الجزء 6
لا
يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ
اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ( 148 ) إِنْ
تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَفُوًّا قَدِيرًا ( 149 )
قال [ علي
] بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( لا
يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ) يقول:لا
يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على
من ظلمه، وذلك قوله: ( إِلا مَنْ ظُلِمَ ) وإن
صبر فهو خير له.
وقال أبو
داود:حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن
عائشة قالت:سُرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « لا
تُسَبّخي عنه » .
وقال
الحسن البصري:لا يدع عليه، وليقل:اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه. وفي رواية عنه
قال:قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
وقال عبد
الكريم بن مالك الجَزَريّ في هذه الآية:هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك
فلا تفتر عليه؛ لقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا
عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى:41 ] .
وقال أبو
داود:حدثنا القَعْنَبِيّ، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي
هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «
المُسْتَبَّانِ ما قالا فعلى البادئ منهما، ما لم يعتد المظلوم » .
وقال عبد
الرزاق:أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ( لا
يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ )
قال:ضاف رجل رجلا فلم يؤدّ إليه حقّ ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: « ضفت
فلانا فلم يؤدّ إليّ حق ضيافتي » . فذلك الجهر بالسوء من القول
إلا من ظلم، حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته.
وقال
محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ( لا
يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ )
قال:قال هو الرجل ينـزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: « أساء
ضيافتي، ولم يحسن » . وفي رواية هو الضيف المحول
رحلُه، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
وكذا روي
عن غير واحد، عن مجاهد، نحو هذا. وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي، من طريق
الليث بن سعد - والترمذي من حديث ابن لَهِيعة- كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي
الخير مَرْثَد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر قال:قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا
فننـزل بقوم فلا يَقْرُونا، فما ترى في ذلك؟ قال: « إذا
نـزلتم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا
منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث، عن سعيد بن
المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أيما
مسلمٍ ضاف قومًا، فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًا على كل مسلم نَصْرَه حتى يأخذ
بقِرى ليلته من زرعه وماله » .
تفرد به
أحمد من هذا الوجه وقال أحمد أيضًا:حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور،
عن الشَّعْبي عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ليلة
الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفِنَائه محرومًا كان دَيْنًا له عليه، إن شاء
اقتضاه وإن شاء تركه » .
ثم رواه
أيضًا عن غُنْدَر عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكَّائي. عن وَكِيع، وأبي
نُعَيْم، عن سفيان الثوري - ثلاثتهم عن منصور، به. وكذا رواه أبو داود من حديث أبي
عَوَانة، عن منصور، به .
ومن هذه
الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي
رواه الحافظ أبو بكر البزَّار.
حدثنا
عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة؛
أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:إن لي جارا يؤذيني، فقال له: « أخرج
متاعك فضعه على الطريق » . فأخذ الرجل متاعه فطرحه على
الطريق، فجعل كل من مر به قال:مالك؟ قال:جاري يؤذيني. فيقول:اللهم العنه، اللهم
أخزه! قال:فقال الرجل:ارجع إلى منـزلك، وقال لا أوذيك أبدًا « . »
وقد رواه
أبو داود في كتاب الأدب، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد
الأحمر، عن محمد بن عجلان به .
ثم قال
البزار:لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جُحَيفة وهب بن
عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي صلى
الله عليه وسلم .
وقوله: ( إِنْ
تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَفُوًّا قَدِيرًا ) أي:إن تظهروا - أيها الناس-
خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل
ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. ولهذا
قال: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ) ؛
ولهذا ورد في الأثر:أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم:سبحانك على حلمك بعد علمك.
ويقول بعضهم:سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح: « ما نقص
مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله » .
إِنَّ
الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ
اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ( 150
) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ( 151
) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ
يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( 152
)
يتوعد [
تبارك و ] تعالى الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فَرّقوا
بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي
والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى
ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية. فاليهود - عليهم لعائن الله- آمنوا بالأنبياء إلا
عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم
وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن
عمران، والمجوس يقال:إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له زرادشت، ثم كفروا بشرعه،
فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم.
والمقصود
أن من كفر بنبي من الأنبياء، فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه
الله إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن
آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًّا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية؛ ولهذا قال
تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) فوسمهم
بأنهم كفار بالله ورسله ( وَيُرِيدُونَ أَنْ
يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ) أي:في
الإيمان ( وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا )
أي:طريقًا ومسلكًا.
ثم أخبر
تعالى عنهم، فقال: ( أُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ حَقًّا ) أي:كفرهم محقق لا محالة بمن
ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله
لآمنوا بنظيره، وبمن هو أوضح دليلا وأقوى برهانًا منه، لو نظروا حق النظر في
نبوته.
وقوله: (
وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) أي:كما
استهانوا بمن كفروا به إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه
وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم
بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم
حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه،
فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [
البقرة:61 ] في الدنيا والآخرة.
وقوله: (
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ
مِنْهُمْ ) يعني بذلك:أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم يؤمنون بكل
كتاب أنـزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [
وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ] [
البقرة:285 ] .
ثم أخبر
تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: (
أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ) على ما
آمنوا بالله ورسله ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا ) أي:لذنوبهم أي:إن كان لبعضهم ذنوب.
يَسْأَلُكَ
أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ
سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ
مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى
سُلْطَانًا مُبِينًا ( 153 )
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا
الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا
مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ( 154 )
قال محمد بن كعب القرظي،
والسدي، وقتادة:سأل اليهود رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن ينـزل عليهم كتابًا من
السماء. كما نـزلت التوراة على موسى مكتوبة.
قال ابن جُرَيج:سألوه أن ينـزل
عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا
إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفارُ قريش قبلهم
نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة « سبحان » :
وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا [
الإسراء:90، 93 ] الآيات. ولهذا قال تعالى: (
فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ )
أي:بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم. وهذا مفسر في سورة « البقرة
» حيث يقول تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ
لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ [ البقرة:55، 56 ] .
وقوله تعالى: ( ثُمَّ
اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) أي:من
بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، عليه السلام، في بلاد
مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرًا
حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا
لَهُمْ آلِهَةٌ [ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ] [ الأعراف:138، 139 ] . ثم
ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة «
الأعراف » ، وفي سورة « طه » بعد
ذهاب موسى إلى مناجاة الله، عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من
الذي صنعوه وابتدعوه:أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم
بعضا ثم أحياهم الله، عز وجل، فقال الله عز وجل (
فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا )
ثم قال تعالى: (
وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ) وذلك
حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، عليه
السلام، ورفع الله على رؤوسهم جبلا ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى
فوق رؤوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ
فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ] [
الأعراف:171 ] .
(
وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا )
أي:فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت القدس
سجدا، وهم يقولون:حطة. أي:اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتى
تهنا في التيه أربعين سنة. فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون:حنطة في شعرة.
(
وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ )
أي:وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرّم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم (
وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا )
أي:شديدا، فخالفوا وعَصَوْا وتحيلوا على ارتكاب مناهى الله، عز وجل، كما هو مبسوط
في سورة الأعراف عند قوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ
حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [ إِذْ يَعْدُونَ فِي
السَّبْتِ ] [ الأعراف:163- 166 ]
الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال، في سورة « سبحان
» عند قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ
بَيِّنَاتٍ [ الإسراء:101 ] ،
وفيه: « وعليكم - خاصة يهود- أن لا تعدوا في السبت » .
فَبِمَا
نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ
الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ
عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ( 155
) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا
عَظِيمًا ( 156 )
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ
الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ( 157
) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا ( 158 )
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ( 159
)
وهذه من
الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم
المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي:حججه وبراهينه،
والمعجزات التي شاهدوها على أيدي الأنبياء، عليهم السلام.
قوله (
وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وذلك لكثرة
إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمّا غفيرًا من الأنبياء [
بغير حق ] عليهم السلام.
وقولهم:
( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) قال
ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وعكرمة، والسّدّي، وقتادة، وغير واحد:أي في
غطاء. وهذا كقول المشركين: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا
إِلَيْهِ [ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ] [
فصلت:5 ] . وقيل:معناه أنهم ادعَوْا أن قلوبهم غُلُف للعلم، أي:أوعية
للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وقد تقدم نظيره في
سورة البقرة.
قال الله
تعالى: ( بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) فعلى
القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي
أكنة، قال الله [ تعالى ] بل هو
مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادَّعَوْه من كل وجه، وقد
تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.
( فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا
قَلِيلا ) أي:مَرَدت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان.
(
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « يعني أنهم رموها بالزنا » . وكذا
قال السدي، وجُوَيْبِر، ومحمد بن إسحاق وغير واحد. وهو ظاهر من الآية:أنهم رموها
وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، وقد حملت بولدها من ذلك - زاد بعضهم:وهي حائض -
فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقولهم:
( إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللَّهِ ) أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا
المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: يَا أَيُّهَا
الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [
الحجر:6 ] .
وكان من
خبر اليهود - عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه- أنه لما بعث الله عيسى ابن
مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي
كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا ثم
ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهَدُ طيرانه بإذن الله، عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات
التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسَعَوْا في أذاه
بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، عليه السلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر
السياحة هو وأمه، عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك
الزمان - وكان رجلا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته:اليونان- وأنهوا
إليه:أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب الملك
من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك
على رأسه، ويكف أذاه على الناس. فلما وصل الكتاب امتثل مُتَولِّي بيت المقدس ذلك،
وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، عليه السلام، وهو في جماعة من
أصحابه، اثنا عشر أو ثلاثة عشر - وقيل:سبعة عشر نفرًا- وكان ذلك يوم الجمعة بعد
العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه، أو
خروجه عليهم قال لأصحابه:أيكم يُلْقَى عليه شبهي، وهو رفيقي في الجنة؟ فانتَدَب
لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا يَنْتَدبُ
إلا ذلك الشاب - فقال:أنت هو- وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت
رَوْزَنَة من سقف البيت، وأخذت عيسى عليه السلام سِنةٌ من النوم، فرفع إلى السماء
وهو كذلك، كما قال [ الله ] تعالى:
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ] الآية
[ آل عمران:55 ] .
فلما رفع
خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه،
ووضعوا الشوك على رأسه، فأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم
طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح، فإنهم
شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن
مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال:إنه خاطبها، والله
أعلم.
وهذا كله
من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد أوضح الله الأمر
وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد
بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى - وهو أصدق القائلين، ورب
العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم
بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون- : ( وَمَا
قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ )
أي:رأوا شبهه فظنوه إياه؛ ولهذا قال: (
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ
عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ) [
وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ] يعني
بذلك:من ادعى قتله من اليهود، ومن سَلَّمه من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك
وحيرة وضلال وسُعُر. ولهذا قال: ( وَمَا
قَتَلُوهُ يَقِينًا ) أي:وما قتلوه متيقنين أنه هو،
بل شاكين متوهمين. ( بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ
إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) أي
منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه (
حَكِيمًا ) أي:في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله
الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، والسلطان العظيم، والأمر القديم.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المِنْهَال بن
عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء،
خرج على أصحابه - وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين- يعني:فخرج عليهم من عين
في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال:إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن
بي. ثم قال:أيكم يُلْقَى عليه شبهي، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من
أحدثهم سنا، فقال له:اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب، فقال:اجلس. ثم أعاد
عليهم فقام الشاب فقال:أنا. فقال:أنت هو ذاك. فألقي عليه شَبَه عيسى ورفع عيسى من
رَوْزَنَة في البيت إلى السماء. قال:وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه، ثم
صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت
طائفة:كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة:كان
فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة:كان فينا
عبد الله ورسوله ما شاء، ثم رفعه الله إليه. وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان
على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه
وسلم.
وهذا
إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كُرَيب، عن أبي معاوية، بنحوه وكذا
ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم:أيكم يلقى عليه شبهي فيقتلَ مكاني، وهو رفيقي
في الجنة؟
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن مُنَبِّه
قال:أتى عيسى وعنده سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم. فلما دخلوا عليه
صَوَّرهم الله، عز وجل، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم:سحرتمونا. ليبرزن لنا عيسى
أو لنقتلنكم جميعا. فقال عيسى لأصحابه:من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل
منهم:أنا. فخرج إليهم وقال:أنا عيسى - وقد صوره الله على صورة عيسى- فأخذوه وقتلوه
وصلبوه. فمن ثَمَّ شُبّه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه
عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وهذا سياق غريب جدًّا .قال ابن جرير:وقد روي عن
وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد
الكريم، حدثني عبد الصمد بن مِعْقَل:أنه سمع وهبًا يقول:إن عيسى ابن مريم لما
أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشَقَّ عليه، فدعا الحواريين فصنع
لهم طعاما، فقال:احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة. فلما اجتمعوا إليه من الليل عَشَّاهم
وقام يخدمهم. فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم
بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال:ألا من رد عليَّ شيئا الليلة مما أصنع، فليس
مني ولا أنا منه. فأقرّوه، حتى إذا فرغ من ذلك قال:أمّا ما صنعت بكم الليلة، مما
خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم،
فلا يتعظَّم بعضكم على بعض، وليبذلْ بعضكم نفسه لبعض، كما بذلت نفسي لكم. وأما
حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها فتدعون لي الله، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر
أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا
دعاء، فجعل يوقظهم ويقول:سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟
قالوا:والله ما ندري ما لنا. لقد كنا نَسْمُر فنكثر السَّمَرَ، وما نطيق الليلة
سَمَرا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه. فقال:يُذْهَب بالراعي وتفرق الغنمُ.
وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعِي به نفسه. ثم قال:الحقَّ، ليَكْفُرن بي أحدكم قبل أن
يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني، فخرجوا
وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا:هذا من أصحابه.
فجحد وقال:ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك. ثم سَمعَ صوتَ ديك
فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال:ما تجعلون لي إن
دَلَلْتُكُمْ على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلَّهم عليه، وكان
شُبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه
ويقولون، له:أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك
من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا
أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شُبِّه لهم فمكث سبعًا.
ثم إن
أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا
تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال:علام تبكيان؟ فقالتا:عليك. فقال:إني قد
رفعني الله إليه، ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شُبِّه لهم فَأمُرَا الحواريين يلقوني
إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان باعه ودل عليه
اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال:إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه فقال:لو تاب
لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كاد يتبعهم، يقال له:يحيى، قال:هو معكم،
فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدّثُ بلغة قومه، فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب
جدًّا .
ثم قال
ابن جرير:حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال:كان اسم ملك بني إسرائيل
الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلا منهم، يقال له:داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم
يفْظع عبد من عباد الله بالموت - فيما ذكر لي- فَظَعَه ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع
الله في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول - فيما يزعمون- « اللهم
إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني » وحتى إن
جلده من كرب ذلك ليتفصَّد دما. فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يَدْخلوا عليه فيه
ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى، عليه السلام، فلما أيقن أنهم داخلون
عليه قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلا فطرس ويعقوب بن زبدي ويحنس
أخو يعقوب، وأنداربيس، وفيلبس، وأبرثلما ومنى وتوماس، ويعقوب بن حلفيا، وتداوسيس،
وقثانيا ويودس زكريا يوطا.
قال ابن
حميد:قال سلمة، قال ابن إسحاق:وكان [
فيهم فيما ] ذكر لي رجل اسمه سرجس، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى،
عليه السلام، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شُبّه لليهود مكان عيسى [
عليه السلام ] قال:فلا أدري ما هو؟ من هؤلاء الاثني عشر، أو كان ثالث عشر،
فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من
الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة
عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل [ حين
دخلوا ] وهم ثلاثة عشر.
قال ابن
إسحاق:وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم:أن عيسى حين جاءه من الله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ
وَرَافِعُكَ إِلَيَّ قال:يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على
أن يشبه للقوم في صورتي، فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس:أنا، يا روح الله. قال:فاجلس
في مجلسي. فجلس فيه، ورفِع عيسى، عليه السلام، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو
الذي صلبوه وشُبّه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، قد رأوهم وأحصوا
عدتهم. فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى، فيما يُرَون وأصحابه، وفقدوا رجلا من
العدة، فهو الذي اختلفوا فيه وكانوا لا يعرفون عيسى، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا
ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم:إذا دخلتم عليه فإني
سَأقَبلهُ، وهو الذي أقبل، فخذوه. فلما دخلوا وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة
عيسى، فلم يشكل أنه عيسى، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه.
ثم إن
يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى،
وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي
شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: « إني لست بصاحبكم. أنا الذي
دللتكم عليه » . والله أعلم أي ذلك كان .
وقال ابن
جرير، عن مجاهد:صلبوا رجلا شبهوه بعيسى، ورفع الله، عز وجل، عيسى إلى السماء حيا.
واختار
ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.
وقوله
تعالى: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )
قال ابن جرير:اختلف
أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم:معنى ذلك: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) يعني
بعيسى ( قَبْلَ مَوْتِهِ )
يعنى:قبل موت عيسى- يُوَجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال،
فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم، عليه السلام.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:قبل موت عيسى ابن مريم.
وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك .
وقال أبو
مالك في قوله: ( إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:ذلك عند نزول عيسى ابن
مريم، عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.
وقال
الضحاك، عن ابن عباس: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ )
يعني:اليهود خاصة. وقال الحسن البصري:يعني النجاشي وأصحابه. ورواهما ابن أبي حاتم.
وقال ابن
جرير:وحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:قبل
موت عيسى. والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشر قال:سمعت
رجلا قال للحسن:يا أبا سعيد، قول الله، [ عز
وجل ] ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال: « قبل
موت عيسى. إن الله رفع إليه عيسى [
إليه ] وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر » .
وكذا قال
قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وهذا القول هو الحق، كما سنبينه
بعد بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
قال ابن
جرير:وقال آخرون:معنى ذلك: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) قبل
موت الكتابي. ذكرَ من كان يُوَجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل
من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.
قال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال لا
يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.
حدثني
المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: ( إِلا
لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) كل
صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته - قبل موت صاحب الكتاب- وقال ابن عباس:لو ضربت عنقه
لم تخرج نَفْسُه حتى يؤمن بعيسى.
حدثنا
ابن حُمَيد، حدثنا أبو نُمَيْلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد
النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله
ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح.
حدثني
إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتَّاب بن بَشِير عن خُصَيْف، عن سعيد
بن جبير، عن ابن عباس: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:هي
في قراءة أبي: ( قَبْلَ مَوْتِهِمْ ) ليس
يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس:أرأيت إن خَرّ من فوق بيت؟
قال:يتكلم به في الهُوِيّ. فقيل:أرأيت إن ضربت عنق أحد منهم؟ قال:يُلَجْلج بها
لسانه.
وكذا
رَوَى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:لا
يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام، وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال:وإن هَوَى
تكلم [ به ] وهو يَهْوي.
وكذا روى
أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي هارون الغَنَوي عن عكرمة، عن ابن عباس. فهذه
كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صَحّ عن مجاهد، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وبه
يقول الضحاك وجُوَيْبر، والسدي، وحكاه عن ابن عباس، ونَقل قراءة أبيّ بن كعب: « قبل
موتهم » .
وقال عبد
الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ( إِلا
لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) قال:لا
يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.
وهذا
يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء
قال ابن
جرير:وقال آخرون:معنى ذلك:وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم
قبل موت الكتابي.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن حميد قال:قال عكرمة:لا يموت
النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ )
ثم قال
ابن جرير:وأولى هذه الأقوال بالصحة القولُ الأولُ، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل
الكتاب بعد نزول عيسى، عليه السلام، إلا آمن به قبل موته، أي قبل موت عيسى، عليه
السلام، ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير، رحمه [
الله ] هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما
ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر
الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم
إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث
المتواترة - التي سنوردها إن شاء الله قريبا- فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب،
ويقتل الخنزير، ويضع الجزية - يعني:لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل
إلا الإسلام أو السيف- فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب
حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) أي:قبل
موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب.
(
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )
أي:بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من
فسر هذه الآية بأن المعنى:أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما [
الصلاة و ] والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره
يَتَجَلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا
كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في [ أول
] هذه السورة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ
الآنَ [ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ] الآية
[ النساء:18 ] وقال
تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [
وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ] )
الآيتين [ غافر:84، 85 ] وهذا يدل
على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول، حيث قال:ولو كان المراد بهذه الآية
هذا، لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح، ممن كفر بهما - يكون على دينهما، وحينئذ لا
يرثه أقرباؤه من أهل دينه؛ لأنه قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته. فهذا ليس
بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا
ترى إلى قول ابن عباس:ولو تردى من شاهق أو ضُرب بسيف أو افترسه سَبُع، فإنه لا بد
أن يؤمن بعيسى « فالإيمان في مثل هذه الحالات
ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، والله أعلم. »
ومن تأهل
هذا جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أن هذا، وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن
يكون المرادُ بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، عليه
السلام، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب
هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه وتضادّت وتعاكست
وتناقضت، وخلت عن الحق، ففرّط هؤلاء اليهود وأفرط هؤلاء النصارى:تَنَقَّصه اليهود
بما رموه به وأمه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادعوا فيه بما ليس فيه، فرفعوه
في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى الله عن قول هؤلاء
وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتَقَدّس لا إله إلا هو.
ذكر
الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل
يوم القيامة، وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له:
قال
البخاري، رحمه الله، في كتاب ذكر الأنبياء، من صحيحه المتلقى بالقبول: ( نزول
عيسى ابن مريم- عليه السلام ) :حدثنا إسحاق بن إبراهيم،
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي
نفسي بيده لَيُوشكَنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا عدلا فيكسر الصليب، ويقتل
الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا من
الدنيا وما فيها » . ثم يقول أبو هريرة:اقرؤوا إن
شئتم: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ
مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا )
وكذا
رواه مسلم عن الحسن الحُلْواني وعبد بن حميد كلاهما، عن يعقوب، به وأخرجه البخاري
ومسلم، أيضًا، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، به وأخرجاه من طريق الليث عن
الزهري به ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن
المسيب، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يوشك
أن يكون فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب،
ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين » . قال
أبو هريرة:اقرؤوا إن شئتم: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ ) موت
عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات .
طريق
أخرى عن أبي هريرة:قال الإمام أحمد:حدثنا رَوْحٌ، حدثنا محمد بن أبي حَفْصَة، عن
الزُّهْري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « لَيُهِلَّن عيسى ابن مريم بفَجِّ الرَّوْحَاء بالحج أو
العمرة أو ليثنينهما جميعًا » .
وكذا
رواه مسلم منفردًا به من حديث سفيان بن عيينة، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد،
ثلاثتهم عن الزهري به .
وقال
أحمد:حدثنا يزيد، حدثنا سفيان - هو ابن حسين- عن الزهري، عن حنظلة، عن أبي هريرة
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ينزل
عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا
يقبل، ويضع الخراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما »
قال:وتلا أبو هريرة: ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ] ) فزعم
حنظلة أن أبا هريرة قال:يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري هذا كله حديث النبي صلى
الله عليه وسلم أو شيء قاله أبو هريرة.
وكذا
رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن
سفيان بن حسين عن الزهري، به .
طريق
أخرى:قال البخاري:حدثنا ابن بُكَير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع
مولى أبي قتادة الأنصاري؛ أن أبا هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كيف
أنتم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم؟ » تابعه
عقيل والأوزاعي.
وهكذا
رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وعن عثمان بن عمر، عن ابن أبي ذئب،
كلاهما عن الزهري، به. وأخرجه مسلم من رواية يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب، به .
طريق
أخرى:قال الإمام أحمد:حدثنا عفان، حدثنا همَّام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن
أبي هريرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
الأنبياء إخوة لِعَلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛
لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه:رجل مربوع إلى
الحمرة والبياض، عليه ثوبان مُمَصّرَان، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلَل، فيدق
الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في
زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة
على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنّمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب
الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يُتَوَفى ويصلي عليه المسلمون » .
وكذا
رواه أبو داود، عن هُدْبَة بن خالد، عن همام بن يحيى. رواه ابن جرير - ولم يورد
عند هذه الآية سواه- عن بِشْر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عَروبة -
كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم- وهو مولى أمّ بُرْثُن - صاحب السقاية، عن
أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، وقال:فيقاتل الناس على الإسلام
.
وقد روى
البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « أنا
أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد علات، ليس بيني وبينه نبي » .
ثم روى
عن محمد بن سِنَان:عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي
عَمْرَة، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنا
أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى
ودينهم واحد » وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن
سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. .
حديث
آخر:قال مسلم في صحيحه:حدثني زُهَير بن حرب، حدثنا مُعَلى بن منصور، حدثنا سليمان
بن بلال، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق - أو بدابق- فيخرج
إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافّوا قال الروم:خلوا بيننا
وبين الذين سَبَوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون:لا والله لا نخلي بينكم وبين
إخواننا. فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقْتَلُ ثلثه أفضل
الشهداء عند الله [ عز وجل ] ويفتح
الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد عَلَّقوا
سيوفهم بالزيتون، إذْ صاح فيهم الشيطان:إن المسيح قد خلفكم في أهليكم. فيخرجون،
وذلك باطل. فإذا جاؤوا الشام خرج، فبينما هم يُعدّون للقتال:يسوون الصفوف، إذ
أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم فأمَّهم فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح
في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حَرْبته
» .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا هُشَيْم، عن العَوَّام بن حَوْشَب، عن جَبَلة بن
سُحَيْم، عن مُؤثر بن عَفَازَة، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، عليه السلام،
فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال:لا علم لي بها. فردوا أمرهم
إلى موسى، فقال:لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال:أما وجبتها فلا يعلم
بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي - عز وجل- أن الدجال خارج قال:ومعي قضيبان،
فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص قال:فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر
يقول:يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعالَ فاقتله:قال:فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى
بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فيطؤون
بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال:ثم يرجع
الناس إليّ يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تَجْوَى الأرضُ من
نَتْن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى نقذفهم في البحر، ففيما عهد
إلي ربي - عز وجل- أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتِمّ، لا يدري أهلها
متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارا. »
رواه ابن
ماجه، عن محمد بن بشَّار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حَوْشَب، به نحوه .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن
أبي نَضرة قال:أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة؛ لنعرض عليه مصحفًا لنا على
مصحفه، فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد
فجلسنا إلى رجل، فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص فقمنا إليه، فجلسنا
فقال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يكون
للمسلمين ثلاثة أمصار:مصر بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام. فيفزع الناس
ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض الناس، فيهزم من قبل المشرق، فأول مصر يرده
المصر الذي بملتقى البحرين، فيصير أهلهم ثلاث فرق:فرقة تُقيم تقول:نُشَامه ننظر ما
هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم. ومع الدجال سبعون ألفًا
عليهم السيجان وأكثر من معه اليهود والنساء، ثم يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله
ثلاث فرق:فرقة تقول:نشامه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر
الذي يليهم بغرب الشام وينحاز المسلمون إلى عقبة أَفِيق فيبعثون سَرْحًا لهم،
فيصاب سَرْحهم، فيشتد ذلك عليهم وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد، حتى إن أحدهم
ليحرقُ وتَرَ قَوْسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السَّحَر: » يا أيها
الناس، أتاكم الغوث ثلاثا « فيقول بعضهم لبعض:إن هذا
لَصَوْت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم، عليه السلام، عند صلاة الفجر، فيقول له
أميرهم:رُوح الله، تَقَدَّمْ صَلِّ. فيقول:هذه الأمة أمراء، بعضهم على بعض. فيتقدم
أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حَرْبَته، فيذهب نحو الدَّجال، فإذا رآه
الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حَرْبته بين ثَنْدوَته فيقتله وينهزم أصحابه،
فليس يومئذ شيء يواري أحدًا، حتى إن الشجرة لتقول:يا مؤمن، هذا كافر. ويقول
الحجر:يا مؤمن، هذا كافر » . تفرد به أحمد من هذا الوجه .
حديث
آخر:قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة:حدثنا علي بن محمد،
حدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع أبي رافع، عن أبي زُرْعَة الشيباني
يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أُمَامة الباهلي قال:خطبنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فكان أكثرُ خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرناه، فكان من قوله أن قال:
« لم تكن
فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله ذُرِّية آدم، عليه السلام، أعظم من فتنة الدجال، وإن
الله لم يبعث نبيًا إلا حَذَّر أُمَّته الدجال. وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر
الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظَهْرَانيكم، فأنا حجيج لكل
مسلم، وإن يَخْرُجُ من بعدي فكل [
امرئ ] حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم وإنه يخرج من خَلّة
بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا » .
« [ ألا
] يا عباد الله، أيها الناس، فاثبتوا. وإني سأصفه لكم صفة لم
يصفها إياه نبي قبلي:إنه يبدأ فيقول أنا نبي » فلا نبي
بعدي، ثم يثني فيقول: « أنا ربكم » ، ولا
ترون ربكم حتى تموتوا. وإنه أعور وإن ربكم، عز وجل، ليس بأعور، وإنه مكتوب بين
عينيه:كافر، يقرؤه كلّ مؤمن، كاتب وغير كاتب. وإن من فتنته أن معه جنة ونارا،
فناره جنة وجنته نار. فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون
عليه بردًا وسلاما، كما كانت النار على إبراهيم [
عليه السلام ] وإن من فتنته أن يقول لأعرابيّ:أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك
أتشهد أني ربك؟ فيقول:نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان:يا بني،
اتبعه، فإنه ربك. وإن من فتنته أن يُسَلّط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها
بالمنشار، حتى يُلْقَى شقين ثم يقول:انظروا إلى عبدي هذا، فإني أبعثه الآن، ثم
يزعم أن له ربًّا غيري. فيبعثه الله، فيقول له الخبيث:من ربك، فيقول:ربي الله.
وأنت عدو الله، الدجال، والله ما كنتُ بعدُ أشدّ بصيرة بك مني اليوم « . قال
أبو حسن الطَّنَافِسيّ:فحدثنا المحاربي، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصّافي، عن
عطية، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » ذلك
الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة « . »
قال:قال
أبو سعيد:والله ما كنا نُرَى ذلك الرجل إلا عمر بن الخطاب، حتى مضى لسبيله .
قال
المحاربي:ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال:وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تُمْطر،
فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت، [ وإن
من فتنته أن يَمُر بالحي فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة إلا هلكت ] وإن من
فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر، فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت،
فتنبت. حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه، وأمَدّه خواصر، وأدره
ضُروعا، وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، فإنه لا
يأتيهما من نَقْب من نقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتة، حتى ينزل عند
الظّرَيب الأحمر، عند مُنْقَطع السَّبخَة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فلا
يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فَتَنْفي الخَبَثَ منها كما ينفي الكِيرُ
خَبَثَ الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص.
فقالت أم
شَرِيك بنت أبي العَكَر يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: « هم
قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يُصلي بهم
الصبح إذ نزل [ عليهم ] عيسى [ ابن
مريم ] عليه السلام، الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى؛
ليقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى، عليه السلام، يده بين كتفيه ثم يقول:تقدم فصل،
فإنها لك أقيمت. فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى، عليه السلام:افتحوا
الباب. فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا
نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى [
عليه السلام ] إن لي فيك ضَرْبَة لن تستبقني بها. فيدركه عند باب لُدّ
الشرقي، فيقتله، ويهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به
اليهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة - إلا
الغَرْقدة فإنها من شجرهم لا تنطق- إلا قال:يا عبد الله المسلم، هذا يهودي، فتعال
اقتله. »
قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « وإن أيامه أربعون سنة، السنة
كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة، يصبح أحدكم على
باب المدينة فلا يبلغ بابها الآخر حتى يمسي » . فقيل
له:يا نبي الله كيف نصلي، في تلك الأيام القصار؟ قال: « تقدرون
فيها الصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال. ثم صَلّوا » .
قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « فيكون عيسى ابن مريم في أمتي
حكما عدلا وإماما مُقْسطا، يَدُقُّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويترك
الصدقة، فلا يُسْعَى على شاة ولا بعير، وترتفع الشحناء والتباغض، وتُنزع حُمَة كل
ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتُفرُّ الوليدة الأسد فلا
يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرضُ من السّلم كما يُمْلأ
الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها،
وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها كعهد آدم، حتى يجتمع
النفر على القِطْف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون
الثور بكذا وكذا، من المال، ويَكون الفرس بالدريهمات. »
قيل:يا
رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: « لا
تركب لحرب أبدًا » قيل له:فما يُغلي الثور؟ قال: « تُحْرث
الأرض كلها » .
وإن
قَبْلَ خروج [ الدجال ] ثلاث سنوات
شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة [
الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في
الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله السماء في
السنة ] الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تَقْطر قطرة، ويأمر الأرض أن
تحبس نباتها كله، فلا تُنْبتُ خضراء، فلا تبقى ذات ظلْف إلا هلكت، إلا ما شاء الله
« . »
فقيل:فما
يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: « التهليل والتكبير والتسبيح
والتحميد، ويجرى ذلك عليهم مجرى الطعام » .
قال ابن
ماجه:سمعت أبا الحسن الطَّنَافِسي يقول:سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول:ينبغي أن
يدفع هذا الحديث إلى المؤدب، حتى يعلمه الصبيان في الكتاب.
هذا حديث
غريب جدًّا من هذا الوجه ، ولبعضه شواهد من أحاديث أخر؛ ولنذكر حديث النواس بن
سمعان هاهنا لشبهه بسياقه هذا الحديث، قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:
حدثنا
أبو خَيْثَمَةَ زُهَير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن
جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه
جبير بن نُفَير الحضرمي أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي ( ح ) وحدثنا
محمد بن مِهْران الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،
عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جُبَيْر، بن نُفَيْر، عن
النوّاس بن سَمْعان قال:ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفَّض
فيه ورَفَّع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحلنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: « ما
شأنكم؟ » قلنا:يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفَّضت فيه ورفَّعت
حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: « غير الدجال أخْوَفُني عليكم،
إن يخرج وأنا فيكم فأنا حَجيجه دونكم، وإن يَخْرُجْ ولست فيكم فامرؤ حَجيجُ نفسه،
والله خليفتي على كل مسلم:إنه شابٌّ قَططُ عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن
قَطَن، من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارجُ خَلَّة بين الشام
والعراق، فعاثَ يمينًا وعاثَ شمالا. يا عباد الله، فاثبتوا »
:قلنا:يا رسول الله، وما لَبْثَتَه في الأرض؟ قال: « أربعين
يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم » .
قلنا:يا
رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: « لا
اقدروا له قدره » . قلنا:يا رسول الله، وما
إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم، فيؤمنون به
ويستجيبون له، فيأمر السماءَ فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتُهم أطول ما
كانت ذُرَي، وأسبغه ضُروعا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه
قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمْحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم. ويمر بالخَرِبة
فيقول لها:أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلا ممتلئًا
شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزْلتين رَمْيَةَ الغرض، ثم يدعوه فيُقْبلُ ويتهلل
وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، عليه السلام، فينزل عند
المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مَهْرودَتَيْنِ، واضعًا كفيه على أجنحة مَلَكين،
إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تَحدّر منه جُمَان كاللؤلؤ، ولا يَحل لكافر يجد
ريح نَفسه إلا مات ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حتى يدركه بباب لُدّ
فيقتله.
ثم يأتي
عيسى، عليه السلام، قومًا قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدِّثهم بدرجاتهم
في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله، عز وجل، إلى عيسى إني قد أخرجت عبادا لي
لا يَدَانِ لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور.
ويبعث
الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حَدَب يَنْسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طَبَرية
فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون:لقد كان بهذه مَرّة ماء. ويُحْصَر نبي الله
عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب
نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم فيصبحون فَرْسَى
كموت نفس واحدة.
ثم يهبط
نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه
زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا
كأعناق البُخْت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله.
ثم يرسل
الله مطرا لا يكُن منه بيت مَدَر ولا وَبَر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلَفَة، ثم
يقال للأرض:أخرجي ثَمَرَك ورُدّي بركتك. فيومئذ تأكل العُصَابة من الرمانة،
ويستظلون بقَحْفِها، ويبارك الله في الرَّسْل حتى إن اللَّقْحَة من الإبل لتكفي
الفئام من الناس واللقحة من الفَم لتكفى الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث
الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض الله روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى
شرار الناس يَتَهَارَجُون فيها تهارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة « . »
ورواه
الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. وسنذكره أيضًا من
طريق أحمد، عند قوله تعالى في سورة الأنبياء: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ
وَمَأْجُوجُ [ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ] [
الأنبياء:96 ] .
حديث
آخر:قال مسلم في صحيحه أيضًا:حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ العَنْبِريّ، حدثنا
أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم قال:سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود
الثقفي يقول:سمعت عبد الله بن عمرو - وجاءه رجل فقال- :ما هذا الحديث الذي تُحدث
به تقول:إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال:سبحان الله؟! - أو:لا إله إلا الله، أو
كلمة نحوها- لقد هممتُ ألا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت:إنكم سترون بعد قليل
أمرًا عظيمًا:يُحرِّق البيت، ويكون ويكون. ثم قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين، لا أدري أربعين يومًا،
أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا، فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن
مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله
ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير -
أو إيمان- إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كَبَد جبل لَدَخَلَتْه عليه حتى
تَقْبضَه » قال:سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « فيبقى شرار
الناس في خفَّة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل
لهم الشيطان فيقول:ألا تستجيبون؟ فيقولون:فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم
في ذلك دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى لِيتًا،
ورفع لِيتًا، قال:وأول من يسمعه رجل يَلُوط حوض إبله، قال:فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ
الناس. ثم يرسل الله - أو قال:ينزل الله- مطرًا كأنه الطَّل - أو قال:الظل-
نُعْمَان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم يَنْفُخ فيه أخرى فإذا هم قيام
ينظرون. ثم يقال:يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ
مَسْئُولُونَ [ الصافات:24 ] قال: » ثم
يقال:أخرجوا بَعْثَ النار. فيقال:من كم؟ فيقال:من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين « . قال
يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [ المزمل:17 ] وذلك
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [ القلم:42 ] . »
ثم رواه
مسلم والنسائي في تفسيره جميعًا عن محمد بن بشار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن النعمان
بن سالم، به .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن
عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن مُجَمِّع بن جارية
قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يقتل
ابن مريم المسيح الدجال بباب لُدّ - أو:إلى جانب لُدّ » .
ورواه
أحمد أيضا، عن سفيان بن عيينة من حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عن
عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عمه مُجَمِّع ابن جارية
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يقتل
ابن مريم الدجال بباب لُد » .
وكذا
رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الليث، به. وقال:هذا حديث صحيح. قال:وفي الباب عن
عمران بن حصين، ونافع بن عتبة، وأبي بَرْزَة، وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة.
وكَيْسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر، وأبي أمامة، وابن مسعود، وعبد الله بن
عمرو، وسَمُرة بن جُنْدب، والنواس بن سمعان، وعمرو بن عوف، وحذيفة بن اليمان، رضي
الله عنهم .
ومراده
برواية هؤلاء ما فيه ذكر الدجال. وقتل عيسى ابن مريم، عليه السلام، له. فأما
أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدًّا، وهي أكثر من أن تحصر؛ لانتشارها وكثرة رواتها
في الصحاح والحسان والمسانيد، وغير ذلك .
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطُّفَيل، عن حذيفة بن أسيد
الغِفَاري قال:أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر
الساعة، فقال: « لا تقوم الساعة حتى ترون عشر
آيات:طلوع الشمس من مغربها، والدُّخَان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى
ابن مريم، والدجال، وثلاثة خُسوف:خَسْف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب.
ونار تخرج من قعر عَدَن، تسوق - أو تحشر- الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتَقيل معهم
حيث قالوا » .
وهكذا
رواه مسلم وأهل السنن من حديث فُرَات القزاز به. ورواه مسلم أيضًا من رواية عبد
العزيز بن رُفَيع عن أبي الطفيل عن أبي سَريحَة حذيفة بن أُسَيد الغفاري، موقوفًا
والله أعلم.
فهذه
أحاديث متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة، وابن مسعود،
وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
ومُجَمِّع بن جارية وأبي سَرِيحة وحذيفة بن أُسَيْد، رضي الله عنهم.
وفيها
دلالة على صفة نزوله ومكانه، من أنه بالشام، بل بدمشق، عند المنارة الشرقية، وأن
ذلك يكون عند إقامة الصلاة للصبح وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين
وسبعمائة منارة للجامع الأمَويّ بيضاء، من حجارة منحوتة، عِوَضا عن المنارة التي
هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم
القيامة- وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنها هي التي ينزل عليها [
المسيح ] عيسى ابن مريم، عليه السلام، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب،
ويضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبي صلى
الله عليه وسلم بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح
عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم؛ ولهذا كلهم يدخلون في دين الإسلام مُتَابَعَة
لعيسى، عليه السلام، وعلى يديه؛ ولهذا قال تعالى: (
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ] ) .
وهذه
الآية كقوله [ تعالى ] وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ
لِلسَّاعَةِ [ الزخرف:61 ] وقرئ: « عَلَم
» بالتحريك، أي إشارة ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل
بعد خروج المسيح الدجال، فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيح: « إن
الله لم يخلق داء إلا أنزل له شفاء » ويبعث
الله في أيامه يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله [ به ] ببركة
دعائه، وقد قال تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ الآية [
الأنبياء:96، 97 ] .
صفة عيسى
عليه السلام:
قد تقدم
في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة [ رضي
الله عنه ] فإذا رأيتموه فاعرفوه:رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه
ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل « . وفي
حديث النواس بن سمعان: » فينزل عند المنارة البيضاء
شرقي دمشق، بين مَهْرُودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا
رفعه تحدّر منه مثل جُمَان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونَفَسُه
ينتهي حيث ينتهى طَرْفُه « . »
وروى
البخاري ومسلم، من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ليلة أسري بي لقيت موسى » ،
قال:فَنَعَتَه « فإذا رجل - حسبته قال:- مضطرب
رجْلُ الرأس، كأنه من رجال شنوءة » . قال: « ولقيت
عيسى » فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « رَبْعَة
أحمر، كأنما خرج من ديماس - يعني الحمام- ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به » الحديث.
وروى
البخاري، من حديث مجاهد، عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « رأيت
موسى وعيسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جَعْدُ عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم
سبط، كأنه من رجال الزّط » .
وله
ولمسلم من طريق موسى بن عقبة، عن نافع قال:قال عبد الله بن عمر:ذَكَر النبي صلى
الله عليه وسلم يوما بين ظَهْرَاني الناس المسيح الدجال فقال: « إن
الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنَبَةٌ طافية
وأراني الله عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدَم، كأحسن ما ترى من أدم الرجال،
تضرب لمَّته بين منكبيه، رَجْل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعا يديه على منكبي رجلين،
وهو يطوف بالبيت، فقلت:من هذا؟ فقالوا:المسيح ابن مريم ثم رأيت وراءه رجلا جَعْدًا
قَطَطًا، أعور عين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قَطَن، واضعا يديه على منكبي رجل
يطوف بالبيت، فقلت:من هذا؟ قالوا:المسيح الدجال » . تابعه
عبيد الله عن نافع .
ثم رواه
البخاري عن أحمد بن محمد المكِّي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه
قال:لا والله ما قال النبي صلى الله عليه سلم لعيسى [
عليه السلام ] أحمر، ولكن قال: « بينما
أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سَبْط الشعر، يتهادى بين رجلين يَنْطف رأسه
ماء - أو يُهرَاق رأسه ماء- فقلت:من هذا؟ فقالوا:ابن مريم. فذهبت ألتفت، فإذا رجل
أحمر جسيم، جَعْد الرأس، أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية. قلت:من هذا؟
قالوا:الدجال. وأقرب الناس به شبها ابن قَطَن » ( . قال
الزهري:رجل من خزاعة هلك في الجاهلية .
هذه
كلها ألفاظ البخاري، رحمه الله، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي
هريرة:أن عيسى، عليه السلام، يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يُتوفى ويصلي
عليه المسلمون.
وفي
حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم:أنه يمكث سبع سنين، فيحتمل - والله أعلم- أن يكون
المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة، مجموع إقامته فيها قبل رفعه وبعد نزوله، فإنه
رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح، وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة:أنهم
على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة. وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه
رُفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في
ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه، عن بعض السلف:أنه يدفن مع النبي صلى الله عليه
وسلم في حجرته، فالله أعلم .
وقوله
تعالى:وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا قال قتادة:يشهد عليهم
أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بالعبودية لله عز وجل، وهذا كقوله تعالى في
آخر سورة المائدة: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ [ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ
إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ
مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي
نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ * مَا
قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي
وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا
تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ
فَإِنَّكَ أَنْتَ ] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [
المائدة:116 - 118 ] .
فَبِظُلْمٍ
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ( 160
) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا ( 161 )
لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ
وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ( 162
)
يخبر، تعالى، أنه بسبب ظلم
اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حَرّم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال
ابن أبي حاتم:
حدثنا محمد بن عبد الله بن
يزيد المُقْرِي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عَمْرو، وقال:قرأ ابن عباس: « طيبات
كانت أحلت لهم » .
وهذا التحريم قد يكون قدريا،
بمعنى:أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرَّفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا
لهم، فحرموها على أنفسهم، تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعا. ويحتمل أن
يكون شرعيًا بمعنى:أنه تعالى حَرّم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل
ذلك، كما قال تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا
حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [ آل
عمران:93 ] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية وأن المراد:أن الجميع من
الأطعمة كانت حلالا لهم، من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على
نفسه من لحوم الإبل وألبانها. ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة، كما قال
في سورة الأنعام: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ
الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ
بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [
الأنعام:146 ] أي:إنما حرمنا عليهم ذلك؛ لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم
وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه. ولهذا قال: ( فَبِظُلْمٍ مِنَ
الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ) أي:صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن
اتباع الحق. وهذه سَجِيَّة لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه؛ ولهذا كانوا
أعداء الرسل، وقتلوا خَلْقًا من الأنبياء، وكذَبوا عيسى ومحمدًا، صلوات الله
وسلامه عليهما.
وقوله: ( وَأَخْذِهِمُ
الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ) أي:أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه،
واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل. قال
تعالى: ( وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا )
ثم قال تعالى: ( لَكِنِ
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ) أي:الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في
العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
( وَالْمُؤْمِنُونَ ) عطف على
الراسخين، وخبره ( يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ
)
قال ابن عباس:أنزلت في عبد
الله بن سلام، وثعلبة بن سعية. وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في
الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم.
وقوله: ( وَالْمُقِيمِينَ
الصَّلاةَ ) هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أُبَيّ بن كعب. وذكر
ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: «
والمقيمون الصلاة » ، قال:والصحيح قراءة الجميع.
ثم رَدّ على من زعم أن ذلك من غلط الكُتَّاب ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم:هو
منصوب على المدح، كما جاء في قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا [ البقرة:177 ] ،
قالوا:وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر :
لا
يَبْعَــدَن قــومي الـذين همُـو سُــمّ العـداة وآفــة الجُــزرِ
النـــازلين
بكـــل مُعَْـــتركٍ والطَّيّبُــــــونَ مَعَــــاقِدَ الأزْرِ
وقال آخرون:هو مخفوض عطفا على
قوله: ( بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ ) يعني:وبالمقيمين
الصلاة.
وكأنه يقول:وبإقامة الصلاة،
أي:يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، وهذا
اختيار ابن جرير، يعني:يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة. وفي
هذا نظر والله أعلم.
وقوله: ( وَالْمُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ ) يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل
الأمرين، والله أعلم.
وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) أي:يصدقون بأنه لا إله إلا
الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وقوله: (
أُولَئِكَ ) هو الخبر عما تقدم (
سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ) يعني:الجنة.
إِنَّا
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ
وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا ( 163
) وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ
وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ( 164
) رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا ( 165 )
قال محمد
بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:قال
سُكَين وعَديّ بن زيد:يا محمد، ما نعلم أن الله أنـزل على بشر من شيء بعد موسى.
فأنـزل الله في ذلك من قولهما: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ) إلى
آخر الآيات.
وقال ابن
جرير:حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو مَعْشر، عن محمد بن كعب القرظي
قال:أنـزل الله: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا
مِنَ السَّمَاءِ إلى قوله وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا فلما
تلاها عليهم - يعني على اليهود- وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنـزل الله
وقالوا:ما أنـزل الله على بشر من شيء، ولا موسى ولا عيسى، ولا على نبي من شيء.
قال:فحَلّ حُبْوته، وقال:ولا على أحد.. فأنـزل الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [
الأنعام:91 ] .
وفي هذا
الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر؛ فإن هذه الآية مكية في سورة الأنعام، وهذه
الآية التي في سورة النساء مدنية، وهي رد عليهم لما سألوا النبي صلى الله عليه
وسلم أن ينـزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى
أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ [ النساء:153 ] ، ثم
ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه، وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء. ثم
ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى غيره من
الأنبياء المتقدمين، فقال: ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى
وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا )
والزبور:اسم
الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود، عليه السلام، وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء
الأنبياء، عليهم من الله [ أفضل ] الصلاة
والسلام، عند قصصهم في السور الآتية، إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان.
وقوله (
وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ
عَلَيْكَ ) أي:من قبل هذه الآية، يعني:في السور المكية وغيرها.
وهذه
تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن، وهم:آدم وإدريس، ونوح، وهود،
وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى،
وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، والْيَسَع، وزكريا، ويحيى، وعيسى [
عليهم الصلاة والسلام ] وكذا ذو الكفل عند كثير من
المفسرين، وسيدهم محمد صلى الله وعليه وسلم.
وقوله: (
وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )
أي:خلقا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين والمشهور
في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مَرْدُويه، رحمه الله، في تفسيره،
حيث قال:حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن، والحسين بن عبد الله
بن يزيد قالا حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني حدثني أبي عن جدي، عن أبي
إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر قال:قلت:يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: « مائة
ألف وأربعة وعشرون ألفًا » . قلت:يا رسول الله، كم الرسل
منهم؟ قال: « ثلاثمائة وثلاثة عشر جَمّ غَفِير » .
قلت:يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: « آدم » .
قلت:يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: « نعم،
خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم سَوَّاه قِبَلا » . ثم
قال: « يا أبا ذر، أربعة سريانيون:آدم، وشيث، ونوح، وخَنُوخ - وهو
إدريس، وهو أول من خط بقلم- وأربعة من العرب:هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر،
وأول نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى. وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك
» .
قد روى
هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي في كتابه: «
الأنواع والتقاسيم » وقد وَسَمَه بالصحة، وخالفه
أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه «
الموضوعات » ، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير
واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث فالله أعلم.
وقد روي
الحديث من وجه آخر، عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو
المغيرة، حدثنا مُعَان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمَامة
قال:قلت:يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: « مائة
ألف وأربعة وعشرون ألفا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غَفِيرًا » .
مُعَان
بن رفاعة السَّلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضا .
وقال الحافظ
أبو يعلى الموصلي:حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حدثنا مكي بن
إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبَذي، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « بعث الله ثمانية آلاف نبي،
أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس » .
وهذا
أيضا إسناد ضعيف فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرَّقَاشي أضعف منه أيضا والله أعلم.
وقال أبو
يعلى:حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العَبْدِي، حدثنا محمد بن خالد
الأنصاري، عن يزيد الرَّقَاشي، عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كان
فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت
أنا » .
وقد
رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرني الحافظ أبو عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو الفضل
بن عساكر، أنبأنا الإمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا عمة أبي، عائشة
بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء
محمد بن حيدر القُرَشِي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَراييني قال:أخبرنا
الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة،
حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن
المُنْكَدِر، عن صفوان بن سُلَيْم، عن أنس بن مالك قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « بعثت على إثر من ثلاثة آلاف نبي من بني إسرائيل » . وهذا
غريب من هذا الوجه وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا،
فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح والله أعلم.
حديث أبي
ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء عليهم السلام:
قال محمد
بن الحسين الآجري:حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفِرْيابي إملاء في شهر رجب سنة
سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسَّاني، حدثنا أبي، عن جده
عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال:دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه
وسلم جالس وحده، فجلست إليه فقلت:يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة. قال: « الصلاة
خير موضوع فاستكثر أو استقل » . قال:قلت:يا رسول الله، فأي
الأعمال أفضل؟ قال: « إيمان بالله، وجهاد في سبيله
» . قلت:يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: « أحسنهم
خلقا » . قلت:يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: « من
سَلِمُ الناسُ من لسانه ويده » . قلت:يا رسول الله، فأي
الهجرة أفضل؟ قال: « من هَجَر السيئات » .
قلت:يا رسول الله، أيّ الصلاة أفضل؟ قال: « طول
القنوت » . قلت:يا رسول الله، فأي الصيام أفضل؟ قال: « فَرْضٌ
مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة » . قلت:يا رسول الله، فأي
الجهاد أفضل؟ قال: « من عُقِر جَواده وأهرِيق
دَمُه » . قلت:يا رسول الله، فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: « أغلاها
ثمنًا وأنفسها عند أهلها » . قلت:يا رسول الله فأيّ
الصدقة أفضل؟ قال: « جَهْد من مُقِلٍّ، وسر إلى
فقير » . قلت:يا رسول الله، فأيّ آية ما أنـزل عليك أعظم [
منها ] ؟ قال: « آية الكرسي » . ثم
قال: « يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة
بأرض فَلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة » .
قال:قلت:يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: « مائة
ألف وأربعة وعشرون ألفا » قال:قلت:يا رسول الله، كم
الرسل من ذلك؟ قال: « ثلاثمائة، وثلاثة عشر جمٌّ
غَفيرٌ كثير طيب » . قلت:فمن كان أولهم؟ قال: « آدم » .
قلت:أنبي مرسل؟ قال: « نعم، خلقه الله بيده، ونفخ
فيه من روحه، وسَوَّاه قَبِيلا ثم قال: » يا أبا
ذر، أربعة سريانيون:آدم، وشيث، وخَنُوخ - وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم- ونوح.
وأربعة من العرب:هود، وشعيب، وصالح، ونبيك يا أبا ذر. وأول أنبياء بني إسرائيل
موسى، وآخرهم عيسى. وأول الرسل آدم، وآخرهم محمد « .
قال:قلت:يا رسول الله، كم كتابًا أنـزله الله؟ قال: » مائة
كتاب وأربعة كتب، وأنـزل الله على شيث خمسين، صحيفة، وعلى خَنُوخ ثلاثين صحيفة،
وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنـزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف والإنجيل
والزبور والفرقان « . قال:قلت:يا رسول الله، ما
كانت صحف إبراهيم؟ قال: » كانت كلها:يا أيها الملك
المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك
لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر. وكان فيها مثال:وعلى
العاقل أن يكون له ساعات:ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر
في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون
ضاغنا إلا لثلاث:تزود لمعاد، أو مَرَمَّة لمعاش، أو لذة في غير محرم. وعلى العاقل
أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسِب كلامه من عمله
قَلَّ كلامه إلا فيما يعنيه « . قال:قلت:يا رسول الله، فما
كانت صحف موسى؟ قال: » كانت عِبَرًا كلها:عجبت لمن
أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقَدَر ثم هو يَنْصب، وعجبت لمن يرى
الدنيا وتَقَلُّبَهَا بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو
لا يعمل « قال:قلت:يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما في أيدي
إبراهيم وموسى، وما أنـزل الله عليك؟ قال: » نعم،
اقرأ يا أبا ذر: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ
هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [
الأعلى:14- 19 ] .
قال:قلت
يا رسول الله، فأوصني. قال: « أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس
أمرك » .
قال:قلت
يا رسول الله، زدْني. قال: « عليك بتلاوة القرآن، وذِكْر
الله، فإنه ذكرٌ لك في السماء، ونورٌ لك في الأرض » .
قال:قلت:يا
رسول الله، زدني. قال: « إياك وكثرة الضحك. فإنه يميت
القلب، ويُذْهِبُ بنور الوجه » . قلت:زدني. قال: « عليك
بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي » . قلت:زدني. قال: « عليك
بالصمت إلا من خير، فإنه مَطْرَدَةٌ للشيطان وعون لك على أمر دينك » .
قلت:زدني.
قال: « انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر
لك ألا تزدري نعمة الله عليك » .
قلت:زدني.
قال: « أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أَجْدرُ أن لا تزدري نعمة الله
عليك » . قلت:زدني. قال: « صل
قرابتك وإن قطَعوك » . قلت:زدني. قال: « قل
الحق وإن كان مرا » .
قلت:زدني.
قال: « لا تخف في الله لومة لائم » .
قلت:زدني.
قال: « يَرُدَّك عن الناس ما تعرف عن نفسك، ولا تَجِدُ عليهم فيما
تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك. أو تجد عليهم فيما تحب » .
ثم ضرب
بيده صدري، فقال: « يا أبا ذر، لا عَقْل
كالتدبير، ولا وَرَع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق »
وروى
الإمام أحمد، عن أبي المغيرة، عن مُعَان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن
أبي أمامة:أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أمر الصلاة، والصيام،
والصَدقة، وفَضْلَ آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضلَ الشهداءِ،
وأفضلَ الرقاب، ونبوة آدم، وأنه مُكَلَّم، وعددَ الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدم
.
وقال عبد
الله بن الإمام أحمد:وجدت في كتاب أبي بخطه:حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حدثنا
يحيى بن سعيد الأمَوي، حدثنا مُجَالِد عن أبي الوَدَّاك قال:قال أبو سعيد:هل تقول
الخوارج بالدجال؟ قال:قلت:لا. فقال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني
خاتمُ ألفِ نبيّ أو أكثرَ، وما بُعِثَ نبيٌّ يُتَّبعُ إلا وقد حذر أمته منه، وإني
قد بُيِّنَ لي ما لم يُبَيَّن [ لأحد ] وإنه
أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخامة في حائط
مُجَصَّص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء
يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تَدْخُن » .
وقد
رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي، عن يحيى بن مَعين، حدثنا مروان
بن معاوية، حدثنا مُجَالِد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إني أختم ألفَ ألفَ نبيٍّ أو
أكثرَ، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذَّرهم الدجالَ.... » وذكر تمام
الحديث، هذا لفظه بزيادة « ألْف » وقد
تكون مُقْحَمة والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال
إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وروي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله، رضي الله
عنه، قال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا
عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مُجَالد، عن الشَّعبي، عن جابر قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إني لخاتمُ ألف نبيٍّ أو
أكثر، وإنه ليس منهم نبيٌّ إلا وقد أنذر قومه الدَّجالَ، وإني قد بُيِّن لي ما لم
يُبَيَّن لأحد منهم وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعورَ » .
وقوله: ( وَكَلَّمَ
اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) وهذا تشريف لموسى، عليه
السلام، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له:الكليم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن
مَرْدويه:حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مَسيحُ بن حاتم، حدثنا عبد
الجبار بن عبد الله قال:جاء رجل إلى أبي بكر بن عيَّاش فقال:سمعت رجلا يقرأ: « وكلم
الله موسى تكليما » فقال أبو بكر:ما قرأ هذا إلا
كافر، قرأتُ على الأعمش، وقرأ الأعمش على [
يحيى ] بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثَّاب على أبي عبد الرحمن
السَّلْمِيّ، وقرأ أبو عبد الرحمن، عَلَى عَلِيِّ بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي
طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) .
وإنما
اشتد غضب أبي بكر بن عياش، رحمه الله، على مَن قرأ كذلك؛ لأنه حَرّف لفظ القرآن
ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن [
يكون ] الله كلَّم موسى، عليه السلام، أو يكلم أحدًا من خلقه، كما
رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: « وكلم
الله موسى تكليما » فقال له:يا ابن اللَّخْنَاء،
فكيف تصنع بقوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
[ الأعراف:143 ] ،
يعني:أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.
وقال ابن
مَرْدُوَية:حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن الحسين بن بَهْرَام،
حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة عن يحيى
بن وَثَّاب، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَما
كلم الله موسى كان يُبْصِرُ دبيبَ النمل على الصفا في الليلة الظلماء » . وهذا
حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا .
وقد روى
الحاكم في مستدركه وابن مردويه، من حديث حميد بن قيس الأعرج، عن عبد الله بن
الحارث، عن ابن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كان
على موسى يوم كلمه ربُّه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير
ذكي » .
وقال ابن
مردويه بإسناده عن جُوَيْبر، عن الضَّحاك عن ابن عباس قال:إن الله ناجَى موسى
بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة، في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام
الآدميين مَقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب، عز وجل.
وهذا
أيضًا إسناد ضعيف، فإن جُوَيْبِرًا ضعيف، والضَّحاك لم يدرك ابنَ عباس، رضي الله
عنه. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مَرْدُويه وغيرهما من طريق الفضل بن
عيسى الرَّقَاشي، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال:لما كلم الله
موسى يوم الطورِ، كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يوم ناداه، فقال له موسى:يا رب،
هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال:لا يا موسى، أنا كلمتك بقوة عَشَرةِ آلاف لسان، ولي
قوةُ الألْسِنة كلها، وأنا أقوى من ذلك. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا:يا
موسى، صِفْ لنا كلام الرحمن. قال:لا أستطيعه. قالوا:فشبه لنا. قال:ألم تسمعوا إلى
صوت الصواعق فإنها قريب منه، وليس به. وهذا إسناد ضعيف، فإن الفضلَ هذا الرقاشي
ضعيف بمرة.
وقال عبد
الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن جَزْء
بن جابر الخَثْعَمي، عن كعب قال:إن الله لما كلم موسى كلمه بالألسنة كلها سِوَى
كلامه، فقال له موسى يا رب، هذا كلامك؟ قال:لا ولو كلمتك بكلامي لم تَستَقِمْ له.
قال:يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال:لا وأشد خلقي شبها بكلامي أشد ما تسمعون
من الصواعق.
فهذا
موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني
إسرائيل، وفيها الغَثُّ والسَّمِين.
وقوله: (
رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ )
أي:يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب
والعذاب.
وقوله: (
لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ
عَزِيزًا حَكِيمًا ) أي:أنه تعالى أنـزل كتبه
وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى
لمعتذر عذر، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ
قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ
آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [
طه:134 ] ، وكذا قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [ فَيَقُولُوا رَبَّنَا
لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ ] [
القصص:47 ] .
وقد ثبت
في الصحيحين عن ابن مسعود، [ رضي الله عنه ]
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
أحَدَ أغَيْرُ من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظَهَر منها وما بطن، ولا أحدَ
أحبُّ إليه المدحُ من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحدَ أحَبُّ إليه العُذر من
الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين » وفي
لفظ: « من أجل ذلك أرسل رسله، وأنـزل كتبه » .
لَكِنِ
اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ
يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( 166
) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ( 167 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا
لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ( 168 ) إِلا
طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرًا ( 169 ) يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا
خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 170
)
لما تضمن قوله تعالى: (
إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ
بَعْدِهِ ) إلى آخر السياق، إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم والرد على
من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: (
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنـزلَ إِلَيْكَ ) أي:وإن
كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنـزل عليه
الكتاب، وهو:القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [
فصلت:42 ] ؛ ولهذا قال: (
أَنـزلَهُ بِعِلْمِهِ ) أي:فيه علمه الذي أراد أن
يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه
ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته
تعالى المقدسة، التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا أن يُعْلِمَه الله به،
كما قال [ تعالى ] وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ
مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ [
البقرة:255 ] ، وقال وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [
طه:110 ] .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا الحسن بن سَهْل الجعفري وخَزَزُ بن المبارك قالا حدثنا عمران بن
عيينة، حدثنا عطاء بن السائب قال:أقرأني أبو عبد الرحمن السَّلمي القرآنَ، وكان
إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال:قد أخذتَ علم الله، فليس أحدٌ اليوم أفضلَ منك إلا
بعمل، ثم يقرأ: ( أَنـزلَهُ بِعِلْمِهِ
وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ) وقوله
( وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ )
أي:بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنـزل عليك، مع شهادة الله تعالى لك بذلك (
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )
وقد قال محمد بن إسحاق، عن محمد
بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال:دخل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم جماعةٌ من اليهود، فقال لهم: « إني
لأعلم - والله- إنكم لتعلمون أني رسول الله » .
فقالوا:ما نعلم ذلك. فأنـزل الله عز وجل: (
لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنـزلَ إِلَيْكَ أَنـزلَهُ بِعِلْمِهِ [
وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ] .
وقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ) أي:كفروا
في أنفسهم فلم يتبعوا الحق، وسَعوْا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا
عن الحق وضلوا عنه، وبَعُدُوا منه بعدًا عظيما شاسعًا.
ثم أخبر تعالى عن حكمه في
الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك، وبالصد عن سبيله وارتكاب
مآثمه وانتهاك محارمه، بأنه لا يغفر لهم ( وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا )
أي:سبيلا إلى الخير ( إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ) وهذا استثناء منقطع ( خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا [ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرًا ] ) .
ثم قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا
لَكُمْ ) أي:قد جاءكم محمد - صلوات الله وسلامه عليه- بالهدى ودين الحق، والبيان
الشافي من الله، عز وجل، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم.
ثم قال: ( وَإِنْ تَكْفُرُوا
فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:فهو غني عنكم وعن إيمانكم،
ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ
وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [
إبراهيم:8 ] وقال هاهنا: ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )
أي:بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغَوَاية فيغويه ( حَكِيمًا )
أي:في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا
الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا
تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ
سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ( 171
)
ينهى
تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد
التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنـزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز
النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه
وأشياعه، ممن زعم أنه على دينه، فادَّعوْا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه،
سواء كان حقًا أو باطلا أو ضلالا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال تعالى:
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [
التوبة:31 ] .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا هُشَيم قال:زعم الزُّهْرِي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة
بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا
تُطْرُوني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله » .
ثم رواه
هو وعلي بن المديني، عن سفيان بن عُيَيْنة، عن الزُّهري كذلك. وقال علي بن
المديني:هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري، عن الحُميدي، عن سفيان بن عيينة،
عن الزهري، به. ولفظه: « فإنما أنا عبد، فقولوا:عبد
الله ورسوله » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حمَّاد بن سَلَمَة، عن ثابت البُناني، عن
أنس بن مالك:أن رجلا قال:محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم « يا أيها الناس، عليكم بقولكم،
ولا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أنا محمدُ بنُ عبد الله، عبد الله ورسوله، والله
ما أحب أن ترفعوني فوق منـزلتي التي أنـزلني اللَّهُ عز وجل » . تفرد
به من هذا الوجه .
وقوله: ( وَلا
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ) أي:لا
تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتنـزه وتقدس
وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته - فلا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال: (
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ )
أي:إنما هو عبد من عباد الله وخَلق من خلقه، قال له:كن فكان، ورسول من رسله،
وكلمته ألقاها إلى مريم، أي:خَلقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، عليه السلام، إلى
مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، عز وجل، فكان عيسى بإذن الله، عز وجل، وصارت
تلك النفخة التي نفخها في جَيْب درعها، فنـزلت حتى وَلَجت فرجها بمنـزلة لقاح الأب
الأم والجميع مخلوق لله، عز وجل؛ ولهذا قيل لعيسى:إنه كلمة الله وروح منه؛ لأنه لم
يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها:كن، فكان. والروح
التي أرسل بها جبريل، قال الله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ
الطَّعَامَ [ المائدة:75 ] . وقال
تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل
عمران:59 ] . وقال تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [
الأنبياء:91 ] وقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي
أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ
رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ
الْقَانِتِينَ ] [
التحريم:12 ] . وقال تعالى إخبارا عن المسيح: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ
أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا
لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ] [
الزخرف:59 ] .
وقال عبد
الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا
إِلَى مَرْيَمَ ) هو كقوله: كُنْ [ آل
عمران:59 ] فكان وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أحمد بن سنان الواسطي
قال:سمعت شَاذَّ بن يحيى يقول:في قول الله: (
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ )
قال:ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
وهذا
أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: (
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) أي:أعلمها بها، كما زعمه في
قوله: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [ آل عمران:45 ]
أي:يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى
إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [
القصص:86 ] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ
فيها بإذن الله، فكان عيسى، عليه السلام.
وقال
البخاري:حدثنا صَدَقَةُ بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عُمَيْر بن
هانئ، حدثني جُنَادةُ بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا
عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه،
والجنةَ حق، والنارَ حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » . قال
الوليد:فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عُمير بن هانئ، عن جُنَادة زاد: « من
أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء » .
وكذا
رواه مسلم، عن داود بن رُشَيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به ومن وجه آخر، عن
الأوزاعي، به .
فقوله في
الآية والحديث: ( وَرُوحٌ مِنْهُ ) كقوله
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [
الجاثية:13 ] أي:مِنْ خَلْقه ومن عنده، وليست « مِنْ »
للتبعيض، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة- بل هي لابتداء الغاية،
كما في الآية الأخرى.
وقد قال
مجاهد في قوله: ( وَرُوحٌ مِنْهُ )
أي:ورسول منه. وقال غيره. ومحبة منه. والأظهر الأول أنَّه مخلوق من روح مخلوقة،
وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله، في
قوله: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ [ هود:64 ] . وفي
قوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [
الحج:26 ] ، وكما ورد في الحديث الصحيح: « فأدخل
على رَبِّي في داره » أضافها إليه إضافة تشريف لها،
وهذا كله من قبيل واحد ونمَط واحد.
وقوله: (
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) أي:فصدقوا بأن الله واحد أحد،
لا صاحبة له ولا ولد، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله؛ ولهذا قال: ( وَلا
تَقُولُوا ثَلاثَةٌ ) أي:لا تجعلوا عيسى وأمه مع
الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وهذه
الآية والتي تأتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ [
المائدة:73 ] . وكما قال في آخر السورة المذكورة: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ
يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [
وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ] الآية
[ المائدة:116 ] ، وقال
في أولها: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ الآية [ المائدة:17 ] ، فالنصارى
- عليهم لعنة الله- من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم
منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكا، ومنهم من يعتقده ولدًا. وهم
طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث
قال:لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا. ولقد ذكر بعض علمائهم
المشاهير، وهو سعيد بن بَطْرِيق - بتْرَكُ الإسكندرية- في حدود سنة أربعمائة من
الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي
لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة
المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين
أَسْقُفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة،
ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى عصابة منهم قد
زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك
ونصرها وأيدها - وكان فيلسوفًا ذا هيئة - ومَحَقَ ما عداها من الأقوال، وانتظم
دَسْتُ أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا
وقوانين، وأحدثوا الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار - ليعتقدوها-
ويُعَمّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية. ثم إنهم اجتمعوا مجمعا ثانيًا فحدث
فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية. وكل هذه الفرق تثبت
الأقانيم الثلاثة في المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على
زعمهم! هل اتحدا، أو ما اتحدا، بل امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل
منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: (
انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ) أي:يكن خيرا لكم (
إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ )
أي:تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا ( لَهُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا )
أي:الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده، وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على
كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو ولد؟ كما قال في الآية الأخرى: بَدِيعُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ
صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [
الأنعام:101 ] ، وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا *
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * [
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ
الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي
لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ
عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ] [
مريم:88- 95 ]
لَنْ
يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ( 172
) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ
اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ
لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ( 173
)
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جُرَيج، عن عطاء،
عن ابن عباس قوله: ( لَنْ يَسْتَنْكِفَ
الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ) لن
يستكبر.
وقال
قتادة:لن يحتشم ( الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ
عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) وقد
استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ( وَلا
الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه
إنما عطف الملائكة على المسيح؛ لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك
من المسيح؛ فلهذا قال: ( وَلا الْمَلائِكَةُ
الْمُقَرَّبُونَ ) ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر
على الامتناع أن يكونوا أفضل.
وقيل:إنما
ذكروا؛ لأنهم اتّخذُوا آلهة مع الله، كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من
عبيده وخَلْق من خلقه، كما قال الله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ
وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * [ لا
يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ
فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ]
الأنبياء: [ 26- 29 ] .
ثم قال:
( وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا )
أي:فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، الذي لا يجور فيه ولا
يَحِيف؛ ولهذا قال: ( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
) يعني:فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة ويزيدهم
على ذلك من فضله وإحسانه وسَعَة رحمته وامتنانه.
وقد روى
ابن مَرْدُوَيه من طريق بَقِيَّة، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن
سفيان عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) قال:
أجورهم:أدخلهم الجنة « . (
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) قال: » الشفاعة
فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم « . »
وهذا
إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد .
(
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا )
أي:امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك (
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [
غافر:60 ] أي:صاغرين حقيرين ذليلين، كما كانوا ممتنعين مستكبرين .
يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ( 174 ) فَأَمَّا
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ
مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ( 175
)
يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس
ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعُذْر، والحجة المزيلة
للشبهة؛ ولهذا قال: ( وَأَنـزلْنَا إِلَيْكُمْ
نُورًا مُبِينًا ) أي:ضياء واضحا على الحق، قال
ابن جُرَيج وغيره:وهو القرآن .
(
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ )
أي:جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقال ابن جريج:آمنوا
بالله واعتصموا بالقرآن . رواه ابن جرير.
(
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ )
أي:يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم، من فضله عليهم
وإحسانه إليهم، ( وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) أي:طريقا واضحا قَصْدا
قَوَاما لا اعوجاج فيه ولا انحراف. وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في
الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي
الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات . وفي حديث الحارث الأعور
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « القرآن
صراطُ اللهِ المستقيمُ وحبلُ الله المتين » . وقد
تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة .
يَسْتَفْتُونَكَ
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا
وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ
كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 176
) .
قال
البخاري:حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال:سمعت البراء قال:آخر
سورة نـزلت: « براءة » ، وآخر آية نـزلت: (
يَسْتَفْتُونَكَ ) .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر قال:سمعت جابر بن
عبد الله قال:دخل عَلَيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا مريض لا أَعْقِل،
قال:فتوضأ، ثم صَبَّ عَلَيّ - أو قال صبوا عليه - فَعَقَلْتُ فَقُلت:إنه لا يرثني
إلا كلالة، فكيف الميراث ؟ قال:فنـزلت آية الفرائض.
أخرجاه
في الصحيحين من حديث شعبة ، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن
المُنْكَدر، عن جابر، به . وفي بعض الألفاظ:فنـزلت آية الميراث: (
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) الآية
.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان وقال ابن الزبير قال - يعني
جابرا - :نـزلت في: ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) .
وكأن
معنى الكلام - والله أعلم- ( يَسْتَفْتُونَكَ ) :عن
الكلالة قل:الله يفتيكم فيها، فدل المذكور على المتروك.
وقد تقدم
الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من
جوانبه؛ ولهذا فسرها أكثر العلماء:بمن يموت وليس له ولد ولا والد، ومن الناس من
يقول:الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية: ( إِنِ
امْرُؤٌ هَلَكَ ) [ أي
مات ] ( لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ) .
وقد
أُشْكِل حُكْم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت
عنه في الصحيحين أنه قال:ثلاث وَدِدْتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد
إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه:الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي
الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة قال:قال عمر بن الخطاب:ما سألتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأُصْبُعِه في صدري
وقال: « يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء » .
هكذا
رواه مختصرًا وقد أخرجه مسلم مطولا أكثر من هذا .
طريق
أخرى:قال [ الإمام ]
أحمد:حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا مالك - يعني ابن مِغْل- سمعت الفضل بن عمرو، عن
إبراهيم، عن عمر قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: « يكفيك
آية الصيف » . فقال:لأن أكون سألت النبي صلى الله عليه وسلم عنها أحبَّ
إليّ من أن يكونَ لي حُمْر النَّعم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين
إبراهيم وبين عُمَر، فإنه لم يدركه .
وقال الإمام
أحمد:حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البَراءِ بن عازبٍ
قال:جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الكلالة، فقال: « يكفيك
آية الصيف » . وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر
بن عيَّاش، به . وكأن المراد بآية الصيف:أنها نـزلت في فصل الصيف، والله أعلم.
ولما
أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفهمها - فإن فيها كفاية- نسي أن يسأل النبي
صلى الله عليه وسلم عن معناها؛ ولهذا قال:فلأن أكون سألت رسول الله صلى الله عليه
وسلم عنها أحب إليّ من أن يكون لي حُمْر النَّعَم.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن الشيباني، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن
المسيَّب قال:سأل عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فقال: « أليس
قد بين الله ذلك؟ » فنـزلت: (
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ ] ) الآية
. وقال قتادة:ذُكر لنا أن أبا بكر الصديق [ رضي
الله عنه ] قال في خطبته:ألا إن الآية التي أنـزلت في أول « سورة
النساء » في شأن الفرائض، أنـزلها الله في الولد والوالد. والآية
الثانية أنـزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم. والآية التي ختم بها « سورة
النساء » أنـزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم
بها « سورة الأنفال » أنـزلها
في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، مما جَرّت الرحم من العَصَبة.
رواه ابن جرير .
ذكر
الكلام على معناها وبالله المستعان، وعليه التكلان:
قوله
تعالى: ( إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ )
أي:مات، قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ [
القصص:88 ] كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، عز وجل، كما قال: كُلُّ
مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [
الرحمن:26، 27 ] .
وقوله: ( لَيْسَ
لَهُ وَلَدٌ ) تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد ،
بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب، رواها ابن
جرير عنه بإسناد صحيح إليه. ولكن الذي رجع إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق:أنه
مَنْ لا ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله: (
وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) كان
معها أب لم ترث شيئًا؛ لأنه يحجبها بالإجماع، فدل على أنه من لا ولد له بنص
القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل أيضًا؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد،
بل ليس لها ميراث بالكلية.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مَكْحُول وعطية
وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت:أنه سئلَ عن زوج وأخت لأب وأم، فأعطى الزوجَ النصفَ
والأخت النصفَ. فكُلِّم في ذلك، فقال:حضرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى
بذلك.
تفرد به
أحمد من هذا الوجه ، وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا
يقولان في الميت ترك بنتًا وأختًا:إنه لا شيء للأخت لقوله: ( إِنِ
امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ) فإذا
ترك بنتًا فقد ترك ولدًا ، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه
المسألة:للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل غير هذه الآية
وهذه نَصب أن يفرض لها في هذه الصورة , وأما وراثتها بالتعصيب؛ فلما رواه البخاري
من طريق سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، قال:قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم:النصف للابنة، والنصف للأخت. ثم قال سليمان:قضى فينا ولم
يذكر:على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي صحيح البخاري أيضًا عن هُزيل بن
شرحبيل قال:سئل أبو موسى الأشعري عن ابنة وابنة ابن وأخت، فقال:للابنة النصف،
وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فسيتابعني. فسئل ابنُ مسعود - وأخبر بقول أبي موسى-
فقال:لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله
عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت،
فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال:لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم
.
وقوله: (
وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ )
أي:والأخ يرث جميع ما لها إذا ماتت كلالة، وليس لها ولد، أي:ولا والد؛ لأنه لو كان
لها والد لم يرث الأخ شيئًا، فإن فرض أن معه من له فرض، صرف إليه فرضه؛ كزوج، أو
أخ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ؛ لما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: « أَلْحِقُوا الفرائض بأهلها،
فما أبقت الفرائض فَلأوْلَى رجلٍ ذَكَر » .
وقوله: (
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ) أي:فإن
كان لمن يموت كلالة، أختان، فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين في حكمهما،
ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد حكم الأخوات من البنات، في قوله: (
فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ )
وقوله: (
وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الأنْثَيَيْنِ ) هذا حكم العصبات من البنين
وبني البنين والإخوة إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أعطي الذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله: (
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ ) أي:يفرض لكم فرائضه، ويحدّ
لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.
وقوله: ( أَنْ
تَضِلُّوا ) أي:لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. (
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي:هو
عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها من الخير لعباده، وما يستحقه كل واحد من
القرابات بحسب قربه من المتوفى .
وقد قال
أبو جعفر ابن جرير:حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّة، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن
سيرين قال:كانوا في مسير، ورأس راحلة حذيفة عند رِدْف راحلة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة. قال:ونـزلت: (
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ )
فلقَّاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حذيفة، فلقاها حذيفة عُمَر، فلما كان بعد
ذلك سأل عُمَرُ عنها حذيفة فقال:والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقَّانيها رسول
الله صلى الله عليه وسلم فلقيتكها كما لقانيها ، والله لا أزيدك عليها شيئًا أبدًا
. قال:فكان عمر [ رضي الله عنه ] يقول:اللهم
إن كنت بينتها له فإنها لم تُبَين لي.
كذا رواه
ابن جرير. ورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن
ابن سيرين كذلك بنحوه. وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة ، وقد قال الحافظ أبو بكر
أحمد بن عمرو البزَّار في مسنده:حدثنا يوسف بن حماد المَعْنيُّ، ومحمد بن مرزوق
قالا:أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسَّان، عن محمد بن سيرين،
عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن أبيه: « نـزلت
الكلالة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسير له، فوقف النبي صلى الله عليه
وسلم وإذا هو بحذيفة، وإذا رأس ناقة حذيفة عند مُؤتَزَر النبي صلى الله عليه وسلم،
فلقَّاها إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، رضي الله عنه، فلقاها إياه، فلما كان في
خلافة عمر نظر عمر في الكلالة، فدعا حذيفة فسأله عنها، فقال حذيفة:لقد لقَّانيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَقَّيتُك كما لقاني، والله إني لصادق، ووالله لا
أزيد على ذلك شيئًا أبدًا. »
ثم قال
البزار:وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا
هذا الطريق، ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى . وكذا رواه ابن مَردُوَيه من حديث
عبد الأعلى .
وقال
عثمان بن أبي شَيْبَة:حدثنا جرير، عن الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد - [ هو ] ابن
المسيَّب- أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يُوَرّث الكلالة؟
قال:فأنـزل الله ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ
يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ] ) الآية ، قال:فكأن عمر لم
يفهم. فقال لحفصة:إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب نَفْس فسليه عنها،
فرأت منه طيب نفس فسألته عنها ، فقال: « أبوك
ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها » .
قال:وكان عمر يقول:ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال.
رواه ابن
مَرْدُوَيه ، ثم رواه من طريق ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس:أن عمر أمر حَفْصَة أن
تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فأملاها عليها في كَتَفٍ، فقال: « من
أمرك بهذا؟ أعمر؟ ما أراه يقيمها، أوما تكفيه آية الصيف؟ » قال
سفيان:وآية الصيف التي في النساء: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ
امْرَأَةٌ فلما سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نـزلت الآية التي هي خاتمة
النساء، فألقى عمر الكتف. كذا قال في هذا الحديث، وهو مرسل .
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرِيْبٍ، حدثنا عَثَّام، عن الأعمش، عن قيس بن مُسْلِم، عن طارق
بن شهاب قال: « أخذ عمر كَتفًا وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم
قال:لأقضينَّ في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن. فخرجت حينئذ حَيّة من
البيت، فتفرقوا، فقال:لو أراد الله، عز وجل، أن يتم هذا الأمر لأتمه. وهذا إسناد
صحيح . »
وقال
الحاكم أبو عبد الله النَّيْسَابُورِي:حدثنا علي بن محمد بن عقبة الشَّيْبَاني
بالكوفة، حدثنا الهيثمُ بن خالد، حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن
دينار، سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانَة يحدث عن عمر بن الخطاب قال:لأن أكون
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث أحبُّ إليّ من حُمْر النَّعَم:مَن
الخليفة بعده ؟ وعن قوم قالوا:نُقرُّ في الزكاة من أموالنا ولا نؤديها إليك، أيحل
قتالهم؟ وعن الكلالة . ثم قال:صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه . ثم روي بهذا
الإسناد إلى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن مُرَّة، عن مُرة، عن عمر قال:ثلاث لأن
يكون النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَهُنّ لنا أحبُّ إليّ من الدنيا وما
فيها:الخلافة، والكلالة، والربا. ثم قال:صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وبهذا
الإسناد إلى سفيان بن عيينة قال:سمعتُ سليمان الأحولَ يحدث، عن طاوس قال:سمعت ابن
عباس قال:كنتُ آخر الناس عهدا بعمر، فسمعته يقول:القولُ ما قلتُ:قلتُ:وما قلتَ؟
قال:قلتُ:الكلالة، من لا ولد له . ثم قال:صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
وهكذا
رواه ابن مَرْدُوَيه من طريق زَمْعة بن صالح، عن عمرو بن دينار وسليمان الأحول، عن
طاوس، عن ابن عباس قال:كنتُ آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، قال:اختلفت أنا وأبو
بكر في الكلالة، والقولُ ما قلتُ. قال:وذكر أن عمر شرك بين الإخوة للأب وللأم ،
وبين الإخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا، وخالفه أبو بكر، رضي الله عنهما .
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن حُمَيْد الْمَعْمَرِي ، عن مَعْمَر عن
الزُّهْرِي، عن سعيد بن المسيَّب:أن عمر كتب في الجَدِّ والكلالةِ كتابًا، فمكث
يستخير الله فيه يقول:اللهم إن علمت فيه خيرًا فأمضه، حتى إذا طَعِن دعا بكتاب
فمحى، ولم يدرِ أحدٌ ما كتب فيه. فقال:إني كنت كتبت في الجَدِّ والكلالة كتابًا،
وكنت استخرت الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه .
قال ابن
جرير:وقد رُوِي عن عمر، رضي الله عنه، أنه قال:إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر.
وكان أبو بكر، رضي الله عنه، يقول:هو ما عدا الولد والوالد .
وهذا
الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة، في قديم الزمان وحديثه،
وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة. وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي
يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بين ذلك ووضحه في قوله: (
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
تفسير سورة المائدة
[ وهي
مدنية ]
قال
الإمام أحمد:حدثنا أبو النَّضر، حدثنا أبو معاوية شَيْبان، عن لَيْث، عن شَهر بن
حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت:إني لآخذة بزِمَام العَضْباء ناقةِ رسول الله صلى
الله عليه وسلم، إذ نـزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تَدُقّ عَضُد الناقةَ
.
وروى ابن
مَرْدُويه من حديث صالح بنِ سُهَيْل، عن عاصم الأحول قال:حدثتني أم عمرو، عن عمها؛
أنه كان في مَسِير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزلت عليه سورة المائدة،
فاندَقَّ عُنُق الراحلة من ثقلها .
وقال
أحمد أيضًا:حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثني حُيَيُّ بن عبد الله، عن أبي عبد
الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو قال:أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم
سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنـزل عنها.
تفرد به
أحمد وقد روى الترمذي عن قُتَيْبَة، عن عبد الله بن وَهْب، عن حُيَيٍّ، عن أبي عبد
الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال:آخر سورة أنـزلت:سورة المائدة والفتح، ثم قال
الترمذي:هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن ابن عباس أنه قال:آخر سورة أنـزلت: إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [
سورة النصر:1 ] .
وقد روى
الحاكم في مستدركه، من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي، ثم
قال:صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وقال
الحاكم أيضا:حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا بحر بن نصر قال:قُرئ على عبد
الله بن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفَيْر
قال:حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي:يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت:نعم. فقالت:أما
إنها آخر سورة نـزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام
فحرموه. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ورواه
الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، وزاد:وسألتها عن خُلُق
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:القرآن. وراوه النسائي من حديث ابن مهدي .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ
إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ
اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ( 1 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ
الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ
يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى
الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 2 ) .
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، حدثني مَعْن
وعَوْف - أو:أحدهما- أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [ رضي
الله عنه ] فقال:اعهد إليَّ. فقال:إذا سمعت الله يقول: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فارْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْر
يأمر به، أو شَر ينهى عنه.
وقال:حدثنا علي بن الحسين،
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دُحيم- حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري
قال:إذا قال الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ) افعلوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم.
وحدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا
محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال:كل شيء في القرآن: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فهو في التوراة: « يأ يها
المساكين » .
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل
الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية - يعني:ابن هشام- عن عيسى بن راشد، عن علي بن
بُذَيْمَة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال:ما في القرآن آية: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلا أن عليًا سيدها وشريفها
وأميرها، وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا
علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبْ في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي
إسناده نظر.
قال البخاري:عيسى بن راشد هذا
مجهول، وخبره منكر. قلت:وعلي بن بذيمة - وإن كان ثقة- إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في
مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل. وقوله: « ولم
يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا » إنما
يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوي، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم
يعمل بها أحد إلا عليٌّ، ونـزل قوله: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ
نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ الآية [
سورة المجادلة:13 ] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه
قد قيل:إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد
منهم خلافه. وقوله عن علي: « إنه لم يعاتب في شيء من القرآن
» فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها
المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عُمر بن
الخطاب، رضي الله عنه، فعلم بهذا، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير:حدثني المثنى،
حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا اللَّيْث، حدثني يونس قال:قال محمد بن مسلم:قرأت
كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كُتب لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى
نَجْران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه:هذا بيان من الله ورسوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) فكتب
الآيات منها حتى بلغ: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال:هذا كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا،
الذي كتبه لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يُفَقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ
صدقاتهم. فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: « بسم
الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) عَهْدٌ
من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره
بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون » .
قوله تعالى (
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) قال ابن عباس ومجاهد وغير
واحد:يعني بالعقود:العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال:والعهود ما كانوا
يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) يعني
بالعهود:يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا
تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله: سُوءُ
الدَّارِ [ الرعد:25 ] .
وقال الضحاك: (
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) قال:ما أحل الله وما حرم وما
أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ صلى
الله عليه وسلم ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ
الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.
وقال زيد بن أسلم: (
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) قال:هي ستة: عهد الله، وعقد
الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب:هي خمسة
منها:حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه
لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) قال:فهذا يدل على لزوم العقد
وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. وخالفهما الشافعي
وأحمد بن حنبل والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « البَيِّعان بالخيار ما لم
يَتَفرَّقا » وفي لفْظ للبخاري: « إذا
تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا » وهذا
صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل
هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد.
وقوله تعالى: (
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ )
هي:الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير:وكذلك هو عند
العرب. وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا
وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود
والترمذي وابن ماجه، من طريق مُجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نَوْف، عن أبي سعيد،
قال:قلنا:يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين،
أنلقيه أم نأكله؟ فقال: « كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة
أمه » . وقال الترمذي:حديث حسن .
[ و ] قال
أبو داود:حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عَتَّاب بن
بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد
الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ذكاة
الجنين ذكاة أمه » . تفرد به أبو داود .
وقوله: ( إِلا
مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس:يعني بذلك:الميتة، والدم، ولحم الخنـزير.
وقال قتادة:يعني بذلك الميتة، وما
لم يذكر اسم الله عليه.
والظاهر - والله أعلم- أن
المراد بذلك قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فإن
هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: إِلا مَا
ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ يعني:منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه،
وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: ( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ) أي:إلا
ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله: (
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) قال
بعضهم:هذا منصوب على الحال. والمراد من الأنعام:ما يعم الإنسي من الإبل والبقر
والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم،
واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل:المراد [
أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، كقوله: فَمَنِ
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ أي:أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير
باغ ولا عاد، أي:كما ] أحللنا الأنعام لكم في جميع
الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع
ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: ( إِنَّ
اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ )
ثم قال: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ) قال
ابن عباس:يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد:الصفا والمروة
والهدي والبُدن من شعائر الله.
وقيل:شعائر الله محارمه [
التي حرمها ] أي:لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال [
تعالى ] ( وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ) يعني
بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء
بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [
البقرة:217 ] ، وقال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ
اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا
فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ الآية. [ التوبة:36 ] .
وفي صحيح البخاري:عن أبي بكرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: « إن
الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها
أربعة حُرُم، ثلاث متواليات:ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين
جُمادى وشعبان » .
وهذا يدل على استمرار تحريمها
إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس في قوله تعالى: ( وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ) يعني:
لا تستحلوا قتالا فيه. وكذا قال مُقَاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك
الجزَريُّ، واختاره ابن جرير أيضًا، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز
ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ
الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [
التوبة:5 ] قالوا:والمراد أشهر التسيير الأربعة، فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قالوا:فلم يستثن شهرا حراما من غيره.
وقد حكى الإمام أبو جعفر [
رحمه الله ] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر
الحرم، وغيرها من شهور السنة، قال:وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو
ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له
عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا.
[ و ] قوله:
( وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ )
يعني:لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا
تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة
فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى
هدْيٍ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ولهذا
لما حَج رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بذي الحُلَيْفة، وهو وادي العَقيق، فلما
أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا، ثم اغتسل وتَطيَّب وصلَّى ركعتين، ثم أشعر هَدْيَه
وقلَّدَه، وأهَلَّ بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيفُ على الستين، من أحسن
الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [
الحج:32 ] .
قال بعض
السلف:إعظامها:استحسانها واستسمانها.
وقال علي بن أبي طالب:أمرنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن
وقال مُقاتل بن حَيَّان: ( وَلا
الْقَلائِدَ ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير
الأشهر الحرم قلَّدوا أنفسهم بالشَّعْر والوَبَر، وتقلد مشركو الحرم من لَحاء شجر
الحرم، فيأمنون به.
رواه ابن أبي حاتم، ثم
قال:حدثنا محمد بن عَمَّار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن
سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:نسخ من هذه السورة آيتان:آية
القلائد، وقوله: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [
المائدة:42 ] .
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا
زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال:قلت للحسن:نسخ من
المائدة شيء؟ قال:لا.
وقال عطاء:كانوا يتقلدون من شجر
الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مُطرِّف بن عبد الله.
وقوله: ( وَلا
آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ) أي:ولا
تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده
طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد، وعطاء، وأبو
العالية، ومُطَرِّف بن عبد الله، وعبد الله بن عُبَيد بن عُمير، والربيع بن أنس،
وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان في قوله: (
يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ ) يعني
بذلك:التجارة.
وهذا كما تقدم في قوله: لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ [
البقرة:198 ]
وقوله: (
وَرِضْوَانَا ) قال ابن عباس:يترضَّون الله بحجهم.
وقد ذكر عِكْرِمة، والسُّدِّي،
وابن جُرَيْجٍ:أن هذه الآية نـزلت في الحُطم بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح
المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا
في طريقه إلى البيت، فأنـزل الله عز وجل ( وَلا
آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ) .
وقد حكى ابن جرير الإجماع على
أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛
فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده
والكفر به، فهذا يمنع كما قال [ تعالى ] يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [
التوبة:28 ] ولهذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تسع - لما
أمَّر الصديق على الحجيج- علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان
.
وقال [ على
] بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ( وَلا
آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) يعني من توجه قِبَل البيت
الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن
يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنـزل الله بعدها:
إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
عَامِهِمْ هَذَا [ التوبة:28 ] وقال
تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ [
التوبة:17 ] وقال [ تعالى ] :
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [
التوبة:18 ] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال عبد الرزاق:حدثنا مَعْمَر،
عن قتادة في قوله: ( وَلا الْقَلائِدَ وَلا
آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ) قال:منسوخ، كان الرجل في
الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقلَّد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع
تقلد قلادة من شَعرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا
ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [
التوبة:5 ] . .
وقد اختار ابن جرير أن المراد
بقوله: ( وَلا الْقَلائِدَ )
يعني:إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه، قال:ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال
الشاعر :
ألَـمْ تَقْتـُلا الحرْجَين إذ
أعــورا لكم يمـرَّان الأيــدي اللَّحاء المُضَفَّـرا
وقوله: (
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ) أي:إذا
فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام
من الصيد. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر:أنه يرد الحكم إلى ما
كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو
مباحًا فمباح. ومن قال:إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال:إنه
للإباحة، يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره
بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: ( وَلا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ
تَعْتَدُوا ) ومن القراء من قرأ: « أن
صدوكم » بفتح الألف من « أن » ومعناها
ظاهر، أي:لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك
عام الحديبية، على أن تعتدوا [ في ] حكم
الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في
كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [ المائدة:8
] أي:لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على
كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف:ما عاملتَ من
عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا سَهْل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال:كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك
عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم:نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنـزل الله هذه الآية .
والشنآن هو:البغض. قاله ابن
عباس وغيره، وهو مصدر من شنَأته أشنؤه شنآنا، بالتحريك، مثل قولهم:جَمَزَان،
ودَرَجَان ورَفَلان، من جمز، ودرج، ورفل. قال ابن جرير:من العرب من يسقط التحريك
في شنآن، فيقول:شنان. قال:ولم أعلم أحدًا قرأ بها، ومنه قول الشاعر :
ومَـا العيـشُ إلا ما تُحـبُّ
وتَشْتَـهي وَإنْ لامَ فيــه ذو الشنَّـان وفَنــَّدَا
وقوله: (
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ
وَالْعُدْوَانِ ) يأمر تعالى عباده المؤمنين
بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن
التناصر على الباطل. والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير:الإثم:ترك ما أمر
الله بفعله، والعدوان:مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم
وفي غيركم .
وقد قال الإمام أحمد:حدثنا
هُشَيْم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « انْصُرْ أخاك ظالمًا أو
مظلومًا » . قيل:يا رسول الله، هذا نَصَرْتُه مظلوما، فكيف أنصره إذا
كان ظالما؟ قال: « تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره » .
انفرد به البخاري من حديث
هُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « انصر أخاك ظالما أو مظلوما » .
قيل:يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: « تمنعه
من الظلم، فذاك نصرك إياه » .
وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد،
حدثنا سفيان بن سعيد، عن يحيى بن وَثَّاب، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم قال: « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من
الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » .
وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد
الله بن عمر:حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم، [ قال الأعمش:هو ابن عمر، عن
النبي صلى الله عليه وسلم ] أنه قال: « المؤمن
الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم » .
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة،
وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به .
وقال الحافظ أبو بكر
البزار:حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد
الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فُضَيْل بن عمرو، عن أبي
وائل، عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «
الدَّالُّ على الخير كفاعله » . ثم قال:لا نعلمه يروى إلا
بهذا الإسناد .
قلت:وله شاهد في الصحيح: « من دعا
إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من
أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم
القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا » .
وقال أبو القاسم الطبراني:حدثنا
عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن
الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال عباس بن يونس:إن أبا الحسن نِمْرَان
بن مخُمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من مشى
مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام » .
حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ
دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 3 )
يخبر
تعالى عباده خبرا متضمنا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة وهي:ما مات من
الحيوان حَتْف أنفه، من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة، لما
فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين وللبدن فلهذا حرمها الله، عز وجل، ويستثني
من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي
وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة
وابن حبان في صحيحيهما، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء
البحر، فقال: « هو الطَّهُور ماؤه الحِلُّ ميتته » .
وهكذا
الجراد، لما سيأتي من الحديث، وقوله: (
وَالدَّمُ ) يعني [ به ]
المسفوح؛ لقوله: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [
الأنعام:145 ] قاله ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا كثير بن شهاب المذْحِجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو-
يعني ابن قيس- عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس:أنه سئل عن الطحال فقال:كلوه
فقالوا:إنه دم. فقال:إنما حُرم عليكم الدم المسفوح.
وكذا
رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت:إنما نهى عن الدم
السافح.
وقد قال
أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن
ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أحِلَّ
لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال » .
وكذا
رواه أحمد بن حنبل، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عبد الرحمن بن زيد
بن أسلم وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي:ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد
الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعا.
قلت:وثلاثتهم
ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض. وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن
أسلم، عن ابن عمر، فوقفه بعضهم عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي:وهو أصح.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا
بَشير بن سُرَيج، عن أبي غالب، عن أبي أمامة - وهو صُدَيّ بن عجلان- قال:بعثني
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع
الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك إذ جاؤوا بقَصْعَة من دم، فاجتمعوا عليها
يأكلونها، قالوا:هلم يا صُديّ، فكل. قال:قلت:ويحكم! إنما أتيتكم من عند مُحرِّم
هذا عليكم، وأنزل الله عليه، قالوا:وما ذاك؟ قال:فتلوت عليهم هذه الآية: (
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [
وَلَحْمُ الْخِنزيرِ ] ) الآية.
ورواه
الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناد مثله، وزاد بعد هذا
السياق:قال:فجعلت أدعوهم إلى الإسلام، ويأبون علي، فقلت لهم:ويحكم، اسقوني شربة من
ماء، فإني شديد العطش - قال:وعليّ عباءتي- فقالوا:لا ولكن ندعك حتى تموت عطشا.
قال:فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال:فأتاني آت
في منامي بقَدَح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس [
شرابا ] ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فحيث فرغت من شرابي
استيقظت، فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تيك الشربة.
ورواه
الحاكم في مستدركه، عن علي بن حُمْشاذ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد
الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قد
ذكر نحوه وزاد بعد قوله: « بعد تيك الشربة » :فسمعتهم
يقولون:أتاكم رجل من سراة قومكم، فلم تَمْجعَوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت:لا حاجة
لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم.
وما أحسن
ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:
وإيـــاكَ
والميتــات لا تقربنَّهــا ولا تـأخذن عظمًـا حـديدًا فتفصـدا
أي:لا
تفعل كما يفعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع أخذ شيئًا محددًا من عظم
ونحوه، فَيفْصِد به بعيره أو حيوانا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم
فيشربه؛ ولهذا حرَّم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:
وذا
النّصُــب المنصـوبَ لا تَأتينّـه ولا تعبــد الأصنـام واللـه فـاعبدا
وقوله: (
وَلَحْمُ الْخِنزيرِ ) يعني:إنسيه ووحشيه، واللحم
يعم جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا وتعسفهم
في الاحتجاج بقوله: فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا يعنون قوله تعالى: إِلا أَنْ
يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [
الأنعام:145 ] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير، حتى يعم جميع
أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف
إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف
المطرد، وفي صحيح مسلم، عن بُرَيدة بن الخصيب الأسلمي، رضي الله عنه، قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « من لعب بالنردَشير فكأنما
صَبَغَ يده في لحم الخنزير ودمه » فإذا كان
هذا التنفير لمجرد اللمس فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به،
وفيه دلالة على شُمُول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره.
وفي
الصحيحين:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
فقيل:يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود،
ويَسْتَصبِحُ بها الناس؟ فقال: « لا هو حرام » .
وفي صحيح
البخاري من حديث أبي سفيان:أنه قال لهرقل ملك الروم: « نهانا
عن الميتة والدم » .
وقوله: ( وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) أي:ما ذبح فذكر عليه اسم غير
الله، فهو حرام؛ لأن الله أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عُدِل بها
عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك، من سائر
المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في المتروك التسمية عليه،
إما عمدًا أو نسيانا، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام.
وقد قال
ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسن الهِسِنْجَاني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن
فضيل، عن الوليد بن جُمَيْع، عن أبي الطُّفَيْل قال:نزل آدم بتحريم أربع:الميتة،
والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط،
ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم
طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم، عليه السلام، نزل بالأمر
الأول الذي جاء به آدم [ عليه السلام ] وأحل
لهم ما سوى ذلك فكذبوه وعصوه. وهذا أثر غريب.
وقال ابن
أبي حاتم أيضا:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي بن عبد الله قال:سمعت
الجارود بن أبي سَبْرَة - قال:هو جدي- قال:كان رجل من بني رَيَاح يقال له:ابن
وَثَيِل، وكان شاعرا، نافر- غالبا- أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا
مائة من إبله، وهذا مائة من إبله، إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها
بالسيوف، فجعلا يَكْسفان عَرَاقيبها. قال:فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون
اللحم - قال:وعَليٌّ بالكوفة- قال:فخرج عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه
وسلم البيضاء وهو ينادي:يا أيها الناس، لا تأكلوا من لحومها فإنما أهل بها لغير
الله.
هذا أثر
غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود:حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن
مَسْعَدة، عن عوف، عن أبي رَيْحانة، عن ابن عباس قال:نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن مُعاقرة الأعراب.
ثم قال أبو
داود:محمد بن جعفر - هو غُنْدَر- أوقفه على ابن عباس. تفرد به أبو داود
وقال أبو
داود أيضا:حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم، عن
الزبير بن خريت قال:سمعت عِكْرِمة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن
طعام المتباريين أن يؤكل.
ثم قال
أبو داود:أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس. تفرد به أيضا.
وقوله: (
وَالْمُنْخَنِقَةُ ) وهي التي تموت بالخنق إما
قصدًا أو اتفاقا، بأن تَتَخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام.
وأما (
الْمَوْقُوذَةُ ) فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير
محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد:هي التي تضرب بالخَشَب حتى تُوقَذَ بها
فتموت.
وقال
قتادة:كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصى حتى إذا ماتت أكلوها.
وفي
الصحيح:أن عدي بن حاتم قال:قلت:يا رسول الله، إني أرمي بالمِعراض الصيد فأصيب.
قال: « إذا رميت بالمعراض فخَزَق فَكُلْه، وإن أصابه بعَرْضِه
فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله » .
ففرق بين
ما أصابه بالسهم، أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله، وما أصابه بعرضه فجعله وقيذا فلم
يحله، وقد أجمع الفقهاء على هذا الحكم هاهنا، واختلفوا فيما إذا صدم الجارحةُ
الصيد فقتله بثقله ولم يجرحه، على قولين، هما قولان للشافعي، رحمه الله:
أحدهما:
[ أنه ] لا يحل، كما في السهم،
والجامع أن كلا منهما ميت بغير جرح فهو وقيذ.
والثاني:أنه
يحل؛ لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه؛ لأنه
قد دخل في العموم. وقد قررت لهذه المسألة فصلا فليكتب هاهنا. .
فصل:
اختلف
العلماء رحمهم الله تعالى، فيما إذا أرسل كلبا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو
صدمه، هل يحل أم لا ؟ على قولين:
أحدهما:أن
ذلك حلال؛ لعموم قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [
المائدة:4 ] وكذا عمومات حديث عَدي بن حاتم. وهذا قول حكاه الأصحاب عن
الشافعي، رحمه الله، وصححه بعض المتأخرين [
منهم ] كالنووي والرافعي.
قلت:وليس
ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: « يحتمل
معنيين » . ثم وجه كلا منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه فأطلقوا في
المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلا ولم يصرح
بواحد منهما ولا جزم به. والقول بذلك، أعني الحل، نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة،
من رواية الحسن بن زياد، عنه، ولم يذكر غير ذلك وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في
تفسيره عن سلمان الفارسي، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر. وهذا غريب
جدًا، وليس يوجد ذلك مصرحا به عنهم، إلا أنه من تصرفه، رحمه الله ورضي عنه.
والقول
الثاني:أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي، رحمه الله، واختاره المُزَني
ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي
حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل، رضي الله عنه وهذا القول أشبه
بالصواب، والله أعلم، لأنه أجرى عن القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية. واحتج
ابن الصباغ له بحديث رافع بن خَدِيج، قلت:يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا وليس
معنا مُدًى، أفنذبح بالقَصَب؟ قال: « ما
أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه » .
الحديث بتمامه وهو في الصحيحين.
وهذا وإن
كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول
والفروع، كما سئل عليه السلام عن البتع - وهو نبيذ العسل- فقال: « كل شراب
أسكر فهو حرام » أفيقول فقيه:إن هذا اللفظ
مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا هذا كما سألوه عن شيء من الذكاة فقال لهم كلاما عاما
يشمل ذاك المسئول عنه وغيره؛ لأنه عليه السلام قد أوتي جوامع الكلم.
إذا تقرر
هذا فما صدمه الكلب أو غَمَّه بثقله، ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا
الحديث. فإن قيل:هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنهم إنما سألوا عن الآلة
التي يُذكّى بها، ولم يسألوا عن الشيء الذي يذَكَّى؛ ولهذا استثنى من ذلك السن
والظفر، حيث قال: « ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن
ذلك:أما السن فعظم، وأما الظفر فَمُدى الحبشة » .
والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلا فدل على أن المسئول عنه هو
الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم.
فالجواب
عن هذا:بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضا، حيث يقول: « ما
أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه » . ولم
يقل: « فاذبحوا به » فهذا
يؤخذ منه الحكمان معا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المذكى، وأنه لا بد من
إنهار دمه بآلة ليست سنا ولا ظفرًا. هذا مسلك.
والمسلك
الثاني:طريقة المُزَني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعَرْضِه فلا
تأكل، وإن خَزَق فَكُل. والكلب جاء مطلقا فيحمل على ما قيد هناك من الخَزْق؛
لأنهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب، كما وجب حمل
مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى. وهذا يتوجه له
على من يسلم له أصل هذه القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا
بد لهم من جواب عن هذا. وله أن يقول:هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسا على ما
قتله السهم بعَرْضه والجامع أن كلا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما. ولا
يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة
والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضا.
مسلك
آخر، وهو:أن قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [
المائدة:4 ] عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه
الصورة المتنازع فيها لا يخلو: إما أن يكون نطيحا أو في حكمه، أو منخنقا أو في
حكمه، وأيا ما كان فيجب تقديم [ حكم ] هذه
الآية على تلك لوجوه:
أحدها:أن
الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعديّ بن حاتم: « وإن
أصابه بعرضه فإنما هو وَقِيذ فلا تأكله » . ولم
نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال:إن الوقيذ معتبر حالة
الصيد، والنطيح ليس معتبرا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقا للإجماع لا قائل
به، وهو محظور عند كثير من العلماء.
الثاني:أن
تلك الآية: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [
المائدة:4 ] ليست على عمومها بالإجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان
المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم
على غير المحفوظ. .
المسلك
الآخر:أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما
يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسا على الميتة.
المسلك
الآخر:أن آية التحريم، أعني قوله: (
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) إلى
آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة،
أعني قوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ
الطَّيِّبَاتُ [ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ] [
المائدة:4 ] فينبغي ألا يكون بينهما تعارض أصلا وتكون السنة جاءت لبيان
ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خَزَفه
المِعْرَاض فيكون حلالا؛ لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم،
وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا
يجب أن يكون حكم هذا سواء، إن كان قد جرحه الكلب فهو داخل في حكم آية التحليل. وإن
لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله فهو نطيح أو في حكمه فلا يكون حلالا.
فإن
قيل:فلم لا فَصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم:إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه
فهو حرام؟
فالجواب:أن
ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معا، وأما اصطدامه هو
والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره، أو
لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما
السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه أو للهواء أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من
إصابته؛ فلهذا ذكر كلا من حكميه مفصلا والله أعلم؛ ولهذا لما كان الكلب من شأنه
أنه قد يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: « إن أكل
فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه » وهذا
صحيح ثابت في الصحيحين وهو أيضا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين فقالوا:لا
يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة، وابن عباس. وبه قال الحسن، والشعبي،
والنخَعي. وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل، والشافعي في المشهور عنه.
وروى ابن جرير في تفسيره عن علي، وسعد، وسلمان، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن
عباس:أن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعد، وسلمان، وأبو هريرة وابن عمر،
وغيرهم:يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة. وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم،
وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر ابن الصباغ وغيره من الأصحاب
عنه.
وقد روى
أبو داود بإسناد جيد قوي، عن أبي ثعلبة الخُشَنِي، عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه قال في صيد الكلب: « إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم
الله فكل وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك » .
ورواه
أيضا النسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن أعرابيا يقال له:أبو
ثعلبة قال:يا رسول الله، فذكر نحوه.
وقال
محمد بن جرير في تفسيره:حدثنا عمران بن بَكَّار الكَلاعِيّ، حدثنا عبد العزيز بن
موسى- هو اللاحوني- حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي- عن أبي إياس - وهو معاوية بن
قرة- عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي » .
ثم إن
ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفا وأما
الجمهور فقدموا حديث « عَديّ » على
ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره. وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد
ما انتظر صاحبه وطال عليه الفصل ولم يجئ، فأكل منه لجوعه ونحوه، فإنه لا بأس بذلك؛
لأنه - والحالة هذه؛ لا يخشى أنه أمسك على نفسه، بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة،
فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.
فأما
الجوارح من الطير فنص الشافعي على أنها كالكلاب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور،
ولا يحرم عند الآخرين. واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه
الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا:لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم
الكلب بالضرب ونحوه، وأيضا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك،
وأيضا فالنص إنما ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في «
الإفصاح » :إذا قلنا:يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه
الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب، لنص الشافعي، رحمه
الله على التسوية بينهما، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما (
الْمُتَرَدِّيَةُ ) فهي التي تقع من شاهق أو موضع
عال فتموت بذلك، فلا تحل.
قال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( الْمُتَرَدِّيَةُ ) التي
تسقط من جبل. وقال قتادة:هي التي تتردى في بئر.
وقال
السدي:هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر.
وأما (
النَّطِيحَةُ ) فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإن جرحها
القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها.
والنطيحة
فعيلة بمعنى مفعولة، أي:منطوحة. وأكثر ما ترد هذه البِنْيَة في كلام العرب بدون
تاء التأنيث، فيقولون:كَفٌّ خضيب، وعينٌ كحيل، ولا يقولون:كف خضيبة، ولا عين
كحيلة:وأما هذه فقال بعض النحاة:إنما استعمل فيها تاء التأنيث؛ لأنها أجريت مجرى
الأسماء، كما في قولهم:طريقة طويلة. وقال بعضهم:إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل
على التأنيث من أول وهلة، بخلاف:عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أول
الكلام.
وقوله: ( وَمَا
أَكَلَ السَّبُعُ ) أي:ما عدا عليها أسد، أو فهد،
أو نمر، أو ذئب، أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها
الدماء ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل
السبع من الشاة أو البعير أو البقرة ونحو ذلك فحرم الله ذلك على المؤمنين.
وقوله: ( إِلا
مَا ذَكَّيْتُمْ ) عائد على ما يمكن عوده عليه، مما
انعقد سبب موته فأمكن تداركه بذكاة، وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: (
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا
أَكَلَ السَّبُعُ )
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( إِلا
مَا ذَكَّيْتُمْ ) يقول:إلا ما ذبحتم من هؤلاء
وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، والسدي.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا حَفْص بن غياث حدثنا جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن علي قال: ( وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا
مَا ذَكَّيْتُمْ ) قال:إن مَصَعَتْ بذنبها أو
رَكَضَتْ برجلها، أو طَرَفَتْ بعينها فكُلْ.
وقال ابن
جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد قالا حدثنا حجاج، عن حصين، عن
الشعبي، عن الحارث، عن علي قال:إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي
تحرك يدًا أو رجلا فكلها.
وهكذا رُوي
عن طاوس، والحسن، وقتادة وعُبَيد بن عُمير، والضحاك وغير واحد:أن المذكاة متى
تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال. وهذا مذهب جمهور
الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل. وقال ابن وهب:سُئل مالك عن
الشاة التي يخرق جوفَها السَّبُعُ حتى تخرج أمعاؤها؟ فقال مالك:لا أرى أن تذكى أيّ
شيء يُذَكَّى منها.
وقال
أشهب:سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش، فيدق ظهره أترى أن يذكى قبل أن يموت،
فيؤكل؟ قال إن كان قد بلغ السُّحْرة، فلا أرى أن يؤكل وإن كان أصاب أطرافه، فلا
أرى بذلك بأسًا. قيل له:وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني، هذا لا يعيش منه. قيل
له:فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ فقال:إذا شق بطنها فلا أرى
أن تؤكل.
هذا مذهب
مالك، رحمه الله، وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك، رحمه الله من الصور التي بلغ
الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.
وفي
الصحيحين:عن رافع بن خَدِيج أنه قال:قلت:يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليس
معنا مُدَى، أفنذبح بالقَصَب؟ فقال: « ما
أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السنُّ والظَّفُر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن
فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة » .
وفي
الحديث الذي رواه الدارقطني [ عن أبي هريرة ]
مرفوعا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفا، وهو أصح « ألا إن
الذكاة في الحلق واللبّة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق » .
وفي
الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء
الدارمي، عن أبيه قال:قلت:يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟
فقال: « لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك.»
وهو حديث
صحيح ولكنه محمول على ما [ لم ] يقدر
على ذبحه في الحلق واللبة.
وقوله: ( وَمَا
ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ) قال مجاهد وابن جُرَيْج كانت
النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج:وهي ثلاثمائة وستون نصبا، كان العرب في
جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح،
ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب.
وكذا
ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح
التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك
الذي حرمه الله ورسوله. وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به
لغير الله.
وقوله
تعالى: ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ) أي:حرم
عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام:واحدها:زُلَم، وقد تفتح الزاي،
فيقال:زَلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة،
على أحدها مكتوب: « افعل » وعلى
الآخر: « لا تفعل » والثالث « غُفْل
ليس عليه شيء. ومن الناس من قال:مكتوب على الواحد: » أمرني
ربي « وعلى الآخر: » نهاني
ربي « . والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع السهم الآمر
فعله، أو الناهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد [
الاستقسام. ] »
والاستقسام:مأخوذ
من طلب القَسم من هذه الأزلام. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج
وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: (
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ )
قال:والأزلام:قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.
وكذا روي
عن مجاهد، وإبراهيم النَّخَعِي، والحسن البصري، ومُقَاتِل بن حَيَّان.
وقال ابن
عباس:هي القداح، كانوا يستقسمون بها الأمور. وذكر محمد بن إسحاق وغيره:أن أعظم
أصنام قريش صنم كان يقال له:هُبَل، وكان داخل الكعبة، منصوب على بئر فيها، توضع
الهدايا وأموال الكعبة فيه، كان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه، مما
أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه.
وثبت في
الصحيح:أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين
فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: « قاتلهم
الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدا. »
وفي
الصحيح:أن سراقة بن مالك بن جُعْشُم لما خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبي
بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال:فاستقسمت بالأزلام هل أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره:لا تضرهم قال:فعصيت الأزلام وأتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية
وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره:لا تضرهم وكان كذلك وكان سراقة لم يسلم إذ ذاك، ثم
أسلم بعد ذلك.
وروى ابن
مَرْدُويه من طريق إبراهيم بن يزيد، عن رَقَبةَ، عن عبد الملك بن عُمَيْر، عن
رَجاء بن حَيْوَة، عن أبي الدرداء قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لن
يَلِج الدرجات من تَكَهَّن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا » .
وقال
مجاهد في قوله: ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا
بِالأزْلامِ ) قال:هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.
وهذا
الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن
يقال:إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن
الله سبحانه [ وتعالى ] قد
فرَّق بين هذه وبين القمار وهو الميسر، فقال في آخر السورة: يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ [ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ
أَنْتُمْ ] منتهون [ الآيتان:90، 91 ] وهكذا
قال هاهنا: ( وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ )
أي:تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك، وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم
أن يستخيروه بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيَرَة في الأمر الذي يريدونه، كما رواه
الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن، من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد
بن المُنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال:رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا
الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: « إذا
هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل:اللهم إني
أسْتَخِيركَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأسألُكَ من فَضْلك العظيم؛ فإنك
تَقْدِر ولا أقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم، وأنت عَلام الغيوب، اللهم إن كنتَ
تعلم هذا الأمر - ويسميه باسمه- خيرًا لي في دِينِي ومَعاشي وعاقِبة أمري،
فاقدُرْهُ لي ويَسِّره لي وبارك لي فيه، اللهم إن كنتَ تَعْلَمْهُ شرا لي في ديني
ومَعاشي وعاقبة أمري، فاصْرِفْنِي عنه، واصرفه عنِّي، واقْدُرْ لي الخير حيث كان،
ثم رَضِّني به » . لفظ أحمد.
وقال
الترمذي:هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي.
قوله: (
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني:يئسوا أن يراجعوا دينهم..
وكذا
رُوي عن عطاء بن أبي رباح، والسّدِّي ومُقاتِل بن حَيَّان. وعلى هذا المعنى يرد
الحديث الثابت في الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الشيطان قد يئس أن يعبده المُصَلُّون في جزيرة العرب، ولكن بالتَّحْرِيش بينهم » .
ويحتمل
أن يكون المراد:أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين، بما تميز به المسلمون من هذه
الصفات المخالفة للشرك وأهله؛ ولهذا قال تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يصبروا
ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدا إلا الله، فقال: ( فَلا
تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) أي:لا تخافوا منهم في
مخالفتكم إياهم واخشوني، أنصركم عليهم وأبيدهم وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم،
وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) هذه
أكبر نعم الله ، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون
إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله
خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما
حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلْف،
كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [
الأنعام:115 ] أي:صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل
الدين لهم تمت النعمة عليهم ؛ ولهذا قال [
تعالى ] ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا )
أي:فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله
الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.
قال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) وهو
الإسلام، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا
يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدا، وقد رضيه الله فلا
يَسْخَطُه أبدا.
وقال أسباط
عن السدي:نزلت هذه الآية يوم عَرَفَة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول
الله صلى الله عليه وسلم فمات. قالت أسماء بنت عُمَيس:حَجَجْتُ مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم تلك الحجة، فبينما نحن نسير إذ تَجلَّى له جبريل، فمال رسول الله
صلى الله عليه وسلم على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن،
فبركت فأتيته فَسَجَّيْتُ عليه بُرْدا كان علي.
قال ابن
جُرَيْج وغير واحد:مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين
يوما.
رواهما
ابن جرير، ثم قال:حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا ابن فُضَيْل، عن هارون بن عنترة،
عن أبيه قال:لما نزلت ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ ) وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي صلى الله
عليه وسلم: « ما يبكيك؟ »
قال:أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذْ أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص.
فقال: « صدقت » .
ويشهد
لهذا المعنى الحديث الثابت: « إن الإسلام بدأ غَرِيبًا،
وسيعود غريبا، فَطُوبَى للغُرَبَاء » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا جعفر بن عَوْن، حدثنا أبو العُمَيْس، عن قيس بن مسلم، عن طارق
بن شهاب قال:جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب [ رضي
الله عنه ] فقال:يا أمير المؤمنين، إنكم تقرءون آية في كتابكم، لو
علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال:وأي آية؟ قال قوله: (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) فقال
عمر:والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والساعة
التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت عَشية عَرَفَة في يوم
جمعة.
ورواه
البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون، به. ورواه أيضا مسلم والترمذي
والنسائي، من طرق عن قيس بن مسلم، به ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق
سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال:قالت اليهود لعمر:إنكم تقرؤون آية، لو نزلت
فينا لاتخذناها عيدا. فقال عمر:إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت وأين رسول الله
صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت:يوم عرفة، وأنا والله بعرفة - قال سفيان:وأشك كان
يوم الجمعة أم لا ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ ) الآية.
وشك
سفيان، رحمه الله، إن كان في الرواية فهو تَوَرُّعٌ، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم
لا؟ وإن كان شكا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن
الثوري، رحمه الله، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب
المغازي والسير ولا من الفقهاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة لا يشك في صحتها،
والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.
وقال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا رَجاء بن أبي سلمة،
أخبرنا عبادة بن نُسَيّ، أخبرنا أميرنا إسحاق - قال أبو جعفر بن جرير:هو إسحاق بن
خَرَشة- عن قَبِيصة - يعني ابن ذُؤيب- قال:قال كعب:لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم
هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدا يجتمعون فيه. فقال
عمر:أي آية يا كعب؟ فقال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ ) فقال عمر:قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت
فيه، نزلت في يوم جمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا قَبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار- هو مولى بني
هاشم- أن ابن عباس قرأ: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) فقال
يهودي:لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عباس:فإنها نزلت في
يوم عيدين اثنين:يوم عيد ويوم جمعة.
وقال ابن
مَرْدُويه:حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحُمَّاني،
حدثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سَلْمان، عن أبي عمر البَزّار، عن ابن الحنفية
، عن علي [ رضي الله عنه ]
قال:نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قائم عَشِيَّةَ عرفة: (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السَّكُوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن
عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني:أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع
بهذه الآية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) حتى
ختمها، فقال:نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة.
وروى ابن
مَرْدُويه، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر بن موسى بن وجيه، عن قتادة، عن الحسن،
عن سَمُرَة قال:نزلت هذه الآية: (
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا ) يوم
عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على الموقف.
فأما ما
رواه ابن جرير وابن مردويه، والطبراني من طريق ابن لَهيعَة، عن خالد بن أبي عمران،
عن حَنَش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس قال:ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم
الاثنين، [ ونبئ يوم الاثنين ] وخرج
من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ورفع
الذكر يوم الاثنين، فإنه أثر غريب وإسناده ضعيف.
وقد رواه
الإمام أحمد:حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن
حَنَش الصنعاني، عن ابن عباس قال:ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين،
واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة
يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الاثنين.
هذا لفظ
أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الاثنين فالله أعلم. ولعل ابن عباس أراد أنها
نزلت يوم عيدين اثنين كما تقدم، فاشتبه على الراوي، والله أعلم.
[ و ] قال
ابن جرير:وقد قيل:ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، ثم روي من طريق العَوْفِيِّ عن
ابن عباس في قوله: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ ) يقول:ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس قال:وقد قيل:إنها نزلت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسِيره إلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبى
جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس.
قلت:وقد
روى ابن مَرْدُويه من طريق أبي هارون العَيْدي، عن أبي سعيد الخدري؛ أنها أنزلت
على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غَدِير خُم حين قال لعلي: « من
كنتُ مولاه فَعَليٌّ مولاه » . ثم رواه عن أبي هريرة
وفيه:أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني مرجعه عليه السلام من حجة الوداع.
ولا يصح
هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية:أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم
جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك
الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسَمُرَة بن جندب،
رضي الله عنهم، وأرسله [ عامر ]
الشعبي، وقتادة بن دعامة، وشَهْر بن حَوْشَب، وغير واحد من الأئمة والعلماء،
واختاره ابن جرير الطبري، رحمه الله.
وقوله: (
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي:فمن احتاج إلى تناول شيء
من هذه المحرمات التي ذكرها تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناول ذلك، والله
غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر، وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه
ويغفر له. وفي المسند وصحيح ابن حبَّان، عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « إن الله يحب أن تؤتى رُخْصته كما يكره أن تؤتى مَعْصِيته » لفظ ابن
حبان. وفي لفظ لأحمد من لم يقبل رُخْصَة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة « . »
ولهذا
قال الفقهاء:قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على
مهجته التلف ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبا، و [ قد ] يكون
مباحا بحسب الأحوال. واختلفوا:هل يتناول منها قدر ما يسد به الرَّمَق، أو له أن
يشبع، أو يشبع ويتزود؟ على أقوال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام. وفيما إذا وجد
ميتة وطعام الغير، أو صيدًا وهو محرم:هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد ويلزمه
الجزاء، أو ذلك الطعام ويضمن بدله؟ على قولين، هما قولان للشافعي، رحمه الله. وليس
من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعاما، كما قد يتوهمه
كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له، وقد قال الإمام أحمد:حدثنا
الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي أنهم
قالوا:يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال:
« إذا لم تَصْطَبِحوا، ولم تَغْتَبِقُوا، ولم تَجتفئوا بقْلا
فشأنكم بها » .
تفرد به
أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين. وكذا رواه ابن جرير، عن عبد
الأعلى بن واصل، عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي به لكن رواه بعضهم عن
الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد، به ومنهم من رواه عن
الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد - أو أبي مرثد- عن أبي واقد، به ورواه ابن جرير عن هناد
بن السري، عن عيسي بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له، فذكره. ورواه أيضا عن
هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان، مرسلا
وقال ابن
جرير:حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عَوْن قال:وجدت عند الحسن
كتاب سَمُرة، فقرأته عليه، فكان فيه: « ويُجزي
من الأضرار غَبُوق أو صبوح » .
حدثنا
أبو كُرَيْب، حدثنا هُشَيْم، عن الخَصيب بن زيد التميمي حدثنا الحسن، أن رجلا سأل
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: [ إلى
] متى يحل [ لي ]
الحرام؟ قال:فقال: « إلى متى يَرْوى أهلك من
اللبن، أو تجيء مِيرَتُهم » .
حدثنا
ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، حدثنا عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة
بن الزبير، عن جدته ؛ أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في
الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «
تَحِلُّ لك الطيبات، وتَحْرُم عليك الخبائث إلا أن تَفْتَقِر إلى طعام لا يحل لك،
فتأكل منه حتى تَسْتَغْنِيَ عنه » . فقال
الرجل:وما فَقْرِي الذي يحل لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: « إذا كنت ترجو نِتَاجًا، فتبلغ بلُحُوم ماشيتك إلى نتاجك، أو
كنت ترجو غِنًى، تطلبه، فتبلغ من ذلك شيئا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه » . فقال
الأعرابي:ما غناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال [
النبي ] صلى الله عليه وسلم: « إذا
أرويت أهلك غَبُوقا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام، وأما مالك فإنه
ميسور كله، ليس فيه حرام » .
ومعنى قوله:
« ما لم تصطبحوا » :يعني
به:الغداء، « وما لم تغتبقوا » :يعني
به:العشاء، « أو تختفئوا بقلا فشأنكم بها » [ أي ] فكلوا
منها. وقال ابن جرير:يروى هذا الحرف - يعني قوله: « أو
تختفئوا [ بقلا ] على أربعة أوجه: » تختفئوا
« بالهمزة، »
وتحتفيوا « بتخفيف الياء والحاء، » وتحتفوا
« بتشديد [ الفاء ]
وتحتفوا » بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا ذكره في التفسير.
حديث
آخر:قال أبو داود:حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دُكَيْن، حدثنا عُقْبَة
بن وَهْب بن عقبة العامري سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري؛ أنه أتى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال:
ما يحل
لنا من الميتة؟ قال: « ما طعامكم؟ »
قلنا:نغتبق ونصطبح. قال أبو نعيم:فَسَّرَه لي عقبة:قدح غُدوة، وقدح عَشيَّة قال: « ذَاكَ
وأبي الجُوعُ » . وأحل لهم الميتة على هذه
الحال.
تفرد به
أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام
كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك
بسد الرَّمَق، والله أعلم.
حديث
آخر:قال أبو داود:حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر بن
سَمُرَة، أن رجلا نزل الحَرَّةَ، ومعه أهله وولده، فقال له رجل:إن ناقة لي ضَلَّت،
فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته:انحرها، فأبى،
فَنَفَقَتْ، فقالت له امرأته:اسلخها حتى نُقدد شَحْمَها ولحمها فنأكله. فقال:حتى
أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله، فقال: « هل
عندك غنًى يُغْنِيك؟ » قال:لا. قال: « فكلوها
» . قال:فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال:هلا كنت نحرتها؟
قال:استحييت منك.
تفرد به
وقد يحتج به من يُجوز الأكل والشبع، والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها
والله أعلم.
وقوله: (
غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ ) أي: [ غير
] مُتَعَاطٍ لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن
الآخر، كما قال في سورة البقرة: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا
إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [
الآية:173 ] .
وقد
استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأن الرخص
لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.
يَسْأَلُونَكَ
مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا
مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 4 )
لما ذكر
تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إما في بَدَنِه، أو
في دينه، أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة، كما قال: وَقَدْ فَصَّلَ
لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [
الأنعام:119 ] قال بعدها: (
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) كما [ قال
] في سورة الأعراف في صفة محمد صلى الله عليه وسلم:أنه يُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [
الآية:157 ] .
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، حدثني عبد الله
بن لَهِيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْر، عن عَدِيّ بن حاتم، وزيد بن
المهَلْهِل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا يا رسول الله، قد
حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: (
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) قال
سعيد [ بن جبير ]
يعني:الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: [ بن
حيان ] [ في قوله: ( قُلْ
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) ]
فالطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق. وقد سئل الزهري عن
شرب البول للتداوي فقال:ليس هو من الطيبات.
رواه ابن
أبي حاتم وقال ابن وَهْبٍ:سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس. فقال:ليس هو من
الطيبات.
وقوله
تعالى: ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) أي:أحل
لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما اصطدتموه
بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباه ذلك، كما هو مذهب الجمهور من
الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك:علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( وَمَا
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) وهن
الكلاب المعلمة والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح:يعني الكلاب الضواري والفهود
والصقور وأشباهها.
رواه ابن
أبى حاتم، ثم قال:وروي عن خَيْثَمَة، وطاوس، ومجاهد، ومكحول، ويحيى بن أبي كثير،
نحو ذلك. وروي عن الحسن أنه قال:الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين
مثله. ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قول الله [ عز
وجل ] ( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) قال:وروي عن سعيد بن جبير نحو
ذلك.
ونقله
ابن جرير عن الضحاك والسُّدِّي، ثم قال:حدثنا هَنَّاد، حدثنا ابن أبي زائدة،
أخبرنا ابن جُرَيْجٍ، عن نافع، عن ابن عمر قال:أما ما صاد من الطير البُزاة وغيرها
من الطير، فما أدركتَ فهو لك، وإلا فلا تطعمه.
قلت:والمحكي
عن الجمهور أن صيد الطيور كصيد الكلاب ؛ لأنها تَكْلَبُ الصيد بمخالبها كما تكلبه
الكلاب، فلا فرق. وهذا مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير، واحتج في
ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسي بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم
قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي، فقال: « ما
أمسك عليك فَكُلْ » .
واستثنى
الإمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه؛ لما ثبت
في صحيح مسلم عن أبي ذر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «
يَقْطَع الصلاةَ الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ » فقلت:ما
بال الكلب الأسود من الأحمر ؟ فقال: « الكلب
الأسود شيطان » وفي الحديث الآخر:أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم قال: « ما
بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بَهِيم » .
وسميت
هذه الحيوانات التي يصطاد بهن:جوارح، من الجرح، وهو:الكسب. كما تقول العرب:فلان
جَرح أهله خيرا، أي:كسبهم خيرا. ويقولون:فلان لا جارح له، أي:لا كاسب له، وقال
الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ
بِالنَّهَارِ [ الأنعام:60 ] أي:ما
كسبتم من خير وشر.
وقد ذكر
في سبب نزول هذه الآية الكريمة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم:حدثنا حجاج بن حمزة،
حدثنا زيد بن الحُبَاب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن
حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، فقتلت، فجاء الناس فقالوا:يا رسول الله،
ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال:فسكت، فأنزل الله: (
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ
مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) الآية. فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إذا أرسل الرجل كلبه وسَمَّى،
فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل » .
وهكذا
رواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن زيد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال:جاء
جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأذن عليه، فأذن له فقال:قد أذنا لك يا
رسول الله. قال:أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، قال أبو رافع:فأمرني أن أقتل كل
كلب بالمدينة، فقتلت، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة
لها، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأمرني، فرجعت إلى الكلب
فقتلته، فجاءوا فقالوا:يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟
قال:فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:فأنزل الله عز وجل: (
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ )
ورواه
الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق، عن أبَان بن صالح، به. وقال:صحيح ولم
يخرجاه.
وقال ابن
جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن عِكْرَمة؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العَوالي فدخل
عاصم بن عَدِيٍّ، وسعد بن خَيْثَمةَ، وعُوَيْم بن ساعدة، فقالوا:ماذا أحل لنا يا
رسول الله؟ فنزلت: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ
الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) [
الآية ]
ورواه
الحاكم من طريق سِمَاك، عن عكرمة وهكذا قال محمد بن كعب القُرَظِيّ في سبب نزول
هذه الآية:إنه في قتل الكلاب.
وقوله
تعالى: ( مُكَلِّبِينَ ) يحتمل
أن يكون حالا من الضمير في ( عَلَّمْتُمْ ) فيكون
حالا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالا من المفعول وهو (
الْجَوَارِحِ ) أي:وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلَّبات للصيد، وذلك
أن تقتنصه [ الجوارح ]
بمخالبها أو أظفارها فيستدل بذلك - والحالة هذه- على أن الجارحة إذا قتل الصيد
بصدمته أو بمخلابه وظفره أنه لا يحل، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء؛
ولهذا قال: ( تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ) وهو
أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء
إليه ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: (
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) فمتى
كان الجارحة معلما وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عند إرساله حل الصيد،
وإن قتله بالإجماع.
وقد وردت
السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عَدِيّ بن حاتم
قال:قلت:يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلَّمة وأذكر اسم الله. فقال: « إذا
أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك » .
قلت:وإن قتلن؟ قال: « وإن قتلن ما لم يشركها كلب
ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره » . قلت
له:فإني أرمي بالمِعْرَاض الصيد فأصيب؟ فقال: « إذا
رميت بالمعراض فَخَزق فكله، وإن أصابه بعَرْض فإنه وَقِيذٌ، فلا تأكله » . وفي
لفظ لهما: « إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا
فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخْذ الكلب ذكاته » . وفي
رواية لهما: « فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه. » فهذا
دليل للجمهور وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم
مطلقا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث. وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا:لا
يحرم مطلقا.
ذكر
الآثار بذلك:
قال ابن
جرير:حدثنا هَنَّاد، حدثنا وَكِيع، عن شُعْبَة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب
قال:قال سلمان الفارسي:كل وإن أكل ثلثيه - يعني الصيد- إذا أكل منه الكلب. وكذا
رواه سعيد بن أبي عَرُوبَة، وعمر بن عامر، عن قتادة. وكذا رواه محمد بن زيد، عن
سعيد بن المسيب، عن سلمان.
ورواه
ابن جرير أيضا عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن بكر بن عبد الله المُزَنِيّ والقاسم؛
أن سلمان قال:إذا أكل الكلب فكل، وإن أكل ثلثيه.
وقال ابن
جرير:حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني مَخْرَمَة بن بُكَيْر عن
أبيه، عن حميد بن مالك بن خُثَيْم الدؤلي؛ أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل
منه الكلب، فقال:كل، وإن لم يبق منه إلا حِذْيَة - يعني: [ إلا
] بضعة.
ورواه
شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشَجِّ، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي
وقاص قال:كل وإن أكل ثلثيه.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن المُثَنَّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبي هريرة
قال:لو أرسلت كلبك فأكل منه، فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه فكل.
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المُعْتَمِر قال:سمعت عُبَيد الله وحدثنا
هناد، حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر- عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال:إذا
أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.
وكذا
رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب وغير واحد، عن نافع.
فهذه
الآثار ثابتة عن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وابن عمر. وهو محكي عن علي،
وابن عباس. واختلف فيه عن عطاء، والحسن البصري. وهو قول الزهري، وربيعة، ومالك.
وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد.
وقد روي
من طريق سلمان الفارسي مرفوعا، فقال ابن جرير:حدثنا عمران بن بَكَّار الكُلاعِيّ،
حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي- عن أبي إياس
معاوية بن قُرَّة، عن سعيد بن المسيَّب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: « إذا أرسل الرجل كلبه على
الصيد فأدركه، وقد أكل منه، فليأكل ما بقي » .
ثم قال
ابن جرير:وفي إسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات
يروونه من كلام سلمان غير مرفوع.
وهذا
الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعا من وجوه أخر، فقال أبو
داود:حدثنا محمد بن مِنْهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا حبيب المعلم، عن
عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن أعرابيا - يقال له:أبو ثعلبة- قال:يا رسول
الله، إن لي كلابا مُكَلَّبة، فأفتني في صيدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن كان
لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك » .
فقال:ذكيا وغير ذكي؟ قال: « نعم » .
قال:وإن أكل منه؟ قال: « نعم، وإن أكل منه » .
قال:يا رسول الله، أفتني في قوسي. فقال: « كُلْ
ما ردت عليك قوسك » قال:ذكيا وغير ذكي؟ قال: « وإن
تغيب عنك ما لم يصل، أو تجد فيه أثر غير سهمك » .
قال:أفتني في آنية المجوس إذا اضطررنا إليها. قال: « اغسلها
وكل فيها » . .
هكذا
رواه أبو داود وقد أخرجه النسائي. وكذا رواه أبو داود، من طريق بُسْر بن عبيد الله
عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إذا
أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل، وإن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك »
وهذان
إسنادان جيدان، وقد روى الثوري، عن سِماك بن حَرْب، عن عَدِيٍّ قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « ما كان من كلب ضار أمسك عليك،
فكل » . قلت:وإن أكل؟ قال: « نعم » .
وروى عبد
الملك بن حبيب:حدثنا أسد بن موسى، عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عَدي مثله.
فهذه
آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب. وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل
الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم، وقد توسط آخرون فقالوا:إن أكل عقب ما
أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن حاتم. وللعلة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه
وسلم: « فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه » وأما إن
أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه وجاع فأكل من الصيد لجوعه، فإنه لا يؤثر في
التحريم. وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخُشَنِيّ، وهذا تفريق حسن، وجمع بين
الحديثين صحيح. وقد تمنى الأستاذ أبو المعالي الجُوَيني في كتابه «
النهاية » أن لو فصل مفصل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا
القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم، وقال آخرون قولا رابعا في المسألة، وهو
التفرقة بين أكل الكلب فيحرم لحديث عَدِيّ، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم؛ لأنه
لا يقبل التعليم إلا بالأكل.
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن حماد،
عن إبراهيم، عن ابن عباس؛ أنه قال في الطير:إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا
ضربته لم يَعُدْ، وإن تَعَلّم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، فإذا أكل من
الصيد ونتف الريش فكل.
وكذا قال
إبراهيم النَّخَعِي، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان.
وقد يحتج
لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا مُجالد، عن
الشعبي، عن عدي بن حاتم قال:قلت:يا رسول الله، إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما
يحل لنا منها؟ قال: « يحل لكم ما علمتم من الجوارح
مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه » ثم قال:
« ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك » .
قلت:وإن قتل؟ قال: « وإن قتل، ما لم يأكل » .
قلت:يا رسول الله، وإن خالطت كلابنا كلابا غيرها؟ قال:فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك
هو الذي أمسك « . قال:قلت:إنا قوم نرمي، فما يحل لنا؟ قال: » ما ذكرت
اسم الله عليه وخزَقَتْ فكل « .»
فوجه
الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب ألا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على
التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.
وقوله: (
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) أي:عند
الإرسال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: « إذا
أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك » . وفي
حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضا: « إذا
أرسلت كلبك، فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله » ؛ ولهذا
اشترط من اشترط من الأئمة كأحمد [ بن
حنبل ] - في المشهور عنه - التسمية - عند إرسال الكلب والرمي
بالسهم لهذه الآية وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عن الجمهور، أن المراد بهذه
الآية الأمر بالتسمية عند الإرسال، كما قال السُّدِّي وغير واحد.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ )
يقول:إذا أرسلت جارحك فقل:باسم الله، وإن نسيت فلا حرج.
وقال بعض
الناس:المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل كما ثبت في الصحيح:أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم عَلَّم رَبِيبه عمر بن أبي سلمة فقال: « سَمّ
الله، وكُل بيمينك، وكل مما يليك » . وفي
صحيح البخاري:عن عائشة أنهم قالوا:يا رسول الله، إن قوما يأتوننا - حديث عهدهم
بكفر- بلُحْمانٍ لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: « سَمّوا
الله أنتم وكلوا. »
حديث
آخر:وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد، حدثنا هشام، عن بُدَيل، عن عبد الله بن عُبَيد
بن عُمَير، عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطعام في ستة نفر
من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أما
إنه لو كان ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر
اسم الله أوله فليقل:باسم الله أوله وآخره » .
وهكذا
رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، به وهذا منقطع بين عبد
الله بن عبيد بن عمير وعائشة، فإنه لم يسمع منها هذا الحديث، بدليل ما رواه الإمام
أحمد:
حدثنا
عبد الوهاب، أخبرنا هشام - يعني ابن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي- عن بديل، عن عبد
الله بن عبيد بن عمير؛ أن امرأة منهم - يقال لها:أم كلثوم- حدثته، عن عائشة:أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعاما في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي جائع
فأكله بلقمتين، فقال: « أما إنه لو ذكر اسم الله
لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي اسم الله في أوله فليقل:باسم
الله أوله وآخره » .
[ و ] رواه
أحمد أيضا، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من غير وجه، عن هشام الدستوائي، به وقال
الترمذي:حسن صحيح.
حديث
آخر:وقال أحمد:حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح
حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إلى واسط، فكان يسمي في أول طعامه وفي
آخر لقمة يقول:بسم الله أوله وآخره.
فقلت
له:إنك تسمي في أول ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل:باسم الله أوله وآخره؟
فقال:أخبرك عن ذلك إن جدي أمية بن مخشى - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-
سمعته يقول:إن رجلا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه لقمة،
فقال:باسم الله أوله وآخره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « والله
ما زال الشيطان يأكل معه حتى سَمّى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه » .
وهكذا رواه
أبو داود والنسائي، من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري ووثقه ابن مَعِين
والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي:لا تقوم به الحجة.
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة، عن أبي حذيفة
قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد:واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب - من
أصحاب ابن مسعود- عن حذيفة قال:كنا إذا حضرنا مع النبي [ صلى
الله عليه وسلم ] على طعام، لم نضع أيدينا حتى
يبدأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيضع
يده، وإنا حضرنا معه طعاما فجاءت جارية، كأنما تُدفع، فذهبت تضع يدها في الطعام،
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها، وجاء أعرابي كأنما يُدفع، فذهب يضع يده
في الطعام، فأخذ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بيده،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الشيطان يَسْتَحِلُّ الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية
ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي نفسي
بيده، إن يده في يدي مع يدهما يعني الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي،
من حديث الأعمش به. »
حديث
آخر:روى مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طريق ابن جُرَيْج، عن أبي الزبير، عن جابر
بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان:لا مَبِيت لكم ولا
عَشَاء، وإذا دخل فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان:أدركتم المبيت، فإذا لم
يذكر اسم الله عند طعامه قال:أدركتم المبيت والعشاء » . لفظ
أبي داود.
حديث
آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن وَحْشِيّ بن
حَرْب بن وَحْشِي بن حَرْب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه
وسلم:إنا نأكل وما نشبع؟ قال: « فلعلكم تأكلون متفرقين،
اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله، يبارك لكم فيه » .
ورواه
أبو داود، وابن ماجه، من طريق الوليد بن مسلم.
الْيَوْمَ
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ
يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ( 5 )
لما ذكر تعالى ما حرمه على
عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات، قال بعده: (
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )
ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين
من اليهود والنصارى، فقال: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) قال ابن عباس، وأبو أمامة،
ومجاهد، وسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة، وعَطاء، والحسن، ومَكْحول، وإبراهيم
النَّخَعِي، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيَّان:يعني ذبائحهم.
وهذا أمر مجمع عليه بين
العلماء:أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا
يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عن قولهم،
تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مُغَفَّل قال:دُلِّي بجراب من شحم
يوم خيبر. [ قال ] فاحتضنته وقلت:لا أعطي اليوم
من هذا أحدًا، والتفتُّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم.
فاستدل به الفقهاء على أنه يجوز
تناولُ ما يحتاج إليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر. واستدل
به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد
اليهود تحريمه من ذبائحهم، كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم. فالمالكية لا يجوزون للمسلمين
أكله؛ لقوله تعالى: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) قالوا:وهذا ليس من طعامهم.
واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أنه كان
شحما يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم.
وأجود منه في الدلالة ما ثبت في
الصحيح:أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مَصْليَّة، وقد
سَمّوا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله فنَهَشَ منه نَهْشةً، فأخبره الذراع
أنه مسموم، فلَفَظَه وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
أبْهَرِه، وأكل معه منها بشر بن البراء بن مَعْرور؛ فمات، فقتل اليهودية التي
سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء.
ووجه الدلالة منه أنه عزم على
أكلها ومن معه، ولم يسألهم هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا.
وفي الحديث الآخر:أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أضافه يهودي على خبز شعير وإهالة سنَخَة، يعني:ودَكا زنخا
وقال ابن أبي حاتم:قرئ على
العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن
مكحول قال:أنزل الله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام:121 ] ثم
نسخها الرب، عز وجل، ورحم المسلمين، فقال: (
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
حِلٌّ لَكُمْ ) فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.
وفي هذا الذي قاله مكحول، رحمه
الله، نظر، فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إباحةُ أكل ما لم يذكر اسم
الله عليه؛ لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وهم متعبدون بذلك؛ ولهذا
لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم، لأنهم لم يذكروا اسم الله على
ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة، بخلاف
أهل الكتابين ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تَمَسّك بدين إبراهيم وشيث
وغيرهما من الأنبياء، على أحد قولي العلماء، ونصارى العرب كبني تَغْلِب وتَنُوخ
وبَهْرَاء وجُذام ولَخْم وعَاملة ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.
[ و ] قال
أبو جعفر بن جرير:حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أيوب، عن محمد
بن عَبِيدة قال:قال علي:لا تأكلوا ذبائح بنى تغلب؛ لأنهم إنما يتمسكون من
النصرانية بشرب الخمر.
وكذا قال غير واحد من الخلف
والسلف.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن
قتادة عن سعيد بن المسيب، والحسن؛ أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني
تغلب.
وأما المجوس، فإنهم وإن أخذت
منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم،
خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي، وأحمد بن
حنبل، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإمام
أحمد:أبو ثور كاسمه! يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « سُنوا
بهم سنة أهل الكتاب » ، ولكن لم يثبت بهذا اللفظ،
وإنما الذي في صحيح البخاري:عن عبد الرحمن بن عوف؛ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أخذ الجزية من مَجوس هَجَر ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه
الآية: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ) فدل
بمفهومه - مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل
وقوله: (
وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ) أي:ويحل لكم أن تطعموهم من
ذبائحكم، وليس هذا إخبارا عن الحكم عندهم، اللهم إلا أن يكون خبرا عما أمروا به من
الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه، سواء كان من أهل ملتهم أو غيرها. والأول أظهر
في المعنى، أي:ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم. وهذا من باب
المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبه لعبد الله
بن أبيّ ابن سلول حين مات ودفنه فيه، قالوا:لأنه كان قد كسا العباس حين قدم
المدينة ثوبه، فجازاه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بذلك، فأما الحديث الذي فيه: « لا
تَصْحَبْ إلا مُؤْمِنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي » فمحمول
على الندب والاستحباب، والله أعلم.
وقوله: (
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ )
أي:وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده،
وهو قوله: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكُم ) فقيل: أراد بالمحصنات:الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن
مجاهد. وإنما قال مجاهد:المحصنات:الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه،
ويحتمل أن يكون أراد بالحرة العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو
قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير
عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: « حَشفَا
وسَوء كيلة » . والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات:العفيفات عن الزنا،
كما قال في الآية الأخرى: مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ
أَخْدَانٍ [ النساء:25 ] .
ثم اختلف المفسرون والعلماء في
قوله: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ
قَبْلِكُمْ ) هل يعم كل كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن
جرير عن طائفة من السلف، ممن فسر المحصنة بالعفيفة. وقيل:المراد بأهل الكتاب هاهنا
الإسرائيليات، وهو مذهب الشافعي. وقيل:المراد بذلك:الذميات دون الحربيات؛ لقوله:
قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [
وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ] [
التوبة:29 ]
وقد كان عبد الله بن عمر لا يرى
التزويج بالنصرانية، ويقول:لا أعلم شركا أعظم من أن تقول:إن ربها عيسى، وقد قال
الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية [
البقرة:221 ] .
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المُزَنِيّ-
حدثنا إسماعيل بن سَمِيع، عن أبي مالك الغفاري، عن ابن عباس قال:لما نزلت هذه
الآية: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال:فحجز الناس عنهن حتى
نزلت التي بعدها: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) فنكح
الناس [ من ] نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من
نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسا، أخذا بهذه الآية الكريمة: (
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) فجعلوا
هذه مخصصة للآية التي البقرة: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [
الآية:221 ] إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها
وبينها ؛ لأن أهل الكتاب قد يُفْصَل في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كما قال
تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ
مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [
البينة:1 ] وكقوله وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا الآية [ آل
عمران:20 ] ، وقوله: ( إِذَا
آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) أي: مهورهن، أي:كما هن محصنات
عفائف، فابذلوا لهن المهور عن طيب نفس. وقد أفتى جابر بن عبد الله، وإبراهيم
النخعي، وعامر الشعبي، والحسن البصري بأن الرجل إذا نكح امرأة فزنت قبل دخوله
بها:أنه يفرق بينه وبينها، وتَرُدّ عليه ما بذل لها من المهر. رواه ابن جرير
عنهم..
وقوله: (
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) فكما
شرط الإحصان في النساء - وهي العفة- عن الزنا كذلك شرطها في الرجال وهو أن يكون
الرجل أيضا محصنا عفيفا؛ ولهذا قال: (
غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) وهم:الزناة الذين لا يرتدعون
عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ( وَلا
مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ) أي:ذوي العشيقات الذين لا
يفعلون إلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل،
رحمه الله، إلى أنه لا يصح نكاح المرأة البَغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح
تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب
ويقلع عما هو فيه من الزنا؛ لهذه الآية وللحديث الآخر: « لا
ينكح الزاني المجلود إلا مثله. »
وقال ابن جرير:حدثنا محمد بن
بَشّار، حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال:قال عمر
بن الخطاب [ رضي الله عنه ] لقد
هممت ألا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبيّ بن كعب:يا
أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك، وقد يقبل منه إذا تاب.
وسيأتي الكلام على هذه المسألة
مستقصى [ إن شاء الله تعالى ] عند
قوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا
يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [
النور:3 ] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: (
وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الْخَاسِرِينَ )
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ
كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ
أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا
طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 6 )
قال
كثيرون من السلف:قوله: ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ ) معناه وأنتم مُحْدِثون.
وقال
آخرون:إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب.
وقال
آخرون:بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو
في حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب. وقد
قيل:إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ.
قال
الإمام أحمد بن حنبل:حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمَة بن مرثد، عن
سليمان بن بُرَيْدة عن أبيه قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة،
فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر:يا
رسول الله، إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟ قال: « إني
عمدًا فعلته يا عمر. »
وهكذا
رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد ووقع في سنن ابن
ماجه، عن سفيان عن محارب بن دِثَار - بدل علقمة بن مرثد- كلاهما عن سليمان بن
بُريدة به وقال الترمذي:حسن صحيح.
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي،
حدثنا الفضل بن المُبَشِّر قال:رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد،
فإذا بال أو أحدث، توضأ ومسح بفضل طَهُوره الخفين. فقلت:أبا عبد الله، شيء تصنعه
برأيك؟ قال:بل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصنعه، فأنا أصنعه، كما رأيت رسول
الله [ صلى الله عليه وسلم ] يصنع.
وكذا
رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن تَوْبة، عن زياد البكائي، به وقال أحمد:حدثنا يعقوب،
حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حَبَّان الأنصاري، عن عبيد الله
بن عبد الله بن عمر قال:قلت له:أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرًا كان أو
غير طاهر، عَمَّن هو؟ قال:حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب؛ أن عبد الله بن حنظلة بن
أبي عامر بن الغسيل حدثها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء لكل
صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر
بالسواك عند كل صلاة وَوُضِع عنه الوضوء، إلا من حدث. فكان عبد الله يرى أن به قوة
على ذلك، كان يفعله حتى مات.
وكذا
رواه أبو داود، عن محمد بن عَوْف الحِمْصِيّ، عن أحمد بن خالد الذهني، عن محمد بن
إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ثم قال أبو
داود:ورواه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق فقال:عبيد الله بن عبد الله بن عمر،
يعني كما تقدم في رواية الإمام أحمد.
وأيا ما
كان فهو إسناد صحيح، وقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن
حَبَّان، فزال محذور التدليس. لكن قال الحافظ ابن عساكر:رواه سلمة بن الفضل وعلي بن
مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانة، عن محمد بن يحيى بن
حَبَّان، به، والله أعلم. وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إسباغ الوضوء لكل
صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور. .
وقال ابن
جرير:حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزْهَر، عن ابن عَوْن، عن ابن
سِيرين:أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة.
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبَة، سمعت مسعود بن علي
الشيباني، سمعت عِكْرِمة يقول:كان علي، رضي الله عنه، يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ
هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ ) الآية.
وحدثنا
ابن المثنى، حدثني وَهْب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النـزال
بن سبرة قال:رأيت عليًا صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرّحْبة، ثم أتي بماء فغسل
وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال هذا وضوء من لم يُحْدث.
وحدثني
يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم عن مغيرة، عن إبراهيم؛ أن عليًا اكماز من حُبٍّ،
فتوضأ وضوءا فيه تجوّز فقال:هذا وضوء من لم يحدث « . وهذه
طرق جيدة عن علي [ رضي الله عنه ] يقوي
بعضها بعضا. »
وقال ابن
جرير أيضا:حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن حُمَيْد، عن أنس قال:توضأ
عمر بن الخطاب وضوءا فيه تَجَوّز، خفيفا، فقال هذا وضوء من لم يحدث. وهذا إسناد
صحيح.
وقال
محمد بن سيرين:كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة..
وأما ما
رواه أبو داود الطيالسي، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال:الوضوء
من غير حدث اعتداء. فهو غريب عن سعيد بن المسيب، ثم هو محمول على أن من اعتقد
وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري،
سمعت أنس بن مالك يقول:كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قال:قلت
فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال:كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث.
وقد رواه
البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عَمْرو بن عامر، به.
وقال ابن
جرير:حدثني أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن
زياد - هو الإفريقي- عن أبي غُطَيف، عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « من توضأ على طُهْر كتب له عشر حسنات » .
ورواه
أيضا من حديث عيسى بن يونس، عن الإفريقي، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، فذكره، وفيه قصة.
وهكذا
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث الإفريقي، به نحوه وقال الترمذي:وهو
إسناد ضعيف.
قال ابن
جرير:وقد قال قوم:إن هذه الآية نـزلت إعلاما من الله أن الوضوء لا يجب إلا عند
القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال؛ وذلك لأنه عليه السلام كان إذا أحدث
امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ.
حدثنا
أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن
عَمْرو بن حزم، عن عبد الله بن عَلْقَمَة بن الفَغَواء، عن أبيه، قال:كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد
علينا، حتى نـزلت آية الرخصة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) الآية.
ورواه
ابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم، عن أبي كُرَيْب، به نحوه. وهو حديث غريب جدًا،
وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، ضعفوه.
وقال أبو
داود:حدثنا مُسَدَّد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب،عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، عن
عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فَقُدِّم إليه
طعام، فقالوا:ألا نأتيك بوَضُوء فقال: « إنما
أمرت بالوضوء إذا قُمْتُ إلى الصلاة. »
وكذا
رواه الترمذي عن أحمد بن مَنِيع والنسائي عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل - وهو ابن
علية- به وقال الترمذي:هذا حديث حسن.
وروى
مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن
الحويرث، عن ابن عباس قال:كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الخلاء، ثم إنه
رجع فأتى بطعام، فقيل:يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال: « لِمَ؟
أأصلي فأتوضأ؟ » .
وقوله: (
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) قد استدل طائفة من العلماء
بقوله: ( إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) على
وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: « إذا
قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها » ، كما
تقول العرب: « إذا رأيت الأمير فقم » أي:له.
وقد ثبت في الصحيحين حديث: « الأعمال بالنيات، وإنما لكل
امرئ ما نوى » . ويستحب قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه؛
لما ورد في الحديث من طرق جيدة، عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: « لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه » .
ويستحب
أن يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في
الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
استيقظ أحدكم من نَوْمِه، فلا يُدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثا، فإن
أحدَكم لا يَدْرِي أين باتت يده » .
وحَدُّ
الوجه عند الفقهاء:ما بين منابت شعر الرأس - ولا اعتبار بالصَّلع ولا بالغَمَم-
إلى منتهى اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا، وفي النـزعتين والتحذيف
خلاف، هل هما من الرأس أو الوجه، وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان،
أحدهما:أنه يجب إفاضة الماء عليه لأنه تقع به المواجهة. وروي في حديث:أن النبي صلى
الله عليه وسلم رأى رجلا مغطيا لحيته، فقال: «
اكشفها، فإن اللحية من الوجه » وقال مجاهد:هي من الوجه، ألا
تسمع إلى قول العرب في الغلام إذا نبتت لحيته:طلع وجهه.
ويستحب
للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كَثَّة، قال الإمام أحمد:حدثنا عبد الرزاق، حدثنا
إسرائيل، عن عامر بن شقيق بن جَمْرَة، عن أبي وائل قال:رأيت عثمان توضأ - فذكر
الحديث- قال:وخلل اللحية ثلاثا حين غسل وجهه ثم قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فعل الذي رأيتموني فعلت.
رواه
الترمذي، وابن ماجه من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي:حسن صحيح، وحسنه البخاري.
وقال أبو
داود:حدثنا أبو تَوْبَة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المَلِيح، حدثنا الوليد بن
زَوْرَانَ عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ
كَفًّا من ماء فأدخله تحت حنكه، يخلل به لحيته، وقال: « هكذا
أمرني به ربي عز وجل. »
تفرد به
أبو داود وقد رُوي هذا من غير وجه عن أنس. قال البيهقي:وروينا في تخليل اللحية عن
عمار، وعائشة، وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن علي وغيره، وروينا في
الرخصة في تركه عن ابن عمر، والحسن بن علي، ثم عن النخعي، وجماعة من التابعين.
وقد ثبت
عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه في الصحاح وغيرها:أنه كان إذا توضأ تمضمض
واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك:هل هما واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب أحمد
بن حنبل، رحمه الله؟ أو مستحبان فيهما، كما هو مذهب الشافعي ومالك؟ لما ثبت في
الحديث الذي رواه أهل السنن وصححه ابن خُزَيمة، عن رفاعة بن رافع الزّرقي؛ أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: « توضأ
كما أمرك الله » أو يجبان في الغسل دون الوضوء،
كما هو مذهب أبي حنيفة؟ أو يجب الاستنشاق دون المضمضة كما هو رواية عن الإمام أحمد
لما ثبت في الصحيحين:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من
توضأ فليستنثر » وفي رواية: « إذا
توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر » والانتثار:هو
المبالغة في الاستنشاق.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن ابن عباس؛ أنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها
واستنثر، ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه.
ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده
اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء، ثم رش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم
أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال:هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم، يعني يتوضأ.
ورواه
البخاري، عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبي سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، به
وقوله: (
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) أي:مع
المرافق، كما قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ
إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [ النساء:2 ]
وقد روى
الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقي، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن محمد
بن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد الله قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف والله أعلم.
ويستحب
للمتوضئ أن يشرع في العضد ليغسله مع ذراعيه؛ لما روى البخاري ومسلم، من حديث
نُعَيم المُجْمِر، عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن
يطيل غُرَّته فليفعل » .
وفي صحيح
مسلم:عن قُتَيْبَة، عن خَلَف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي
هريرة قال:سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: « تبلغ
الحِلْية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » .
وقوله: (
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) اختلفوا في هذه « الباء
» هل هي للإلصاق، وهو الأظهر أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين.
ومن الأصوليين من قال:هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة، وقد ثبت في الصحيحين من
طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد بن
عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- :هل تستطيع
أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد:نعم،
فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، فغسل يديه مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثا، وغسل
وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح بيديه، فأقبل بهما وأدبر،
بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه،
ثم غسل رجليه.
وفي حديث
عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وروى أبو
داود، عن معاوية والمقدام بن معد يكرب، في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم
مثله.
ففي هذه
الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإمام مالك
وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.
وقد ذهب
الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس، وهو مقدار الناصية.
وذهب
أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، لا يتقدر ذلك بحدٍّ، بل لو مسح
بعض شعره من رأسه أجزأه.
واحتج
الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة، قال:تخلف النبي صلى الله عليه وسلم فتخلفت معه،
فلما قضى حاجته قال: « هل معك ماء؟ » فأتيته
بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت
الجبة وألقى الجبة على منكبيه فغسل ذراعيه ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى
خفيه... وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم، وغيره.
فقال لهم
أصحاب الإمام أحمد:إنما اقتصر على مسح الناصية لأنه كمل مسح بقية الرأس على
العمامة، ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه
كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز
الاقتصار على مسح الناصية أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.
ثم
اختلفوا في أنه:هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي،
أو إنما يستحب مسحة واحدة، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه، على قولين. فقال
عبد الرزاق:عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حُمْران بن أبان
قال:رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما، ثم مضمض واستنشق، ثم
غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم
مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا، ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال:رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: « من
تَوَضَّأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم
من ذنبه » .
أخرجه
البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق الزهري به نحو هذا وفي سنن أبي داود من رواية
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيْكَة، عن عثمان في صفة الوضوء:ومسح برأسه مرة
واحدة وكذا من رواية عبد خير، عن علي مثله.
واحتج من
استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن عثمان، رضي الله
عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:توضأ ثلاثا ثلاثا.
وقال أبو
داود:حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مَخْلَد، حدثنا عبد الرحمن بن
وَرْدَان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال:رأيت عثمان بن عفان
توضأ. فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه:ثم مسح رأسه ثلاثا، ثم غسل
رجليه ثلاثا، ثم قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ هكذا وقال: « من
توضأ دون هذا كفاه. »
تفرد به
أبو داود ثم قال:وأحاديث عثمان الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.
وقوله: (
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قُرئ:
( وَأَرْجُلَكُمْ ) بالنصب
عطفا على ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ )
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وُهَيْب، عن خالد، عن
عِكَرِمة، عن ابن عباس؛ أنه قرأها: (
وَأَرْجُلَكُمْ ) يقول:رجعت إلى الغسل.
وروي عن
عبد الله بن مسعود، وعُرْوَة، وعطاء، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، والضحاك،
والسُّدِّي، ومُقاتل بن حيان، والزهري، وإبراهيم التيمي، نحو ذلك.
وهذه
قراءة ظاهرة في وجوب الغسل، كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إلى وجوب
الترتيب كما هو مذهب الجمهور، خلافا لأبي حنيفة حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل
قدميه ثم مسح رأسه وغسل يديه ثم وجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء،
و « الواو » لا تدل على الترتيب. وقد سلك
الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقا، فمنهم من قال:الآية دلت على وجوب غسل الوجه
ابتداء عند القيام إلى الصلاة؛ لأنه مأمور به بفاء التعقيب، وهي مقتضية للترتيب،
ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولا ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل
اثنان، أحدهما:يوجب الترتيب، كما هو واقع في الآية. والآخر يقول:لا يجب الترتيب
مطلقا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإجماع،
حيث لا فارق. ومنهم من قال:لا نسلم أن « الواو
» لا تدل على الترتيب، بل هي دالة - كما هو مذهب طائفة من
النحاة وأهل اللغة وبعض الفقهاء. ثم نقول - بتقدير تسليم كونها لا تدل على الترتيب
اللغوي- :هي دالة على الترتيب شرعا فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه صلى
الله عليه وسلم لما طاف بالبيت، خرج من باب الصفا وهو يتلو قوله تعالى: إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [
البقرة:158 ] ثم قال: « ابدأ بما بدأ الله به » لفظ
مسلم، ولفظ النسائي: « ابدءوا بما بدأ الله به » . وهذا
لفظ أمر، وإسناده صحيح، فدل على وجوب البداءة بما بدأ الله به، وهو معنى كونها تدل
على الترتيب شرعا، والله أعلم.
ومنهم من
قال:لما ذكر تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن
النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب.
ومنهم من
قال:لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: « هذا
وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به »
قالوا:فلا يخلو إما أن يكون توضأ مرتبا فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب فيجب
عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب ما ذكره.
وأما
القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ: (
وَأَرْجُلِكُمْ ) بالخفض. فقد احتج بها الشيعة
في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد رُوي عن طائفة
من السلف ما يوهم القول بالمسح، فقال ابن جرير:
حدثني
يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، حدثنا حُمَيْد قال:قال موسى بن أنس لأنس
ونحن عنده:يا أبا حمزة، إن الحجاج خَطَبَنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور
فقال:اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شيء من ابن آدم
أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما عَرَاقيبهما فقال أنس:صدق الله
وكذب الحجاج، قال الله [ تعالى ] (
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ )
قال:وكان أنس إذا مسح قدميه بَلَّهما إسناد صحيح إليه.
وقال ابن
جرير:حدثنا علي بن سَهْل، حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس
قال:نـزل القرآن بالمسح، والسنة الغسل وهذا أيضا إسناد صحيح.
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا محمد بن قَيْس الخراساني، عن ابن جُرَيْج، عن عمرو
بن دينار، عن عِكرِمة، عن ابن عباس قال:الوضوء غَسْلتَان ومسحتان.
وكذا روى
سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثني أبي، حدثنا أبو مَعْمَر المِنْقَريّ، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا علي بن
زيد، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس: (
وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) قال:هو
المسح. ثم قال:وروي عن ابن عمر وعلقمة، وأبي جعفر، [ و ] محمد
بن علي، والحسن - في إحدى الروايات- وجابر بن زيد، ومجاهد - في إحدى الروايات-
نحوه.
وقال ابن
جرير:حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، قال:رأيت عكرمة يمسح على رجليه،
قال:وكان يقوله.
وقال ابن
جرير:حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال:نـزل
جبريل بالمسح. ثم قال الشعبي:ألا ترى أن « التيمم
» أنْ يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا؟
وحدثنا
ابن أبي زياد، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، قلت لعامر:إن ناسا يقولون:إن جبريل
نـزل بغسل الرجلين؟ فقال:نـزل جبريل بالمسح.
فهذه
آثار غريبة جدًا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من
السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين. وإنما جاءت هذه القراءة بالخفض إما على
المجاورة وتناسب الكلام، كما في قول العرب: « جُحْرُ
ضَب خربٍ » ، وكقوله تعالى: عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ
وَإِسْتَبْرَقٌ [ الإنسان:21 ] وهذا
سائغ ذائع، في لغة العرب شائع. ومنهم من قال:هي محمولة على مسح القدمين إذا كان
عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي، رحمه الله. ومنهم من قال:هي دالة على
مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت به السنة. وعلى كل تقدير
فالواجب غسل الرجلين فرضا، لا بد منه للآية والأحاديث التي سنوردها.
ومن أحسن
ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف ما رواه الحافظ البيهقي، حيث
قال:أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري،
حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن
مَيْسَرَة، سمعت النـزال بن سَبْرَة يحدث عن علي بن أبي طالب، أنه صلى الظهر، ثم
قعد في حوائج الناس في رَحَبَة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتي بكوز من ماء،
فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو
قائم، ثم قال:إن ناسا يكرهون الشرب قائما، وإن رسول الله [ صلى
الله عليه وسلم ] صنع ما صنعتُ. وقال: « هذا
وضوء من لم يحدث » .
رواه
البخاري في الصحيح، عن آدم، ببعض معناه.
ومن أوجب
من الشيعة مسحهما كما يمسح الخف، فقد ضل وأضل. وكذا من جوز مسحهما وجوز غسلهما فقد
أخطأ أيضا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما
للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإن كلامه في تفسيره إنما يدل على أنه أراد أنه يجب
دَلْك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك،
فأوجب دَلْكَهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عَبَّر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل
كلامه أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك؛ ولهذا
يستشكله كثير من الفقهاء وهو معذور فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء
تقدمه أو تأخر عليه؛ لاندراجه فيه، وإنما أراد الرجلُ ما ذكرتهُ، والله أعلم. ثم
تأملت كلامه أيضًا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين، في قوله: (
وَأَرْجُلَكُمْ ) خفضا على المسح وهو الدلك
ونصبا على الغسل، فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه.
ذكر
الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لا بد منه:
قد تقدم
في حديث أميري المؤمنين عثمان وعلي، وابن عباس ومعاوية، وعبد الله بن زيد بن عاصم،
والمقداد بن معد يكرب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما
مرة، وإما مرتين، أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم.
وفي حديث
عمرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل
قدميه، ثم قال: « هذا وُضُوء لا يقبل الله
الصلاة إلا به » .
وفي
الصحيحين، من رواية أبي عَوَانة، عن أبي بِشْر، عن يوسف بن مَاهَك، عن عبد الله بن
عمرو قال:تَخَلَّف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها، فأدرَكَنا
وقد أرْهَقَتْنَا الصلاةُ، صلاةُ العصر ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى
بأعلى صوته: « أسبِغوا الوضوء وَيْلٌ للأعقاب من النار » .
وكذلك هو
في الصحيحين عن أبي هريرة وفي صحيح مسلم عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: « أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار » .
وروى
الليث بن سعد، عن حَيْوة بن شُرَيْح، عن عُقْبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن
جزء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « وَيْلٌ
للأعْقَاب وبُطون الأقدام من النار » . رواه
البيهقي والحاكم وهذا إسناد صحيح.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق:أنه سمع سعيد بن أبي
كرب - أو شعيب بن أبي كرب - قال:سمعت جابر بن عبد الله - وهو على جمل - يقول:سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ويل
للعراقيب من النار » .
وحدثنا
أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب عن جابر بن عبد
الله قال:رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رِجْل رَجُل منا مثْل الدرهم لم يغسله،
فقال: « ويل للعَقِبِ من النار » .
ورواه
ابنُ ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الأحْوص عن أبي إسحاق، عن سعيد، به نحوه
وكذا رواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وغير واحد، عن أبي إسحاق
السَّبِيعي، عن سعيد بن أبي كرب عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. ثم
قال:
حدثنا
علي بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضئون، لم يصب أعْقابهم
الماءُ، فقال: « وَيْلٌ للعَراقِيبِ من النار
» .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا خَلَف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عُتْبة، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سلمة، عن مُعَيْقيب قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ويل
للأعقاب من النار » . تفرد به أحمد.
وقال ابن
جرير:حدثني علي بن عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مُطَرَّح بن يزيد، عن عبيد الله
بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار » .
قال:فما بقي في المسجد شَرِيف ولا وَضِيع، إلا نظرت إليه يُقلب عُرْقوبيه ينظر
إليهما « . »
وحدثنا
أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة
- أو عن أخي أبي أمامة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر قومًا يتوضئون وفي
عَقِب أحدهم - أو:كعب أحدهم- مثل موضع الدرهم - أو:موضع الظفر- لم يمسه الماء،
فقال: « ويل للأعقاب من النار » .
قال:فجعل الرجل إذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء أعاد وضوءه « . »
ووجه
الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فَرْض الرجلين مَسْحهما، أو أنه
يجوز ذلك فيهما لما توَعّد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه
ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجه الدلالة على الشيعة الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه
الله.
وقد روى
مسلم في صحيحه، من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب؛ أن رجلا توضأ فترك
موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « ارجع
فأحسن وضوءك » .
وقال
الحافظ أبو بكر البيهقي:أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وَهْبٍ،
حدثنا جرير بن حازم:أنه سمع قتادة بن دعامة قال:حدثنا أنس بن مالك؛ أن رجلا جاء
إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ارجع فأحسن وضوءك » .
وهكذا
رواه أبو داود عن هارون بن معروف، وابن ماجه، عن حَرْمَلَة بن يحيى، كلاهما عن ابن
وَهْب به وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: [ و ] ليس
هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب.
وحدثنا
موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ... بمعنى حديث قتادة.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بَقيةُ، حدثني بَحِير بن سعد، عن
خالد بن مَعْدان، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء.
ورواه
أبو داود من حديث بقية وزاد: « والصلاة » . وهذا
إسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.
وفي حديث
حُمْران، عن عثمان، في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم:أنه خلل بين أصابعه.
وروى أهل السنن من حديث إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لَقِيط بن صَبرةَ، عن أبيه قال،
قلت:يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء:فقال: « أسبغ
الوضوء، وخَلِّل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عبد الله بن يزيد، أبو عبد الرحمن المقري حدثنا عِكْرِمة بن
عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي قال قال أبو أمامة:حدثنا عَمْرو بن عبسة
قال:قلت:يا نبي الله، أخبرني عن الوضوء. قال: « ما
منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرّت خطاياه من فمه
وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من
أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف
أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه
إلى الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم
فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم
ولدته أمه » . قال أبو أمامة:يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟ أيعطى هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عَبْسة يا
أبا أمامة، لقد كبرت سنِّي، وَرَقَّ عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على
الله، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ و ] لو لم
أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا، لقد سمعته [ منه
] سبع مرات أو أكثر من ذلك.
وهذا
إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: « ثم
يغسل قدميه كما أمره الله » . فدل على أن القرآن يأمر
بالغسل.
وهكذا
روى أبو إسحاق السَّبِيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه
قال:اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم.
ومن
هاهنا يتضح لك المراد من حديث عبد خير، عن علي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
رَش على قدميه الماء وهما في النعلين فدلكهما. إنما أراد غسلا خفيفًا وهما في
النعلين ولا مانع من إيجاد الغسل والرِجل في نعلها، ولكن في هذا رد على المتعمقين
والمتنطعين من الموسوسين. وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من
روايته، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال:أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
سُبَاطةَ قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه وهو حديث صحيح. وقد
أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة
قال:فبال قائما ثم توضأ ومسح على خفيه.
قلت:ويحتمل
الجمع بينهما بأن يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان.
وهكذا
الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل:حدثنا يحيى عن شُعْبَة، حدثني يَعْلَى، عن
أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على
نعليه، ثم قام إلى الصلاة. وقد رواه أبو داود عن مُسَدَّد وعباد بن موسى كلاهما،
عن هُشَيْم، عن يعلى بن عَطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال:رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم أتى سُبَاطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
وقد رواه
ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم ثم قال:وهذا محمول على أنه توضأ كذلك وهو غير
محدث؛ إذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه
صلى الله عليه وسلم الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء بالنقل المستفيض
القاطع عُذْر من انتهى إليه وبلغه.
ولما كان
القرآن آمرًا بغسل الرجلين - كما في قراءة النصب، وكما هو الواجب في حمل قراءة
الخفض عليها- توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي
ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما
زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين بعد نـزول هذه
الآية الكريمة.
قال
الإمام أحمد:حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن عُلاثة، عن عبد
الكريم بن مالك الجَزَري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البَجَلي قال:أنا أسلمت
بعد نـزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعدما أسلمت.
تفرد به أحمد.
وفي
الصحيحين، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمَّام قال:بال جرير، ثم توضأ ومسح على
خفيه، فقيل:تفعل هذا؟ فقال:نعم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ
ومسح على خفيه. قال الأعمش:قال إبراهيم:فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير
كان بعد نـزول المائدة. لفظ مسلم.
وقد ثبت
بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين قولا منه
وفعلا كما هو مقرر في كتاب « الأحكام الكبير » ، وما
يحتاج إلى ذكره هناك، من تأقيت المسح أو عدمه أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه.
وقد خالفت الروافض ذلك كله بلا مستند، بل بجهل وضلال، مع أنه ثابت في صحيح مسلم،
من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. كما ثبت في الصحيحين عنه،
عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن نكاح المتعة وهم يستبيحونها. وكذلك هذه
الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله،
وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد.
وهكذا
خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم،
فعندهم في كل رجل كعب، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل
الساق والقدم. قال الربيع:قال الشافعي:لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين
ذكرهما الله في كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم. هذا
لفظه. فعند الأئمة، رحمهم الله، [ أن ] في كل
قدم كعبين كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين من طريق
حُمْران عن عثمان؛ أنه توضأ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك.
وروى
البخاري تعليقًا مجزوما به، وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه، من رواية أبي القاسم
الحسيني بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير قال:أقبل علينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بوجهه فقال: « أقيموا صفوفكم - ثلاثا- والله
لتقيمُن صفوفكم أو ليخالفَنَّ الله بين قلوبكم » .
قال:فرأيت الرجل يُلْزِق كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومَنْكبِه بمنكبه.
لفظ ابن خزيمة.
فليس
يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه إلا والمراد به العظم الناتئ في الساق، حتى يحاذي
كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه، من أنهما العظمان الناتئان عند مَفْصِل الساق
والقدم كما هو مذهب أهل السنة.
وقد قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن عبد الله
بن الحارث التيمي - يعني الجابر- قال:نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكعب فوق ظهر
القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلا بهم في مخالفتهم الحق
وإصرارهم عليه.
وقوله: (
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ
الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) كل ذلك
قد تقدَّم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إلى إعادته؛ لئلا يطول
الكلام. وقد ذكرنا سبب نـزول آية التيمم هناك، لكن البخاري روى هاهنا حديثا خاصا
بهذه الآية الكريمة، فقال:
حدثنا
يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وَهْبٍ، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن
القاسم حدثه، عن أبيه، عن عائشة:سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة،
فأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونـزل، فثَنَى رأسه في حِجْري راقدًا، أقبل
أبو بكر فلَكَزَني لكزة شديدة، وقال:حَبَسْت الناس في قلادة، فَبي الموتُ لمكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوجعني، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ
وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجَد، فنـزلت: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ ) هذه الآية، فقال أسَيْد بن الحُضَير لقد بارك الله للناس
فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم.
وقوله: ( مَا
يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ )
أي:فلهذا سهل عليكم ويسَّر ولم يعسِّر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء،
توسعة عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع الله يقوم مقام الماء إلا من بعض
الوجوه، كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب «
الأحكام الكبير » .
وقوله: (
وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ) أي:لعلكم تشكرون نعمَه عليكم فيما شرعه لكم من التوسعة
والرأفة والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء،
بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه
الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن، عن عقبة بن عامر قال:كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت
نَوْبَتي فَرَوَّحتها بعَشِيّ، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يحدث
الناس، فأدركت من قوله: « ما من مسلم يتوضأ فيحسن
وُضُوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مُقْبلا عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة » .
قال:قلت:ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول:التي قبلها أجود منها. فنظرت فإذا
عمر، رضي الله عنه، فقال:إني قد رأيتك جئت آنفا قال: « ما
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو:فيسبغ- الوضوء، يقول:أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء » . لفظ
مسلم.
وقال
مالك:عن سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: « إذا توَضّأ العبد المسلم - أو:المؤمن- فغسل وجهه، خرج من
وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو:مع آخر قطر الماء- فإذا غسل يديه
خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء - أو:مع آخر قطْر الماء- فإذا غسل
رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو:مع آخر قطْر الماء- حتى يخرج نقيا
من الذنوب » .
رواه
مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك، به.
وقال ابن
جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن
أبي الجعد، عن كعب بن مُرَّة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من
رجل يتوضأ فيغسل يديه - أو:ذراعيه- إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه خرجت
خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه خرجت خطاياه
من رجليه » .
هذا
لفظه. وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة
بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « وإذا
توضأ العبد فغسل يديه، خرجت خطاياه من بين يديه، وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من
وجهه، وإذا غسل ذراعيه خرجت خطاياه من ذراعيه، وإذا غسل رجليه خرجت خطاياه من
رجليه » . قال شعبة:ولم يذكر مسح الرأس. وهذا إسناد صحيح.
وروى ابن
جرير من طريق شَمِر بن عطية، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي أمامة قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام
إلى الصلاة، خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه » .
وروى
مسلم في صحيحه، من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي
مالك الأشعري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «
الطَّهور شَطْر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن
ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة بُرهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة
لك أو عليك، كل الناس يَغْدُو، فبائع نفسه فَمعتِقهَا، أو مُوبِقُهَا » .
وفي صحيح
مسلم، من رواية سِمَاك بن حَرْب، عن مُصْعب بن سعد، عن ابن عمر قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « لا يقبل الله صدقة من غُلُول،
ولا صلاة بغير طهور » .
وقال أبو
داود الطيالسي:حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المَلِيح الهُذَلي يحدث عن أبيه
قال:كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت، فسمعته يقول: « إن
الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غُلُول » .
وكذا
رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث شعبة.
وَاذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ ( 7 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
( 8 )
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 )
يقول تعالى مُذكرًا عباده
المؤمنين نعمتَه عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول
الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته
ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، فقال [
تعالى ] ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا ) وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليها عند إسلامهم، كما قالوا: « بايعنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وأثرةً
علينا، وألا ننازع الأمر أهله » ، وقال تعالى: وَمَا لَكُمْ لا
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ
أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [
الحديد:8 ] وقيل:هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود
في متابعة محمد صلى الله عليه وسلم والانقياد لشرعه، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس. وقيل:هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم حين استخرجهم من صلبه
وأشهدهم على أنفسهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [
الأعراف:172 ] قاله مجاهد، ومُقَاتِل بن حَيَّان. والقول الأول أظهر، وهو
المحكي عن ابن عباس، والسُّدِّي. واختاره ابن جرير.
ثم قال تعالى: (
وَاتَّقُوا اللَّهَ ) تأكيد وتحريض على مواظبة
التقوى في كل حال.
ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج
في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: ( إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )
وقوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ )
أي:كونوا قوامين بالحق لله، عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا (
شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ) أي:بالعدل لا بالجور. وقد ثبت
في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال:نحلني أبي نَحْلا فقالت أمي عمرة بنت
رواحة:لا أرضى حتى تُشْهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه ليشهده على صدقتي
فقال: « أكل ولدك نحلت مثله؟ » قال:لا.
قال: « اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم » . وقال:
« إني لا أشهد على جَوْر » .
قال:فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وقوله: ( وَلا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا ) أي:لا
يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو
عدوًا؛ ولهذا قال: ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى ) أي:عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه. ودل الفعل على المصدر
الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: وَإِنْ قِيلَ
لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [
النور:28 ]
وقوله: ( هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) من باب استعمال أفعل التفضيل
في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله [
تعالى ] أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا
وَأَحْسَنُ مَقِيلا [ الفرقان:24 ] وكقول
بعض الصحابيات لعمر:أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: (
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )
أي:وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر؛
ولهذا قال بعده: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ )
أي:لذنوبهم ( وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) وهو:الجنة
التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان
سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله
وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.
وَالَّذِينَ
كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 )
ثم قال:
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) وهذا من عدله تعالى، وحكمته
وحُكْمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحَكَمُ العدل الحكيم القدير.
وقوله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) قال
عبد الرزاق:أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر؛ أن النبي صلى
الله عليه وسلم نـزل منـزلا وتَفَرّق الناس في العضَاه يستظلون تحتها، وعلق النبي
صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأخذه فسلَّه، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال:من يمنعك مني؟ قال:
« الله » ! قال الأعرابي مرتين أو
ثلاثا:من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: « الله » !
قال:فَشَام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خَبَرَ
الأعرابي، وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه - وقال معمر:وكان قتادة يذكر نحو هذا،
وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا
هذا الأعرابي، وتأول: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ) الآية.
وقصة هذا
الأعرابي - وهو غَوْرَث بن الحارث- ثابتة في الصحيح.
وقال
العَوْفِيّ، عن ابن عباس في هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ
يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) وذلك
أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاما ليقتلوهم
فأوحى الله تعالى إليه بشأنهم، فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه رواه ابن
أبي حاتم.
وقال أبو
مالك:نـزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يَغْدروا بمحمد [ صلى
الله عليه وسلم ] وأصحابه في دار كعب بن
الأشرف. رواه ابن أبي حاتم.
وذكر
محمد بن إسحاق بن يَسار، ومجاهد وعكْرِمَة، وغير واحد:أنها نـزلت في شأن بني
النَّضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحَى، لما
جاءهم يستعينهم في ديَةِ العامرييْن، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه
إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من
فوقه، فأطلع الله رسوله على ما تمالؤوا عليه، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه،
فأنـزل الله [ تعالى ] في ذلك: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ثم أمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم فحاصرهم، حتى أنـزلهم فأجلاهم.
وقوله
تعالى: ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )
يعني:من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شر الناس وعصمه.
وَلَقَدْ
أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ
نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ
وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ
اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ
بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 12 )
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ
وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 )
لما أمر [
الله ] تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه
عليهم على لسان عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالقيام بالحق
والشهادة بالعدل، وذكرهم نعَمَه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق
والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل
الكتابين:اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم،
وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم
النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: (
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ
اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) يعني:عُرَفاء على قبائلهم
بالمبايعة والسمع، والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.
وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن
إسحاق وغير واحد أن هذا كان لما توجه موسى، عليه السلام، لقتال الجبابرة، فأمر بأن
يقيم النقباء، من كل سبط نقيب - قال محمد بن إسحاق:فكان من سبط روبيل: « شامون
بن زكور » ، ومن سبط شمعون: « شافاط
بن حُرّي » ، ومن سبط يهوذا: « كالب
بن يوفنا » ، ومن سبط أبين: «
فيخائيل بن يوسف » ، ومن سبط يوسف، وهو سبط
أفرايم: « يوشع بن نون » ، ومن
سبط بنيامين: « فلطمى بن رفون » ، ومن
سبط زبلون : « جدي بن سودى » ، ومن
سبط يوسف وهو منشا بن يوسف: « جدي بن سوسى » ، ومن
سبط دان: « حملائيل بن جمل » ، ومن
سبط أسير: « ساطور بن ملكيل » ، ومن
سبط نفتالي : « نحى بن وفسى » ، ومن
سبط جاد: « جولايل بن ميكي » .
وقد رأيت في السفر الرابع من
التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إسرائيل وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إسحاق،
والله أعلم، قال فيها:فعلى بني روبيل: « الصوني
بن سادون » ، وعلى بني شمعون: « شموال
بن صورشكي » ، وعلى بني يهوذا: « يحشون
بن عمبيا ذاب » ، وعلى بني يساخر: « شال بن
صاعون » ، وعلى بني زبلون: « الياب
بن حالوب » ، وعلى بني يوسف إفرايم: « منشا
بن عمنهود » ، وعلى بني منشا: «
حمليائيل بن يرصون » ، وعلى بني بنيامين: « أبيدن
بن جدعون » ، وعلى بني دان: « جعيذر
بن عميشذي » ، وعلى بني أسير: « نحايل
بن عجران » ، وعلى بني حاز: « السيف
بن دعواييل » ، وعلى بني نفتالي: « أجزع
بن عمينان » .
وهكذا لما بايع رسول الله صلى
الله عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة، كان فيهم اثنا عشر نقيبًا، ثلاثة من الأوس
وهم:أسيد بن الحُضَيْر، وسعد بن خَيْثَمَة، ورفاعة بن عبد المنذر - ويقال بدله:أبو
الهيثم بن التيهان- رضي الله عنهم، وتسعة من الخزرج، وهم:أبو أمامة أسعد بن
زُرَارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العَجْلان والبراء
بن مَعْرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عُبَادة، وعبد الله بن عَمْرو بن حرام،
والمنذر بن عَمْرو بن خُنَيس، رضي الله عنهم. وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له،
كما أورده ابن إسحاق، رحمه الله.
والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء
على قومهم ليلتئذ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك، وهم الذين ولوا
المبايعة والمعاقدة عن قومهم للنبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة.
وقال الإمام أحمد:حدثنا حسن بن
موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مُجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال:كنا جلوسا عند عبد
الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل:يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول
الله صلى الله عليه وسلم:كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله:ما سألني عنها
أحد منذ قدمتُ العراق قبلك، ثم قال:نعم ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: « اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل » .
هذا حديث غريب من هذا الوجه
وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث جابر بن سَمُرة قال:سمعت النبي صلى الله
عليه وسلم يقول: « لا يزال أمر الناس ماضيا ما
وليهم اثنا عشر رجلا » . ثم تكلم النبي صلى الله عليه
وسلم بكلمة خفيت عَلَيّ، فسألت أبي:ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: « كلهم
من قريش » .
وهذا لفظ مسلم ومعنى هذا الحديث
البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحًا يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا
تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على نَسَق، وهم الخلفاء الأربعة:أبو
بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضي الله عنهم، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند
الأئمة، وبعض بني العباس. ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن
منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره:أنه يُواطئُ اسمُه اسم النبي صلى
الله عليه وسلم، واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدْلا وقِسْطًا، كما ملئت جَوْرا
وظُلْمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم الرافضة وجوده ثم ظهوره من سرداب «
سَامرّاء » . فإن ذلك ليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هَوَسِ
العقول السخيفة، وَتَوَهُّم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني
عشر الأئمة [ الاثني عشر ] الذين
يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض، لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة
بإسماعيل، عليه السلام، وأن الله يقيم من صُلْبِه اثني عشر عظيما، وهم هؤلاء
الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود، وجابر بن سَمُرة، وبعض الجهلة
ممن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر،
فيتشيع كثير منهم جهلا وسَفَها، لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك بالسنن الثابتة عن
النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: (
وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ )
أي:بحفظي وكَلاءتي ونصري ( لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ
وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي )
أي:صدقتموهم فيما يجيئونكم به من الوحي ( وَعَزَّرْتُمُوهُمْ
) أي:نصرتموهم وآزرتموهم على الحق (
وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا )
وهو:الإنفاق في سبيله وابتغاء مرضاته (
لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ )
أي:ذنوبكم أمحوها وأسترها، ولا أؤاخذكم بها (
وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ )
أي:أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود.
وقوله: (
فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) أي:فمن
خالف هذا الميثاق بعد عَقْده وتوكيده وشدَه، وجحده وعامله معاملة من لا يعرفه، فقد
أخطأ الطريق الحق، وعدل عن الهدى إلى الضلال.
ثم أخبر تعالى عما أحل بهم من
العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده، فقال: (
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ )
أي:فبسبب نقضهم الميثاقَ الذي أخذ عليهم لعناهم، أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن
الهدى، ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) أي:فلا
يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها، (
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ )
أي:فسدت فُهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنـزله،
وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذًا بالله من ذلك، (
وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )
أي:وتركوا العمل به رغبة عنه.
قال الحسن:تركوا عُرَى دينهم
ووظائف الله التي لا يقبل العمل إلا بها. وقال غيره:تركوا العمل فصاروا إلى حالة
رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فطر مستقيمة، ولا أعمال قويمة.
( وَلا
تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ )
يعني:مكرهم وغَدْرهم لك ولأصحابك.
وقال مجاهد وغيره:يعني بذلك
تمالؤهم على الفتك بالنبي، صلى الله عليه وسلم.
(
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ) وهذا هو عين النصر والظفر،
كما قال بعض السلف:ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل
لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم؛ ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) يعني به:الصفح عمن أساء إليك.
وقال قتادة:هذه الآية (
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ) منسوخة بقوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ
لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر [
وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ
الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ
يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ] [
التوبة:29 ]
وَمِنَ
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا
ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 )
وقوله: (
وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ) أي:ومن
الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا
كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء
آثاره، والإيمان بكل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي:ففعلوا كما فعل اليهود،
خالفوا المواثيق ونقضوا العهود؛ ولهذا قال: (
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )
أي:فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة.
وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم
بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تُحَرم الأخرى ولا تدعها تَلجُ معبدها، فالملكية
تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى
في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
ثم قال
تعالى: ( وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ
) وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على
الله وعلى رسوله، وما نسبوه إلى الرب، عز وجل، وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا
كبيرًا، من جعلهم له صاحبة وولدا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد
ولم يولد، ولم يكن له كُفوًا أحد.
يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا
كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ
اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ( 15 )
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ
مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ ( 16 )
يقول
تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة:أنه قد أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحق إلى جميع
أهل الأرض، عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيّهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق
والباطل، فقال تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ
الْكِتَابِ ) أي:يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه،
ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه.
وقد روى
الحاكم في مستدركه، من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال:من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، قوله: ( يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا
كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ) فكان
الرجم مما أخفوه.
ثم
قال:صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ثم أخبر
تعالى عن القرآن العظيم الذي أنـزله على نبيه الكريم فقال: ( قَدْ
جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ) أي:طرق النجاة والسلامة
ومناهج الاستقامة ( وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
أي:ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أنجب
الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.
لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ
ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 )
يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر
النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم - وهو عبدٌ من عباد الله، وخلق من خلقه-
أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ثم قال مخبرًا عن قدرته على
الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: ( قُلْ
فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ
ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ) أي:لو
أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه ؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟
ثم قال: (
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ )
أي:جميعُ الموجودات ملكهُ وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يُسأل عما يفعل،
لقدرته وسلطانه، وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة
إلى يوم القيامة.
وَقَالَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 )
ثم قال
تعالى رادًا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ( وَقَالَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أي:نحن
منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم أن الله
[ تعالى ] قال لعبده إسرائيل: « أنت
ابني بكري » . فحملوا هذا على غير تأويله، وحَرّفوه. وقد رد عليهم غير
واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا:هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل
النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم:إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني:ربي وربكم.
ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى، عليه السلام، وإنما
أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا:نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الله
تعالى رادا عليهم: ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
بِذُنُوبِكُمْ ) أي:لو كنتم كما تدعون أبناءه
وأحباءه، فلم أعَد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟. وقد قال بعض شيوخ
الصوفية لبعض الفقهاء:أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه،
فتلا الصوفي هذه الآية: ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
بِذُنُوبِكُمْ )
وهذا
الذي قاله حسن، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال:حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن
حُمَيْد، عن أنس قال:مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، وصبي في
الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يُوْطَأ، فأقبلت تسعى وتقول:ابني
ابني! وسعت فأخذته، فقال القوم:يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار.
قال:فَخفَّضَهُم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: « لا
والله ما يلقي حبيبه في النار » . تفرد به.
[ وقوله ] ( بَلْ
أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ) أي:لكم أسوة أمثالكم من بني
آدم، وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده (
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ) أي:هو
فعال لما يريد، لا مُعَقِّب لحكمه وهو سريع الحساب. ( وَلِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا )
أي:الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه، (
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) أي:المرجع والمآب إليه، فيحكم
في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.
[ و ] قال محمد
بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عِكْرِمَة، أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس
قال:وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو، وشاس بن عدي،
فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته،
فقالوا:ما تخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنـزل [
الله ] فيهم: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) إلى
آخر الآية. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ورويا
أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله [
تعالى ] ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أما
قولهم: ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) فإنهم
قالوا:إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك - بكرك من الولد- فيدخلهم النار فيكونون
فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم، ثم يناد مناد أن أخرجوا كل مختون من
ولد إسرائيل. فأخرجوهم فذلك قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا
مَعْدُودَاتٍ [ آل عمران:24 ]
يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ
مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ
جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )
يقول
تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى:إنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا خاتم النبيين،
الذي لا نبي بعده ولا رسول بل هو المعقب لجميعهم؛ ولهذا قال: ( عَلَى
فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ) أي:بعد مدة متطاولة ما بين
إرساله وعيسى ابن مريم.
وقد
اختلفوا في مقدار هذه الفترة، كم هي؟ فقال أبو عثمان النَّهْديّ وقتادة - في رواية
عنه- :كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي. وعن قتادة:خمسمائة وستون
سنة، وقال مَعْمَر، عن بعض أصحابه:خمسمائة وأربعون سنة. وقال:الضحاك:أربعمائة وبضع
وثلاثون سنة.
وذكر ابن
عساكر في ترجمة عيسى، عليه السلام عن الشعبي أنه قال:ومنْ رفع المسيح إلى هجرة
النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة.
والمشهور
هو الأول، وهو أنه ستمائة سنة. ومنهم من يقول:ستمائة وعشرون سنة. ولا منافاة
بينهما، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة
سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين؛ ولهذا قال تعالى في قصة أصحاب الكهف:
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [
الكهف:25 ] أي:قمرية، لتكميل الثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل
الكتاب. وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم، آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد [ صلى
الله عليه وسلم ] خاتم النبيين من بني آدم على
الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: « أنا أولى الناس بابن مريم؛ لأنه لا نبي بيني وبينه » هذا فيه
رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى [
عليه السلام ] نبي، يقال له:خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره.
والمقصود
أن الله [ تعالى ] بعث محمدًا صلى الله عليه
وسلم على فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وتَغَير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان
والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عَمَم، فإن
الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلا
من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى
والصابئين، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا
يحيى بن سعيد، حدثنا هشام حدثنا قتادة، عن مطَرِّف، عن عياض بن حِمَار
المُجَاشِعِيِّ، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في
خطبته: « وإن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما عَلَّمني في يومي
هذا:كل مال نَحَلْته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وإنهم أتتهم
الشياطين فأضَلَّتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن
يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطانا، ثم إن الله، عز وجل، نظر إلى أهل الأرض
فَمَقَتَهُمْ، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال:إنما بعثتك
لأبتليك وأبتلي بك، وأنـزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويَقْظان، ثم
إن الله أمرني أن أُحَرِّقَ قريشا، فقلت:يا رب، إذن يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه
خُبْزة، فقال:استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغْزِك، وأنفق عليهم فَسَنُنفق عليك،
وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة:ذو سلطان
مُقْسِطٌ مُتصدِّق موفق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عَفِيف فقير
متصدق، وأهل النار خمسة:الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تَبْعًا أو
تُبعاء - شك يحيى- لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ وإن
دَقَّ إلا خانه، ورجل لا يُصْبِح ولا يُمْسِي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك » ، وذكر
البخيل أو الكذب، « والشِّنْظير:الفاحش » .
ثم رواه
الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي من غير وجه، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن
الشّخير. وفي رواية سعيد عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف. وقد
ذكر الإمام أحمد في مسنده:أن قتادة لم يسمعه من مطرف، وإنما سمعه من أربعة، عنه.
ثم رواه هو، عن روح، عن عوف، عن حكيم الأثرم، عن الحسن قال:حدثني مطرف، عن عياض بن
حمَار، فذكره. و [ كذا ] رواه
النسائي من حديث غُنْدَر، عن عوف الأعرابي به.
والمقصود
من إيراد هذا الحديث قوله: « وإن الله نظر إلى أهل الأرض
فمقتهم، عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل » . وفي
لفظ مسلم: « من أهل الكتاب » . وكان
الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فهدى
الخلائق، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وتركهم على المحَجَّة البيضاء،
والشريعة الغرَّاء؛ ولهذا قال تعالى: ( أَنْ
تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ )
أي:لئلا تحتجوا وتقولوا - :يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه- ما جاءنا من رسول
يبشر بالخير وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم
( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
قال ابن
جرير:معناه:إني قادر على عقاب من عصاني، وثواب من أطاعني.
وَإِذْ
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ
أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ( 20 ) يَا
قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا
تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ( 21 )
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا
حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ( 22 )
قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا
عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى
اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 23 )
يقول تعالى مخبرًا عن عبده
ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، فيما ذكر به قومه نعَمَ الله عليهم
وآلاءه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة،
فقال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ )
أي:كلما هلك نبي قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده. وكذلك كانوا،
لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى، عليه
السلام، ثم أوحى الله [ تعالى ] إلى
خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن
إبراهيم، عليه السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) قال عبد الرزاق، عن الثوري،
عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس، في قوله: (
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) قال:الخادم والمرأة والبيت.
وروى الحاكم في مستدركه، من
حديث الثوري أيضا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:المرأة والخادم (
وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ )
قال:الذين هم بين ظَهرانيهِم يومئذ، ثم قال الحاكم:صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه.
وقال ميمون بن مِهْران، عن ابن
عباس قال:كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي مَلِكًا.
وقال ابن جرير:حدثنا يونس بن
عبد الأعلى، أنبأنا ابن وَهْب، أنبأنا أبو هانئ؛ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي
يقول:سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال:ألسنا من فقراء المهاجرين؟
فقال عبد الله:ألك امرأة تأوي إليها؟ قال:نعم. قال:ألك مسكن تسكنه؟ قال:نعم.
قال:فأنت من الأغنياء. فقال:إن لي خادما. قال فأنت من الملوك.
وقال الحسن البصري:هل الملك إلا
مركب وخادم ودار؟
رواه ابن جرير. ثم روي عن منصور
والحكم، ومجاهد، وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم عن ميمون بن
مهران.
وقال ابن شَوْذَب:كان الرجل من
بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم، واستؤذن عليه، فهو ملك.
وقال قتادة:كانوا أول من ملك
الخدم.
وقال السُّدِّي في قوله: (
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) قال:يملك الرجل منكم نفسه
وأهله وماله. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم:ذكر عن ابن
لَهِيعَة، عن دَرَاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « كان بنو إسرائيل إذا كان
لأحدهم خادم ودابة وامرأة، كُتِب ملكا » .
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير:حدثنا الزبير بن
بكار، حدثنا أبو ضَمْرَة أنس بن عياض، [ قال
] سمعت زيد بن أسلم يقول: (
وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ) فلا أعلم إلا أنه قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « من كان له بيت وخادم فهو ملك
» .
وهذا مرسل غريب. وقال مالك:بيت
وخادم وزوجة.
وقد ورد في الحديث: « من
أصبح منكم مُعَافى في جسده، آمنا في سِربه، عنده قُوت يومه، فكأنما حِيزت له
الدنيا بحذافيرها » .
وقوله: (
وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) يعني
عالمي زمانكم، فكأنهم كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف
بني آدم، كما قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ
وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى
الْعَالَمِينَ [ الجاثية:16 ] وقال
تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ
وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [
الأعراف:138- 140 ]
والمقصود:أنهم كانوا أفضل أهل
زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجا،
وأكرم نبيا، وأعظم ملكا، وأغزر أرزاقا، وأكثر أموالا وأولادا، وأوسع مملكة، وأدوم
عزا، قال الله [ عز وجل ]
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل
عمران:110 ] وقال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة:143 ] وقد
ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة وشرفها وكرمها، عند الله، عند قوله عز
وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ من سورة آل عمران.
وروى ابن جرير عن ابن عباس،
وأبي مالك وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: (
وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ )
يعني:أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: (
وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) مع هذه
الأمة. والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه وهو محمول على عالمي زمانهم كما
قدمنا.
وقيل:المراد: (
وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) يعني
بذلك:ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، وتَظلَّلهم من الغمام وغير ذلك،
مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.
ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض
موسى، عليه السلام، لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم
في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه
السلام، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى [
عليه السلام ] فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها
وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى، عليه السلام، بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم،
وبَشَّرهم بالنصرة والظفر عليهم، فَنَكَلُوا وعَصوْا وخالفوا أمره، فعوقبوا
بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد،
مُدّة أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله [
تعالى ] فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: ( يَا
قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ )
أي:المطهرة.
قال سفيان الثوري، عن الأعمش،
عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: (
ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ) قال:هي
الطور وما حوله. وكذا قال مجاهد وغير واحد.
وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد
البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال:هي أريحا. وكذا ذكر غير واحد من المفسرين.
وفي هذا نظر؛ لأن أريحا ليست هي
المقصود بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر، حين
أهلك الله عدوهم فرعون، [ اللهم ] إلا أن
يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس، كما قاله - السدي فيما رواه ابن جرير عنه- لا
أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغَوْر شرقي بيت المقدس.
وقوله تعالى: (
الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) أي:التي وعدكموها الله على
لسان أبيكم إسرائيل:أنه وراثة من آمن منكم. ( وَلا
تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ ) أي:ولا
تنكلوا عن الجهاد ( فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا
حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ )
أي:اعتذروا بأن في هذه البلدة - التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها- قوما جبارين،
أي:ذوي خلَقٍ هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم، ولا
يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا
بهم.
وقد قال ابن جرير:حدثني عبد
الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان قال:قال أبو سعيد قال
عِكْرَمَة، عن ابن عباس قال:أمرَ موسى أن يدخل مدينة الجبارين. قال:فسار موسى بمن
معه حتى نزل قريبًا من المدينة - وهي أريحا- فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كل سبط
منهم عين، ليأتوه بخبر القوم. قال:فدخلوا المدينة فرأوا أمرًا عظيما من هيئتهم
وجُثَثهم وعِظَمِهم، فدخلوا حائطا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من
حائطه، فجعل يجتني الثمار. وينظر إلى آثارهم، فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه
فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقت الاثنى عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب
إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك:قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا
صاحبكم. قال:فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وفي هذا الإسناد نظر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس:لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله،
فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم
حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا:من أنتم؟ قالوا:نحن قوم
موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم:اذهبوا إلى موسى
وقومه فقولوا لهم:اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا:يا موسى، فَاذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
رواه ابن أبي حاتم، ثم
قال:حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد، حدثني
يحيى بن عبد الرحمن قال:رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم
ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسا وخمسين، ثم قال:هكذا طول العماليق.
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا
أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن
عنق، بنت آدم، عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة
وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف لما
ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن
الله [ تعالى ] خلق آدم وطوله ستون ذراعًا،
ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن » .
ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان
كافرا، وأنه كان ولد زِنْية، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى
ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين،
فقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [
نوح:26 ] وقال تعالى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ [
الشعراء:119- 120 ] وقال تعالى: [
قَالَ ] لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ
[ هود:43 ] وإذا
كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟! هذا لا يسوغ
في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: « عوج بن
عنق » نظر، والله أعلم.
وقوله: ( قَالَ
رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا )
أي:فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى، عليه السلام، حرضهم
رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه.
وقرأ بعضهم: ( قَالَ
رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ ) أي:ممن
لهم مهابة وموضع من الناس. ويقال:إنهما « يوشع
بن نون » و « كالب بن يوفنا » ، قاله
ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطية، والسُّدِّي، والربيع بن أنس، وغير واحد من
السلف، والخلف، رحمهم الله، فقالا (
ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ
وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي:متى
توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم
وظفركم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا.
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا
فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ( 24 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا
أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ
الْفَاسِقِينَ ( 25 ) قَالَ فَإِنَّهَا
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ( 26 )
(
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ
أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون ) وهذا نكول منهم عن الجهاد،
ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء.
ويقال:إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع
إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، عليهما السلام، قُدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما
لما هموا به، وشَق « يوشع
بن نون » و « كالب بن يوفنا » ثيابهما ولاما قومهما على ذلك،
فيقال:إنهم رجموهما. وجرى أمر عظيم وخطر جليل.
وما أحسن ما أجاب به الصحابة، رضي الله عنهم يوم بدر رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير
الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما
بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب، فتكلم أبو بكر، رضي الله
عنه، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: « أشيروا
عليَّ أيها المسلمون » . وما
يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن
معاذ [ رضي
الله عنه ] كأنك
تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه
لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا
لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ
بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونَشَّطه ذلك.
وقال أبو بكر بن مَرْدُويَه:حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو
حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم
فقالت الأنصار:يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالوا:إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْك الغمَاد
لاتبعناك.
ورواه الإمام أحمد، عن عبيدة بن حميد، الطويل، عن أنس، به.
ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به، ورواه ابن حبان
عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حماد، عن مَعْمَر بن سليمان، عن حميد، به.
وقال ابن مَرْدُويه:أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا إسماعيل
بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب،
عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة بن عبد السلمي قال:قال النبي صلى الله عليه وسلم
لأصحابه: « ألا
تقاتلون؟ » قالوا:نعم،
ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا
قَاعِدُونَ ) ولكن
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي، رضي الله عنه،
كما قال الإمام أحمد:
حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحْمَسِي،
عن طارق - هو ابن شهاب- :أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر:يا
رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال:
حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن
شهاب قال:قال عبد الله - هو ابن مسعود- رضي الله عنه:لقد شهدت من المقداد مشهدًا
لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به:أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدعو على المشركين،
فقال:والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك.
فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك، وسره بذلك.
وهكذا رواه البخاري « في المغازي » وفي «
التفسير » من طرق
عن مخارق، به. ولفظه في « كتاب
التفسير » عن عبد
الله قال:قال المقداد يوم بدر:يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى:
(
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن [ نقول ] امض ونحن معك فكأنه سرى عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال البخاري:ورواه وَكِيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق؛
أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن جرير:حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة
قال:ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحُدَيبية، حين
صَدّ المشركون الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: « إني ذاهب بالهَدْي فناحِرُه
عند البيت » . فقال
له المقداد بن الأسود:أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فلما سمعها
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك.
وهذا. إن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه
المقالة يومئذ كما قاله يوم بَدْر.
وقوله: ( قَالَ
رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ )
يعني:لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعيا
عليهم: ( رَبِّ
إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي ) أي:ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما
دعوتَ إليه إلا أنا وأخي هارون، (
فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) قال العَوْفِي، عن ابن
عباس:يعني اقض بيني وبينهم. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وكذا قال الضحاك:اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال
غيره:افرق:افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر
يَــا رب فــافرق بَيْنَــه وبَيْنـي أشــدّ مــا فَــرقْت
بَيْـن اثنيـن
وقوله تعالى: ( [
قَالَ ]
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ [ فَلا تَأْسَ عَلَى
الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ] ) لما دعا عليهم موسى، عليه
السلام، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين
سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة،
وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء
الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك
الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها
موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال
لها:قبة الزمان.
قال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب، عن
سعيد بن جبير:سألت ابن عباس عن قوله: ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً
يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ ) الآية.
قال:فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم
الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث « الفتون » ، ثم كانت وفاة هارون، عليه
السلام، ثم بعده بمدة ثلاثة سنين مات موسى الكليم، عليه السلام، وأقام الله فيهم « يوشع بن نون » عليه السلام، نبيا خليفة عن
موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال:إنه لم يبق منهم
أحد سوى « يوشع » و « كالب » ، ومن هاهنا قال بعض المفسرين
في قوله: ( قَالَ
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) هذا وقف تام، وقوله: ( أَرْبَعِينَ سَنَةً ) منصوب بقوله: ( يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ ) فلما انقضت المدة خرج بهم « يوشع بن نون » عليه السلام، أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل
الثاني، فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما
تَضَيَّفَتِ الشمس للغروب، وخَشي دخول السبت عليهم قال « إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم
احبسها عليَّ » ،
فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله « يوشع بن نون » أن يأمر بني إسرائيل، حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا
بابها سُجّدا، وهم يقولون:حطّة، أي:حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، فدخلوا
يزحفون على أستاههم، وهم يقولون:حَبَّة في شَعْرة، وقد تقدم هذا كله في سورة
البقرة.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر
العَدَنِيُّ، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قوله: ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ
عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ ) قال:فتاهوا أربعين سنة، فهلك
موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم « يوشع بن نون » ، وهو الذي قام بالأمر بعد
موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: « اليوم يوم الجمعة » فهَمُّوا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة
السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: « إني
مأمور وإنك مأمورة » فوقفت
حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأت
فقال:فيكم الغلول، فدعا رءوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل
منهم بيده، فقال:الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت،
وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلتها.
وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله:
(
فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ) هو العامل في « أربعين سنة » ، وأنهم مَكَثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في
البرية لا يهتدون لمقصد. قال:ثم خرجوا مع موسى، عليه السلام، ففتح بهم بيت المقدس.
ثم احتج على ذلك قال:بإجماع علماء أخبار الأولين أن « عوج بن عنق » قتله موسى، عليه السلام،
قال:فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنه
كان بعد التيه. قال:وأجمعوا على أن « بلعام بن باعورا » أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال:وما ذاك إلا بعد التيه؛
لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدلاله، ثم قال:
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن أبي
إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة
أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب « عوج » فقتله،
فكان جسرًا لأهل النيل سنة.
وروي أيضا عن محمد بن بَشّار، حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا سفيان،
عن أبي إسحاق، عن نَوْف البِكالي قال:كان سرير « عوج »
ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة
أذرع، فضرب « عوجا » فأصاب كعبه، فسقط ميتا، وكان
جسْرًا للناس يمرون عليه.
وقوله تعالى: ( فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) تسلية لموسى، عليه السلام،
عنهم، أي:لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك.
وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله
ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة
الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا وقد
شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم،
وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي
بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعُدَدهم، فظهرت قبائح
صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا وهم
في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون
مع ذلك: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة:18 ] فقبح الله وجوههم التي مسخ
منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها
بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ
قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ
الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ
الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ
يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي
أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 28 )
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ
النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 )
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا
يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا
وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ
أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 )
يقول
تعالى مبينا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم في خبر ابني آدم لصلبه - في قول
الجمهور- وهما هابيل وقابيل كيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيا عليه وحسدا له،
فيما وهبه الله من النعمة وتَقَبّل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز
المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في
الدنيا والآخرة، فقال تعالى: (
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ) أي:واقصص على هؤلاء البغاة
الحسدة، إخوان الخنازير والقردة من اليهود وأمثالهم وأشباههم- خبر ابني آدم، وهما
هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.
وقوله: ( بِالْحَقِّ ) أي:على الجلية والأمر الذي لا
لبس فيه ولا كذب، ولا وَهْم ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كما قال تعالى: إِنَّ
هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [ آل عمران:62 ] وقال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ
[
الكهف:13 ] وقال
تعالى: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ]
[
مريم:34 ]
وكان من
خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف، أن الله تعالى قد شرع لآدم، عليه
السلام، أن يزوج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا:كان يُولَد له في كل بطن
ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت أخت هابيل دَميمةً،
وأخت قابيل وضيئةً، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقربا
قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فَتُقُبِّل من هابيل ولم يتَقَبَّل من قابيل،
فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه.
ذكر
أقوال المفسرين هاهنا:
قال
السُّدي - فيما ذكر- عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن
مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان لا يولد لآدم مولود
إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية
هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما:قابيل وهابيل وكان
قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضَرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من
أخت هابيل، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل، فأبى عليه وقال:هي أختي، ولدت معي،
وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى،
وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان آدم، عليه السلام،
قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله عز وجل:هل تعلم أن لي بيتا في الأرض؟
قال:اللهم لا قال:إن لي بيتا في مكة فأته. فقال آدم للسماء:احفظي ولدي بالأمانة،
فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال، فأبت. فقال لقابيل، فقال:نعم، تذهب وترجع
وتجد أهلك كما يسرك فلما انطلق آدم قَربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال:أنا
أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قَربا، قرب هابيل
جَذعَة سمنة، وقرب قابيل حَزْمَة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها.
فنزلت النار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال:لأقتلنك حتى لا تنكح
أختي. فقال هابيل:إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن
خُثَيْم قال:أقبلت مع سعيد بن جبير فحدثني عن ابن عباس قال:نهي أن تنكح المرأة
أخاها تَوْأمها، وأمر أن ينكحها غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل بطن رجل
وامرأة، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة، فقال أخو
الدميمة:أنكحني أختك وأنكحك أختي. قال:لا أنا أحق بأختي فقربا قربانا، فتقبل من
صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد.
وحدثنا
أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله ( إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ) فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعْين أقرن أبيض،
وصاحب الحرث بصَبرة من طعام، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفا، وهو
الكبش الذي ذبحه إبراهيم صلى الله عليه وسلم إسناد جيد.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عَوْف، عن أبي المغيرة، عن عبد
الله بن عمرو قال:إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من
الآخر، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، وإنهما أمرا أن يقربا قربانا، وإن
صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنَها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب
أشَرَّ حرثه الكودن والزُّوان غير طيبة بها نفسه، وإن الله، عز وجل، تقبل قربان
صاحب الغنم، ولم يتقبل قربان صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه،
قال:وأيم الله، إن كان المقتول لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط [ يده ] إلى أخيه.
وقال
إسماعيل بن رافع المدني القاص:بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان، كان أحدهما
صاحب غَنَم، وكان أنْتج له حَمَل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله
على ظهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه. فلما أمر بالقربان قربه لله، عز
وجل، فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة حتى فَدى به ابن إبراهيم، عليه
السلام. رواه ابن جرير.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن
علي بن الحسين قال:قال آدم، عليه السلام، لهابيل وقابيل:إن ربي عهد إلي أنه كائن
من ذريتي من يُقَرِّب القربان، فقربا قربانا حتى تَقَر عيني إذا تُقُبّل قربانكما،
فقربا. وكان هابيل صاحب غنم فقرب أكُولة غنمه، خَيْر ماله، وكان قابيل صاحب زرع،
فقرب مشاقة من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل فوضعا
قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم:آدم وهما، ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى
إذا كانت فوقهما دنا منها عنق، فاحتمل قربان هابيل وترك قربان قابيل، فانصرفوا.
وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال:ويلك يا قابيل رد عليك قربانك. فقال
قابيل:أحببتَه فصليتَ على قربانه ودعوت له فتُقُبل قربانه، ورد عليَّ قرباني. وقال
قابيل لهابيل:لأقتلنك فأستريح منك، دعا لك أبوك فصلى على قربانك، فتقبل منك. وكان
يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم:يا قابيل، أين
أخوك؟ [ قال
]
قال:وبَعثتني له راعيا؟ لا أدري. فقال [ له ]
آدم:ويلك يا قابيل. انطلق فاطلب أخاك. فقال قابيل في نفسه:الليلة أقتله. وأخذ معه
حديدة فاستقبله وهو منقلب، فقال:يا هابيل، تقبل قربانك ورد علي قرباني، لأقتلنك.
فقال هابيل:قربتُ أطيب مالي، وقربتَ أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب،
إنما يتقبل الله من المتقين، فلما قالها غضب قابيل فرفع الحديدة وضربه بها،
فقال:ويلك يا قابيل أين أنت من الله؟ كيف يجزيك بعملك؟ فقتله فطرحه في جَوْبة من
الأرض، وحثى عليه شيئًا من التراب.
وقال
محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول:إن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح
أخته تَوأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل ، فسلم لذلك هابيل ورضي،
وأبى ذلك قابيل وكره، تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال:نحن ولادة
الجنة، وهما من ولادة الأرض، وأنا أحق بأختي - ويقول بعض أهل العلم بالكتاب
الأول:كانت أخت قابيل من أحسن الناس، فَضَنّ بها عن أخيه وأرادها لنفسه، فالله
أعلم أي ذلك كان- فقال له أبوه:يا بني، إنها لا تحل لك، فأبى قابيل أن يقبل ذلك من
قول أبيه. فقال له أبوه:يا بني، قرب قربانا، ويقرب أخوك هابيل قربانا، فأيكما
تُقُبِّل قربانه فهو أحق بها، وكان قابيل على بَذْر الأرض، وكان هابيل على رعاية
الماشية، فقرب قابيل قمحا، وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه - وبعضهم يقول:قرب
بقرة- فأرسل الله نارا بيضاء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، وبذلك كان
يُقْبَل القربان إذا قبله . رواه ابن جرير.
وقال
العَوْفِيُّ، عن ابن عباس قال:كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتَصَدّق عليه،
وإنما كان القربان يقربه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا
وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله، أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله
خَبَت النار، فقربا قربانا، وكان أحدهما راعيا، وكان الآخر حَرّاثا، وإن صاحب
الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما،
فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه:أتمشي في الناس وقد علموا أنك
قَرّبت قربانا فَتُقُبِّل منك وَرُدّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليك وإليَّ
وأنت خير مني. فقال:لأقتلنك. فقال له أخوه:ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين.
رواه ابن جرير.
فهذا
الأثر يقتضي أن تقريب القربان كان لا عن سبب ولا عن تدارئ في امرأة، كما تقدم عن
جماعة مَنْ تقدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن: ( إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )
فالسياق يقتضي إنه إنما غضب عليه وحسده لقبول قربانه دونه.
ثم
المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل،
وأنه تُقُبل من هابيل شاته، حتى قال ابن عباس وغيره:إنه الكبش الذي فدي به الذبيح،
وهو مناسب، والله أعلم، ولم يتقبل من قابيل. كذلك نص عليه غير واحد من السلف
والخلف، وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابن جرير، عنه أنه قال:الذي قرب
الزرع قابيل، وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدا والله
أعلم.
ومعنى
قوله: (
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) أي:ممن اتقى الله في فعله ذلك.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق، حدثنا إسماعيل بن عَيَّاش،
حدثني صَفْوان بن عمرو، عن تَمِيم، يعني ابن مالك المقري، قال:سمعت أبا الدرداء
يقول:لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها، إن
الله يقول: (
إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ )
وحدثنا
أبي، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي- عن المغيرة
بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة قال:كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل -
يقال له:أبو عفيف، من أصحاب معاذ- فقال له شقيق بن سلمة:يا أبا عفيف، ألا تحدثنا
عن معاذ بن جبل؟ قال:بلى، سمعته يقول:يحبس الناس في بقيع واحد، فينادي مناد:أين
المتقون؟ فيقومون في كَنَف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت:من
المتقون؟ قال:قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا العبادة، فيمرون إلى الجنة.
وقوله: ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ
يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي
أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) يقول له أخوه الرجل الصالح، الذي تقبل الله قربانه لتقواه
حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ ) أي: لا أقابلك على صنيعك
الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة، ( إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) أي:من أن أصنع كما تريد أن
تصنع، بل أصبر وأحتسب.
قال عبد
الله بن عمرو:وأيم الله، إن كان لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج، يعني الورع.
ولهذا
ثبت في الصحيحين، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إذا تواجه المسلمان بسيفيهما،
فالقاتل والمقتول في النار » .
قالوا:يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: « إنه كان حريصا على قتل صاحبه
» .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا قُتَيْبَةُ بن سعيد، حدثنا لَيْثُ بن سعد، عن عَيَّاش بن عباس،
عن بكير بن عبد الله، عن بُسْر بن سعيد ؛ أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة
عثمان:أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير
من الماشي، والماشي خير من الساعي » . قال:أفرأيت إن دخل عليّ بيتي فبسط يده إليَّ ليقتلني قال: « كن كابن آدم » .
وكذا
رواه الترمذي عن قُتَيْبَة بن سعيد وقال:هذا الحديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة،
وخَباب بن الأرت، وأبي بَكْرَة وابن مسعود، وأبي واقد، وأبي موسى، وخَرَشَة. ورواه
بعضهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلا.
قال
الحافظ ابن عساكر:الرجل هو حسين الأشجعي.
قلت:وقد
رواه أبو داود من طريقه فقال:حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا المفضل، عن عياش بن
عباس عن بُكَيْر، عن بُسْر بن سعيد عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعي؛ أنه سمع سعد بن
أبي وقاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث قال:فقلت:يا رسول الله،
أرأيت إن دخل عليّ بيتي وبسط يده ليقتلني؟ قال:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
« كن
كابن آدم » وتلا
يزيد: (
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ
إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ )
قال أيوب
السَّخْتَياني:إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة: ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ
يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي
أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) لَعُثْمان بن عفان رضي الله عنه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا مَرْحوم، حدثني أبو عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن
أبي ذر قال:ركب النبي صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه، وقال: « يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب
الناس جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ » . قال:قال الله ورسوله أعلم.
قال: « تعفف » قال: « يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب
الناس موتٌ شديد، ويكون البيت فيه بالعبد، يعني القبر، كيف تصنع؟ » قلت:الله ورسوله أعلم. قال: « اصبر » . قال: « يا أبا ذر، أرأيت إن قتل
الناس بعضهم بعضا، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء، كيف تصنع؟ » . قال:الله ورسوله أعلم. قال: « اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك
» .
قال:فإن لم أتْرَك؟ قال: « فأت من
أنت منهم، فكن فيهم »
قال:فآخذ سلاحي؟ قال: « إذًا تشاركهم
فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء
بإثمه وإثمك » .
رواه
مسلم وأهل السنن سوى النسائي، من طرق عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت
به ورواه أبو داود وابن ماجه، من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المُشَعَّث
بن طريف، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر بنحوه.
قال أبو
داود:ولم يذكر المشعث في هذا الحديث غير حماد بن زيد.
وقال ابن
مَرْدُويَه:حدثنا محمد بن علي بن دُحَيْم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قَبِيصَة بن
عُقْبَة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن رِبْعِيّ قال:كنا في جنازة حُذَيفة، فسمعت
رجلا يقول:سمعت هذا يقول في ناس:مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى
بيت في داري، فلألجنَّه، فلئن دخل عَليّ فلان لأقولن:ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون
كخير ابني آدم » .
وقوله: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ
بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ
الظَّالِمِينَ ) قال
ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسُّدِّي، في قوله: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ
بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ )
أي:بإثم قتلي وإثمك الذي عليك قبل ذلك.
قال ابن
جرير:وقال آخرون:يعني ذلك أني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك
إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا؛ لأن الصحيح من الرواية عنه
خلافه. يعني:ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ
بِإِثْمِي ) قال:بقتلك
إياي، (
وَإِثْمِكَ )
قال:بما كان منك قبل ذلك.
وكذا روى
عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثْله، وروى شِبْل عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد:
(
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ ) يقول:إني أريد أن يكون عليك
خطيئتي ودمي، فتبوء بهما جميعًا.
قلت:وقد
يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له:ما ترك القاتل على
المقتول من ذنب.
وقد روى
الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال:حدثنا عمرو بن علي،
حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنَا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد،
عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قتل الصَّبْر لا يمر بذنب إلا
محاه » .
وهذا
بهذا لا يصح ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن
تحمل على القاتل فلا. ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول
يطالب القاتل في العَرَصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف
حقه أخذ من سيئات المقتول فطُرِحَت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة
إلا وضعت على القاتل. وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم
كلها، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم.
وأما ابن
جرير فقال والصواب من القول في ذلك أن يقال:إن تأويله:إني أريد أن تنصرف بخطيئتك
في قتلك إياي - وذلك هو معنى قوله: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي ) وأما معنى ( وَإِثْمِكَ ) فهو إثمه بغير قتله، وذلك
معصيته الله، عز وجل، في أعمال سواه.
وإنما
قلنا هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه، وأن الله، عز وجل، أخبرنا أن كل عامل
فجزاء عمله له أو عليه وإذا كان هذا حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول
مأخوذًا بهذا القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثام معاصيه
التي ارتكبها بنفسه دون ما ركبه قتيله.
هذا لفظه
ثم أورد سؤالا حاصله:كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله، وإثم نفسه،
مع أن قتله له محرم؟ وأجاب بما حاصله أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن
قاتله، بل يكف يده عنه، طالبًا - إنْ وقع قتل- أن يكون من أخيه لا منه.
قلت:وهذا
الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر؛ ولهذا قال: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ
بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ )
أي:تتحمل إثمي وإثمك (
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ )
وقال ابن
عباس:خوفه النار فلم ينته ولم ينزجر.
وقوله
تعالى: (
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ
الْخَاسِرِينَ )
أي:فحسنت وسوّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي:بعد هذه الموعظة وهذا
الزجر.
وقد تقدم
في الرواية عن أبي جعفر الباقر، وهو محمد بن علي بن الحسين:أنه قتله بحديدة في
يده.
وقال
السُّدِّي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن عبد الله، وعن
ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) فطلبه ليقتله، فراغ الغلام
منه في رءوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعى غنمًا له، وهو نائم فرفع
صخرة، فشدخ بها رأسه فمات، فتركه بالعَرَاء. رواه ابن جرير.
وعن بعض
أهل الكتاب:أنه قتله خنقًا وعضًّا، كما تَقْتُل السباع، وقال ابن جرير لما أراد أن
يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة ووضع رأسها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب
به رأسها حتى قتلها، وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابن أبي حاتم.
وقال عبد
الله بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه قال:أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع
له، وجعل يغمز رأسه وعظامه ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال:أتريد أن تقتله؟
قال:نعم. قال:فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه. قال:فأخذها، فألقاها عليه، فشَدَخ
رأسه. ثم جاء إبليس إلى حواء مسرعًا، فقال:يا حواء، إن قابيل قتل هابيل. فقالت
له:ويحك. أيّ شيء يكون القتل؟ قال:لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك. قالت:ذلك الموت.
قال:فهو الموت. فجعلت تصيح حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال:ما لك؟ فلم تكلمه،
فرجع إليها مرتين، فلم تكلمه. فقال:عليك الصيحة وعلى بناتك، وأنا وبنيّ منها برآء.
رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ( فَأَصْبَحَ مِنَ
الْخَاسِرِينَ ) أي:في
الدنيا والآخرة، وأيّ خسارة أعظم من هذه؟ . و قد قال الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية
ووَكِيع قالا حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تُقتَل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من
دمها، لأنه كان أول من سن القتل » .
وقد
أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق، عن الأعمش، به.
وقال ابن
جرير:حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج قال:قال ابن جُرَيْج:قال
مجاهد:عُلّقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه
في الشمس حيثما دارت دار، عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من
ثلج - قال:وقال عبد الله بن عمرو:إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة
صحيحة العذابِ، عليه شطر عذابهم.
وقال ابن
جرير:حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدّث عن
عبد الله بن عمرو أنه كان يقول:إن أشقى أهل النار رجلا ابن آدم الذي قتل أخاه، ما
سُفِك دم في الأرض منذ قَتَل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شر، وذلك أنه
أول من سَنّ القتل.
وقال
إبراهيم النخعي:ما من مقتول يقتل ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كِفْل
منه.
رواه ابن
جرير أيضًا.
وقوله
تعالى: (
فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي
سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا
الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) قال السدي بإسناده المتقدم
إلى الصحابة:لما مات الغلام تركه بالعَرَاء، ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين
أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه. فلما رآه قال: ( قَالَ يَا وَيْلَتَى
أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ) .
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:جاء غراب إلى غراب ميت، فبَحَث عليه من التراب حتى
واراه، فقال الذي قتل أخاه: ( قَالَ
يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ
سَوْأَةَ أَخِي )
وقال
الضحاك، عن ابن عباس:مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله
الغُرابين، فرآهما يبحثان، فقال: ( أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ) فدفن أخاه.
وقال
لَيْثُ بن أبي سليم، عن مجاهد:وكان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتًا، لا يدري ما
يصنع به يحمله، ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: ( يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ
أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّادِمِينَ ) رواه
ابن جرير وابن أبي حاتم.
وقال
عطية العوفي:لما قتله ندم. فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع تنتظر
متى يرمي به فتأكله. رواه ابن جرير.
وقال
محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول:لما قتله سُقِط في يديه، ولم يدر
كيف يواريه. وذلك أنه كان، فيما يزعمون، أول قتيل في بني آدم وأول ميت ( فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا
يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا
وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ
أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) قال:وزعم أهل التوراة أن قابيلًا لما قتل أخاه هابيل، قال
له الله، عز وجل:يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال:قال:ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا.
فقال الله:إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض، والآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت
فاها فبلعت دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى
تكون فزعًا تائهًا في الأرض.
وقوله: ( فَأَصْبَحَ مِنَ
النَّادِمِينَ ) قال
الحسن البصري:علاه الله بندامة بعد خسران.
فهذه
أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو
ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: « إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها؛ لأنه أول من سن
القتل » . وهذا
ظاهر جَليّ، ولكن قال ابن جرير:
حدثنا
ابن وَكِيع، حدثنا سَهْل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن - هو البصري- قال:كان الرجلان
اللذان في القرآن، اللذان قال الله: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ ) من بني إسرائيل، ولم يكونا
ابني آدم لصلبه، وإنما كان القُربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات. وهذا
غريب جدًّا، وفي إسناده نظر.
وقد قال
عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن ابني آدم، عليه السلام،
ضُربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما »
ورواه
ابن المبارك عن عاصم الأحول، عن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله ضرب لكم ابني آدم
مثلا فخذوا من خيرهم ودعوا الشر » .
وكذا
أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني، روى ذلك كله ابن جرير.
وقال
سالم بن أبي الجَعْد:لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك، ثم
أتي فقيل له:حياك الله وبيّاك. أي:أضحكك.
رواه ابن
جرير، ثم قال:حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا سلمة، عن غِياث بن إبراهيم عن أبي إسحاق الهمْداني
قال:قال علي بن أبي طالب:لما قتل ابن آدم أخاه، بكاه آدم فقال:
تَغــيَّرت
البــلاد ومَــنْ عَلَيهــا فَلَـــوْنُ الأرض مُغْــــبر قَبيــح
تغــيَّر
كــل ذي لــون وطعــم وقــلَّ بَشَاشَــة الوجْــه المليــح
فأجيب
آدم عليه السلام:
أبَــا
هَــابيـل قَــدْ قُتـلا جَميعًـا وصـار الحـي كــالميْت الذبيـح
وجَــاء
بشــرةٍ قــد كـان مِنْهـا عَــلى خَـوف فجــاء بهـا يَصيـح
والظاهر
أن قابيل عُوجل بالعقوبة، كما ذكره مجاهد بن جَبْر أنه علقت ساقه بفخذه يوم قتله،
وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت عقوبة له وتنكيلا به. وقد ورد في الحديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم [ أنه
] قال: « ما من ذنب أجدر أن يُعَجَّل
الله عقوبته في الدنيا مع ما يَدَّخر لصاحبه في الآخرة، من البَغْي وقطيعة الرحم » . وقد اجتمع في فعل قابيل هذا
وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
مِنْ
أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ
رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي
الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ( 32 )
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ
فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 33 ) إِلا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 )
يقول
تعالى: ( مِنْ أَجْلِ ) قَتْل
ابن آدم أخاه ظلما وعدوانًا: ( كَتَبْنَا عَلَى بَنِي
إِسْرَائِيلَ ) أي:شرعنا لهم وأعلمناهم (
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا
النَّاسَ جَمِيعًا ) أي:ومن قتل نفسًا بغير سبب من
قصاص، أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب ولا جناية، فكأنما قتل الناس
جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس، (
وَمَنْ أَحْيَاهَا ) أي:حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد
سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار؛ ولهذا قال: (
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) .
وقال
الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:دخلت على عثمان يوم الدار فقلت:جئت
لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال:يا أبا هريرة، أيسرك أن تَقْتُل
الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت:لا. قال فإنك إن قتلت رجلا واحدًا فكأنما قتلت الناس
جميعًا، فانْصَرِفْ مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال:فانصرفت ولم أقاتل.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس:هو كما قال الله تعالى: ( مَنْ
قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ
جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )
وإحياؤها:ألا يقتل نفسًا حَرّمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا، يعني:أنه من
حَرّم قتلها إلا بحق، حَيِي الناس منه [
جميعا ]
وهكذا
قال مجاهد: ( وَمَنْ أَحْيَاهَا ) أي:كف
عن قتلها.
وقال
العَوْفِيّ عن ابن عباس، في قوله: (
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا )
يقول:من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا. وقال سعيد بن
جبير:من استحل دمَ مُسْلِم فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم
فكأنما حرم دماء الناس جميعًا.
هذا قول،
وهو الأظهر، وقال عِكْرمة والعوفي، عن ابن عباس [ في
قوله: ( فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا )
يقول ] من قتل نبيًا أو إمام عَدْل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن
شَدّ على عَضد نبي أو إمام عَدل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير.
وقال
مجاهد في رواية أخرى عنه:من قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا؛ وذلك
لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس كلهم.
وقال ابن
جُرَيْج عن الأعرج، عن مجاهد في قوله: (
فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) من قتل
النفس المؤمنة متعمدا، جعل الله جزاءه جهنم، وغضب الله عليه ولعنه، وأعد له عذابًا
عظيمًا، يقول:لو قتل الناس جميعًا لم يزد على مثل ذلك العذاب.
قال ابن
جريج:قال مجاهد ( وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) قال:من
لم يقتل أحدًا فقد حيي الناس منه.
وقال عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم:من قتل نفسًا فكأنما قتل الناس [
جميعا ] يعني:فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة (
وَمَنْ أَحْيَاهَا ) أي:عفا عن قاتل وليه، فكأنما
أحيا الناس جميعًا. وحكي ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير.
وقال
مجاهد - في رواية- : ( وَمَنْ أَحْيَاهَا )
أي:أنجاها من غَرق أو حَرق أو هَلكة.
وقال
الحسن وقتادة في قوله: ( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) هذا
تعظيم لتعاطي القتل - قال قتادة:عَظُم والله وزرها، وعظم والله أجرها.
وقال ابن
المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الرِّبْعِي قال:قلت للحسن:هذه الآية
لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال:إي والذي لا إله غيره، كما كانت
لبني إسرائيل. وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.
وقال
الحسن البصري: ( فَكَأَنَّمَا قَتَلَ
النَّاسَ جَمِيعًا ) قال:وزرًا. (
وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )
قال:أجرًا.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا حُيَي بن عبد الله، عن أبي عبد
الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال:جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك
أم نفس تميتها؟ » قال:بل نفس أحييها:قال: « عليك
بنفسك » .
وقوله: (
وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ )
أي:بالحجج والبراهين والدلائل الواضحة ( ثُمَّ
إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ ) وهذا
تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قُرَيْظَة
والنَّضير وغيرهم من بني قَيْنُقاع ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا
يقاتلون مع الأوس والخزرج إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب
أوزارها فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة،
حيث يقول: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ
أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ
أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ
دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ
يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ
أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ
يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا
تَعْمَلُونَ [ البقرة:84 ، 85 ] .
وقوله
تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا
أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ
الأرْضِ ) الآية. المحاربة:هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على
الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من
الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب:إن قرض الدراهم والدنانير من
الإفساد في الأرض، وقد قال الله تعالى: وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ
لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
الْفَسَادَ [ البقرة:205 ] .
ثم قال
بعضهم:نزلت هذه الآية الكريمة في المشركين، كما قال ابن جرير:
حدثنا ابن
حُمَيْد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عِكْرِمَة والحسن
البصري قالا [ قال تعالى ] (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) إلى ( أَنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) نزلت هذه الآية في المشركين،
فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه، لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية
الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض أو حارب الله ورسوله، ثم لحق
بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.
ورواه
أبو داود والنسائي، من طريق عكرمة، عن ابن عباس: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأرْضِ فَسَادًا ) نزلت في المشركين، فمن تاب
منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأرْضِ فَسَادًا ) قال:كان قوم من أهل الكتاب،
بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض،
فخيَّر الله رسوله:إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه
ابن جرير.
وروى
شعبة، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن مُصْعَب بن سعد، عن أبيه قال:نزلت في
الحرورية: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا ) رواه
ابن مردويه.
والصحيح
أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري
ومسلم من حديث أبي قِلابة - واسمه عبد الله بن زيد الجَرْمي البصري- عن أنس بن
مالك:أن نفرًا من عُكْل ثمانية، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه
على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسَقَمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: « ألا تخرجون مع راعينا في إبله
فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ » فقالوا:بلى. فخرجوا، فشربوا من
أبوالها وألبانها، فَصَحُّوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله
عليه وسلم فبعث في آثارهم، فأُدْرِكُوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم،
وسُمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا.
لفظ
مسلم. وفي لفظ لهما: « من عكل أو عُرَيْنَة » ، وفي
لفظ: « وألقوا في الحَرَّة فجعلوا يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون » . وفي
لفظ لمسلم: « ولم يَحْسمْهم » . وعند
البخاري:قال أبو قلابة:فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله
ورسوله. ورواه مسلم من طريق هُشَيْم، عن عبد العزيز بن صُهَيب وحميد، عن أنس، فذكر
نحوه، وعنده: « وارتدوا » . وقد أخرجاه من رواية قتادة
عن أنس، بنحوه. وقال سعيد عن قتادة: « من عكل
وعُرَينة » . ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس قال:إنما سَمَلَ
النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء. ورواه مسلم، من
حديث معاوية بن قرة عن أنس قال:أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من عُرَينة،
فأسلموا وبايعوه، وقد وقع بالمدينة المُومُ - وهو البرْسام- ثم ذكر نحو حديثهم،
وزاد:وعنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا فأرسلهم، وبعث معهم قائفًا
يَقْتَصّ أثرهم. وهذه كلها ألفاظ مسلم، رحمه الله.
وقال
حماد بن سلمة:حدثنا قتادة وثابت البنَاني وحُمَيْد الطويل، عن أنس بن مالك:أن
ناسًا من عُرَينة قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا، فصَحُّوا
فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
في آثارهم، فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسَمَرَ أعينهم وألقاهم في
الحرة. قال أنس:فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الآية.
وقد رواه
أبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه - وهذا لفظه- وقال الترمذي: « حسن
صحيح » .
وقد رواه
ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك، منها ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبى
الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال:ما ندمتُ على حديث ما ندمت على حديث سألني
عنه الحجاج قال أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال:قلت:قَدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عُرَيْنة، من البحرين،
فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم،
وضَخُمت بطونهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة،
فيشربوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم وانخمصت بطونهم عَدَوا
على الراعي فقتلوه، واستاقوا الإبل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في
آثارهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا. فكان
الحجاج إذا صعد المنبر يقول:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قطع أيدي قوم
وأرجلهم ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا لِحال ذَوْدٍ [ من
الإبل ] وكان يحتج بهذا الحديث على الناس.
وقال ابن
جرير:حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد - يعني ابن مسلم- حدثني سعيد، عن قتادة، عن
أنس قال:كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عُكْل، فلما أتي بهم قطع أيديهم
وأرجلهم، وسَمَل أعينهم، ولم يحسمهم، وتركهم يتَلقَّمون الحجارة بالحرة، فأنزل
الله في ذلك: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الآية.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني عبد الرحمن بن الحسن
الزجاج- حدثنا أبو سعد - يعني البقال- عن أنس بن مالك قال:كان رهط من عُرَينة أتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم جَهْد، مُصْفرّة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم
أن يلحقوا بالإبل فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا، فصفت ألوانهم وخمصت
بطونهم، وسمنوا، فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في
طَلَبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسَمَرَ أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم،
ونزلت: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
) إلى آخر الآية.
وقال أبو
جعفر بن جرير:حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد
بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه
أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرنيين، وهم من بَجِيلة قال
أنس:فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا
الفرج الحرام.
وقال:حدثني
يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي
الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر - أو:عمرو، شك يونس- عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك - يعني بقصة العرَنيين- ونزلت فيهم آية
المحاربة. ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: « عن ابن
عمر » من غير شك.
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن خَلَف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن
عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال:قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
قومٌ من عُرَيْنَة حُفَاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما
صحوا واشتدوا قتلوا رعَاء اللقاح، ثم خرجوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم، قال
جرير:فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين حتى أدركناهم بعدما
أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطع أيديهم
وأرجلهم من خلاف، وسَمَل أعينهم، فجعلوا يقولون:الماء. ورسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: « النار » ! حتى هلكوا. قال:وكره الله، عز
وجل، سَمْل الأعين، فأنزل الله هذه الآية: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) إلى
آخر الآية.
هذا حديث
غريب وفي إسناده الرَّبَذيّ وهو ضعيف، وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو
جرير بن عبد الله البجلي وتقدم في صحيح مسلم أن السرية كانوا عشرين فارسا من
الأنصار. وأما قوله: « فكره الله سمل الأعين، فأنزل
الله هذه الآية » فإنه منكر، وقد تقدم في صحيح
مسلم أنهم سَملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصا، والله أعلم.
وقال عبد
الرزاق، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال:قدم
على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فَزَارة قد ماتوا هزلا. فأمرهم
النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه، فشربوا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه
فسرقوها، فطُلِبوا، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم،
وسَمَر أعينهم. قال أبو هريرة:ففيهم نزلت هذه الآية: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) فترك
النبي صلى الله عليه وسلم سَمْر الأعين بعدُ.
وروي من
وجه آخر عن أبي هريرة.
وقال أبو
بكر بن مردويه:حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التُسْتَرِيّ، حدثنا
أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى
بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن
الأكوع قال:كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له: « يَسار
» فنظر إليه يُحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحَرَّة،
فكان بها، قال:فأظهر قوم الإسلام من عُرَينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون قد عظمت
بطونهم، قال:فبعث بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى « يسار » فكانوا
يشربون من ألبان الإبل حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على « يسار » فذبحوه،
وجعلوا الشوك في عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم
خيلا من المسلمين، أميرهم كُرْزُ بن جابر الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع
أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. غريب جدًا.
وقد روى
قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم جابر وعائشة وغير واحد. وقد اعتنى
الحافظ الجليل أبو بكر بن مردُويه بتطريق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًا، فرحمه
الله وأثابه.
وقال ابن
جرير:حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقِيق، سمعت أبي يقول:سمعت أبا حمزة، عن عبد
الكريم - وسُئِلَ عن أبوال الإبل- فقال:حدثني سعيد بن جُبير عن المحاربين فقال:كان
أناس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:نبايعك على الإسلام. فبايعوه، وهم
كذَبَة، وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا:إنا نَجْتوي المدينة. فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: « هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا من أبوالها وألبانها
» قال:فبينا هم كذلك، إذ جاءهم الصريخ، فصرخ إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال:قتلوا الراعي، واستاقوا النعم. فأمر النبي صلى الله عليه
وسلم فنُودي في الناس:أن « يا خيل الله اركبي » .
قال:فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا، قال:وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثرهم،
فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: (
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الآية.
قال:فكان نفْيهم:أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين.
وقتل نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم، وصلب، وقطع، وسَمَر الأعين. قال:فما
مَثَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلُ ولا بعدُ. قال:ونهى عن المُثْلة، قال: « ولا
تمثلوا بشيء » قال:وكان أنس يقول ذلك، غير أنه قال:أحرقهم بالنار بعد ما
قتلهم.
قال:وبعضهم
يقول:هم ناس من بني سليم، ومنهم عُرينة ناس من بَجيلة.
وقد
اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العُرَنيين:هل هو منسوخ أو محكم؟ فقال بعضهم:هو منسوخ
بهذه الآية، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله [
تعالى ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [
التوبة:43 ] ومنهم من قال:هو منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن
المُثْلة. وهذا القول فيه نظر، ثم صاحبه مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن
المنسوخ. وقال بعضهم:كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، وفي هذا
نظر، فإن قصتهم متأخرة، وفي رواية جرير بن عبد الله لقصتهم ما يدل على تأخرها فإنه
أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال:لم يسمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم،
وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبيَّن حكم المحاربين. وهذا القول أيضا فيه
نظر؛ فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمَلَ - وفي رواية:سمر- أعينهم.
وقال ابن
جرير:حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال:ذاكرت الليث بن سعد ما كان من
سَمْل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم، وتَركه حَسْمهم حتى ماتوا، قال:سمعت محمد
بن عجلان يقول:أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك،
وعلَّمه عقوبة مثلهم:من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال:وكان هذا
القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي- فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال:بل كانت
عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم،
ورفع عنهم السمل.
ثم قد
احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي
السبلان على السواء لقوله: ( وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ
فَسَادًا ) وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد
بن حنبل، حتى قال مالك - في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتًا فيقتله،
ويأخذ ما معه- :إن هذا محاربة، ودمه إلى السلطان لا [ إلى
] ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.
وقال أبو
حنيفة وأصحابه:لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه
الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. [
والله أعلم ]
وأما
قوله: ( أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ
أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ )
الآية:قال [ علي ] بن أبي طلحة عن ابن عباس في [
قوله: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ ) ] الآية [ قال
] من شهر السلاح في قبَّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به
وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار:إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع
يده ورجله.
وكذا قال
سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النَّخَعي، والضحاك. وروى
ذلك كله أبو جعفر بن جرير، وحكي مثله عن مالك بن أنس، رحمه الله. ومستند هذا القول
أن ظاهر « أو » للتخيير، كما في نظائر ذلك من
القرآن، كقوله في جزاء الصيد: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ
بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ
مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [
المائدة:95 ] وقوله في كفارة الترفه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ
بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [
البقرة:196 ] وكقوله في كفارة اليمين: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ [ المائدة:89 ] . [ و ] هذه
كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور:هذه الآية منزلة على أحوال
كما قال أبو عبد الله الشافعي [ رحمه الله ] أنبأنا
إبراهيم - هو ابن أبي يحيى- عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق:إذا
قَتَلوا وأخذوا المال قُتلوا وصلبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم
يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا
السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض.
وقد رواه
ابن أبي شَيْبَة، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن عباس، بنحوه.
وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي،
وعطاء الخُراساني، نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.
واختلفوا:هل
يُصْلَب حيا ويُتْرَك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب، أو بقتله برمح ونحوه، أو يقتل
أولا ثم يصلب تنكيلا وتشديدا لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو
يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة وعليه التكلان.
ويشهد
لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن صح سنده- فقال:
حدثنا
علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أن عبد
الملك بن مروان كتب إلى أنس [ بن مالك ] يسأله
عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره:أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العُرَنِيِّين -
وهم من بَجِيلة- قال أنس:فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل،
وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس:فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم
جبريل، عليه السلام، عن القضاء فيمن حارب، فقال:من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده
بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج
الحرام، فاصلبه.
وأما
قوله تعالى: ( أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ) قال
بعضهم:هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد أو يهرب من دار الإسلام.
رواه ابن
جرير عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس،
والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.
وقال
آخرون:هو أن ينفى من بلده إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان أو نائبه من معاملته
بالكلية، وقال الشعبي:ينفيه - كما قال ابن هبيرة- من عمله كله. وقال عطاء
الخراساني:ينفى من جُنْد إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإسلام.
وكذا قال
سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان:إنه ينفى
ولا يخرج من أرض الإسلام.
وقال
آخرون:المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واختار ابن جرير:أن
المراد بالنفي هاهنا:أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه.
وقوله: (
ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) أي:هذا
الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزْي لهم
بين الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم
القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل
الإسلام فقد ثبت في الصحيح عند مسلم، عن عبادة بن الصامت قال:أخذ علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء:ألا نشرك بالله شيئًا:ولا نسرق، ولا نزني،
ولا نقتل أولادنا ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، فمن وَفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب
من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمْرُه إلى الله، إن شاء عذبه
وإن شاء غفر له
وعن علي
[ رضي الله عنه ]
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من
أذنب ذنبًا في الدنيا، فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب
ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا
عنه » .
رواه
الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: « حسن
غريب » . وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال:روي مرفوعًا
وموقوفًا، قال:ورفعه صحيح.
وقال ابن
جرير في قوله: ( ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي
الدُّنْيَا ) يعني:شَرٌّ وعَارٌ ونَكَالٌ وذلة وعقوبة في عاجل الدنيا قبل
الآخرة، ( وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) أي:إذا
لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا - في الآخرة مع الجزاء الذي جازيتهم به في
الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم بها فيها - (
عَذَابٌ عَظِيمٌ ) يعني:عذاب جهنم.
وقوله: ( إِلا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أما على قول من قال:هي في أهل
الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط
عنهم انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان
للعلماء.
وظاهر
الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد
الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، عن مجاهد عن الشعبي قال:كان حارثة بن بدر التميمي من أهل
البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش منهم:الحسن بن علي، وابن
عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًا، فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني
فخلفه في داره، ثم أتى عليًا فقال:يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله
وسعى في الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: ( إِلا
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ )
قال:فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس:فإنه حارثة بن بدر.
وكذا
رواه ابن جرير من غير وجه، عن مجاهد عن الشعبي، به. وزاد:فقال حارثة بن بدر:
ألا
أبلغَـن هَمْــدان إمَّـا لقيـتَهـا عَـلى النَّـأي لا يَسْـلمْ عَـدو يعيبُها
لَعَمْــرُ
أبِيهـا إنَّ هَمْــدان تَتَّقِـي الـ إلَـه ويَقْضـي بالكتــاب خَطيبُهــا
وروى ابن
جرير من طريق سفيان الثوري، عن السُّدِّي - ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي
قال:جاء رجل من مَراد إلى أبي موسى، وهو على الكوفة في إمارة عثمان، رضي الله عنه،
بعدما صلى المكتوبة فقال:يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان
المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن
يُقْدر عليَّ. فقام أبو موسى فقال:إن هذا فلان بن فلان، وإنه كان حارب الله
ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من قبل أن يُقْدَرَ عليه، فمن لقيه فلا
يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه، فأقام
الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله.
ثم قال
ابن جرير:حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم قال:قال الليث، وكذلك حدثني موسى بن
إسحاق المدني، وهو الأمير عندنا:أن عليًا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم
والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقْدر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه
سمع رجلا يقرأ هذه الآية: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [
الزمر:53 ] ، فوقف عليه فقال:يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه،
فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا. حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما
أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائبًا من قبل أن
تقدروا علي. فقال أبو هريرة:صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم -
وهو أمير على المدينة في زمن معاوية- فقال:هذا عليّ جاء تائبا، ولا سبيل لكم عليه
ولا قتل. قال:فتُرك من ذلك كله، قال:وخرج عليّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في
البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في
سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت به وبهم، فغرقوا جميعًا. .
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ
مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ
مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 36 )
يقول تعالى آمرًا عباده
المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بالطاعة كان المراد بها الانكفاف عن المحارم وترك
المنهيات، وقد قال بعدها: ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ
الْوَسِيلَةَ ) قال سفيان الثوري، حدثنا أبي، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن
عباس:أي القربة. وكذا قال مجاهد [
وعطاء ] وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي،
وابن زيد.
وقال قتادة:أي تقربوا إليه
بطاعته والعمل بما يرضيه. وقرأ ابن زيد: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [
الإسراء:57 ] وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه
وأنشد ابن جرير عليه قول الشاعر
إذا غَفَــل الواشُـون عُدنَـا
لِوصْلنَـا وعَــاد التَّصَـافي بَيْنَنَـا والوسَـائلُ
والوسيلة:هي التي يتوصل بها إلى
تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا:علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقد ثبت في
صحيح البخاري، من طريق محمد بن المُنكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « من قال حين يسمع النداء:اللهم
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه
مقامًا محمودا الذي وعدته، إلا حَلَّتْ له الشفاعة يوم القيامة » .
حديث آخر في صحيح مسلم:من حديث
كعب عن علقمة، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل
ما يقول، ثم صلُّوا عَليّ، فإنه من صلى عَليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم
سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله،
وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حَلًّتْ عليه الشفاعة. »
حديث آخر:قال الإمام أحمد:حدثنا
عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن لَيْث، عن كعب، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: « إذا صليتم عَليّ فَسَلُوا لي
الوسيلة » . قيل:يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: « أعْلَى
درجة في الجنة، لا ينالها إلا رَجُلٌ واحد وأرجو أن أكون أنا هو » .
ورواه الترمذي، عن بُنْدَار، عن
أبي عاصم، عن سفيان - هو الثوري- عن لَيْث بن أبي سُلَيم، عن كعب قال:حدثني أبو
هريرة، به. ثم قال:غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي
سليم.
طريق أخرى:عن أبي هريرة، رضي
الله عنه، قال أبو بكر بن مَرْدُويه:حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا محمد بن نصر
الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلى، عن محمد بن
كعب، عن أبي هريرة رفعه قال: « صلوا عليَّ صلاتكم، وسَلُوا
الله لي الوسيلة » . فسألوه وأخبرهم: « أن
الوسيلة درجة في الجنة، ليس ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكونه » .
حديث آخر:قال الحافظ أبو القاسم
الطبراني:أخبرنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا
موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « سلوا الله لي الوسيلة، فإنه
لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدا - أو:شفيعًا- يوم القيامة » .
ثم قال الطبراني: « لم
يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين » . كذا
قال، وقد رواه ابن مَرْدُويه:حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم،
حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر
بإسناده نحوه.
حديث آخر:روى ابن مردويه
بإسناده عن عمارة بن غَزِيةَ، عن موسى بن وَرْدان:أنه سمع أبا سعيد الخدري
يقول:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن
الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسَلُوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقه
» .
حديث آخر:روى ابن مردويه أيضًا
من طريقين، عن عبد الحميد بن بحر:حدثنا شَريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي،
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « في
الجنة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة » .
قالوا:يا رسول الله، من يسكن معك؟ قال: « علي
وفاطمة والحسن والحسين » .
هذا حديث غريب منكر من هذا
الوجه
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا الحسن الدَّشْتَكِيّ، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طَرِيف، عن علي
بن الحسين الأزْدِي - مولى سالم بن ثَوْبان- قال:سمعت علي بن أبي طالب ينادي على
منبر الكوفة:يا أيها الناس، إن في الجنة لؤلؤتين:إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء،
أما الصفراء فإنها إلى بُطْنَان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون
ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسرتها وكأنها من عرق واحد،
واسمها الوسيلة، هي لمحمد صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك،
هي لإبراهيم، عليه السلام، وأهل بيته.
وهذا أثر غريب أيضا
وقوله: (
وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) لما
أمرهم بترك المحارم وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين
الخارجين عن الطريق المستقيم، التاركين للدين القويم، ورغبهم في ذلك بالذي أعده
للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العظيمة الخالدة المستمرة
التي لا تَبِيد ولا تَحُول ولا تزول في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة
مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها يَنْعَم لا ييأس، ويحيا لا يموت، لا تبلى
ثيابه، ولا يفنى شبابه.
ثم أخبر تعالى بما أعد لأعدائه
الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة، فقال: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي:لو أن أحدهم جاء يوم
القيامة بملء الأرض ذهبًا، وبمثله ليفتدي بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به وتيقن
وصوله إليه ما تُقُبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه ولا محيص له ولا مناص ؛ ولهذا قال:
( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
أي:موجع.
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ
بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) .
(
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) كما
قال تعالى: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا
فِيهَا الآية [ الحج:22
] ، فلا
يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، كلما
رفعهم اللهب فصاروا في أعالي جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردونهم إلى
أسفلها، (
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ )
أي:دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها.
وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « يُؤتَى
بالرجل من أهل النار، فيقول:يا ابن آدم، كيف وجدت مَضْجَعك؟ فيقول:شَرَّ مضجع،
فيقول:هل تفتدي بقُراب الأرض ذهبًا؟ » قال: « فيقول:نعم،
يا رب! فيقول:كذبت! قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل:فيؤمر به إلى النار » .
رواه مسلم والنسائي من طريق حماد بن سلمة بنحوه. وكذا رواه
البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام الدَّسْتَوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس،
به. وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجَوْني، واسمه عبد الملك بن حبيب، عن أنس بن
مالك، به. ورواه مَطَر الورَّاق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه، عنه.
ثم رواه ابن مَردويه، من طريق المسعودي، عن يزيد بن صُهَيب
الفقير، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ قال ] « يخرج من النار قوم فيدخلون
الجنة »
قال:فقلت لجابر بن عبد الله:يقول الله: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ
بِخَارِجِينَ مِنْهَا )
قال:اتل أول الآية: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ
لِيَفْتَدُوا بِهِ ) الآية،
ألا إنهم الذين كفروا.
وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد
الفقير، عن جابر وهذا أبسط سياقًا.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الحسين بن محمد بن شنبة الواسطي،
حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير قال:جلست إلى جابر
بن عبد الله، وهو يحدث، فحدّث أن أُنَاسًا يخرجون من النار - قال:وأنا يومئذ أنكر
ذلك، فغضبت وقلت:ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! تزعمون أن الله
يخرج ناسًا من النار، والله يقول: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ
بِخَارِجِينَ مِنْهَا [
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ] ) فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم
فقال:دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي
الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ ) حتى
بلغ: (
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ) أما
تقرأ القرآن؟ قلت:بلى قد جمعته قال:أليس الله يقول: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ
بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ؟ [ الإسراء:79 ] فهو ذلك المقام، فإن الله [ تعالى ] يحتبس أقوامًا بخطاياهم في
النار ما شاء، لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال:فلم أعد بعد ذلك إلى أن
أكذب به.
ثم قال ابن مردويه:حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا عمرو بن حفص
السَّدُوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المُهَلَّب،
حدثني طَلْق بن حبيب قال:كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد
الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله [ تعالى ] فيها
خلود أهل النار، فقال:يا طلق، أتُرَاك أَقْرَأُ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها،
هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها ثم أهوى بيديه
إلى أذنيه، فقال صُمَّتًا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يخرجون من النار بعدما دخلوا
» . ونحن
نقرأ كما قرأت.
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ
ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ ( 39 ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ
لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 )
يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة، وروى
الثوري عن جابر بن يزيد الجُعْفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي؛ أن ابن مسعود كان
يقرؤها: «
والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما » . وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا
لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية،
فقُرِّرَ في الإسلام وزيدت شروط أخَر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت
القسامة والدية والقرَاض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت
عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال:إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش،
قطعوا رجلا يقال له: « دويك » مولى لبني مُلَيح بن عمرو من خُزَاعة،
كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال:سرقه قوم فوضعوه عنده.
وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق
شيئًا قطعت يده به، سواء كان قليلا أو كثيرًا؛ لعموم هذه الآية: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) فلم
يعتبروا نصابًا ولا حِرْزًا، بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد المؤمن، عن
نَجْدَة الحَنَفِي قال:سألت ابن عباس عن قوله: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) أخاص أم عام؟
فقال:بل عام.
وهذا يحتمل أن يكون موافقة من ابن عباس لما ذهب إليه هؤلاء،
ويحتمل غير ذلك، فالله أعلم.
وتمسكوا بما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: « لَعَن
الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده » . وأما الجمهور فاعتبروا
النصاب في السرقة، وإن كان قد وقع بينهم الخلاف في قدره، فذهب كل من الأئمة
الأربعة إلى قول على حِدَةٍ، فعند الإمام مالك بن أنس، رحمه الله:النصاب ثلاثة
دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقها وجب القطع، واحتج في
ذلك بما رواه عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مِجَن
ثمنه ثلاثة دراهم. أخرجاه في الصحيحين.
قال مالك، رحمه الله:وقطع عثمان، رضي الله عنه، في أتْرُجَّة
قُوِّمَت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان، رضي الله
عنه، قد رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن:أن
سارقًا سرق في زمان عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تُقَوم، فَقُومَت بثلاثة دراهم
من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطع عثمان يده.
قال أصحاب مالك:ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى
الإجماع السُّكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافًا للحنفية. وعلى اعتبار
ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع
دينار، والله أعلم.
وذهب الشافعي، رحمه الله، إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق
بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا. والحجة في ذلك ما أخرجه
الشيخان:البخاري ومسلم، من طريق الزهري، عن عَمْرة، عن عائشة، رضي الله عنها؛ أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا » .
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة،
عن عائشة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا » .
قال أصحابنا:فهذا الحديث فاصل في المسألة ونص في اعتبار ربع
الدينار لا ما ساواه. قالوا:وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم، لا ينافي هذا؛
لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذه
الطريق.
ويروى هذا المذهبُ عن عُمَر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي
بن أبي طالب، رضي الله عنهم. وبه يقول عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد،
والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه - في رواية عنه- وأبو ثور، وداود
بن علي الظاهري، رحمهم الله.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه - في رواية عنه-
إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مَرَدٌ شرعي، فمن سرق واحدًا منهما،
أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة، رضي الله عنهما، ووقع في لفظ
عند الإمام أحمد، عن عائشة [ رضي
الله عنها ] أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك » وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة
دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي:لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن
المجن. قيل لعائشة:ما ثمن المجَن؟ قالت:ربع دينار.
فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه:أبو يوسف، ومحمد، وزُفَر، وكذا
سفيان الثوري، رحمهم الله، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة.
واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
كان ثمنه عشرة دراهم. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة:حدثنا ابن نُمَير وعبد الأعلى
وعن محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال:كان ثمن المجن على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم.
ثم قال:حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تقطع يد السارق في دون ثمن
المِجَن » . وكان
ثمن المجن عشرة دراهم.
قالوا:فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في
ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وذهب بعض السلف إلى أنه تُقْطَعُ يدُ السارق في عشرة دراهم،
أو دينار، أو ما يبلغ قيمته واحدًا منهما، يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم
النَّخَعِي ، وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.
وقال بعض السلف:لا تقطع الخمس إلا في خمس، أي:في خمسة دنانير،
أو خمسين درهمًا. وينقل هذا عن سعيد بن جبير، رحمه الله.
وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: « يَسْرقُ البيضة فتقطع يده،
ويسرق الحبل فتقطع يده » بأجوبة:
أحدها:أنه منسوخ بحديث عائشة. وفي هذا نظر؛ لأنه لا بد من
بيان التاريخ.
والثاني:أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن، قاله الأعمش فيما
حكاه البخاري وغيره عنه.
والثالث:أن هذا وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى
الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر
عليه في الجاهلية، حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده
الثمينة في الأشياء المهينة.
وقد ذكروا أن أبا العلاء المَعرِّي، لما قدم بغداد، اشتهر عنه
أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا
دل على جهله، وقلة عقله فقال:
يَدٌ بخـمس مئيـن عسجـد وديـَتُ مـا بالهـا قُطعَـتْ فـي
رُبْـع دينار
تَنــاقض مـا لنـا إلا السـكوت لـه وأن نَعُــوذ بمَـوْلانــا
من النـارِ
ولما قال ذلك واشتهر عنه تَطَلّبه الفقهاء فهرب منهم. وقد
أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي، رحمه الله، أنه قال:لما
كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. ومنهم من قال:هذا من تمام الحكمة والمصلحة
وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة
دينار لئلا يُجْنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع
دينار لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب؛
ولهذا قال [
تعالى ] ( جَزَاءً بِمَا كَسَبَا
نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي:مجازاة على صنيعهما السِّيئ في أخذهما أموال الناس
بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك ( نَكَالا مِنَ اللَّهِ ) أي:تنكيلا من الله بهما على ارتكاب ذلك ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) أي:في انتقامه ( حِكِيمٌ ) أي:في أمره ونهيه وشرعه
وقدره.
ثم قال تعالى: ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ
اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) أي:من تاب بعد سرقته وأناب
إلى الله، فإن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلا بد من ردها
إليهم أو بدلها عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة:متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها.
وقد روى الحافظ أبو الحسن الدارقطني من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي
هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قد سرق شملة فقال: « ما إخَاله سرق » ! فقال السارق:بلى يا رسول
الله. قال: « اذهبوا
به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به » . فقطع فأتي به، فقال: « تب إلى الله » . فقال:تبت إلى الله. فقال: « تاب الله عليك » .
وقد روي من وجه آخر مرسلا ورجح إرساله علي بن المديني وابن
خُزَيْمة رحمهما الله، روى ابن ماجه من حديث ابن لَهِيعَة، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه؛ أن عَمْرو بن سَمُرة بن حبيب بن عبد
شمس جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان
فطهرني! فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:إنا افتقدنا جملا لنا. فأمر
به فقطعت يده. قال ثعلبة:أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول:الحمد لله الذي
طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار.
وقال ابن جرير:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا
ابن لَهِيعَة، عن حُيَي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن
عمرو قال:سرقت امرأة حُليًّا، فجاء الذين سرقتهم فقالوا:يا رسول الله، سرقتنا هذه
المرأة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اقطعوا يدها اليمنى » . فقالت المرأة:هل من توبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أنت
اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك » !
قال:فأنزل الله عز وجل: (
فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وقد رواه الإمام أحمد بأبسط من هذا، فقال:حدثنا حسن، حدثنا
ابن لَهيعة، حدثني حُيَي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن
عمرو؛ أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بها الذين سرقتهم
فقالوا:يا رسول الله، إن هذه المرأة سرقتنا! قال قومها:فنحن نفديها، فقال رسول
الله: « اقطعوا
يدها »
فقالوا:نحن نفديها بخمسمائة دينار. قال: « اقطعوا يدها » . قال:فقطعت يدها اليمنى. فقالت المرأة:هل لي من توبة يا
رسول الله؟ قال: « نعم،
أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك » . فأنزل الله في سورة المائدة: ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ
ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ )
وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت في
الصحيحين، من رواية الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة؛ أن قريشا أهمهم شأنُ المرأة
التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة الفتح، فقالوا:من يكلم فيها
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا:ومن يَجْتَرِئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأتي بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه
فيها أسامة بن زيد، فتلوّن وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « أتشفع في حَدٍّ من حدود الله،
عز وجل؟ » فقال له
أسامة:استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العَشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: « أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق
فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي
بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها » . ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة [ رضي الله عنها ] فحَسنَتْ توبتها بعد، وتزوجت،
وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا لفظ مسلم وفي لفظ له عن عائشة قالت:كانت امرأة مخزومية
تستعير المتاع وتجحده، فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
وعن ابن عمر قال:كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة
جاراتها وتجحده، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنسائي - وهذا لفظه- وفي لفظ
له:أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « لتتب هذه
المرأة إلى الله ورسوله وترد ما تأخذ على القوم » ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها
»
وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب « الأحكام » ، ولله الحمد والمنة.
ثم قال تعالى: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) أي:هو
المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه، الذي لا مُعَقِّبَ لحكمه، وهو الفعال لما يريد ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ
وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ
يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ
وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ
مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ
فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ
شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 41 )
نـزلت
هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله،
المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله، عز وجل ( مِنَ الَّذِينَ قَالُوا
آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) أي:أظهروا الإيمان بألسنتهم،
وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. ( وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ) أعداء الإسلام وأهله. وهؤلاء كلهم ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) أي:يستجيبون له، منفعلون عنه
(
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) أي:يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد.
وقيل:المراد أنهم يتسمعون الكلام، ويُنْهُونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك،
من أعدائك (
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) أي:يتأولونه على غير تأويله، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم
يعلمون (
يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا )
قيل:نـزلت
في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا:تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا
بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
والصحيح
أنها نـزلت في اليهوديَّيْن اللذين زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم،
من الأمر برجم من أحْصن منهم، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة،
والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي صلى
الله عليه وسلم، قالوا فيما بينهم:تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد
والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد
حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
وقد وردت
الأحاديث بذلك، فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال:إن اليهود جاءوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما
تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ »
فقالوا:نفضحهم ويُجْلَدون. قال عبد الله بن سلام:كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا
بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال
له عبد الله بن سلام:ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد،
فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يَحْني
على المرأة يقيها الحجارة.
وأخرجاه
وهذا لفظ البخاري. وفي لفظ له: « فقال
لليهود:ما تصنعون بهما؟ »
قالوا:نُسخّم وجوههما ونُخْزِيهما. قال: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ آل
عمران:93 ]
فجاءوا، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعورَ:اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها
فوضع يده عليه، قال:ارفع يدك. فرفع، فإذا آية الرجم تلوح، قال:يا محمد، إن فيها
آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا. فأمر بهما فَرُجما.
وعند
مسلم:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يَهُود، فقال: « ما تجدون في التوراة على من زنى؟ » قالوا:نُسَوّد وجوههما
ونُحَمّلهما، ونخالف بين وجوههما ويُطَاف بهما، قال: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ
فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قال:فجاءوا بها، فقرأوها، حتى إذا مر بآية
الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال
له عبد الله بن سَلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- :مُرْه فلْيرفع يده.
فرفع يده، فإذا تحتها آيةُ الرجم. فأمر بهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
فَرُجما. قال عبد الله بن عمر:كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة
بنفسه.
وقال أبو
داود:حدثنا أحمد بن سعيد الهَمْداني، حدثنا ابن وَهْب، حدثنا هشام بن سعد؛ أن زيد
بن أسلم حَدثه، عن ابن عمر قال:أتَى نفر من اليهود، فدعَوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى القُفِّ فأتاهم في بيت المِدْارس، فقالوا:يا أبا القاسم، إن رجلا
منا زنى بامرأة، فاحكم قال:ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة، فجلس عليها،
ثم قال: « ائتوني
بالتوراة » . فأتي
بها، فنـزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: « آمنت بك وبمن أنـزلك » . ثم قال: « ائتوني بأعلمكم » . فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة
الرجم نحو حديث مالك عن نافع.
وقال
الزهري:سمعت رجلا من مُزَيْنَة، ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن
أبي هريرة قال:زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض:اذهبوا إلى هذا النبي،
فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفُتْيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله،
قلنا:فتيا نبي من أنبيائك، قال:فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد
في أصحابه، فقالوا:يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم
كلمة حتى أتى بيت مِدْارسهم، فقام على الباب فقال: « أنْشُدكم بالله الذي أنـزل
التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحْصنَ؟ » قالوا:يُحَمَّم، ويُجبَّه
ويجلد. والتجبية:أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما.
قال:وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت، ألَظَّ به رسول
الله صلى الله عليه وسلم النَّشْدة، فقال:اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة
الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ » قال:زنى ذُو قرابة من ملك من
ملوكنا، فأخَّر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه
دونه وقالوا:لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه! فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « فإني
أحكم بما في التوراة » فأمر
بهما فرجما. قال الزهري:فبلغنا أن هذه الآية نـزلت فيهم: إِنَّا أَنـزلْنَا
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ
أَسْلَمُوا فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم.
رواه
أحمد، وأبو داود - وهذا لفظه- وابن جرير
وقال
الإمام أحمد:حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن البراء بن
عازب قال:مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمَّم مجلود، فدعاهم فقال: « أهكذا تجدون حد الزاني في
كتابكم؟ »
فقالوا:نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: « أنشدك بالذي أنـزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حَدَّ
الزاني في كتابكم؟ » فقال:لا
والله، ولولا أنك نَشَدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه
كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريفَ تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه
الحد، فقلنا:تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوَضِيع، فاجتمعنا على
التحميم والجلد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » . قال:فأمر به فرجم،
قال:فأنـزل الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) إلى قوله: ( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ )
يقولون:ائتوا محمدًا، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم
فاحذروا، إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ قال:في اليهود إلى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قال:في اليهود وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قال:في الكفار كلها.
انفرد بإخراجه
مسلم دون البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من غير وجه، عن الأعمش، به.
وقال
الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيدي في مسنده:حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة،
عن مُجالد بن سعيد الهَمْدَاني، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال:زنى رجل من
أهل فَدَك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن
أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، تسألوه عن ذلك، قال: « أرسلوا إليّ أعلم رجلين فيكم
» .
فجاءوا برجل أعور - يقال له:ابن صوريا- وآخر، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:
« أنتما
أعلم من قبلكما؟ » . فقالا
قد دعانا قومنا لذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: « أليس عندكما التوراة فيها حكم
الله؟ » قالا
بلى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « فأنشدكم بالذي فَلَق البحر لبني إسرائيل، وظَلّل عليكم
الغَمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنـزل المن والسَّلْوى على بني إسرائيل:ما تجدون
في التوراة في شأن الرجم؟ » فقال
أحدهما للآخر:ما نُشدْتُ بمثله قط. قالا نجد ترداد النظر زنية والاعتناق زنية،
والقبل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد، كما يدخل الميل في المُكْحُلة،
فقد وجب الرجم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « هو ذاك » . فأمر
به فَرُجمَ، فنـزلت: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
ورواه
أبو داود وابن ماجه، من حديث مُجالد، به نحوه. ولفظ أبي داود عن جابر قال:جاءت
اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: « ائتوني بأعلم رجلين منكم » . فأتوا بابني صوريا، فنشدهما: « كيف تجدان أمر هذين في
التوراة؟ » قالا
نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المُكْحُلة
رجما، قال: « فما
يمنعكم أن ترجموهما؟ » قالا
ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا
أربعة، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم برجمهما.
ثم رواه
أبو داود، عن الشعبي وإبراهيم النَّخَعِي، مرسلا ولم يذكر فيه: « فدعا بالشهود فشهدوا » .
فهذه
أحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة، وليس
هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا
محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله، عز وجل إليه بذلك، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم
على ما بأيديهم، مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة
فلما اعترفوا به مع عَملهم على خلافه، بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته
من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن
هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به لهذا قالوا ( إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا ) والتحميم ( فَخُذُوهُ ) أي:اقبلوه ( وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ
فَاحْذَرُوا ) أي:من
قبوله واتباعه.
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ
جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ
فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 )
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ
يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 43 ) إِنَّا أَنْزَلْنَا
التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا
لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ
وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( 44 )
قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ
تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ
يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي:الباطل ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) أي:الحرام، وهو الرشوة كما
قاله ابن مسعود وغير واحد أي:ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه؟ وأنى يستجيب
له.
ثم قال لنبيه: ( فَإِنْ جَاءُوكَ ) أي:يتحاكمون إليك ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ
تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ) أي:فلا عليك ألا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك
اتباع الحق، بل ما وافق هواهم.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة،
والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني:هي منسوخة بقوله: وَأَنِ احْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة:49 ] ، (
وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) أي:بالحق والعدل وإن كانوا
ظلمة خارجين عن طريق العدل ( إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )
ثم قال تعالى - منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم
الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم
مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس
الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم - فقال: ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا
حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ
بِالْمُؤْمِنِينَ )
ثم مدح التوراة التي أنـزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران،
فقال: (
إِنَّا أَنـزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا
النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) أي:لا يخرجون عن حكمها ولا
يبدلونها ولا يحرفونها (
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ ) أي:وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم
العلماء ( بِمَا
اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) أي:بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا
به (
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ) أي:لا تخافوا منهم وخافوني ( وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي
ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ ) فيه
قولان سيأتي بيانهما. سبب آخر لنـزول هذه الآيات الكريمة.
قال الإمام أحمد:حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن
بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال:إن الله
أنـزل: (
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) و فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ [
المائدة:45 ]
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [
المائدة:47 ]
قال:قال ابن عباس:أنـزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت
الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من
الذليلة فديته خمسون وَسَقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق،
فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فذلت الطائفتان
كلتاهما، لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه،
وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة:أن
ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة:وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما
واحد، وبلدهما واحد:دية بعضهم نصف دية بعض. إنما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا،
وفَرقًا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم
ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ثم ذكرت العزيزة
فقالت:والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا
إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسّوا إلى محمد:من يَخْبُر لكم رأيه، إن أعطاكم ما
تريدون حَكمتموه وإن لم يعطكم حُذّرتم فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ناسًا من المنافقين ليَخْبُروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم
بأمرهم كله، وما أرادوا، فأنـزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا
يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: ( الْفَاسِقُونَ ) ففيهم - والله- أنـزل، وإياهم
عنى الله، عز وجل.
ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، بنحوه.
وقال أبو جعفر بن جرير:حدثنا هَنَّاد بن السري وأبو كُرَيْب
قالا حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن
عِكْرِمة، عن ابن عباس؛ أن الآيات في « المائدة » ، قوله:
(
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) إلى (
الْمُقْسِطِينَ ) إنما
أنـزلت في الدية في بني النَّضير وبني قُرَيْظَة، وذلك أن قتلى بني النضير، كان
لهم شرف، تُؤدَى الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يُودَوْن نصف الدية فتحاكموا في ذلك
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء- والله أعلم أي ذلك كان.
ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن إسحاق.
ثم قال ابن جرير:حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن
علي بن صالح، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:كانت قريظة والنضير وكانت
النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل
رجل من النضير رجلا من قريظة، ودي مائة وسق تمر. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا:ادفعوه إلينا فقالوا:بيننا وبينكم
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنـزلت: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ )
ورواه أبو داود والنسائي، وابن حِبَّان، والحاكم في المستدرك،
من حديث عبيد الله بن موسى، بنحوه.
وهكذا قال قتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وابن زيد وغير واحد.
وقد روى العَوْفِيّ، وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن
عباس:أن هذه الآيات نـزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك. وقد
يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنـزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم.
ولهذا قال بعد ذلك: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب
النـزول قضية القصاص، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: (
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قال البراء بن عازب، وحذيفة
بن اليمان، وابن عباس، وأبو مِجْلزٍ، وأبو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وعبيد
الله بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم:نـزلت في أهل الكتاب - زاد الحسن
البصري:وهي علينا واجبة.
وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم
قال:نـزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها. رواه ابن جرير.
وقال ابن جرير أيضًا:حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا عبد
الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كُهَيل، عن عَلْقَمَة ومسروق أنهما سألا ابن
مسعود عن الرشوة فقال:من السُّحْت:قال:فقالا وفي الحكم؟ قال:ذاك الكفر! ثم تلا ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )
وقال السُّدِّي: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ )
يقول:ومن لم يحكم بما أنـزلتُ فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين [ به ]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قال:من جحد ما أنـزل الله فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم فهو
ظالم فاسق. رواه ابن جرير.
ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله
المنـزل في الكتاب.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ )
قال:للمسلمين.
وقال ابن جرير:حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا
شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ )
قال:هذا في المسلمين، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ قال:هذا في اليهود، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ
اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قال:هذا في النصارى.
وكذا رواه هُشَيْم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن
الشعبي.
وقال عبد الرزاق أيضًا:أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس عن أبيه
قال:سئل ابن عباس عن قوله: (
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [
بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ] ) قال:هي به كفر - قال ابن
طاوس:وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الثوري، عن ابن جُرَيْج عن عطاء أنه قال:كفر دون كفر،
وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير.
وقال وَكِيع عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قال:ليس بكفر ينقل عن الملة.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري،
حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حُجَير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) قال:ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
ورواه الحاكم في مستدركه، عن حديث سفيان بن عيينة، وقال:صحيح
على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ
بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 )
وهذا
أيضًا مما وُبّخَتْ به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة:أن النفس
بالنفس. وهم يخالفون ذلك عمدًا وعنادًا، ويُقيدون النضري من القرظي، ولا يُقيدون
القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في
رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار؛ ولهذا
قال هناك: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْكَافِرُونَ لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: ( فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ ) لأنهم
لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع
فيه، فخالفوا وظلموا، وتعدى بعضهم على بعض.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن أبي علي
بن يزيد - أخي يونس بن يزيد- عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قرأها: (
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ
بِالْعَيْنِ ) نصب
النفس ورفع العين.
وكذا
رواه أبو داود، والترمذي والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن المبارك وقال
الترمذي:حسن غريب.
وقال
البخاري:تفرد ابن المبارك بهذا الحديث.
وقد
استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي
مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق
الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على
وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.
وقال
الحسن البصري:هي عليهم وعلى الناس عامة. رواه ابن أبي حاتم.
وقد حكى
الشيخ أبو زكريا النووي في هذه المسألة ثلاثة أوجه ثالثها:أن شرع إبراهيم حجة دون
غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالا عن الشافعي
ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم.
وقد حكى
الإمام أبو نصر بن الصباغ، رحمه الله، في كتابه « الشامل » إجماع
العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن
الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه
النسائي وغيره:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم: « أن الرجل يقتل بالمرأة » وفي الحديث الآخر: « المسلمون تتكافأ دماؤهم » وهذا قول جمهور العلماء.
وعن أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها
إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، وإليه ذهب أحمد في
روايته [ عنه
] وحكي [ هذا ] عن الحسن [ البصري ] وعطاء، وعثمان البتي، ورواية
عن أحمد [ به ] أن الرجل إذا قتل المرأة لا
يقتل بها، بل تجب ديتها.
وهكذا
احتج أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر
الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهور فيهما، ففي الصحيحين عن أمير
المؤمنين علي، رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يقتل مسلم بكافر » وأما العبد فعن السلف في آثار
متعددة:أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر، ولا يقتلون حرًا بعبد، وجاء في ذلك
أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم
من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.
ويؤيد ما
قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة الحديث الثابت في ذلك، كما قال
الإمام أحمد:
حدثنا
محمد بن أبي عَدِيّ، حدثنا حُمَيْد، عن أنس بن مالك:أن الرُّبَيع عَمّة أنس كسرت
ثَنيَّة جارية، فطلبوا إلى القوم العفو، فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: « القصاص
» . فقال
أخوها أنس بن النضر:يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟! فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « يا
أنس، كتاب الله القصاص » .
قال:فقال:لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة. قال:فرضي القوم، فعفوا وتركوا
القصاص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبَّره » .
أخرجاه
في الصحيحين وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، في الجزء المشهور من
حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك؛ أن الرُّبَيع بنت النضر عَمَّته لطمت جارية فكسرت
ثنيتها فعرضوا عليهم الأرش، فأبوا فطلبوا الأرش والعفو فأبوا، فأتوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال:يا رسول الله أتكسر
ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « يا أنس كتاب الله القصاص » . فعفا القوم، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: « إن من
عباد الله من لو أقسم على الله لأبره » . رواه البخاري عن الأنصاري. فأما الحديث الذي رواه أبو
داود:
حدثنا
أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي نَضرة، عن عمران
بن حصين، أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي صلى
الله عليه وسلم فقالوا:يا رسول الله، إنا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئًا. وكذا
رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه عن قتادة،
به وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات فإنه حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال:إن الجاني
كان قبل البلوغ، فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن
الفقراء، أو استعفاهم عنه.
وقوله
تعالى: (
وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع
الأنف بالأنف، وتنـزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح.
فهذا
يستوي فيه أحرار المسلمين [ به ] فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم،
إذا كان عمدًا في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد رجالهم ونساؤهم فيما
بينهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
قاعدة
مهمة:
الجراح
تارة تكون في مَفْصِل، فيجب فيه القصاص بالإجماع، كقطع اليد والرجل والكف والقدم
ونحو ذلك. وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم، فقال مالك، رحمه الله:فيه
القصاص إلا في الفخذ وشبهها؛ لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه:لا يجب القصاص
في شيء من العظام إلا في السن. وقال الشافعي:لا يجب القصاص في شيء من العظام
مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس. وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن
البصري، والزهري، وإبراهيم النَّخَعِي، وعمر بن عبد العزيز. وإليه ذهب سفيان
الثوري، والليث بن سعد. وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وقد احتج
أبو حنيفة، رحمه الله، بحديث الرُّبَيع بنت النضر على مذهبه أنه لا قصاص في عظم
إلا في السن. وحديثُ الربيع لا حجة فيه؛ لأنه ورد بلفظ: « كَسَرَتْ ثَنيَّة جارية » وجائز أن تكون سقطت من غير
كسر، فيجب القصاص - والحالة هذه- بالإجماع. وتمموا الدلالة. بما رواه ابن ماجه، من
طريق أبي بكر بن عَيَّاش، عن دهْثَم بن قُرَّان، عن نِمْرَان بن جارية، عن أبيه
جارية بن ظفر الحنفي؛ أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف من غير المفصل، فقطعها،
فاستعدى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر له بالدية، فقال:يا رسول الله، أُريد
القصاص. فقال: « خذ
الدية، بارك الله لك فيها » . ولم
يقض له بالقصاص.
وقال
الشيخ أبو عمر بن عبد البر:ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، وَدَهْثَم بن قُرَّان
العُكلي ضعيف أعرابي، ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضًا،
وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة.
ثم
قالوا:لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تَنْدَمِل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه
قبل الاندمال ثم زاد جرحه، فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد:حدثنا
يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، فذكر حديثًا، قال ابن إسحاق:وذكر عَمْرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال:أقدني. فقال صلى الله عليه وسلم: « لا تعجل حتى يبرأ جرحك » . قال:فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده رسول الله صلى الله
عليه وسلم منه، قال:فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه، فأتى المستقيد إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال له:يا رسول الله، عرجت وبرأ صاحبي. فقال: « قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك
الله وبطل عرجك » . ثم
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. تفرد به أحمد.
مسألة:
فلو اقتص
المجني عليه من الجاني، فمات من القصاص، فلا شيء عليه عند مالك، والشافعي، وأحمد
بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال أبو حنيفة:تجب الدية
في مال المقتص. وقال عامر الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العُكْلِي،
وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري:تجب الدية على عاقلة المقتص
له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النَّخعي، والحكم بن عتَيبة وعثمان البَتِّيّ:يسقط
عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.
وقوله: ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَهُ ) قال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) يقول:فمن عفا عنه، وتصدق عليه فهو كفارة للمطلوب، وأجر
للطالب.
وقال
سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ )
قال:كفارة للجارح، وأجر المجروح على الله، عز وجل. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال:وروي
عن خيثمة بن عبد الرحمن، ومجاهد، وإبراهيم - في أحد قوليه- وعامر الشعبي، وجابر بن
زيد- نحو ذلك الوجه الثاني، ثم قال ابن أبي حاتم:
حدثنا
حماد بن زاذان، حدثنا حرمي - يعني ابن عمارة- حدثنا شعبة، عن عمارة - يعني ابن أبي
حفصة- عن رجل، عن جابر بن عبد الله، في قول الله، عز وجل ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ )
قال:للمجروح. وروى عن الحسن البصري، وإبراهيم النخعي - في أحد قوليه- وأبي إسحاق
الهمداني، نحو ذلك.
وروى ابن
جرير، عن عامر الشعبي وقتادة، مثله.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن قيس - يعني
بن مسلم- قال:سمعت طارق بن شهاب يحدث، عن الهيثم أبي العريان النخعي قال:رأيت عبد
الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيهًا بالموالي، فسألته عن قول الله [ عز وجل ] ( فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ
فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ )
قال:يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تَصدق به.
وهكذا
رواه سفيان الثوري عن قيس بن مسلم. وكذا رواه ابن جرير من طريق سفيان وشعبة.
وقال ابن
مَرْدُويَه:حدثني محمد بن علي، حدثنا عبد الرحيم بن محمد المُجَاشِعي، حدثنا محمد
بن أحمد بن الحجاج المهري، حدثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، حدثنا مُعلَّى - يعني
ابن هلال - أنه سمع أبان بن تغلب، عن أبي العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد الله
بن عمرو - وعن أبان بن تغلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه
وسلم في قوله: (
فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ) قال:هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو
يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك، وقال فَيُحَطّ عنه قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية فربع
خطاياه، وإن كان الثلث فثلث خطاياه، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك.
ثم قال
ابن جرير:حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا ابن فضيل، عن يونس بن أبي
إسحاق، عن أبي السَّفَر قال:دفع رجل من قريش رجلا من الأنصار، فاندقت ثنيته، فرفعه
الأنصاري إلى معاوية، فلما ألح عليه الرجل قال:شأنك وصاحبك. قال:وأبو الدرداء عند
معاوية، فقال أبو الدرداء:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من مسلم يصاب بشيء من
جسده، فيهبه، إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة » . فقال الأنصاري:أنت سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال:سمعته أذناي ووعاه قلبي، فخلى سبيل القرشي،
فقال معاوية:مروا له بمال.
هكذا
رواه ابن جرير ورواه الإمام أحمد فقال:حدثنا وَكِيع، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن
أبي السَّفر قال:كسر رجل من قريش سنّ رجل من الأنصار، فاستعدى عليه معاوية، فقال
القرشيُّ:إن هذا دق سنّي؟ قال معاوية:إنا سنرضيه. فألح الأنصاري، فقال معاوية:شأنك
بصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: « ما من
مسلم يصاب بشيء في جسده، فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة أو حط عنه بها خطيئة » . فقال الأنصاري:فإني، يعني:قد
عفوت.
وهكذا رواه
الترمذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجه من حديث وَكِيع، كلاهما عن يونس بن أبي
إسحاق، به ثم قال الترمذي:غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السَّفَر
سماعًا من أبي الدرداء.
وقال [ أبو بكر ] بن مردويه:حدثنا دَعْلَج بن
أحمد، حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن عمران بن
ظبيان، عن عدي بن ثابت؛ أن رجلا هَتَم فمه رجل، على عهد معاوية، رضي الله عنه،
فأعْطِي دية، فأبى إلا أن يقتص، فأعطي ديتين، فأبى، فأعطي ثلاثًا، فأبى، فحدث رجل
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من تصدق بدم فما دونه، فهو
كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا هُشَيْم، عن المغيرة، عن الشعبي؛ أن
عبادة بن الصامت قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما من رجل يجرح من جسده
جراحة، فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به » .
ورواه
النسائي، عن علي بن حُجْر، عن جرير بن عبد الحميد، ورواه ابن جرير، عن محمود بن
خِدَاش، عن هُشَيْم، كلاهما عن المغيرة، به.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن عامر، عن المحرَّر بن أبي
هريرة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: « من أصيب بشيء من جسده، فتركه
لله، كان كفارة له » .
وقوله: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا كُفْر دون كفر، وظلم دون
ظلم، وفسق دون فسق.
وَقَفَّيْنَا
عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 46 )
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( 47 )
يقول
تعالى: « وَقَفَّيْنَا »
أي:أتبعنا ( عَلَى آثَارِهِمْ )
يعني:أنبياء بني إسرائيل [ عليه السلام ] (
بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ )
أي:مؤمنًا بها حاكمًا بما فيها ( وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ
فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ) أي:هدى إلى الحق، ونور يستضاء
به في إزالة الشبهات وحل المشكلات. (
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ )
أي:متبعًا لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما
كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل:
وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [ آل
عمران:50 ] ؛ ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بَعْضَ
أحكام التوراة.
وقوله: (
وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )
أي:وجعلنا الإنجيل ( هُدًى ) يهتدى
به، ( وَمَوْعِظَةً )
أي:وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم (
لِلْمُتَّقِينَ ) أي:لمن اتقى الله وخاف وعيده
وعقابه.
وقوله: (
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فِيهِ ) قُرئ (
وَلْيَحْكُمْ ) بالنصب على أن اللام لام كي، أي:وآتيناه الإنجيل [ فيه
هدى ونور ] ليحكم أهل ملته به في زمانهم. وقرئ: (
وَلْيَحْكُمْ ) بالجزم اللام لام الأمر، أي:ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا
ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد [ صلى
الله عليه وسلم ] والأمر باتباعه وتصديقه إذا
وجد، كما قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى
تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ
الآية [ المائدة:68 ] وقال
تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [
وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا
بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ
أُولَئِكَ هُمُ ] الْمُفْلِحُونَ [
الأعراف:157 ] ؛ ولهذا قال هاهنا: (
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )
أي:الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه
الآية نـزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق.
وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى
اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ
تَخْتَلِفُونَ ( 48 )
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ
تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ
ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ( 49 )
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 50 )
لما ذكر تعالى التوراة التي
أنـزلها الله على موسى كليمه [ عليه السلام ] ومدحها
وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه، وأمر
أهله بإقامته واتباع ما فيه، كما تقدم بيانه، شرع تعالى في ذكر القرآن العظيم،
الذي أنـزله على عبده ورسوله الكريم، فقال: (
وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ )
أي:بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله، (
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) أي:من
الكتب المتقدمة المتضمنة ذكْرَه ومَدْحَه، وأنه سينـزل من عند الله على عبده
ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فكان نـزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند
حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل
الله، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ
رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا [
الإسراء:107، 108 ] أي:إن كان ما وعدنا الله على
ألسنة الرسل المتقدمين، من مجيء محمد، عليه السلام، لَمَفْعُولا أي:لكائنًا لا
محالة ولا بد.
وقوله: (
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) قال سفيان الثوري وغيره، عن
أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، أي:مؤتمنًا عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن
ابن عباس:المهيمن:الأمين، قال:القرآن أمين على كل كتاب قبله.
وروي عن عِكْرِمَة، وسعيد بن
جُبَيْر، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني،
والسُّدِّي، وابن زيد، نحو ذلك.
وقال ابن جريج:القرآن أمين على
الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل.
وعن الوالبي، عن ابن عباس: (
وَمُهَيْمِنًا ) أي:شهيدًا. وكذا قال مجاهد،
وقتادة، والسُّدِّي.
وقال العَوْفِي عن ابن عباس: (
وَمُهَيْمِنًا ) أي:حاكمًا على ما قبله من
الكتب.
وهذه الأقوال كلها متقاربة
المعنى، فإن اسم « المهيمن » يتضمن
هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم،
الذي أنـزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما
قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها
كلها. وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال [
تعالى ] إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ [ الحجر:9 ] .
فأما ما حكاه ابن أبي حاتم، عن
عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نَجيح عن مجاهد؛ أنهم قالوا في
قوله: ( وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ )
يعني:محمدًا صلى الله عليه وسلم أمين على القرآن، فإنه صحيح في المعنى، ولكن في
تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنـزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر. وبالجملة فالصحيح
الأول، قال أبو جعفر بن جرير، بعد حكايته له عن مجاهد:وهذا التأويل بعيد من
المفهوم في كلام العرب، بل هو خطأ، وذلك أن « المهيمن
» عطف على « المصدق » ، فلا
يكون إلا من صفة ما كان « المصدق » صفة له.
قال:ولو كان كما قال مجاهد لقال: «
وأنـزلنا إليك الكتاب مُصدقا لما بين يديه من الكتاب مهيمنا عليه » . يعني
من غير عطف.
وقوله: (
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ )
أي:فاحكم يا محمد بين الناس:عَرَبهم وعجمهم، أُميهم وكتابيهم ( بِمَا
أَنـزلَ اللَّهُ ) إليك في هذا الكتاب العظيم،
وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك. هكذا وجهه ابن
جرير بمعناه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا محمد
بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن
الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرًا، إن شاء
حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم. فردهم إلى أحكامهم، فنـزلت: (
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) فأمر
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا.
وقوله: ( وَلا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) أي:آراءهم التي اصطلحوا
عليها، وتركوا بسببها ما أنـزل الله على رسوله؛ ولهذا قال: ( وَلا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ) أي:لا
تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
وقوله: (
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) قال
ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يوسف بن أبي إسحاق،
عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس: (
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً )
قال:سبيلا.
وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وَكِيع،
عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: (
وَمِنْهَاجًا ) قال:وسنة. وكذا روى العَوْفِيّ، عن ابن عباس: (
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) سبيلا وسنة.
وكذا رُوي عن مجاهد وعكرمة،
والحسن البصري، وقتادة، والضحاك، والسُّدِّي، وأبي إسحاق السبيعي؛ أنهم قالوا في
قوله: ( شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )
أي:سبيلا وسنة.
وعن ابن عباس ومجاهد أيضًا
وعطاء الخراساني عكسه: ( شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) أي:سنة
وسبيلا والأول أنسب، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا، هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه
يقال: « شرع في كذا »
أي:ابتدأ فيه. وكذا الشريعة وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما «
المنهاج » :فهو الطريق الواضح السهل، والسنن:الطرائق، فتفسير قوله: (
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) بالسبيل والسنة أظهر في
المناسبة من العكس، والله أعلم.
ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة
الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام،
المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « نحن معاشر الأنبياء إخوة
لعلات، ديننا واحد » يعني بذلك التوحيد، الذي بعث
الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنـزله، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا
فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء:25 ] وقال
تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الآية [
النحل:36 ] ، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون
الشيء في هذه الشريعة حراما ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في
الشدة في هذه دون هذه. وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة
الدامغة.
قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن
قتادة:قوله: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )
يقول:سبيلا وسنة، والسنن مختلفة:هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي
الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه،
والدين الذي لا يقبل الله غيره:التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل.
وقيل:المخاطب بهذا هذه الأمة،
ومعناه: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا ) القرآن
( مِنْكُمْ ) أيتها
الأمة ( شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) أي:هو
لكم كلكم، تقتدون به. وحُذف الضمير المنصوب في قوله: (
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ ) أي:جعلناه، يعني القرآن، (
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) أي:سبيلا إلى المقاصد
الصحيحة، وسنة أي:طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا.
هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن
مجاهد، رحمه الله، والصحيح القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى: (
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) فلو
كان هذا خطابًا لهذه الأمة لما صح أن يقول: (
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) وهم
أمة واحدة، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء
لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع
لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده حتى نسخ
الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل
الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم؛ ولهذا قال تعالى: (
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي
مَا آتَاكُمْ ) أي:أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع
لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.
وقال عبد الله بن كثير: ( فِي
مَا آتَاكُمْ ) يعني:من الكتاب.
ثم إنه تعالى ندبهم إلى
المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: (
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) وهي طاعة الله واتباع شرعه،
الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنـزله.
ثم قال تعالى: ( إِلَى
اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ) أي:معادكم أيها الناس ومصيركم
إليه يوم القيامة ( فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) أي:فيخبركم بما اختلفتم فيه
من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق،
العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة،
والحجج البالغة، والأدلة الدامغة.
وقال الضحاك: (
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) يعني:أمة محمد صلى الله عليه
وسلم. والأظهر الأول.
وقوله: (
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) تأكيد
لما تقدم من الأمر بذلك، والنهي عن خلافه.
ثم قال [
تعالى ] ( وَاحْذَرْهُمْ أَنْ
يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنـزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ )
أي:احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما يُنْهُونه إليك من الأمور، فلا
تغتر بهم، فإنهم كَذبة كَفَرة خونة. (
فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي:عما تحكم به بينهم من
الحق، وخالفوا شرع الله ( فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ )
أي:فاعلم أن ذلك كائن عن قَدر الله وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من
الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم. (
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ )
أي:أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناؤون عنه، كما قال تعالى: وَمَا
أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [
يوسف:103 ] . وقال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [
الآية ] [ الأنعام:116 ] .
وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد
بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال:قال
كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض:اذهبوا بنا
إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه، فقالوا:يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار
يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا
وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك، ونصدقك! فأبى ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله، عز وجل، فيهم: (
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنـزلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) إلى
قوله: ( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) رواه
ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقوله: (
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ينكر تعالى على من خرج عن حكم
الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء
والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل
الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما
يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم
اليَساق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية
والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه،
فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله [ صلى
الله عليه وسلم ] فلا يحكم سواه في قليل ولا
كثير، قال الله تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ
يَبْغُونَ ) أي:يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون. (
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي:ومن
أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم
الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر
على كل شيء، العادل في كل شيء.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي،
حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال:سمعت الحسن يقول:من حكم بغير حكم
الله، فحكم الجاهلية [ هو ]
وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى
قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح قال:كان طاوس إذا سأله رجل:أفضِّل
بين ولدي في النحْل؟ قرأ: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ
يَبْغُونَ [ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ ] )
وقال الحافظ أبو القاسم
الطبراني:حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجْدة الخوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن
نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع
بن جبير، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أبغض
الناس إلى الله، عز وجل ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق
ليُرِيق دمه » . وروى البخاري، عن أبي اليمان بإسناده نحوه.
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 )
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ
نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ
أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ
نَادِمِينَ ( 52 )
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ
( 53 )
ينهى
تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله،
قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: (
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] )
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني ابن سعيد بن سابق- حدثنا عمرو بن
أبي قيس، عن سِمَاك بن حَرْب، عن عِياض:أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه
ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر [ رضي
الله عنه ] وقال:إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء
من الشام؟ فقال:إنه لا يستطيع [ أن يدخل المسجد ] فقال
عمر:أجُنُبٌ هو؟ قال:لا بل نصراني. قال:فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال:أخرجوه، ثم
قرأ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ] )
ثم قال الحسن
بن محمد بن الصباح:حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عَوْن، عن محمد بن سِيرِين
قال:قال عبد الله بن عتبة:ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، وهو لا يشعر.
قال:فظنناه يريد هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ] ) الآية
. وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس:أنه سئل
عن ذبائح نصارى العرب، فقال:كُلْ، قال الله تعالى: (
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )
وروي عن
أبي الزناد، نحو ذلك.
وقوله: (
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) أي:شك،
وريب، ونفاق ( يُسَارِعُونَ فِيهِمْ )
أي:يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، (
يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ )
أي:يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكفار بالمسلمين،
فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: (
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ) قال
السُّدِّي:يعني فتح مكة. وقال غيره:يعني القضاء والفصلِ ( أَوْ
أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ) قال السُّدِّي:يعني ضرب
الجزية على اليهود والنصارى ( فَيُصْبِحُوا )
يعني:الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ( عَلَى
مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) من
الموالاة ( نَادِمِينَ ) أي:على
ما كان منهم، مما لم يُجْد عنهم شيئًا، ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة،
فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين
لا يدرى كيف حالهم. فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم، تبين أمرهم لعباد الله
المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك
ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم؛ ولهذا قال تعالى: (
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا
خَاسِرِينَ )
وقد
اختلف القراء في هذا الحرف، فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله: (
وَيَقُولُ الَّذِينَ ) ثم منهم من رفع (
وَيَقُولُ ) على الابتداء، ومنهم من نصب عطفًا على قوله: (
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ) تقديره
« أن يأتي » « وأن
يقول » ، وقرأ أهل المدينة: (
يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) بغير واو، وكذلك هو في
مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير، قال ابن جُرَيْج، عن مجاهد: (
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ) حينئذ
( وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا
بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ )
واختلف
المفسرون في سبب نـزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السُّدِّي أنها نـزلت في رجلين،
قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد:أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي، فآوي إليه
وأتهود معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث! وقال الآخر:وأما أنا فأذهب إلى
فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصر معه، فأنـزل الله [ عز
وجل ] ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ )
الآيات.
وقال
عكرمة:نـزلت في أبي لُبَابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى بني قُرَيْظَة، فسألوه:ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي:إنه الذبح.
رواه ابن جرير.
وقيل:نـزلت
في عبد الله بن أبيّ بن سَلُول، كما قال ابن جرير:
حدثنا
أبو كُرَيْب، حدثنا ابن إدريس قال:سمعت أبيّ، عن عطية بن سعد قال:جاء عبادة بن
الصامت، من بني الخزرج، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:يا رسول الله، إن
لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى
الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي:إني رجل أخاف الدوائر، لا أبرأ من ولاية موالي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: « يا أبا
الحُباب، ما بَخِلْتَ به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه » .
قال:قد قبلت! فأنـزل الله عز وجل: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
[ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ] ) إلى
قوله: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) .
ثم قال
ابن جرير:حدثنا هَنَّاد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن
الزهري قال:لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من يهود:آمنوا قبل أن يصيبكم
الله بيوم مثل يوم بدر! فقال مالك بن الصيف:أغركم أن أصبتم رهطًا من قريش لا علم
لهم بالقتال!! أما لو أمْرَرْنا العزيمة أن نستجمع عليكم، لم يكن لكم يَدٌ بقتالنا
فقال عبادة:يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرًا سلاحهم،
شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله [
تعالى ] وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله.
فقال عبد الله بن أبي:لكني لا أبرأ من ولاء يهود أنا رجل لا بد لي منهم. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « يا أبا الحباب أرأيت الذي
نفست به من ولاء يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه؟ »
فقال:إذا أقبلُ! قال:فأنـزل الله: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
[ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ] ) إلى قوله:
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [
المائدة:67 ] .
وقال
محمد بن إسحاق:فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله صلى الله
عليه وسلم بنو قينقاع. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال:فحاصرهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم حتى نـزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول، حين
أمكنه الله منهم، فقال:يا محمد، أحسن في مَوَالي. وكانوا حلفاء الخزرج، قال:فأبطأ
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:يا محمد، أحسن في موالي. قال:فأعرض عنه.
فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم. « أرسلني » . وغضب رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى رُئِي لوجهه ظللا ثم قال: « ويحك
أرسلني » . قال:لا والله لا أرسلك حتى تحسن في مَوَالي، أربعمائة
حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟! إني
امرؤ أخشى الدوائر، قال:فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هُم
لك. »
قال محمد
بن إسحاق:فحدثني أبو إسحاق بن يَسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت
قال:لما حاربت بنو قَيْنُقَاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله
بن أبيّ، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وكان أحد بني عَوْف بن الخزرج، له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم،
وقال:يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله
والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نـزلت الآيات
في المائدة: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) إلى
قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ
اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [ المائدة:56 ] .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن
إسحاق، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن أسامة بن زيد قال:دخلت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم على عبد الله بن أبيّ نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: « قد كنت
أنهاك عن حُبّ يهود » . فقال عبد الله:فقد أبغضهم
أسعد بن زرارة، فمات.
وكذا
رواه أبو داود، من حديث محمد بن إسحاق.
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( 54 )
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( 55 )
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ ( 56 ) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ
هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 )
يقول تعالى مخبرا عن قدرته
العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها
منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ
قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [
محمد:38 ] وقال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ
وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [ النساء:133 ] ، وقال
تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ بِعَزِيزٍ [ إبراهيم:19 ، 20 ]
أي:بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ )
أي:يرجع عن الحق إلى الباطل.
قال محمد بن كعب:نـزلت في
الولاة من قريش. وقال الحسن البصري:نـزلت في أهل الردة أيام أبي بكر.
(
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) قال
الحسن:هو والله أبو بكر وأصحابه [ رضي
الله عنهم ] رواه ابن أبي حاتم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة:سمعت
أبا بكر بن عياش يقول في قوله ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) هم أهل
القادسية. وقال لَيْث بن أبي سليم، عن مجاهد:هم قوم من سبأ.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو
سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس قوله: ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )
قال:ناس من أهل اليمن، ثم من كِنْدَة، ثم من السَّكُون.
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن
المصفى، حدثنا معاوية - يعني ابن حفص- عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن
المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال:سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله:
( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُ ) قال: « هؤلاء
قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب » . وهذا
حديث غريب جدا.
وقال ابن أبى حاتم:حدثنا عمر بن
شَبَّة، حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث- حدثنا شعبة، عن سِمَاك، سمعت
عياضًا يحدث عن الأشعري قال:لما نـزلت: (
فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هم قوم هذا » . ورواه
ابن جرير من حديث شعبة بنحوه.
وقوله تعالى: (
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ) هذه
صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه
وعدوه، كما قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [
الفتح:29 ] . وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه: « الضحوك
القتال » فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
وقوله [
تعالى ] ( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) أي:لا
يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم
لائم ولا عذل عاذل.
قال الإمام أحمد:حدثنا عفان،
حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر
قال:أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني
أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت،
وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا
أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول:لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن
من كنـز تحت العرش.
وقال الإمام أحمد أيضًا:حدثنا
أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي المثنى؛ أن أبا ذر قال:بايعني رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله
لومة لائم. قال أبو ذر:فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « هل لك
إلى بيعة ولك الجنة؟ » قلت:نعم، قال:وبسطت يدي، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشترط:على ألا تسأل الناس شيئا؟ قلت:نعم قال: « ولا
سوطك وإن سقط منك يعني تنـزل إليه فتأخذه. »
وقال الإمام أحمد:حدثنا محمد بن
الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القُرْدوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال:قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ
الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن
يقول بحق أو يذكر بعظيم » . تفرد به أحمد.
وقال أحمد:حدثنا عبد الرزاق،
أخبرنا سفيان، عن زُبَيْد عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
يَحْقِرَنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مَقَال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم
القيامة:ما منعك أن تكون قلت فيّ كذا وكذا؟ فيقول:مخافة الناس. فيقول:إياي أحق أن
تخاف » .
ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش،
عن عَمْرو بن مرة به. وروى أحمد وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
طُوَالة عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: « إن الله ليسأل العبد يوم
القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له:أيْ عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن
الله عبدًا حجته، قال:أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس » .
وثبت في الصحيح: « ما
ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه » ، قالوا:وكيف يذلّ نفسه يا
رسول الله؟ قال: « يتحمل من البلاء ما لا يطيق » .
(
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) أي:من
اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له، (
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) أي:واسع الفضل، عليم بمن
يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه.
وقوله: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي:ليس
اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين.
وقوله: (
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [
وَهُمْ رَاكِعُونَ ] )
أي:المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام،
وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من
الضعفاء والمساكين.
وأما قوله (
وَهُمْ رَاكِعُونَ ) فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة
في موضع الحال من قوله: ( وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ) أي:في
حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه
ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن
بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب:أن هذه الآية نـزلت فيه: [ ذلك
] أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه.
وقال ابن أبي حاتم:حدثنا الربيع
بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سُوَيْد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) قال:هم
المؤمنون وعلي بن أبي طالب.
وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا
الفضل بن دُكَيْن أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كُهَيْل
قال:تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنـزلت: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) .
وقال ابن جرير:حدثني الحارث،
حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد الله، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) الآية:نـزلت
في علي بن أبي طالب، تَصَّدَق وهو راكع
وقال عبد الرزاق:حدثنا عبد
الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ )
الآية:نـزلت في علي بن أبي طالب.
عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج
به.
ورواه ابن مَرْدُويه، من طريق
سفيان الثوري، عن أبي سِنان، عن الضحاك، عن ابن عباس قال:كان علي بن أبي طالب
قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنـزلت: (
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) الآية.
الضحاك لم يلق ابن عباس.
وروى ابن مَرْدُويه أيضًا عن
طريق محمد بن السائب الكلبي - وهو متروك- عن أبي صالح، عن ابن عباس قال:خرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، والناس يصلون، بين راكع وساجد وقائم وقاعد،
وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « أعطاك
أحد شيئًا؟ » قال:نعم. قال: « من؟ » قال:ذلك
الرجل القائم. قال: « على أي حال أعطاكه؟ » قال:وهو
راكع، قال: « وذلك علي بن أبي طالب » .
قال:فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وهو يقول: (
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ )
وهذا إسناد لا يفرح به.
ثم رواه ابن مردويه، من حديث
علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع. وليس يصح شيء
منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم روى بسنده، عن ميمون بن مِهْران،
عن ابن عباس في قوله: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) نـزلت في المؤمنين، وعلي بن
أبي طالب أولهم.
وقال ابن جرير:حدثنا هَنَّاد،
حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال:سألته عن هذه [
الآية ] ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) قلنا:من الذين آمنوا؟
قال:الذين آمنوا! قلنا:بلغنا أنها نـزلت في علي بن أبي طالب! قال:عَلِيٌّ من الذين
آمنوا.
وقال أسباط، عن السُّدِّي:نـزلت
هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد
فأعطاه خاتمه.
وقال علي بن أبي طلحة الوالبي،
عن ابن عباس:من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا. رواه ابن جرير.
وقد تقدم في الأحاديث التي
أوردنا أن هذه الآيات كلها نـزلت في عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، حين تبرأ من
حلْف يَهُود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: (
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ ) كما قال تعالى: كَتَبَ
اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لا تَجِدُ
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ
حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [
المجادلة:21 ، 22 ]
فكل من رضي بولاية الله ورسوله
والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [
ومنصور في الدنيا والآخرة ] ؛ ولهذا قال [
الله ] تعالى في هذه الآية الكريمة: (
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ )
وهذا تنفير من موالاة أعداء
الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي
شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها (
هُزُوًا وَلَعِبًا ) يستهزئون بها، (
وَلَعِبًا ) يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد
كما قال القائل:
وَكَــمْ مِـنْ عَـائبٍ قَـولا
صَحِيحًـا وآفَتُـــهُ مِــن الْفَهــم السَّــقِيمِ
وقوله: ( مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ ) « من » ههنا
لبيان الجنس، كقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ [
الحج:30 ] ، وقرأ بعضهم (
وَالْكُفَّارِ ) بالخفض عطفا، وقرأ آخرون
بالنصب على أنه معمول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
تقديره:ولا الكفار أولياء، أي:لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء.
والمراد بالكفار ههنا المشركون،
وكذا وقع في قراءة ابن مسعود، فيها رواه ابن جرير: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ
هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ) .
وقوله: (
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي:اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء ( إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء
هزوًا ولعبًا، كما قال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ
أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ
اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [ آل
عمران:28 ] .
وَإِذَا
نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 )
وقوله [
تعالى ] ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا )
أي:وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي
الألباب ( اتَّخَذُوهَا ) أيضًا
( هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا
يَعْقِلُونَ ) مَعَانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي
« إذا سمع الأذان أدبر وله حُصَاص، أي:ضراط حتى لا يسمع
التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل
حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول:اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل
الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام » . متفق
عليه.
وقال
الزهري:قد ذكر الله [ تعالى ]
التأذين في كتابه فقال: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) رواه
ابن أبي حاتم.
وقال
أسباط، عن السُّدِّي، في قوله: ( وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا )
قال:كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: « أشهد
أن محمدًا رسول الله » قال:حُرّق الكاذب! فدخلت خادمة
ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو
وأهله. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وذكر
محمد بن إسحاق بن يَسار في السيرة:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام
الفتح، ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن
هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد:لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سمع هذا
فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام:أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال
أبو سفيان:لا أقول شيئًا لو تكلمتُ لأخبرت عني هذه الحصى. فخرج عليهم النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: « قد علمت الذي قلتم » ثم ذكر
ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب:نشهد أنك رسول الله، [
والله ] ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا رَوْح بن عبادة، حدثنا ابن جُرَيْج، أخبرنا عبد العزير بن عبد
الملك بن أبي محذورة؛ أن عبد الله بن مُحَيريز أخبره - وكان يتيمًا في حجر أبي
محذورة- قال:قلت لأبي محذورة:يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أُسأل عن
تأذينك. فأخبرني أن أبا محذورة قال له:نعم خرجت في نفر، وكنا ببعض طريق حنين، مقفل
رسول الله صلى الله عليه وسلم من حُنَيْن، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فسمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم الصوت، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « أيكم الذي سمعتُ صوته قد
ارتفع؟ » فأشار القوم كلهم إليّ، وصدقوا، فأرسل كلَّهم وحبسني. وقال « قم
فأذّن بالصلاة » . فقمت ولا شيء أكره إلي من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فألقى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه، قال: « قل
الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، » ثم قال
لي: « ارجع فامدد من صوتك » . ثم
قال:أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله،
أشهد أن محمدا رسول الله، حيّ على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على
الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله « . ثم
دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صُرَّة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية
أبي محذورة، ثم أمرّها على وجهه، ثم بين ثدييه ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله
سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: » بارك
الله فيك وبارك عليك « . فقلت:يا رسول الله، مُرْني
بالتأذين بمكة. فقال قد » أمرتك به « . وذهب
كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم. فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرني ذلك من
أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة، على نحو ما أخبرني عبد الله بن مُحَيريز » .
هكذا
رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه، وأهل السنن الأربعة من طريق عن عبد
الله بن محيريز، عن أبي محذورة - واسمه:سَمُرَة بن مِعْيرَ بن لوذان- أحد مؤذني
رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه، رضي الله
عنه وأرضاه.
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ( 59 ) قُلْ
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ
اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ
( 60 )
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ
خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 )
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 )
لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 )
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا
بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا
وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 )
يقول تعالى:قل يا محمد، لهؤلاء
الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: ( هَلْ تَنْقِمُونَ
مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ مِنْ
قَبْلُ ) أي:هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا
مذمة، فيكون الاستثناء منقطعًا كما في قوله: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ
يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [
البروج:8 ] وكقوله: وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة:74 ] وفي
الحديث المتفق عليه: « ما ينقم ابن جَميل إلا أن كان
فقيرًا فأغناه الله » .
وقوله: (
وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ) معطوف
على ( أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا
أُنزلَ مِنْ قَبْلُ ) أي:وآمنا بأن أكثركم فاسقون،
أي:خارجون عن الطريق المستقيم.
ثم قال: ( قُلْ
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ) أي:هل
أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون
بهذه الصفات القصيرة، فقوله: ( مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ )
أي:أبعده من رحمته ( وَغَضِبَ عَلَيْهِ )
أي:غضبًا لا يرضى بعده أبدًا، ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ
الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ ) كما تقدم بيانه في سورة
البقرة. وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [ إن
شاء الله تعالى ]
وقد قال سفيان الثوري:عن
عَلْقَمَة بن مَرْثَد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سُوَيْد، عن ابن
مسعود قال:سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ
الله [ تعالى ] ؟ فقال إن الله لم يهلك قومًا
- أو قال:لم يمسخ قومًا- فيجعل لهم نَسْلا ولا عَقِبًا وإن القردة والخنازير كانت
قبل ذلك « . »
وقد رواه مسلم من حديث سفيان
الثوري ومِسْعَر كلاهما، عن مُغِيرة بن عبد الله اليشكري، به.
وقال أبو داود الطيالسي:حدثنا
داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن
مسعود قال:سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير، أهي من نسل
اليهود؟ فقال: « لا إن الله لم يلعن قومًا
فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم، جعلهم
مثلهم » .
ورواه أحمد من حديث داود بن أبي
الفرات، به.
وقال ابن مردويه:حدثنا عبد
الباقي، حدثنا أحمد بن صالح حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار،
عن داود بن أبي هند، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « الحيات مَسْخ الجن، كما مُسِخَتِ القردة والخنازير » . هذا
حديث غريب جدا .
وقوله: (
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) وقرئ (
وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) على أنه فعل ماض، «
والطاغوت » منصوب به، أي:وجعل منهم من عبد الطاغوت. وقرئ: (
وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ ) بالإضافة على أن المعنى:وجعل
منهم خدم الطاغوت، أي:خدامه وعبيده. وقرئ (
وَعُبُدَ الطَّاغُوت ) على أنه جمع الجمع:عبد وعَبيد
وعُبُد، مثل ثمار وثُمُر. حكاها ابن جرير عن الأعمش. وحكي عن بُرَيْدةَ الأسلمي
أنه كان يقرؤها: « وعَابد الطاغوت » ، وعن
أبي، وابن مسعود: « وعبدوا » ، وحكى
ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: (
وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ) على أنه مفعول ما لم يسم
فاعله، ثم استبعد معناها. والظاهر أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم،
أي:وقد عبدت الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك.
وكل هذه القراءات يرجع معناها
إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات
دون [ ما ] سواه، كيف يصدر منكم هذا
وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال: (
أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ) أي:مما تظنون بنا (
وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ )
وهذا من باب استعمال أفعل
التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا [
الفرقان:24 ]
وقوله: (
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ
خَرَجُوا بِهِ ) وهذه صفة المنافقين منهم،
أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: (
وَقَدْ دَخَلُوا [ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ
خَرَجُوا بِهِ ] ) أي
عندك يا محمد ( بِالْكُفْرِ )
أي:مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك
من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: (
وَهُمْ [ قَدْ ] خَرَجُوا بِهِ ) فخصهم
به دون غيرهم.
وقوله: (
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ )
أي:والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليهم ضمائرهم وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك،
وتزينوا بما ليس فيهم، فإن عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك
أتم الجزاء.
وقوله: (
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ ) أي:يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على
الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ) أي:لبئس العمل كان عملهم وبئس الاعتداء اعتداؤهم.
قوله: (
لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )
يعني:هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك. والربانيون وهم:العلماء
العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار:وهم العلماء فقط.
(
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) وقال
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:يعني الربانيين، أنهم:بئس ما كانوا يصنعون. يعني:في
تركهم ذلك.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم:قال لهؤلاء حين لم يَنْهُوا، ولهؤلاء حين علموا. قال:وذلك الأمر كان. قال: «
ويعملون » و « ويصنعون » واحد.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير:حدثنا أبو
كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار عن
ابن عباس قال:ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية: (
لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ
وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ )
قال:كذا قرأ.
وكذا قال الضحاك:ما في القرآن
آية أخوف عندي منها:إنا لا ننهى. رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم:ذكره يونس بن
حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم عن أبي الوضاح، حدثنا ثابت بن سعيد
الهمذاني، قال:رأيته بالرِّيِّ فحدث عن يحيى بن يَعْمَر قال:خطب علي بن أبي طالب
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي،
ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون
والأحبار أخذتهم العقوبات. فَمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم
مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا
يقرب أجلا.
وقال الإمام أحمد:حدثنا يزيد بن
هارون، أنبأنا، شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال:قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: « ما من قوم يكون بين أظهرهم من
يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب » .
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
ورواه أبو داود، عن مَسَدَّد،
عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال:سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: « ما من رجل يكون في قوم يعمل
فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن
يموتوا » .
وقد رواه ابن ماجه عن على بن
محمد، عن وَكِيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبَيد الله بن جرير، عن أبيه، به.
قال الحافظ المِزِّي:وهكذا رواه
شعبة، عن إسحاق، به.
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم
لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- بأنهم وصفوا الله، عز وجل وتعالى عن قولهم
علوًا كبيرًا، بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل
بقولهم: ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ )
قال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو عبد
الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَنِيّ، حدثنا الحكم بن أبان، عن عِكْرِمَة
قال:قال ابن عباس: ( مَغْلُولَةٌ )
أي:بخيلة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس قوله: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) قال:لا
يعنون بذلك أن يد الله موثقة ولكن يقولون:بخيل أمسك ما عنده، تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا.
وكذا روي عن عِكْرِمَة، وقتادة،
والسُّدِّي، ومجاهد، والضحاك وقرأ: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى
عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [
الإسراء:29 ] . يعني:أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو الزيادة في
الإنفاق في غير محله، وعبَّر عن البخل بقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً
إِلَى عُنُقِكَ .
وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود
عليهم لعائن الله. وقد قال عكرمة:إنها نـزلت في فنْحاص اليهودي، عليه لعنة الله.
وقد تقدم أنه الذي قال: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [ آل
عمران:181 ] فضربه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه.
وقال محمد بن إسحاق:حدثني محمد
بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال:قال رجل من اليهود، يقال له:شاس
بن قيس:إن ربك بخيل لا ينفق، فأنـزل الله: (
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا
بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ )
وقد رد الله، عز وجل، عليهم ما
قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: (
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) وهكذا
وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: أَمْ
لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [
فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ
مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ
وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ] [
النساء:53 - 55 ] وقال تعالى: ضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا
بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ] الآية
[ آل عمران:112 ] .
ثم قال تعالى: ( بَلْ
يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) أي:بل
هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما
بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا
ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال [
تعالى ] وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا
نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ الآية [
إبراهيم:34 ] . والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا
مَعْمَر، عن همام بن مُنَبه قال:هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: « إن يمين الله مَلأى لا
يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض،
فإنه لم يَغِض ما في يمينه » قال: « وعرشه
على الماء، وفي يده الأخرى القبْض، يرفع ويخفض »
:قال:قال الله تعالى: « أنفق أنفق عليك » أخرجاه
في الصحيحين، البخاري في « التوحيد » عن علي
بن المديني، ومسلم فيه، عن محمد بن رافع، وكلاهما عن عبد الرزاق، به.
وقوله: (
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا
وَكُفْرًا ) أي:يكون ما أتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك
من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحًا وعلمًا نافعًا،
يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك (
طُغْيَانًا ) وهو:المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء (
وَكُفْرًا ) أي:تكذيبا، كما قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ
عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [
فصلت:44 ] وقال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا [
الإسراء:82 ] .
وقوله: (
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )
يعني:أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا لأنهم
لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك.
وقال إبراهيم النَّخَعي: (
وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ )
قال:الخصومات والجدال في الدين. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (
كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ )
أي:كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله
ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم.
(
وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) أي:من
سجيتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.
وَلَوْ
أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 )
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنـْزِلَ
إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ( 66 )
ثم قال
جل وعلا ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) أي:لو
أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المحارم والمآثم (
لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ )
أي:لأزلنا عنهم المحذور ولحصّلْناهم المقصود .
(
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنـزلَ إِلَيْهِمْ
مِنْ رَبِّهِمْ ) قال ابن عباس، وغيره:يعني
القرآن. ( لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ )
أي:لأنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير
تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله
به محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا
محالة.
وقوله: (
لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) يعني
بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض.
وقال علي
بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ )
يعني:لأرسل [ السماء ] عليهم
مدرارًا، ( وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ )
يعني:يخرج من الأرض بركاتها.
وكذا قال
مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسُّدِّي، كما قال [
تعالى ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [
وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ] [
الأعراف:96 ] ، وقال: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ
الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] [
الروم:41 ] .
وقال
بعضهم:معناه ( لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ )
يعني:من غير كَد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء.
وقال ابن
جرير:قال بعضهم:معناه:لكانوا في الخير، كما يقول القائل: « هو في الخير
من قرَنه إلى قدمه » . ثم رد هذا القول لمخالفة
أقوال السلف
وقد ذكر
ابن أبي حاتم، عند قوله: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا
التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) حديث علقمة، عن صفوان بن
عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« يوشك أن يرفع العلم » . فقال
زياد بن لبيد:يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟!
قال ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة
والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله « ثم قرأ
( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) »
هكذا
أورده ابن أبي حاتم حديثًا معلقًا من أول إسناده، مرسلا في آخره. وقد رواه الإمام
أحمد بن حنبل متصلا موصولا فقال:
حدثنا
وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن زياد بن لَبِيد قال:ذكر النبي
صلى الله عليه وسلم شيئًا فقال: « وذاك عند ذهاب العلم » .
قال:قلنا:يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونُقْرئه أبناءنا،
ويُقْرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: « ثكلتك
أمك يا ابن أم لبيد، إن كنتُ لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود
والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء »
وكذا
رواه ابن ماجه، عن أبى بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه وهذا إسناد صحيح.
وقوله: (
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ) كقوله
تعالى: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [
الأعراف:159 ] ، وكقوله عن أتباع عيسى: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
فَاسِقُونَ ] [ الحديد:27 ] . فجعل
أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين كما
في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ
عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا الآية [ فاطر:32 ، 33 ] .
والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة.
وقد قال
أبو بكر بن مَرْدُويه:حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضَّبِّي،
حدثنا عاصم بن علي، حدثنا أبو مَعْشَر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم،
عن أنس بن مالك قال:كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « تفرقت
أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة
عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار،
وتعلو أمتي على الفرقتين جميعًا. واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار » .
قالوا:من هم يا رسول الله؟ قال: « الجماعات الجماعات » .
قال
يعقوب بن يزيد كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، تلا فيه قرآنا: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ
آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ
جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) إلى قوله تعالى: (
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ) وتلا
أيضًا: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [
الأعراف:181 ] يعني:أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا
حديث غريب جدًا من هذا الوجه وبهذا السياق. وحديثُ افتراق الأمم إلى بضع وسبعين
مَرْوي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر. ولله الحمد والمنة.
يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنـْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 67 )
يقول
تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ
جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك، وقام به أتمّ
القيام.
قال
البخاري عند تفسير هذه الآية:حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن
الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت:من حَدّثَك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم
شيئًا مما أُنـزل عليه فقد كذب، الله يقول: ( يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) الآية.
هكذا
رواه ههنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولا. وكذا رواه مسلم في « كتاب
الإيمان » ، والترمذي والنسائي في « كتاب
التفسير » من سننهما من طرق، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها
رضي الله عنها.
وفي
الصحيحين عنها أيضا أنها قالت:لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما من القرآن
شيئًا لكتم هذه الآية: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [
الأحزاب:37 ] .
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن
هارون بن عنترة، عن أبيه قال:كنت عند ابن عباس فجاء رجل فقال له:إن ناسًا يأتونا
فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للناس. فقال:ألم
تعلم أن الله تعالى قال: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) والله
ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداءَ في بيضاء.
وهذا
إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جُحَيفَة وهب بن عبد الله السّوائي
قال:قلت لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه:هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟
فقال:لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فَهْمًا يعطيه الله رجلا في القرآن، وما
في هذه الصحيفة. قلت:وما في هذه الصحيفة؟ قال:العقل، وفَكَاك الأسير، وألا يقتل
مسلم بكافر .
وقال
البخاري:قال الزهري:من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
وقد شهدت
له أمته ببلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته
يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من الصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح
مسلم، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: « أيها
الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ »
قالوا:نشهد أنك قد بَلّغت وأدّيتَ ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ويَقلبها
إليهم ويقول: « اللهم هل بَلَّغْتُ، اللهم هل بلغت » .
وقال
الإمام أحمد:حدثنا ابن نُمير، حدثنا فضيل - يعني ابن غَزْوان- عن عِكْرمَة، عن ابن
عباس قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: « يأيها
الناس، أيّ يوم هذا؟ » قالوا:يوم حرام. قال: « أيّ
بلد هذا؟ » قالوا:بلد حرام. قال: « فأيّ
شهر هذا؟ » قالوا:شهر حرام. قال: « فإن
أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم
هذا » . ثم أعادها مرارًا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال: « اللهم
هل بلغت! » مرارًا - قال:يقول ابن عباس:والله لَوصِيَّةٌ إلى ربه عز
وجل- ثم قال: « ألا فليبلغ الشاهدُ الغائِبَ، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب
بعضكم رقاب بعض » .
وقد روى
البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد عن فضيل بن غزوان، به نحوه.
وقوله: (
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ )
يعني:وإن لم تُؤد إلى الناس ما أرسلتك به ( فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) أي:وقد عَلِم ما يترتب على
ذلك لو وقع.
وقال علي
بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) يعني:إن كتمت آية مما أنـزل
إليك من ربك لم تبلغ رسالته.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي:حدثنا قُبَيْصة بن عُقْبَةَ حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد
قال:لما نـزلت: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) قال: « يا رب،
كيف أصنع وأنا وحدي؟ يجتمعون عليَّ » .
فنـزلت ( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ )
ورواه
ابن جرير، من طريق سفيان - وهو الثوري- به.
وقوله: (
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أي:بلغ
أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن،
فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.
وقد كان
النبي صلى الله عليه وسلم قبل نـزول هذه الآية يُحْرَس كما قال الإمام أحمد:
حدثنا
يزيد، حدثنا يحيى، قال سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث:أن عائشة كانت تحدث:أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم سَهِر ذات ليلة، وهي إلى جنبه، قالت:فقلتُ:ما شأنك
يا رسول الله؟ قال: « ليت رجلا صالحاً من أصحابي
يحرسني الليلة؟ » قالت:فبينا أنا على ذلك إذ سمعت
صوت السلاح فقال: « من هذا؟ »
فقال:أنا سعد بن مالك. فقال: « ما جاء بك؟ » قال:جئت
لأحرسك يا رسول الله. قالت:فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه.
أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، به.
وفي
لفظ:سَهِر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مَقْدَمِه المدينة. يعني:على أثر
هجرته [ إليها ] بعد دخوله بعائشة، رضي الله
عنها، وكان ذلك في سنة ثنتين منها.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري نـزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا
الحارث بن عُبَيد - يعني أبا قدامة- عن الجُرَيري، عن عبد الله بن شَقِيق، عن
عائشة [ رضي الله عنها ]
قالت:كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس حتى نـزلت هذه الآية: (
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
قالت:فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة، وقال: « يأيها
الناس، انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل » .
وهكذا
رواه الترمذي، عن عبد بن حُمَيد وعن نصر بن علي الجَهْضمي، كلاهما عن مسلم بن
إبراهيم، به. ثم قال:وهذا حديث غريب.
وهكذا
رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه، من طرق مسلم بن إبراهيم، به. ثم قال
الحاكم:صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الحارث بن عُبَيد
أبي قدامة [ الأيادي ] عن
الجُرَيري، عن عبد الله بن شَقِيق، عن عائشة، به.
ثم قال
الترمذي:وقد روى بعضهم هذا عن الجُرَيري، عن ابن شقيق قال:كان النبي صلى الله عليه
وسلم يحرس. ولم يذكر عائشة.
قلت:هكذا
رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن عُلَيَّةَ، وابن مردويه من طريق وُهَيْب كلاهما
عن الجُرَيري، عن عبد الله بن شقيق مرسلا وقد روى هذا مرسلا عن سعيد بن جبَيْر
ومحمد بن كعب القُرَظي، رواهما ابن جرير والربيع بن أنس رواه ابن مردويه، ثم قال:
حدثنا
سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رِشدِين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام
الصَّدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبد الله بن مَوْهَب، عن عصمة بن مالك
الْخَظْمي قال:كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نـزلت: (
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فترك
الحرس.
حدثنا
سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا
كُرْدُوس بن محمد الواسطي، حدثنا معلي بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق، عن عطية،
عن أبي سعيد الخدري قال:كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه،
فلما نـزلت هذه الآية: ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ ) ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس.
حدثنا
علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مُفَضَّل بن
إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال:سمعت أبا
الزبير المكي يحدث، عن جابر بن عبد الله قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه، حتى نـزلت: (
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فذهب
ليبعث معه، فقال: « يا عم، إن الله قد عصمني، لا
حاجة لي إلى من تبعث » .
وهذا
حديث غريب وفيه نكارة فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية.
ثم
قال:حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا
عبد الحميد الحمَّاني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يحرس، فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه،
حتى نـزلت عليه هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
قال:فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: « إن
الله قد عصمني من الجن والإنس » .
ورواه
الطبراني عن يعقوب بن غَيْلان العماني، عن أبي كريب به.
وهذا
أيضا غريب. والصحيح أن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نـزل بها، والله أعلم.
ومن عصمة
الله [ عز وجل ] لرسوله
حفْظُه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومُعَانديها ومترفيها، مع شدة العداوة
والبَغْضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب
العظيمة بقَدَره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان
رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله
عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه
وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون
أذى يسيرًا، ثم قيض الله [ عز وجل ] له الأنصار
فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة، فلما صار إليها
حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله
ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنـزل عليه سورتي
المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله
به وحماه [ الله ] منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًا
يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:
فقال أبو
جعفر بن جرير:حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمد بن كعب
القُرَظِي وغيره قال:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل منـزلا اختار له
أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال:من يمنعك مني؟
فقال: « الله عز وجل » ،
فَرُعِدَت يد الأعرابي وسقط السيف منه، قال:وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه،
فأنـزل الله عز وجل: ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ )
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القَطَّان، حدثنا زيد بن
الحُبَاب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري
قال:لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار، نـزل ذات الرِّقاع بأعلى
نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غَوْرَث بن الحارث من بني
النجار:لأقتلن محمدًا. فقال له أصحابه:كيف تقتله؟ قال:أقول له:أعطني سيفك. فإذا
أعطانيه قتلته به، قال:فأتاه فقال:يا محمد، أعطني سيفك أشيمُه. فأعطاه إياه،
فَرُعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حال
الله بينك وبين ما تريد » فأنـزل الله، عز وجل: ( يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
وهذا
حديث غريب من هذا الوجه وقصة « غَوْرَث بن الحارث » مشهورة
في الصحيح.
وقال أبو
بكر بن مَرْدُويه:حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد
الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة قال:كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة
وأظلها، فينـزل تحتها، فنـزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه
فقال:يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الله
يمنعني منك، ضع السيف » . فوضعه، فأنـزل الله، عز وجل:
( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )
وكذا
رواه أبو حاتم بن حِبَّان في صحيحه، عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن
المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل - يعني الجُشَمي-
سمعت جَعْدَة - هو ابن خالد بن الصِّمَّة الجشمي- رضي الله عنه، قال:سمعت النبي
صلى الله عليه وسلم ورأى رجلا سمينًا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى
بطنه بيده ويقول: « لو كان هذا في غير هذا لكان
خيرًا لك » . قال:وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقال:هذا أراد أن
يقتلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « لم
تُرَع، ولم تُرَع، ولو أردتَ ذلك لم يسلطك الله عليَّ » .
وقوله: ( إِنَّ
اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) أي:بلغ
أنت، والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال: لَيْسَ عَلَيْكَ
هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [
البقرة:272 ] وقال فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
[ الرعد:40 ] .
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ
وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا
مِنْهُمْ مَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 68 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )
لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا
كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا
يَقْتُلُونَ ( 70 )
يقول تعالى:قل يا محمد: ( يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ) أي:من
الدين، ( حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ ) أي:حتى
تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنـزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما
فيها ومما فيها الأمر باتباع بمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه، والاقتداء
بشريعته؛ ولهذا قال ليث ابن أبي سليم، عن مجاهد، في قوله: ( وَمَا
أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ )
يعني:القرآن العظيم.
وقوله: (
وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنـزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا
وَكُفْرًا ) تقدم تفسيره ( فَلا
تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) أي:فلا
تحزن عليهم ولا يَهيدنَّك ذلك منهم.
ثم قال: ( إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا ) وهم:المسلمون (
وَالَّذِينَ هَادُوا ) وهم:حملة التوراة (
وَالصَّابِئُونَ ) - لما طال الفصل حسن العطف
بالرفع. والصابئون:طائفة بين النصارى والمجوس، ليس لهم دين. قاله مجاهد، وعنه:بين
اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير:بين اليهود والنصارى، وعن الحسن [
والحكم ] إنهم كالمجوس. وقال قتادة:هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون
إلى غير القبلة، ويقرؤون الزبور. وقال وَهْب بن مُنَبّه:هم قوم يعرفون الله وحده،
وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفرًا.
وقال ابن وَهْب:أخبرني ابن أبي
الزَّنَاد، عن أبيه قال:الصائبون:قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون
بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وقيل غير ذلك.
وأما النصارى فمعروفون، وهم
حملة الإنجيل.
والمقصود:أن كل فرقة آمنت بالله
وباليوم الآخر، وهو المعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحًا، ولا يكون ذلك
كذلك حتى يكون موافقًا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع
الثقلين فمن اتصف بذلك ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) فيما
يستقبلونه ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ( وَلا
هُمْ يَحْزَنُونَ ) وقد تقدم الكلام على نظيراتها
في سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته.
يذكر تعالى أنه أخذ العهود
والمواثيق على بني إسرائيل، على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود
والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه،
وما خالفهم ردوه؛ ولهذا قال: ( كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ
بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ) .
وَحَسِبُوا
أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ
عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 71 )
(
وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ )
أي:وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصَمُّوا،
فلا يسمعون حقًا ولا يهتدون إليه، ( ثُمَّ
تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أي:مما كانوا فيه ( ثُمَّ
عَمُوا وَصَمُّوا )
أي:بعد
ذلك ( [ وَصَمُّوا ]
كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ )
أي:مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.
لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ
الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ
مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ
النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ( 72 )
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ
لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 73 )
أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ
لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 )
يقول
تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم
بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنـزه وتقدس علوًا كبيرًا.
هذا وقد تقدم
إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن
قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ولم يقل:أنا
الله، ولا ابن الله. بل قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا إلى أن قال: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [
مريم:30- 36 ] .
وكذلك
قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله ربه وربهم وحده لا شريك له؛
ولهذا قال تعالى: ( وَقَالَ الْمَسِيحُ ُ يَا
بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ
بِاللَّهِ ) أي:فيعبد معه غيره (
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ) أي:فقد
أوجب له النار، وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [
النساء:48، 116 ] ، وقال تعالى: وَنَادَى
أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ
أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى
الْكَافِرِينَ [ الأعراف:50 ] .
وفي
الصحيح:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي في الناس: « إن
الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة » ، وفي لفظ: « مؤمنة
» .
وتقدم في
أول سورة النساء عند قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [
النساء:48، 116 ] حديث يزيد بن بَابَنُوس عن
عائشة:الدواوين ثلاثة فذكر منهم ديوانًا لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله
تعالى: ( مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ [ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ] ) الحديث
في مسند أحمد.
ولهذا
قال [ الله ] تعالى إخبارًا عن المسيح أنه
قال لبني إسرائيل: ( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) أي:وما له عند الله ناصر ولا
معين ولا منقذ مما هو فيه.
وقوله (
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) قال
ابن أبي حاتم:حدثنا علي بن الحسن الهِسَتْجَاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم،
حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله: (
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) قال:هو
قول اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقول النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [
التوبة:30 ] فجعلوا الله ثالث ثلاثة.
وهذا قول
غريب في تفسير الآية:أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى والصحيح:أنها أنـزلت
في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد.
ثم
اختلفوا في ذلك فقيل:المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة، وهو أقنوم
الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن
قولهم علوًا كبيرًا، قال ابن جرير وغيره:والطوائف الثلاث من الملكية واليعقوبية
والنَّسطورية تقول بهذه الأقانيم. وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا ليس هذا
موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاث كافرة.
وقال
السُّدِّي وغيره:نـزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث
ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي:وهي كقوله تعالى في آخر السورة: وَإِذْ قَالَ
اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ الآية [
المائدة:116 ] .
وهذا
القول هو الأظهر، والله أعلم. قال الله تعالى: ( وَمَا
مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ ) أي:ليس
متعددا، بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات.
ثم
قال:تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: (
وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ) أي:من
هذا الافتراء والكذب ( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي:في
الآخرة من الأغلال والنكال.
ثم قال:
( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وهذا من كرمه تعالى وجوده
ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى
التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه، ثم قال: ( مَا
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) أي:له
سَويَّة أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من
رسله الكرام، كما قال: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ
مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [ الزخرف:59 ] .
وقوله: (
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) أي:مؤمنة به مصدقة له. وهذا
أعلى مقاماتها فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة
سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة
ومريم، وبقوله: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [
القصص:7 ] ، [ قالوا ] وهذا
معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله
تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى [ يوسف:109 ] ، وقد
حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، رحمه الله، الإجماع على ذلك.
وقوله: (
كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) أي:يحتاجان إلى التغذية به،
وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى
الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
ثم قال
تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ )
أي:نوضحها ونظهرها، ( ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ ) أي:ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون؟
وبأيّ قول يتمسكون؟ وإلى أيّ مذهب من الضلال يذهبون؟ ؟
قُلْ
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 )
يقول تعالى منكرًا على من عبد
غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية: ( قُلْ ) أي:يا محمد
لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذلك النصارى وغيرهم: (
أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا ) أي:لا
يقدر على إيصال ضرر إليكم، ولا إيجاد نفع (
وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أي:فلم
عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء إلى عبادة جَمَاد لا يسمع ولا
يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه.
قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا
تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( 77 )
ثم قال:
( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ
غَيْرَ الْحَقِّ ) أي:لا تجاوزوا الحد في اتباع
الحق، ولا تُطْروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى
مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون
الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، (
وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ )
أي:وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن
أبيه، عن الربيع بن أنس قال:وقد كان قائم قام عليهم، فأخذ بالكتاب والسنة زمانًا،
فأتاه الشيطان فقال:إنما تركب أثرًا أو أمرًا قد عُمِل قبلك، فلا تَجْمُد عليه،
ولكن ابتدع أمرًا من قِبَل نفسك وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل، ثم ادَّكر بعد
فعله زمانًا فأراد أن يتوب فخلع مُلْكه، وسلطانه وأراد أن يتعبد فلبث في عبادته
أيامًا، فأتي فقيل له:لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب
عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سببك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف
لك بهداهم، فلا توبة لك أبدًا. ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية: ( قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا
تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) .
لُعِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 )
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ ( 79 )
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ
لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ
خَالِدُونَ ( 80 )
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا
اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 81 )
يخبر
تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنـزل على داود نبيه،
عليه السلام، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه.
قال
العَوْفِيّ، عن ابن عباس:لعنوا في التوراة و [ في ]
الإنجيل وفي الزبور، وفي الفرقان.
ثم بين
حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال: (
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا
يَفْعَلُونَ ) أي:كان لا ينهي أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم،
ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يُرْكَبَ مثل الذي ارتكبوا، فقال: (
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )
وقال
الإمام أحمد، رحمه الله:حدثنا يزيد حدثنا شَرِيك بن عبد الله، عن علي بن بَذيمة عن
أبي عُبَيدة، عن عبد الله قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لما
وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم -
قال يزيد:وأحسبه قال:وأسواقهم- وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله قلوب بعضهم ببعض،
ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون » ، وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا فجلس فقال: « لا
والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا » .
وقال أبو
داود:حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْلي، حدثنا يونس بن راشد، عن علي بن بَذيمة،
عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن أول
ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول:يا هذا، اتق الله ودع ما
تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه
وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: (
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) إلى قوله: (
فَاسِقُونَ ) » ثم قال: « كلا
والله لتأمرن بالمعروف ولتَنهون عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم،
ولَتَأطرنَّه على الحق أطْرا - أو تقصرنه على الحق قصرًا » .
وكذا رواه
الترمذي وابن ماجه، من طريق علي بن بَذيمة، به وقال الترمذي: « حسن
غريب » . ثم رواه هو وابن ماجه، عن بُنْدَار، عن ابن مَهْدِىّ، عن
سفيان، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة مرسلا.
وقال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج وهارون بن إسحاق الهمداني قالا حدثنا عبد الرحمن بن
محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عَمْرو بن مُرَّة، عن سالم
الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه
عنه تعذيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكِيلَه وخَلِيطه
وشَرِيكه - وفي حديث هارون:وشريبه، ثم اتفقا في المتن- فلما رأى الله ذلك منهم،
ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا
وكانوا يعتدون » . ثم قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر،
ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على
بعض، أو ليلعَنْكم كما لعنهم » ، والسياق لأبي سعيد. كذا قال
في رواية هذا الحديث.
وقد رواه
أبو داود أيضًا، عن خَلَف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن
عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عِجْلان الأفطس- عن أبي عبيدة بن عبد الله بن
مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. ثم قال أبو داود:وكذا رواه
خالد، عن العلاء، عن عمرو بن مُرَّة، به. ورواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن
عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله
قال
شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزّي:وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن العلاء، عن
عمرو بن مرة، عن أبي موسى
والأحاديث
في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام.
[ و ] قد تقدم حديث جرير عند قوله [
تعالى ] لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [
المائدة:63 ] ، وسيأتي عند قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [
المائدة:105 ] ، حديثُ أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخُشَنِي [ رضي
الله عنهما ] - فقال الإمام أحمد:
حدثنا
سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن
عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « والذي
نَفْسِي بيده لتَأمُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المُنْكَرِ، أو ليُوشِكَنَّ
الله أن يبعث عليكم عِقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » .
ورواه
الترمذي عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، به. وقال:هذا حديث حسن
وقال أبو
عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه:حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، حدثنا معاوية بن
هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروَة، عن
عائشة قالت:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مُروا
بالمعروف، وانْهَوْا عن المنكر، قبل أن تَدْعوا فلا يستجاب لكم » . تفرد
به، وعاصم هذا مجهول.
وفي
الصحيح من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رَجاء، عن أبيه، عن سعيد - وعن قيس بن مسلم،
عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري- قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من رأى
منكم مُنْكَرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك
أضعف الإيمان » رواه مسلم.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا ابن نُمَيْر، حدثنا سَيْف - هو ابن أبي سليمان سمعت عَدِيّ بن
عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال:حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني:عدي بن عميرة،
رضي الله عنه- يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
الله لا يُعذِّب العامَّة بعَمَلِ الخاصة، حتى يَرَوا المنكر بين ظَهْرانيْهِم،
وهم قادرون على أن ينكروه. فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عَذَّبَ الله العامة
والخاصة » .
ثم رواه
أحمد، عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عدي
بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول، فذكره. هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين.
وقال أبو
داود:حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا مُغِيرة بن زياد الموصلي، عن
عَدِيّ بن عدي، عن العُرْس - يعني ابن عَميرة- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا
عملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها - وقال مرة:فأنكرها- كان كمن غاب
عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها. »
تفرد به
أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن
عدي، مرسلا.
[ و ] قال
أبو داود:حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا حدثنا شعبة - وهذا لفظه- عن عمرو
بن مرة، عن أبي البَخْتَري قال:أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وقال
سليمان:حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم
- قال: « لن يهلك الناس حتى يعْذِروا- أو:يُعْذِروا - من أنفسهم » .
وقال ابن
ماجه:حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن جُدْعان، عن
أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا،
فكان فيما قال: « ألا لا يمنعن رجلا هَيْبَةُ
الناس أن يقول الحق إذا علمه » . قال:فبكى أبو سعيد وقال:قد -
والله- رأينا أشياء، فَهِبْنَا.
وفي حديث
إسرائيل:عن محمد بن حجادة، عن عطية، عن أبي سعيد قال:قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: « أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر » .
رواه أبو
داود، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي:حسن غريب من هذا الوجه.
وقال ابن
ماجه:حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة، عن
أبي غالب، عن أبي أمامة قال:عَرَض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ عند
الجَمْرة الأولى فقال:يا رسول الله، أيّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رَمَى الجمرة
الثانية سأله، فسكت عنه. فلما رمى جمرة العَقَبة، ووضع رجله في الغَرْز ليركب،
قال: « أين السائل؟ » قال:أنا
يا رسول الله، قال: « كلمة حق تقال عند ذي سلطان
جائر » . تفرد به.
وقال ابن
ماجه:حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر وأبو معاوية، عن الأعمش، عن
عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْترِي، عن
أبي سعيد
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا
يَحْقِر أحدكم نفسه » . قالوا:يا رسول الله، كيف
يحقر أحدنا نفسه؟. قال: « يرى أمرًا لله فيه مَقَال، ثم
لا يقول فيه. فيقول الله له يوم القيامة:ما منعك أن تقول فيّ كذا وكذا وكذا؟
فيقول:خَشْيَةَ الناس، فيقول:فإياي كنت أحق أن تَخْشَى » . تفرد
به.
وقال
أيضا:حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فُضَيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد
الله بن عبد الرحمن أبو طُوَالة، حدثنا نَهَارُ العَبْدِيّ؛ أنه سمع أبا سعيد
الخدري يقول:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « إن
الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول:ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا
لَقَّنَ الله عبدًا حجته، قال:يا رب، رَجَوْتُكَ وفَرقْتُ من الناس » . تفرد
به أيضًا ابن ماجه، وإسناده لا بأس به.
وقال
الإمام أحمد:حدثنا عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن
جُنْدَب، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لا
ينبغي لمسلم أن يذل نفسه » . قيل:وكيف يذل نفسه؟ قال: « يتعرض
من البلاء لما لا يطيق » .
وكذا
رواه الترمذي وابن ماجه جميعًا، عن محمد بن بَشَّار، عن عمرو بن عاصم، به. وقال
الترمذي:هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقال ابن
ماجه:حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى بن عُبَيد الخُزَاعي، حدثنا
الهيثم بن حميد، حدثنا أبو مَعْبَد حفص بن غَيْلان الرُّعَيني، عن مكحول، عن أنس
بن مالك قال:قيل:يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: « إذا
ظَهَر فيكم ما ظَهَر في الأمم قبلكم » .
قلنا:يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: « المُلْك
في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رُذالكم » . قال
زيد:تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: « والعلم
في رُذالكم » :إذا كان العلم في الفُسَّاق.
تفرد به
ابن ماجه وسيأتي في حديث أبي ثَعْلَبة، عند قوله: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا
اهْتَدَيْتُمْ [ المائدة:105 ] شاهد
لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وقوله: ( تَرَى
كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قال
مجاهد:يعني بذلك المنافقين. وقوله: (
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) يعني
بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم،
وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًا إلى يوم معادهم؛ ولهذا قال: ( أَنْ
سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) فسر بذلك ما ذمهم به. ثم
أخيرًا أنهم ( وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) يعني
يوم القيامة.
قال ابن
أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلمة بن علي، عن الأعمش بإسناد
ذكره قال: « يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال، ثلاثة في
الدنيا وثلاثة في الآخرة، فأما التي في الدنيا:فإنه يُذهب البهاء، ويُورِث الفقر،
ويُنقِص العمر. وأما التي في الآخرة:فإنه يُوجب سَخَط الرب، وسوء الحساب، والخلود
في النار » . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي
الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ )
هكذا
ذكره ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مَرْدُويه عن طريق هشام بن عمار، عن مسلمة عن
الأعمش، عن شَقِيق، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم - فذكره. وساقه أيضًا
من طريق سعيد بن غُفَير، عن مسلمة، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق،
عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله.
وهذا حديث
ضعيف على كل حال والله أعلم. ثم قال تعالى: (
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنـزلَ إِلَيْهِ مَا
اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ) أي:لو آمنوا حق الإيمان بالله
والرسل والفرقان لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة
المؤمنين بالله والنبي وما أنـزل إليه (
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )
أي:خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنـزيله.