الجزء الرابع
والعشرون
الآيات:
32 - 35 ( فمن أظلم ممن كذب على الله
وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين، والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك
هم المتقون، لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين، ليكفر الله عنهم أسوأ الذي
عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون )
قوله
تعالى: « فمن
أظلم » أي لا
أحد أظلم « ممن
كذب على الله » فزعم أن
له ولدا وشريكا « وكذب
بالصدق إذ جاءه » يعني
القرآن « أليس
في جهنم » استفهام
تقرير « مثوى للكافرين
» أي مقام
للجاحدين، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوي ثواء وثويا مثل مضى مضاء
ومضيا، ولو كان من أثوى لكان مثوى. وهذا يدل على أن ثوى هي اللغة الفصيحة. وحكى
أبو عبيد أثوى، وأنشد قول الأعشى:
أثوى
وقصر ليلة ليزودا ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
والأصمعي
لا يعرف إلا ثوى، ويروى البيت أثوى على الاستفهام. وأثويت غيري يتعدى ولا يتعدى.
قوله
تعالى: « والذي
جاء بالصدق » في موضع
رفع بالابتداء وخبره « أولئك
هم المتقون » واختلف
في الذي جاء بالصدق وصدق به؛ فقال علي رضي الله عنه: « الذي جاء بالصدق » النبي صلى الله عليه وسلم « وصدق به » أبو بكر رضي الله عنه. وقال
مجاهد: النبي عليه السلام وعلي رضي الله عنه. السدي: الذي جاء بالصدق جبريل والذي
صدق به محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن زيد ومقاتل وقتادة: « الذي جاء بالصدق » النبي صلى الله عليه وسلم: « وصدق به » المؤمنون. واستدلوا على ذلك
بقوله: « أولئك
هم المتقون » كما
قال: « هدى
للمتقين » [ البقرة: 2 ] . وقال النخعي ومجاهد: « الذي جاء بالصدق وصدق به » المؤمنون الذين يجيؤون بالقرآن
يوم القيامة فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه؛ فيكون « الذي » على هذا بمعنى جمع كما تكون من
بمعنى جمع. وقيل: بل حذفت منه النون لطول الاسم، وتأول الشعبي على أنه واحد. وقال:
« الذي
جاء بالصدق » محمد
صلى الله عليه وسلم فيكون على هذا خبره جماعة؛ كما يقال لمن يعظم هو فعلوا، وزيد
فعلوا كذا وكذا. وقيل: إن ذلك عام في كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل؛ قاله ابن
عباس وغيره، واختاره الطبري. وفي قراءة ابن مسعود « والذي جاؤوا بالصدق وصدقوا به » وهي قراءة على التفسير. وفي
قراءة أبي صالح الكوفي « والذي
جاء بالصدق وصدق به » مخففا
على معنى وصدق بمجيئه به، أي صدق في طاعة الله عز وجل، وقد مضى في « البقرة » الكلام في « الذي » وأنه يكون واحدا ويكون جمعا. « لهم ما يشاؤون عند ربهم » أي من النعيم في الجنة، كما
يقال: لك إكرام عندي؛ أي ينالك مني ذلك. « ذلك جزاء المحسنين » الثناء في الدنيا والثواب في الآخرة.
قوله
تعالى: « ليكفر
الله عنهم » أي
صدّقوا « ليكفر
الله عنهم » . « أسوأ الذي عملوا » أي يكرمهم ولا يؤاخذهم بما
عملوا قبل الإسلام. «
ويجزيهم أجرهم » أي
يثيبهم على الطاعات في الدنيا « بأحسن
الذي كانوا يعملون » وهي
الجنة.
الآيات:
36 - 37 ( أليس الله بكاف عبده
ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد، ومن يهد الله فما له من مضل
أليس الله بعزيز ذي انتقام )
قوله
تعالى: « أليس
الله بكاف عبده » حذفت
الياء من « كاف » لسكونها وسكون التنوين بعدها؛
وكان الأصل ألا تحذف في الوقف لزوال التنوين، إلا أنها حذفت ليعلم أنها كذلك في
الوصل. ومن العرب من يثبتها في الوقف على الأصل فيقول: كافي. وقراءة العامة « عبده » بالتوحيد يعني محمدا صلى الله
عليه وسلم يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرأ حمزة والكسائي « عباده » وهم الأنبياء أو الأنبياء
والمؤمنون بهم. واختار أبو عبيدة قراءة الجماعة لقوله عقيبه: « ويخوفونك بالذين من دونه » . ويحتمل أن يكون العبد لفظ
الجنس؛ كقوله عز من قائل: « إن
الإنسان لفي خسر » [ العصر:2 ] وعلى هذا تكون القراءة الأولى
راجعة إلى الثانية. والكفاية شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام،
حتى قال إبراهيم عليه السلام. « وكيف
أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله » [
الأنعام: 81 ] . وقال
الجرجاني: إن الله كاف عبده المؤمن وعبده الكافر، هذا بالثواب وهذا بالعقاب.
قوله
تعالى: «
ويخوفونك بالذين من دونه » وذلك
أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مضرة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم
تكف عن ذكرها لتخبلنك أوتصيبنك بسوء. وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى
ليكسرها بالفأس. فقال له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء،
فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى
الله عليه وسلم؛ لأنه الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي صلى الله عليه
وسلم بكثرة جمعهم وقوتهم؛ كما قال: « أم يقولون نحن جميع منتصر » [
القمر: 44 ] « ومن يضلل الله فما له من هاد
» تقدم. « ومن يهد الله فما له من مضل
أليس الله بعزيز ذي انتقام » أي ممن
عاداه أوعادى رسله.
الآية [ 38 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
38 - 41 ( ولئن سألتهم من خلق السماوات
والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن
كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل
المتوكلون، قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون، من يأتيه عذاب
يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم، إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه
ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل )
قوله
تعالى: « ولئن
سألتهم » أي ولئن
سألتهم يا محمد « من خلق
السماوات والأرض ليقولن الله » بين أنهم
مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الخالق هو الله، وإذا كان الله هو الخالق فكيف
يخوفونك بآلهتهم التي هي مخلوقة لله تعالى، وأنت رسول الله الذي خلقها وخلق
السماوات والأرض. « قل
أفرأيتم ما تدعون من دون الله » أي قل
لهم يا محمد بعد اعترافهم بهذا «
أفرأيتم ما تدعون من دون الله » « إن أرادني الله بضر » بشدة وبلاء « هل هن كاشفات ضره » يعني هذه الأصنام « أو أرادني برحمة » نعمة ورخاء « هل هن ممسكات رحمته » قال مقاتل: فسألهم النبي صلى
الله عليه وسلم فسكتوا. وقال غيره: قالوا لا تدفع شيئا قدره الله ولكنها تشفع.
فنزلت: « قل
حسبي الله » ترك
الجواب لدلالة الكلام عليه؛ يعني فسيقولون لا أي لا تكشف ولا تمسك فـ « قل » أنت « حسبي الله » أي عليه توكلت أي اعتمدت و « عليه يتوكل المتوكلون » يعتمد المعتمدون. وقد تقدم
الكلام في التوكل. وقرأ نافع وابن كثير والكوفيون ما عدا عاصما « كاشفات ضره » بغير تنوين. وقرأ أبو عمرو
وشيبة وهي المعروفة من قراءة الحسن وعاصم « هل هن كاشفات ضره » . « ممسكات
رحمته »
بالتنوين على الأصل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لأنه اسم فاعل في معنى
الاستقبال، وإذا كان كذلك كان التنوين أجود. قال الشاعر:
الضاربون
عميرا عن بيوتهم بالليل يوم عمير ظالم عادي
ولوكان
ماضيا لم يجز فيه التنوين، وحذف التنوين على التحقيق، فإذا حذفت التنوين لم يبق
بين الاسمين حاجز فخفضت الثاني بالإضافة. وحذف التنوين كثير في كلام العرب موجود
حسن؛ قال الله تعالى: « هديا
بالغ الكعبة » [ المائدة: ] وقال: « إنا مرسلو الناقة » [ القمر:27 ] قال سيبويه: ومثل ذلك « غير محلي الصيد » [ المائدة: 1 ] وأنشد سيبويه:
هل أنت
باعث دينار لحاجتنا أوعبد رب أخا عون بن مخراق
وقال
النابغة:
احكم
كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام شراع وارد الثمد
معناه
وارد الثمد فحذف التنوين؛ مثل « كاشفات
ضره » .
قوله
تعالى: « قل
ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل » أي على مكانتي أي على جهتي التي تمكنت عندي « فسوف تعلمون » . وقرأ أبو بكر بالجمع « مكاناتكم » . وقد مضى في « الأنعام » . « من يأتيه عذاب يخزيه » أي يهينه ويذله أي في الدنيا
وذلك بالجوع والسيف. « ويحل
عليه عذاب مقيم » أي في
الآخرة. « إنا
أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت
عليهم بوكيل » تقدم.
الآية:
42 ( الله يتوفى الأنفس حين موتها
والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن
في ذلك لآيات لقوم يتفكرون )
قوله
تعالى: « الله
يتوفى الأنفس حين موتها » أي
يقبضها عند فناء آجالها « والتي
لم تمت في منامها » اختلف
فيه. فقيل: يقبضها عن التصرف مع بقاء أرواحها في أجسادها « فيمسك التي قضى عليها الموت
ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى » وهي
النائمة فيطلقها بالتصرف إلى أجل موتها؛ قال ابن عيسى. وقال الفراء: المعنى ويقبض
التي لم تمت في منامها عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها؛ فيكون
التقدير على هذا والتي لم تمت وفاتها نومها. وقال ابن عباس وغيره من المفسرين: إن
أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد
جميعها الرجوع إلى الأجساد أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى
أجسادها. وقال سعيد بن جبير: إن الله يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح
الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف « فيمسك التي قضى عليها الموت
ويرسل الأخرى » أي
يعيدها. قال علي رضي الله عنه: فما رأته نفس النائم وهي في السماء قبل إرسالها إلى
جسدها فهي الرؤيا الصادقة، وما رأته بعد إرسالها وقبل استقرارها في جسدها تلقيها
الشياطين، وتخيل إليها الأباطيل فهي الرؤيا الكاذبة. وقال ابن زيد: النوم وفاة
والموت وفاة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كما تنامون فكذلك تموتون وكما توقظون فكذلك تبعثون ) . وقال عمر: النوم أخو الموت.
وروي مرفوعا من حديث جابر بن عبدالله قيل: يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: ( لا النوم أخو الموت والجنة
لا موت فيها ) خرجه
الدارقطني. وقال ابن عباس: ( في
ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح
التي بها النفس والتحريك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه ) . وهذا قول ابن الأنباري
والزجاج. قال القشيري أبو نصر: وفي هذا بعد إذ المفهوم من الآية أن النفس المقبوضة
في الحال شيء واحد؛ ولهذا قال: « فيمسك
التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى » فإذاً يقبض الله الروح في حالين في حالة النوم وحالة الموت،
فما قبضه في حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبسه عن التصرف فكأنه شيء مقبوض، وما
قبضه في حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم القيامة. وقوله: « ويرسل الأخرى » أي يزيل الحابس عنه فيعود كما
كان. فتوفي الأنفس في حال النوم بإزالة الحس وخلق الغفلة والآفة في محل الإدراك.
وتوفيها في حالة الموت بخلق الموت وإزالة الحس بالكلية. « فيمسك التي قضى عليها الموت » بألا يخلق فيها الإدراك كيف
وقد خلق فيها الموت؟ « ويرسل
الأخرى » بأن
يعيد إليها الإحساس.
وقد
اختلف الناس من هذه الآية في النفس والروح؛ هل هما شيء واحد أو شيئان على ما
ذكرنا. والأظهر أنهما شيء واحد، وهو الذي تدل عليه الآثار الصحاح على ما نذكره في
هذا الباب. من ذلك حديث أم سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي
سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: ( إن الروح إذا قبض تبعه البصر ) وحديث أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألم
تروا الإنسان إذا مات شخص بصره ) قال: ( فذلك حين يتبع بصره نفسه ) خرجهما مسلم. وعنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ( تحضر
الملائكة فإذا كان الرجل صالحا قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد
الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب راض غير غضبان فلا يزال يقال لها ذلك حتى
تخرج ثم يعرج بها إلى السماء... ) وذكر
الحديث وإسناده صحيح خرجه ابن ماجة؛ وقد ذكرناه في التذكرة. وفي صحيح مسلم عن أبي
هريرة قال: ( إذا
خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها... ) . وذكر الحديث. وقال بلال في حديث الوادي: أخذ بنفسي يا
رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابلا له في حديث
زيد بن أسلم في حديث الوادي: ( يا
أيها الناس إن الله قبض أرواحنا ولوشاء ردها إلينا في حين غير هذا ) .
والصحيح
فيه أنه جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة، يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف ويدرج، وبه
إلى السماء يعرج، لا يموت ولا يفنى، وهو مما له أول وليس له آخر، وهو بعينين
ويدين، وأنه ذو ريح طيبة وخبيثة؛ كما في حديث أبي هريرة. وهذه صفة الأجسام لا صفة
الأعراض؛ وقد ذكرنا الأخبار بهذا كله في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة.
وقال تعالى: « فلولا
إذا بلغت الحلقوم » [ الواقعة: 83 ] يعني النفس إلى خروجها من
الجسد؛ وهذه صفة الجسم. والله أعلم.
خرج
البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه
فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وليُسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على
فراشه فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن وليقل سبحانك ربي وضعت جنبي وبك
أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها ) . وقال
البخاري وابن ماجة والترمذي: (
فارحمها ) بدل ( فاغفر لها ) ( وإن أرسلتها فاحفظها بما
تحفظ به عبادك الصالحين ) زاد
الترمذي ( وإذا
استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي وأذن لي بذكره ) . وخرج البخاري عن حذيفة قال:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده؛ ثم
يقول: ( اللهم
باسمك أموت وأحيا ) وإذا
استيقظ قال: ( الحمد
لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ) .
قوله
تعالى: « فيمسك
التي قضى عليها الموت » هذه
قراءة العامة على أنه مسمى الفاعل « الموت » نصبا؛
أي قضى الله عليها وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد؛ لقوله في أول الآية: « الله يتوفى الأنفس » فهو يقضي عليها. وقرأ الأعمش
ويحيى بن وثاب وحمزه والكسائي « قضي
عليها الموت » على ما
لم يسم فاعله. النحاس، والمعنى واحد غير أن القراءة الأولى أبين وأشبه بنسق
الكلام؛ لأنهم قد أجمعوا على «
ويُرسِلُ » ولم
يقرؤوا «
ويُرسَلُ » . وفي
الآية تنبيه على عظيم قدرته وانفراده بالألوهية، وأنه يفعل ما يشاء، ويحيي ويميت،
لا يقدر على ذلك سواه. « إن في
ذلك لآيات لقوم يتفكرون » يعني في
قبض الله نفس الميت والنائم، وإرساله نفس النائم وحبسه نفس الميت وقال الأصمعي
سمعت معتمرا يقول: روح الإنسان مثل كبة الغزل، فترسل الروح، فيمضى ثم تمضى ثم تطوى
فتجيء فتدخل؛ فمعنى الآية أنه يرسل من الروح شيء في حال النوم ومعظمها في البدن
متصل بما يخرج منها اتصالا خفيا، فإذا استيقظ المرء جذب معظم روحه ما انبسط منها
فعاد. وقيل غير هذا؛ وفي التنزيل: « ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي » [ الإسراء: 85 ] أي لا يعلم حقيقته إلا الله.
وقد تقدم في « سبحان
» .
الآيات:
43 - 45 ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء
قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون، قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات
والأرض ثم إليه ترجعون، وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة
وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون )
قوله
تعالى: « أم
اتخذوا من دون الله شفعاء » أي بل
اتخذوا يعني الأصنام وفي الكلام ما يتضمن لم؛ أي « إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون » لم يتفكروا ولكنهم اتخذوا
آلهتهم شفعاء. « قل
أولو كانوا لا يملكون شيئا » أي قل
لهم يا محمد أتتخذونهم شفعاء وإن كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة « ولا يعقلون » لأنها جمادات. وهذا استفهام
إنكار. « قل لله
الشفاعة جميعا » نص في
أن الشفاعة لله وحده كما قال: « من ذا
الذي يشفع عنده إلا بإذنه » [ البقرة: 255 ] فلا شافع إلا من شفاعته « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى » [ الأنبياء: 28 ] . « جميعا » نصب على الحال. فإن قيل: « جميعا » إنما يكون للاثنين فصاعدا
والشفاعة واحدة. فالجواب أن الشفاعة مصدر والمصدر يؤدي عن الاثنين والجميع: « له ملك السماوات والأرض ثم
إليه ترجعون » .
قوله
تعالى: « وإذا
ذكر الله وحده » نصب على
المصدر عند الخليل وسيبويه، وعلى الحال عند يونس. « اشمأزت » قال
المبرد: انقبضت. وهو قول ابن عباس ومجاهد. وقال قتادة: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصت.
وقال المؤرج أنكرت. وأصل الاشمئزاز النفور والازورار. قال عمرو بن كلثوم:
إذا عض
الثقاف بها اشمأزت وولتهم عشوزنة زبونا
وقال أبو
زيد: اشمأز الرجل ذعر من الفزع وهو المذعور. وكان المشركون إذا قيل لهم « لا إله إلا الله » نفروا وكفروا. « وإذا ذكر الذين من دونه » يعني الأوثان حين ألقى الشيطان
في أمنية النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة « النجم » تلك الغرانيق العلى وإن
شفاعتهم ترتجى. قاله جماعة المفسرين. « إذا هم يستبشرون » أي يظهر في وجوههم البشر والسرور.
الآية [ 46 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
46 - 48 ( قل اللهم فاطر السماوات
والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ولو أن
للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة
وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما
كانوا به يستهزئون )
قوله
تعالى: « قل
اللهم فاطر السماوات والأرض » نصب
لأنه نداء مضاف وكذا « عالم
الغيب » ولا
يجوز عند سيبويه أن يكون نعتا. « أنت
تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون » وفي صحيح مسلم عن أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف قال: سألت
عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح صلاته إذا قام
من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته ( اللهم رب جبريل وميكائيل
وإسرافيل « فاطر
السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون » اهدني لما اختلف فيه من الحق
بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ولما بلغ الربيع بن خيثم قتل الحسين بن علي رضي الله عنهم
قرأ: « قل
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا
فيه يختلفون » . وقال
سعيد بن جبير: إني لأعرف آية ما قرأها أحد قط فسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، قوله
تعالى: « قل
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا
فيه يختلفون » .
قوله
تعالى: « ولو أن
للذين ظلموا » أي
كذبوا وأشركوا « ما في
الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة » أي من سوء عذاب ذلك اليوم. وقد
مضى هذا في سورة « آل
عمران » و « الرعد » . « وبدا لهم من الله ما لم
يكونوا يحتسبون » من أجل
ما روي فيه ما رواه منصور عن مجاهد قال: عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي
سيئات. وقاله السدي. وقيل: عملوا أعمالا توهموا أنهم يتوبون منها قبل الموت
فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة. ويجوز أن يكونوا
توهموا أنه يغفر لهم من غير توبة فـ « بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون » من دخول النار. وقال سفيان
الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء هذه آيتهم وقصتهم. وقال
عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا، فقيل له: ما هذا الجزع؟
قال: أخاف آية من كتاب الله « وبدا
لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون » فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب. « وبدا لهم » أي ظهر لهم « سيئات ما كسبوا » أي عقاب ما كسبوا من الكفر
والمعاصي. « وحاق
بهم » أي أحاط
بهم ونزل « ما
كانوا به يستهزئون » .
الآيات:
49 - 52 ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم
إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون،
قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فأصابهم سيئات ما كسبوا
والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين، أولم يعلموا أن
الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون )
قوله
تعالى: « فإذا
مس الإنسان ضر دعانا » قيل:
إنها نزلت في حذيفة بن المغيرة. « ثم إذا
خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم » قال قتادة: « على
علم » عندي
بوجوه المكاسب، وعنه أيضا « على
علم » على خير
عندي. وقيل: « على
علم » أي على علم
من الله بفضلي. وقال الحسن: « على
علم » أي بعلم
علمني الله إياه. وقيل: المعنى أنه قال قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي
عند الله منزلة؛ فقال الله: « بل هي
فتنة » أي بل
النعم التي أوتيتها فتنة تختبر بها. قال الفراء: أنث « هي » لتأنيث الفتنة، ولوكان بل هو
فتنة لجاز. النحاس: التقدير بل أعطيته فتنة. « ولكن أكثرهم لا يعلمون » أي لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار.
قوله
تعالى: « قد
قالها » أنث على
تأنيث الكلمة. « الذين
من قبلهم » يعني
الكفار قبلهم كقارون وغيره حيث قال: « إنما أوتيته على علم عندي » . « فما
أغنى عنهم ما كانوا يكسبون » « ما » للجحد أي لم تغن عنهم أموالهم
ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. وقيل: أي فما الذي أغنى أموالهم؟ فـ « ما » استفهام. « فأصابهم سيئات ما كسبوا » أي جزاء سيئات أعمالهم. وقد
يسمى جزاء السيئة سيئة. « والذين
ظلموا » أي
أشركوا « من
هؤلاء » الأمة « سيصيبهم سيئات ما كسبوا » أي بالجوع والسيف. « وما هم بمعجزين » أي فائتين الله ولا سابقيه.
وقد تقدم.
قوله
تعالى: « أولم
يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون » خص المؤمن بالذكر؛ لأنه هو
الذي يتدبر الآيات وينتفع بها. ويعلم أن سعة الرزق قد يكون مكرا واستدراجا،
وتقتيره رفعة وإعظاما.
الآية [ 53 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
53 - 59 ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم،
وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون، واتبعوا أحسن
ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول نفس
يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني
لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين، بلى قد
جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين )
قوله
تعالى: « قل يا
عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » وإن شئت حذفت الياء؛ لأن النداء
موضع حذف. النحاس: ومن أجل ما روي فيه ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر
عن عمر قال: لما اجتمعنا على الهجرة، أتعدت أنا وهشام بن العاصي بن وائل السهمي،
وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، وقلنا: من تأخر منا فقد
حبس فليمض صاحبه. فأصبحت أنا وعياش بن عتبة وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتتن،
فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه
وسلم، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا هم أيضا يقولون هذا في
أنفسهم، فأنزل الله عز وجل في كتابه: « قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
» إلى قوله
تعالى: « أليس في
جهنم مثوى للمتكبرين » قال عمر:
فكتبتها بيدي ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى
فقلت: اللهم فهمنيها فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول
الله صلى الله عليه وسلم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان قوم من المشركين
قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أو بعثوا إليه: إن
ما تدعو إليه لحسن أو تخبرنا أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: « قل يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم » ذكره
البخاري بمعناه. وقد مضى في آخر « الفرقان
» .
وعن ابن
عباس أيضا نزلت في أهل مكة قالوا: بزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي
حرم الله لم يغفر له، وكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس
التي حرم الله فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين أسرفوا
على أنفسهم في العبادة، وخافوا ألا يتقبل منهم لذنوب سبقت لهم في الجاهلية. وقال
ابن عباس أيضا وعطاء نزلت في وحشي قاتل حمزة؛ لأنه ظن أن الله لا يقبل إسلامه:
وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أتى وحشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛
فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ( قد كنت
أحب أن أراك على غير جوار فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام
الله ) قال:
فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله منى توبة؟ فصمت
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: « والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم
الله إلا بالحق ولا يزنون » [ الفرقان: 68 ] إلى آخر الآية فتلاها عليه؛
فقال أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء » [ النساء: 48 ] فدعا به فتلا عليه؛ قال: فلعلي
ممن لا يشاء أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله. فنزلت: « يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » فقال: نعم
الآن لا أرى شرطا. فأسلم. وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء أنها
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: « قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
إن الله يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم » . وفي مصحف ابن مسعود « إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن
يشاء » . قال أبو
جعفر النحاس: وهاتان القراءتان على التفسير، أي يغفر الله لمن يشاء. وقد عرف الله
عز وجل من شاء أن يغفر له، وهو التائب أو من عمل صغيرة ولم تكن له كبيرة، ودل على
أنه يريد التائب ما بعده « وأنيبوا
إلى ربكم » فالتائب
مغفور له ذنوبه جميعا يدل على ذلك « وإني لغفار لمن تاب » [ طه:
82 ] فهذا لا
إشكال فيه. وقال علي بن أبي طالب: ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية: « قل يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله » وقد مضى
هذا في « سبحان » . وقال عبدالله بن عمر: وهذه
أرجى آية في القرآن فرد عليهم ابن عباس وقال أرجى آية في القرآن قوله تعالى: « وإن ربك لذو مغفرة للناس على
ظلمهم » [ الرعد: 6 ] وقد مضى في « الرعد ] . وقرئ » ولا تقنطوا « بكسر النون وفتحها. وقد مضى في
» الحجر « بيانه.»
قوله
تعالى: « وأنيبوا
إلى ربكم » أي ارجعوا
إليه بالطاعة. لما بين أن من تاب من الشرك يغفر له أمر بالتوبة والرجوع إليه،
والإنابة الرجوع إلى الله بالإخلاص. « وأسلموا له » أي اخضعوا له وأطيعوا « من قبل أن يأتيكم العذاب » في الدنيا « ثم لا
تنصرون » أي لا
تمنعون من عذابه. وروى من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من السعادة أن يطيل الله عمر
المرء في الطاعة ويرزقه الإنابة، وإن من الشقاوة أن يعمل المرء ويعجب بعمله ) .
قوله
تعالى: « واتبعوا
أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون » « أحسن ما أنزل » هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته،
واجتنبوا معصيته. وقال السدي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني
المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى علمه. وقال: أنزل الله كتب التوراة والإنجيل
والزبور، ثم أنزل القرآن وأمر باتباعه فهو الأحسن وهو المعجز. وقيل: هذا أحسن لأنه
ناسخ قاض على جميع الكتب وجميع الكتب منسوخة. وقيل: يعني العفو؛ لأن الله تعالى
خير نبيه عليه السلام بين العفو والقصاص. وقيل: ما علم الله النبي عليه السلام
وليس بقرآن فهو حسن؛ وما أوحى إليه من القرآن فهو الأحسن. وقيل: أحسن ما أنزل
إليكم من أخبار الأمم الماضية. « أن تقول
نفس » « أن » في موضع نصب أي كراهة « أن تقول » وعند الكوفيين لئلا تقول وعند
البصريين حذر « أن تقول
» . وقيل:
أي من قبل « أن تقول
نفس » لأنه قال
قيل هذا: « من قبل
أن يأتيكم العذاب » الزمخشري:
فإن قلت لم نكرت؟ قلت: لأن المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر. ويجوز أن يريد
نفسا متميزة من الأنفس، إما بلجاج في الكفر شديد، أو بعقاب عظيم. ويجوز أن يراد
التكثير كما قال الأعشى:
ورب بقيع
لو هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس معضبا
وهو يريد
أفواجا من الكرام ينصرونه لا كريما واحدا، ونظيره: رب بلد قطعت، ورب بطل قارعت،
ولا يقصد إلا التكثير. « ياحسرتا
» والأصل « يا حسرتي » فأبدل من الياء ألف؛ لأنها أخف
وأمكن في الاستغاثة بمد الصوت، وربما ألحقوا بها الهاء؛ أنشد الفراء:
يا مرحباه
بحمار ناجيه إذا أتى قربته للسانيه
وربما
ألحقوا بها الياء بعد الألف؛ لتدل على الإضافة. وكذلك قرأها أبو جعفر: « يا حسرتاي » والحسرة الندامة « على ما فرطت في جنب الله » قال الحسن: في طاعة الله. وقال
الضحاك: أي في ذكر الله عز وجل. قال: يعني القرآن والعمل به. وقال أبو عبيدة: « في جنب الله » أي في ثواب الله. وقال الفراء:
الجنب القرب والجوار؛ يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في جواره؛ ومنه « والصاحب بالجنب » [ النساء: 36 ] أي ما فرطت في طلب جواره وقربه
وهو الجنة. وقال الزجاج: أي على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني
إليه. والعرب تسمي السبب والطريق إلى الشيء جنبا؛ تقول: تجرعت في جنبك غصصا؛ أي
لأجلك وسببك ولأجل مرضاتك. وقيل: « في جنب
الله » أي في
الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله عز وجل وثوابه، والعرب تسمي الجانب جنبا، قال
الشاعر:
قسم مجهودا
لذاك القلب الناس جنب والأمير جنب
يعني الناس
من جانب والأمير من جانب. وقال ابن عرفة: أي تركت من أمر الله؛ يقال ما فعلت ذلك
في جنب حاجتي؛ قال كثير:
ألا تتقين
الله في جنب عاشق له كبد حرى عليك تقطع
وكذا قال
مجاهد؛ أي ضيعت من أمر الله. ويروى عن النبي صلى أنه قال: ( ما جلس رجل مجلسا ولا مشى ممشى
ولا اضطجع مضطجعا لم يذكر الله عز وجل فيه إلا كان عليه ترة يوم القيامة ) أي حسرة؛ خرجه أبو داود بمعناه.
وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله في
الدنيا يوم القيامة في ميزان غيره، قد ورثه وعمل فيه بالحق، كان له أجره وعلى
الآخر وزره، ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله إياه في الدنيا أقرب
منزلة من الله عز وجل، أو يرى رجلا يعرفه أعمى في الدنيا قد أبصر يوم القيامة وعمي
هو. « وإن كنت
لمن الساخرين » أي وما
كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالرسول في الدنيا وبأولياء الله تعالى: قال
قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها ومحل « إن كنت » النصب على الحال؛ كأنه قال: فرطت
وأنا ساخر؛ أي فرطت في حال سخريتي. وقيل: وما كنت إلا في سخرية ولعب وباطل؛ أي ما
كان سعيي إلا في عبادة غير الله تعالى.
قوله
تعالى: « أو تقول
» هذه النفس
« لو أن
الله هداني » أي أرشدني
إلى دينه. وهذا القول لو أن الله هداني لاهتديت قول صدق. وهو قريب من احتجاج
المشركين فيما أخبر الرب جل وعز عنهم في قوله: « سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا » [ الأنعام: 148 ] فهي كلمة حق أريد بها باطل؛ كما
قال علي رضى الله عنه لما قال قائل من الخوارج لاحكم إلا لله. « لكنت من المتقين » أي الشرك والمعاصي. « أو تقول حين ترى العذاب » يعني أن هذه النفس تقول حين ترى
العذاب « لو أن لي
كرة » أي تتمنى
الرجعة. « فأكون من
المحسنين » نصب على
جواب التمني، وإن شئت كان معطوفا على « كرة » لأن معناه
أن أكر؛ كما قال الشاعر:
للبس عباءة
وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف
وأنشد الفراء:
فما لك
منها غير ذكرى وخشية وتسأل عن ركبانها أين يمموا
فنصب وتسأل
على موضع الذكرى؛ لأن معنى الكلام فما لك منها إلا أن تذكر. ومنه للبس عباءة وتقر؛
أي لأن ألبس عباءة وتقر. وقال أبو صالح: كان رجل عالم في بني إسرائيل وجد رقعة: إن
العبد ليعمل الزمان الطويل بطاعة الله فيختم له عمله بعمل أهل النار فيدخل النار،
وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة
فيدخل الجنة؛ فقال: ولأي شيء أتعب نفسي فترك عمله وأخذ في الفسوق والمعصية، وقال
له إبليس: لك عمر طويل فتمتع في الدنيا ثم تتوب، فأخذ في الفسوق وأنفق ماله في
الفجور، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان، فقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله؛
ذهب عمري في طاعة الشيطان، فندم حين لا ينفعه الندم؛ فأنزل الله خبره في القرآن.
وقال قتادة: هؤلاء أصناف؛ صنف منهم قال: « يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله » . وصنف منهم قال: « لو أن الله هداني لكنت من
المتقين » . وقال
آخر: « لو أن لي
كرة فأكون من المحسنين » فقال الله
تعالى ردا لكلامهم: « بلى قد
جاءتك آياتي » قال
الزجاج: « بلى » جواب النفي وليس في الكلام لفظ
النفي، ولكن معنى « لو أن
الله هداني » ما هداني،
وكأن هذا القائل قال ما هديت؛ فقيل: بل قد بين لك طريق الهدى فكنت بحيث لو أردت أن
تؤمن أمكنك أن تؤمن. « آياتي » أي القرآن. وقيل: عنى بالآيات
المعجزات؛ أي وضح الدليل فأنكرته وكذبته. « واستكبرت وكنت من الكافرين » أي تكبرت عن الإيمان « وكنت من الكافرين » . وقال: « استكبرت
وكنت » وهو خطاب
الذكر؛ لأن النفس تقع على الذكر والأنثى. يقال: ثلاثة أنفس. وقال المبرد؛ تقول
العرب نفس واحد أي إنسان واحد. وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة عن النبي صلى الله
عليه وسلم قرأ: « قد جاءتك
آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين » . وقرأ الأعمش: « بلى قد جاءته آياتي » وهذا يدل على التذكير. والربيع بن أنس لم يلحق أم سلمة إلا أن
القراءة جائزة؛ لأن النفس تقع للمذكر والمؤنث. وقد أنكر هذه القراءة بعضهم وقال:
يجب إذا كسر التاء أن تقول وكنت من الكوافر أو من الكافرات. قال النحاس: وهذا لا يلزم؛
ألا ترى أن قبله « أن تقول
نفس » ثم قال: « وإن كنت لمن الساخرين » ولم يقل من السواخر ولا من
الساخرات. والتقدير في العربية على كسر التاء « واستكبرت وكنت » من الجمع الساخرين أو من الناس الساخرين أو من القوم
الساخرين.
الآيات:
60 - 64 ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا
على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين، وينجي الله الذين اتقوا
بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون، الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، له
مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون، قل أفغير الله
تأمروني أعبد أيها الجاهلون )
قوله
تعالى: « ويوم
القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة » أي مما حاط بهم من غضب الله ونقمته. وقال الأخفش: « ترى » غير عامل في قوله: « وجوههم مسودة » إنما هو ابتداء وخبر. الزمخشري:
جملة في موضع الحال إن كان « ترى » من رؤية البصر، ومفعول ثان إن
كان من رؤية القلب. « أليس في
جهنم مثوى للمتكبرين » بين رسول
الله صلى الله عليه وسلم معنى الكبر فقال عليه السلام: ( سفه الحق وغمص الناس ) أي احتقارهم. وقد مضى في « البقرة » وغيرها. وفي حديث عبدالله بن
عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى
بهم إلى سجن جهنم ) .
قوله
تعالى: « وينجي
الله الذين اتقوا » وقرئ: « وينجى » أي من الشرك والمعاصي. « بمفازتهم » على التوحيد قراءة العامة لأنها
مصدر. وقرأ الكوفيون: «
بمفازاتهم » وهو جائز
كما تقول بسعاداتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية من حديث أبي
هريرة، قال: ( يحشر
الله مع كل امرئ عمله فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة وأطيب ريح فكلما كان رعب
أو خوف قال له لا ترع فما أنت بالمراد به ولا أنت بالمعني به فإذا كثر ذلك عليه
قال فما أحسنك فمن أنت فيقول أما تعرفني أنا عملك الصالح حملتني على ثقلي فوالله
لأحملنك ولأدفعن عنك فهي التي قال الله: « وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم
يحزنون » .
« الله
خالق كل شيء » أي حافظ
وقائم به. وقد تقدم.
قوله
تعالى: « له
مقاليد السماوات والأرض » واحدها
مقليد. وقيل: مقلاد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد. والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس
وغيره. وقال السدي: خزائن السماوات والأرض. وقال غيره: خزائن السماوات المطر،
وخزائن الأرض النبات. وفيه لغة أخرى أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد. قال
الجوهري: والإقليد المفتاح، والمقلد مفتاح كالمنجل ربما يقلد به الكلأ كما يقلد
القت إذا جعل حبالا؛ أي يفتل والجمع المقاليد. وأقلد البحر على خلق كثير أي غرقهم
كأنه أغلق عليهم. وخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى: « له مقاليد السماوات والأرض » فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما سألني عنها أحد لا
إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت بيده الخير وهو
على كل شيء قدير ) ذكره الثعلبي في تفسيره، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر
مرات أعطاه الله ست خصال: أولها يحرس من إبليس، والثانية يحضره اثنا عشر ألف ملك،
والثالثة يعطى قنطارا من الأجر، والرابعة ترفع له درجة، والخامسة يزوجه الله من
الحور العين، والسادسة يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل
والزبور، وله أيضا من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته
مات شهيدا. وروى الحارث عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير
المقاليد فقال: ( يا علي لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت
وعشرا إذا أمسيت لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله واستغفر الله
ولا قوة إلا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير
وهو على كل شيء قدير من قالها عشرا إذا أصبح، وعشرا إذا أمسى أعطاه الله خصالا
ستا: أولها يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية يعطى
قنطارا في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة ترفع له درجة لا ينالها
إلا الأبرار، والرابعة يزوجه الله من الحور العين، والخامسة يشهده اثنا عشر ألف
ملك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة يكون له من
الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكمن حج واعتمر فقبل الله
حجته وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أوشهره طبع بطابع الشهداء. وقيل: المقاليد
الطاعة يقال ألقى إلى فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره؛ فمعنى الآية له طاعة من
في السماوات والأرض.
قوله
تعالى: « والذين
كفروا بآيات الله » أي
بالقرآن والحجج والدلالات. « أولئك هم
الخاسرون » تقدم.
قوله
تعالى: « قل أفغير
الله تأمروني أعبد » ذلك حين
دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا هو دين
آبائك. و « غير » نصب بـ « أعبد » على تقدير أعبد غير الله فيما
تأمرونني. ويجوز أن ينتصب بـ « تأمروني
» على حذف
حرف الجر؛ التقدير: أتأمروني بغير الله أن أعبده، لأن أن مقدرة وأن والفعل مصدر،
وهي بدل من غير؛ التقدير: أتأمروني بعبادة غير الله. وقرأ نافع: « تأمروني » بنون واحدة مخففة وفتح الياء.
وقرأ ابن عامر: « تأمرونني
» بنونين
مخففتين على الأصل. الباقون بنون واحدة مشددة على الإدغام، واختاره أبو عبيد وأبو
حاتم؛ لأنها وقعت في مصحف عثمان بنون واحدة. وقرأ نافع على حذف النون الثانية
وإنما كانت المحذوفة الثانية؛ لأن التكرير والتثقيل يقع بها، وأيضا حذف الأولى لا
يجوز؛ لأنها دلالة الرفع. وقد مضى في « الأنعام » بيانه
عند قوله تعالى: « أتحاجوني
» . « أعبد » أي أن أعبد فلما حذف « أن » رفع؛ قاله الكسائي. ومنه قول
الشاعر:
ألا
أيهذا الزاجري أحضر الوغى
والدليل
على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ « أعبد » بالنصب.
الآيات:
65 - 66 ( ولقد
أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، بل الله
فاعبد وكن من الشاكرين )
قوله
تعالى: « ولقد
أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت » قيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا؛ والتقدير: لقد أوحي إليك
لئن أشركت وأوحي إلى الذين من قبلك كذلك. وقيل: هو على بابه؛ قال مقاتل: أي أوحي
إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد والتوحيد محذوف. ثم قال: « لئن أشركت » يا محمد: « ليحبطن عملك » وهو خطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم خاصة. وقيل: الخطاب له والمراد أمته؛ إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه
إشراك. والإحباط الإبطال والفساد؛ قال القشيري: فمن ارتد لم تنفعه طاعاته السابقة
ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر؛ ولهذا قال: « من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو
كافر فأولئك حبطت أعمالهم » [ البقرة: 217 ] فالمطلق ها هنا محمول على
المقيد؛ ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لا يجب عليه إعادة الحج.
قلت: هذا
مذهب الشافعي. وعند مالك تجب عليه الإعادة وقد مضى في « البقرة » بيان هذا مستوفى.
قوله
تعالى: « بل الله
فاعبد » النحاس:
في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله عز وجل منصوب بـ « اعبد » قال: ولا اختلاف في هذا بين
البصريين والكوفيين. قال النحاس: وقال الفراء يكون منصوبا بإضمار فعل. وحكاه
المهدوي عن الكسائي. فأما الفاء فقال الزجاج: إنها للمجازاة. وقال الأخفش: هي
زائدة. وقال ابن عباس: « فاعبد » أي فوحد. وقال غيره: « بل الله » فأطع « وكن من الشاكرين » لنعمه بخلاف المشركين.
الآية [ 67 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
67 - 68 ( وما قدروا الله حق قدره والأرض
جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، ونفخ
في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا
هم قيام ينظرون )
قوله
تعالى: « وما
قدروا الله حق قدره » قال
المبرد: ما عظموه حق عظمته من قولك فلان عظيم القدر. قال النحاس: والمعنى على هذا
وما عظموه حق عظمته إذا عبدوا معه غيره وهو خالق الأشياء ومالكها. ثم أخبر عن
قدرته وعظمته فقال: « والأرض
جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه » . ثم نزه نفسه عن أن يكون ذلك
بجارحة فقال: « سبحانه
وتعالى عما يشركون » . وفي
الترمذي عن عبدالله قال: جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن
الله يمسك السماوات على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول أنا الملك. فضحك النبي صلى
الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: « وما قدروا الله حق قدره » . قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول
أنا الملك أين ملوك الأرض ) . وفي
الترمذي عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: « والأرض جميعا قبضته يوم القيامة
والسماوات مطويات بيمينه » قالت: قلت
فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: ( على جسر جهنم ) في رواية ( على
الصراط يا عائشة ) قال:
حديث حسن صحيح. وقوله: « والأرض
جميعا قبضته » ( ويقبض الله الأرض ) عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع
مخلوقاته؛ يقال: ما فلان إلا في قبضتي، بمعنى ما فلان إلا في قدرتي، والناس يقولون
الأشياء في قبضته يريدون في ملكه وقدرته. وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء
وإذهابه فقوله جل وعز: « والأرض
جميعا قبضته » يحتمل أن
يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون
السبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله: « والأرض
جميعا » ولأن
الموضع موضع تفخيم وهو مقتضٍ للمبالغة. وقوله: « والسماوات مطويات بيمينه » ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب،وإنما المراد بذلك الفناء
والذهاب؛ يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. وانطوى عنا دهر بمعنى المضى
والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بمعنى القدرة والملك؛ ومنه قوله تعالى: « أو ما ملكت أيمانكم » [ النساء:3 ] يريد به الملك؛ وقال: « لأخذنا منه باليمين » [ الحاقة: 45 ] أي بالقوة والقدرة أي لأخذنا
قوته وقدرته. قال الفراء والمبرد: اليمين القوة والقدرة. وأنشدا:
إذا ما
راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
وقال آخر:
ولما رأيت
الشمس أشرق نورها تناولت منها حاجتي بيمين
قتلت شنيفا
ثم فاران بعده وكان على الآيات غير أمين
وإنما خص
يوم القيامة بالذكر وإن كانت قدرته شاملة لكل شيء أيضا؛ لأن الدعاوى تنقطع ذلك
اليوم، كما قال: « والأمر
يومئذ لله » [ الانفطار: 19 ] وقال: « مالك يوم الدين » [ الفاتحة: 3 ] حسب ما تقدم في « الفاتحة » ولذلك قال في الحديث: ( ثم يقول أنا الملك أين ملوك
الأرض ) وقد زدنا
هذا الباب في التذكرة بيانا، وتكلمنا على ذكر الشمال في حديث ابن عمر قوله: ( ثم يطوي الأرض بشماله ) .
قوله
تعالى: « ونفخ في
الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى » بين ما يكون بعد قبض الأرض وطي
السماء وهو النفخ في الصور، وإنما هما نفختان؛ يموت الخلق في الأولى منهما ويحيون
في الثانية وقد مضى الكلام في هذا في « النمل » و « الأنعام » أيضا. والذي ينفخ في الصور هو
إسرافيل عليه السلام. وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن صاحبي
الصور بأيديهما - أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران ) خرجه ابن ماجة في السنن. وفي
كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صاحب الصور، وقال: ( عن يمينه جبرائيل وعن يساره
ميكائيل ) . واختلف
في المستثنى من هم؟ فقيل: هم الشهداء متقلدين أسيافهم حول العرش. روي مرفوعا من
حديث أبي هريرة فيما ذكر القشيري، ومن حديث عبدالله بن عمر فيما ذكر الثعلبي.
وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام. وروي من حديث أنس أن
النبي صلى الله عليه وسلم تلا: » ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض
إلا من شاء الله « فقالوا:
يا نبي الله من هم الذين استثنى الله تعالى؟ قال: ( هم جبريل وميكائيل وإسرافيل
وملك الموت فيقول الله تعالى لملك الموت يا ملك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم
فيقول يا رب بقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت فيقول الله تعالى
خذ نفس إسرائيل وميكائيل فيخران ميتين كالطودين العظيمين فيقول مت يا ملك الموت
فيموت فيقول الله تعالى لجبريل يا جبريل من بقي فيقول تباركت وتعاليت ذا الجلال
والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني فيقول الله تعالى يا جبريل لا بد
من موتك فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت يا ذا الجلال
والإكرام ) قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن فضل
خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الظرب من الظراب ) ذكره الثعلبي. وذكره النحاس
أيضا من حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله
عليه وسلم في قوله جل وعز: » فصعق من
في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله « قال: ( جبريل
وميكائيل وحملة العرش وملك الموت وإسرافيل ) وفي هذا الحديث: ( إن آخرهم موتا جبريل عليه وعليهم السلام ) وحديث أبي هريرة في الشهداء أصح
على ما تقدم في « النمل » . وقال الضحاك: هو رضوان والحور ومالك والزبانية. وقيل:
عقارب أهل النار وحياتها. وقال الحسن: هو الله الواحد القهار وما يدع أحدا من أهل
السماء والأرض إلا أذاقه الموت. وقال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقيل: الاستئناء في
قوله: » إلا من
شاء الله « يرجع إلى
من مات قبل النفخة الأولى؛ أي فيموت من في السماوات والأرضى إلا من سبق موته لأنهم
كانوا قد ماتوا.»
وفي
الصحيحين وابن ماجة واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود بسوقي المدينة،
والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه؛ قال: تقول هذا وفينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( قال الله عز وجل: « ونفخ في الصور فصعق من في
السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون » فأكون أول من رفع رأسه فإذا
أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى
الله ومن قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ) وخرجه الترمذي أيضا وقال فيه: حديث حسن صحيح. قال القشيري:
ومن حمل الاستثناء على موسى والشهداء فهؤلاء قد ماتوا غير أنهم أحياء عند الله.
فيجوز أن تكون الصعقة بزوال العقل دون زوال الحياة، ويجوز أن تكون بالموت، ولا
يبعد أن يكون الموت والحياة فكل ذلك مما يجوزه العقل، والأمر في وقوعه موقوف على
خبر صدق.
قلت: جاء
في بعض طرق أبي هريرة أنه عليه السلام قال: ( لا تخيروني على موسى فان الناس يصعقون فأكون أول من يفيق
فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى
الله ) خرجه
مسلم. ونحوه عن أبي سعيد الخدري؛ والإفاقة إنما تكون عن غشية وزوال عقل لا عن موت
برد الحياة. والله أعلم.
قوله
تعالى: « فإذا هم
قيام ينظرون » أي فإذا
الأموات من أهل الأرض والسماء أحياء بعثوا من قبورهم، وأعيدت إليهم أبدانهم
وأرواحهم، فقاموا ينظرون ماذا يؤمرون. وقيل: قيام على أرجلهم ينظرون إلى البعث
الذي وعدوا به. وقيل: هذا النظر بمعنى الانتظار؛ أي ينتظرون ما يفعل بهم. وأجاز
الكسائي قياما بالنصب؛ كما تقول: خرجت فإذا زيد جالسا.
الآيات:
69 - 70 ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع
الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما
عملت وهو أعلم بما يفعلون )
قوله
تعالى: « وأشرقت
الأرض بنور ربها » إشراقها
إضاءتها؛ يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت وشرقت إذا طلعت. ومعنى: « بنور ربها » بعدل ربها؛ قاله الحسن وغيره.
وقال الضحاك: بحكم ربها؛ والمعنى واحد؛ أي أنارت وأضاءت بعدل الله وقضائه بالحق
بين عباده. والظلم ظلمات والعدل نور. وقيل: إن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه
وجه الأرض فتشرق الأرض به. وقال ابن عباس: النور المذكور ها هنا ليس من نور الشمس
والقمر، بل هو نور يخلقه الله فيضيء به الأرض. وروي أن الأرض يومئذ من فضة تشرق
بنور الله تعالى حين يأتي لفصل القضاء. والمعنى أنها أشرقت بنور خلقه الله تعالى،
فأضاف النور إليه على حد إضافة الملك إلى المالك. وقيل: إنه اليوم الذي يقضي فيه
بين خلقه؛ لأنه نهار لا ليل معه. وقرأ ابن عباس وعبيد بن عمير: « وأشرقت الأرض » على ما لم يسم فاعله وهي قراءة
على التفسير. وقد ضل قوم ها هنا فتوهموا أن الله عز وجل من جنس النور والضياء
المحسوس، وهو متعال عن مشابهة المحسوسات، بل هو منور السماوات والأرض، فمنه كل نور
خلقا وإنشاء. وقال أبو جعفر النحاس: وقوله عز وجل: « وأشرقت الأرض بنور ربها » يبين هذا الحديث المرفوع من طرق
كثيرة صحاح ( تنظرون
إلى الله عز وجل لا تضامون في رؤيته ) وهو يروى على أربعة أوجه: لا تضامون ولا تضارون ولا تضامون
ولا تضارون؛ فمعنى ( لا
تضامُون ) لا
يلحقكم ضيم كما يلحقكم في الدنيا في النظر إلى الملوك. و ( لا تضارُون ) لا يلحقكم ضير. و ( لا تضامُّون ) لا ينضم بعضكم إلى بعض ليسأله
أن يريه. و ( لا
تضارُّون ) لا يخالف
بعضكم بعضا. يقال: ضاره مضارة وضرارا أي خالفه.
قوله
تعالى: « ووضع
الكتاب » قال ابن
عباس: يريد اللوح المحفوظ. وقال قتادة: يريد الكتاب والصحف التي فيها أعمال بني
آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. « وجيء
بالنبيين » أي جيء
بهم فسألهم عما أجابتهم به أممهم. « والشهداء » الذين
شهدوا على الأمم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: « وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا
شهداء على الناس » [ البقرة: 143 ] . وقيل: المراد بالشهداء الذي
استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله؛ قاله السدي. قال
ابن زيد: هم الحفظة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم. قال الله تعالى: « وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد » [ ق: 21 ] فالسائق يسوقها إلى الحساب
والشهيد يشهد عليها، وهو الملك الموكل بالإنسان على ما يأتي بيانه في « ق ] . » وقضي بينهم بالحق « أي بالصدق والعدل. » وهم لا يظلمون « قال سعيد بن جبير: لا ينقص من
حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. » ووفيت كل
نفس ما عملت « من خير
أو شر. » وهو أعلم
بما يفعلون « في
الدنيا ولا حاجة به عز وجل إلى كتاب ولا إلى شاهد، ومع ذلك فتشهد الكتب، والشهود
إلزاما للحجة.»
الآيات:
71 - 72 ( وسيق الذين كفروا إلى جهنم
زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم
آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين،
قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين )
قوله
تعالى: « وسيق
الذين كفروا إلى جهنم زمرا » هذا بيان
توفية كل نفس عملها، فيساق الكافر إلى النار والمؤمن إلى الجنة. والزمر: الجماعات
واحدتها زمرة كظلمة وغرفة. وقال الأخفش وأبو عبيدة: « زمرا » جماعات متفرقة بعضها إثر بعض.
قال الشاعر:
وترى الناس
إلى منزله زمرا تنتابه بعد زمر
وقال آخر:
حتى احزألت
زمر بعد زمر
وقيل: دفعا
وزجرا بصوت كصوت المزمار. « حتى إذا
جاؤوها فتحت أبوابها » جواب إذا،
وهي سبعة أبواب. وقد مضى في « الحجر » . « وقال لهم خزنتها » واحدهم خازن نحو سدنة وسادن، « ألم يأتكم رسل منكم » يقولون لهم تقريعا وتوبيخا. « ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم
آيات ربكم » أي الكتب
المنزلة على الأنبياء. «
وينذرونكم لقاء يومكم هذا » أي
يخوفونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى « أي قد جاءتنا، وهذا اعتراف منهم بقيام الحجة عليهم » ولكن حقت كلمة العذاب على
الكافرين « وهي قوله
تعالى: » لأملأن
جهنم من الجنة والناس أجمعين « [ السجدة: 13 ] . » قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين
فيها « أي يقال
لهم ادخلوا جهنم. وقد مضى الكلام في أبوابها. قال وهب: تستقبلهم الزبانية بمقامع
من نار فيدفعونهم بمقامعهم، فإنه ليقع في الدفعة الواحدة إلى النار بعدد ربيعة
ومضر. » فبئس مثوى
المتكبرين « تقدم
بيانه.»
الآية [ 73 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
73 - 75 ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى
الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم
فادخلوها خالدين، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة
حيث نشاء فنعم أجر العاملين، وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم
وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين )
قوله
تعالى: « وسيق
الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا » يعني من الشهداء والزهاد والعلماء والقراء وغيرهم، ممن اتقى
الله تعالى وعمل بطاعته. وقال في حق الفريقين: « وسيق » بلفظ
واحد، فسوق أهل النار طردهم إليها بالخزي والهوان، كما يفعل بالأسارى والخارجين
على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، وسوق أهل الجنان سوق مراكبهم إلى دار
الكرامة والرضوان؛ لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين كما يفعل بمن يشرف ويكرم من
الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين. « حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها » قيل: الواو هنا للعطف عطف على
جملة والجواب محذوف. قال المبرد: أي سعدوا وفتحت، وحذف الجواب بليغ في كلام العرب.
وأنشد:
فلو أنها
نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا
فحذف
جواب لو والتقدير لكان أروح. وقال الزجاج: « حتى إذا جاؤوها » دخلوها وهو قريب من الأول. وقيل: الواو زائدة. قال الكوفيون
وهو خطأ عند البصريين. وقد قيل: إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل
أن يأتوا لكرامتهم على الله تعالى، والتقدير حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة، بدليل
قوله: « جنات
عدن مفتحة لهم الأبواب » [ ص: 50 ] وحذف الواو في قصة أهل النار؛
لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد وقوفهم إذلالا وترويعا لهم. ذكره المهدوي وحكى
معناه النحاس قبله. قال النحاس: فأما الحكمة في إثبات الواو في الثاني وحذفها من
الأول، فقد تكلم فيه بعض أهل العلم بقول لا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وهو أنه لما
قال الله عز وجل في أهل النار: « حتى
إذا جاؤوها فتحت أبوابها » دل بهذا
على أنها كانت مغلقة ولما قال في أهل الجنة: « حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها » دل بهذا على أنها كانت مفتحة
قبل أن يجيؤوها؛ والله أعلم. وقيل: إنها واو الثمانية. وذلك من عادة قريش أنهم
يعدون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية.
قال أبو بكر بن عياش. قال الله تعالى: « سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام » [ الحاقة: 7 ] وقال: « التائبون العابدون » [ التوبة: 112 ] ثم قال في الثامن: « والناهون عن المنكر » [ التوبة: 112 ] وقال: « ويقولون سبعة وثامنهم » [ الكهف: 22 ] وقال « ثيبات وأبكارا » [ التحريم: 5 ] وقد مضى القول في هذا في « براءة » مستوفى وفي « الكهف » أيضا.
قلت: وقد
استدل بهذا من قال إن أبواب الجنة ثمانية؛ وذكروا حديث عمر بن الخطاب، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ الوضوء - ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) خرجه مسلم وغيره. وقد خرج
الترمذي حديث عمر هذا وقال فيه: ( فتح
له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة ) بزيادة من وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية. وقد
ذكرنا ذلك في كتاب التذكرة وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر بابا، وذكرنا هناك عظم أبوابها
وسعتها حسب ما ورد في الحديث من ذلك، فمن أراده وقف عليه هناك.
قوله
تعالى: « وقال
لهم خزنتها » قيل:
الواو ملغاة تقديره حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها « قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم » أي في الدنيا. قال مجاهد:
بطاعة الله. وقيل: بالعمل الصالح. حكاه النقاش والمعنى واحد. وقال مقاتل: إذا
قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت
بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه: « سلام عليكم » بمعنى التحية « طبتم فادخلوها خالدين » .
قلت: خرج
البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ( يخلص
المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقص لبعضهم من بعض مظالم
كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد
بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ) وحكى النقاش: إن على باب
الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان يشرب المؤمنون من إحداهما فتطهر أجوافهم وذلك قوله
تعالى: « وسقاهم
ربهم شرابا طهورا » [ الإنسان: 21 ] ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب
أبشارهم فعندها يقول لهم خزنتها: « سلام
عليكم طبتم فادخلوها خالدين » وهذا
يروى معناه عن علي رضي الله عنه.
قوله
تعالى: « وقالوا
الحمد لله الذي صدقنا وعده » أي إذا
دخلوا الجنة قالوا هذا. «
وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء » أي أرض الجنة قيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت تكون لأهل النار
لو كانوا مؤمنين؛ قاله أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وأكثر المفسرين وقيل:
إنها أرض الدنيا على التقديم والتأخير. « فنعم أجر العاملين » قيل: هو من قولهم أي نعم الثواب هذا. وقيل: هو من قول الله
تعالى؛ أي نعم ثواب المحسنين هذا الذي أعطيتهم.
قوله
تعالى: « وترى
الملائكة » يا محمد
« حافين
» أي
محدقين « من حول
العرش » في ذلك
اليوم « يسبحون
بحمد ربهم » متلذذين
بذلك لا متعبدين به؛ أي يصلون حول العرش شكرا لربهم. والحافون أخذ من حافات الشيء
ونواحيه. قال الأخفش: واحدهم حاف. وقال الفراء: لا واحد له إذ لا يقع لهم الاسم
إلا مجتمعين. ودخلت « من » على « حول » لأنه ظرف والفعل يتعدى إلى
الظرف بحرف وبغير حرف. وقال الأخفش: « من » زائدة
أي حافين حول العرش. وهو كقولك: ما جاءني من أحد، فمن توكيد. الثعلبي: والعرب تدخل
الباء أحيانا في التسبيح وتحذفها أحيانا، فيقولون: سبح بحمد ربك، وسبح حمدا لله؛
قال الله تعالى: « سبح
اسم ربك الأعلى » [ الأعلى: 1 ] وقال: « فسبح باسم ربك العظيم » [ الواقعة: 74 ] . « وقضي بينهم بالحق » بين أهل الجنة والنار. وقيل:
قضى بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء وبين أممهم بالحق والعدل. « وقيل الحمد لله رب العالمين » أي يقول المؤمنون الحمد لله
على ما أثابنا من نعمه وإحسانه ونصرنا على من ظلمنا. وقال قتادة في هذه الآية:
افتتح الله أول الخلق بالحمد لله، فقال: « الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور » [ الأنعام:1 ] وختم بالحمد فقال: « وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد
لله رب العالمين » فلزم
الاقتداء به، والأخذ في ابتداء كل أمر بحمده وخاتمته بحمده. وقيل: إن قول « الحمد لله رب العالمين » من قول الملائكة فعلى هذا يكون
حمدهم لله تعالى على عدله وقضائه. وروي من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قرأ على المنبر آخر سورة « الزمر » فتحرك
المنبر مرتين.
سورة
غافر
مقدمة
السورة
سورة
غافر، وهي سورة المؤمن، وتسمى سورة الطول وهي مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة
وجابر. وعن الحسن إلا قوله: « وسبح
بحمد ربك » [ غافر: 55 ] لأن الصلوات نزلت بالمدينة.
وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة وهما « إن الذين يجادلون في آيات
الله » [ غافر: 56 ] والتي بعدها. وهي خمس وثمانون
آية. وقيل ثنتان وثمانون آية.
وفي مسند
الدارمي قال: حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: كن الحواميم يسمين
العرائس. وروي من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « الحواميم ديباج القرآن » وروي عن ابن مسعود مثله. وقال
الجوهري وأبو عبيدة: وآل حم سور في القرآن. قال ابن مسعود: آل حم ديباج القرآن.
قال الفراء: إنما هو كقولك آل فلان وآل فلان كأنه نسب السورة كلها إلى حم؛ قال الكميت:
وجدنا
لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعزب
قال أبو
عبيدة: هكذا رواها الأموي بالزاي، وكان أبو عمرو يرويها بالراء. فأما قول العامة
الحواميم فليس من كلام العرب. وقال أبو عبيدة: الحواميم سور في القرآن على غير
قياس؛ وأنشد قائلا:
وبالحواميم
التي قد سبغت
قال:
والأولى أن تجمع بذوات حم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لكل شيء ثمرة وإن ثمرة
القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة
فليقرأ الحواميم ) . وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ( مثل
الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب ) ذكرهما الثعلبي. وقال أبو عبيد: وحدثني حجاج بن محمد عن أبي
معشر عن محمد بن قيس قال: رأى رجل سبع جوار حسان مزينات في النوم فقال لمن أنتن
بارك الله فيكن فقلن نحن لمن قرأنا نحن الحواميم.
الآيات:
1 - 4 ( حم، تنزيل الكتاب من الله
العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه
المصير، ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد )
قوله
تعالى: « حم » اختلف في معناه؛ فقال عكرمة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( « حم » اسم من أسماء الله تعالى وهي
مفاتيح خزائن ربك ) قال
ابن عباس: « حم » اسم الله الأعظم. وعنه: « الر » و « حم » و « ن » حروف الرحمن مقطعة. وعنه أيضا:
اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وقال قتادة: إنه اسم من أسماء القرآن. مجاهد:
فواتح السور. وقال عطاء الخراساني: الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم،
والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور؛ يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا
سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما « حم » فإنا لا
نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بدء أسماء وفواتح سور ) وقال الضحاك والكسائي: معناه
قضي ما هو كائن. كأنه أراد الإشارة إلى تهجي « حم » ؛ لأنها
تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم؛ أي قضي ووقع. وقال كعب بن مالك:
فلما
تلاقيناهم ودارت بنا الرحى وليس لأمر حمه الله مدفع
وعنه
أيضا: إن المعنى حم أمر الله أي قرب؛ كما قال الشاعر:
قد حم
يومي فسر قوم قوم بهم غفلة ونوم
ومنه
سميت الحمى؛ لأنها تقرب من المنية. والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من
أعدائه كيوم بدر. وقيل: حروف هجاء؛ قال الجرمي: ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت
مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت؛ فتقول: قرأت « حم » فتنصب؛ ومنه:
يذكرني
حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وقرأ
عيسى بن عمر الثقفي: « حم » بفتح الميم على معنى اقرأ حم
أو لالتقاء الساكنين. ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها. والإمالة والكسر للالتقاء
الساكنين، أو على وجه القسم. وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم. الباقون بالوصل.
وكذلك في « حم.
عسق » . وقرأ
أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء. وروي عن أبي
عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة. الباقون بالفتح مشبعا.
قوله
تعالى: « تنزيل
الكتاب » ابتداء
والخبر « من
الله العزيز العليم » . ويجوز
أن يكون « تنزيل
» خبرا
لمبتدأ محذوف؛ أي هذا « تنزيل
الكتاب » . ويجوز
أن يكون « حم » مبتدأ و « تنزيل » خبره والمعنى: أن القرآن أنزله
الله وليس منقولا ولا مما يجوز أن يكذب به.
قوله
تعالى: « غافر
الذنب وقابل التوب شديد العقاب » قال
الفراء: جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة. وقال الزجاج: هي خفض على البدل. النحاس:
وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن « غافر
الذنب وقابل التوب » يجوز أن
يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال
فيكونا نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل، ويجوز
النصب على الحال، فأما « شديد
العقاب » فهو
نكره ويكون خفضه على البدل. قال ابن عباس: « غافر الذنب » لمن قال: « لا إله
إلا الله » « وقابل التوب » ممن قال: « لا إله إلا الله » « شديد العقاب » لمن لم يقل: « لا إله إلا الله » . وقال ثابت البناني: كنت إلى
سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا تمر فيه الدواب، قال: فاستفتحت « حم. تنزيل الكتاب من الله
العزيز العليم » فمر علي
رجل على دابة فلما قلت « غافر
الذنب » قال: قل
يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي، فلما قلت: « قابل التوب » قال: قل يا قابل التوب تقبل توبتي، فلما قلت: « شديد العقاب » قال: قل يا شديد العقاب اعف
عني، فلما قلت: « ذي
الطول » قال: قل
يا ذا الطول طل علي بخير؛ فقمت إليه فأخذ ببصري، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا.
وقال أهل الإشارة: « غافر
الذنب » فضلا « وقابل التوب » وعدا « شديد العقاب » عدلا « لا إله إلا هو إليه المصير » فردا. وروي عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام؛ فقيل له: تتابع في هذا
الشراب؛ فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك، وأنا أحمد الله إليك
الذي لا إله إلا هو: « بسم
الله الرحمن. حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد
العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير » ثم ختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا،
ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة، فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول: قد وعدني
الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت
توبته. فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسددوه
وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. و « التوب » يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب
توبا، ويحتمل أن يكون جمع توبة نحو دومة ودوم وعزمة وعزم؛ ومنه قوله:
فيخبو
ساعة ويهب ساعا
ويجوز أن
يكون التوب بمعنى التوبة. قال أبو العباس: والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدرا؛ أي
يقبل هذا الفعل، كما تقول قالا قولا، وإذا كان جمعا فمعناه يقبل التوبات. « ذي الطول لا إله إلا هو » على البدل وعلى النعت؛ لأنه
معرفة. وأصل الطول الإنعام والفضل يقال منه: اللهم طل علينا أي انعم وتفضل. قال
ابن عباس: « ذي
الطول » ذي
النعم. وقال مجاهد: ذي الغنى والسعة؛ ومنه قوله تعالى: « ومن لم يستطع منكم طولا » [ النساء: 25 ] أي غنى وسعة. وعن ابن عباس
أيضا: « ذي
الطول » ذي
الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. وقال عكرمة: « ذي الطول » ذي
المن. قال الجوهري: والطول بالفتح المن؛ يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن
عليه. وقال محمد بن كعب: « ذي
الطول » ذي
التفضل؛ قال الماوردي: والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب. والتفضل إحسان
غير مستحق. والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره. وقيل: لأنه طالت مدة
إنعامه. « إليه
المصير » أي
المرجع.
قوله
تعالى: « ما
يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا » سجل سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر، والمراد الجدال
بالباطل، من الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق، وإطفاء نور الله تعالى. وقد دل
على ذلك في قوله تعالى: «
وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق » . [
غافر:5 ] . فأما
الجدال فيها لإيضاح ملتبسها، وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها،
ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله. وقد مضى هذا المعنى في « البقرة » عند قوله تعالى: « ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم
في ربه » [ البقرة: 258 ] مستوفى. « فلا يغررك تقلبهم في البلاد » « فلا يغررك » وقرئ: « فلا يغرك » « تقلبهم » أي تصرفهم « في البلاد » فإني إن أمهلتهم لا أهملهم بل
أعاقبهم. قال ابن عباس: يريد تجارتهم من مكة إلى الشام وإلى اليمن. وقيل: « لا يغررك » ما هم فيه من الخير والسعة في
الرزق فإنه متاع قليل في الدنيا. وقال الزجاج: « لا يغررك » سلامتهم
بعد كفرهم فإن عاقبتهم الهلاك. وقال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين
يجادلون في القرآن: قوله: « ما
يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا » ، وقوله: « وإن
الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد » [
البقرة: 176 ] .
الآية [ 5 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
5 - 9 ( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب
من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم
فكيف كان عقاب، وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار، الذين
يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا
وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، ربنا
وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز
الحكيم، وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم )
قوله
تعالى: « كذبت
قبلهم قوم نوح » على تأنيث
الجماعة أي كذبت الرسل. « والأحزاب
من بعدهم » أي والأمم
الذين تحزبوا عل أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود فمن بعدهم. « وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه » أي ليحبسوه ويعذبوه. وقال قتادة
والسدي: ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك؛ كقوله: « ثم أخذتهم فكيف كان نكير » [ الحج: 44 ] . والعرب تسمي الأسير الأخيذ؛
لأنه مأسور للقتل؛ وأنشد قطرب قول الشاعر:
فإما
تأخذوني تقتلوني فكم من آخذ يهوى خلودي
وفي وقت
أخذهم لرسولهم قولان: أحدهما عند دعائه لهم. الثاني عند نزول العذاب بهم. « وجادلوا بالباطل ليدحضوا به
الحق » أي
ليزيلوا. ومنه مكان دحض أي مزلقة، والباطل داحض؛ لأنه يزلق ويزل فلا يستقر. قال
يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان. « فأخذتهم » أي بالعذاب. « فكيف كان عقاب » أي عاقبة الأمم المكذبة. أي أليس
وجدوه حقا.
قوله
تعالى: « وكذلك
حقت » أي وجبت
ولزمت؛ مأخوذ من الحق لأنه اللازم. « كلمة ربك » هذه قراءة
العامة على التوحيد. وقرأ نافع وابن عامر: « كلمات » جمعا. « على الذين كفروا أنهم أصحاب
النار » قال
الأخفش: أي لأنهم وبأنهم. قال الزجاج: ويجوز إنهم بكسر الهمزة. « أصحاب النار » أي المعذبون بها وتم الكلام.
قوله
تعالى: « الذين
يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به » ويروى: أن حملة العرش أرجلهم في
الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشراف
الملائكة وأفضلهم. ففي الحديث: ( أن الله
تبارك وتعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا
لهم على سائر الملائكة ) . ويقال:
خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوامه خفقان الطير المسرع
ثمانين ألف عام. وقيل: حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين
مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم، ورافعين
أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف، وقد وضعوا الإيمان على
الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: « العرش » بضم العين؛ ذكر جميعه الزمخشري
رحمه الله. وقيل: اتصل هذا بذكر الكفار؛ لأن المعنى والله أعلم - « الذين يحملون العرش ومن حوله » ينزهون الله عز وجل عما يقوله
الكفار وأقاويل أهل التفسير على أن العرش هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله عز
وجل، وأمر ملائكة بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا وأمر
بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة. وروى ابن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن
محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ( أذن لي
أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير
سبعمائة عام ) ذكره
البيهقي وقد مضى في « البقرة » في آية الكرسي عظم العرش وأنه
أعظم المخلوقات. وروى ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن كعب الأحبار أنه قال: لما
خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقا أعظم مني؛ فاهتز فطوقه الله بحية،
للحية سبعون ألف جناح، في الجناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل
وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان. يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح
عدد قطر المطر، وعدد ورق الشجر، وعدد الحصى والثرى، وعدد أيام الدنيا وعدد
الملائكة أجمعين، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية وهي ملتوية به. وقال
مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب
نور وحجاب ظلمة. « ربنا » أي يقولون « ربنا » « وسعت كل شيء رحمة وعلما » أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، فلما نقل الفعل عن الرحمة والعلم
نصب على التفسير. « فاغفر
للذين تابوا » أي من
الشرك والمعاصي « واتبعوا
سبيلك » أي دين
الإسلام. « وقهم
عذاب الجحيم » أي اصرفه
عنهم حتى لا يصل إليهم. قال إبراهيم النخعي: كان أصحاب عبدالله يقولون الملائكة
خير من ابن الكواء؛ هم يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، قال
إبراهيم: وكانوا يقولون لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة. وقال مطرف بن
عبدالله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد
الله الشيطان، وتلا هذه الآية. وقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية:
افهموها فما في العالم جنة أرجى منها؛ إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع
المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين. وقال خلف
بن هشام البزار القارئ: كنت أقرأ على سليم بن عيسى فلما بلغت: « ويستغفرون للذين آمنوا » بكى ثم قال: يا خلف ما أكرم
المؤمن على الله نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له.
قوله
تعالى: « ربنا
وأدخلهم جنات عدن » يروى أن
عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن. قال: قصور من ذهب في الجنة يدخلها
النبيون والصديقون والشهداء وأئمة العدل. « التي وعدتهم » « التي » في محل نصب نعتا للجنات. « ومن صلح » « من » في محل
نصب عطفا على الهاء والميم في قوله: « وأدخلهم » . « ومن صلح » بالإيمان « من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم » وقد مضى في « الرعد » نظير هذه الآية. قال سعيد بن
جبير: يدخل الرجل الجنة، فيقول: يا رب أين أبي وجدي وأمي؟ وأين ولدي وولد ولدي؟
وأين زوجاتي؟ فيقال إنهم لم يعملوا كعملك؛ فيقول: يا رب كنت أعمل لي ولهم؛ فيقال
ادخلوهم الجنة. ثم تلا: « الذين
يحملون العرش ومن حوله » إلى قوله:
« ومن صلح
من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم » . ويقرب
من هذه الآية قوله: « والذين
آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم » [
الطور: 21 ] .
قوله
تعالى: « وقهم
السيئات » قال
قتادة: أي وقهم ما يسوءهم، وقيل: التقدير وقهم عذاب السيئات وهو أمر من وقاه الله
يقيه وقاية بالكسر؛ أي حفظه. « ومن تق
السيئات يومئذ فقد رحمته » أي بدخول
الجنة « وذلك هو
الفوز العظيم » أي النجاة
الكبيرة.
الآيات:
10 - 12 ( إن الذين كفروا ينادون لمقت
الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، قالوا ربنا أمتنا اثنتين
وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل، ذلكم بأنه إذا دعي الله
وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير )
قوله
تعالى: « إن الذين
كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم » قال الأخفش: « لمقت » هذه لام الابتداء وقعت بعد « ينادون » لأن معناه يقال لهم والنداء قول.
وقال غيره: المعنى يقال لهم: « لمقت
الله » إياكم في
الدنيا « إذ تدعون
إلى الإيمان فتكفرون » « أكبر » من مقت بعضكم بعضا يوم القيامة؛
لأن بعضهم عادى بعضا ومقته يوم القيامة، فأذعنوا عند ذلك، وخضعوا وطلبوا الخروج من
النار. وقال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفس؛ فتقول
الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا وقد بعث إليكم
الرسل فلم تؤمنوا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن: يعطون كتابهم فإذا نظروا
إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون « لمقت الله » إياكم في
الدنيا « إذ تدعون
إلى الإيمان فتكفرون » « أكبر من مقتكم أنفسكم » اليوم. وقال معناه مجاهد. وقال
قتادة: المعنى « لمقت
الله » لكم « إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون » « أكبر من مقتكم أنفسكم » إذ عاينتم النار. فإن قيل: كيف يصح أن يمقتوا أنفسهم؟ ففيه
وجهان: أحدهما أنهم أحلوها بالذنوب محل الممقوت. الثاني أنهم لما صاروا إلى حال
زال عنهم الهوى، وعلموا أن نفوسهم هي التي أبقتهم في المعاصي مقتوها. وقال محمد بن
كعب القرظي: إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك: « إنكم ماكثون » على ما يأتي. قال بعضهم لبعض: يا
هؤلاء إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون، فهلم فلنصبر فلعل الصبر
ينفعنا، كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا، فأجمعوا رأيهم
على الصبر فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فنادوا « سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص » [ إبراهيم: 21 ] أي من ملجأ؛ فقال إبليس عند
ذلك: « إن الله
وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان » [ إبراهيم: 22 ] إلى قوله: « ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي
» [ إبراهيم: 22 ] يقول: بمغن عنكم شيئا « إني كفرت بما أشركتمون من قبل » [ إبراهيم: 22 ] فلما سمعوا مقالته مقتوا
أنفسهم. قال: فنودوا « لمقت
الله أكبر من مقتهم أنفسهم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون » إلى قوله: « فهل إلى خروج من سبيل » قال فرد عليهم: « ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده
كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير » ذكره ابن المبارك.
قوله
تعالى: « قالوا
ربنا أمتنا اثنتين » اختلف أهل
التأويل في معنى قولهم: « أمتنا
اثنتين وأحييتنا اثنتين » فقال ابن
مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم ثم
أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا، ثم أحياهم للبعث والقيامة، فهاتان
حياتان موتتان، وهو قوله تعالى: « كيف
تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم » [ البقرة: 28 ] . وقال السدي: أميتوا في الدنيا
ثم أحياهم في القبور للمسألة، ثم أميتوا ثم أحيوا في الآخرة. وإنما صار إلى هذا؛
لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة. واستدل العلماء من هذا في إثبات سؤال
القبر، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة؟ والروح
عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد، وهو حي لنفسه
لا يتطرق إليه موت ولا غشية ولا فناء. وقال ابن زيد في قوله: « ربنا أمتنا اثنتين... » الآية قال: خلقهم في ظهر آدم
وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم.
وقد مضى هذا في « البقرة » . « فاعترفنا بذنوبنا » اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف
وندموا حيث لا ينفعهم الندم. « فهل إلى
خروج من سبيل » أي هل نرد
إلى الدنيا لنعمل بطاعتك؛ نظيره: « هل إلى
مرد من سبيل » [ الشورى: 44 ] وقوله: « فارجعنا نعمل صالحا » [ السجدة: 12 ] وقوله: « يا ليتنا نرد » [ الأنعام: 27 ] الآية.
قوله
تعالى: « ذلكم
بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم » « ذلكم » في موضع رفع أي الأمر « ذلكم » أو « ذلكم » العذاب الذي أنتم فيه بكفركم.
وفي الكلام متروك تقديره فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرد. وذلك لأنكم « إذا دعي الله » أي وحد الله « وحده كفرتم » وأنكرتم أن تكون الألوهية له
خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله. قال الثعلبي: وسمعت بعض العلماء
يقول: « وإن يشرك
به » بعد الرد
إلى الدنيا لوكان به « تؤمنوا » تصدقوا المشرك؛ نظيره: « ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه » . « فالحكم لله العلي الكبير » عن أن تكون له صاحبة أو ولد.
الآية [ 13 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
13 - 17 ( هو الذي يريكم آياته وينزل لكم
من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب، فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره
الكافرون، رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر
يوم التلاق، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد
القهار، اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب )
قوله
تعالى: « هو الذي
يريكم آياته » أي دلائل
توحيده وقدرته « وينزل
لكم من السماء رزقا » جمع بين
إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه
الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح
والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. « وما يتذكر » أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد
الله « إلا من
ينيب » أي يرجع
إلى طاعة الله. « فادعوا
الله » أي اعبدوه
« مخلصين
له الدين » أي
العبادة. وقيل: الطاعة. « ولو كره
الكافرون » عبادة
الله فلا تعبدوا أنتم غيره.
قوله
تعالى: « رفيع
الدرجات ذو العرش » « ذو العرش » على إضمار مبتدأ. قال الأخفش:
ويجوز نصبه على المدح. ومعنى « رفيع
الدرجات » أي رفيع
الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن
سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة فـ « رفيع » على هذا
بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا
أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق
لها غيره قال الحليمي. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى
والحمد لله. « ذو العرش
» أي خالقه
ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثل عرش فلان أي زال ملكه وعزه، فهو
سبحانه « ذو العرش
» بمعنى
ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. « يلقي الروح » أي الوحي والنبوة « على من يشاء من عباده » وسمي ذلك روحا لأن الناس يحيون
به؛ أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح
القرآن؛ قال الله تعالى: « وكذلك
أوحينا إليك روحا من أمرنا » [ الشورى: 52 ] . وقيل: الروح جبريل؛ قال الله
تعالى: « نزل به
الروح الأمين على قلبك » [ الشعراء: 193 ] وقال: « قل نزله روح القدس من ربك بالحق
» [ النحل: 102 ] . « من أمره » أي من قوله. وقيل: من قضائه.
وقيل: « من » بمعنى الباء أي بأمره. « على من يشاء من عباده » وهم الأنبياء يشاء هو أن يكونوا
أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. « لينذر
يوم التلاق » أي إنما
يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: « لينذر » يرجع إلى
الرسول. وقيل: أي لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق « يوم التلاق » . وقرأ ابن عباس والحسن وابن
السميقع « لتنذر » بالتاء خطابا للنبي عليه السلام.
« يوم
التلاق » قال ابن
عباس وقتاده: يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا وأبو العالية
ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم
والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد
واحد؛ روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى.
قوله
تعالى: « يوم هم
بارزون » يكون بدلا
من يوم الأول. وقيل: « هم » في موضع رفع بالابتداء و « بارزون » خبره والجملة في موضع خفض
بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من « يوم » وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا
كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا
ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى: « بارزون » خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء؛
لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما تقدم في « طه » بيانه. « لا يخفى على الله منهم شيء » قيل: إن هذا هو العامل في « يوم هم بارزون » أي لا يخفى عليه شيء منهم ومن
أعمالهم « يوم هم
بارزون » . « لمن الملك اليوم لله الواحد
القهار » وذلك عند
فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد
يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: « لله
الواحد القهار » . النحاس:
وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: ( يحشر الناس على أرض بيضاء مثل
الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي « لمن الملك اليوم » فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم « لله الواحد القهار » فيقول المؤمنون هذا الجواب « سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون
غما وانقيادا وخضوعا. فأما أن يكون هذا والخلق غير موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة
فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل.»
قلت:
والقول الأول ظاهر جدا؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي
المدعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم
ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء: « أنا الملك أين ملوك الأرض » كما تقدم في حديث أبي هريرة
وفي حديث ابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين
الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: « لمن الملك اليوم » هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد بن
كعب قوله سبحانه: « لمن
الملك اليوم » يكون
بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا
فيقول: « لمن
الملك اليوم » فلا
يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: « لله الواحد القهار » لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي مناد فيقول: « لمن الملك اليوم » فيجيبه أهل الجنة: « لله الواحد القهار » فالله أعلم. ذكره الزمخشري.
قوله
تعالى: « اليوم
تجزى كل نفس بما كسبت » أي يقال
لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت » من خير أوشر. « لا ظلم اليوم » أي لا ينقص أحد شيئا مما عمله.
« إن الله
سريع الحساب » أي لا
يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب؛ لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء
فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في
ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في « البقرة » . وفي
الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
الآيات:
18 - 22 (
وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع
يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه
لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير، أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان
عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله
بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا
فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب )
قوله
تعالى: « وأنذرهم
يوم الآزفة » أي يوم
القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف
أزفا؛ قال النابغة:
أزف
الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد
أي قرب.
ونظير هذه الآية: « أزفت
الآزفة » [ النجم: 57 ] أي قربت الساعة. وكان بعضهم
يتمثل ويقول:
أزف
الرحيل وليس لي من زاد غير الذنوب لشقوتي ونكادي
« إذ
القلوب لدى الحناجر كاظمين » على
الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس « لدى الحناجر » في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن
يكون التقدير « وأنذرهم
» كاظمين.
وأجاز رفع « كاظمين » على أنه خبر للقلوب. وقال:
المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع « كاظمين » على
الابتداء. وقد قيل: إن المراد بـ « يوم
الآزفة » يوم
حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا « إذ
القلوب لدى الحناجر » عند
حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا
تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: « وأفئدتهم هواء » . وقيل: هذا إخبار عن نهاية
الجزع؛ كما قال: « وبلغت
القلوب الحناجر » وأضيف
اليوم إلى « الآزفة » على تقدير يوم القيامة « الآزفة » أو يوم المجادلة « الآزفة » . وعند الكوفيين هو من باب
إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. « ما للظالمين من حميم » أي من قريب ينفع « ولا شفيع يطاع » فيشفع فيهم.
قوله
تعالى: « يعلم
خائنة الأعين » قال
المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة وقال ابن عباس: هو الرجل يكون
جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة
فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه
أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد
هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه
فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما
رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال
الفراء: « خائنة
الأعين » النظرة
الثانية « وما تخفي
الصدور » النظرة
الأولى. وقال ابن عباس: « وما تخفي
الصدور » أي هل
يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: « وما تخفي الصدور » تكنه وتضمره. ولما جيء بعبدالله بن أبي سرح إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت
رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: « نعم » فلما
انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ( ما صمتُّ إلا ليقوم إليه
بعضكم فيضرب عنقه ) فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله، فقال: ( إن
النبي لا تكون له خائنة أعين ) .
قوله
تعالى: « والله
يقضي بالحق » أي
يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر
عليها. « والذين
يدعون من دونه » يعني
الأوثان « لا يقضون
بشيء » لأنها
لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين
وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: « تدعون » بالتاء. « إن الله هو السميع البصير » « هو » زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في
موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن.
قوله
تعالى: « أولم
يسيروا في الأرض فينظروا » في موضع
جزم عطف على « يسيروا » ويجوز أن يكون في موضع نصب على
أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. « كيف كان عاقبة » اسم كان والخبر في « كيف » . و « واق » في موضع خفض معطوف على اللفظ.
ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى
الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن
الإعادة.
الآية [ 23 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
23 - 27 ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا
وسلطان مبين، إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من
عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا
في ضلال، وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر
في الأرض الفساد، وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب )
قوله تعالى:
« ولقد
أرسلنا موسى بآياتنا » وهي التسع
الآيات المذكورة في قوله تعالى: « ولقد
آتينا موسى تسع آيات بينات » [ الإسراء: 101 ] وقد مضى تعيينها. « وسلطان مبين » أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر
ومؤنث. وقيل: أراد بالسلطان التوراة. « إلى فرعون وهامان وقارون » خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم؛
ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما؛ لأن
عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. « فقالوا ساحر كذاب » لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر.
قوله
تعالى: « فلما
جاءهم بالحق من عندنا » وهي
المعجزة الظاهرة « قالوا
اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم » قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك
عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل
عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من
أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمل
والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. « وما كيد الكافرين إلا في ضلال » أي في خسران وهلاك، وإن الناس لا
يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا.
قوله
تعالى: « وقال
فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه » « أقتل » جزم؛ لأنه جواب الأمر « وليدع » جزم؛ لأنه أمر و « ذروني » ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن
لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل: هذا يدل على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو
عليك فيجاب؛ فقال: « وليدع
ربه » أي لا
يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. « إني أخاف أن يبدل دينكم » أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه « أو أن يظهر في الأرض الفساد » إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في
الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبدالرحمن
السلمي وابن عامر وأبي عمرو: « وأن يظهر
في الأرض الفساد » وقراءة
الكوفيين « أو أن
يظهر » بفتح
الياء « الفساد » بالرفع وكذلك هي في مصاحف
الكوفيين: « أو » بألف وإليه يذهب أبو عبيد؛ قال:
لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل؛ ولأن « أو » تكون
بمعنى الواو. النحاس: وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في
ذلك بطلان المعاني؛ ولوجاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا؛ لأن
معنى الواو « إني أخاف
» الأمرين
جميعا ومعنى « أو » لأحد الأمرين أي « إني أخاف أن يبدل دينكم » فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض
الفساد.
قوله
تعالى: « وقال
موسى إني عذت بربي وربكم » لما هدده
فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله « من كل
متكبر لا يؤمن بيوم الحساب » أي متعظم
عن الإيمان بالله، وصفته أنه « لا يؤمن
بيوم الحساب » .
الآية:
28 ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون
يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك
كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف
كذاب )
قوله
تعالى: « وقال رجل
مؤمن من آل فرعون » ذكر بعض
المفسرين: أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل: شمعان بالشين المعجمة. قال السهيلي: وهو
أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله: اسمه خبرك. وقيل: حزقيل: ذكره
الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري: واسمه سمعان أو حبيب. وقيل: خربيل
أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيليا أو قبطيا فقال الحسن وغيره: كان قبطيا. ويقال:
إنه كان ابن عم فرعون؛ قاله السدي. قال: وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام؛ ولهذا
قال: « من آل
فرعون » وهذا
الرجل هو المراد بقوله تعالى: « وجاء رجل
من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى » [
القصص: 20 ] الآية.
وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون
وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: « إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك » [ القصص: 20 ] .
وروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال
أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم ) وفي هذا تسلية للنبي صلى الله
عليه وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون؛ فلهذا لم
يتعرض له بسوء. وقيل: كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون؛ عن
السدي أيضا. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم
إيمانه من آل فرعون. فمن جعل الرجل قبطيا فـ « من » عنده
متعلقة بمحذوف صفة الرجل؛ التقدير؛ وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله
وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا فـ « من » متعلقة بـ « يكتم » في موضع المفعول الثاني لـ « يكتم » . القشيري: ومن جعله إسرائيليا
ففيه بعد؛ لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله تعالى: « ولا يكتمون الله حديثا » [ النساء: 42 ] وأيضا ما كان فرعون يحتمل من
بني إسرائيل مثل هذا القول.
قوله
تعالى: « أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله » أي لأن
يقول ومن أجل « أن يقول
ربي الله » فـ « أن » في موضع نصب بنزع الخافض. « وقد جاءكم بالبينات من ربكم » يعني الآيات التسع « من ربكم وإن يكن كاذبا فعليه
كذبه » ولم يكن
ذلك لشك منه في رسالته، صدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف واستنزالا عن الأذى. ولوكان
و « إن يكن » بالنون جاز ولكن حذفت النون
لكثرة الاستعمال على قول سيبويه؛ ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس. « وإن يكن صادقا يصبكم بعض الذي
يعدكم » أي إن لم
يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى « بعض الذي يعدكم » كل الذي يعدكم وأنشد قول لبيد:
تراك أمكنة
إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامها
فبعض بمعنى
كل؛ لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق
الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي: أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفا في الخطاب
وتوسعا في الكلام؛ كما قال الشاعر:
قد يدرك المتأني
بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
وقيل أيضا:
قال ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب كل نوع منها مهلك؛ فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض
تلك الأنواع. وقيل: وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا؛ فالمعنى
يصبكم أحد العذابين. وقيل: أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض
الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضا. وقيل: وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن
آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا. « إن الله لا يهدي من هو مسرف » على نفسه. وقيل: « مسرف » في عناده « كذاب » على ربه إشارة إلى موسى ويكون
هذا من قول المؤمن. وقيل « كذاب » في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون
هذا من قول الله تعالى.
قوله
تعالى: « يكتم
إيمانه » قال
القاضي أبو بكر بن العربي: ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم يتلفظ به بلسانه
لا يكون مؤمنا باعتقاده، وقد قال مالك: إن الرجل إذا نوى بقلبه طلاق زوجته أنه
يلزمه، كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه. فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه
كذلك، لكن ليس على الإطلاق وقد بيناه في أصول الفقه؛ بما لبابه أن المكلف إذ نوى
الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون
مؤمنا بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما
بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الإيمان
أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه
وماله.
روى
البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد
ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: بينا رسول الله صلى الله
عليه وسلم بفناء الكعبة، إذا أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكبه رسول الله صلى
الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ
بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: « أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله
وقد جاءكم بالبينات من ربكم » لفظ
البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن
علي رضي الله عنه قال: اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه
وسلم يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول
بأعلى صوته: ويلكم: « أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله » والله إنه
لرسول الله؛ فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. فقال علي: والله ليوم أبي بكر خير
من مؤمن آل فرعون؛ إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر
أظهر إيمانه وبذل مال ودمه لله عز وجل.
قلت: قول
علي رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصديق فإنه أظهر
إيمانه ولم يكتمه؛ وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا
قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في نوادر الأصول أيضا عن أسماء بنت أبي
بكر رضي الله عنها قالوا لها: ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فقالت: كان المشركون قعودا في المسجد، ويتذاكرون رسول الله صلى
الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم، فقالوا: ألست تقول كذا
في آلهتنا قال: ( بلى ) فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى
الصريخ إلى أبي بكر فقال له: أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد
وهو يقول: ويلكم « أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم » فلهوا عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره
إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام؛ إكرام إكرام.
الآيات:
29 - 33 ( يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين
في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما
أهديكم إلا سبيل الرشاد، وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب،
مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد، ويا قوم
إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل
الله فما له من هاد )
قوله
تعالى: « ياقوم لكم
الملك اليوم » هذا من
قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله « يا قوم » دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم
إلى نفسه فقال: « يا قوم » ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه « لكم الملك » فأشكروا الله على ذلك. « ظاهرين في الأرض » أي غالبين وهو نصب على الحال أي
في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره، كقوله: « وكذلك مكنا ليوسف في الأرض » . [ يوسف: 21 ] أي في أرض مصر. « فمن ينصرنا من بأس الله إن
جاءنا » أي من
عذاب الله تحذيرا لهم من نقمه إن كان موسى صادقا، فذكر وحذر « قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى
» فعلم
فرعون ظهور حجته فقال: « ما أريكم
إلا ما أرى » . قال
عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي. « وما أهديكم إلا سبيل الرشاد » في تكذيب موسى والإيمان بي.
قوله
تعالى: « وقال
الذي آمن ياقوم » زادهم في
الوعظ « إني أخاف
عليكم مثل يوم الأحزاب » يعني أيام
العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد.
قوله
تعالى: « ويا قوم
إني أخاف عليكم يوم التناد » زاد في
الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا
بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق « فوقاه الله سيئات ما مكروا » . وقراءة العامة « التناد » بتخفيف الدال وهو يوم القيامة؛
قال أمية بن أبي الصلت:
وبث الخلق
فيها إذ دحاها فهم سكانها حتى التناد
سمي بذلك
لمناداة الناس بعضهم بعضا؛ فينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، وينادي
أصحاب الجنة أصحاب النار: « أن قد
وجدنا ما وعدنا ربنا حقا » وينادي
أصحاب النار أصحاب الجنة: « أن
أفيضوا علينا من الماء » وينادي
المنادى أيضا بالشقوة والسعادة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها
أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وهذا عند وزن الأعمال.
وتنادي الملائكة أصحاب الجنة: « أن تلكمو
الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون » [
الأعراف: 43 ] وينادى
حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت. وينادي كل
قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرأ الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير
ومجاهد: « التناد » بإثبات الياء في الوصل والوقف
على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة « يوم التناد » بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية: هذا لحن؛ لأنه من ند يند
إذا مر على وجهه هاربا؛ كما قال الشاعر:
وبرك هجود
قد أثارت مخافتي نواديها أسعى بعضب مجرد
قال: فلا
معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس: وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى
يوم التنافر. قال الضحاك: ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من
أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه؛
فذلك قوله: « يوم التناد
» . وقوله: « يا معشر الجن والإنس إن استطعتم
أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض » [
الرحمن:33 ] الآية.
وقوله: « والملك
على أرجائها » [ الحاقة: 17 ] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال:
وأخبرنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا عبدالجبار بن عبيدالله بن سلمان في
قوله تعالى: « إني أخاف
عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين » ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم
تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال:
يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى
ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. وقيل: إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه
السلام في الصور نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة،
وفيه فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل
المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين هاربة فتلقاها
الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهي التي يقول الله
تعالى: « يوم
التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد » الحديث بكماله. وقد ذكرناه في
كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن علي بن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من « التناد » في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن
عبدالوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في
الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما
تقدم. وقيل: سمي يوم القيامة يوم التناد؛ لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور
والحسرة. قاله ابن جريج. وقيل: فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد؛
فالله أعلم. « يوم
تولون مدبرين » على البدل
من « يوم
التناد » « ومن يضلل الله فما له من هاد » أي من خلق الله في قلبه الضلال
فلا هادي له. وفي قائله قولان: أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر.
والله أعلم.
الآيات:
13 - 17 ( هو الذي يريكم آياته وينزل
لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب، فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره
الكافرون، رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر
يوم التلاق، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد
القهار، اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب )
قوله
تعالى: « هو
الذي يريكم آياته » أي
دلائل توحيده وقدرته « وينزل
لكم من السماء رزقا » جمع بين
إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوام الأديان، وبالرزق قوام الأبدان. وهذه
الآيات هي السموات والأرضون وما فيهما وما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والرياح
والسحاب والبخار والأنهار والعيون والجبال والأشجار وآثار قوم هلكوا. « وما يتذكر » أي ما يتعظ بهذه الآيات فيوحد
الله « إلا من
ينيب » أي يرجع
إلى طاعة الله. « فادعوا
الله » أي
اعبدوه « مخلصين
له الدين » أي
العبادة. وقيل: الطاعة. « ولو
كره الكافرون » عبادة
الله فلا تعبدوا أنتم غيره.
قوله
تعالى: « رفيع
الدرجات ذو العرش » « ذو العرش » على إضمار مبتدأ. قال الأخفش:
ويجوز نصبه على المدح. ومعنى « رفيع
الدرجات » أي رفيع
الصفات. وقال ابن عباس والكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع. وقال يحيى بن
سلام: هو رفعة درجة أوليائه في الجنة فـ « رفيع » على هذا
بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. وهو على القول الأول من صفات الذات، ومعناه الذي لا
أرفع قدرا منه، وهو المستحق لدرجات المدح والثناء، وهي أصنافها وأبوابها لا مستحق
لها غيره قال الحليمي. وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى
والحمد لله. « ذو
العرش » أي
خالقه ومالكه لا أنه محتاج إليه. وقيل: هو من قولهم: ثل عرش فلان أي زال ملكه
وعزه، فهو سبحانه « ذو
العرش » بمعنى
ثبوت ملكه وسلطانه وقد بيناه في الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. « يلقي الروح » أي الوحي والنبوة « على من يشاء من عباده » وسمي ذلك روحا لأن الناس يحيون
به؛ أي يحيون من موت الكفر كما تحيا الأبدان بالأرواح. وقال ابن زيد: الروح
القرآن؛ قال الله تعالى: « وكذلك
أوحينا إليك روحا من أمرنا » [ الشورى: 52 ] . وقيل: الروح جبريل؛ قال
الله تعالى: « نزل به
الروح الأمين على قلبك » [ الشعراء: 193 ] وقال: « قل نزله روح القدس من ربك
بالحق » [ النحل: 102 ] . « من أمره » أي من قوله. وقيل: من قضائه.
وقيل: « من » بمعنى الباء أي بأمره. « على من يشاء من عباده » وهم الأنبياء يشاء هو أن
يكونوا أنبياء وليس لأحد فيهم مشيئة. « لينذر يوم التلاق » أي إنما يبعث الرسول لإنذار يوم البعث. فقوله: « لينذر » يرجع إلى الرسول. وقيل: أي
لينذر الله ببعثه الرسل إلى الخلائق « يوم التلاق » . وقرأ ابن عباس والحسن وابن السميقع « لتنذر » بالتاء خطابا للنبي عليه
السلام. « يوم
التلاق » قال ابن
عباس وقتاده: يوم تلتقي أهل السماء وأهل الأرض. وقال قتادة أيضا وأبو العالية
ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. وقيل: العابدون والمعبودون. وقيل: الظالم
والمظلوم. وقيل: يلقى كل إنسان جزاء عمله. وقيل: يلتقي الأولون والآخرون على صعيد
واحد؛ روي معناه عن ابن عباس. وكله صحيح المعنى.
قوله تعالى:
« يوم هم
بارزون » يكون
بدلا من يوم الأول. وقيل: « هم » في موضع رفع بالابتداء و « بارزون » خبره والجملة في موضع خفض
بالإضافة؛ فلذلك حذف التنوين من « يوم » وإنما يكون هذا عند سيبويه إذا
كان الظرف بمعنى إذ؛ تقول لقيتك يوم زيد أمير. فإن كان بمعنى إذا لم يجز نحو أنا
ألقاك يوم زيد أمير. ومعنى: « بارزون
» خارجون
من قبورهم لا يسترهم شيء؛ لأن الأرض يومئذ قاع صفصف لا عوج فيها ولا أمتا على ما
تقدم في « طه » بيانه. « لا يخفى على الله منهم شيء » قيل: إن هذا هو العامل في « يوم هم بارزون » أي لا يخفى عليه شيء منهم ومن
أعمالهم « يوم هم
بارزون » . « لمن الملك اليوم لله الواحد
القهار » وذلك
عند فناء الخلق. وقال الحسن: هو السائل تعالى وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا
أحد يجيبه فيجيب نفسه سبحانه فيقول: « لله الواحد القهار » . النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود
قال: ( يحشر
الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر مناد ينادي « لمن الملك اليوم » فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم
« لله
الواحد القهار » فيقول
المؤمنون هذا الجواب « سرورا
وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا. فأما أن يكون هذا والخلق غير
موجودين فبعيد؛ لأنه لا فائدة فيه، والقول صحيح عن ابن مسعود وليس هو مما يؤخذ
بالقياس ولا بالتأويل.»
قلت:
والقول الأول ظاهر جدا؛ لأن المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوي
المدعين وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه ومتكبر وملكه وانقطعت نسبهم
ودعاويهم، ودل على هذا قوله الحق عند قبض الأرض والأرواح وطي السماء: « أنا الملك أين ملوك الأرض » كما تقدم في حديث أبي هريرة
وفي حديث ابن عمر، ثم يطوي الأرض بشماله والسموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين
الجبارون أين المتكبرون. وعنه قوله سبحانه: « لمن الملك اليوم » هو انقطاع زمن الدنيا وبعده يكون البعث والنشر. قال محمد
بن كعب قوله سبحانه: « لمن
الملك اليوم » يكون
بين النفختين حين فني الخلائق وبقي الخالق فلا يرى غير نفسه مالكا ولا مملوكا
فيقول: « لمن
الملك اليوم » فلا
يجيبه أحد؛ لأن الخلق أموات فيجيب نفسه فيقول: « لله الواحد القهار » لأنه بقي وحده وقهر خلقه. وقيل: إنه ينادي مناد فيقول: « لمن الملك اليوم » فيجيبه أهل الجنة: « لله الواحد القهار » فالله أعلم. ذكره الزمخشري.
قوله
تعالى: « اليوم
تجزى كل نفس بما كسبت » أي
يقال لهم إذا أقروا بالملك يومئذ لله وحده « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت » من خير أوشر. « لا ظلم اليوم » أي لا ينقص أحد شيئا مما
عمله. « إن
الله سريع الحساب » أي لا
يحتاج إلى تفكر وعقد يد كما يفعله الحساب؛ لأنه العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء
فلا يؤخر جزاء أحد للاشتغال بغيره؛ وكما يرزقهم في ساعة واحدة يحاسبهم كذلك في
ساعة واحدة. وقد مضى هذا المعنى في « البقرة » . وفي
الخبر: ولا ينتصف النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
الآيات:
18 - 22 (
وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع
يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه
لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير، أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان
عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله
بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا
فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب )
قوله
تعالى: «
وأنذرهم يوم الآزفة » أي
يوم القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف
أزفا؛ قال النابغة:
أزف
الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد
أي
قرب. ونظير هذه الآية: « أزفت
الآزفة » [ النجم: 57 ] أي قربت الساعة. وكان بعضهم
يتمثل ويقول:
أزف
الرحيل وليس لي من زاد غير الذنوب لشقوتي ونكادي
« إذ
القلوب لدى الحناجر كاظمين » على
الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس « لدى الحناجر » في حال كظمهم. وأجاز الفراء
أن يكون التقدير «
وأنذرهم »
كاظمين. وأجاز رفع « كاظمين
» على
أنه خبر للقلوب. وقال: المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي: يجوز رفع « كاظمين » على الابتداء. وقد قيل: إن
المراد بـ « يوم
الآزفة » يوم
حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا « إذ
القلوب لدى الحناجر » عند
حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة: وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا
تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: « وأفئدتهم هواء » . وقيل: هذا إخبار عن نهاية
الجزع؛ كما قال: « وبلغت
القلوب الحناجر » وأضيف
اليوم إلى « الآزفة
» على
تقدير يوم القيامة « الآزفة
» أو
يوم المجادلة « الآزفة
» .
وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. « ما للظالمين من حميم » أي من قريب ينفع « ولا شفيع يطاع » فيشفع فيهم.
قوله
تعالى: « يعلم
خائنة الأعين » قال
المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة وقال ابن عباس: هو الرجل يكون
جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه: هو الرجل ينظر إلى المرأة
فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه
أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد
هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة: هي الهمزة بعينه وإغماضه
فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك: هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما
رأى. وقال السدي: إنها الرمز بالعين. وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة. وقال
الفراء: « خائنة
الأعين »
النظرة الثانية « وما
تخفي الصدور »
النظرة الأولى. وقال ابن عباس: « وما
تخفي الصدور » أي هل
يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: « وما تخفي الصدور » تكنه وتضمره. ولما جيء بعبدالله بن أبي سرح إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت
رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: « نعم » فلما
انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله: ( ما صمتُّ إلا ليقوم إليه
بعضكم فيضرب عنقه ) فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله، فقال: ( إن
النبي لا تكون له خائنة أعين ) .
قوله
تعالى: « والله
يقضي بالحق » أي
يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر
عليها. « والذين
يدعون من دونه » يعني
الأوثان « لا
يقضون بشيء » لأنها
لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين
وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام: « تدعون » بالتاء. « إن الله هو السميع البصير » « هو » زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون
في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن.
قوله
تعالى: « أولم
يسيروا في الأرض فينظروا » في
موضع جزم عطف على « يسيروا
» ويجوز
أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. « كيف كان عاقبة » اسم كان والخبر في « كيف » . و « واق » في موضع خفض معطوف على
اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف
وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن
الإعادة.
الآية
[ 23 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
38 - 44 ( وقال الذي آمن يا قوم اتبعون
أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار،
من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك
يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني
إلى النار، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز
الغفار، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا
إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله
إن الله بصير بالعباد )
قوله
تعالى: « وقال
الذي آمن ياقوم اتبعون » هذا من
تمام ما قاله مؤمن آل فرعون؛ أي اقتدوا بي في الدين. « سبيل الرشاد » أي طريق الهدى وهو الجنة.
وقيل: من قول موسى. وقرأ معاذ بن جبل « الرشاد » بتشديد
الشين وهو لحن عند أكثر أهل العربية؛ لأنه إنما يقال أرشد يرشد ولا يكون فعال من
أفعل إنما يكون من الثلاثي، فإن أردت التكثير من الرباعي قلت: مفعال. قال النحاس:
يجوز أن يكون رشاد بمعنى يرشد لا على أنه مشتق منه، ولكن كما يقال لآل من اللؤلؤ
فهو بمعناه وليس جاريا عليه. ويجوز أن يكون رشاد من رشد يرشد أي صاحب رشاد؛ كما
قال:
كليني
لهم يا أميمة ناصب
الزمخشري:
وقرئ « الرشاد
» فعال من
رشد بالكسر كعلام أو من رشد بالفتح كعباد. وقيل: من أرشد كجبار من أجبر وليس بذاك؛
لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف؛ نحو دراك وسار وقصار وجبار. ولا يصح
القياس على هذا القليل. ويجوز أن يكون نسبته إلى الرشد كعواج وبتات غير منظور فيه
إلى فعل. ووقع في المصحف « اتبعون
» بغير
ياء. وقرأها يعقوب وابن كثير بالإثبات في الوصل والوقف. وحذفها أبو عمرو ونافع في
الوقف وأثبتوها في الوصل، إلا ورشا حذفها في الحالين، وكذلك الباقون؛ لأنها وقعت
في المصحف بغير ياء ومن أثبتها فعلى الأصل.
قوله
تعالى: « ياقوم
إنما هذه الحياة الدنيا متاع » أي
يتمتع بها قليلا ثم تنقطع وتزول. « وإن
الآخرة هي دار القرار » أي
الاستقرار والخلود. ومراده بالدار الآخرة الجنة والنار لأنهما لا يفنيان. بين ذلك
بقوله: « من عمل
سيئة » يعني
الشرك « فلا
يجزى إلا مثلها » وهو
العذاب. « ومن
عمل صالحا » قال ابن
عباس: يعني لا إله إلا الله. « وهو
مؤمن » مصدق
بقلبه لله وللأنبياء. « فأولئك
يدخلون الجنة » بضم
الياء على ما لم يسم فاعله. وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن وأبي عمرو ويعقوب وأبي
بكر عن عاصم؛ يدل عليه « يرزقون
فيها بغير حساب » الباقون
« يدخلون
» بفتح
الياء.
قوله
تعالى: « وياقوم
ما لي أدعوكم إلى النجاة » أي إلى
طريق الإيمان الموصل إلى الجنان «
وتدعونني إلى النار » بين أن
ما قال فرعون من قوله: « وما
أهديكم إلا سبيل الرشاد » [ غافر: 29 ] سبيل الغي عاقبته النار
وكانوا دعوه إلى اتباعه؛ ولهذا قال: « تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم » وهو فرعون « وأنا أدعوكم إلى العزيز
الغفار » . « لا جرم » تقدم الكلام فيه، ومعناه حقا. « أنما تدعونني إليه » « ما » بمعنى الذي « ليس له دعوة » قال الزجاج: ليس له استجابة
دعوة تنفع؛ وقال غيره: ليس له دعوة توجب له الألوهية « في الدنيا ولا في الآخرة » وقال الكلبي: ليس له شفاعة في
الدنيا ولا في الآخرة. وكان فرعون أولا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، ثم دعاهم
إلى عبادة البقر، فكانت تعبد ما كانت شابة، فإذا هرمت أمر بذبحها، ثم دعا بأخرى
لتعبد، ثم لما طال عليه الزمان قال أنا ربكم الأعلى. « وأن المسرفين هم أصحاب النار
» قال
قتادة وابن سيرين يعني المشركين. وقال مجاهد والشعبي: هم السفهاء والسفاكون للدماء
بغير حقها. وقال عكرمة: الجبارون والمتكبرون. وقيل: هم الذي تعدوا حدود الله. وهذا
جامع لما ذكر. و « أن » في المواضع في موضع نصب بإسقاط
حرف الجر. وعلى ما حكاه سيبويه عن الخليل من أن « لا جرم » رد
لكلام يجوز أن يكون موضع « أن » رفعا على تقدير وجب أن ما
تدعونني إليه، كأنه قال: وجب بطلان ما تدعونني إليه، والمرد إلى الله، وكون
المسرفين هم أصحاب النار.
قوله
تعالى: «
فستذكرون ما أقول لكم » تهديد
ووعيد. و « ما » يجوز أن تكون بمعنى الذي أي
الذي أقوله لكم. ويجوز أن تكون مصدرية أي فستذكرون قولي لكم إذا حل بكم العذاب. « وأفوض أمري إلى الله » أي أتوكل عليه وأسلم أمري
إليه. وقيل: هذا يدل على أنهم أرادوا قتله. وقال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل
فلم يقدروا عليه. وقد قيل: القائل موسى. والأظهر أنه مؤمن آل فرعون؛ وهو قول ابن
عباس.
الآيات:
45 - 46 ( فوقاه الله سيئات ما مكروا
وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب )
قوله
تعالى: « فوقاه
الله سيئات ما مكروا » أي من
إلحاق أنواع العذاب به فطلبوه فما وجدوه؛ لأنه فوض أمره إلى الله. قال قتادة: كان
قبطيا فنجاه الله مع بني إسرائيل. فالهاء على هذا لمؤمن آل فرعون. وقيل: إنها
لموسى على ما تقدم من الخلاف. « وحاق
بآل فرعون سوء العذاب » قال
الكسائي: يقال حاق يحيق حيقا وحيوقا إذ نزل ولزم. ثم بين العذاب فقال: « النار يعرضون عليها » وفيه ستة أوجه: يكون رفعا على
البدل من « سوء » . ويجوز أن يكون بمعنى هو
النار. ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء. وقال الفراء: يكون مرفوعا بالعائد على معنى
النار عليها يعرضون، فهذه أربعة أوجه في الرفع، وأجاز الفراء النصب؛ لأن بعدها
عائدا وقبلها ما يتصل به، وأجاز الأخفش الخفض على البدل من « العذاب » . والجمهور على أن هذا العرض
في البرزخ. واحتج بعض أهل العلم في تثبيت عذاب القبر بقوله: « النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا » ما دامت
الدنيا. كذلك قال مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب كلهم قال: هذه الآية تدل على
عذاب القبر في الدنيا، ألا تراه يقول عن عذاب الآخرة: « ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب » . وفي
الحديث عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون ومن كان مثلهم من الكفار تعرض على النار
بالغداة والعشي فيقال هذه داركم. وعنه أيضا: إن أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على
جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها. وروى شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت ميمون
بن مهران يقول: كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي: أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون
على النار. فإذا أمسى نادى: أمسينا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار؛ فلا يسمع
أبا هريرة أحد إلا تعوذ بالله من النار. وفي حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن
عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الكافر إذا مات عرض على النار بالغداة والعشي ثم تلا: « النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا » وإن
المؤمن إذا مات عرض روحه عل الجنة بالغداة والعشي ) وخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: ( إن
أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة
وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم
القيامة ) . قال
الفراء: في الغداة والعشي بمقادير دلك في الدنيا. وهو قول مجاهد. قال: « غدوا وعشيا » قال: من أيام الدنيا. وقال
حماد بن محمد الفزاري: قال رجل للأوزاعي رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية
الغرب، بيضا صغارا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله، فإذا كان العشاء رجعت مثلها
سودا. قال: تلك الطيور في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار غدوا وعشيا،
فترجع إلى أوكارها وقد أحترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل رياشها
بيضا وتتناثر السود، ثم تغدو فتعرض على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكرها فذلك
دأبها ما كانت في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: « أدخلوا آل فرعون أشد العذاب » وهو الهاوية. قال الأوزاعي:
فبلغنا أنهم ألفا ألف وستمائة ألف. و « غدوا » مصدر
جعل ظرفا على السعة. « وعشيا
» عطف
عليه وتم الكلام. « ويوم
تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب » ابتدئ « ويوم
تقوم الساعة » على أن
تنصب يوما بقوله: « أدخلوا
» ويجوز
أن يكون منصوبا بـ « يعرضون
» على
معنى « يعرضون
» على
النار في الدنيا « ويوم
تقوم الساعة » فلا
يوقف عليه. وقرأ نافع وأهل المدينة وحمزة والكسائي: « أدخلوا » بقطع الألف وكسر الخاء من أدخل
وهي اختيار أبي عبيد؛ أي يأمر الملائكة أن يدخلوهم، ودليله « النار يعرضون عليها » . الباقون « أدخلوا » بوصل الألف وضم الخاء من دخل
أي يقال لهم: « أدخلوا
» يا « آل فرعون أشد العذاب » وهو اختيار أبي حاتم. قال: في
القراءة الأولى: « آل » مفعول أول و « أشد » مفعول ثان بحذف الجر، وفي
القراءة الثانية منصوب؛ لأنه نداء مضاف. وآل فرعون: من كان على دينه وعلى مذهبه،
وإذا كان من كان على دينه ومذهبه في أشد العذاب كان هو أقرب إلى ذلك. وروى ابن
مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا منهم يحيى بن
زكريا ولد مؤمنا وحيي مؤمنا ومات مؤمنا وإن العبد يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت
كافرا منهم فرعون ولد كافرا وحيي كافرا ومات كافرا ) ذكره النحاس. وجعل الفراء في
الآية تقديما وتأخيرا مجازه: « أدخلوا
آل فرعون أشد العذاب » . « النار يعرضون عليها غدوا
وعشيا » فجعل
العرض في الآخرة؛ وهو خلاف ما ذهب إليه الجمهور من انتظام الكلام على سياقه على ما
تقدم. والله أعلم.
الآية [ 47 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
47 - 50 ( وإذ يتحاجون في النار فيقول
الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار، قال
الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد، وقال الذين في النار لخزنة
جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات
قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )
قوله
تعالى: « وإذ
يتحاجون في النار » أي
يختصمون فيها « فيقول
الضعفاء للذين استكبروا » عن
الانقياد للأنبياء « إنا
كنا لكم تبعا » فيما
دعوتمونا إليه من الشرك في الدنيا « فهل أنتم مغنون عنا » أي متحملون « نصيبا
من النار » أي جزءا
من العذاب. والتبع يكون واحدا ويكون جمعا في قول البصريين واحده تابع. وقال أهل
الكوفة: هو جمع لا واحد له كالمصدر فلذلك لم يجمع ولو جمع لقيل أتباع. « قال الذين استكبروا إنا كل
فيها » أي في
جهنم. قال الأخفش: « كل » مرفوع بالابتداء. وأجاز الكسائي
والفراء « إنا
كلا فيها » بالنصب
على النعت والتأكيد للمضمر في « إنا » وكذلك قرأ ابن السميقع وعيسى
بن عمر والكوفيون يسمون التأكيد نعتا. ومنع ذلك سيبويه؛ قال: لأن « كلا » لا تنعت ولا ينعت بها. ولا
يجوز البدل فيه لأن المخبر عن نفسه لا يبدل منه غيره، وقال معناه المبرد قال: لا
يجوز أن يبدل من المضمر هنا؛ لأنه مخاطب ولا يبدل من المخاطَب ولا من المخاطِب؛
لأنهما لا يشكلان فيبدل منهما؛ هذا نص كلامه. « إن الله قد حكم بين العباد » أي لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره؛
فكل منا كافر.
قوله
تعالى: « وقال
الذين في النار » من
الأمم الكافرة. ومن العرب من يقول اللذون على أنه جمع مسلم معرب، ومن قال: « الذين » في الرفع بناه كما كان في
الواحد مبنيا. وقال الأخفش: ضمت النون إلى الذي فأشبه خمسة عشر فبني على الفتح. « لخزنة جهنم » خزنة جمع خازن ويقال: خزان
وخزن. « ادعوا
ربكم يخفف عنا يوما من العذاب » « يخفف » جواب مجزوم وإن كان بالفاء كان
منصوبا، إلا أن الأكثر في كلام العرب في جواب الأمر وما أشبهه أن يكون بغير فاء
وعلى هذا جاء القرآن بأفصح اللغات كما قال:
قفا نبك
من ذكرى حبيب ومنزل
قال محمد
بن كعب القرظي: بلغني أو ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة؛ فقال الله تعالى: « وقال الذين في النار لخزنة
جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب » فسألوا يوما واحدا يخفف عنهم فيه العذاب فردت عليهم « أو لم تك تأتيكم رسلكم
بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال » الخبر بطوله. وفي الحديث عن
أبي الدرداء خرجه الترمذي وغيره قال: يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه
من العذاب، فيستغيثون منه فيغاثون بالضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيأكلونه لا
يغني عنهم شيئا، فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا في
الدنيا يجيزون الغصص بالماء، فيستغيثوا بالشراب فيرفع لهم الحميم بالكلاليب، فإذا
دنا من وجوههم شواها، فإذا وقع في بطونهم قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيستغيثون
بالملائكة يقولون: « ادعوا
ربكم يخفف عنا يوما من العذاب »
فيجيبوهم « أولم
تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال » أي خسار وتبار.
الآيات:
51 - 54 ( إنا لننصر رسلنا والذين
آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم
اللعنة ولهم سوء الدار، ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب، هدى
وذكرى لأولي الألباب )
قوله
تعالى: « إنا
لننصر رسلنا » ويجوز
حذف الضمة لثقلها فيقال: « رسْلنا
» والمراد
موسى عليه السلام. « والذين
آمنوا في الحياة الدنيا » في موضع
نصب عطف على الرسل، والمراد المؤمن الذي وعظ. وقيل: هو عام في الرسل والمؤمنين،
ونصرهم بإعلاء الحجج وإفلاحها في قول أبي العالية. وقيل: بالانتقام من أعدائهم.
قال السدي: ما قتل قوم قط نبيا أو قوما من دعاة الحق من المؤمنين إلا بعث الله عز
وجل من ينتقم لهم، فصاروا منصورين فيها وإن قتلوا.
قوله
تعالى: « ويوم
يقوم الأشهاد » يعني
يوم القيامة. قال زيد بن أسلم: «
الأشهاد » أربعة:
الملائكة والنبيون والمؤمنون والأجساد. وقال مجاهد والسدي: « الأشهاد » الملائكة تشهد للأنبياء
بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب. وقال قتادة: الملائكة والأنبياء. ثم قيل: « الأشهاد » جمع شهيد مثل شريف وأشراف.
وقال الزجاج: «
الأشهاد » جمع
شاهد مثل صاحب وأصحاب. النحاس: ليس باب فاعل أن يجمع على أفعال ولا يقاس عليه ولكن
ما جاء منه مسموعا أدي كما سمع، وكان على حذف الزائد. وأجاز الأخفش والفراء: « ويوم تقوم الأشهاد » بالتاء على تأنيث الجماعة. وفي
الحديث عن أبي الدرداء وبعض المحدثين يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من رد عن عرض أخيه المسلم
كان حقا على الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم ) ثم تلا: « إنا
لننصر رسلنا والذين آمنوا » . وعنه
عليه السلام أنه قال: ( من
حمى مؤمنا من منافق يغتابه بعث الله عز وجل يوم القيامة ملكا يحميه من النار ومن
ذكر مسلما بشيء يشينه به وقفه الله عز وجل على جسر من جهنم حتى يخرج مما قال ) . « يوم » بدل من يوم الأول. « لا ينفع الظالمين معذرتهم » قرأ نافع والكوفيون « ينفع » بالياء. الباقون بالتاء. « ولهم اللعنة ولهم سوء الدار » « اللعنة » البعد من رحمة الله و « سوء الدار » جهنم.
قوله
تعالى: « ولقد
آتينا موسى الهدى » هذا دخل
في نصرة الرسل في الدنيا والآخرة أي آتيناه التوراة والنبوة. وسميت التوراة هدى
بما فيها من الهدى والنور؛ وفي التنزيل: « إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور » [ المائدة:44 ] . « وأورثنا بني إسرائيل الكتاب » يعني التوراة جعلناها لهم
ميراثا. « هدى » بدل من الكتاب ويجوز بمعنى هو
هدى؛ يعني ذلك الكتاب. « وذكرى
لأولي الألباب » أي
موعظة لأصحاب العقول.
الآية [ 55 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
55 - 59 ( فاصبر إن وعد الله حق
واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار، إن الذين يجادلون في آيات الله بغير
سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع
البصير، لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وما
يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون،
إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون )
قوله
تعالى: « فاصبر
» أي
فاصبر يا محمد على أذى المشركين، كما صبر من قبلك « إن وعد الله حق » بنصرك وإظهارك، كما نصرت موسى وبني إسرائيل. وقال الكلبي:
نسخ هذا بآية السيف. «
واستغفر لذنبك » قيل:
لذنب أمتك حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: لذنب نفسك على من يجوز
الصغائر على الأنبياء. ومن قال لا تجوز قال: هذا تعبد للنبي عليه السلام بدعاء؛
كما قال تعالى: « وآتنا
ما وعدتنا » [ آل عمران: 194 ] والفائدة زيادة الدرجات وأن
يصير الدعاء سنة لمن بعده. وقيل: فاستغفر الله من ذنب صدر منك قبل النبوة. « وسبح بحمد ربك بالعشي
والإبكار » يعني
صلاة الفجر وصلاة العصر؛ قال الحسن وقتادة. وقيل: هي صلاة كانت بمكة قبل أن تفرض
الصلوات الخمس ركعتان غدوة وركعتان عشية. عن الحسن أيضا ذكره الماوردي. فيكون هذا
مما نسخ والله أعلم. وقوله: « بحمد
ربك » بالشكر
له والثناء عليه. وقيل: « وسبح
بحمد ربك » أي
استدم التسبيح في الصلاة وخارجا منها لتشتغل بذلك عن استعجال النصر.
قوله
تعالى: « إن
الذين يجادلون » يخاصمون
« في
آيات الله بغير سلطان » أي حجة « أتاهم إن في صدورهم إلا كبر
ما هم ببالغيه » قال
الزجاج: المعنى ما في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغي إرادتهم فيه. قدره على الحذف.
وقال غيره: المعنى ما هم ببالغي الكبر على غير حذف؛ لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم أن
اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا
لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب.
والمراد المشركون. وقيل: اليهود؛ فالآية مدنية على هذا كما تقدم أول السور.
والمعنى: إن تعظموا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الدجال سيخرج عن
قريب فيرد الملك إلينا، وتسير معه الأنهار، وهو آية من آيات الله فذلك كبر لا
يبلغونه فنزلت الآية فيهم. قال أبو العالية وغيره. وقد تقدم في « آل عمران » أنه يخرج ويطأ البلاد كلها إلا
مكة والمدينة. وقد ذكرنا خبره مستوفى في كتاب التذكرة. وهو يهودي واسمه صاف ويكنى
أبا يوسف. وقيل: كل من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا حسن؛ لأنه يعم. وقال
مجاهد: معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها والمعنى واحد. وقيل: المراد بالكبر
الأمر الكبير أي يطلبون النبوة أو أمرا كبيرا يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا
يبلغون ذلك. أو يتمنون موتك قبل أن يتم دينك ولا يبلغونه.
قوله
تعالى: « فاستعذ
بالله » قيل: من
فتنة الدجال على قول من قال إن الآية نزلت في اليهود. وعلى القول الآخر من شر
الكفار. قيل: من مثل ما ابتلوا به من الكفر والكبر. « إنه هو السميع البصير » « هو » يكون فاصلا ويكون مبتدأ وما
بعده خبره والجملة خبر إن على ما تقدم. « لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس » مبتدأ وخبره. قال أبو العالية:
أي أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود. وقال يحيى بن سلام: هو احتجاج على منكري
البعث؛ أي هما أكبر من إعادة خلق الناس فلم اعتقدوا عجزي عنها؟. « ولكن أكثر الناس لا يعلمون » أي لا يعلمون ذلك.
قوله
تعالى: « وما
يستوي الأعمى والبصير » أي
المؤمن والكافر والضال والمهتدي. « والذين
آمنوا وعملوا الصالحات » أي ولا
يستوي العامل للصالحات « ولا
المسيء » الذي
يعمل السيئات. « قليلا
ما تتذكرون » قراءة
العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأجل ما قبله من الخبر وما
بعده. وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب.
قوله
تعالى: « إن
الساعة لآتية » هذه لام
التأكيد دخلت في خبر إن وسبيلها أن تكون في أول الكلام؛ لأنها توكيد الجملة إلا
أنها تزحلق عن موضعها؛ كذا قال سيبويه. تقول: إن عمرا لخارج؛ وإنما أخرت عن موضعها
لئلا يجمع بينها وبين إن؛ لأنهما يؤديان عن معنى واحد، وكذا لا يجمع بين إن وأن
عند البصريين. وأجاز هشام إن أن زيدا منطلق حق؛ فإن حذفت حقا لم يجز عند أحد من
النحويين علمته؛ قاله النحاس. « لا ريب
فيها » لا شك
ولا مرية. « ولكن
أكثر الناس لا يؤمنون » أي لا
يصدقون بها وعندها يبين فرق ما بين الطائع والعاصي.
الآيات:
60 - 65 ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين، الله الذي جعل لكم الليل
لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون،
ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون، كذلك يؤفك الذين كانوا
بآيات الله يجحدون، الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن
صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين، هو الحي لا إله
إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين )
قوله
تعالى: « وقال
ربكم ادعوني أستجب لكم » روى
النعمان بن بشير قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الدعاء هو العبادة ) ثم قرأ « وقال ربكم ادعوني استجب لكم
إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين » قال أبو عيسى: هذا حديث حسن
صحيح. فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرون وأن المعنى:
وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم. وقيل: هو الذكر والدعاء والسؤال. قال
أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) ويقال الدعاء: هو ترك الذنوب.
وحكى قتادة أن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا
نبي: كان إذا أرسل نبي قيل له أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة: « لتكونوا شهداء على الناس » [ البقرة: 143 ] وكان يقال للنبي: ليس عليك في
الدين من حرج، وقال لهذه الأمة: « وما
جعل عليكم في الدين من حرج » [ الحج: 78 ] وكان يقال للنبي ادعني استجب
لك، وقال لهذه الأمة: « ادعوني
استجب لكم » .
قلت: مثل
هذا لا يقال من جهة الرأي. وقد جاء مرفوعا؛ رواه ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن
الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا
للأنبياء كان الله تعالى إذا بعث النبي قال ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة: « ادعوني استجب لكم » وكان الله إذا بعث النبي
قال: ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة: « وما جعل عليكم في الدين من
حرج » [ الحج: 78 ] وكان الله إذا بعث النبي
جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر
الأصول. وكان خالد الربعي يقول: عجيب لهذه الأمة قيل لها: « ادعوني استجب لكم » أمرهم بالدعاء ووعدهم
الاستجابة وليس بينهما شرط. قال له قائل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله تعالى: « وبشر الذين آمنوا وعملوا
الصالحات » [ البقرة: 25 ] فها هنا شرط، وقوله: « وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم
صدق » [ يونس: 2 ] ، فليس فيه شرط العمل؛ ومثل
قوله: « فادعوا
الله مخلصين له الدين » [ غافر: 14 ] فها هنا شرط، وقوله تعالى: « ادعوني استجب لكم » ليس فيه شرط. وكانت الأمة تفزع
إلى أنبيائها في حوائجها حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. وقد قيل: إن هذا من باب
المطلق والمقيد على ما تقدم في « البقرة
» بيانه.
أي « استجب
لكم » إن شئت؛
كقوله: « فيكشف
ما تدعون إليه إن شاء » [ الأنعام:41 ] . وقد تكون الاستجابة في غير
عين المطلوب على حديث أبي سعيد الخدري على ما تقدم في « البقرة » بيانه فتأمله هناك. وقرأ ابن
كثير وابن محيصن ورويس عن يعقوب وعياش عن أبي عمرو وأبو بكر والمفضل عن عاصم « سيدخلون » بضم الياء وفتح الخاء على ما
لم يسم فاعله. الباقون « يدخلون
» بفتح
الياء وضم الخاء. ومعنى « داخرين
» صاغرين
أذلاء وقد تقدم.
قوله
تعالى: « الله
الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه » « جعل » هنا بمعنى خلق؛ والعرب تفرق
بين جعل إذا كانت بمعنى خلق وبين جعل إذ لم تكن بمعنى خلق؛ فإذا كانت بمعنى خلق
فلا تعديها إلا إلى مفعول واحد، وإذا لم تكن بمعنى خلق عدتها إلى مفعولين؛ نحو
قوله:إنا جعلناه قرآنا عربيا « وقد
مضى هذا المعنى في موضع. » والنهار
مبصرا « أي
مضيئا لتبصروا فيه حوائجكم وتتصرفوا في طلب معايشكم. » إن الله لذو فضل على الناس
ولكن أكثر الناس لا يشكرون « فضله
وإنعامه عليهم.»
قوله
تعالى: « ذلكم
الله ربكم خالق كل شيء » بين
الدلالة على وحدانيته وقدرته. « لا إله
إلا هو فأنى تؤفكون » أي كيف
تنقلبون وتنصرفون عن الإيمان بعد أن تبينت لكم دلائله كذلك؛ أي كما صرفتم عن الحق
مع قيام الدليل عليه فـ « كذلك
يؤفك » يصرف عن
الحق الذين كانوا بآيات الله يجحدون.
قوله
تعالى: « الله
الذي جعل لكم الأرض قرارا » زاد في
تأكيد التعريف والدليل؛ أي جعل لكم الأرض مستقرا لكم في حياتكم وبعد الموت. « والسماء بناء » تقدم. « وصوركم فأحسن صوركم » أي خلقكم في أحسن صورة. وقرأ
أبو رزين والأشهب العقيلي « صوركم » بكسر الصاد؛ قال الجوهري:
والصور بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة، وينشد هذا البيت على هذه اللغة يصف
الجواري قائلا:
أشبهن من
بقر الخلصاء أعينها وهن أحسن من صيرانها صورا
والصيران
جمع صوار وهو القطيع من البقر والصوار أيضا وعاء المسك وقد جمعهما الشاعر:
إذا لاح
الصوار ذكرت ليلى وأذكرها إذا نفخ الصوار
والصيار
لغة فيه. « ورزقكم
من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين » وقد مضى. « هو الحي » أي الباقي الذي لا يموت « لا إله إلا هو فادعوه مخلصين
له الدين » أي
مخلصين له الطاعة والعبادة. « الحمد
لله رب العالمين » قال
الفراء: هو خبر وفيه إضمار أمر أي ادعوه واحمدوه. وقد مضى هدا كله مستوفى في « البقرة » وغيرها. وقال ابن عباس: من
قال: « لا إله
إلا الله » فليقل « الحمد لله رب العالمين » .
الآية [ 66 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
66 - 68 ( قل إني نهيت أن أعبد الذين
تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين، هو الذي
خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا
شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون، هو الذي يحيي
ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون )
قوله
تعالى: « قل إني
نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله » أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحي القيوم ولا إله غيره
« أن
اعبد » غيره. « لما جاءني البينات من ربي » أي دلائل توحيده « وأمرت أن أسلم لرب العالمين » أذل وأخضع « لرب العالمين » وكانوا دعوه إلى دين آبائه،
فأمر أن يقول هذا.
قوله
تعالى: « هو
الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا » أي أطفالا. « ثم لتبلغوا أشدكم » وهي حالة اجتماع القوة وتمام
العقل. وقد مضى في «
الأنعام » بيانه. « ثم لتكونوا شيوخا » بضم الشين قراءة نافع وابن
محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل؛ لأنه جمع فعل، نحو: قلب وقلوب ورأس
ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل
أشياخ والأصل أشيخ؛ مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرئ « شيخا » على التوحيد؛ كقوله: « طفلا » والمعنى كل واحد منكم؛ واقتصر
على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان
ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة. قال عبيد:
كأنها
شيخة رقوب
وقد شاخ
الرجل يشيخ شيخا بالتحريك على أصله وشيخوخة، وأصل الياء متحركة فسكنت؛ لأنه ليس في
الكلام فعلول. وشيخ تشييخا أي شاخ. وشيخته دعوته شيخا للتبجيل. وتصغير الشيخ شييخ
وشييخ أيضا بكسر الشين ولا تقل شويخ النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل
عين وأعين إلا أنه حسن في عين؛ لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة. « ومنكم من يتوفى من قبل » قال مجاهد: أي من قبل أن يكون
شيخا، أومن قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا. « ولتبلغوا أجلا مسمى » قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. « ولعلكم تعقلون » تعقلون ذلك فتعلموا أن لا إله
غيره.
قوله
تعالى: « هو
الذي يحيي ويميت » زاد في
التنبيه أي هو الذي يقدر على الإحياء والإماتة. « فإذا قضى أمرا » أي أراد فعله « فإنما يقول له كن فيكون » نصب « فيكون
» ابن
عامر على جواب الأمر. وقد مضى في « البقرة
» القول
فيه.
الآية [ 69 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
66 - 68 ( قل إني نهيت أن أعبد الذين
تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين، هو الذي
خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا
شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون، هو الذي يحيي
ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون )
قوله
تعالى: « قل إني
نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله » أي قل يا محمد: نهاني الله الذي هو الحي القيوم ولا إله غيره
« أن
اعبد » غيره. « لما جاءني البينات من ربي » أي دلائل توحيده « وأمرت أن أسلم لرب العالمين » أذل وأخضع « لرب العالمين » وكانوا دعوه إلى دين آبائه،
فأمر أن يقول هذا.
قوله
تعالى: « هو
الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا » أي أطفالا. « ثم لتبلغوا أشدكم » وهي حالة اجتماع القوة وتمام
العقل. وقد مضى في «
الأنعام » بيانه. « ثم لتكونوا شيوخا » بضم الشين قراءة نافع وابن
محيصن وحفص وهشام ويعقوب وأبو عمرو على الأصل؛ لأنه جمع فعل، نحو: قلب وقلوب ورأس
ورؤوس. وقرأ الباقون بكسر الشين لمراعاة الياء وكلاهما جمع كثرة، وفي العدد القليل
أشياخ والأصل أشيخ؛ مثل فلس وأفلس إلا أن الحركة في الياء ثقيلة. وقرئ « شيخا » على التوحيد؛ كقوله: « طفلا » والمعنى كل واحد منكم؛ واقتصر
على الواحد لأن الغرض بيان الجنس. وفي الصحاح: جمع الشيخ شيوخ وأشياخ وشيخة وشيخان
ومشيخة ومشايخ ومشيوخاء، والمرأة شيخة. قال عبيد:
كأنها
شيخة رقوب
وقد شاخ
الرجل يشيخ شيخا بالتحريك على أصله وشيخوخة، وأصل الياء متحركة فسكنت؛ لأنه ليس في
الكلام فعلول. وشيخ تشييخا أي شاخ. وشيخته دعوته شيخا للتبجيل. وتصغير الشيخ شييخ
وشييخ أيضا بكسر الشين ولا تقل شويخ النحاس: وإن اضطر شاعر جاز أن يقول أشيخ مثل
عين وأعين إلا أنه حسن في عين؛ لأنها مؤنثة. والشيخ من جاوز أربعين سنة. « ومنكم من يتوفى من قبل » قال مجاهد: أي من قبل أن يكون
شيخا، أومن قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطا. « ولتبلغوا أجلا مسمى » قال مجاهد: الموت للكل. واللام لام العاقبة. « ولعلكم تعقلون » تعقلون ذلك فتعلموا أن لا إله
غيره.
قوله
تعالى: « هو
الذي يحيي ويميت » زاد في
التنبيه أي هو الذي يقدر على الإحياء والإماتة. « فإذا قضى أمرا » أي أراد فعله « فإنما يقول له كن فيكون » نصب « فيكون
» ابن
عامر على جواب الأمر. وقد مضى في « البقرة
» القول
فيه.
الآية [ 69 ] في الصفحة التالية ...
سورة
فصلت
الآيات:
1 - 5 ( حم، تنزيل من الرحمن الرحيم،
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا
يسمعون، وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك
حجاب فاعمل إننا عاملون )
قوله
تعالى: « حم،
تنزيل من الرحمن الرحيم » قال
الزجاج: « تنزيل
» رفع
بالابتداء وخبره « كتاب
فصلت آياته » وهذا
قول البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: « كتاب » بدل من قوله: « تنزيل » . وقيل: نعت لقوله: « تنزيل » . وقيل: « حم » أي هذه « حم » كما تقول باب كذا، أي هو باب
كذا فـ « حم » خبر ابتداء مضمر أي هو « حم » ، وقوله: « تنزيل » مبتدأ آخر، وقوله: « كتاب » خبره. « فصلت آياته » أي بينت وفسرت. قال قتادة:
ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب
والعقاب. وقرئ « فصلت » أي فرقت بين الحق والباطل، أو
فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك فصل أي تباعد من البلد. « قرآنا عربيا » في نصبه وجوه؛ قال الأخفش: هو
نصب على المدح. وقيل: على إضمار فعل؛ أي اذكر « قرآنا عربيا » . وقيل: على إعادة الفعل؛ أي فصلنا « قرآنا عربيا » . وقيل: على الحال أي « فصلت آياته » في حال كونه « قرآنا عربيا » . وقيل: لما شغل « فصلت » بالآيات حتى صارت بمنزلة
الفاعل انتصب « قرآنا
» لوقوع
البيان عليه. وقيل: على القطع. « لقوم
يعلمون » قال
الضحاك: أي إن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إله واحد في
التوراة والإنجيل. وقيل: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما
علموه.
قلت: هذا
أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن.
قوله
تعالى: « بشيرا
ونذيرا » حالان
من الآيات والعامل فيه « فصلت » . وقيل: هما نعتان للقرآن « بشيرا » لأولياء الله « نذيرا » لأعدائه. وقرئ « بشير ونذير » صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ
محذوف « فأعرض
أكثرهم » يعني
أهل مكة « فهم لا
يسمعون » سماعا
ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس
علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا
ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت
من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. فقالوا: إيته فحدثه. فأتى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال له: يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم
عبدالمطلب؟ أنت خير أم عبدالله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا،
وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت،
وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال
جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد
غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه
وسلم ساكت، فلما فرغ قال: ( قد
فرغت يا أبا الوليد ) ؟ قال:
نعم. فقال: ( يا
ابن أخي اسمع ) قال:
أسمع. قال: « بسم
الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا
لقوم يعلمون » إلى
قوله: « فإن
أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود » [
فصلت: 13 ] فوثب
عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع
إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل؛ فقال:أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟
فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ثم قال: والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش
مالا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛
ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: « مثل صاعقة عاد وثمود » [
فصلت: 13 ] وأمسكت
بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد
خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في
كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ « حم. فصلت » حتى انتهى إلى السجدة فسجد
وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله
علييه وسلم القراءة قال له: ( يا
أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك ) فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا: والله لقد جاءكم
أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال:
والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة،
فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي؛ خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت
من كلامه نبأ، فان أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم
أسعد الناس به؛ لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا: هيهات سحرك محمد يا أبا
الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم.
قوله
تعالى: « وقالوا
قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه » الأكنة
جمع كنان وهو الغطاء. وقد مضى في « البقرة
» . قال
مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل. « وفي آذاننا وقر » أي صمم؛ فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة من فهمه. « ومن بيننا وبينك حجاب » أي خلاف في الدين، لأنهم
يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر مانع عن
الإجابة. وقيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب.
استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجاب هنا الثوب. « فاعمل إننا عاملون » أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون
في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا
التي نعبدها. وقيل: أعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل
خامسا: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي.
الآيات:
6 - 8 ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى
إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين، الذين لا يؤتون
الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون )
قوله
تعالى: « قل
إنما أنا بشر مثلكم » أي لست
بملك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع. « يوحى إلي » أي من السماء على أيدي
الملائكة « أنما إلهكم
إله واحد » فآمنوا
به «
فاستقيموا إليه » أي
وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى منزلك؛ أي لا
تعرج على شيء غير القصد إلى منزلك. « واستغفروه » أي من شرككم. « وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة » قال ابن عباس: الذين لا يشهدون
« أن لا
إله إلا الله » وهي
زكاة الأنفس. وقال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: لا
يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفيه دلالة على
أن الكافر يعذب بكفر مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون
ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله
عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية. « وهم بالآخرة هم كافرون » فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون.
الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة؟
قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك
أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته ألا ترى إلى قوله عز وجل: « ومثل الذين ينفقون أموالهم
ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم » [
البقرة: 265 ] أي
يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا
بلمظة من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم؛ وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث
للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف
المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة.
قوله
تعالى: « إن
الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون » قال ابن عباس: غير مقطوع؛ مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته؛
ومنه قول ذي الإصبع:
إني
لعمرك ما بابي بذي غلق على الصديق ولا خيري بممنون
وقال
آخر:
فترى
خلفها من الرجع والوقـ ـع منينا كأنه أهباء
يعني
بالمنين الغبار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضا ومقاتل: غير منقوص. ومنه
المنون؛ لأنها تنقص منه الإنسان أي قوته؛ وقال قطرب؛ وأنشد قول زهير:
فضل
الجياد على الخيل البطاء فلا يعطي بذلك ممنونا ولا نزقا
قال
الجوهري: والمن القطع، ويقال النقص؛ ومنه قوله تعالى: « لهم أجر غير ممنون » . وقال لبيد:
غبس
كواسب لا يمن طعامها
وقال
مجاهد: « غير
ممنون » غير
محسوب. وقيل: « غير
ممنون » عليهم
به. قال السدي: نزلت في الزمني والمرضى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من
الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه.
الآية [ 9 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
9 - 12 ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق
الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها
وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء
وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، فقضاهن سبع
سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك
تقدير العزيز العليم )
قوله
تعالى: « قل أئنكم
لتكفرون بالذي خلق الأرض » « أئنكم » بهمزتين الثانية بين بين و « أائنكم » بألف بين همزتين وهو استفهام
معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لم تكفرون بالله وهو خالق
السموات والأرض؟ ! « في يومين
» الأحد
والاثنين « وتجعلون
له أندادا » أي أضدادا
وشركاء « ذلك رب
العالمين » . « وجعل فيها » أي في الأرض « رواسي من فوقها » يعني الجبال. وقال وهب: لما خلق
الله الأرض مادت على وجه الماء؛ فقال لجبريل ثبتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته
الرياح، قال: يا رب أنت أعلم لقد غلبت فيها فثبتها بالجبال وأرساها « وبارك فيها » بما خلق فيها من المنافع. قال
السدي: أنبت فيها شجرها. « وقدر
فيها أقواتها » قال السدي
والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها
ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك: معنى « قدر فيها أقواتها » أي أرزاق أهلها وما يصلح
لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش
بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: حتى إنه في بعض البلاد
ليتبايعون الذهب بالملح مثلا بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابري من سابور،
والطيالسة من الري، والحبر اليمانية من اليمن. « في أربعة أيام » يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة
إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما؛ أي في تتمة خمسة عشر يوما.
قال معناه ابن الأنباري وغيره. « سواء
للسائلين » قال
الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء: في الكلام تقديم وتأخير،
والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن، البصري
ويعقوب الحضرمي « سواء
للسائلين » بالجر وعن
ابن القعقاع « سواء » بالرفع؛ فالنصب على المصدر و « سواء » بمعنى استواء أي استوت استواء.
وقيل: على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي « في أربعة أيام » مستوية تامة. والرفع على
الابتداء والخبر « للسائلين
» أو على
تقدير هذه « سواء
للسائلين » . وقال
أهل المعاني: معنى « سواء
للسائلين » ولغير
السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل.
قوله
تعالى: « ثم استوى
إلى السماء وهي دخان » أي عمد
إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه
قوله تعالى: « ثم استوى
إلى السماء فسواهن سبع سماوات » [ البقرة: 29 ] وقد مضى القول هناك. وروى أبو
صالح عن ابن عباس في قوله: « ثم استوى
إلى السماء » يعني صعد
أمره إلى السماء؛ وقال الحسن. ومن قال: إنه صفة ذاتية زائدة قال: استوى في الأزل
بصفاته. و « ثم » ترجع إلى نقل السماء من صفة
الدخان إلى حالة الكثافة. وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في « البقرة » عن ابن مسعود وغيره. « فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو
كرها » أي جيئا
بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى
للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، واجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شقي أنهارك
واخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين « قالتا أتينا طائعين » في الكلام حذف أي أتينا أمرك « طائعين » . وقيل:
معنى هذا الأمر التسخير؛ أي كونا فكانتا كما قال تعالى: « إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن
نقول له كن فيكون » [ النحل: 40 ] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما.
وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما
وجهان: أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام
في بلوغ المراد؛ ذكره الماوردي. « قالتا
أتينا طائعين » فيه أيضا
وجهان: أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه
قول الراجز:
امتلأ
الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني
يعني ظهر
ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى:
قال أبو نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحيالها، فوضع
الله تعالى فيه حرمه. وقال: « طائعين » ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا
طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، وقيل: لما
وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل،
ومثله: « رأيتهم
لي ساجدين » [ يوسف: 4 ] وقد تقدم. وفي حديث: إن موسى
عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما « ائتيا طوعا أو كرها » عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال
كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من
مروجي. قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس
ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة « آتيا » بالمد والفتح. وكذلك قوله: « آتينا طائعين » على معنى أعطيا الطاعة من
أنفسكما « قالتا » أعطينا « طائعين » فحذف المفعولين جميعا. ويجوز وهو
أحسن أن يكون « آتينا » فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ
« آتينا » فالمعنى جئنا بما فينا؛ على ما
تقدم بيانه في غير ما موضع والحمد لله.
قوله
تعالى: « فقضاهن
سبع سماوات في يومين » أي أكملهن
وفرغ منهن. وقيل. أحكمهن كما قال:
وعليهما
مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
« في يومين
» سوى
الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما
قال تعالى: « خلق
السماوات والأرض في ستة أيام » [ الأعراف: 54 ] على ما تقدم في « الأعراف » بيانه. قال مجاهد: ويوم من الستة
الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبدالله بن سلام قال: خلق الله الأرض في يومين،
وقدر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين؛ خلق الأرض في يوم الأحد
والاثنين، وقدر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم
الخميس ويوم الجمعة، وأخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عجل، وهي التي تقوم
فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن.
على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بيدي، فقال: ( خلق
الله التربة يوم السبت... ) الحديث،
وقد تكلمنا على إسناده في أول سورة ( الأنعام ) . « وأوحى في كل سماء أمرها » قال قتادة والسدي: خلق فيها
شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي
فيها من البحار وجبال البرد والثلوج. وهو قول ابن عباس؛ قال: ولله في كل سماء بيت
تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت
المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء؛ أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها.
والإيحاء قد يكون أمرا؛ لقوله: « بأن ربك
أوحى لها » [ الزلزلة: 5 ] وقوله: « وإذ أوحيت إلى الحواريين » [ المائدة: 111 ] أي أمرتهم وهو أمر تكوين.
قوله
تعالى: « وزينا
السماء الدنيا بمصابيح » أي بكواكب
تضيء وقيل: إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. « وحفظا » أي وحفظناها حفظا؛ أي من
الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي ترجم بها الشياطين على ما
تقدم في « الحجر » بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على
أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى: « أم السماء بناها » [
النازعات: 27 ] ثم قال: « والأرض بعد ذلك دحاها » [ النازعات: 30 ] وهذا يدل على خلق السماء أولا.
وقال قوم: خلقت الأرض قبل السماء؛ فأما قوله: « والأرض بعد ذلك دحاها » [ النازعات:
30 ] فالدحو
غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدها وبسطها؛ قال ابن
عباس. وقد مضى هذا المعنى مجودا في « البقرة » والحمد
لله. « ذلك
تقدير العزيز العليم » .
الآيات:
13 - 16 ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة
مثل صاعقة عاد وثمود، إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا
الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون، فأما عاد
فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم
هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون، فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات
لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون )
قوله
تعالى: « فإن
أعرضوا » يعني كفار
قريش عما تدعوهم إليه يا محمد من الإيمان. « فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود » أي خوفتكم هلاكا مثل هلاك عاد
وثمود. « إذ
جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم » يعني من أرسل إليهم وإلى من قبلهم « ألا تعبدوا إلا الله » موضع « أن » نصب بإسقاط الخافض أي بـ « ألا تعبدوا » « قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة » بدل الرسل « فإنا بما أرسلتم به كافرون » من الإنذار والتبشير. قيل: هذا
استهزاء منهم. وقيل: إقرار منهم بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد.
قوله
تعالى: « فأما عاد
فاستكبروا في الأرض بغير الحق » استكبروا
على عباد الله هود ومن آمن معه « وقالوا
من أشد منا قوة » اغتروا
بأجسامهم حين تهددهم بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل
قوتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. وقد مضى في « الأعراف » عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة
ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعا. فقال الله تعالى ردا عليهم: « أولم يروا أن الذي خلقهم هو أشد
منهم قوة » وقدرة،
وإنما يقدر العبد بإقدار الله؛ فالله أقدر إذا. « وكانوا بآياتنا يجحدون » أي بمعجزاتنا يكفرون.
قوله
تعالى: « فأرسلنا
عليهم ريحا صرصرا » هذا تفسير
الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي ريحا باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب.
ويقال: أصلها صرر من الصر وهو البرد فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل؛ كقولهم
كبكبوا أصله كببوا، وتجفجف الثوب أصله تجفف. أبو عبيدة: معنى صرصر: شديدة عاصفة.
عكرمة وسعيد بن جبير: شديد البرد. وأنشد قطرب قول الحطيئة:
المطعمون
إذا هبت بصرصرة والحاملون إذا استودوا على الناس
استودوا:
إذا سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة قال: باردة. وقاله
عطاء؛ لأن « صرصرا » مأخوذ من صر والصر في كلام العرب
البرد كما قال:
لها عذر
كقرون النسا ء ركبن في يوم ريح وصر
وقال
السدي: الشديدة الصوت. ومنه صر القلم والباب يصر صريرا أي صوت. ويقال: درهم صري
وصري للذي له صوت إذا نقد. قال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد،
ويجوز أن يكون من صرير الباب، ومن الصرة وهي الصيحة. ومنه « فأقبلت امرأته في صرة » [ الذاريات: 29 ] . وصرصر اسم نهر بالعراق. « في أيام نحسات » أي مشؤومات؛ قال مجاهد وقتادة.
كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك « سبع ليال وثمانية أيام حسوما » [ الحاقة:7 ] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا
في يوم الأربعاء. وقيل: « نحسات » باردات؛ حكاه النقاش. وقيل:
متتابعات؛ عن ابن عباس وعطية. الضحاك: شداد. وقيل: ذات غبار؛ حكاه ابن عيسى. ومنه
قول الراجز:
قد اغتدى
قبل طلوع الشمس للصيد في يوم قليل النحس
قال الضحاك
وغيره: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرت الرياح عليهم في غير مطر، وخرج منهم
قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو
جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عند بيته
الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتي، مختلفة أديانهم، وكلهم معظم
لمكة، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال جابر بن عبدالله والتيمي: إذا أراد
الله بقوم خيرا أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرا
حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو « نحسات » بإسكان الحاء على أنه جمع نحس
الذي هو مصدر وصف به. الباقون: « نحسات » بكسر الحاء أي ذوات نحس. ومما
يدل على أن النحس مصدر قوله: « في يوم
نحس مستمر » [ القمر: 19 ] ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه؛
وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته؛ واختاره أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة
الثانية وقال: لا تصح حجة أبي عمرو؛ لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان
يكون حجة لو نون اليوم ونعت وأسكن؛ فقال: « في يوم نحس » [
القمر: 19 ] وهذا لم
يقرأ به أحد نعلمه. وقال المهدوي: ولم يسمع في « نحس » إلا
الإسكان. قال الجوهري: وقرئ في قوله « في يوم نحس » [
القمر: 19 ] على
الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد نحس الشيء بالكسر فهو نحس أيضا؛ قال الشاعر:
أبلغ جذاما
ولخما أن إخوتهم طيا وبهراء قوم نصرهم نحس
ومنه قيل:
أيام نحسات. « لنذيقهم
» أي لكي
نذيقهم « عذاب
الخزي في الحياة الدنيا » أي العذاب
بالريح العقيم. « ولعذاب
الآخرة أخزى وهم لا ينصرون » أي أعظم
وأشد.
الآيات:
17 - 18 ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا
العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، ونجينا الذين آمنوا
وكانوا يتقون )
قوله
تعالى: « وأما
ثمود فهديناهم » أي بينا
لهم الهدى والضلال؛ عن ابن عباس وغيره. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما « وأما ثمود » بالنصب وقد مضى الكلام فيه في « الأعراف » . « فاستحبوا العمى على الهدى » أي اختاروا الكفر على الإيمان.
وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا المعصية على الطاعة. « فأخذتهم صاعقة العذاب الهون » « الهون » بالضم
الهوان. وهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر أخو كنانة وأسد. وأهانه: استخف
به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقة اسم للمبيد
المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب؛ أي العذاب المهلك. والهون وإن كان مصدرا فمعناه
الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما وصفا للآخر؛ فكأنه قال: صاعقة الهون.
وهو كقولك: عندي علم اليقين، وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسما مثل
الدون؛ يقال: عذاب هون أي مهين؛ كما قال: « ما لبثوا في العذاب المهين » . [ سبأ:
14 ] . وقيل:
أي صاعقة العذاب ذي الهون. « بما
كانوا يكسبون » من
تكذيبهم صالحا وعقرهم الناقة، على ما تقدم. « ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون » يعني صالحا ومن آمن به؛ أي ميزناهم
عن الكفار، فلم يحل بهم ما حل بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم.
الآية [ 19 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
19 - 21 ( ويوم يحشر أعداء الله إلى
النار فهم يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا
يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو
خلقكم أول مرة وإليه ترجعون )
قوله
تعالى: « ويوم
يحشر أعداء الله إلى النار » قرأ نافع « نحشر » بالنون « أعداء » بالنصب. الباقون « يحشر » بياء مضمومة « أعداء » بالرفع ومعناهما بين. وأعداء
الله: الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره. « فهم يوزعون » يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم عل
آخرهم حتى يجتمعوا؛ قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدئ بالأكابر فالأكابر
جرما. وقد مضى في « النمل » الكلام في « يوزعون » [ النمل: 17 ] مستوفى.
قوله تعالى:
« حتى إذا
ما جاؤوها » « ما » زائدة « شهد عليهم سمعهم وأبصارهم
وجلودهم بما كانوا يعملون » الجلود
يعني بها الجلود أعيانها في قول أكثر المفسرين. وقال السدي وعبيدالله بن أبي جعفر
والفراء: أراد بالجلود الفروج؛ وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جوية:
المرء يسعى
للسلا مة والسلامة حسبه
أوسالم من
قد تثـ ـنى جلده وابيض رأسه
وقال: جلده
كناية عن فرجه. « وقالوا » يعني الكفار « لجلودهم لم شهدتم علينا » وإنما كنا نجادل عنكم « قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل
شيء » لما خاطبت
وخوطبت أجريت مجرى من يعقل. « وهو
خلقكم أول مرة » أي ركب
الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفا، فمن قدر عليه قدر على أن ينطق الجلود وغيرها من
الأعضاء. وقيل: « وهو
خلقكم أول مرة » ابتداء
كلام من الله. « وإليه
ترجعون » وفي صحيح
مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله فضحك فقال: ( هل تدرون مم أضحك ) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ( من مخاطبة العبد ربه يقول يا
رب ألم تجزني من الظلم قال: يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا
مني قال يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على
فيه فيقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله قال ثم يخلي بينه وبين الكلام قال فيقول
بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل ) وفي حديث
أبي هريرة ثم يقال: ( الآن
نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه
ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك
المنافق وذلك الذي سخط الله عليه ) خرجه
أيضا مسلم.
الآيات:
22 - 25 ( وما كنتم تستترون أن يشهد
عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون،
وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين، فإن يصبروا فالنار مثوى
لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين، وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم
وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا
خاسرين )
قوله
تعالى: « وما كنتم
تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم » يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح
لهم: ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود
قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي؛ قليل فقه قلوبهم،
كثير شحم بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا
ولا يسمع إن أخفينا؛ وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا؛
فأنزل الله عز وجل: « وما كنتم
تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم » الآية؛ خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثة نفر. ثم
ذكره بلفظه حرفا حرفا وقال: حديث حسن صحيح؛ حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش
عن عمارة بن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد قال: قال عبدالله: كنت مستترا بأستار
الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، قرشي وختناه ثقفيان، أو
ثقفي وختناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه؛ فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع
كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا لم
يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئا سمعه كله فقال عبدالله: فذكرت ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: « وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا
جلودكم » إلى قوله:
« فأصبحتم
من الخاسرين » قال: هذا
حديث حسن صحيح. قال الثعلبي: والثقفي عبد ياليل، وختناه ربيعة وصفوان بن أمية.
ومعنى « تستترون
» تستخفون
في قول أكثر العلماء؛ أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم؛
لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية.
وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء؛ أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم
في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: « وما كنتم تستترون » أي تظنون « أن يشهد عليكم سمعكم » بأن يقول سمعت الحق وما وعيت وسمعت
ما لا يجوز من المعاصي « ولا
أبصاركم » فتقول
رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز « ولا جلودكم » تقدم. « ولكن
ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون » من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم.
روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « أن يشهد عليكم سمعكم ولا
أبصاركم ولا جلودكم » قال: ( إنكم تدعون يوم القيامة مفدمة
أفواهكم بفدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه ) قال عبدالله بن عبدالأعلى الشامي فأحسن.
العمر ينقص
والذنوب تزيد وتقال عثرات الفتى فيعود
هل يستطيع
جحود ذنب واحد رجل جوارحه عليه شهود
والمرء
يسأل عن سنيه فيشتهي تقليلها وعن الممات يحيد
وعن معقل
بن يسارعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه يا ابن آدم أنا
خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد
مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك ) ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب التذكرة في باب
شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن:
مضى أمسك
الأدنى شهيدا معدلا ويومك هذا بالفعال شهيد
فإن تك
بالأمس اقترفت إساءة فثن بإحسان وأنت حميد
ولا ترج
فعل الخير منك إلى غد لعل غدا يأتي وأنت فقيد
قوله
تعالى: « وذلكم
ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم » أي أهلككم
فأوردكم النار. قال قتادة: الظن هنا بمعنى العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
( لا
يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما أساؤوا الظن بربهم فأهلكهم ) فذلك قوله: « وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم
أرداكم » . وقال
الحسن البصري: إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول
أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى:
« وذلكم
ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين » . وقال قتادة: من استطاع منكم أن
يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن اثنان ظن ينجي وظن يردي. وقال عمر بن
الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصى ولا يتوبون منها ويتكلمون
على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ: « وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم
أرداكم فأصبحتم من الخاسرين » .
قوله
تعالى: « فإن
يصبروا فالنار مثوى لهم » أي فإن
يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره: « فما أصبرهم على النار » [ البقرة: 175 ] على ما تقدم. « وإن يستعتبوا فما هم من
المعتبين » في الدنيا
وهم مقيمون على كفرهم « فما هم
من المعتبين » . وقيل:
المعنى « فإن
يصبروا » في النار
أو يجزعوا « فالنار
مثوى لهم » أي لا
محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله: « وإن يستعتبوا » لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه؛ قال النابغة:
فإن أك
مظلوما فعبد ظلمته وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
أي مثلك من
قبل الصلح والمراجعة إذا سئل. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة.
تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا تعاتبوا أصلح ما
بينهم العتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة، والاسم منه
العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب
أيضا طلب أن يعتب؛ تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى « وإن يستعتبوا » أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل
لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. وقرأ
عبيد بن عمير وأبو العالية « وإن
يستعتبوا » بفتح
التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول « فما هم من المعتبين » بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا
بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله تعالى: « ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه » [ الأنعام: 28 ] ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال
أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي.
قوله
تعالى: « وقيضنا
لهم قرناء » قال
النقاش: أي هيأنا لهم شياطين. وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزينون عندهم المعاصي،
وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضا؛ أي سببنا لهم قرناء؛ يقال: قيض
الله فلانا لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: « وقيضنا لهم قرناء » . القشيري: ويقال قيض الله لي
رزقا أي أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة
أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما تقول بيعان. « فزينوا لهم ما بين أيديهم » من أمر الدنيا فحسنوه لهم حتى آثروه على الآخرة « وما خلفهم » حسنوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم
إلى التكذيب بأمور الآخرة؛ عن مجاهد. وقيل: المعنى « قيضنا لهم قرناء » في النار « فزينوا لهم » أعمالهم في الدنيا؛ والمعنى
قدرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى أحوجناهم إلى الأقران؛ أي
أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزين بعضهم لبعض
المعاصي. وليس قوله: « وما
خلفهم » عطفا على « ما بين أيديهم » بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه
هذا الإضمار. قال ابن عباس: « ما بين
أيديهم » تكذيبهم
بأمور الآخرة « وما
خلفهم » التسويف
والترغيب في الدنيا. الزجاج: « ما بين
أيديهم » ما عملوه « وما خلفهم » ما عزموا على أن يعملوه. وقد
تقدم قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدم من المعاصي « وما خلفهم » ما يعمل بعدهم. « وحق عليهم القول في أمم قد خلت
من قبلهم من الجن والإنس » أي وجب
عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل: « في » بمعنى مع؛ فالمعنى هم داخلون مع
الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: « في أمم » في جملة
أمم، ومثله قول الشاعر:
إن تك عن
أحسن الصنيعة مأ فوكا ففي آخرين قد أفكوا
يريد فأنت
في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل « في أمم » النصب على
الحال من الضمير في « عليهم » أي حق عليهم القول كائنين في
جملة أمم. « إنهم كانوا
خاسرين » أعمالهم
في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
الآيات:
26 - 29 ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا
لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون، فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم
أسوأ الذي كانوا يعملون، ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما
كانوا بآياتنا يجحدون، وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس
نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين )
قوله
تعالى: « وقال
الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن » لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي
قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا: « لا
تسمعوا » . وقيل:
معنى « لا
تسمعوا » لا
تطيعوا؛ يقال: سمعت لك أي أطعتك. « والغوا
فيه » قال ابن
عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وقيل: إنهم
فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال مجاهد: المعنى « والغوا فيه » بالمكاء والتصفيق والتخليط في المنطق حتى يصير لغوا. وقال
الضحاك: أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية وابن عباس أيضا:
قعوا فيه. وعيبوه. « لعلكم
تغلبون » محمدا على
قراءته فلا يظهر ولا يستميل القلوب. وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق
وأبو حيوة وبكر بن حبيب السهمي « والغوا » بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو.
وقراءة الجماعة من لغي يلغى. قال الهروي: وقوله: « والغوا فيه » قيل: عارضوه بكلام لا يفهم. يقال: لغوت ألغو وألغى، ولغي يلغى
ثلاث لغات. وقد مضى معنى اللغو في « البقرة » وهو ما لا
يعلم له حقيقة ولا تحصيل.
قوله
تعالى: « فلنذيقن
الذين كفروا عذابا شديدا » قد تقدم
أن الذوق يكون محسوسا، ومعنى العذاب الشديد: ما يتوالى فلا ينقطع. وقيل: هو العذاب
في جميع أجزائهم. «
ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون » أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في
الدنيا. وأسوأ الأعمال الشرك. « ذلك جزاء
أعداء الله النار » أي ذلك
العذاب الشديد، ثم بينه بقوله « النار » وقرأ ابن عباس « ذلك جزاء أعداء الله النار دار
الخلد » فترجم
بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و « ذلك » ابتداء و « جزاء » الخبر و « النار » بدل من « جزاء » أوخبر مبتدأ مضمر، والجملة في
موضع بيان للجملة الأولى.
قوله
تعالى: « وقال
الذين كفروا » يعني في
النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل « ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس » يعني إبليس وابن آدم الذي قتل
أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما؛ ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع: ( ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان
على ابن آدم الأول كفل من ذنبه لأنه أول من سن القتل ) خرجه الترمذي، وقيل: هو بمعنى
الجنس وبني على التثنية لاختلاف الجنسين. « نجعلهما تحت أقدامنا » سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم « ليكونا من الأسفلين » في النار وهو الدرك الأسفل سألوا
أن يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وقرأ ابن محيصن والسوسي عن
أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل « أرنا » بإسكان
الراء، وعن أبي عمرو أيضا باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدم في « الأعراف » .
الآيات:
30 - 32 ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم
توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم
فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم )
قوله
تعالى: « إن الذين
قالوا ربنا الله ثم استقاموا » قال عطاء
عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ وذلك أن المشركين
قالوا ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلم يستقيموا. وقال أبو
بكر: ربنا الله وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله؛ فاستقام.
وفي الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ « إن الذين قالوا ربنا الله ثم
استقاموا » قال: ( قد قال الناس ثم كفر أكثرهم
فمن مات عليها فهو ممن استقام ) قال:
حديث غريب. ويروى في هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان
وعلي معنى « استقاموا
» ؛ ففي
صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام
قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - وفي رواية - غيرك. قال: ( قل آمنت بالله ثم استقم ) زاد الترمذي قلت: يا رسول الله
ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: ( هذا ) . وروي
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: « ثم استقاموا » لم يشركوا بالله شيئا. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال
لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين « إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا » و « الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم » فقالوا:
استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة؛ فقال أبو بكر: لقد حملتموها على
غير المحمل « قالوا
ربنا الله ثم استقاموا » فلم
يلتفتوا إلى إله غيره « ولم
يلبسوا إيمانهم » بشرك « أولئك لهم الأمن وهم مهتدون » . وروي عن عمر رضي الله عنه أنه
قال على المنبر وهو يخطب: « إن الذين
قالوا ربنا الله ثم استقاموا » فقال:
استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يرغوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي
الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض. وأقوال
التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. الحسن: استقاموا
على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على
شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا.
وقال الربيع: اعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا
في الباقية. وقيل: استقاموا إسرارا كما استقاموا إقرارا. وقيل: استقاموا فعلا كما
استقاموا قولا. وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هم أمتي ورب الكعبة ) . وقال الإمام ابن فورك: السين
سين الطلب مئل استسقى أي سألوا من الله أن يثبتهم على الدين. وكان الحسن إذا قرأ
هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.
قلت: وهذه
الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقدا وقولا وفعلا، وداموا على
ذلك.
قوله
تعالى: « تتنزل
عليهم الملائكة » قال ابن
زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن
عباس: هي بشرى تكون لهم من الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البشرى في
ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث. « ألا تخافوا » أي بـ « ألا
تخافوا » فحذف
الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد ثوابكم
فإنه مقبول، وقال عكرمة ولا تخافوا أمامكم، ولا تحزنوا على ذنوبكم. « ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي
كنتم توعدون » على
أولادكم فإن الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تحزنوا على ذنوبكم
فإني أغفرها لكم. وقال عكرمة: لا تحزنوا على ذنوبكم.
قوله
تعالى: « نحن
أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة » أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة « نحن أولياؤكم » قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الذين
كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة.
وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة. ويجوز أن يكون
هذا من قول الله تعالى؛ والله ولي المؤمنين ومولاهم. « ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم » أي من الملاذ. « ولكم فيها ما تدعون » تسألون وتتمنون. « نزلا » أي رزقا وضيافة من الله الغفور
الرحيم. وقد تقدم في « آل عمران
» وهو منصوب
على المصدر أي أنزلناه نزلا. وقيل: على الحال. وقيل: هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون
نازلين، فيكون حالا من الضمير المرفوع في « تدعون » أو من
المجرور في « لكم » .
الآيات:
33 - 36 ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى
الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي
هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا
وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو
السميع العليم )
قوله
تعالى: « ومن أحسن
قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا » هذا توبيخ للذين تواصوا باللغو في القرآن. والمعنى: أي كلام
أحسن من القرآن، ومن أحسن قولا من الداعي إلى الله وطاعته وهو محمد صلى الله عليه
وسلم. قال ابن سيرين والسدي وابن زيد والحسن: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله،
هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في
دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه. وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي
حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين. قال فضيل بن رفيدة: كنت مؤذنا لأصحاب عبدالله بن
مسعود، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذنت فقلت: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا
الله، فقل وأنا من المسلمين؛ ثم قرأ هذه الآية؛ قال ابن العربي: الأول أصح؛ لأن
الآية مكية والأذان مدني؛ وإنما يدخل فيها بالمعنى؛ لا أنه كان المقصود وقت القول،
ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي صلى الله عليه وسلم وقد خنقه الملعون:
« أتقتلون
رجلا أن يقول ربي الله » [ غافر: 28 ] وتتضمن كل كلام حسن فيه ذكر
التوحيد والإيمان.
قلت: وقول
ثالث وهو أحسنها؛ قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله. وكذا قال قيس
بن أبي حازم قال: نزلت في كل مؤمن. قال: ومعنى « وعمل صالحا » الصلاة بين الأذان والإقامة. وقاله أبو أمامة؛ قال: صلي
ركعتين بين الأذان والإقامة. وقال عكرمة: « وعمل صالحا » صلى وصام. وقال الكلبي: أدى الفرائض.
قلت: وهذا
أحسنها مع اجتناب المحارم وكثرة المندوب. والله أعلم.
قوله
تعالى: « وقال
إنني من المسلمين » قال ابن
العربي: وما تقدم يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول والسيف يكون
للاعتقاد ويكون للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بد من
التصريح بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه.
مسألة: لما
قال الله تعالى: « وقال
إنني من المسلمين » ولم يقل
له اشترط إن شاء الله، كان في ذلك رد على من يقول أنا مسلم إن شاء الله.
قوله
تعالى: « ولا
تستوي الحسنة ولا السيئة » قال
الفراء: « لا » صلة أي « ولا تستوي الحسنة والسيئة » وأنشد:
ما كان
يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر
أراد أبو
بكر وعمر؛ أي لا يستوي ما أنت عليه من التوحيد، وما المشركون عليه من الشرك. قال
ابن عباس: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك. وقيل: الحسنة الطاعة، والسيئة
الشرك. وهو الأول بعينه. وقيل: الحسنة المداراة، والسيئة الغلظة. وقيل: الحسنة
العفو، والسيئة الانتصار. وقال الضحاك: الحسنة العلم، والسيئة الفحش. وقال علي بن
أبي طالب رضي الله عنه: الحسنة حب آل الرسول، والسيئة بغضهم. « ادفع بالتي هي أحسن » نسخت بآية السيف، وبقي المستحب
من ذلك: حسن العشرة والاحتمال والإغضاء. قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل
عليك. وعنه أيضا: هو الرجل يسب الرجل فيقول الآخر إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن
كنت كاذبا فغفر الله لك. وكذلك يروى في الأثر: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال
ذلك لرجل نال منه. وقال مجاهد: « بالتي هي
أحسن » يعني
السلام إذا لقي من يعاديه؛ وقال عطاء. وقول ثالث ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في
الأحكام وهو المصافحة. وفي الأثر: ( تصافحوا يذهب الغل ) . ولم ير مالك المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها
فقال سفيان: قد صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفرا حين قدم من أرض الحبشة؛
فقال له مالك: ذلك خاص. فقال له سفيان: ما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا،
وما عمه يعمنا، والمصافحة ثابتة فلا وجه لإنكارها. وقد روى قتادة قال قلت لأنس: هل
كانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح.
وفي الأثر: ( من تمام
المحبة الأخذ باليد ) . ومن
حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قدم زيد بن
حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقرع الباب فقام إليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه - والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده -
فاعتنقه وقبله.
قلت: قد
روي عن مالك جواز المصافحة وعليها جماعة من العلماء. وقد مضى ذلك في « يوسف » وذكرنا هناك حديث البراء بن عازب
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلمين يلتقيان فيأخذ أحدهما بيد صاحبه مودة بينهما
ونصيحة إلا ألقيت ذنوبهما بينهما ) .
قوله
تعالى: « فإذا
الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم » أي قريب صديق. قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان
مؤذيا للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له وليا بعد أن كان عدوا بالمصاهرة التي
وقعت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليا في الإسلام حميما
بالقرابة. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام، كان يؤذي النبي صلى الله عليه
وسلم، فأمره الله تعالى بالصبر عليه والصفح عنه؛ ذكره الماوردي. والأول ذكره
الثعلبي والقشيري وهو أظهر؛ لقوله تعالى: « فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم » . وقيل: كان هذا قبل الأمر
بالقتال. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم
عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع
لهم عدوهم. وروي أن رجلا شتم قنبرا مولى علي بن أبي طالب فناداه علي يا قنبر دع
شاتمك، وآله عنه ترضي الرحمن وتسخط الشيطان، وتعاقب شاتمك، فما عوقب الأحمق بمثل
السكوت عنه. وأنشدوا:
وللكف عن
شتم اللئيم تكرما أضر له من شتمه حين يشتم
وقال آخر:
وما شيء
أحب إلى سفيه إذا سب الكريم من الجواب
متاركة
السفيه بلا جواب أشد على السفيه من السباب
وقال محمود
الوراق:
سألزم نفسي
الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه لدي الجرائم
فما الناس
إلا واحد من ثلاثة شريف ومشرف ومثل مقاوم
فأما الذي
فوقي فأعرف قدره واتبع فيه الحق والحق لازم
وأما الذي
دوني فإن قال صنت عن إجابته عرضي وإن لام لائم
وأما الذي
مثلي فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم
« وما
يلقاها » يعني هذه
الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة « إلا
الذين صبروا » بكظم
الغيظ واحتمال الأذى. وقيل: الكناية في « يلقاها » عن الجنة؛
أي ما يلقاها إلا الصابرون؛ والمعنى متقارب. « وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم » أي نصيب وافر من الخير؛ قال ابن عباس. وقال قتادة ومجاهد:
الحظ العظيم الجنة. قال الحسن: والله ما عظم حظ قط دون الجنة. « وإما ينزغنك من الشيطان نزغ » تقدم في آخر « الأعراف » . « فاستعذ بالله » من كيده وشره « إنه هو السميع » لاستعاذتك « العليم » بأفعالك وأقوالك.
الآية [ 37 ] في الصفحة التالية ...
الآيات:
37 - 39 ( ومن آياته الليل والنهار
والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه
تعبدون، فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون، ومن
آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها
لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير )
قوله
تعالى: « ومن
آياته » علاماته
الدالة على وحدانيته وقدرته « الليل
والنهار والشمس والقمر » وقد مضى في
غير موضع. « لا
تسجدوا للشمس ولا للقمر » نهى عن
السجود لهما؛ لأنهما وإن كانا خلقين فليس ذلك لفضيلة لهما في أنفسهما فيستحقان بها
العبادة مع الله؛ لأن خالقهما هو الله ولو شاء لأعدمهما أو طمس نورهما. « واسجدوا لله الذي خلقهن » وصورهن وسخرهن؛ فالكناية ترجع إلى
الشمس والقمر والليل والنهار. وقيل: للشمس والقمر خاصة؛ لأن الاثنين جمع. وقيل:
الضمير عائد على معنى الآيات « إن كنتم
إياه تعبدون » وإنما أنث
على جمع التكثير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر والمؤنث لأنه فيما لا يعقل. « فإن استكبروا » يعني الكفار عن السجود لله « فالذين عند ربك » من الملائكة « يسبحون له بالليل والنهار وهم
لا يسأمون » أي لا
يملون عبادته. قال زهير:
سئمت
تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
مسألة: هذه
الآية آية سجدة بلا خلاف؛ واختلفوا في موضع السجود منها. فقال مالك: موضعه « إن كنتم إياه تعبدون » ؛ لأنه متصل بالأمر. وكان علي
وابن مسعود وغيرهم يسجدون عند قوله: « تعبدون » . وقال
ابن وهب والشافعي: موضعه « وهم لا
يسأمون » لأنه تمام
الكلام وغاية العبادة والامتثال. وبه قال أبو حنيفة. وكان ابن عباس يسجد عند قوله:
« يسأمون » . وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة
منهما. وكذلك يروى عن مسروق وأبي عبدالرحمن السلمي وإبراهيم النخعي وأبي صالح
ويحيى بن وثاب وطلحة وزبيد الياميين والحسن وابن سيرين. وكان أبو وائل وقتادة وبكر
بن عبدالله يسجدون عند قوله: « يسأمون » . قال ابن العربي: والأمر قريب.
مسألة: ذكر
ابن خويز منداد: أن هذه الآية تضمنت صلاة كسوف القمر والشمس؛ وذلك أن العرب كانت
تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم
صلاة الكسوف.
قلت: صلاة
الكسوف ثابتة في الصحاح البخاري ومسلم وغيرهما. واختلفوا في كيفيتها اختلافا
كثيرا، لاختلاف الآثار، وحسبك ما في صحيح مسلم من ذلك، وهو العمدة في الباب. والله
الموفق للصواب.
قوله
تعالى: « ومن
آياته أنك ترى الأرض خاشعة » الخطاب
لكل عاقل أي « ومن
آياته » الدالة
على أنه يحيي الموتى « أنك ترى
الأرض خاشعة » أي يابسة
جدبة؛ هذا وصف الأرض بالخشوع؛ قال النابغة:
رماد ككحل
العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
والأرض
الخاشعة؛ الغبراء التي تنبت. وبلدة خاشعة: أي مغبرة لا منزل بها. ومكان خاشع. « فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
» أي
بالنبات؛ قال مجاهد. يقال: اهتز الإنسان أي تحرك؛ ومنه:
تراه كنصل
السيف يهتز للندى إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
« وربت » أي انتفخت وعلت قبل أن تنبت؛ قال
مجاهد. أي تصعدت عن النبات بعد موتها. وعلى هذا التقدير يكون في الكلام تقديم
وتأخير وتقديره: ربت واهتزت. والاهتزاز والربو قد يكونان قبل الخروج من الأرض؛ وقد
يكونان بعد خروج النبات إلى وجه الأرض؛ فربوها ارتفاعها. ويقال للموضع المرتفع:
ربوة ورابية؛ فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولا وعرضا. وقرأ أبو
جعفر وخالد « وربأت » ومعناه عظمت؛ من الربيئة. وقيل: « اهتزت » أي استبشرت بالمطر « وربت » أي انتفخت بالنبات. والأرض إذا
انشقت بالنبات: وصفت بالضحك، فيجوز وصفها بالاستبشار أيضا. ويجوز أن يقال الربو
والاهتزاز واحد؛ وهي حالة خروج النبات. وقد مضى هذا المعنى في « الحج » « إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير » تقدم في غير موضع.
الآيات:
40 - 43 ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا
يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم
إنه بما تعملون بصير، إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ما يقال لك إلا ما قد قيل
للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم )
قوله
تعالى: « إن الذين
يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا » أي يميلون عن الحق في أدلتنا. والإلحاد: الميل والعدول. ومنه
اللحد في القبر؛ لأنه أميل إلى ناحية منه. يقال: ألحد في دين الله أي حاد عنه
وعدل. ولحد لغة فيه. وهذا يرجع إلى الذين قالوا: « لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه » وهم الذين ألحدوا في آياته
ومالوا عن الحق فقالوا: ليس القرآن من عند الله، أو هو شعر أو سحر؛ فالآيات آيات
القرآن. قال مجاهد: « يلحدون
في آياتنا » أي عند
تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية واللغو والغناء. وقال ابن عباس: هو تبديل الكلام
ووضعه في غير موضعه. وقال قتادة: « يلحدون
في آياتنا » يكذبون في
آياتنا. وقال السدي: يعاندون ويشاقون. وقال ابن زيد: يشركون ويكذبون. والمعنى
متقارب. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل. وقيل: الآيات المعجزات، وهو يرجع إلى الأول
فإن القرآن معجز. « أفمن
يلقى في النار » على وجهه
وهو أبو جهل في قول ابن عباس وغيره. « خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة » قيل: النبي صلى الله عليه وسلم؛
قاله مقاتل. وقيل: عمار بن ياسر. وقيل: حمزة. وقيل: عمر بن الخطاب. وقيل: أبو سلمة
بن عبد الأسد المخزومي. وقيل: المؤمنون. وقيل: إنها على العموم؛ فالذي يلقى في
النار الكافر، والذي يأتي آمنا يوم القيامة المؤمن؛ قاله ابن بحر. « اعملوا ما شئتم » أمر تهديد؛ أي بعد ما علمتم
أنهما لا يستويان فلا بد لكم من الجزاء. « إنه بما تعملون بصير » وعيد بتهديد وتوعد.
قوله
تعالى: « إن الذين
كفروا بالذكر لما جاءهم » الذكر ها
هنا القرآن في قول الجميع؛ لأن فيه ذكر ما يحتاج إليه من الأحكام. والخبر محذوف
تقديره هالكون أومعذبون. وقيل: الخبر « أولئك ينادون من مكان بعيد » [ فصلت:
44 ] واعترض
قوله: « ما يقال
لك » ثم رجع
إلى الذكر فقال: « ولو
جعلناه قرآنا أعجميا » ثم قال: « أولئك ينادون » [ فصلت: 44 ] والأول الاختيار؛ قال النحاس:
عند النحويين جميعا فيما علمت. « وإنه
لكتاب عزيز » أي عزيز
على الله؛ قاله ابن عباس؛ وعنه: عزيز من عند الله. وقيل: كريم على الله. وقيل: « عزيز » أي أعزه الله فلا يتطرق إليه
باطل. وقيل: ينبغي أن يعز ويجل وألا يلغى فيه. وقيل: « عزيز » من الشيطان أن يبدله؛ قاله
السدي. مقاتل: منع من الشيطان والباطل. السدي: غير مخلوق فلا مثل له. وقال ابن
عباس أيضا: « عزيز » أي ممتنع عن الناس أن يقولوا
مثله. « لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه » أي لا
يكذبه شيء مما أنزل الله من قبل ولا ينزل من بعده يبطله وينسخه؛ قال الكلبي. وقال
السدي وقتادة: « لا يأتيه
الباطل » يعني
الشيطان « من بين
يديه ولا من خلفه » لا يستطيع
أن يغير ولا يزيد ولا ينقص. وقال سعيد بن جبير: لا يأتيه التكذيب « من بين يديه ولا من خلفه » . ابن جريج: « لا يأتيه الباطل » فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر
عما يكون. وعن ابن عباس: « من بين
يديه » من الله
تعالى: « ولا من
خلفه » يريد من
جبريل صلى الله عليه وسلم، ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. « تنزيل من حكيم حميد » ابن عباس: « حكيم » في خلقه « حميد » إليهم. قتادة: « حكيم » في أمره « حميد » إلى خلقه.
قوله
تعالى: « ما يقال
لك » أي من
الأذى والتكذيب « إلا ما
قد قيل للرسل من قبلك » يعزي نبيه
ويسليه « إن ربك
لذو مغفرة » لك
ولأصحابك « وذو عقاب
أليم » يريد
لأعدائك وجيعا. وقيل: أي ما يقال لك من إخلاص العبادة لله إلا ما قد أوحي إلى من
قبلك، ولا خلاف بين الشرائع فيما يتعلق بالتوحيد، وهو كقوله: « ولقد أوحي إليك وإلى الذين من
قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك » [ الزمر: 65 ] أي لم تدعهم إلا ما تدعو إليه
جميع الأنبياء، فلا معنى لإنكارهم عليك. قيل: هو استفهام، أي أي شيء يقال لك « إلا ما قد قيل للرسل من قبلك » . وقيل: « إن ربك » كلام مبتدأ وما قبله كلام تام
إذا كان الخبر مضمرا. وقيل: هو متصل بـ « ما يقال لك » . « إن ربك
لذو مغفرة وذو عقاب أليم » أي إنما
أمرت بالإنذار والتبشير.
الآية:
44 ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا
لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في
آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد )
قوله
تعالى: « ولو
جعلناه قرآنا أعجميا » أي بلغة
غير العرب « لقالوا
لولا فصلت آياته » أي بينت
بلغتنا فإننا عرب لا نفهم الأعجمية. فبين أنه أنزل بلسانهم ليتقرر به معنى
الإعجاز؛ إذ هم أعلم الناس بأنواع الكلام نظما ونثرا. وإذا عجزوا عن معارضته كان
من أدل الدليل على أنه من عند الله، ولو كان بلسان العجم لقالوا لا علم لنا بهذا
اللسان.
وإذا ثبت
هذا ففيه دليل على أن القرآن عربي، وأنه نزل بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا، وأنه
إذا نقل عنها إلى غيرها لم يكن قرآنا.
قوله
تعالى: « أأعجمي
وعربي » وقرأ أبو
بكر وحمزة والكسائي « اَاَعجمي
وعربي » بهمزتين
مخففتين، والعجمي الذي ليس من العرب كان فصيحا أوغير فصيح، والأعجمي الذي لا يفصح
كان من العرب أو من العجم، فالأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه. ويقال
للحيوان غير الناطق أعجم، ومنه ( صلاة
النهار عجماء ) أي لا
يجهر فيها بالقراءة فكانت النسبة إلى الأعجم آكد، لأن الرجل العجمي الذي ليس من
العرب قد يكون فصيحا بالعربية، والعربي قد يكون غير فصيح؛ فالنسبة إلى الأعجمي آكد
في البيان. والمعنى أقرآن أعجمي، ونبي عربي؟ وهو استفهام إنكار. وقرأ الحسن وأبو
العالية ونصر بن عاصم والمغيرة وهشام عن ابن عامر « أعجمي » بهمزة
واحدة على الخبر. والمعنى « لولا
فصلت آياته » فكان منها
عربي يفهمه العرب، وأعجمي يفهمه العجم. وروى سعيد بن جبير قال: قالت قريش: لولا
أنزل القرآن أعجميا وعربيا فيكون بعض آياته عجميا وبعض آياته عربيا فنزلت الآية.
وأنزل في القرآن من كل لغة فمنه « السجيل » وهي فارسية وأصلها سنك كيل؛ أي
طين وحجر، ومنه « الفردوس
» رومية
وكذلك « القسطاس
» وقرأ أهل
الحجاز وأبو عمرو وابن ذكوان وحفص على الاستفهام، إلا أنهم لينوا الهمزة على
أصولهم. والقراءة الصحيحة قراءة الاستفهام. والله أعلم.
قوله
تعالى: « قل هو
للذين آمنوا هدى وشفاء » أعلم الله
أن القرآن هدى وشفاء لكل من آمن به من الشك والريب والأوجاع. « والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر
» أي صمم عن
سماع القرآن. ولهذا تواصوا باللغو فيه. ونظير هذه الآية: « وننزل من القرآن ما هو شفاء
ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا » [
الإسراء: 82 ] وقد مضى
مستوفى. وقراءة العامة « عمى » على المصدر. وقرأ ابن عباس
وعبدالله بن الزبير وعمرو بن العاص ومعاوية وسليمان بن قتة « وهو عليهم عم » بكسر الميم أي لا يتبين لهم.
واختار أبو عبيد القراءة الأولى؛ لإجماع الناس فيها؛ ولقوله أولا: « هدى وشفاء » ولوكان هاد وشاف لكان الكسر في « عمى » أجود؛ ليكون نعتا مثلهما؛
تقديره: « والذين
لا يؤمنون » في ترك
قبوله بمنزلة من في آذانهم « وقر » . « وهو عليهم عمى » يعني القرآن « عليهم » ذو عمى، لأنهم لا يفقهون فحذف
المضاف. وقيل المعنى والوقر عليهم عمى. « أولئك ينادون من مكان بعيد » يقال ذلك لمن لا يفهم من التمثيل. وحكى أهل اللغة أنه يقال
للذي يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقال للذي لا يفهم: أنت تنادى من بعيد. أي كأنه
ينادى من موضع بعيد منه فهو لا يسمع النداء ولا يفهمه. وقال الضحاك: « ينادون » يوم القيامة بأقبح أسمائهم « من مكان بعيد » فيكون ذلك أشد لتوبيخهم
وفضيحتهم. وقيل: أي من لم يتدبر القرآن صار كالأعمى الأصم، فهو ينادى من مكان بعيد
فينقطع صوت المنادي عنه وهو لم يسمع. وقال علي رضي الله عنه ومجاهد: أي بعيد من
قلوبهم. وفي التفسير: كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون. وحكى معناه النقاش.
الآيات:
45 - 46 ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف
فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب، من عمل صالحا
فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد )
قوله
تعالى: « ولقد
آتينا موسى الكتاب » يعني
التوراة « فاختلف
فيه » أي آمن به
قوم وكذب به قوم. والكناية ترجع إلى الكتاب، وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛
أي لا يحزنك اختلاف قومك في كتابك، فقد اختلف من قبلهم في كتابهم. وقيل: الكناية
ترجع إلى موسى. « ولولا
كلمة سبقت من ربك » أي في
إمهالهم. « لقضي
بينهم » أي بتعجيل
العذاب. « وإنهم
لفي شك منه » من القرآن
« مريب » أي شديد الريبة. وقد تقدم. وقال
الكلبي في هذه الآية: لولا أن الله أخر عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لآتاهم
العذاب كما فعل بغيرهم من الأمم. وقيل: تأخير العذاب لما يخرج من أصلابهم من
المؤمنين.
قوله
تعالى: « من عمل
صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها » شرط
وجوابه « ومن أساء
فعليها » . والله
جل وعز مستغن عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه. « وما ربك بظلام للعبيد » نفى الظلم عن نفسه جل وعز قليله
وكثيره، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق: « إن الله لا يظلم الناس شيئا » [ يونس: 44 ] وروى العدول الثقات، والأئمة
الأثبات، عن الزاهد العدل، عن أمين الأرض، عن أمين السماء، عن الرب جل جلاله: ( يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا... ) الحديث. وأيضا فهو الحكيم المالك، وما يفعله المالك في ملكه
لا اعتراض عليه؛ إذ له التصرف في ملكه بما يريد.