفي الحديث الآخر: « قال
الله:قد فعلت » .
وقوله: (
وَاعْفُ عَنَّا ) أي:فيما بيننا وبينك مما
تعلمه من تقصيرنا وزللنا، ( وَاغْفِرْ لَنَا )
أي:فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة، (
وَارْحَمْنَا ) أي:فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا
قالوا:إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء:أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن
يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في
الحديث أن الله قال:نعم. وفي الحديث الآخر: « قال
الله:قد فعلت » .
وقوله: (
أَنْتَ مَوْلانَا ) أي:أنت ولينا وناصرنا، وعليك
توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك فَانْصُرْنَا
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) أي:الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة
نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم
في الدنيا والآخرة، قال الله:نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس: « قال
الله:قد فعلت » .
وقال ابن جرير:حدثني المثنى بن
إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذًا، رضي الله عنه،
كان إذا فرغ من هذه السورة ( فانصرنا على القوم الكافرين )
قال:آمين .
ورواه وَكِيع عن سفيان، عن أبي
إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل:أنه كان إذا ختم البقرة قال:آمين .
تفسير سورة آل عمران
هي
مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نـزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في
سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك، إن شاء الله تعالى عند تفسير آية المباهلة
منها، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير [
سورة ] البقرة.
الم ( 1 )
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 )
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ
قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْـزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 4 )
وقد
ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: اللَّهُ لا إِلَهَ
إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و ( الم *
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) عند
تفسير آية الكرسي، وتقدم الكلام على قوله تعالى: الم في أول سورة البقرة، بما أغنى
عن إعادته، وتقدم أيضًا الكلام على قوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ
الْقَيُّومُ في تفسير آية الكرسي.
وقوله
تعالى ( نـزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) يعني:نـزل
عليك القرآن يا محمد ( بِالْحَقِّ ) أي:لا
شك فيه ولا ريب، بل هو منـزل من عند الله [ عز
وجل ] أنـزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا.
وقوله: (
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي:من
الكتب المنـزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به
وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت، من الوعد من الله
بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، وإنـزال القرآن العظيم عليه.
وقوله: (
وَأَنـزلَ التَّوْرَاةَ ) أي:على موسى بن عمران [
عليه السلام ] ( وَالإنْجِيلَ ) أي:على
عيسى ابن مريم.
( مِنْ
قَبْلُ ) أي:من قبل هذا القرآن. ( هُدًى
لِلنَّاسِ ) أي:في زمانهما (
وَأَنـزلَ الْفُرْقَانَ ) وهو الفارق بين الهدى
والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات،
والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه
وينبه عليه من ذلك.
وقال
قتادة والربيع بن أنس:الفرقان هاهنا القرآن. واختار ابن جرير أنه مصدر هاهنا؛
لتقدم ذكر القرآن في قوله: ( نـزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) وهو
القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح أن المراد هاهنا بالفرقان:التوراة
فضعيف أيضًا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم
وقوله
تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ )
أي:جحدوا بها وأنكروها، وردّوها بالباطل (
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) أي:يوم القيامة (
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) أي:منيع الجناب عظيم السلطان
( ذُو انْتِقَامٍ ) أي:ممن
كذب بآياته وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.
إِنَّ
اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ( 5 ) هُوَ
الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 6 )
يخبر
تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، [ و ] لا
يخفى عليه شيء من ذلك.
( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ
فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ) أي:يخلقكم كما يشاء في
الأرحام من ذكر وأنثى، [ و ] حسن
وقبيح، وشقي وسعيد ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أي:هو الذي خلق، وهو المستحق
للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام.
وهذه
الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛
لأن الله [ تعالى ] صوره في الرحم وخلقه، كما
يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله- وقد تقلب في الأحشاء،
وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ
خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ
الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [
الزمر:6 ]
هُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلا أُولُو الأَلْبَابِ ( 7 )
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ
لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 )
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا
يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( 9 )
يخبر تعالى أن في القرآن آيات
محكمات هن أم الكتاب، أي:بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس،
ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما
اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى. ومن عكس
انعكس؛ ولهذا قال تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنـزلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ )
أي:أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه (
وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) أي:تحتمل دلالتها موافقة
المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.
وقد اختلفوا في المحكم
والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [ أنه
قال ] المحكمات ناسخه، وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمر
به ويعمل به.
وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد،
وقتادة، والضحاك، ومُقاتل بن حَيّان، والربيع بن أنس، والسُّدِّي أنهم
قالوا:المحكم الذي يعمل به.
وعن ابن عباس أيضًا أنه
قال:المحكمات [ في ] قوله
تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئًا [ الأنعام:151 ]
والآيتان بعدها، وقوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [
الإسراء:23 ] إلى ثلاث آيات بعدها. رواه ابن أبي حاتم، وحكاه عن سعيد بن
جُبَيْر [ ثم ] قال:حدثنا أبي، حدثنا سليمان
بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سُوَيْد أن يحيى بن يَعْمَر وأبا فاختة
تراجعا في هذه الآية: ( هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) فقال
أبو فاختة:فواتح السور. وقال يحيى بن يَعْمَر:الفرائض، والأمر والنهي، والحلال
والحرام .
وقال ابن لَهِيعَة، عن عطاء بن
دينار، عن سعيد بن جبير: ( هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ )
يقول:أصل الكتاب، وإنما سماهن أم الكتاب؛ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.
وقال مقاتل بن حيان:لأنه ليس من
أهل دين إلا يرضى بهنّ.
وقيل في المتشابهات:إنهن
المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به.
رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
وقيل:هي الحروف المقطعة في
أوائل السور، قاله مقاتل بن حيان.
وعن مجاهد:المتشابهات يصدق
بعضهن بعضًا. وهذا إنما هو في تفسير قوله: كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [
الزمر:23 ] هناك ذكروا:أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد،
والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم
حال الفجار، ونحو ذلك فأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم.
وأحسن ما قيل فيه الذي قدمناه،
وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله، حيث قال: (
مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ) فيهن
حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن
عليه.
قال:والمتشابهات في الصدق، لهن
تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا
يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق.
ولهذا قال تعالى: (
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ )
أي:ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) أي:إنما
يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينـزلوه
عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم
وحجة عليهم، ولهذا قال: ( ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ )
أي:الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم
لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته
ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله [
تعالى ] إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [
الزخرف:59 ] وبقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل
عمران:59 ] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات
الله، وعبد، ورسول من رسل الله.
وقوله: (
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) أي:تحريفه على ما يريدون وقال
مقاتل والسدي:يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن.
وقد قال الإمام أحمد:حدثنا
إسماعيل، حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة قالت:قرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ( هُوَ الَّذِي أَنـزلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ [ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ] ) إلى
قوله: ( أُولُو الألْبَابِ ) فقال: « فإذا
رأيتم الذين يُجَادِلُون فيه فهم الذين عَنَى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ » .
هكذا وقع هذا الحديث في مسند
الإمام أحمد، رحمه الله، من رواية ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، ليس بينهما أحد.
وهكذا رواه ابن ماجة من طريق
إسماعيل بن عُلَيَّة وعبد الوهاب الثقفي، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد
الله بن أبي مليكة، عنها .
ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده
عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، به. وكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن أيوب.
وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به.
وتابع أيوب أبو عامر الخزاز
وغيره عن ابن أبي مليكة، فرواه الترمذي عن بُنْدار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي
عامر الخزاز، فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يحيى الأبَحّ،
عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير، من حديث روح بن القاسم ونافع
بن عمر الجُمَحِيّ، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به. وقال نافع في روايته
عن ابن أبي مليكة:حدثتني عائشةَ، فذكره .
وقد روى هذا الحديث البخاري،
رحمه الله، عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في
السنة من سننه، ثلاثتهم، عن القَعْنَبِيِّ، عن يزيد بن إبراهيم التُّسْتَريّ، عن
ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:تلا رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ( هُوَ الَّذِي أَنـزلَ
عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [
هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ] ) إلى
قوله: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ )
قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فإذا
رأيتَ الذين يتَّبِعُون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ » لفظ
البخاري .
وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن
بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، به. وقال:حسن صحيح.
وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد، وقد رواه غير
واحد عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم يذكروا القاسم. كذا قال .
ورواه ابن المنذر في تفسيره من
طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السَّدُوسِيّ - ولقبه عارم- حدثنا حماد بن
زيد، حدثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به .
وقد رواه ابن أبي حاتم
فقال:حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري
وحَمّاد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت:سئل رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: (
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا رأيتم الذين يَتَّبِعُونَ
ما تشابه منهُ فأولئك الذين سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ » .
وقال ابن جرير:حدثنا علي بن سهل
حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن
عائشة قالت:نـزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية: (
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ) فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قد حَذَّرَكُمُ اللهُ، فإذا
رأيْتُمُوهم فَاعْرفُوهُمْ » . ورواه ابن مَرْدُويه من طريق
أخرى، عن القاسم، عن عائشة به .
وقال الإمام أحمد:حدثنا أبو
كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب قال:سمعت أبا أمامة يحدث، عن النبي صلى الله عليه
وسلم في قوله: ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ) قال: « هم
الخوارج » ، وفي قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
[ آل عمران:106 ] قال: (
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا
يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) « هم
الخوارج » .
وقد رواه ابن مردويه من غير
وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعا، فذكره .
وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون
موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة
الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم
حُنَيْن، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه
المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخُوَيْصرة- بقر الله خاصرته- اعدل فإنك لم تعدل،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لقد
خِبْتُ وخَسرْتُ إنْ لَمْ أكن أَعدل، أيأمَنُني على أهل الأرض ولا تَأمَنُونِي » . فلما
قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية:خالد بن الوليد- [ ولا
بُعد في الجمع ] - رسول الله في قتله، فقال: « دَعْهُ
فإنه يخرج من ضِئْضِئ هذا- أي:من جنسه - قوم يَحْقِرُ أحدكم صلاته مع صلاتهم،
وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يَمْرُقُونَ من الدين كما يَمْرُقُ السهم
من الرّمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجْرًا لمن قتلهم » .
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي
طالب، وقتلهم بالنَّهْروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات
ونِحَلٌ كثيرة منتشرة، ثم نَبَعَت القَدَرَيّة، ثم المعتزلة، ثم الجَهْمِيَّة،
وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق في قوله: «
وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرْقَةً، كلها في النار إلا واحدة » قالوا:
[ من ] هم يا رسول الله؟ قال: « من كان
على ما أنا عليه وأصحابي » أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه
الزيادة .
وقال الحافظ أبو يَعْلَى:حدثنا
أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن عن
جندب بن عبد الله أنه بلغه، عن حذيفة - أو سمعه منه- يحدث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه ذكر: « إن في أمّتي قومًا يقرؤون
القرآن يَنْثُرُونَهُ نَثْر الدَّقَل، يَتَأوَّلُوْنَهُ على غير تأويله » . [ لم ] يخرجوه
.
[
وقوله ] ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلا اللَّهُ ) اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل:على الجلالة، كما تقدم
عن ابن عباس أنه قال:التفسير على أربعة أنحاء:فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير
تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله
عز وجل. ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نَهِيك، وغيرهم.
وقد قال الحافظ أبو القاسم في
المعجم الكبير:حدثنا هاشم بن مرثد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي،
حدثني ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شُرَيْح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث
خلال:أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن
يبتغي تأويله، ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ ] ) الآية،
وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه » غريب
جدا وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه:حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن
عمرو، أخبرنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
القرآن لم ينـزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه
فآمنوا به » .
وقال عبد الرزاق:أنبأنا مَعْمَر،
عن ابن طاوس، عن أبيه قال:كان ابن عباس يقرأ: « وما
يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون:آمنا به » وكذا
رواه ابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس:أنهم يؤمنون به ولا يعلمون
تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: « إن
تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به » . وكذا
عن أبي بن كعب. واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: (
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) وتبعهم كثير من المفسرين وأهل
الأصول، وقالوا:الخطاب بما لا يفهم بعيد.
وقد روى ابن أبي نجَِيح، عن
مجاهد، عن ابن عباس أنه قال:أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي
نجيح، عن مجاهد:والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به. وكذا قال
الربيع بن أنس.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن
جعفر بن الزبير: ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ) الذي
أراد ما أراد ( إِلا اللَّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) ثم
ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المُحْكَمَة التي لا تأويل لأحد فيها
إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضًا، فنفذت الحجة، وظهر به
العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر.
وفي الحديث أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال: « اللهم
فَقِّهْهُ في الدين وعلمه التأويل » .
ومن العلماء من فصل في هذا
المقام، فقال:التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان، أحدهما:التأويل بمعنى حقيقة
الشيء، وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ
قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [
يوسف:100 ] وقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي
تَأْوِيلُهُ [ الأعراف:53 ]
أي:حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛
لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل، ويكون قوله: (
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) مبتدأ و (
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) خبره. وأما إن أريد بالتأويل
المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء كقوله تعالى: نَبِّئْنَا
بِتَأْوِيلِهِ [ يوسف:36 ]
أي:بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على: (
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) لأنهم يعلمون ويفهمون ما
خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه،
وعلى هذا فيكون قوله: ( يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ) حالا
منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: لِلْفُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلى قوله:
[ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ]
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا [
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ] الآية
[ الحشر:8- 10 ] ،
وكقوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [
الفجر:22 ] أي:وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا.
وقوله إخبارًا عنهم أنهم ( يَقُولُونَ
آمَنَّا بِهِ ) أي:بالمتشابه ( كُلٌّ
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ) أي:الجميع من المحكم
والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله
وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [
النساء:82 ] ولهذا قال تعالى: ( وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ )
أي:إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم
المستقيمة.
وقد قال ابن أبي حاتم:حدثنا
محمد بن عوف الحِمْصَيّ، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا فياض الرَّقِّيّ، حدّثنا
عبد الله بن يزيد - وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:أنسًا، وأبا
أمامة، وأبا الدرداء، رضي الله عنهم، قال:حدثنا أبو الدرداء، أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم سئل عن الراسخين في العلم، فقال: « من
بَرَّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أَعَفَّ بطنه وفرجه، فذلك من
الراسخين في العلم » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا عبد
الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عمر بن شعيب عن أبيه، عن جده قال:سمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتدارءون فقال: « إنما
هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنـزل كتاب الله ليصدق
بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فَكِلُوهُ إلى
عَالِمِه » .
و [ قد ] تقدم
رواية ابن مردويه لهذا الحديث، من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم عن أبيه، عن
عمرو بن شعيب، به.
وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد
بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده، حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي
حازم، عن أبي سلمة قال:لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « نـزل القرآن على سبعة أحرف، والمِرَاءُ في القرآن كفر -
ثلاثًا- ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه » .
وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة
بسبب قول الراوي: « لا أعلمه إلا عن أبي هريرة » .
وقال ابن المنذر في
تفسيره:أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب قال:أخبرني نافع بن
يزيد قال:يقال:الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا
يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. [
ولهذا قال تعالى: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا
أُولُو الألْبَابِ ) أي:إنما يفهم ويعقل
ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة أو الفهوم المستقيمة ] .
ثم قال تعالى عنهم مخبرًا أنهم
دعوا ربهم قائلين: ( رَبَّنَا لا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ) أي:لا
تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون
ما تشابه من القرآن ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم (
وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ ) أي:من عندك (
رَحْمَةً ) تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا
وإيقانًا ( إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ )
قال ابن أبي حاتم:حدثنا عمرو بن
عبد الله الأوْدِي - وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب - قالا جميعًا:حدثنا وَكِيع،
عن عبد الحميد بن بَهْرام، عن شهر بن حَوْشَب، عن أم سلمة، رضي الله عنها، أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « يا
مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك » ثم قرأ:
( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ) رواه
ابن مردويه من طريق محمد بن بَكَّار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن
أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحد ث أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يكثر في دعائه: « اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي
على دينك » قالت:قلت:يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب ؟ قال: « نعم،
ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن
شاء أقامه، وإن شاء أزاغه » . فنسأل الله ربنا ألا يزيغ
قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.
وهكذا رواه ابن جرير من حديث
أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله. ورواه أيضًا عن المثنى، عن الحجاج
بن مِنْهَال، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله، وزاد: « قلت يا
رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال:بلى قولي:اللهم رب النبي محمد،
اغفر لي ذنبي، وأذهب غَيْظ قلبي، وأجِرْنِي من مُضِلاتِ الفتن » .
ثم قال ابن مردويه:حدثنا سليمان
بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، أخبرنا العباس بن الوليد الخلال،
أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان
الأعرج عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما
يدعو: « يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك » ،
قلت:يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: « ليس من
قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن
يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: ( رَبَّنَا لا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ
أَنْتَ الْوَهَّابُ ) » . غريب
من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين، وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر
هذه الآية الكريمة.
وقد روى أبو داود والنسائي وابن
مردويه، من حديث أبي عبد الرحمن المقري - زاد النسائي وابن حبان:وعبد الله بن وهب،
كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب حدّثني عبد الله بن الوليد التُّجيبي، عن سعيد بن
المسيب، عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ
من الليل قال: « لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم
إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني،
وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب » لفظ ابن
مردويه .
وقال عبد الرزاق، عن مالك، عن
أبي عبيد - مولى سليمان بن عبد الملك- عن عبادة بن نُسَيّ، أنه أخبره، أنه سمع قيس
بن الحارث يقول:أخبرني أبو عبد الله الصُنَابِحي، أنه صلى وراء أبي بكر الصديق
المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل،
وقرأ في الركعة الثالثة، قال:فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ
بأم القرآن وهذه الآية: ( رَبَّنَا لا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [
وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ] ) .
قال أبو عبيد:وأخبرني عُبَادة
بن نُسَيّ:أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس:كيف أخبرتني عن
أبي عبد الله الصنابحي فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيا. قال عمر:فما تركناها
منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لَعَلَى غير ذلك. فقال له رجل:على أي شيء كان
أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال:كنت أقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [
الإخلاص:1 ] وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم، عن مالك والأوزاعي،
كلاهما عن أبي عبيد، به.ورواه الوليد أيضًا، عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى
الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصُّنَابِحي:أنه صلى خلف أبي بكر، رضي الله عنه،
المغرب فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، يجهر بالقراءة، فلما قام إلى
الثالثة ابتدأ القراءة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: (
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا [ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا
وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ] ) .
وقوله: (
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا
يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) أي:يقولون في دعائهم:إنك - يا
ربنا- ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي
كلا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 )
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 11 )
يخبر
تعالى عن الكفار أنهم وقود النار، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [
غافر:52 ] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند
الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى: وَلا تُعْجِبْكَ
أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا
فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [
التوبة:85 ] وقال تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
[ آل عمران:196:197 ] كما
قال هاهنا: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )
أي:بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ( لَنْ
تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ )
أي:حطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
] [ الأنبياء:98 ] .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا ابن لَهِيْعة، أخبرني ابن الهاد،
عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس قالت: « بينما نحن
بمكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فقال هل بلغت، اللهم هل بلغت...
» ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب فقال:نعم. ثم أصبح فقال النبي
صلى الله عليه وسلم: « ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر
إلى مواطنه، وَلَتَخُوضُنَّ البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون
القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون:قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في
أولئك من خير؟ » قالوا:يا رسول الله، فمن
أولئك؟ قال: « أولئك منكم وأولئك هم وقود النار » . وكذا
رأيته بهذا اللفظ.
وقد رواه
ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث، امرأة عبد الله
بن شداد، عن أم الفضل؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة بمكة فقال: « هل
بلغت » يقولها ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب - وكان أوَّاها-
فقال:اللهم نعم، وحرصتَ وجهدتَ ونصحتَ فاصبر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « ليظهرن
الإيمان حتى يردّ الكفر إلى مواطنه، وليخوضنّ رجال البحار بالإسلام وليأتين على
الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون:قد قرأنا، وقد علمنا، فمن
هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير »
قالوا:يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: « أولئك
منكم، وأولئك هم وقود النار » ثم رواه من طريق موسى بن عبيد،
عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب بنحوه.
وقوله
تعالى: ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) قال
الضحاك، عن ابن عباس:كصنيع آل فرعون. وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك،
والضحاك، وغير واحد، ومنهم من يقول:كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون وكشبه آل فرعون،
والألفاظ متقاربة. والدأب - بالتسكين، والتحريك أيضًا كنَهْر ونَهَر- :هو الصنع
والشأن والحال والأمر والعادة، كما يقال:لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:
وقـوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل
كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأســــل
والمعنى:كعادتك
في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها.
والمعنى
في الآية:أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما
جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه.
( [
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ] (
وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) أي:شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا
يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد، الذي [ قد ] غلب
كل شيء وذل له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.
قُلْ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ ( 12 ) قَدْ
كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي
الأَبْصَارِ ( 13 )
يقول
تعالى:قل يا محمد للكافرين: ( سَتُغْلَبُونَ ) أي:في الدنيا، ( وَتُحْشَرُونَ )
أي:يوم القيامة ( إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) .
وقد
ذكر محمد بن إسحاق بن يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني
قَيْنُقَاع وقال: « يا معشر يهود، أسلموا قبل أن
يصيبكم الله ما أصاب قريشًا » . فقالوا:يا محمد، لا يغرنك
من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو
قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنـزل الله في ذلك من قولهم: (
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ ) إلى قوله: ( لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ ) .
وقد
رواه ابن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس فذكره؛
ولهذا قال تعالى: ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ ) أي:قد كان لكم - أيها اليهود
القائلون ما قلتم - ( آيَةٌ ) أي:دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر
كلمته، ومعل أمره ( فِي فِئَتَيْنِ ) أي:طائفتين ( الْتَقَتَا ) أي:للقتال (
فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) وهم المسلمون، ( وَأُخْرَى كَافِرَةٌ )
وهم مشركو قريش يوم بدر.
وقوله:
( يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) قال بعض العلماء - فيما حكاه ابن
جرير:يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي:جعل الله ذلك
فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي
أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم
ثلاثمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. وهكذا كان الأمر، كانوا ثلاثمائة وبضعة
عشر رجلا ثم لما وقع القتال أمدّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
والقول
الثاني: « أن المعنى في قوله: (
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ) أي:ترى
الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي:ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله
عليهم » . وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي، عن ابن عباس أن
المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين كانوا ستمائة وستة
وعشرين رجلا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل
التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما
بين التسعمائة إلى الألف كما رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن
الزبير، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن
عدّة قريش، فقال:كثير، قال: « كم ينحرون كل يوم؟ »
قال:يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « القوم
ما بين التسعمائة إلى الألف » .
وروى أبو
إسحاق السَّبِيعي، عن حارثة، عن علي، قال:كانوا ألفًا، وكذا قال ابن مسعود.
والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة
أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم. لكن وجه ابن جرير هذا،
وجعله صحيحًا كما تقول:عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة
آلاف، كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال.
لكن
بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال:ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله
تعالى في قصة بدر: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ
قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ
مَفْعُولا ؟ [ الأنفال:44 ]
والجواب:أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال أخرى، كما قال السُّدِّي، عن [ مرة
] الطيب عن ابن مسعود في قوله: ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ
فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ] )
الآية، قال:هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود:وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم
يُضْعَفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قوله
تعالى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا
وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ .
وقال
أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال:لقد قللوا في أعيننا
حتى قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين؟ قال:أراهم مائة. قال:فأسرنا رجلا منهم
فقلنا:كم كنتم؟ قال:ألفا. فعندما عاين كل الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين
مثليهم، أي:أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، عز وجل.
ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل
التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء،
ليقدم كل منهما على الآخر.
لِيَقْضِيَ
اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا أي:ليفرّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان
على الكفر، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ
اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آل
عمران:123 ] وقال هاهنا: ( وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ
يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ ) أي:إن في ذلك لمعتبرًا
لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده
المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
زُيِّنَ
لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ
الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ
عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 15 )
يخبر تعالى عما زُيِّن للناس
في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء لأن الفتنة
بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه، عليه السلام، قال « مَا
تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء » .
فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه،
كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، « وإنَّ
خَيْرَ هَذه الأمَّةِ كَانَ أكْثرهَا نسَاءً »
وقوله، عليه السلام « الدُّنْيَا مَتَاع، وخَيْرُ
مَتَاعِهَا المرْأةُ الصَّالحةُ، إنْ نَظَرَ إلَيْها سَرَّتْهُ، وإنْ أَمَرَهَا
أَطَاعَتْه، وإنْ غَابَ عَنْها حَفِظْتُه في نَفْسهَا وَمَالِهِ » وقوله
في الحديث الآخر: « حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ
والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرة عَيْني فِي الصَّلاةِ » وقالت
عائشة، رضي الله عنها:لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء
إلا الخيل، وفي رواية:من الخيل إلا النساء .
وحب البنين تارة يكون للتفاخر
والزينة فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه
وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: «
تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأمَمَ يَوْمَ
القِيَامَةِ »
وحب المال - كذلك- تارة يكون
للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون
للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود
عليه شرعًا.
وقد اختلف المفسرون في مقدار
القنطار على أقوال، وحاصلها:أنه المال الجزيل، كما قاله الضحاك وغيره، وقيل:ألف
دينار. وقيل:ألف ومائتا دينار. وقيل:اثنا عشر ألفا. وقيل:أربعون ألفا. وقيل:ستون
ألفا وقيل:سبعون ألفا. وقيل:ثمانون ألفا. وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد:حدثنا
عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه،
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
القِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ ألْف أوقيَّةٍ، كُلُّ أوقِيَّةٍ خَيْر مِمَّا بَيْنَ
السَّمَاءِ والأرْضِ » .
وقد رواه ابن ماجة، عن أبي
بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد ابن سلمة، به. وقد رواه ابن
جرير عن بُنْدار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم - هو ابن بَهْدَلة- عن أبي
صالح، عن أبي هريرة موقوفا، وهذا أصح. وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن
عمر. وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم قالوا:القنطار ألف
ومائتا أوقية.
ثم قال ابن جرير:حدثني زكريا
بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مَخْلَد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن
عطاء بن أبي ميمونة، عن زِرّ بن حُبَيْش عن أبيّ بن كعب، قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « القِنْطَارُ ألْفُ أوقِيَّةٍ
ومائَتَا أوقِيَّةٍ » .
وهذا حديث منكر أيضًا،
والأقربُ أن يكون موقوفا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة. وقد روى ابن
مَرْدُويَه، من طريق موسى بن عُبَيْدة الرَبَذِي عن محمد بن إبراهيم عن يحنَّش أبي
موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ
قَرَأ مائة آيةٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، ومَنْ قَرَأ مِائَةَ آيةٍ إِلَى
ألْف أصْبَح لَهُ قِنْطار مِنْ أجْرٍ عندَ الله، القِنْطارُ مِنْهُ مِثلُ الجبَلِ
العَظِيمِ » . ورواه وَكِيع، عن موسى بن عُبَيدة، بمعناه وقال الحاكم
في مستدركه:حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي
بتنِّيس حدثنا عَمْرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حُمَيد الطويل، ورجل
آخر، عن أنس بن مالك قال:سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله، عز وجل: (
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ) قال: «
القِنْطَارُ ألفا أُوقِيَّةٍ » . صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه، هكذا رواه الحاكم .
وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ
آخر فقال:حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الرَّقِّي، حدثنا عمرو ابن أبي سلمة، حدثنا
زهير - يعني ابن محمد- حدثنا حميد الطويل ورجل آخر قد سماه- يعني يزيد الرَّقَاشي-
عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:قنطار، يعني: « ألف
دينار » . وهكذا [
رواه ] ابن مَرْدُويه، ورواه الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن
أبي مريم، عن عَمْرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء .
وروى ابن جرير عن الحسن
البصري مرسلا عنه وموقوفا عليه:القنطار ألف ومائتا دينار. وكذا رواه العَوْفي عن
ابن عباس.
وقال الضحاك:من العرب من
يقول:القنطار ألف دينار. ومنهم من يقول:اثنا عشر ألفا.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا عارِم، عن حَمّاد، عن سعيد الجُرَيرِي عن أبي نضْرة، عن أبي سعيد الخدري،
رضي الله عنه، قال: [ القنطار ] ملء
مَسْك الثور ذهبا.
قال أبو محمد:ورواه محمد بن
موسى الحرشي، عن حماد بن زيد، مرفوعا. والموقوف أصح .
وحب الخيل على ثلاثة أقسام،
تارة يكون ربطَها أصحابُها معدَّة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزَوا
عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزْر.
وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم يَنْسَ حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستْر،
كما سيأتي الحديث بذلك [ إن شاء الله تعالى ] عند
قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ
الْخَيْلِ [ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ] [
الأنفال:60 ] .
وأما ( الْمُسَوَّمَةِ ) فعن
ابن عباس، رضي الله عنهما:المسومة الراعية، والمُطَهَّمة الحسَان، وكذا روي عن
مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبْزَى، والسُّدِّي،
والربيع بن أنس، وأبي سِنَان وغيرهم.
وقال مكحول:المسومة:الغُرَّة
والتحجيل. وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد:حدثنا
يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سُوَيْد بن قيس، عن
معاوية بن حُدَيج، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « ليسَ مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيّ إلا يُؤذَنُ لَهُ مَعَ كُلِّ
فَجْر يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ، يَقُولُ:اللَّهُمَّ إنَّكَ خَوَّلْتَنِي مَنْ
خَوَّلْتَني [ من ] بَنِي آدَم، فاجْعَلنِي مِنْ
أحَبِّ مَالِهِ وأهْلِهِ إليه، أوْ أحَبِّ أهْلِه ومالِهِ إليهِ » .
وقوله: ( وَالأنْعَامِ )
يعني:الإبل والبقر والغنم ( وَالْحَرْث ) يعني:الأرض المتخذة للغِرَاس والزراعة .
قال الإمام أحمد:حدثنا رَوْح
بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بُدَيل عن إياسِ بن زهير، عن سُويد
بن هُبَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « خَيْرُ
مَالِ امرئ لَهُ مُهْرة مَأمُورة، أو سِكَّة مَأبُورة » المأمورة
الكثيرة النسل، والسّكَّة:النخل المصطف، والمأبورة:الملقحة.
ثم قال تعالى: ( ذَلِكَ
مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي:إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية
الزائلة ( وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) أي:حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير:حدثنا ابن
حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عُمَر بن سعد قال:قال عمر بن
الخطاب، رضي الله عنه:لما أنـزلت: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ )
قلت:الآن يا رب حين زينتها لنا فنـزلت: ( قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ
ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ] ) .
ولهذا قال تعالى: ( قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ) أي:قل يا محمد للناس:أأخبركم بخير مما
زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم
أخبر عن ذلك، فقال: ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ) أي:تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع
الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت،
ولا خطر على قلب بشر.
خَالِدِينَ فِيهَا )
أي:ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حِوَلا.
وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ )
أي:من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء
الدنيا.
وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ) أي:يحل
عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي
في براءة: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [
التوبة:72 ] أي:أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال [
تعالى ] ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ) أي:يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.
الَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ ( 16 )
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ( 17 )
يصف
تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: (
الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا ) أي:بك
وبكتابك وبرسولك ( فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ) أي
بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك (
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )
ثم قال:
( الصَّابِرِين ) أي:في
قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات (
وَالصَّادِقِينَ ) فيما أخبروا به من إيمانهم
بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة (
وَالقَانِتِينَ ) والقنوت:الطاعة والخضوع (
والْمُنفِقِينَ ) أي:من أموالهم في جميع ما
أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات (
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ ) دل على
فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.
وقد
قيل:إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي [
يوسف:98 ] أنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من
المساند والسنن، من غير وجه، عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « ينـزلُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى
سمَِاءِ الدُّنيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر فيقولُ:هَلْ مِنْ سَائل
فأعْطِيَه؟ هَلْ مِنْ دَاع فَأسْتجيبَ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فأغْفِرَ لَهُ ؟
» الحديث وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا
على حدة فرواه من طرق متعددة.
وفي
الصحيحين، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:مِنْ كُلِّ اللَّيلِ قَدْ أوْترَ رَسُولُ
الله صلى الله عليه وسلم، مِنْ أولِهِ وأوْسَطِهِ وآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتره إلَى
السّحَرِ .
وكان عبد
الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول:يا نافع، هل جاء السَّحَر؟ فإذا قال:نعم، أقبل
على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن حُرَيْث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن
أبيه قال:سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول:ربّ أمرتني فأطعتك، وهذا
سحر، فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود، رضي الله عنه .
وروى ابن
مَرْدُويه عن أنس بن مالك قال:كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أنْ نستغفر في آخر
السحر سبعين مرة.
شَهِدَ
اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا
بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 )
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ
بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 19 )
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ
لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا
فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 20 )
شهد
تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين- (
أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي:المتفَرد بالإلهية لجميع
الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال
تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا الآية [
النساء:166 ] .
ثم قرن
شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: (
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ) وهذه
خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.
(
قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) منصوب على الحال، وهو في جميع
الأحوال كذلك.
لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) تأكيد لما سبق (
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العزيز:الذي لا يرام جنابه
عظمةً وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثني جبير بن
عَمْرو القرشي، حدثنا أبو سَعِيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام،
عن الزبير بن العوام، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفةَ يقرأ هذه
الآية: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) « وأَنَا
عَلَى ذلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ يا رَبِّ » .
وقد رواه
ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال:حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل
العسقلاني، حدثنا عُمَر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن
يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية: (
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ ) قال: « وأَنَا
أشْهَدُ أيْ رَبِّ » .
وقال
الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير:حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد
الرازي قالا حدثنا عَمَّار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان
قال:أتيت الكوفة في تجارة، فنـزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردتُ أن
أنْحَدِرَ قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: (
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ
قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ
عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ) ثم قال الأعمش:وأنا أشهد بما
شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة: ( إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ) قالها
مرارا. قلت:لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت:يا أبا محمد، إني سمعتك
تردد هذه الآية. قال:أو ما بلغك ما فيها؟ قلت:أنا عندك منذ شهر لم تحدثني.
قال:والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت:يا
أبا محمد، قد مضت السنة. قال:حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ
القِيامَةِ، فَيَقُولُ الله عز وجل:عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ، وأنَا أحَقُّ مَن
وَفَّى بالْعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ » .
وقوله: ( إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ) إخبار
من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما
بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق
إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا صلى الله
عليه وسلم بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ
غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [
وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ] [ آل
عمران:85 ] وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في
الإسلام: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ )
وذكر ابن
جرير أن ابن عباس قرأ: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الإسْلامُ ) بكسر إنه وفتح ( إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ) أي:شهد
هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها
بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم.
ثم أخبر تعالى
بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل
إليهم، وإنـزال الكتب عليهم، فقال: ( وَمَا
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ
بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) أي:بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا
في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته
في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا، ثم قال: (
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) أي:من
جحد بما أنـزل الله في كتابه فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه،
ويعاقبه على مخالفته كتابه
ثم قال
تعالى: ( فَإِنْ حَاجُّوكَ )
أي:جادلوك في التوحيد ( فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ
لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) أي:فقل أخلصت عبادتي لله
وحده، لا شريك له ولا ند [ له ] ولا
ولد ولا صاحبة له ( وَمَنِ اتَّبَعَنِ ) على
ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [
وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ] [
يوسف:108 ] .
ثم قال
تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه،
والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين
فقال: ( وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ
أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا
عَلَيْكَ الْبَلاغُ ) أي:والله عليه حسابهم وإليه
مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة
البالغة؛ ولهذا قال: ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِالْعِبَادِ ) أي:هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي
لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [
الأنبياء:23 ] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته.
وهذه
الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات الله وسلامه عليه، إلى
جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما
آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الأعراف:158 ] وقال
تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ
لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ الفرقان:1 ] وفي
الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه صلى الله عليه
وسلم يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابِيِّهم
وأمِّيِّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن
هَمَّام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «
والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ
وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إلا كان مِنْ
أَهْلِ النَّارِ » رواه مسلم .
وقال صلى
الله عليه وسلم: « بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ
والأسْودِ » وقال: « كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ
إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً » . وقال
الإمام أحمد:حدثنا مُؤَمِّل، حدثنا حَمَّاد، حدثنا ثابت عن أنس، رضي الله عنه:أن
غلاما يهوديا كان يَضع للنبي صلى الله عليه وسلم وَضُوءه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه
النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم: « يا فُلانُ، قُلْ:لا إله إلا الله »
فَنَظَرَ إلَى أبيه، فَسَكَتَ أبوه، فأعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم، فَنَظَرَ إلَى أَبيهِ، فَقَالَ أبُوهُ:أطِعْ أبا الْقَاسِم، فَقَالَ
الْغُلامُ::أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلا الله وأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَخَرَجَ
النَّبَيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: «
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أخْرَجَهُ بِي مِنِ النَّارِ » أخرجه
البخاري في الصحيح إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ
حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 21 )
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا
لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 22 )
هذا ذم من الله تعالى لأهل
الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي
بلغتهم إياها الرسل، استكبارًا عليهم وعنادًا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه،
ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة
منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحقّ (
وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ ) وهذا
هو غاية الكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «
الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْط النَّاسِ » .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
الزُّبَيْر الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري، نـزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص
- يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري- حدثنا محمد بن حمزة، حدثني أبو الحسن مولى
لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله
عنه قال:قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: « رَجلٌ
قَتَلَ نَبِيا أوْ مَنْ أمر بِالمْعْرُوفِ ونَهَى عَنِ المُنْكَر » . ثم
قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ
حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [ إلى
قوله: ( وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ] ) الآية.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا
أبَا عُبَيَدَةَ، قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ ثَلاثَةً وأَرْبَعين نَبيا، من
أوَّلِ النّهَارِ في ساعةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَة وسَبْعُونَ رَجُلا مِنْ بَني
إسْرائيلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُم بالْمَعْرُوفِ ونَهَوْهُمْ عَنِ المنكرِ،
فقتلوا جَمِيعًا مِنْ آخِرِ النَّهارِ مِنْ ذَلكَ اليَوْمِ، فَهُم الذِينَ ذَكَرَ
اللهُ، عَزَّ وَجَلَّ » .
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي
عبيد الوصّابي محمد بن حفص، عن ابن حُمَيْر، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول،
به .
وعن عبد الله بن مسعود، رضي
الله عنه، قال:قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق
بَقْلِهِمْ من آخره. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا
على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في
الآخرة، فقال: ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ) أي:موجع مهين. (
أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا
لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ )
أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ
اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ
مُعْرِضُونَ ( 23 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 )
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 )
يقول
تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللَّذين
بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله
فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، تولَّوا وهم معرضون
عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.
ثم قال:
( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) أي:إنما حملهم وجَرّأهم على
مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة
أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما. وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال:
( وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) [ أي
غرهم في دينهم ] أي:ثَبَّتهم على دينهم الباطل
ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم
الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينـزل الله به سلطانا قال الله
تعالى متهددا لهم ومتوعدا: ( فَكَيْفَ إِذَا
جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ) أي:كيف
يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم،
الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم
عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: ( فَكَيْفَ إِذَا
جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ) لا شك
في وقوعه وكونه ( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ
مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ )
قُلِ اللَّهُمَّ
مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ
تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ
إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 )
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ
تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ( 27 )
يقول
تعالى: ( قُلِ ) يا محمد، معظما لربك ومتوكلا
عليه، وشاكرًا له ومفوضًا إليه: (
اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ) أي:لك الملك كله (
تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ
مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ) أي:أنت
المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.
وفي هذه
الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه
الأمة؛ لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي
خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع
الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يُعْطهَا نبيًا من الأنبياء ولا رسولا
من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه عن
حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه
على سائر الأديان، والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ما
تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: ( [
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ
الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] ) أي:أنت
المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في
أمره، حيث قال: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف:31 ] .
قال الله
تعالى ردًا عليهم: [ أَهُمْ يَقْسِمُونَ
رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ] الآية
[ الزخرف:32 ] أي:نحن
نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا
نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رِسَالَتَهُ [ الأنعام:124 ] وقال
تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [
وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا ] [
الإسراء:21 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة « إسحاق
بن أحمد » من تاريخه عن المأمون الخليفة:أنه رأى في قَصْرٍ ببلاد الروم
مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو:باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت
نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن مَلِك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي
العرش دائم أبدًا ليس بِفَانٍ ولا بمشترك .
وقوله: (
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ )
أي:تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان،
ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة:ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء.
وقوله: (
وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )
أي:تخرج الحبَّة من الزرع والزرع من الحبة، والنخلة من النواة والنواة من النخلة،
والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما
جرى هذا المجرى من جميع الأشياء (
وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )
أي:تعطي من شئت من المال ما لا يَعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما
لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني:حدثنا محمد بن زكريا
الغلابي، حدثنا جعفر بن جسْر بن فَرْقَد، حدثنا أبي، عن عَمْرو بن مالك، عن أبي
الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « اسْم
اللهِ الأعْظَمَ الَّذي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، » فِي
هَذِهِ الآيةِ مِنْ آلِ عِمْرانَ: ( قُلِ
اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنـزعُ الْمُلْكَ
مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ
الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
لا
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا
مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 28 )
نهى
الله، تبارك وتعالى، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء
يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: ( وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) أي:من
يرتكب نهى الله في هذا فقد برئ من الله كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ
أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [
النساء:144 ] وقال [ تعالى ] يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
[ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] [
المائدة:51 ] .
[
وقال تعالى ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى أن قال:
وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [
الممتحنة:1 ] وقال تعالى - بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من
المهاجرين والأنصار والأعراب- : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [
الأنفال:73 ] .
وقوله: ( إِلا
أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) أي:إلا
من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته،
كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: « إنَّا
لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ » .
وقال
الثوري:قال ابن عباس، رضي الله عنهما:ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا
رواه العوفي عن ابن عباس:إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء
والضحاك، والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ
مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ
وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ النحل:106 ] .
وقال
البخاري:قال الحسن:التقية إلى يوم القيامة.
ثم قال
تعالى: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ )
أي:يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه.
ثم قال
تعالى: ( وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ )
أي:إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن
عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [ بن
مِهْران ] قال:قام فينا معاذ ابن جبل فقال:يا بني أود، إني رسول رسول
الله إليكم، تعلمون أن المعاد [ إلى الله ] إلى
الجنة أو إلى النار .
قُلْ
إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 29 )
يخبر تبارك وتعالى عباده أنه
يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم
في سائر الأحوال والآناث واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا
يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو ( عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي:قدرته نافذة في جميع ذلك.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ
مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ
أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ ( 30 )
وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى
عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ
أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ
مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ) الآية، يعني:يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر
كما قال تعالى: يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ [ القيامة:13 ] فما رأى من أعماله حسنا سره
ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما
أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرَّأه على
فعل السوء: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ
الْقَرِينُ [
الزخرف:38 ] .
ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ ) أي:يخوفكم
عقابه، ثم قال مرجيًا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ( وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ )
قال الحسن البصري:من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره:أي:رحيم
بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله
الكريم.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( 32 )
هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو
على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي
والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنه قال: « مَنْ
عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ » ولهذا قال: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) أي:يحصل لكم فوق ما طلبتم من
محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء
العلماء:ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ وقال الحسن البصري وغيره من
السلف:زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ
تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) .
وقد قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد
الطَّنافِسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي
كثير، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « وَهَلِ الدِّينُ إلا الْحُبُّ
والْبُغْضُ؟ » قَالَ
الله تَعَالَى: ( قُلْ
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) قال أبو زُرْعَة:عبد الأعلى
هذا منكر الحديث .
ثم قال: (
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي:باتباعكم للرسول صلى الله
عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته.
ثم قال آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا )
أي:خالفوا عن أمره (
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف
بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي
الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء
- بل المرسلون، بل أولو العزم منهم- في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في
طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
النَّبِيِّينَ الآية [ آل
عمران:81 ] [ إن شاء الله تعالى ] .
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ
وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 33 )
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 )
يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى
آدم، عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل
شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.
واصطفى نوحا، عليه السلام، وجعله أول رسول [ بعثه ] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس
الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينـزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين
ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا
فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على
دينه الذي بعثه الله به.
واصطفى آل إبراهيم، ومنهم:سيد البشر وخاتم الأنبياء على
الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، وآل عمران، والمراد بعمران هذا:هو والد مريم بنت
عمران، أم عيسى ابن مريم، عليهم السلام. قال محمد بن إسحاق بن يَسار رحمه الله:هو
عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أمصيا بن
ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود،
عليهما السلام. فعيسى، عليه السلام، من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة
الأنعام، إن شاء الله وبه الثقة.
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ
لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ( 35 ) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ( 36 )
امرأة عمران هذه أم مريم [ بنت عمران ] عليها السلام وهي حَنَّة بنت فاقوذ، قال محمد بن
إسحاق:وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرًا يَزُقُّ فرخه، فاشتهت الولد، فدعت
الله، عز وجل، أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه،
فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون (
مُحَرَّرًا )
أي:خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ( رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ
مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ )
أي:السميع لدعائي، العليم بِنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى؟ ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا
قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ) قرئ برفع التاء على أنها تاء
المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ
كَالأنْثَى ) أي:في
القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ( وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ) فيه دلالة على جواز التسمية
يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك
ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: « وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد
سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ » . أخرجاه وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين
ولدته أمه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَحَنَّكه وسماه عبد الله وفي صحيح
البخاري:أن رجلا قال:يا رسول الله، وُلِدَ لي وَلَد، فما أُسمِّيه؟ قال: « اسْم وَلدِك عَبْد
الرَّحْمَنِ » وثبت في
الصحيح أيضًا:أنه لما جاءه أبو أسَيد بابنه ليُحنّكه، فذَهَل عنه، فأمر به أبوه
فَرَدّه إلى منـزلهم، فلما ذكرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سَمّاه
المنذر .
فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سَمُرَة بن جُنْدُب؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « كُلُّ غُلامٍ رَهِين بِعقِيقتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ
سَابِعِهِ، ويُسَمَّى وَيحْلَقُ رَأْسُهُ » فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، ويروي:
«
ويُدَمَّى » ، وهو
أثبت وأحفظ والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب:أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم عقّ عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم. فإسناده لا
يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لَحُمِل على أنه أشْهَرَ اسمَه بذلك يومئذ،
والله أعلم.
وقوله إخبارًا عن أم مريم أنها قالت: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ
وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) أي:عَوَّذتها بالله، عز وجل، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها،
وهو ولدها عيسى، عليه السلام. فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزَّاق:أنبأنا
مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « مَا
مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ
صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إلا مَرْيَم َوابْنَهَا » . ثم يقول أبو هريرة:اقرأوا إن
شئتم: ( وَإِنِّي
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بَقِيَّة، [ عن الزبيدي ] عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله
عليه وسلم، بنحوه. ورَوَى من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ مَوْلُود إلا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيطانُ عَصْرَةً
أو عَصْرَتَيْن إلا عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَمَرْيمََ » . ثم قرأ رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( وَإِنِّي
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) .
ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه مسلم، عن أبي
الطاهر، عن ابن وهب، عن عَمْرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه وهب
أيضًا، عن ابن أبي ذئب، عن عَجْلان مولى المِشْمَعَلِّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد
بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه
وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن
هرمز، الأعرج قال:قال أبو هريرة:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كُلُّ بني آدَمَ يَطْعنُ
الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِه حِينَ تَلِدهُ أمُّهُ، إلا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ،
ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَاب » .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا
الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا
قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ( 37 )
يخبر
ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه « أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا » أي:جعلها شكلا مليحا ومنظرا
بهيجا، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير
والعلم والدين. ولهذا قال: (
وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا ) وفي
قراءة: (
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) بتشديد
الفاء ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها.
قال ابن
إسحاق:وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سَنَةُ
جَدْب، فكفل زكريا مريم لذلك. ولا منافاة بين القولين. والله أعلم.
وإنما
قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا؛
ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [ وغيرهما ] وقيل:زوج أختها، كما ورد في
الصحيح: « فإذا
بِيحيى وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ » ، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعا، فعلى
هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى
في عمارة بنت حمَْزَةَ أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال: « الخَالَةُ بِمَنـزلَةِ الأمِّ
» .
ثم أخبر
تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: ( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا
زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ) قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن
جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخَعيّ، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية
العَوْفي، والسُّدِّي [
والشعبي ] يعني
وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد ( وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ) أي:علما، أو قال:صحفًا فيها
علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة
لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها ( قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ) أي:يقول من أين لك هذا؟ ( قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) .
وقال
الحافظ أبو يعلى:حدثنا سَهْل بن زنْجَلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله
ابن لَهِيعَة، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أقام أيامًا لم يَطْعَمْ طعاما، حتى شَقّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد
عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: « يا بُنَيَّة، هَلْ عِنْدَكِ شَيْء آكُلُهُ، فَإِنَّي
جَائِع؟ »
فقالت:لا والله بأبي أنتَ وأمّي. فلما خَرَج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين
وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جَفْنَةٍ لها، وقالت:والله لأوثرن بهذا رسول
الله [ صلى
الله عليه وسلم ] على
نفسي ومن عندي. وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حَسَنا أو حُسَينا إلى
رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] فرجع
إليها فقالت له:بأبي وأمي قد أتى الله بشيء فخَبَّأتُه لك. قال: « هَلُمِّي يا بُنيَّة » قالت:فأتيته بالجفنة. فكشفت عن
الجفنة فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرَتْ إليها بُهِتتْ وعرفَتْ أنها بركة
من الله، فحمدَت الله وصلَّت على نَبِيِّهِ، وقدّمَتْه إلى رسولِ الله صلى الله
عليه وسلم. فلما رآه حمد الله وقال: « مِنْ أيْنَ لَكِ هَذَا يَا بُنَية؟ » فقالت يا أبت، ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) فحمد الله وقال: « الحَمْدُ للهِ الَّذي
جَعَلَكِ - يا بُنَيّة- شَبيهَةِ بسيدةِ نِساء بَنيِ إسْرَائيلَ، فَإنَّها كَانَتْ
إذَا رَزَقَهَا اللهُ شَيْئًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قَالَتْ: ( هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) فبعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى عَلِي ثم أكل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأكل علي، وفاطمة، وحسن،
وحسين، وجميع أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعًا حتى شبعوا.
قالت:وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة
وخيرا كثيرا » .
هُنَالِكَ
دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً
طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ( 38 ) فَنَادَتْهُ
الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا
وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 )
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي
عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ( 40 )
قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ
أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ
وَالإِبْكَارِ ( 41 )
لما رأى
زكريا، عليه السلام، أن الله تعالى يرزق مريم، عليها السلام، فاكهة الشتاء في
الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، و [ إن ] كان
شيخا كبيرا قد [ ضعف و ] وَهَن
منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا
كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا، وقال: ( رَبِّ
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) أي:من عندك (
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) أي:ولدا صالحا (
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) .
قال الله
تعالى: ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي
الْمِحْرَابِ ) أي:خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في
محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به
الملائكة: ( أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى )
أي:بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره:إنما سُمِّي يحيى لأن الله
تعالى أحياه بالإيمان.
وقوله: (
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ) روى
العَوْفيّ وغيره عن ابن عباس. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء
والسُّدي والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم في هذه الآية: (
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ )
أي:بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس:هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال
قتادة:وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جُرَيْج:قال ابن عباس في قوله: (
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ )
قال:كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم:إني أجد الذي في بطني
يَسْجُد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى:تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق
عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام، وهكذا قال السدي أيضا.
وقوله: (
وَسَيِّدًا ) قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، وسعيد بن جبير،
وغيرهم:الحكيم وقال قتادة:سيدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس، والثوري،
والضحاك:السيد الحكيم المتقي وقال سعيد بن المسيب:هو الفقيه العالم. وقال
عطية:السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة:هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد:هو
الشريف. وقال مجاهد وغيره هو الكريم على الله، عز وجل.
وقوله: (
وَحَصُورًا ) رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن
جبير، وأبي الشعثاء، وعطية العَوْفي أنهم قالوا:هو الذي لا يأتي النساء. وعن أبي
العالية والربيع بن أنس:هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك:هو الذي لا ولد له ولا
ماء له.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن
ابن عباس في الحَصُور:الذي لا ينـزل الماء، وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا
غريبًا جدا فقال:حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان،
حدثنا عبادة - يعني ابن العوام- عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن ابن
العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو- عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (
وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) قال:ثم تناول شيئا من الأرض
فقال: « كان ذكره مثل هذا » .
ثم قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا يحيى بن سعيد القَطَّان، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري؛ أنه سمع سعيد بن المُسَيَّب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول:ليس أحد
من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد: (
وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) ثم أخذ شيئا من الأرض فقال الحصور
ما كان ذكره مثل ذي وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف إصبعه السبابة. فهذا موقوف وهو
أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد قال
القاضي عياض في كتابه الشفاء:اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان (
حَصُورًا ) ليس كما قاله بعضهم:إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد
أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا:هذه نقيصة وعيب ولا تليق
بالأنبياء، عليهم السلام، وإنما معناه:أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر
عنها، وقيل:مانعا نفسه من الشهوات. وقيل:ليست له شهوة في النساء.
وقد بان
لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم
قمعها:إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله عز وجل، كيحيى، عليه السلام. ثم هي حق
من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا
محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة،
بتحصينهن وقيامه عليهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرّح أنها ليست من
حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: «
حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ » .
هذا
لفظه. والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله
هو وغيره:أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال
وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ( هَبْ
لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) كأنه
قال:ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[ وقال ابن أبي حاتم:حدثنا
أبي حدثنا عيسى بن حماد زُغْبَة ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا حجاج، عن سلمان
بن القمري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كل ابن
آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا،
فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيا من الصالحين » ،
ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: « كان
ذكره مثل هذه القذاة » ] .
قوله: (
وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى
بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: إِنَّا رَادُّوهُ
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [
القصص:7 ] فلما تحقق زكريا، عليه السلام، هذه البشارة أخذ يتعجب من
وجود الولد منه بعد الكبر ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ
لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ ) أي
الملك: ( كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ )
أي:هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر .
( قَالَ
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) أي:علامة أستدل بها على وجود
الولد مني ( قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
إِلا رَمْزًا ) أي:إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله:
ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [ مريم:10 ] ثم أمر
بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال، فقال: (
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ ) وسيأتي
طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
وَإِذْ
قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ( 42 ) يَا
مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ ( 44 )
هذا
إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم، عليها السلام، عن أمر الله لهم
بذلك:أن الله قد اصطفاها، أي:اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهرها من
الأكدار والوسواس واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.
قال عبد
الرزاق:أنبأنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله: ( إِنَّ
اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ )
قال:كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خَيْرُ
نِسَاءٍ رَكبْن الإبلَ نِسَاءُ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ،
وأرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ، ولمَْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بنْتُ
عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ » . لم يخرجوه من هذا الوجه، سوى
مسلم فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حُمَيد كلاهما عن عبد الرزاق به.
وقال
هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « خَيْرُ
نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ
خُوَيْلِدٍ » . أخرجاه في الصحيحين، من حديث هشام، به مثله .
وقال
الترمذي:حدثنا أبو بكر بن زَنْجَوِيْه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن
قتادة، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « قَالَ
حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ
بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ » . تفرد
به الترمذي وصححه .
وقال عبد
الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه قال:كان ثابت البُنَاني يحدث عن أنس بن مالك؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « خَيْرُ
نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أرْبَع، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ امْرَأةُ
فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بَنْتُ رَسُولِ اللهِ [ صلى
الله عليه وسلم ] » رواه
ابن مردويه .
وروى ابن
مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ
النِّسَاءِ إِلا ثَلاث:مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ
، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ
الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ » .
وقال ابن
جرير:حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شُعْبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة،
سمعت مُرَّة الهَمْداني بحديث عن أبي موسى الأشعري قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ
النِّسَاءِ إِلا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ » . وقد
أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به ولفظ البخاري: « كَمُلَ
مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ
فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى
النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ » .
وقد
استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم عليهما السلام، في كتابنا: «
البداية والنهاية » ولله الحمد والمنة .
ثم أخبر
تعالى عن الملائكة:أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع
والدؤوب في العمل لها، لما يريد الله [
تعالى ] بها من الأمر الذي قدره وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في
الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير
أب، فقال تعالى: ( يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي
لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) أما
القنوت فهو الطاعة في خشوع كما قال تعالى: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [
البقرة:116 ] .
وقد قال
ابن أبي حاتم:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عَمْرو بن
الحارث:أن دَرَّاجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « كُلُّ حَرْفٍ فِي الْقُرآنِ
يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهُوَ الطَّاعَةُ » . ورواه
ابن جرير من حديث ابن لهيعة، عن دَرّاج، به، وفيه نكارة
وقال
مجاهد:كانت مريم، عليها السلام، تقوم حتى تتورم كعباها، والقنوت هو:طول الركوع في
الصلاة، يعني امتثالا لقوله تعالى: ( يَا
مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ ) بل قال الحسن:يعني اعبدي لربك
( وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ )
أي:كوني منهم.
وقال
الأوزاعي:ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نـزل الماء الأصفر في قدميها،
رضي الله عنها.
وقد ذكر
الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكُدَيمي - وفيه مقال- :حدثنا
علي بن بحر بن بَرّي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في
قوله: ( يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي )
قال:سَجَدت حتى نـزل الماء الأصفر في عينيها .
وذكر ابن
أبي الدنيا:حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضَمْرة، عن ابن شَوْذَب قال:كانت
مريم، عليها السلام، تغتسل في كل ليلة.
ثم قال
تعالى لرسوله [ عليه أفضل الصلوات والسلام
] بعدما أطلعه على جلية الأمر: ( ذَلِكَ
مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ )
أي:نقصه عليك ( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ
إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) أي:ما كنت عندهم يا محمد
فَتُخْبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك كنت حاضرا وشاهدًا
لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.
قال ابن
جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن القاسم بن أبي
بَزَّة، أنه أخبره عن عكرمة - وأبي بكر، عن عكرمة- قال:ثم خَرَجَتْ بها - يعني أم
مريم بمريم- تحملها في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى، عليهما السلام -
قال:وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما يلي الحَجَبَة من الكعبة- فقالت لهم:دُونكم
هذه النَّذِيرة فإني حررتها وهي ابنتي، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي؟
فقالوا هذه ابنة إمامنا - وكان عمران يؤمهم في الصلاة- وصاحب قرباننا فقال
زكريا:ادفعوها إليَّ:فإن خالتها تحتي. فقالوا:لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا فذلك
حين اقترعوا بأقلامهم عليها التي يكتبون بها التوراة، فَقَرَعَهُم زكريا، فكفلها
وقد ذكر
عكرمة أيضًا، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، وغير واحد - دخل حديث بعضهم في بعض-
أنهم دخلوا إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم [ فيه
] فأيهم ثبت في جَرْية الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم
فاحتملها الماء إلا قلم زكريا ثبت. ويقال:إنه ذهب صُعُدًا يشق جرية الماء، وكان مع
ذلك كبيرهم وسيدهم، وعالمهم وإمامهم ونبيهم صلوات الله وسلامه عليه سائر النبيين [
والمرسلين ]
إِذْ
قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ
الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
هذه بشارة من الملائكة لمريم،
عليها السلام، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير. قال الله تعالى: ( إِذْ
قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ )
أي:بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي:بقوله له: « كن » فيكون،
وهذا تفسير قوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل
عمران:39 ] كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه (
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) أي يكون
مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك.
وسمي المسيح، قال بعض
السلف:لكثرة سياحته. وقيل:لأنه كان مسيح القدمين: [ أي ] لا
أخْمَص لهما. وقيل:لأنه [ كان ] إذا
مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى.
وقوله: (
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) نسبة له إلى أمه، حيث لا أب
له ( وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ
الْمُقَرَّبِينَ ) أي:له وجاهة ومكانة عند الله
في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينـزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما
منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة
بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم.
وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 46 )
قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ
كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 47 )
وقوله: (
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا )
أي:يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، في حال صغره، معجزة وآية، و [ في ] حال
كهوليته حين يوحي الله إليه بذلك (
وَمِنَ الصَّالِحِينَ ) أي:في قوله وعمله، له علم
صحيح وعمل صالح.
قال محمد
بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا
تَكَلَّمَ مَوْلُود فِي صِغَرِهِ إلا عِيسَى وصَاحِبَ جُرَيْج » .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو الصقر يحيى بن محمد بن قَزْعَة، حدثنا الحسين - يعني المروزي-
حدثنا جرير - يعني ابن حازم- عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: « لمَْ يَتَكَّلَمْ فِي المهدِ إلا ثَلاثَة، عِيسى، وصَبِيٌّ
كَانَ فِي زَمَنِ جُرَيْج، وصبيٌّ آخَرُ » .
فلما
سمعت بشارة الملائكة لها بذلك، عن الله، عز وجل، قالت في مناجاتها: ( رَبِّ
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ )
تقول:كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بَغيا؟
حاشا لله. فقال لها الملك - عن الله، عز وجل، في جواب هذا السؤال- : ( كَذَلِكِ
اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) أي:هكذا أمْرُ الله عظيم، لا
يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله: ( يَخْلُقُ ) ولم
يقل: « يفعل » كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا
على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة، وأكد ذلك بقوله: ( إِذَا
قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) أي:فلا
يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلا
وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [
القمر:50 ] أي:إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء
سريعًا كلمح بالبصر .
وَيُعَلِّمُهُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( 48 )
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي
الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا
تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ ( 49 )
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ
الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 50 )
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 )
يقول
تعالى - مخبرا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى، عليه السلام- أن الله يعلمه
( الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) الظاهر
أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة. والحكمة تقدم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة
.
(
وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) فالتوراة:هو الكتاب الذي
أنـزله الله على موسى بن عمران. والإنجيل:الذي أنـزله الله على عيسى عليهما السلام،
وقد كان [ عيسى ] عليه السلام، يحفظ هذا وهذا.
وقوله: (
وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي: [ و ] يجعله
رسولا إلى بني إسرائيل، قائلا لهم: (
أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ
الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ
اللَّهِ ) وكذلك كان يفعل:يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير
عيانًا بإذن الله، عز وجل، الذي جعل هذا معجزة يَدُلّ على أن الله أرسله.
(
وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ ) قيل:هو الذي يبصر نهارًا ولا
يبصر ليلا. وقيل بالعكس. وقيل:هو الأعشى. وقيل:الأعمش. وقيل:هو الذي يولد أعمى.
وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي (
والأبرص ) معروف.
(
وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ) قال
كثير من العلماء:بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب
على زمان موسى، عليه السلام، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت
الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام،
وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، عليه السلام، فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم
الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع
الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص،
وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعثه [
الله ] في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من
الله، عز وجل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو
بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام
الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا.
وقوله: (
وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ )
أي:أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر [ له ] في
بيته لغده ( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) أي:في
ذلك كله ( لآيَةً لَكُمْ ) أي:على
صدْقي فيما جئتكم به. ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
(
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ )
أي:مقرر لهم ومُثَبّت ( وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ
الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) فيه دلالة على أن عيسى، عليه
السلام، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال:لم
ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن
المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي
تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [ الزخرف:63 ] والله
أعلم.
ثم قال:
( وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )
أي:بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم. (
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
) أي:أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه
( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ )
فَلَمَّا
أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ
نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 )
يقول تعالى: (
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى ) أي:استشعر منهم التصميم على
الكفر والاستمرار على الضلال قال: ( مَنْ
أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ) قال مجاهد:أي من يَتبعني إلى
الله؟ وقال سفيان الثوري وغيره:من أنصاري مع الله؟ وقول مجاهد أقربُ.
والظاهر أنه أراد من أنصاري في
الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج، قبل أن
يهاجر: « مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى [ أن ] أبلغ
كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي » حتى وجد
الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى
ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا
النور الذي أنـزل معه. ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ( قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنـزلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ )
الحواريون، قيل:كانوا قَصّارين وقيل:سموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل:صيادين. والصحيح
أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
نَدبَ الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدَبَ الزبير [ ثم
ندبهم فانتدب الزبير ] فقال: « إنَّ
لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَاريًا وَحَوَارِيي الزُّبَيْرُ » .
رَبَّنَا
آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ ( 53 )
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( 54 )
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة،
عن ابن عباس في قوله: ( فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّاهِدِينَ ) قال مع أمة محمد صلى الله
عليه وسلم. وهذا إسناد جيد.
ثم قال
تعالى مخبرا عن [ ملأ ] بني
إسرائيل فيما هَمُّوا به من الفتك بعيسى، عليه السلام، وإرادته بالسوء والصَّلب،
حين تمالؤوا عليه وَوَشَوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنْهَوا إليه أن
هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك، وَيُفَنِّد الرعايا، ويفرق بين الأب
وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية حتى
استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه ويُنَكّل به، فلما أحاطوا
بمنـزله وظنوا أنهم قد ظَفروا به، نجاه الله من بينهم، ورفعه من رَوْزَنَة ذلك
البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل [ ممن
] كان عنده في المنـزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل
عيسى، عليه السلام، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك. وكان هذا من
مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون،
يعتقدون أنهم قد ظفروا بطَلبتِهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما
لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: (
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) .
إِذْ
قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( 55 )
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 56 )
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 57 )
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 )
اختلف
المفسرون في قوله: ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) فقال قتادة وغيره:هذا من المقدم
والمؤخر، تقديره:إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك.
وقال علي
بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )
أي:مميتك.
وقال
محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وَهْب بن مُنَبِّه، قال:توفاه الله ثلاث ساعات من
النهار حين رفعه الله إليه.
قال ابن
إسحاق:والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه.
وقال
إسحاق بن بشر عن إدريس، عن وهب:أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.
وقال مطر
الوراق:متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت وكذا قال ابن جرير:توفيه هو رفعه.
وقال
الأكثرون:المراد بالوفاة هاهنا:النوم، كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي
يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [
الأنعام:60 ] وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا
الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [ الزمر:42 ] وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - إذا قام من النوم- : «
الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ » ، وقال
الله تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا *
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
إلى قوله [ تعالى ] وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [ النساء:156 - 159 ]
والضمير في قوله: قَبْلَ مَوْتِهِ عائد على عيسى، عليه السلام، أي:وإن من أهل
الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينـزل إلى الأرض قبل يوم القيامة،
على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل
إلا الإسلام.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن
أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله: (
إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ) يعني وفاة المنام، رفعه الله
في منامه. قال الحسن:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: « إنَّ
عِيسَى لمَْ يَمُتْ، وَإنَّه رَاجِع إلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقَيامَةِ » .
وقوله
تعالى: ( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
أي:برفعي إياك إلى السماء ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ
اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) وهكذا
وقع؛ فإن المسيح، عليه السلام، لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا
بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من
غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا:هو الله. وآخرون قالوا:هو ثالث ثلاثة. وقد
حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة
سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له:قسطنطين، فدخل في دين النصرانية،
قيل:حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل:جهلا منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح
وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة - التي هي الخيانة
الحقيرة- وأحل في زمانه لحم الخنـزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس،
وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين
قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارت ما يزيد على اثنى
عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم
في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان
الجميع كفار، عليهم لعائن الله.
فلما بعث
الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله
على الوجه الحق - كانوا هم أتباع كُل نبي على وجه الأرض- إذ قد صدقوا الرسول النبي
الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى
بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملّته وطريقته، مع ما قد حَرّفوا وبدلوا.
ثم لو لم
يكن شيء من ذلك لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل بما بعث به محمدًا صلى
الله عليه وسلم من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال
قائما منصورًا ظاهرا على كل دين. فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها،
واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميعُ الدول، وكسروا كسرى، وقَصروا قيصر،
وسلبوهما كُنُوزَهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم، عز
وجل، في قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا الآية [
النور:55 ] ولهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا سلبوا النصارى
بلاد الشام وأَجْلَوهم إلى الروم، فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال
الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق أمَّته بأن آخرهم
سيفتحون القسطنطينية، ويستفيؤون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مَقْتلة عظيمة
جدا، لم ير الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءا مفردا. ولهذا
قال تعالى: ( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) أي:يوم
القيامة ( فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) وكذلك
فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصارى؛ عَذبهم في
الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة
عَذابُهم أشد وأشق وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [
الرعد:34 ] .
(
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ) أي:في
الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات (
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
ثم قال
تعالى: ( ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ
الْحَكِيمِ ) أي:هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ
ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونـزله عليك من اللوح
المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ
يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ [ مريم:34- 35 ] وهاهنا
قال تعالى.
إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ
مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 )
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
( 61 )
يقول تعالى: ( إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه
من غير أب ( كَمَثَلِ آدَمَ ) فإن
الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل (
خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) والذي
خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى
بكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك
باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادًا. ولكن الرب، عَزّ وجل، أراد أن
يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا
أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال
تعالى في سورة مريم: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [
مريم:21 ] .
وقال هاهنا: (
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) أي:هذا
القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا
الضلال.
ثم قال تعالى - آمرا رسوله صلى
الله عليه وسلم أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ: (
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ ) أي:نحضرهم في حال المباهلة ( ثُمَّ
نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )
أي:نلتعن ( فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) أي:منا
أو منكم.
وكان سبب نـزول هذه المباهلة
وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين قدموا فجعلوا
يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنـزل الله صَدْرَ
هذه السورة رَدا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يَسَار وغيره.
قال ابن إسحاق في سيرته
المشهورة وغيره:وقَدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نَجْران، ستون
راكبا، فيهم أربعة عَشرَ رجلا من أشرافهم يؤول إليهم أمرهم، وهم:العاقب، واسمه عبد
المسيح، والسيد، وهو الأيْهَم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأويس الحارث
وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، وَيُحَنَّس.
وأمْرُ هؤلاء يؤول إلى ثلاثة
منهم، وهم:العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا
عن رأيه، والسيد وكان عالمهم وصاحب رَحْلهم ومُجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة وكان
أسْقُفهم وحَبْرَهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان رجلا من العرب من بني بكر بن
وائل، ولكنه تَنَصَّر، فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وَمَوَّلُوه
وأخْدَموه، لما يعلمونه من صلابته في دينهم. وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم وشأنه وصفته بما علمه من الكتب المتقدمة جيدا، ولكن احتمله جهله على
الاستمرار في النصرانية لما يرى [ من ] تعظيمه
فيها ووجاهته عند أهلها.
قال ابن إسحاق:وحدثني محمد بن
جعفر بن الزبير، قال:قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلوا
عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات:جُبَب وأرْدية، في جَمَال رجال
بني الحارث بن كعب. قال:يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:ما
رأينا بعدهم وفدا مثلهم. وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق.
قال:فكلم رسول الله صلى الله
عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، أو السيّد الأيهم، وهم من
النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم، يقولون:هو الله، ويقولون:هو ولد الله،
ويقولون:هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [ عن
ذلك علوًا كبيرا ] وكذلك قول النصرانية، فهم
يحتجون في قولهم: « هو الله » بأنه
كان يحيي الموتى، ويُبْرئُ الأسقامَ، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير،
ثم ينفخ فيه فيكون طيرا وذلك كله بأمر الله، وليجعله آية للناس.
ويحتجون في قولهم بأنه ابن
الله، يقولون:لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم
قبله.
ويحتجون في قولهم بأنه ثالث
ثلاثة، بقول الله تعالى:فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا؛ فيقولون:لو كان واحدًا ما
قال إلا فعلتُ وقضيتُ وأمرتُ وخلقتُ؛ ولكنه هو وعيسى ومَرْيَم وفي كل ذلك من قولهم
قد نـزل القرآن.
فلما كلمه الحَبْران قال لهما
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أسْلِمَا » قالا قد
أسلمنا. قال: « إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فأسْلِما » قالا
بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: « كَذَبْتُمَا، يمْنَعُكُمَا
مِنَ الإسْلامِ دُعَاؤكُما لله ولدا، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وأكْلُكُمَا
الخِنـزيرَ » . قالا فمن أبوه يا محمد؟ فَصَمَتَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم عنهما فلم يجبهما، فأنـزل الله في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم، صَدْرَ سورة
آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.
ثم تَكَلَّم ابن إسحاق على
التفسير إلى أن قال:فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله،
والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إنْ رَدّوا ذلك
عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا:يا أبا القاسم، دَعْنَا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما
نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا بالعاقب، وكان ذا رأيهم،
فقالوا:يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال:والله يا معشر النصارى لقد عرَفْتم أن
محمدًا لنبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالفَصْل من خَبَر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما
لاعَن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صَغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم،
فإن كنتم [ قد ] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة
على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعُوا الرجلَ وانصرفوا إلى بلادكم.
فأتوا النبي صلى الله عليه
وسلم، فقالوا:يا أبا القاسم، قد رأينا ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجعَ على
ديننا، ولكن ابعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا
فيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضًا.
قال محمد بن جعفر:فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ائْتُونِي الْعَشِيَّة أبعث
معكم القوي الأمين » ، فَكان عمر بن الخطاب يقول:ما
أحببت الإمارة قَطّ حُبّي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فَرُحْتُ إلى الظهر
مُهَجّرا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهرَ سلَّم، ثم نَظَر عن يمينه
وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يَزَلْ يلتمس ببصره حتى رأى أبا عُبَيدة
بن الجَرَّاح، فدعاه: « اخْرُجْ معهم، فَاقْضِ بينهم
بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » . قال
عمر:فذهب بها أبو عبيدة، رضي الله عنه .
وقد روى ابن مردويه من طريق
محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خُدَيْج:أن
وفد أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، إلا أنه قال في
الأشراف:كانوا اثني عشر. وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخَر.
وقال البخاري:حدثنا عباس بن
الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَر، عن
حذيفة قال:جاء العاقبُ والسيدُ صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يريدان أن يلاعناه، قال:فقال أحدهما لصاحبه:لا تَفْعَلْ، فوالله إن كان نبيا
فلاعناه لا نفلحُ نحنُ ولا عَقبنا من بعدنا. قالا إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا
رجلا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينا. فقال: «
لأبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلا أمينًا حَقَّ أمِينٍ » ،
فاستشرفَ لها أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: « قُمْ
يَا أبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحٍِ » فلما
قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هَذَا
أمِينُ هذه الأمَّةِ » .
[ و ] رواه
البخاري أيضا، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة من طرق عن أبي إسحاق
السَّبِيعي، عن صِلَة، عن حذيفة، بنحوه.
وقد رواه أحمد، والنسائي، وابن
ماجة، من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلَة عن ابن مسعود، بنحوه .
وقال البخاري:حدثنا أبو الوليد،
حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قِلابة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لكل
أُمَّةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمَّة أبُو عبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل
بن يزيد الرَّقِّي أبو يزيد، حدثنا فُرَات، عن عبد الكريم ابن مالك الجزَري « عن عكرمة،
عن ابن عباس، قال:قال أبو جهل:إن رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند
الكعبة لآتينه حتى أطَأ على عنقه. قال:فقال: » لو فعلَ
لأخَذته الملائكةُ عيانًا، ولو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من
النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرَجَعوا لا يجدون
مالا ولا أهلا « . »
وقد رواه الترمذي، والنسائي، من
حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الكريم، به. وقال الترمذي: [
حديث ] حسن صحيح .
وقد روى البيهقي في دلائل
النبوة قصَّة وَفْد نَجْران مطولة جدًا، ولنذكره فإن فيه فوائدَ كثيرة، وفيه غرابة
وفيه مناسبة لهذا المقام، قال البيهقي:
حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو
سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن
عبد الجبار، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن سلمة بن عبدِ يَسُوع، عن أبيه، عن جده قال
يونس - وكان نصرانيا فأسلم- :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران
قبل أن ينـزل عليه طس سليمان: « بِاسْم إلَهِ إِبْرَاهِيمَ
وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ الَّنِبيِّ رَسُولِ اللهِ إلَى أسْقف
نَجْرانَ وأهْلِ نَجْرانَ سِلْم أَنْتُم، فإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمْ إلَهَ
إبْرَاهِيمَ وإِسْحَاقَ ويَعْقُوبَ. أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي أَدْعُوكُم إلَى
عِبَادَةِ اللهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ، وأدْعُوكُمْ إلَى وِلايَةِ اللهِ مِنْ
وِلايَةِ الْعِبَادِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ
آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ والسَّلامُ » .
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه
فَظعَ به، وذَعَره ذُعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له:شُرَحْبيل بن
وَداعة - وكان من هَمْدان ولم يكن أحد يُدْعَى إذا نـزلت مُعْضلة قَبْلَه، لا
الأيهم ولا السِّيد ولا العاقب- فدفع الأسْقُفُ كتابَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى شُرَحْبيل، فقرأه، فقال الأسقف:يا أبا مريمَ، ما رأيك ؟ فقال شرحبيل:قد
علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يُؤْمنُ أن يكون هذا هو
ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي،
وجَهِدتُ لك، فقال له الأسقف:تَنَحَّ فاجلس. فَتَنَحَّى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث
الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يقال له:عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من
حمْير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له
الأسقف:فاجلس، فتَنَحى فجلس ناحية. وبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران، يقال
له:جبار بن فيض، من بني الحارث بن كعب، أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن
الرأي فيه؟ فقال له مثل قول شُرَحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك
المقالة جميعًا، أمر الأسقف بالناقوس فضُرب به، ورُفعت النيران والمسوح في
الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فَزعوا بالنهار، وإذا كان فزعُهم ليلا ضربوا
بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل
الوادي أعلاه وأسفله - وطولُ الوادي مَسِيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون
قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل. فقرأ عليهم كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأيُ أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن ودَاعة
الهمداني، وعبد الله ابن شُرَحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب
السفر عنهم، ولبسوا حُلَلا لهم يجرونها من حبرة، وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى
أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، فلم يرد عليهم وتصدوا لكلامه
نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب. فانطلقوا يتبعون عثمان بن
عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا مَعْرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين
والأنصار في مجلس، فقالوا:يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب،
فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا
طويلا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب
- وهو في القوم- :ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال عَليّ لعثمان ولعبد
الرحمن:أرى أن يضعوا حُللهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودا إليه.
ففعلوا فسلموا، فرد سلامهم، ثم قال: «
والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمرَّةَ الأولَى، وإنَّ إبْلِيسَ
لَمَعَهُم » ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا:ما
تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول
فيه ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَا
عِنْدِي فِيهِ شِيء يَوْمِي هَذَا، فَأَقِيمُوا حَتَّى أُخْبِرَكُمْ بما يقول لي
رَبِّي في عيسَى » . فأصبح الغد وقد أنـزل الله،
عز وجل، هذه الآية: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ
اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ
نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) فأبوا
أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر،
أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خَمِيل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله
يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه:قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله
لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا ثقيلا والله لئن كان هذا
الرجل ملكا مبعوثا، فكنا أول العرب طعن في عينيه ورد عليه أمره، لا يذهب لنا من
صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن
كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعَنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعْر ولا ظُفُر
إلا هلك. فقال له صاحباه:يا أبا مريم، فما الرأي؟ فقال:أرى أن أحكمه، فإني أرى
رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقالا له:أنت وذاك. قال:فلقي شرحبيلُ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم، فقال له:إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: « وما
هو؟ » فقال:حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت
فينا فهو جائز. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
لَعَلَّ وَرَاءكَ أحَدًا يَثْرِبُ عَلْيكَ؟ » فقال
شرحبيل:سل صاحبي. فسألهما فقالا ما يرد الوادي ولا يَصْدرُ إلا عن رأي
شرحبيل:فَرَجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم، حتى إذا كان الغد أتوه
فكتب لهم هذا الكتاب: « بِسْم الله الرحمنِ
الرَّحِيم، هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِي رَسُولُ اللهِ لِنَجْرَانَ - إنْ
كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمَهُ- فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ
وَسَودَاءَ وَرَقِيقٍ فَاضِلٍ عَلَيْهِمْ، وتَرْك ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ، عَلَى
أَلْفَي حُلَّةٍ، فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وفِي كُلِّ صَفَرٍ ألْفُ
حُلَّةٍ » وذكر تمام الشروط وبقية السياق .
والغرض أن وفودهم كان في سنة
تسع؛ لأن الزهري قال:كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وآية الجزية إنما أنـزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [
التوبة:29 ] .
وقال أبو بكر بن مردويه:حدثنا
سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، أخبرنا محمد بن
دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر قال:قدم على النبي صلى الله عليه
وسلم العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة.
قال:فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم
أرسل إليهما فَأَبَيَا أن يجيئا وأقَرَّا بالخراج، قال:فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « وَالَّذِي بَعَثَني بالْحَقِّ لَوْ قَالا لا لأمْطَرَ
عَلَيْهِمُ الْوَادِي نارًا » قال جابر:فيهم نـزلت (
نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا
وَأَنْفُسَكُمْ ) قال جابر: (
وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) رسولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم وعليّ بن أبي طالب وَ ( أَبْنَاءَنَا ) الحسن
والحسين ( وَنِسَاءَنَا ) فاطمة.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه،
عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري عن علي بن حُجْر، عن علي بن مُسْهِر، عن
داود بن أبي هند، به بمعناه. ثم قال:صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه .
هكذا قال:وقد رواه أبو داود
الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة عن الشعبي مرسلا وهذا أصح وقد روي عن ابن عباس
والبراء نحو ذلك.
إِنَّ
هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ
لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 62 )
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 )
ثم قال
الله تعالى: ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ) أي:هذا
الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد ( وَمَا
مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّه وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ
تَوَلَّوْا ) أي:عن هذا إلى غيره. (
فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) أي:من
عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو
القادر، الذي لا يفوته شيء [ سبحانه وبحمده ونعوذ به من
حلول نقمه ] .
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 )
هذا
الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم ( قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ ) والكلمة
تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: (
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) أي:عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم
فيها. ثم فسرها بقوله: ( أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ
وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ) لا وَثَنا، ولا صنما، ولا
صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له.
وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [
الأنبياء:25 ] . [ وقال تعالى ]
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل:36 ] .
ثم قال:
( وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ
اللَّهِ ) وقال ابن جُرَيْج:يعني:يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال
عكرمة:يعني:يسجد بعضنا لبعض.
( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا
اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) أي:فإن تولوا عن هذا النَّصَف
وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
وقد
ذكرنا في شرح البخاري، عند روايته من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان، في قصته حين دخل على قيصر، فسألهم عن
نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك
على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مُشْركًا لم يُسْلم بعد، وكان ذلك بعد
صُلْح الحُدَيْبِيَة وقبل الفتح، كما هو مُصَرّح به في الحديث، ولأنه لما قال هل
يغدر؟ قال:فقلت:لا ونحن منه في مُدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال:ولم يمكني كلمة
أزيد فيها شيئا سوى هذه:والغرض أنه قال:ثم جيء بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقرأه، فإذا فيه:
« بِسْمِ
اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ
الرُّومِ، سَلامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ
تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ فَإِن تَوَلَّيْتَ فإنَّ
عَلَيْكَ إِثْمَ الأريسيِّين، و ( يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا
نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . »
وقد ذكر
محمد بن إسحاق وغير واحد أن صَدْر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نـزلت
في وَفْد نجْران، وقال الزهري:هم أول من بَذَلَ الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية
نـزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هِرقْل في جملة
الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجُوه:
أحدها:يحتمل
أن هذه الآية نـزلت مرتين، مَرّةً قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
الثاني:يحتمل
أن صدر سورة آل عمران نـزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية نـزلت
قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: « إلى بضع وثمانين آية » ليس
بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان.
الثالث:يحتمل
أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مُصَالحةً عن المباهلة لا على
وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نـزول آية الجزية بعد ذلك
على وفق ذلك كما جاء فرض الخمس والأربعة الأخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في
تلك السرية قبل بدر، ثم نـزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
الرابع:يحتمل
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكَتْب هذا [
الكلام ] في كتابه إلى هرقل لم يكن أنـزل بعد، ثم نـزل القرآن موافقة
له كما نـزل بموافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم
الصلاة على المنافقين، وفي قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى
[ البقرة:125 ] وفي
قوله: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا
مِنْكُنَّ الآية [ التحريم:5 ] .
يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ
التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) هَا
أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ
فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 66 ) مَا
كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا
مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 )
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( 68 )
ينكر
تعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل، ودعوى كل طائفة منهم أنه
كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار:
حدثني
محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس
قال:اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا
عنده، فقالت الأحبار:ما كان إبراهيم إلا يهوديا. وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا
نصرانيا. فأنـزل الله تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنـزلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلا
مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أي:كيف
تَدّعُون، أيها اليهود، أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينـزل الله التوراة
على موسى، وكيف تَدّعُون، أيها النصارى، أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية
بعد زمنه بدهر. ولهذا قال: ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .
ثم قال:
( هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ
عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون ) هذا إنكار على من يحاج فيما
لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا
فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد صلى
الله عليه وسلم لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم
ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على
حقائقها وجلياتها، ولهذا قال: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )
ثم قال
تعالى: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا )
أي:مُتَحَنفًا عن الشرك قَصْدًا إلى الإيمان ( وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وهذه
الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى
تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ [ البقرة:135 ] .
ثم قال
تعالى: ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ ) يقول تعالى:أحق الناس بمتابعة
إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي - يعني محمدًا صلى الله عليه
وسلم- والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم.
قال سعيد
بن منصور:أخبرنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن ابن
مسعود، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنَّ
لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وإنَّ وَليِّي مِنْهُمْ أبي وخَلِيلُ
رَبِّي عز وجل » . ثم قرأ: ( إِنَّ
أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) .
وقد رواه
الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزُّبيري، عن سفيان الثوري، عن أبيه، به ثم قال
البزار:ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله، ولم
يذكر مسروقا. وكذا رواه الترمذي من طريق وَكِيع، عن سفيان، ثم قال:وهذا أصح لكن
رواه وكيع في تفسيره فقال:حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن
مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم...فذكره.
وقوله: (
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) أي:ولي
جميع المؤمنين برسله.
وَدَّتْ
طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا
أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 69 ) يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 70 )
يخبر تعالى عن حَسَدَ اليهود
للمؤمنين وبَغْيهم إياهم الإضلال، وأخبر أنَّ وَبَالَ ذلك إنما يعود على أنفسهم،
وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم.
يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 71 )
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
( 72 ) وَلا
تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ
يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ
إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
( 73 )
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 74 )
ثم قال
تعالى منكرا عليهم: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ )
أي:تعلمون صدقها وتتحققون حقها ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
) أي:تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم
وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه.
(
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنـزلَ عَلَى
الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
) هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر
دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع
المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس:إنما
رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: (
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) .
قال ابن
أبي نَجِيح، عن مجاهد، في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية:يعني يهود،
صَلَّت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر وكفروا آخر النهار، مكرًا منهم،
ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه.
وقال
العَوْفِي، عن ابن عباس:قالت طائفة من أهل الكتاب:إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار
فآمنوا، وإذا كان آخره فَصَلّوا صلاتكم، لعلهم يقولون:هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم
منا. [ وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك ] .
وقوله: ( وَلا
تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) أي:لا
تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى
المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم؛ قال الله تعالى: ( قُلْ
إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ) أي هو الذي يهدي قلوب
المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينـزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من
الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وَإنْ كتمتم - أيها اليهود-
ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
وقوله ( أَنْ
يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ )
يقولون:لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه،
ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند الله، أي:يتخذوه حجة عليكم
مما بأيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة. قال
الله تعالى: ( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ
يَشَاءُ ) أي:الأمورُ كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يَمُنّ على
من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضل من يشاء ويُعمي بصره وبصيرته، ويختم
على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة .
(
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو
الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) أي:اختصكم - أيها المؤمنون-
من الفضل بما لا يُحَد ولا يُوصَف، بما شرف به نبيكم محمدًا صلى الله عليه وسلم
على سائر الأنبياء وهداكم به لأحمد الشرائع.
وَمِنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي
الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 )
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( 76 )
يخبر
تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ( مَنْ
إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ) أي:من المال (
يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ) أي:وما دونه بطريق الأولى أن
يؤديه إليك ( وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ
إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا )
أي:بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار
فما فوقه أولى ألا يؤديه.
وقد تقدم
الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف.
وقد قال ابن
أبي حاتم:حدثنا سعيد بن عمرو السَّكُوني، حدثنا بَقِيَّة، عن زياد بن الهيثم،
حدثني مالك بن دينار قال:إنما سمي الدينار لأنه دين ونار. وقال:معناه:أنه من أخذه
بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار.
ومناسب
أن يكون هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه، ومن أحسنها سياقه
في كتاب الكفالة حيث قال:وقال الليث:حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن
هُرْمُز الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم:أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ [
بَعْضَ ] بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ،
فَقَالَ:ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ:كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا.
قَالَ:ائْتِنِي بِالْكَفِيلِ. قَالَ:كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا. قَال َ:صَدَقْتَ.
فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى
حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأجَلِ
الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكِبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا
فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ
زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ:اللَّهُمَّ
إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي استَسْلَفْت ُ فُلانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي
كَفِيلا فَقُلْتُ:كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلا فَرَضِيَ بِكَ . وَسَأَلَنِي شَهِيدًا ،
فَقُلْتُ:كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ، وَإِنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ
مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي
اسْتَوْدَعْتُكَهَا . فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ
انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ،
فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا
يَجِيئُهَُ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ،
فَأَخَذَهَا لأهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ
وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ تَسَلَّف مِنْهُ، فَأَتَاه بِأَلْفِ
دِينَارٍ، وَقَالَ:وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ
بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ:هَلْ
كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ:أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ
مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا؟ قَالَ:فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي
بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ ، فَانْصَرِفْ بِأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا .
هكذا
رواه البخاري في موضعه مُعَلَّقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح
عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولا عن
يونس بن محمد المؤدب، عن الليث به ورواه البزار في مسنده، عن الحسن بن مُدْرِك، عن
يحيى بن حماد، عن أبي عَوَانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ثم قال:لا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا
من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال، وهو خطأ، لما تقدم .
وقوله: (
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ )
أي:إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون:ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل
أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: (
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أي:وقد
اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرم عليهم أكل الأموال
إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت.
قال عبد
الرزاق:أنبأنا مَعْمَر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن [ أبي
] صَعْصَعَة بن يزيد ؛ أن رجلا سأل ابن عباس، قال:إنا نُصِيب
في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجةَ والشاةَ؟ قال ابن عباس:فَتَقولون ماذا ؟
قال:نقول ليس علينا بذلك بأس. قال:هذا كما قال أهل الكتاب: (
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) إنهم
إذا أدوا الجزية لم تَحل لكم أموالهُم إلا بِطِيب أنفسهم.
وكذا
رواه الثوري، عن أبي إسحاق بنحوه.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا أبو الربيع الزهراني حدثنا يعقوب، حدثنا
جعفر، عن سعيد بن جبير قال:لما قال أهل الكتاب: ( لَيْسَ
عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) قال
نبي الله [ صلى الله عليه وسلم ] كَذَبَ
أَعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شِيٍء كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِلا وَهُوَ تَحْتَ
قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلا الأمَانَةَ، فَإِنَّهَا مُؤَدَّاةٌ إِلَى الْبَرِّ
وَالفَاجِرِ « »
ثم قال
تعالى: ( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ) أي:لكن
من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه، من الإيمان بمحمد صلى
الله عليه وسلم إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى
محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر «
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ »
إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ( 77 )
يقول تعالى:إن الذين يعتاضون
عما عهدهم الله عليه، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته الناس وبيان
أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه
الدنيا الفانية الزائلة « أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ
فِي الآخِرَةِ » أي:لا نصيب لهم فيها، ولا حظ
لهم منها « وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ » أي:برحمة منه لهم، بمعنى:لا
يكلمهم كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة « وَلا يُزَكِّيهِمْ
» أي:من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار «
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه
الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها:
الحديث الأول:قال الإمام
أحمد:حدثنا عفان، حدثنا شعبة قال:علي بن مُدْرِك أخْبرَني قال:سمعت أبا زُرْعَة،
عن خَرَشة بن الحُر، عن أبي ذر، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
ثَلاثَة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » قلت:يا
رسول الله، من هم؟ خابوا وخسروا. قال:وأعاده رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] ثلاث مرات قال: «
المُسْبِل، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكاذِبِ، والمنانُ » . ورواه
مسلم، وأهل السنن، من حديث شعبة، به.
طريق أخرى:قال أحمد:حدثنا
إسماعيل، عن الحُرَيري، عن أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن أبي الأحْمَس قال:لقيتُ
أبا ذر، فقلتُ له:بلغني عنك أنك تُحدِّث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال:أما إنه لا تَخَالُني أكذبُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما سمعته
منه، فما الذي بلغك عني؟ قلتُ:بلغني أنك تقول:ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يَشْنَؤهم
الله عز وجل. قال:قلته وسمعته. قلت:فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال:الرجل يلقى
العدوّ في فئة فينصب لهم نَحْرَه حتى يقتل أو يفتح لأصحابه. والقومُ يسافرون فيطول
سراهم حتى يَحنُّوا أن يمسوا الأرض فينـزلون، فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم
لرحيلهم. والرجلُ يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاهُ حتى يفرق بينهما موت أو
ظَعْن. قلت:ومن هؤلاء الذين يشنأ الله؟ قال:التاجر الحلاف - أو البائع الحلاف -
والفقير المختال، والبخيل المنان غريب من هذا الوجه .
الحديث الثاني:قال الإمام
أحمد:حدثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم قال:حدثنا عَدِيّ بن عدي، أخبرني رجاء بن
حَيْوة والعُرْس بن عَمِيرة عن أبيه عَدِي - هَو ابن عميرة الكندي- قال:خاصم رجل
من كِنْدةَ يقال له:امرؤ القيس بن عابس رَجلا من حَضْرمَوْت إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ
القيس باليمين. فقال الحضرمي:إن أمكنته من اليمين يا رسول الله ذهبتْ ورب الكعبة
أرضى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ
حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيقتطِعَ بِهَا مَال أحَد لَقِيَ الله عَزَّ
وَجَلَّ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ » قال
رجاء:وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) فقال
امرؤ القيس:ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال الجنة «
قال:فاشهَدْ أني قد تركتها له كلها. ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي، به . »
الحديث الثالث:قال أحمد:حدثنا
أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شَقيق، عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هو فيها فَاجِر، لِيقْتَطِعَ بِهَا
مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ وَهُوَ عَليْهِ غَضْبَانُ » .
فقال الأشعث:فيّ والله كان ذلك،
كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجَحَدني، فقدَّمته إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أَلَكَ
بَيَّنة؟ » قلتُ:لا فقال لليهودي: «
احْلِفْ » فقلتُ:يا رسول الله، إذا يحلف فيذهب مالي. فأنـزل الله عز
وجل: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) [ إلى
آخر ] الآية:أخرجاه من حديث الأعمش .
طريق أخرى:قال أحمد:حدثنا يحيى
بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن شَقِيق بن سلمة،
حدثنا عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنِ
اقْتَطَعَ مَالَ امرئ مسلمٍ بغير حَقٍّ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان »
قال:فجاء الأشْعث بن قَيْس فقال:ما يُحدِّثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال:فيّ
كان هذا الحديث، خاصمتُ ابن عمٍّ لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بئر لي
كانت في يده، فجَحَدني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
بَيِّنَتُكَ أنَّها بِئْرُكَ وَإلا فَيَمِينُهُ »
قال:قلتُ:يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري ؛ إنَّ خَصْمي
امرؤ فاجر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنِ
اقْتَطَعَ مَالَ امرئ مسلمٍ بغير حَقٍّ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان »
قال:وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا
أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
الحديث الرابع:قال الإمام
أحمد:حدثنا يحيى بن غَيْلان، حدثنا رشْدين عن زَبّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن
أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: « إنَّ
لله تَعَالى عِبَادًا لا يُكَلِّمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ
وَلا يَنْظُرُ إلَيهِمْ » قيل:ومن أولئك يا رسول الله؟
قال: « مُتَبَرِّئٌ مَنْ وَالِدَيهِ رَاغِبٌ عَنْهُمَا،
ومُتَبَرِّئٌ مِنْ وَلَدِهِ، وَرَجُلٌ أنْعَمَ عَلِيْهِ قَوْمٌ فكَفَر نعْمَتَهُمْ
وتَبَرَّأ مِنْهُمْ » .
الحديث الخامس:قال ابن أبي
حاتم:حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هُشَيْم ، أنبأنا العوّام - يَعني ابن حَوْشَبَ-
عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني السَّكْسَكي- عن عبد الله بن أبي أوْفَى:أن رجلا
أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعْطَى بها ما لم يُعْطه، ليُوقع فيها رجلا
من المسلمين، فنـزلت هذه الآية: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا ) ورواه
البخاري، من غير وجه، عن العوام .
الحديث السادس:قال الإمام
أحمد:حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ
اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ولَهم
عذابٌ أليم:رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ، وَرَجُلٌ
حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ - يَعْنِي كَاذِبًا- وَرَجُلٌ بَايَعَ
إِمَامًا، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ » . ورواه
أبو داود، والترمذي، من حديث وكيع، وقال الترمذي:حسن صحيح .
وَإِنَّ
مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ
الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ( 78 )
يخبر
تعالى عن اليهود، عَليهم لعائن الله، أن منهم فريقا يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه
ويُبَدِّلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به، ليُوهِموا الجهلة أنه في كتاب الله
كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا
وافتروا في ذلك كله؛ ولهذا قال: (
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )
وقال
مجاهد، والشعبي، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس: (
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ )
يحرفونه.
وهكذا
روى البخاري عن ابن عباس:أنهم يحرفون ويزيدون وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب
من كتب الله، لكنهم يحرفونه:يتأولونه على غير تأويله.
وقال وهب
بن مُنَبِّه:إن التوراة والإنجيل كما أنـزلهما الله لم يغير منهما حرف، ولكنهم
يُضِلّونَ بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، (
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) فأما
كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول.
رواه ابن
أبي حاتم، فإن عَنَى وَهْب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل
والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير،
وزيادات كثيرة ونقصان، ووَهْم فاحش. وهو من باب تفسير المعبر المعرب، وفَهْم كثير
منهم بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عَنَى كتب الله التي هي كتبه من عنده،
فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء.
مَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ ( 79 ) وَلا
يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 )
قال محمد
بن إسحاق:حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس
قال:قال أبو رافع القُرَظِي، حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران،
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الإسلام:أتريد يا محمد أن نعبدكَ كما
تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس:أوَ ذاك
تريد منا يا محمد، وإليه تدعوننا؟ أو كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« مَعَاذَ اللهِ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ، أو أنْ نَأْمُرَ
بِعِبَادَةِ غَيْرِه، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي، ولا بِذَلِكَ أَمَرَنِي » . أو
كما قال صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: ( مَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) [
الآية ] إلى قوله: (
بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .
فقوله ( مَا
كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي:ما
ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحُكْم والنبوة أن يقول للناس:اعبدوني من دون الله.
أي:مع الله، فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس
غيرهم بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الحسن البصري:لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر
الناس بعبادته. قال:وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا - يعني أهل الكتاب- كانوا
يَتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ] [
التوبة:31 ] وفي المسند، والترمذي - كما سيأتي- أن عَديّ بن حاتم قال:يا
رسول الله، ما عبدوهم. قال: « بَلَى، إنَّهُمْ أَحَلُّوا
لَهُمُ الْحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَلِكَ
عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ » .
فالجهلة
من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل
وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلغتهم إياه رسله
الكرام. إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام. فالرسل،
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه
من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم قيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق.
وقوله: (
وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا
كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) أي:ولكن يقول الرسول للناسِ:كونوا
رَبَّانيين. قال ابن عباس وأبو رَزِين وغير واحد، أي:حكماء علماء حلماء. وقال
الحسن وغير واحد:فقهاء، وكذا رُوِي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبير، وقتادة، وعطاء
الخراساني، وعطية العوفي، والربيع بن أنس. وعن الحسن أيضا:يعني أهل عبادة وأهل
تقوى.
وقال الضحاك
في قوله: ( بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُونَ ) حَقٌ على من تعلم القرآن أن يكون فَقيهًا: «
تَعْلَمُون » أي:تفهمون معناه. وقرئ (
تُعَلِّمُون ) بالتشديد من التعليم (
وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) تحفظون ألفاظه.
ثم قال: ( وَلا
يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ) أي:ولا
يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب (
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أي:لا
يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما
يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ
إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] وقال
تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية ، [
النحل:36 ] وقال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [
الزخرف:45 ] وقال [ تعالى ]
إخبارًا عن الملائكة: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ
نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [
الأنبياء:29 ] .
وَإِذْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ
وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 )
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 82 )
يخبر
تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، عليه السلام، إلى عيسى، عليه السلام،
لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده،
ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث
بعده ونصرته؛ ولهذا قال تعالى وتقدس: (
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ
وَحِكْمَةٍ ) أي:لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ( ثُمَّ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي )
وقال ابن
عباس، ومجاهد، والربيع، وقتادة، والسدي:يعني عهدي.
وقال
محمد بن إسحاق: ( إصري ) أي:ثقل
ما حمّلْتم من عهدي، أي ميثاقي الشديد المؤكد.
(
قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ *
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ) أي:عن هذا العهد والميثاق، (
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )
قال علي
بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما:ما بعث الله نبيا من
الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيّ ليؤمنن به ولينصرنه،
وأمَرَه أن يأخذ الميثاق على أمته:لئن بعث محمد [ صلى
الله عليه وسلم ] وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به
ولينصرُنَّه.
وقال
طاووس، والحسن البصري، وقتادة:أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضا.
وهذا لا
يضاد ما قاله عليّ وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه. ولهذا رواه عبد
الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاووس، عن أبيه مثل قول عليّ وابن عباس.
وقد قال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن
ثابت قال:جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، إني مررتُ بأخٍ
لي من قُرَيْظَة، فكتب لي جَوَامعَ من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال:فتغيَّرَ
وَجْهُ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم - قال عبد الله بن ثابت:قلت له:ألا ترى ما
بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر:رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا،
وبمحمد رسولا - قال:فسُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى عليه السلام،
ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ
الأمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ » .
حديث
آخر:قال الحافظ أبو بكر حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مُجالد، عن الشعبي، عن جابر
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ
ضَلُّوا ، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وإما أنْ تُكَذِّبُوا
بِحَقٍّ، وَإِنَّه - واللهِ- لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا
حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي » .
وفي بعض
الأحاديث [ له ] : « لَوْ
كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّينِ لَمَا وَسِعَهُما إلا اتِّباعِي » .
فالرسول
محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، وهو الإمام
الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء
كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في
يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له،
والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكونَ
هو المخصوص به.
أَفَغَيْرَ
دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا
وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 83 )
يقول تعالى منكرًا على من أراد
دينا سوى دين الله، الذي أنـزل به كتبَه وأرسل به رسلَه، وهو عبادته وحده لا شريك
له، الذي ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ )
أي:استسلم له من فيهما طوعا وكرها، كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ
[ الرعد:15 ] وقال
تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ
ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ *
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ
وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ
فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [
النحل:48 - 50 ] .
فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه
لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا
يخالف ولا يمانع. وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية، على معنى آخر فيه غرابة، فقال
الحافظ أبو القاسم الطبراني:
حدثنا أحمد بن النضر العسكري،
حدثنا سعيد بن حفص النُّفَيْلي، حدثنا محمد بن مِحْصَن العكاشي، حدثنا الأوزاعي،
عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) أمَّا
مَنْ فِي السَّمَاواتِ فَالْمَلائِكَةُ، وأمَّا مَنْ فِي الأرضِ فَمَنْ وُلِدَ
عَلَى الإسْلامِ، وأمَّا كَرْهًا فَمَنْ أُتِي بِهِ مِنْ سَبَايا الأمَمِ فِي
السَّلاسِلِ والأغْلالِ، يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ وَهُمْ كَارِهُونَ « . »
وقد ورد في الصحيح: « عَجِبَ
رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلاسِل » وسيأتي
له شاهد من وجه آخر ولكن المعنى الأول للآية أقوى.
وقد قال وَكِيع في تفسيره:حدثنا
سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) قال:هو
كقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
اللَّهُ [ لقمان:25 ] .
وقال أيضا:حدثنا سفيان، عن
الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: (
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا )
قال:حين أخذ الميثاق.
(
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) أي:يوم المَعَاد، فيجازي كلا
بعمله.
قُلْ آمَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 84 )
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 85 )
ثم قال
تعالى: ( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنـزلَ عَلَيْنَا )
يعني:القرآن ( وَمَا أُنـزلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) أي:من الصحف والوحي: (
وَالأسْبَاطِ ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - هو
يعقوب- الاثنى عشر. ( وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى ) يعني:بذلك التوراة والإنجيل (
وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ) وهذا يَعُم جميعَ الأنبياء
جملة ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ )
يعني:بل نؤمن بجميعهم ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )
فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنـزل، لا يكفرون بشيء من
ذلك بل هم مُصَدِّقون بما أنـزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.
ثم قال
تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْهُ ) أي:من سلك طريقًا سوى ما شَرَعَه الله فلن يُقْبل منه (
وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) كما
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « مَنْ
عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن،
حدثنا أبو هريرة، إذ ذاك ونحن بالمدينة، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
تَجِيءُ الأعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَجِيءُ الصَّلاةُ فَتَقُولُ:يَا
رَبِّ، أَنَا الصَّلاةُ. فَيَقُولُ:إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ . فَتَجِيءُ الصَّدَقَةُ
فَتَقُولُ:يَا رَبِّ، أَنَا الصَّدَقَةُ. فَيَقُولُ:إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ . ثُمَّ
يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ:أَيْ يَا رَبِّ ، أَنَا الصِّيَامُ.
فَيَقُولُ:إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ . ثُمَّ تَجِيءُ الأعْمَالُ، كُل ذَلِكَ يَقُولُ
اللَّهُ تعالى:إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الإسْلامُ فَيَقُولُ:يَا رَب،
أَنْتَ السَّلامُ وَأَنَا الإسْلامُ . فَيَقُولُ اللَّهُ [
تعالى ] : إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ
أُعْطِي ، قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: (
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) . »
تفرد به
أحمد « . قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد:عباد بن راشد
ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة . »
كَيْفَ
يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ
الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ( 86 )
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 )
خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ( 89 )
قال ابن
جرير:حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا داود بن
أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك،
ثم ندم، فأرسل إلى قومه:أن سَلُوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:هل لي من توبة؟
قال:فنـزلت: ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ
إِيمَانِهِمْ ) إلى قوله: ( [
إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ]
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
وهكذا
رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الحاكم:صحيح
الإسناد ولم يخرجاه .
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا حُمَيد الأعرج، عن مجاهد قال:جاء الحارث بن
سُوَيد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنـزل
الله فيه: ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ
إِيمَانِهِمْ ) إلى قوله: ( [
إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ ]
غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال:فحملها إليه رجل من قومه
فقرأها عليه. فقال الحارث:إنك والله ما علمتُ لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال:فرجع الحارث فأسلم فحَسُنَ إسلامه .
فقوله
تعالى: ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ
إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ )
أي:قامتْ عليهم الحُجَجُ والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسولُ، وَوَضَح لهم
الأمرُ، ثم ارتدوا إلى ظُلْمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تَلَبَّسُوا
به من العماية؛ ولهذا قال: ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
ثم قال:
( أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )
أي:يلعنهم الله ويلعنهم خلقه ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أي:في
اللعنة ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) أي:لا
يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم ساعة واحدة.
ثم قال
تعالى: ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وهذا
من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه:أنه من تاب إليه تاب عليه.
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ
تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ( 90 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ
أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ( 91 )
يقول تعالى متوعدًا ومتهدِّدًا
لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا، أي:استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنه لا يقبل
لهم توبة عند مماتهم، كما قال [ تعالى ]
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ
أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ
وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا ] [ النساء:18 ] .
ولهذا قال هاهنا: ( لَنْ
تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )
أي:الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغَيِّ.
قال الحافظ أبو بكر
البزار:حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا ابن أبي
هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن قوما أسلموا ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا،
فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزلت
هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ
ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ) هكذا
رواه، وإسناده جيد .
ثم قال: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ
مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ) أي:من
مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه
قُرْبة، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جُدْعان - وكان يُقْرِي
الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام- :هل ينفعه ذلك؟ فقال: لا إِنَّهُ لَمْ
يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ:رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ .
وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضا
ذهبا ما قبل منه، كما قال تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا
شَفَاعَةٌ [ البقرة:123 ] ، [
وقال لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [ البقرة:254 ] وقال: لا بَيْعٌ
فِيهِ وَلا خِلالٌ [ إبراهيم:31 ] وقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ
لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ
عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [
المائدة:36 ] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ
مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ )
فعطف ( وَلَوِ افْتَدَى بِهِ )
على الأول، فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال:إن الواو زائدة، والله
أعلم. ويقتضي ذلك ألا ينقذه من عذاب الله شيء، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبا،
ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا، بوَزْن جِبالها وتِلالها وتُرابها
ورِمَالها وسَهْلها ووعْرِها وبَرِّها وبَحْرِها.
وقال الإمام أحمد:حدثنا
حجَّاج، حدثني شُعْبَة، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى
الأرْضِ مِنْ شَيْءٍ ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ قَالَ:فَيَقُولُ:نَعَمْ .
قَالَ:فَيَقُولُ:قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ أَخَذْتُ
عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ أبيك آدَمَ ألا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ
تُشْرِكَ » . وهكذا أخرجاه البخاري، ومسلم .
طريق أخرى:قال الإمام
أحمد:حدثنا رَوْح، حدثنا حَمَّاد، عن ثابت، عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ
لَهُ:يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنـزلَكَ ؟ فَيَقُولُ:أَيْ رَبِّ ،
خَيْرُ مَنـزلٍ. فَيَقُولُ:سَلْ وَتَمَنَّ . فَيَقُولُ:مَا أَسْأَلُ وَلا
أَتَمَنَّى إِلا أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ
عَشْرَ مِرَار - لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ. وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ
مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَقُولُ لَهُ:يَا ابْنَ آدَمَ ، كَيْفَ وَجَدْتَ مَنـزلَكَ
؟ فَيَقُولُ:يا رَبِّ شَرُّ مَنـزلٍ . فَيَقُولُ لَهُ:تَفْتَدِي مِني بِطِلاعِ
الأرْضِ ذَهَبًا ؟ فَيَقُولُ:أَيْ رَبِّ ، نَعَمْ. فَيَقُولُ:كَذَبْتَ، قَدْ
سَأَلْتُكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْسَرَ فَلَمْ تَفْعَلْ، فيُرَد إلى النَّارِ
» .
ولهذا قال: (
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ )
أي:وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه.
لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ
شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 )
[ روى
وَكِيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ( لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ ) قال:البر الجنة ] وقال
الإمام أحمد:حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن
مالك يقول:كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكانَ أحبَّ أمواله إليه
بيْرَحاءُ - وكانت مُسْتقْبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب
من ماء فيها طيّب- قال أنس:فلما نزلت: ( لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) قال
أبو طلحة:يا رسول الله، إن الله يقول: ( لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) وإن
أحبَّ أموالي إلَيَّ بيْرَحاءُ وإنها صدقة لله أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله
تعالى، فَضَعْها يا رسول الله حيث أراك الله [
تعالى ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « بَخٍ،
ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِح، وَقَدْ سَمِعْتُ، وَأَنَا أرَى أنْ
تجْعَلَهَا فِي الأقْرَبِينَ » . فقال أبو طلحة:أفْعَلُ يا
رسول الله. فَقَسَمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. أخرجاه .
وفي
الصحيحين أن عُمَر [ رضي الله عنه ] قال « :يا
رسول الله، لم أُصِبْ مالا قطُّ هو أنْفَسُ عندي من سهمي الذي هو بِخَيْبَرَ، فما
تأمرني به؟ قال حَبِّس الأصْل وسَبِّل الثَّمَرَةَ » .
وقال
الحافظ أبو بكر البزار:حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحَساني، حدثنا يزيد بن
هارون، حدثنا محمد بن عمْرو، عن أبي عمرو بن حَماس عن حمزة بن عبد الله بن عُمر،
قال:قال عبد الله:حضرتني هذه الآية: ( لَنْ
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) فذكرتُ
ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحبَّ إليّ من جارية رُوميَّة، فقلتُ، هي حُرَّة
لوجه الله. فلو أنِّي أعود في شيء جعلته لله لنكَحْتُها، يعني تَزوَّجتُها .