الجزء الثامن

 

الآية: 111 ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون )

 

قوله تعالى: « ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة » فرأوهم عيانا. « وكلمهم الموتى » بإحيائنا إياهم. « وحشرنا عليهم كل شيء » سألوه من الآيات. « قبلا » مقابلة؛ عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. وهي قراءة نافع وابن عامر. وقيل: معاينة، لما آمنوا. وقال محمد بن يزيد: يكون « قبلا » بمعنى ناحية؛ كما نقول: لي قبل فلان مال؛ فقبلا نصب على الظرف. وقرأ الباقون « قبلا » بضم القاف والباء، ومعناه ضمناء؛ فيكون جمع قبيل بمعنى كفيل، نحو رغيف ورغف؛ كما قال: « أو تأتي بالله والملائكة قبيلا » [ الإسراء: 92 ] ؛ أي يضمنون ذلك؛ عن الفراء. وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل قبيل؛ أي جماعة جماعة، وقال مجاهد، وهو نصب على الحال على القولين. وقال محمد بن يزيد « قبلا » أي مقابلة؛ ومنه « إن كان قميصه قد من قبل » [ يوسف: 26 ] . ومنه قبل الرجل ودبره لما كان من بين يديه ومن ورائه. ومنه قبل الحيض. حكى أبو زيد: لقيت فلانا قيلا ومقابلة وقبلا وقبلا، كله بمعنى المواجهة؛ فيكون الضم كالكسر في المعنى وتستوي القراءتان؛ قاله مكي. وقرأ الحسن « قبلا » حذف الضمة من الباء لثقلها. وعلى قول الفراء يكون فيه نطق ما لا ينطق، وفي كفالة ما لا يعقل آية عظيمة لهم. وعلى قول الأخفش يكون فيه اجتماع الأجناس الذي ليس بمعهود. والحشر الجمع. « ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » « أن » في موضع استثناء ليس من الأول؛ أي لكن إن شاء ذلك لهم. وقيل: الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. « ولكن أكثرهم يجهلون » أي يجهلون الحق. وقيل: يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة.

 

الآية: 112 ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون )

 

قوله تعالى: « وكذلك جعلنا لكل نبي » يعزي نبيه ويسليه، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك. « عدوا » أي أعداء. ثم نعتهم فقال « شياطين الإنس والجن » حكى سيبويه جعل بمعنى وصف. « عدوا » مفعول أول. « لكل نبي » في موضع المفعول الثاني. « شياطين الإنس والجن » بدل من عدو. ويجوز أن يكون « شياطين » مفعولا أول، « عدوا » مفعولا ثانيا؛ كأنه قيل: جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا. وقرأ الأعمش: « شياطين الجن والإنس » بتقديم الجن. والمعنى واحد. « يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا » عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس. وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه؛ ومنه سمي الذهب زخرفا. وكل شيء حسن مموه فهو زخرف. والمزخرف المزين. وزخارف الماء طرائقه. و « غرورا » نصب على المصدر، لأن معنى « يوحي بعضهم إلى بعض » يغرونهم بذلك غرورا. ويجوز أن يكون في موضع الحال. والغرور الباطل. قال النحاس: وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل « يوحي بعضهم إلى بعض » قال: مع كل جني شيطان، ومع كل إنسي شيطان، فيلقى أحدهما الآخر فيقول: إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله. ويقول الآخر مثل ذلك؛ فهذا وحي بعضهم إلى بعض. وقاله عكرمة والضحاك والسدي والكلبي. قال النحاس: والقول الأول يدل عليه « وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم » [ الأنعام:121 ] ؛ فهذا يبين معنى ذلك.

قلت: ويدل عليه من صحيح السنة قوله عليه السلام: ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ) قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ( ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ) . روي ( فأسلم ) برفع الميم ونصبها. فالرفع على معنى فأسلم من شره. والنصب على معنى فأسلم هو. فقال: ( ما منكم من أحد ) ولم يقل ولا من الشياطين؛ إلا أنه يحتمل أن يكون نبه على أحد الجنسين بالآخر؛ فيكون من باب « سرابيل تقيكم الحر » [ النحل: 81 ] وفيه بعد، والله أعلم. وروى عوف بن مالك عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن ) ؟ قال قلت: يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال: ( نعم هم شر من شياطين الجن ) . وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة تنشد:

إن النساء رياحين خلقن لكم وكلكم يشتهي شم الرياحين

فأجابها عمر رضي الله عنه:

إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين

 

قوله تعالى: « ولو شاء ربك ما فعلوه » أي ما فعلوا إيحاء القول بالغرور. « فذرهم » أمر فيه معنى التهديد. قال سيبويه: ولا يقال وذر ولا ودع، استغنوا عنهما بترك.

قلت: هذا إنما خرج على الأكثر. وفي التنزيل: « وذر الذين » و « ذرهم » و « ما ودعك » [ الضحى: 3 ] . وفي السنة ( لينتهن أقوام عن ودعهم الجمعات ) . وقول: ( إذا فعلوا - يريد المعاصي - فقد تودع منهم ) . قال الزجاج: الواو ثقيلة؛ فلما كان « ترك » ليس فيه واو بمعنى ما فيه الواو ترك ما فيه الواو. وهذا معنى قول وليس بنصه.

 

الآية: 113 ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون )

 

قوله تعالى: « ولتصغى إليه أفئدة » تصغى تميل؛ يقال: صغوت أصغو صغوا وصغوا، وصغيت أصغي، وصغيت بالكسر أيضا. يقال منه: صغي يصغى صغى وصغيا، وأصغيت إليه إصغاء بمعنىً.

قال الشاعر:

ترى السفيه به عن كل محكمة زيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء

ويقال: أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه. وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض. ومنه صغت النجوم: مالت للغروب. وفي التنزيل: « فقد صغت قلوبكما » [ التحريم: 4 ] . قال أبو زيد: يقال صغوه معك وصغوه، وصغاه معك، أي ميله. وفي الحديث: ( فأصغى لها الإناء ) يعني للهرة. وأكرموا فلانا في صاغيته، أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده. وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الرجل كأنها تستمع شيئا حين يشد عليها الرحل. قال ذو الرمة:

تصغي إذا شدها بالكور جانحة حتى إذا ما استوى في غرزها تثب

واللام في ولتصغى لام كي، والعامل فيها « يوحي » تقديره: يوحي بعضهم إلى بعض ليغروهم ولتصغى. وزعم بعضهم أنها لام الأمر، وهو غلط؛ لأنه كان يجب « ولتصغ إليه » بحذف الألف، وإنما هي لام كي. وكذلك « وليرضوه وليقترفوا » إلا أن الحسن قرأ « وليرضوه وليقترفوا » بإسكان اللام، جعلها لام أمر فيه معنى التهديد؛ كما يقال: افعل ما شئت. ومعنى « وليقترفوا ما هم مقترفون » أي وليكتسبوا؛ عن ابن عباس والسدي وابن زيد. يقال: خرج يقترف أهله أي يكتسب لهم. وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله. وقرفتني بما ادعيت علي، أي رميتني بالريبة. وقرف القرحة إذا قشر منها. واقترف كذبا. قال رؤبة:

أعيا اقتراف الكذب المقروف تقوى التقي وعفة العفيف

وأصله اقتطاع قطعة من الشيء.

 

الآية: 114 ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين )

 

قوله تعالى: « أفغير الله أبتغي حكما » « غير » نصب بـ « أبتغي » . « حكما » نصب على البيان، وإن شئت على الحال. والمعنى: أفغير الله أطلب لكم حاكما وهو كفاكم مؤونة المسألة في الآيات بما أنزله إليكم من الكتاب المفصل، أي المبين. ثم قيل: الحكم أبلغ من الحاكم؛ إذ لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق، لأنها صفة تعظيم في مدح. والحاكم صفة جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق. « والذين آتيناهم الكتاب » يريد اليهود والنصارى. وقيل: من أسلم منهم كسلمان وصهيب وعبدالله بن سلام. « يعلمون أنه » أي القرآن. « منزل من ربك بالحق » أي أن كل ما فيه من الوعد والوعيد لحق « فلا تكونن من الممترين » أي من الشاكين في أنهم يعلمون أنه منزل من عند الله. وقال عطاء: الذين آتيناهم الكتاب وهم رؤساء أصحاب محمد عليه السلام: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

 

الآية: 115 ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم )

 

قوله تعالى: « وتمت كلمة ربك » قراءة أهل الكوفة بالتوحيد، والباقون بالجمع. قال ابن عباس: مواعيد ربك، فلا مغير لها. والكلمات ترجع إلى العبارات أو إلى المتعلقات من الوعد والوعيد وغيرهما. قال قتادة: الكلمات هي القرآن لا مبدل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. « صدقا وعدلا » أي فيما وعد وحكم، لا راد لقضائه ولا خلف في وعده. وحكى الرماني، عن قتادة. لا مبدل لها فيما حكم به، أي إنه وإن أمكنه التغيير والتبديل في الألفاظ كما غير أهل الكتاب التوراة والإنجيل فإنه لا يعتد بذلك. ودلت الآية على وجوب اتباع دلالات القرآن؛ لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها.

 

الآية: 116 ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون )

 

قوله تعالى: « وإن تطع أكثر من في الأرض » أي الكفار. « يضلوك عن سبيل الله » أي عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله. « إن يتبعون إلا الظن » « إن » بمعنى ما، وكذلك « وإن هم إلا يخرصون » أي يحدسون ويقدرون؛ ومنه الخرص، وأصله القطع. قال الشاعر:

ترى قصد المران فينا كأنه تذرع خرصان بأيدي الشواطب

يعني جريدا يقطع طولا ويتخذ منه الخرص. وهو جمع الخرص؛ ومنه خرص يخرص النخل خرصا إذا حزره ليأخذ الخراج منه. فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به؛ إذ لا يقين معه. وسيأتي لهذا مزيد بيان في « الذاريات » إن شاء الله تعالى.

 

الآية: 117 ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )

 

قوله تعالى: « إن ربك هو أعلم » قال بعض الناس: إن « أعلم » هنا بمعنى يعلم؛ وأنشد قول حاتم الطائي:

تحالفت طيء من دوننا حلفا والله أعلم ما كنا لهم خذلا

وقول الخنساء:

الله أعلم أن جفنته تغدو غداة الريح أو تسري

وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لا يطابق « هو أعلم بالمهتدين » . ولأنه يحتمل أن يكون على أصله. « من يضل عن سبيله » « من » بمعنى أي؛ فهو في محل رفع والرافع له « يضل » . وقيل: في محل نصب بأعلم، أي إن ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله. وقيل: في محل نصب بنزع الخافض؛ أي بمن يضل. قال بعض البصريين، وهو حسن؛ لقوله: « وهو أعلم بالمهتدين » وقوله في آخر النحل: « إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين » [ النحل: 125 ] . وقرئ « يضل » وهذا على حذف المفعول، والأول أحسن؛ لأنه قال: « وهو أعلم بالمهتدين » . فلو كان من الإضلال لقال وهو أعلم بالهادين.

 

الآية: 118 ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين )

 

قوله تعالى: « فكلوا مما ذكر اسم الله عليه » نزلت بسبب أناس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ما نقتل ولا نأكل ما قتل الله؟ فنزلت « فكلوا » إلى قوله « وإن أطعتموهم إنكم لمشركون » [ الأنعام: 121 ] خرجه الترمذي وغيره. قال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والذبح وكل مطعوم. وقوله: « إن كنتم بآياته مؤمنين » أي بأحكامه وأوامره آخذين؛ فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها.

 

الآية: 119 ( وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين )

 

قوله تعالى: « وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه » المعنى ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه ربكم وإن قتلتموه بأيديكم. « وقد فصل » أي بين لكم الحلال من الحرام، وأزيل عنكم اللبس والشك. فـ « ما » استفهام يتضمن التقرير. وتقدير الكلام: وأي شيء لكم في ألا تأكلوا. « فأن » في موضع خفض بتقدير حرف الجر. ويصح أن تكون في موضع نصب على ألا يقدر حرف جر، ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله « مالكم » تقديره أي ما يمنعكم. ثم استثنى فقال « إلا ما اضطررتم إليه » يريد من جميع ما حرم كالميتة وغيرها وهو استثناء منقطع. وقرأ نافع ويعقوب « وقد فصل لكم ما حرم » بفتح الفعلين. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالضم فيهما، والكوفيون « فصل » بالفتح « حرم » بالضم. وقرأ عطية العوفي « فصل » بالتخفيف. ومعناه أبان وظهر؛ كما قرئ « الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت » [ هود: 1 ] أي استبانت. واختار أبو عبيدة قراءة أهل المدينة. وقيل: « فصل » أي بين، وهو ما ذكره في سورة « المائدة » من قوله: « حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير » [ المائدة: 3 ] الآية.

قلت: هذا فيه نظر؛ فإن « الأنعام » مكية والمائدة مدنية فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد، إلا أن يكون فصل بمعنى يفصل. والله أعلم.

 

قوله تعالى: « وإن كثيرا ليضلون » وقرأ الكوفيون « يضلون » من أضل. « بأهوائهم بغير علم » يعني المشركين حيث قالوا: ما ذبح الله بسكينه خير مما ذبحتم بسكاكينكم « بغير علم » أي بغير علم يعلمونه في أمر الذبح؛ إذ الحكمة فيه إخراج ما حرمه الله علينا من الدم بخلاف ما مات حتف أنفه؛ ولذلك شرع الذكاة في محل مخصوص ليكون الذبح فيه سببا لجذب كل دم في الحيوان بخلاف غيره من الأعضاء والله أعلم.

 

الآية: 120 ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون )

 

قوله تعالى: « وذروا ظاهر الإثم وباطنه » للعلماء فيه أقوال كثيرة. وحاصلها راجع إلى أن الظاهر ما كان عملا بالبدن مما نهى الله عنه، وباطنه ما عقد بالقلب من مخالفة أمر الله فيما أم ونهى؛ وهذه المرتبة لا يبلغها إلا من اتقى وأحسن؛ كما قال: « ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا » [ المائدة: 93 ] . وهي المرتبة الثالثة. حسب ما تقدم بيانه في ( المائدة ) . وقيل: هو ما كان عليه الجاهلية من الزنا الظاهر واتخاذ الحلائل في الباطن. وما قدمنا جامع لكل إثم وموجب لكل أمر.

 

الآية: 121 ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )

 

روى أبو داود قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله عز وجل: « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه » إلى آخر الآية. وروى النسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه » قال: خاصمهم المشركون فقالوا: ما ذبح الله فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه؛ فقال الله سبحانه لهم: لا تأكلوا؛ فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها. وتنشأ هنا مسألة أصولية، وهي أن اللفظ الوارد على سبب هل يقصر عليه أم لا؛ فقال علماؤنا: لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما يذكره الشارع ابتداء من صيغ ألفاظ العموم. أما ما ذكره جوابا لسؤال ففيه تفصيل، على ما هو معروف في أصول الفقه؛ إلا أنه إن أتى بلفظ مستقل دون السؤال لحق بالأول في صحة القصد إلى التعميم. فقول: « لا تأكلوا » ظاهر في تناول الميتة، وتدخل فيه ما ذكر عليه غير اسم الله بعموم أنه لم يذكر عليه اسم الله، وبزيادة ذكر غير اسم الله سبحانه عليه الذي يقتضي تحريمه نصا بقول: « وما أهل به لغير الله » [ البقرة: 173 ] . وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عمدا عليه من الذبح، وعند إرسال الصيد. اختلف العلماء في ذلك على أقوال خمسة، وهي

القول الأول: إن تركها سهوا أكلا جميعا، وهو قول إسحاق ورواية عن أحمد بن حنبل. فإن تركها عمدا لم يؤكلا؛ وقال في الكتاب مالك وابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وعيسى وأصبغ، وقاله سعيد بن جبير وعطاء، واختاره النحاس وقال: هذا أحسن، لأنه لا يسمى فاسقا إذا كان ناسيا.

الثاني: إن تركها عامدا أو ناسيا يأكلهما. وهو قول الشافعي والحسن، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد وعكرمة وأبي عياض وأبي رافع وطاوس وإبراهيم النخعي وعبدالرحمن بن أبي ليلى وقتادة. وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمدا أو نسيانا. وروي عن ربيعة أيضا. قال عبدالوهاب: التسمية سنة؛ فإذا تركها الذابح ناسيا أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه.

الثالث: إن تركها عامدا أو ساهيا حرم أكلها؛ قال محمد بن سيرين وعبدالله بن عياش بن أبي ربيعة وعبدالله بن عمر ونافع وعبدالله بن زيد الخطمي والشعبي؛ وبه قال أبو ثور وداود بن علي وأحمد في رواية.

الرابع: إن تركها عامدا كره أكلها؛ قاله القاضي أبو الحسن والشيخ أبو بكر من علمائنا.

الخامس: قال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمدا إلا أن يكون مستخفا، وقال نحوه الطبري. أدلة قال الله تعالى: « فكلوا مما ذكر اسم الله عليه » [ الأنعام: 118 ] وقال: « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه » فبين الحالين وأوضح الحكمين. فقول: « لا تأكلوا » نهي على التحريم لا يجوز حمله على الكراهة؛ لتناول في بعض مقتضياته الحرام المحض، ولا يجوز أن يتبعض، أي يراد به التحريم والكراهة معا؛ وهذا من نفيس الأصول. وأما الناسي فلا خطاب توجه إليه إذ يستحيل خطابه؛ فالشرط ليس بواجب عليه. وأما التارك للتسمية عمدا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يتركها إذا أضجع الذبيحة ويقول: قلبي مملوء من أسماء الله تعالى وتوحيده فلا أفتقر إلى ذكر بلساني؛ فذلك يجزئه لأنه ذكر الله جل جلال وعظمه. أو يقول: إن هذا ليس بموضع تسمية صريحة، إذ ليست بقربة؛ فهذا أيضا يجزئه. أو يقول: لا أسمي، وأي قدر للتسمية؛ فهذا متهاون فاسق لا تؤكل ذبيحته. قال ابن العربي: وأعجب لرأس المحققين أمام الحرمين حيث قال: ذكر الله تعالى إنما شرع في القرب، والذبح ليس بقربة. وهذا يعارض القرآن والسنة؛ قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ) . فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب؛ لأن الذكر يضاد النسيان ومحل النسيان القلب فمحل الذكر القلب، وقد روى البراء بن عازب: اسم الله على قلب كل مؤمن سمى أو لم يسم. قلنا: الذكر باللسان وبالقلب، والذي كانت العرب تفعله تسمية الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكره في الألسنة، وأشتهر ذلك في الشريعة حتى قيل لمالك: هل يسمي الله تعالى إذا توضأ فقال: أيريد أن يذبح. وأما الحديث الذي تعلقوا به من قوله: ( اسم الله على قلب كل مؤمن ) فحديث ضعيف. وقد استدل جماعة من أهل العلم على أن التسمية على الذبيحة ليست بواجبة؛ لقوله عليه السلام لأناس سألوه، قالوا: يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري اذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سموا الله عليه وكلوا » . أخرجه الدارقطني عن عائشة ومالك مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله. وتأول بأن قال في آخره: وذلك في أول الإسلام. يريد قبل أن ينزل عليه « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه » . قال أبو عمر: وهذا ضعيف، وفي الحديث نفسه ما يرده، وذلك أنه أمرهم فيه بتسمية الله على الأكل؛ فدل على أن الآية قد كانت نزلت عليه. ومما يدل على صحة ما قلناه أن هذا الحديث كان بالمدينة، ولا يختلف العلماء أن قوله تعالى: « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه » نزل في سورة « الأنعام » بمكة. ومعنى « وإنه لفسق » أي لمعصية عن ابن عباس. والفسق: الخروج. وقد تقدم.

 

قوله تعالى: « وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم » أي يوسوسون فيلقون في قلوبهم الجدال بالباطل. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله: « وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم » يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله « ولا تأكلوا مما لو يذكر اسم الله عليه » قال عكرمة: عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس. وقال ابن عباس وعبدالله بن كثير: بل الشياطين الجن، وكفرة الجن أولياء قريش. وروي عن عبدالله بن الزبير أنه قيل له: إن المختار يقول: يوحى إلى فقال: صدق، إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم. وقوله: « ليجادلوكم » . يريد قولهم: ما قتل الله لم تأكلوه وما قتلتموه أكلتموه. والمجادلة: دفع القول على طريق الحجة بالقوة؛ مأخوذ من الأجدل، طائر قوي. وقيل: هو مأخوذ من الجدالة، وهي الأرض؛ فكأنه يغلبه بالحجة يقهره حتى يصير كالمجدول بالأرض. وقيل: هو مأخوذ من الجدل، وهو شدة القتل؛ فكأن كل واحد منهما يفتل حجة صاحبه حتى يقطعها، وتكون حقا في نصرة الحق وباطلا في نصرة الباطل.

 

قوله تعالى: « وإن أطعتموهم » أي في تحليل الميتة « إنكم لمشركون » . فدلت الآية على أن من استحل شيئا مما حرم الله تعالى صار به مشركا. وقد حرم الله سبحانه الميتة نصا؛ فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك. قال ابن العربي: إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في الاعتقاد؛ فأما إذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص؛ فافهموه. وقد مضى في « المائدة » .

 

الآية: 122 ( أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )

 

قوله تعالى: « أومن كان ميتا فأحييناه » قرأ الجمهور بفتح الواو، دخلت عليها همزة الاستفهام. وروى المسيبي عن نافع بن أبي نعيم « أو من كان » بإسكان الواو. قال النحاس: يحوز أن يكون محمولا على المعنى، أي انظروا وتدبروا أغير الله أبتغي حكما. « أو من كان ميتا فأحييناه » قيل: معناه كان ميتا حين كان نطفة فأحييناه بنفخ الروح فيه؛ حكاه ابن بحر. وقال ابن عباس: أو من كان كافرا فهديناه. نزلت في حمزة بن عب المطلب وأبي جهل. وقال زيد بن أسلم والسدي: « فأحييناه » عمر رضي الله عنه. « كمن مثله في الظلمات » أبو جهل لعنه الله. والصحيح أنها عامة في كل مؤمن وكافر. وقيل: كان ميتا بالجهل فأحييناه بالعلم. وأنشد بعض أهل العلم ما يدل على صحة هذا التأويل لبعض شعراء البصرة:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله فأجسامهم قبل القبور قبور

وإن امرأ لم يحي بالعلم ميت فليس له حتى النشور نشور

والنور عبارة عن الهدى والإيمان. وقال الحسن: القرآن. وقيل: الحكمة. وقيل: هو النور المذكور في قوله: « يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم » [ الحديد: 12 ] ، وقوله: « انظرونا نقتبس من نوركم » [ الحديد: 13 ] . « يمشي به » أي بالنور « كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها » أي كمن هو فمثل زائدة. تقول: أنا أكرم مثلك؛ أي أكرمك. ومثله « فجزاء مثل ما قتل من النعم » [ المائدة: 95 ] ، « ليس كمثله شيء » [ الشورى: 11 ] . وقيل: المعنى كمن مثله ما قتل من هو في الظلمات. والمثل والمثل واحد. « كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون » أي زين لهم الشيطان عبادة الأصنام وأوهمهم أنهم أفضل من المسلمين.

 

الآية: 123 ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون )

 

قوله تعالى: « وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها » المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون كذلك جعلنا في كل قرية. « مجرميها » مفعول أول لجعل « مفعول ثاني على التقديم والتأخير. وجعل بمعنى صير. والأكابر جمع الأكبر. قال مجاهد: يريد العظماء. وقيل: الرؤساء والعظماء. وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد. والمكر الحيلة في مخالفة الاستقامة، أصله الفتل؛ فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها. قال مجاهد: كانوا يجلسون على كل عقبة أربعة ينفرون الناس عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما فعل من قبلهم من الأمم السالفة بأنبيائهم. » وما يمكرون إلا بأنفسهم « أي وبال مكرهم راجع إليهم. وهو من الله عز وجل الجزاء على مكر الماكرين بالعذاب الأليم. » وما يشعرون « في الحال؛ لفرط جهلهم أن وبال مكرهم عائد إليهم.»

 

الآية: 124 ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون )

 

قوله تعالى: « وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن » بين شيئا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات؛ ونظيره « بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة » [ المدثر: 52 ] . والكناية في « جاءتهم » ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك ما لا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه؛ فنزلت الآية. وقيل: لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك. والأول أصح؛ لأن الله تعالى قال: « الله أعلم حيث يجعل رسالته » [ الأنعام: 124 ] أي بمن هو مأمون عليها وموضع لها. و « حيث » ليس ظرفا هنا، بل هو اسم نصب نصب المفعول به على الاتساع؛ أي الله أعلم أهل الرسالة. وكان الأصل الله أعلم بمواضع رسالته، ثم حذف الحرف، ولا يجوز أن يعمل « أعلم » في « حيث » ويكون ظرفا، لأن المعنى يكون على ذلك الله أعلم في هذا الموضع، وذلك لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى، وإنما موضعها نصب بفعل مضمر دل عليه « أعلم » . وهي اسم كما ذكرنا. والصغار: الضيم والذل والهوان، وكذلك الصغر ( بالضم ) . والمصدر الصغر ( بالتحريك ) . وأصله من الصغر دون الكبر؛ فكأن الذل يصغر إلى المرء نفسه، وقيل: أصله من الصغر وهو الرضا بالذل؛ يقال منه: صغر يصغر بفتح الغين في الماضي وضمها في المستقبل. وصغر بالكسر يصغر بالفتح لغتان، صغرا وصغارا، واسم الفاعل صاغر وصغير. والصاغر: الراضي بالضيم. والمصغوراء الصغار. وأرض مصغرة: نبتها لم يطل؛ عن ابن السكيت. « عند الله » أي من عند الله، فحذف. وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي سيصيب الذين أجرموا عند الله صغار. الفراء: سيصيب الذين أجرموا صغار من الله. وقيل: المعنى سيصيب الذين أجرموا صغار ثابت عند الله. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال؛ لأن « عند » في موضعها.

 

الآية: 125 ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون )

 

قوله تعالى: « فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام » أي يوسعه له، ويوفقه ويزين عنده ثوابه. ويقال: شرح شق، وأصله التوسعة. وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك. وشرحت الأمر: بنته وأوضحته. وكانت قريش تشرح النساء شرحا، وهو مما تقدم: من التوسعة والبسط، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها. فالشرح: الكشف؛ تقول: شرحت الغامض؛ ومنه تشريح اللحم. قال الراجز:

كم قد أكلت كبدا وإنفحه ثم ادخرت إلية مُشَرَّحَه

والقطعة منه شريحة. وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة. « ومن يرد أن يضله » يغويه « يجعل صدره ضيقا حرجا » وهذا رد على القدرية. ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام: ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) أخرجه الصحيحان. ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره. والدين العبادات؛ كما قال: « إن الدين عند الله الإسلام » [ آل عمران: 19 ] . ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره، وأبعد فهمه فلم يفقهه. والله أعلم. وروي أن عبدالله بن مسعود قال: يا رسول الله، وهل ينشرح الصدر؟ فقال: ( نعم يدخل القلب نور ) فقال: وهل لذلك من علامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) . وقرأ ابن كثير « ضيقا » بالتخفيف؛ مثل هين ولين لغتان. ونافع وأبو بكر « حرجا » بالكسر، ومعناه الضيق. كرر المعنى، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ. والباقون بالفتح. جمع حرجة؛ وهو شدة الضيق أيضا، والحرجة الغيضة؛ والجمع حرج وحرجات. ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي؛ قال الهروي. وقال ابن عباس: الحرج موضع الشجر الملتف؛ فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى؛ ذكره مكي والثعلبي وغيرهما. وكل ضيق حرج. قال الجوهري: مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية. وقرئ « يجعل صدره ضيقا حرجا » و « حرجا » . وهو بمنزلة الوحد والوحد والفرد والفرد والدنف والدنف؛ في معنى واحد، وحكاه غيره عن الفراء. وقد حرج صدره يحرج حرجا. والحرج الإثم. والحرج أيضا: الناقة الضامرة. ويقال: الطويلة على وجه الأرض؛ عن أبي زيد، فهو لفظ مشترك. والحرج: خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى؛ عن الأصمعي. وهو قول امرئ القيس:

فإما تريني في رحالة جابر على حرج كالقر تخفق أكفاني

وربما وضع فوق نعش النساء؛ قال عنترة يصف ظليما:

يتبعن قلة رأسه وكأنه حرج على نعش لهن مخيم

وقال الزجاج: الحرج: أضيق الضيق. فإذا قيل. فلان حرج الصدر، فالمعنى ذو حرج في صدره. فإذا قيل: حرج فهو فاعل. قال النحاس: حرج اسم الفاعل، وحرج مصدر وصف به؛ كما يقال: رجل عدل ورضا.

 

قوله تعالى: « كأنما يصعد في السماء » قرأه ابن كثير بإسكان الصاد مخففا، من الصعود هو الطلوع. شبه الله الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه؛ كما أن صعود السماء لا يطاق. وكذلك يصاعد وأصله يتصاعد، أدغمت التاء في الصاد، وهي قراءة أبي، بكر والنخعي؛ إلا أن فيه معنى فعل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله. وقرأ الباقون بالتشديد من غير ألف، وهو كالذي قبله. معناه يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء؛ كقولك: يتجرع ويتفوق. وروي عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ « كأنما يتصعد » . قال النحاس: ومعنى هذه القراءة وقراءة من قرأ يصعد ويصاعد واحد. والمعنى فيهما أن الكافر من ضيق صدره كأنه يريد أن يصعد إلى السماء وهو لا يقدر على ذلك؛ فكأنه يستدعي ذلك. وقيل: المعنى كاد قلبه يصعد إلى السماء نَبْواً عن الإسلام. « كذلك يجعل الله الرجس » عليهم؛ كجعله ضيق الصدر في أجسادهم. وأصل الرجس في اللغة النتن. قال ابن زيد: هو العذاب. وقال ابن عباس: الرجس هو الشيطان؛ أي يسلطه عليهم. وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وكذلك الرجس عند أهل اللغة هو النتن. فمعنى الآية والله أعلم: ويجعل اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة « على الذين لا يؤمنون » .

 

الآية: 126 ( وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون )

 

قوله تعالى: « وهذا صراط ربك مستقيما » أي هذا الذي أنت عليه يا محمد والمؤمنون دين ربك لا اعوجاج فيه. « قد فصلنا الآيات » أي بيناها « لقوم يذكرون » أي للمتذكرين.

 

الآية: 127 ( لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون )

 

قوله تعالى: « لهم » أي للمذكرين. « دار السلام » أي الجنة، فالجنة دار الله؛ كما يقال: الكعبة بيت الله. ويجوز أن يكون المعنى دار السلامة، أي التي يسلم فيها من الآفات. ومعنى قوله: « عند ربهم » أي مضمونة لهم عنده يوصلهم إليها بفضله. « وهو وليهم » أي ناصرهم ومعينهم.

 

الآية: 128 ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم )

 

قوله تعالى: « ويوم نحشرهم » نصب على الفعل المحذوف، أي ويوم نحشرهم نقول. « جميعا » نصب على الحال. والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة. « يا معشر الجن » نداء مضاف. « قد استكثرتم من الإنس » أي من الاستمتاع بالإنس؛ فحذف المصدر المضاف إلى المفعول، وحرف الجر؛ يدل على ذلك قوله: « ربنا استمتع بعضنا ببعض » وهذا يرد قول من قال: إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس؛ لأن الإنس قبلوا منهم. والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضا؛ فاستمتاع الجن من الإنس إنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم. وقيل: كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر. وفي التنزيل: « وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا » [ الجن: 6 ] . فهذا استمتاع الإنس بالجن. وأما استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر. وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون. ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين. « وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا » يعني الموت والقبر، ووافينا نادمين. « قال النار مثواكم » أي موضع مقامكم. والمثوى المقام. « خالدين فيها إلا ما شاء الله » استثناء ليس من الأول. قال الزجاج: يرجع إلى يوم القيامة، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب؛ فالاستثناء قطع. وقيل: يرجع الاستثناء إلى النار، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات. وقال ابن عباس: الاستثناء لأهل الإيمان. فـ « ما » على هذا بمعنى من. وعنه أيضا أنه قال: هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار. ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت، إذ فد يسلم. وقيل: « إلا ما شاء الله » من كونهم في الدنيا بغير عذاب. ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في « هود » . قوله: « فأما الذين شقوا ففي النار » [ هود: 106 ] وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله. « إن ربك حكيم » أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله « عليم » بمقدار مجازاتهم.

 

الآية: 129 ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون )

 

قوله تعالى: « وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا » المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا. ومعنى « نولي » على هذا نجعل وليا. قال ابن زيد: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس. وعنه أيضا: نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله. وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أعان ظالما سلطه الله عليه ) . وقيل: المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا. وقد قيل في قوله تعالى: « نوله ما تولى » [ النساء: 115 ] : نكله إلى ما وكل إليه نفسه. قال ابن عباس: تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. يدل عليه قوله تعالى: « وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم » [ الشورى: 30 ] .

 

الآية: 130 ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين )

 

قوله تعالى: « يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم » أي يوم نحشرهم نقول لهم ألم يأتكم رسل فحذف؛ فيعترفون بما فيه افتضاحهم. ومعنى « منكم » في الخلق والتكليف والمخاطبة. ولما كانت الجن ممن يخاطب ويعقل قال: « منكم » وإن كانت الرسل من الإنس وغلب الإنس في الخطاب كما يغلب المذكر على المؤنث. وقال ابن عباس: رسل الجن هم الذين بلغوا قومهم ما سمعوه من الوحي؛ كما قال: « ولوا إلى قومهم منذرين » [ الأحقاف: 29 ] . وقال مقاتل والضحاك: أرسل الله رسلا من الجن كما أرسل من الإنس. وقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن؛ ثم قرأ « إلى قومهم منذرين » [ الأحقاف: 29 ] . وهو معنى قول ابن عباس، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في « الأحقاف » . وقال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الإنس والجن جميعا.

قلت: وهذا لا يصح، بل في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود ) الحديث. على ما يأتي بيانه في « الأحقاف » . وقال ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس وإن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى الجن والإنس؛ ذكره أبو الليث السمرقندي. وقيل: كان قوم من الجن: استمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم وأخبروهم؛ كالحال مع نبينا عليه السلام. فيقال لهم رسل الله، وإن لم ينص على إرسالهم. وفي التنزيل: « يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان » [ الرحمن: 22 ] أي من أحدهما، وإنما يخرج من الملح دون العذب، فكذلك الرسل من الإنس دون الجن؛ فمعنى « منكم » أي من أحدكم. وكان هذا جائزا؛ لأن ذكرهما سبق. وقيل: إنما صير الرسل في مخرج اللفظ من الجميع لأن الثقلين قد ضمتهما عرصة القيامة، والحساب عليهم دون الخلق؛ فلما صاروا في تلك العرصة في حساب واحد في شأن الثواب والعقاب خوطبوا يومئذ بمخاطبة واحدة كأنهم جماعة واحدة؛ لأن بدء خلقهم للعبودية، والثواب والعقاب على العبودية، ولأن الجن أصلهم من مارج من نار، وأصلنا من تراب، وخلقهم غير خلقنا؛ فمنهم مؤمن وكافر. وعدونا إبليس عدوهم، يعادي مؤمنهم ويوالي كافرهم. وفيهم أهواء: شيعة وقدرية ومرجئة يتلون كتابنا. وقد وصف الله عنهم في سورة « الجن » من قوله: « وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون » [ الجن: 14 ] . « وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا » [ الجن: 11 ] على ما يأتي بيانه هناك. « يقصون » في موضع رفع نعت لرسل. « قالوا شهدنا على أنفسنا » أي شهدنا أنهم بلغوا. « وغرتهم الحياة الدنيا » قيل: هذا خطاب من الله للمؤمنين؛ أي أن هؤلاء قد غرتهم الحياة الدنيا، أي خدعتهم وظنوا أنها تدوم، وخافوا زوالها عنهم إن آمنوا. « وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين » أي اعترفوا بكفرهم. قال مقاتل: هذا حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك وبما كانوا يعملون.

 

الآية: 131 ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون )

 

قوله تعالى: « ذلك » في موضع رفع عند سيبويه؛ أي الأمر ذلك. و « أن » مخففة من الثقيلة؛ أي إنما فعلنا هذا بهم لأني لم أكن أهلك القرى بظلمهم؛ أي بشركهم قبل إرسال الرسل إليهم فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. وقيل: لم أكن أهلك القرى بشرك من أشرك منهم؛ فهو مثل « ولا تزر وازرة وزر أخرى » [ الأنعام: 164 ] . ولو أهلكهم قبل بعثة الرسل فله أن يفعل ما يريد. وقد قال عيسى: « إن تعذبهم فإنهم عبادك » [ المائدة: 118 ] وأجاز الفراء أن يكون « ذلك » في موضع نصب، المعنى: فعل ذلك بهم؛ لأنه لم يكن يهلك القرى بظلم.

 

الآية: 132 ( ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون )

 

قوله تعالى: « ولكل درجات مما عملوا » أي من الجن والإنس؛ كما قال في آية أخرى: « أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين » [ الأحقاف: 18 ] ثم قال: « و لكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون » [ الأحقاف: 19 ] . وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار؛ كالإنس سواء. وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى « ولكل درجات » أي ولكل عامل بطاعة درجات في الثواب. ولكل عامل بمعصية دركات في العقاب. « وما ربك بغافل » أي ليس بلاه ولا ساه. والغفلة أن يذهب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. « عما يعملون » قرأه ابن عامر بالتاء، الباقون بالياء.

 

الآية: 133 ( وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين )

 

قوله تعالى: « وربك الغني » أي عن خلقه وعن أعمالهم. « ذو الرحمة » أي بأوليائه وأهل طاعته. « إن يشأ يذهبكم » بالإماتة والاستئصال بالعذاب. « ويستخلف من بعدكم ما يشاء » أي خلقا آخر أمثل منكم وأطوع. « كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين » والكاف في موضع نصب، أي يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم، ونظيره « إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين » [ النساء: 133 ] . « وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم » [ محمد: 38 ] . فالمعنى يبدل غيركم مكانكم، كما تقول: أعطيتك من دينارك ثوبا.

 

الآية: 134 ( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين )

 

قوله تعالى: « إن ما توعدون لآت » يحتمل أن يكون من « أوعدت » في الشر، والمصدر الإيعاد. والمراد عذاب الآخرة. ويحتمل أن يكون من « وعدت » على أن يكون المراد الساعة التي في مجيئها الخير والشر فغلب الخير. روي معناه عن الحسن. « وما أنتم بمعجزين » أي فائتين؛ يقال: أعجزني فلان، أي فاتني وغلبني.

 

الآية: 135 ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون )

 

قوله تعالى: « قل يا قوم اعملوا على مكانتكم » وقرأ أبو بكر بالجمع « مكاناتكم » . والمكانة الطريقة. والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه فأنا أثبت على ما أنا عليه. فإن قيل: كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفار. فالجواب أن هذا تهديد؛ كما قال عز وجل: « فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا » [ التوبة: 82 ] . ودل عليه « فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار » أي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها، أي من له النصر في دار الإسلام، ومن له وراثة الأرض، ومن له الدار الآخرة، أي الجنة. قال الزجاج: « مكانتكم » تمكنكم في الدنيا. ابن عباس والحسن والنخعي: على ناحيتكم. القتبي: على موضعكم. « إني عامل » على مكانتي، فحذف لدلالة الحال عليه. « من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون » « ومن » من قوله « من تكون في موضع نصب بمعنى الذي؛ لوقوع العلم عليه. ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله فيكون الفعل معلفا. أي تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار؛ كقول: » لنعلم أي الحزبين أحصى « وقرأ حمزة والكسائي » من يكون « بالياء.»

 

الآية: 136 ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون )

 

ويقال: ذرأ يذرأ ذرءا، أي خلق. وفي الكلام حذف واختصار، وهو وجعلوا لأصنامهم نصيبا؛ دل عليه ما بعده. وكان هذا مما زينه الشيطان وسوله لهم، حتى صرفوا من ماله طائفة إلى الله بزعمهم وطائفة إلى أصنامهم؛ قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. والمعنى متقارب. جعلوا لله جزءا ولشركائهم جزءا، فإذا ذهب ما لشركائهم بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوا منه ما لله، وإذا ذهب ما لله بالإنقاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوا منه شيئا، وقالوا: الله مستغن عنه وشركاؤنا فقراء. وكان هذا من جهالاتهم وبزعمهم. والزعم الكذب. قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا. وكانوا يكذبون في هذه الأشياء لأنه لم ينزل بذلك شرع. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: « قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم » [ الأنعام: 140 ] . قال ابن العربي: وهذا الذي قاله كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة أعظم جهلا وأكبر جرما؛ فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من الاعتداء على المخلوقات. والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام. وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم عبدتم الحجر! فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها. فهذا الذي أخبر الله سبحانه من سخافة العرب وجهلها أمر أذهبه الإسلام، وأبطله الله ببعثة الرسول عليه السلام. فكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا يظهر، وننساه حتى لا يذكر؛ إلا أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه وأورده بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن قضاءه قد سبق، وحكمه قد نفذ بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة. وقرأ يحيى بن وثاب والسلمي والأعمش والكسائي « بزعمهم » بضمه الزاي. والباقون بفتحها، وهما لغتان. « فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله » أي إلى المساكين. « ساء ما يحكمون » أي ساء الحكم حكمهم. قال ابن زيد: كانوا إذا ذبحوا ما لله ذكروا عليه اسم الأوثان، وإذا ذبحوا ما لأوثانهم لم يذكروا عليه اسم الله، فهذا معنى « فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله » . فكان تركهم لذكر الله مذموما منهم وكان داخلا في ترك أكل ما لم يذكر اسم الله عليه.

 

الآية: 137 ( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون )

 

قوله تعالى: « وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم » المعنى: فكما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيبا ولأصنامهم نصيبا كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم. قال مجاهد وغيره: زينت لهم قتل البنات مخافة العيلة. قال الفراء والزجاج: شركاؤهم ههنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان. وقيل: هم الغواة من الناس. وقيل: هم الشياطين. وأشار بهذا إلى الوأد الخفي وهو دفن البنت حية مخافة السباء والحاجة، وعدم ما حرمن من النصرة. وسمى الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله فأشركوهم مع الله في وجوب طاعتهم. وقيل: كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم؛ كما فعله عب المطلب حين نذر ذبح ولده عبدالله. ثم قيل: في الآية أربع قراءات، أصحها قراءة الجمهور: « وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم » وهذه قراءة أهل الحرمين وأهل الكوفة وأهل البصرة. « شركاؤهم » رفع بـ « زين » ؛ لأنهم زينوا ولم يقتلوا. « قتل » نصب بـ « زين » و « أولادهم » مضاف إلى المفعول، والأصل في المصدر أن يضاف إلى الفاعل؛ لأنه أحدثه ولأنه لا يستغني عنه ويستغني عن المفعول؛ فهو هنا مضاف إلى المفعول لفظا مضاف إلى الفاعل معنى؛ لأن التقدير زين لكثير من المشركين قتلهم أولادهم شركاؤهم، ثم حذف المضاف وهو الفاعل كما حذف من قوله تعالى: « لا يسأم الإنسان من دعاء الخير » [ فصلت: 49 ] أي من دعائه الخير. فالهاء فاعلة الدعاء، أي لا يسأم الإنسان من أن يدعو بالخير. وكذا قوله: زين لكثير من المشركين في أن يقتلوا أولادهم شركاؤهم. قال مكي: وهذه القراءة هي الاختيار؛ لصحة الإعراب فيها ولأن عليها الجماعة. القراءة الثانية « زين » ( بضم الزاي ) . « لكثير من المشركين قتل » ( بالرفع ) . « أولادهم » بالخفض « شركاؤهم » ( بالرفع ) قراءة الحسن. ابن عامر وأهل الشام « زين » بضم الزاي « لكثير من المشركين قتل أولادهم برفع « قتل » ونصب « أولادهم » . » شركائهم « بالخفض فيما حكى أبو عبيد؛ وحكى غيره عن أهل الشام أنهم قرؤوا » وكذلك « بضم الزاي » لكثير من المشركين قتل بالرفع « أولادهم » بالخفض « شركائهم » بالخفض أيضا. فالقراءة الثانية قراءة الحسن جائزة، يكون « قتل » اسم ما لم يسم فاعله، « شركاؤهم » ؛ رفع بإضمار فعل يدل عليه « زين » ، أي زينه شركاؤهم. ويجوز على هذا ضرب زيد عمرو، بمعنى ضربه عمرو، وأنشد سيبويه:

لبيك يزيد ضارع لخصومة

أي يبكيه ضارع. وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية أبي بكر « يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال » [ النور: 36 - 37 ] التقدير يسبحه رجال. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة « قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود » [ البروج: 4 - 5 ] بمعنى قتلهم النار. قال النحاس: وأما ما حكاه أبو عبيد عن ابن عامر وأهل الشام فلا يجوز في كلام ولا في شعر، وإنما أجاز النحويون التفريق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف لأنه لا يفصل، فأما بالأسماء غير الظروف فلحن. قال مكي: وهذه القراءة فيها ضعف للتفريق بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنه إنما يجوز مثل هذا التفريق في الشعر مع الظروف لاتساعهم فيها وهو في المفعول به في الشعر بعيد، فإجازته في القراءة أبعد. وقال المهدوي: قراءة ابن عامر هذه على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه، ومثله قول الشاعر:

فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزادة

يريد: زج أبي مزادة القلوص. وأنشد:

تمر على ما تستمر وقد شفت غلائل عبدالقيس منها صدورها

يريد شقت عبدالقيس غلائل صدورها. وقال أبو غانم أحمد بن حمدان النحوي: قراءة ابن عامر لا تجوز في العربية؛ وهي زلة عالم، وإذا زل العالم لم يجز اتباعه، ورد قوله إلى الإجماع، وكذلك يجب أن يرد من زل منهم أو سها إلى الإجماع؛ فهو أولى من الإصرار على غير الصواب. وإنما أجازوا في الضرورة للشاعر أن يفرق بين المضاف والمضاف إليه بالظرف؛ لأنه لا يفصل. كما قال:

كما خط الكتاب بكف يوما يهودي يقارب أو يزيل

وقال آخر:

كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج

وقال آخر:

لما رأت ساتيدما استعبرت لله در اليوم من لامها

وقال القشيري: وقال قوم هذا قبيح، وهذا محال، لأنه إذا ثبتت القراءة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو الفصيح لا القبيح. وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان « شركائهم » بالياء وهذا يدل على قراءة ابن عامر. وأضيف القتل في هذه القراءة إلى الشركاء؛ لأن الشركاء هم الذي زينوا ذلك ودعوا إليه؛ فالفعل مضاف إلى فاعله على ما يجب في الأصل، لكنه فرق بين المضاف والمضاف إليه؛ وقدم المفعول وتركه منصوبا على حاله؛ إذ كان متأخرا في المعنى، وأخر المضاف وتركه مخفوضا على حاله؛ إذ كان متقدما بعد القتل. والتقدير: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. أي أن قتل شركاؤهم أولادهم. قال النحاس: فأما ما حكاه غير أبي عبيد ( وهي القراءة الرابعة ) فهو جائز. على أن تبدل شركاءهم من أولادهم؛ لأنهم شركاؤهم في النسب والميراث. « ليردوهم » اللام لام كي. والإرداء الإهلاك. « وليلبسوا عليهم دينهم » الذي ارتضى لهم. أي يأمرونهم - بالباطل ويشككونهم في دينهم. وكانوا على دين إسماعيل، وما كان فيه قتل الولد؛ فيصير الحق مغطى عليه؛ فبهذا يلبسون. « ولو شاء الله ما فعلوه » بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله. وهو رد على القدرية. « فذرهم وما يفترون » يريد قولهم إن لله شركاء.

 

الآية: 138 ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون )

 

ذكر تعالى نوعا آخر من جهالتهم. وقرأ أبان بن عثمان « حجر » بضم الحاء والجيم. وقرأ الحسن وقتادة « حجر » بفتح الحاء وإسكان الجيم، لغتان بمعنى. وعن الحسن أيضا « حجر » بضم الحاء. قال أبو عبيد عن هارون قال: كان الحسن يضم الحاء في « حجر » في جميع القرآن إلا في قوله: « برزخا وحجرا محجورا » [ الفرقان: 53 ] فإنه كان يكسرها ههنا. وروي عن ابن عباس وابن الزبير « وحرث حرج » الراء قبل الجيم؛ وكذا في مصحف أبي؛ وفيه قولان: أحدهما أنه مثل جبذ وجذب. والقول الآخر - وهو أصح - أنه من الحرج؛ فإن الحرج ( بكسر الحاء ) لغة في الحرج ( بفتح الحاء ) وهو الضيق والإثم؛ فيكون معناه الحرام. ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه الدخول فيما يشتبه عليه من الحرام. والحجر: لفظ مشترك. وهو هنا بمعنى الحرام، وأصله المنع. وسمي العقل حجرا لمنعه عن القبائح. وفلان في حجر القاضي أي منعه. حجرت على الصبي حجرا. والحجر العقل؛ قال الله تعالى: « هل في ذلك قسم لذي حجر » [ الفجر: 5 ] والحجر الفرس الأنثى. والحجر القرابة. قال:

يريدون أن يقصوه عني وإنه لذو حسب دان إلي وذو حجر

وحجر الإنسان وحجره لغتان، والفتح أكثر. أي حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: « لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم » وهم خدام الأصنام. ثم بين أن هذا تحكم لم يرد به شرع؛ ولهذا قال: « بزعمهم » . « وأنعام حرمت ظهورها » يريد ما يسيبونه لآلهتهم على ما تقدم من النصيب. وقال مجاهد: المراد الجيرة والوصيلة والحام. « وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها » يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا يحجون عليها. « افتراء » أي للافتراء « على الله » ؛ لأنهم كانوا يقولون: الله أمرنا بهذا. فهو نصب على المفعول له. وقيل: أي يفترون افتراء، وانتصابه لكونه مصدرا.

 

الآية: 139 ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم )

 

قوله تعالى: « وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا » هذا نوع آخر من جهلهم. قال ابن عباس: هو اللبن، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث. وقيل: الأجنة؛ قالوا: إنها لذكورنا. ثم إن مات منها شيء أكله الرجال والنساء. والهاء في « خالصة » للمبالغة في الخلوص؛ ومثله رجل علامة ونسابة؛ عن الكسائي والأخفش. و « خالصة » بالرفع خبر المبتدأ الذي هو « ما » . وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام. وهذا القول عند قوم خطأ؛ لأن ما في بطونها ليس منها؛ فلا يشبه قوله « يلتقطه بعض السيار » [ يوسف: 10 ] لأن بعض السيارة سيارة، وهذا لا يلزم قال الفراء: فان ما في بطون الأنعام أنعام مثلها؛ فأنث لتأنيثها، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة لذكورنا. وقيل: أي جماعة ما في البطون. وقيل: إن « ما » ترجع إلى الألبان أو الأجنة؛ فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ. ولهذا قال « ومحرم على أزواجنا » على اللفظ. ولو راعى المعنى لقال ومحرمة. ويعضد هذا قراءة الأعمش « خالص » بغير هاء. قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحد، إلا أن الهاء للمبالغة؛ كما يقال.: رجل داهية وعلامة؛ كما تقدم. وقرأ قتادة « خالصة » بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلة لـ « ما » . وخبر المبتدأ محذوف؛ كقولك: الذي في الدار قائما زيد. هذا مذهب البصريين. وأنتصب عند الفراء على القطع. وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير « خالصا » . وقرأ ابن عباس « خالصه » على الإضافة فيكون ابتداء ثانيا؛ والخبر « لذكورنا » والجملة خبر « ما » . ويجوز أن يكون « خالصه » بدلا من « ما » . فهذه خمس قراءات. « ومحرم على أزواجنا » أي بناتنا؛ عن ابن زيد. وغيره: نساؤهم. « وإن يكن ميتة » قرئ بالياء والتاء؛ أي إن يكن ما في بطون الأنعام ميتة « فهم فيه شركاء » أي الرجال والنساء. وقال « فيه » لأن المراد بالميتة الحيوان، وهي تقوي قراءة الياء، ولم يقل فيها. « ميتة » بالرفع بمعنى تقع أو تحدث. « ميتة » بالنصب؛ أي وإن تكن النسمة ميتة. « سيجزيهم وصفهم » أي كذبهم وافتراءهم؛ أي يعذبهم على ذلك. وانتصب « وصفهم » بنزع الخافض؛ أي بوصفهم. وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به، حتى يعرف فساد قول، ويعلم كيف يرد عليه؛ لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل زمانهم، ليعرفوا فساد قولهم.

 

الآية: 140 ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين )

 

أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم؛ فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق؛ فأبان ذلك عن تناقض رأيهم.

قلت: إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق؛ كما ذكر الله عز وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفها بغير حجة منهم في قتلهم؛ وهم ربيعة ومضر، وكانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله؛ فألحقوا البنات بالبنات. وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مالك تكون محزونا ) ؟ فقال: يا رسول الله، إن أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت! فقال له: ( أخبرني عن ذنبك ) . فقال: يا رسول الله، إن كنت، من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إلى امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها؛ فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت! إيش تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي؛ فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال: ( لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك ) .

 

الآية: 141 ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين )

 

قوله تعالى: « أنشأ » أي خلق. « جنات معروشات » أي بساتين ممسوكات مرفوعات. « وغير معروشات » غير مرفوعات. قال ابن عباس: « معروشات » ما انبسط على الأرض مما يفرش مثل الكروم والزروع والبطيخ. « وغير معروشات » ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار. وقيل: المعروشات ما ارتفعت أشجارها. وأصل التعريش الرفع. وعن ابن عباس أيضا: المعروشات ما أثبته ورفعه الناس. وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار. يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه « مغروسات وغير مغروسات » بالغين المعجمة والسين المهملة.

 

قوله تعالى: « والنخل والزرع » أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة؛ على ما تقدم بيانه في « البقرة » عند قوله: « من كان عدوا لله وملائكته » [ البقرة: 98 ] الآية.

« مختلفا أكله » يعني طعمه منه الجيد والدون. وسماه أكلا لأنه يؤكل. و « أكله » مرفوع بالابتداء. و « مختلفا » نعته؛ ولكنه لما تقدم عليه وولي منصوبا نصب. كما تقول: عندي طباخا غلام. قال:

الشر منتشر يلقاك عن عرض والصالحات عليها مغلقا باب

وقيل: « مختلفا » نصب على الحال. قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه مسألة مشكلة من النحو؛ لأنه يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها؛ فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقول: « خالق كل شيء » [ الأنعام: 102 ] فأعلم أنه أنشأها مختلفا أكلها؛ أي أنه أنشأها مقدرا فيه الاختلاف؛ وقد بين هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، على الحال؛ كما تقول؛ لتدخلن الدار آكلين شاربين؛ أي مقدرين ذلك. جواب ثالث: أي لما أنشأه كان مختلفا أكله، على معنى أنه لو كان له لكان مختلفا أكله. ولم يقل أكلهما؛ لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما؛ كقول: « وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها » [ الجمعة: 11 ] أي إليهما. وقد تقدم هذا المعنى.

 

قوله تعالى: « والزيتون والرمان » عطف عليه « متشابها وغير متشابه » نصب على الحال، وقد تقدم القول فيه. وفي هذه أدلة ثلاثة؛ أحدها ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بدلها من مغير. الثاني على المنة منه سبحانه علينا؛ فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء، إذ خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني؛ فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يجب عليه شيء. الثالث على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجنى الجديد، والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأناسها، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان، أو ترتب هذا الترتيب العجيب! كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد. فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية!

ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم.

 

قوله تعالى: « كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده » فهذان بناءان جاءا بصيغة أفعل، أحدهما مباح كقول: « فانتشروا في الأرض » [ الجمعة: 10 ] والثاني واجب. وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف.

 

قوله تعالى: « وآتوا حقه يوم حصاده » اختلف الناس في تفسير هذا الحق، ما هو؛ فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة، العشر ونصف العشر. ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة. وقال علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد: هو حق في المال سوى الزكاة، أم الله به ندبا. وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضا، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته. وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة؛ لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة: « خذ من أموالهم صدقة » [ التوبة: 103 ] ، « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة » [ البقرة: 43 ] . روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العوفي والنخعي وسعيد بن جبير. وقال سفيان: سألت السدي عن هذه الآية فقال. نسخها العشر ونصف العشر. فقلت عمن؟ فقال عن العلماء.

وقد تعلق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام: ( فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر « في إيجاب الزكاة في كل ما تنبت الأرض طعاما كان أو غيره. وقال أبو يوسف عنه: إلا الحطب والحشيش والقضب والتين والسعف وقصب الذريرة وقصب السكر. وأباه الجمهور، معولين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر. قال أبو عمر: لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقالت طائفة: لا زكاة في غيرها. روي ذلك عن الحسن وابن سيرين والشعبي. وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك يحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد. وروي ذلك عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؛ ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبيه. وقال مالك وأصحابه: الزكاة واجبة في كل مقتات مدخر؛ وبه قال الشافعي. وقال الشافعي: إنما تجب الزكاة فيما ييبس يدخر في كل مقتات مأكولا. ولا شيء في الزيتون لأنه إدام. وقال أبو ثور مثله. وقال أحمد أقوالا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قال أبو حنيفة إذا كان يوسق؛ فأوجبها في اللوز لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود. واحتج بقوله عليه السلام: ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة ) قال: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوسق، وبين المقدار الذي يجب إخراج الحق منه. وذهب النخعي إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض، حتى في عشر دساتج من بقل دستجة بقل. وقد اختلف عنه في ذلك، وهو قول عمر بن عبدالعزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض من قليل أو كثير العشر؛ ذكره عبدالرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل، قال: كتب عمر...؛ فذكره. وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذه أبي حنيفة. وإلى هذا مال ابن العربي في أحكامه فقال: وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وأخذ يعضد مذهب الحنفي ويقويه. وقال في كتاب ( القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس ) فقال: قال الله تعالى: » والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه « [ الأنعام: 141 ] . واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه، وقد بينا ذلك، في ( الأحكام ) لبابه، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقتات كما بينا دون الخضراوات؛ وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه.»

قلت: هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء. وأما الآية فقد اختلف فيها، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على الندب. ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه: أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وبعد استقرار الأحكام في المدينة، أفيجوز أن يتوهم متوهم أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي ولا في خلافة أبي بكر، حتى عمل بذلك الكوفيون؟. إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا وقال به!

قلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: « يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » [ المائدة: 67 ] أتراه يكتم شيئا أمر بتبليغه أو ببيانه؟ حاشاه عن ذلك وقال تعالى: « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي » [ المائدة: 3 ] ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئا. وقال جابر بن عبدالله فيما رواه الدارقطني: إن المقاثئ كانت تكون عندنا تخرج عشرة آلاف فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن: تزكى أثمان الخضر إذا بيعت وبلغ الثمن مائتي درهم؛ وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه. ولا حجة في قولهما لما ذكرنا. وقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول فقال: ( ليس فيها شيء ) . وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبدالله بن جحش وأبي موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم الدار قطني رحمه الله. قال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. واحتج بعض أصحاب أبي حنيفة بحديث صالح بن موسى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة ) . قال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم.

قلت: وإذا سقط الاستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها فلم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله عليه السلام: ( فيما سقت السماء العشر ) ما ذكرنا. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية، سوى الزعفران ونحوه مما يوزن ففيه الزكاة. وكان محمد يعتبر في العصفر والكتان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعا للبزر، وأخذ منه العشر أو نصف العشر. وأما القطن فليس فيه عنده دون خمسة أحمال شيء؛ والحمل ثلاثمائة من بالعراقي. والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منها شيء. فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، عشرا أو نصف، العشر. وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر، ويكون في أرض العشر دون أرض الخراج، فيه ما في الزعفران. وأوجب عبدالملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول. وهذا خلاف ما عليه مالك وأصحابه، لا زكاة عندهم لا في اللوز ولا في الجوز ولا في الجلوز وما كان مثلها، وإن كان ذلك يدخر. كما أنه لا زكاة عندهم في الإجاص ولا في التفاح ولا في الكمثرى، ولا ما كان مثل ذلك كله مما لا ييبس ولا يدخر. واختلفوا في التين؛ والأشهر عند أهل المغرب ممن يذهب مذهب مالك أنه لا زكاة عندهم في التين. إلا عبدالملك بن حبيب فإنه كان يرى فيه الزكاة على مذهب مالك، قياسا على التمر والزبيب. وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم البغداد بين المالكيين، إسماعيل بن إسحاق ومن اتبعه. قال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعته من أهل العلم، أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة: الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك. وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه. قال أبو عمر: فأدخل التين في هذا الباب، وأظنه ( والله أعلم ) لم يعلم بأنه ييبس ويدخر ويقتات، ولو علم ذلك ما أدخله في هذا الباب؛ لأنه أشبه بالتمر والزبيب منه بالرمان. وقد بلغني عن الأبهري وجماعة من أصحابه أنهم كانوا يفتون بالزكاة فيه، ويرونه مذهب مالك على أصوله عندهم. والتين مكيل يراعى فيه الخمسة الأوسق وما كان مثلها وزنا، ويحكم في التين عندهم بحكم التمر والزبيب المجتمع عليهما. وقال الشافعي: لا زكاة في شيء من الثمار غير التمر والعنب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة منهما وكانا قوتا بالحجاز يدخر. قال: وقد يدخر الجوز واللوز ولا زكاة فيهما؛ لأنهما لم يكونا بالحجاز قوتا فيما علمت، وإنما كانا فاكهة. ولا زكاة في الزيتون، لقوله تعالى: « والزيتون والرمان » [ الأنعام: 141 ] . فقرنه مع الرمان، ولا زكاة فيه. وأيضا فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه. وللشافعي قول بزكاة الزيتون قاله بالعراق، والأول قال بمصر؛ فاضطرب قول الشافعي في الزيتون، ولم يختلف فيه قول مالك. فدل على أن الآية محكمة عندهما غير منسوخة. واتفقا جميعا على أن لا زكاة في الرمان، وكان يلزمهما إيجاب الزكاة فيه. قال أبو عمر: فإن كان الرمان خرج باتفاق فقد بان بذلك المراد بأن الآية ليست على عمومها، وكان الضمير عائدا على بعض المذكور دون بعض. والله أعلم.

قلت: بهذا استدل من أوجب العشر في الخضراوات فإنه تعالى قال: « وآتوا حقه يوم حصاده » والمذكور قبله الزيتون والرمان، والمذكور عقيب. جملة ينصرف إلى الأخير بلا خلاف؛ قال الكيا الطبري. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما لقحت رمانة قط إلا بقطرة من ماء الجنة. وروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: إذا أكلتم الرمانة فكلوها بشحمها فإنه دباغ المعدة. وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق عن ابن عباس قال: لا تكسروا الرمانة من رأسها فإن فيها دودة يعتري منها الجذام. وسيأتي منافع زيت الزيتون في سورة « المؤمنون » إن شاء الله تعالى. وممن قال بوجوب زكاة الزيتون الزهري والأوزاعي والليث والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. قال الزهري والأوزاعي والليث: يخرص زيتونا ويؤخذ زيتا صافيا. وقال مالك: لا يخرص، ولكن يؤخذ العشر بعد أن يعصر ويبلغ كيله خمسة أوسق. وقال أبو حنيفة والثوري: يؤخذ من حبه.

 

قوله تعالى: « يوم حصاده » قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم « حصاده » بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان؛ ومثله الصرام والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال:

الأولى: أنه وقت الجذاذ؛ قال محمد بن مسلمة؛ لقوله تعالى: « يوم حصاده » .

الثاني: يوم الطيب؛ لأن ما قبل الطيب يكون علفا لا قوتا ولا طعاما؛ فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء الحصاد لما قد وجب يوم الطيب.

الثالث: أنه يكون بعد تمام الخرص؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة فيكون شرطا لوجوبها. أصله مجيء الساعي في الغنم؛ وبه قال المغيرة. والصحيح الأول لنص التنزيل. والمشهور من المذهب الثاني، وبه قال الشافعي. وفائدة الخلاف إذا مات بعد الطيب زكيت على ملكه، أو قبل الخرص على ورثته. وقال محمد بن مسلمة: إنما قدم الخرص توسعة على أرباب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد الخرص وقبل الجذاذ لم يجزه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها. وقد اختلف العلماء في القول بالخرص فكرهه الثوري ولم يجزه بحال، وقال: الخرص غير مستعمل. قال: وإنما على رب الحائط أن يؤدي عشر ما يصير في يده للمساكين إذا بلغ خمسة أوسق. وروى الشيباني عن الشعبي أنه قال: الخرص اليوم بدعة. والجمهور على خلاف هذا، ثم اختلفوا فالمعظم على جوازه في النخل والعنب؛ لحديث عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأمره أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. رواه أبو داود. وقال داود بن علي: الخرص للزكاة جائز في النخل، وغير جائز في العنب؛ ودفع حديث عتاب بن أسيد لأنه منقطع ولا يتصل من طريق صحيح، قال أبو محمد عبدالحق.

وصفة الخرص أن يقدر ما على نخله رطبا ويقدر ما ينقص لو يتمر، ثم يعتد بما بقي بعد النقص ويضيف بعض ذلك إلى بعض حتى يكمل الحائط، وكذلك في العنب في كل دالية.

ويكفي في الخرص الواحد كالحاكم. فإذا كان في التمر زيادة على ما خرص لم يلزم رب الحائط الإخراج عنه، لأنه حكم قد نفذ؛ قال عبدالوهاب. وكذلك إذا نقصى لم تنقص الزكاة. قال الحسن: كان المسلمون يخرص عليهم ثم يؤخذ منهم على ذلك الخرص.

 

فإن استكثر رب الحائط الخرص خيره الخارص في أن يعطيه ما خرص وأخذ خرصه؛ ذكره عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، وزعم أن اليهود لما خيرهم أخذوا التمر وأعطوه عشرين ألف وسق. قال ابن جريج فقلت لعطاء: فحق على الخارص إذا استكثر سيد المال الخرص أن يخيره كما خير ابن رواحة اليهود؟ قال: أي لعمري! وأي سنة خير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولا يكون الخرص إلا بعد الطيب؛ لحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث ابن رواحة إلى اليهود فيحرص عليهم النخل حين تطيب أول التمرة قبل أن يؤكل منها، ثم يخير يهودا يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه. وإنما كان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق. أخرجه الدار قطني من حديث ابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة. قال: ورواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وأرسله مالك ومعمر وعقيل عن الزهري عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذا خرص الخارص فحكمه أن يسقط من خرصه مقدارا ما؛ لما رواه أبو داود والترمذي والبستي في صحيحه عن سهل بن أبي حثمة أن النبي كان يقول: ( إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ) . لفظ الترمذي. قال أبو داود: الخارص يدع الثلث للخرفة: وكذا قال يحيى القطان. وقال أبو حاتم البستي: لهذا الخبر صفتان: أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر، والثاني أن يترك ذلك من نفس التمر قبل أن يعشر، إذا كان ذلك حائطا كبيرا يحتمله. الخرفة بضم الخاء: ما يخترف من النخل حين يدرك ثمره، أي يجتنى. يقال: التمر خرفة الصائم؛ عن الجوهري والهروي. والمشهور من مذهب مالك أنه لا يترك الخارص شيئا في حين خرصه من تمر النخل والعنب إلا خرصه. وقد روى بعض المدنيين أنه يخفف في الخرص ويترك للعرايا والصلة ونحوها.

فإن لحقت الثمرة جائحة بعد الخرص وقبل الجذاذ سقطت الزكاة عنه بإجماع من أهل العلم، إلا أن يكون فيما بقي منه خمسة أوسق فصاعدا.

 

ولا زكاة في أقل من خمسة أوسق، كذا جاء مبينا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهو في الكتاب مجمل، قال الله تعالى: « يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض » [ البقرة: 267 ] . وقال تعالى: « وآتوا حقه » . ثم وقع البيان بالعشر ونصف العشر. ثم لما كان المقدار الذي إذا بلغه المال أخذ منه الحق مجملا بينه أيضا فقال: ( ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب صدقة ) وهو ينفي الصدقة في الخضراوات، إذ ليست مما يوسق؛ فمن حصل له خمسة أوسق في نصيبه من تمر أو حب وجبت عليه الزكاة، وكذلك من زبيب؛ وهو المسمى بالنصاب عند العلماء. يقال: وسق ووسق ( بكسر الواو وفتحها ) وهو ستون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي ومبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل.

ومن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه الزكاة إجماعا؛ لأنهما صنفان مختلفان. وكذلك أجمعوا على أنه لا يضاف التمر إلى البر ولا البر إلى الزبيب؛ ولا الإبل إلى البقر، ولا البقر إلى الغنم. ويضاف الضأن إلى المعز بإجماع. واختلفوا في ضم البر إلى الشعير والسلت فأجازه مالك في هذه الثلاثة خاصة فقط؛ لأنها في معنى الصنف الواحد لتقاربها في المنفعة واجتماعها في المنبت والمحصد، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالجواميس والبقر، والمعز والغنم. وقال الشافعي وغيره: لا يجمع بينها؛ لأنها أصناف مختلفة، وصفاتها متباينة، وأسماؤها متغايرة، وطعمها مختلف؛ وذلك يوجب افتراقها. والله أعلم. قال مالك: والقطاني كلها صنف واحد، يضم إلى بعض. وقال الشافعي: لا يضم حبة عرفت باسم منفرد دون صاحبتها، وهي خلافها مباينه في الخلقة والطعم إلى غيرها. يضم كل صنف بعضه إلى بعض، رديئه إلى جيده؛ كالتمر وأنواعه، والزبيب أسوده وأحمره، والحنطة وأنواعها من السمراء وغيرها. وهو قول الثوري وأبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد وأبي ثور. وقال الليث: تضم الحبوب كلها: القطنية وغيرها بعضها إلى بعض في الزكاة. وكان أحمد بن حنبل يجبن عن ضم الذهب إلى الورق، وضم الحبوب بعضها إلى بعض، ثم كان في آخر أمره يقول فيها بقول الشافعي.

 

قال مالك: وما استهلكه منه ربه بعد بدو صلاحه أو بعدما أفرك حسب عليه، وما أعطاه ربه منه في حصاده وجذاذه، ومن الزيتون في التقاطه، تحرى ذلك وحسب عليه. وأكثر الفقهاء يخالقونه في ذلك، ولا يوجبون الزكاة إلا فيما حصل في يده بعد الدرس. قال الليث في زكاة الحبوب: يبدأ بها قبل النفقة، وما أكل من فريك هو وأهله فلا يحسب عليه، بمنزلة الذي يترك لأهل الحائط يأكلونه فلا يخرص عليهم. وقال الشافعي: يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو وأهله رطبا، لا يخرصه عليهم. وما أكله وهو رطب لم يحسب عليه. قال أبو عمر: احتج الشافعي ومن وافقه بقول الله تعالى: « كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده » . واستدلوا على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد بهذه الآية. واحتجوا بقوله عليه السلام: ( إذا خرصتم فدعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع ) . وما أكلت الدواب والبقر منه عند الدرس لم يحسب منه شيء على صاحبه عند مالك وغيره.

وما بيع من الفول والحمص والجلبان أخضر؛ تحري مقدار ذلك يابسا وأخرجت زكاته حبا. وكذا ما بيع من الثمر أخضر أعتبر وتوخي وخرص يابسا وأخرجت زكاته على ذلك الخرص زبيبا وتمرا. وقيل: يخرج من ثمنه.

وأما ما لا يتتمر من ثمر النخل ولا يتزبب من العنب كعنب مصر وبلحها، وكذلك زيتونها الذي لا يعصر، فقال مالك: تخرج زكاته من ثمنه، لا يكلف غير ذلك صاحبه، ولا يراعى فيه بلوغ ثمنه عشرين مثقالا أو مائتي درهم، وإنما ينظر إلى ما يرى أنه يبلغه خمسة أوسق فأكثر. وقال الشافعي: يخرج عشره أو نصف عشره من وسطه تمرا إذا أكله أهله رطبا أو أطعموه.

 

روى أبو داود عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا العشر، وفيما سقي بالسواني أو النضح نصف العشر وكذلك إن كان يشرب سيحا فيه العشر ) . وهو الماء الجاري على وجه الأرض؛ قال ابن السكيت. ولفظ السيح مذكور في الحديث، خرجه النسائي. فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأرض لا يملك ماء وإنما يكتريه له فهو كالسماء؛ على المشهور من المذهب. ورأى أبو الحسن اللخمي أنه كالنضح؛ فلو سقي مرة بماء السماء ومرة بدالية؛ فقال مالك: ينظر إلى ما تم به الزرع وحيي وكان أكثر؛ فيتعلق الحكم عليه. هذه رواية ابن القاسم عنه. وروى عنه ابن وهب: إذا سقي نصف سنة بالعيون ثم انقطع فسقي بقية السنة بالناضح فإن عليه نصف زكاته عشرا، والنصف الآخر نصف العشر. وقال مرة: زكاته بالذي تمت به حياته. وقال الشافعي: يزكى واحد منهما بحسابه. مثاله أن يشرب شهرين بالنضح وأربعة بالسماء؛ فيكون فيه ثلثا العشر لماء السماء وسدس العشر للنضح! وهكذا ما زاد ونقصى بحساب. وبهذا كان يفتي بكار بن قتيبة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ينظر إلى الأغلب فيزكى، ولا يلتفت إلى ما سوى ذلك. وروي عن الشافعي. قال الطحاوي: قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به، ولا يجعل لذلك حصة؛ فدل على أن الاعتبار بالأغلب، والله أعلم.

قلت: فهذه جملة من أحكام هذه الآية، ولعل غيرنا يأتي بأكثر منها على ما يفتح الله له. وقد مضى في « البقرة » جملة من معنى هذه الآية، والحمد لله.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس في حب ولا تمر صدقة ) فخرجه النسائي. قال حمزة الكناني: لم يذكر في هذا الحديث ( في حب ) غير إسماعيل بن أمية، وهو ثقة قرشي من ولد سعيد بن العاص. قال: وهذه السنة لم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه غير أبي سعيد الخدري. قال أبو عمر: هو كما قال حمزة، وهذه سنة جليلة تلقاها الجميع بالقبول، ولم يروها أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت محفوظ غير أبي سعيد. وقد روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ولكنه غريب، وقد وجدناه من حديث أبي هريرة بإسناد حسن.

 

قوله تعالى: « ولا تسرفوا » الإسراف في اللغة الخطأ. وقال أعرابي أراد قوما: طلبتكم فسرفتكم؛ أي أخطأت موضعكم. وقال الشاعر:

وقال قائلهم والخيل تخبطهم أسرفتم فأجبنا أننا سرف

والإسراف في النفقة: التبذير. ومسرف لقب مسلم بن عقبة المري صاحب وقعة الحرة؛ لأنه قد أسرف فيها. قال علي بن عبدالله بن العباس:

هم منعوا ذماري يوم جاءت كتائب مسرف وبني اللكيعه

والمعنى المقصود من الآية: لا تأخذوا الشيء بغير حقه ثم تضعوه في غير حقه؛ قاله أصبغ بن الفرج. ونحوه قول إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وقال ابن زيد: هو خطاب للولاة، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم وما لا يجب على الناس. والمعنيان يحتملهما قوله عليه السلام: ( المعتدي في الصدقة كمانعها ) . وقال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا، ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وفي هذا المعنى قيل لحاتم: لا خير في السرف؛ فقال: لا سرف في الخير.

قلت: وهذا ضعيف؛ يرده ما روى ابن عباس أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا؛ فنزلت « ولا تسرفوا » أي لا تعطوا كله. وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال: جذ معاذ بن جبل نخله فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شي: فنزل « ولا تسرفوا » . قال السدي: « ولا تسرفوا » أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله تعالى: « ولا تسرفوا » قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى.

قلت: فعلى هذا تكون الصدقة بجميع المال ومنه إخراج حق المساكين داخلين، في حكم السرف، والعدل خلاف هذا؛ فيتصدق ويبقي كما قال عليه السلام: ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) إلا أن يكون قوي النفس غنيا بالله متوكلا عليه منفردا لا عيال له، فله أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك يخرج الحق الواجب عليه من زكاة وما يعن في بعض الأحوال من الحقوق المتعينة في المال. وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: الإسراف ما لم يقدر على رده إلى الصلاح. والسرف ما يقدر على رده إلى الصلاح. وقال النضر بن شميل: الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال جرير:

أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما في عطائهم من ولا سرف

أي إغفال، ويقال: خطأ. ورجل سرف الفؤاد، أي مخطئ الفؤاد غافله. قال طرفة:

إن امرأ سوف الفؤاد يرى عسلا بماء سحابة شتمي

 

الآية: 142 ( ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين )

 

قوله تعالى: « ومن الأنعام حمولة وفرشا » عطف على ما تقدم. أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال: أحدها: أن الأنعام الإبل خاصة؛ وسيأتي في « النحل » بيانه. الثاني: أن الأنعام الإبل وحدها، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضا. الثالث: وهو أصحها قال أحمد بن يحيى: الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان. ويدل على صحة هذا قوله تعالى: « أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم » [ المائدة: 1 ] وقد تقدم. والحمولة ما أطاق الحمل والعمل؛ عن ابن مسعود وغيره. ثم قيل: يختص اللفظ بالإبل. وقيل: كل ما احتمل عليه الحي من حمار أو بغل أو بعير؛ عن أبي زيد، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. قال عنترة:

ما راعني إلا حمولة أهلها وسط الديار تسف حب الحمحم

وفعولة بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل استوى فيها المؤنث والمذكر؛ نحو قولك: رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف. ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا؛ ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء كالحلوبة والركوبة. والحمولة ( بضم الحاء ) : الأحمال. وأما الحمول ( بالضم بلا هاء ) فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن؛ عن أبي زيد. « وفرشا » قال الضحاك: الحمولة من الإبل والبقر. والفرش: الغنم. النحاس: واستشهد لصاحب هذا القول بقول: « ثمانية أزواج » قال: « فثمانية » بدل من قوله: « حمولة وفرشا » . وقال الحسن: الحمولة الإبل. والفرش: الغنم. وقال ابن عباس: الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير. والفرش: الغنم. وقال ابن زيد: الحمولة ما يركب، والفرش ما يؤكل لحمه ومحلب؛ مثل الغنم والفصلان والعجاجيل؛ سميت فرشا للطافة أجسامها وقربها من الفرش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس. قال الراجز:

أورثني حمولة وفرشا أمشها في كل يوم مشا

وقال آخر:

وحوينا الفرش من أنعامكم والحمولات وربات الحجل

قال الأصمعي: لم أسمع له بجمع. قال: ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به؛ من قولهم: فرشها الله فرشا، أي بثها بثا. والفرش: المفروش من متاع البيت. والفرش: الزرع إذا فرش. والفرش: الفضاء الواسع. والفرش في رجل البعير: اتساع قليل، وهو محمود. وافترش الشيء أنبسط؛ فهو لفظ مشترك. وقد يرجع قوله تعالى: « وفرشا » إلى هذا. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذللة للحمل. والفرش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس ويتمهد. وباقي الآية قد تقدم.

 

الآية: 143 - 144 ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين )

 

قوله تعالى: « ثمانية أزواج » « ثمانية » منصوب بفعل مضمر، أي وأنشأ « ثمانية أزواج » ؛ عن الكسائي.

وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من « حمولة وفرشا » . وقال الأخفش علي بن سليمان: يكون منصوبا « بكلوا » ؛ أي كلوا لحم ثمانية أزواج. ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من « ما » على الموضع. ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح « ثمانية أزواج من الضأن اثنين » . ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا: « ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا » فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحله لهم؛ لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى. والزوج خلاف الفرد؛ يقال: زوج أو فرد. كما يقال: خسا أو زكا، شفع أو وتر. فقول: « ثمانية أزواج » يعني ثمانية أفراد. وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج. ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين؛ يقال هما زوجان، وهما زوج؛ كما يقال: هما سيان وهما سواء. وتقول: اشتريت زوجي حمام. وأنت تعني ذكرا وأنثى.

 

قوله تعالى: « من الضأن اثنين » أي الذكر والأنثى. والضأن: ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن. والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل: هو جمع لا واحد له. وقيل في جمعه: ضئين؛ كعبد وعبيد. ويقال فيه ضئين. كما يقال في شعير: شعير، كسرت الضاد اتباعا. وقرأ طلحة بن مصرف « من الضأن اثنين » بفتح الهمزة، وهي لغة مسموعة عند البصريين. وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق. وكذلك الفتح والإسكان في المعز. وقرأ أبان بن عثمان « من الضأن اثنان ومن المعز اثنان » رفعا بالابتداء. وفي حرف أبي. « ومن المعز اثنين » وهي قراءة الأكثر. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح. قال النحاس: الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان. ويدل على هذا قولهم في الجمع: معيز؛ فهذا جمع معز. كما يقال: عبد وعبيد. قال امرؤ القيس:

ويمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهم حنانك ذا الحنان

ومثله ضأن وضئين. والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز والمعزى. وواحد المعز ماعز؛ مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر. والأنثى ماعزة وهي العنز، والجمع مواعز. وأمعز القوم كثرت معزاهم. والمعاز صاحب المعزى. قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان:

يكلن كليلا ليس بالممحوق إذ رضي المعاز باللعوق

والمعز الصلابة من الأرض. والأمعز: المكان الصلب الكثير الحصى؛ والمعزاء أيضا. واستمعز الرجل في أمره: جد. « قل آلذكرين حرم » منصوب « بحرم » . « أم الأنثيين » عطف عليه. وكذا « أما اشتملت » . وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام والخبر. ويجوز حذف الهمزة لأن « أم » تدل على الاستفهام. كما قال:

تروح من الحي أم تبتكر

 

قال العلماء: الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها. وقولهم: « ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا » . فدلت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبين لهم فساد قولهم. وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به. ويروى: « إذا ورد عليه النقض » ؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى: قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام. لان كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. لان كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكرا كان أو أنثى. وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها، فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم؛ فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه « نبئوني بعلم » أي بعلم إن كان عندكم، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرؤون الكتب. والقول في: « ومن الإبل اثنين » وما بعده كما سبق « أم كنتم شهداء » أي هل شاهدتم الله قد حرم هذا. ولما لزمتهم الحجة أخذوا في الافتراء فقالوا: كذا أمر الله. فقال الله تعالى: « فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم » بين أنهم كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل.

 

الآية: 145 ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم )

 

قوله تعالى: « قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما » أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم. والمعنى: يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه بشهوتكم. والآية مكية. ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة « المائدة » بالمدينة. وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك. وحرم رسول الله صلى الله عليه بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.

وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال: الأول: ما أشرنا إليه من أن هذه لآية مكية، وكل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها؛ فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام. على هذا أكثر أهل العلم من أهل النظر، والفقه والأثر. ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » [ النساء: 24 ] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله: « فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان » [ البقرة: 282 ] وقد تقدم. وقد قيل: إنها منسوخة بقوله عليه السلام ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) أخرجه مالك، وهو حديث صحيح. وقيل: الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها وهو قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة، وروي عنهم خلافه. قال مالك: لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية. وقال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثني في الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير. ولهذا قلنا: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح. وقال الكيا الطبري: وعليها بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه؛ أخذا من هذه الآية، إلا ما دل عليه الدليل. وقيل: إن الآية جواب لمن سأل عن شيء بعينه فوقع الجواب مخصوصا. وهذا مذهب الشافعي. وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال: في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء. وقيل: أي لا أجد فيما أوحي إلى أي في، هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر. وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية وهي مكية في قول الأكثرين، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه « اليوم أكملت لكم دينكم » [ المائدة: 3 ] ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة، فلا محرم إلا ما فيها، وإليه أميل.

قلت: وهذا ما رأيته قال غيره. وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر الإجماع في أن سورة « الأنعام » مكية إلا قوله تعالى: « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم » [ الأنعام: 151 ] الثلاث الآيات، وقد نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة. فنزل تحريم الخمر بالمدينة في « المائدة » . وأجمعوا على أن نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة. قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله: « قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما » لأن ذلك مكي.

قلت: وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء. فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع؛ لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها أولى؛ لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك الأحاديث. وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة « الأنعام » مكية؛ نزلت قبل الهجرة، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. قال أبو عمر: ويلزم على قول من قال: « لا محرم إلا ما فيها » ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه محرما غير ما في سورة « الأنعام » مما قد نزل بعدها من القرآن. وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع والحمير والبغال فقال مرة: هي محرمة؛ لما ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك، وهو الصحيح من قول على ما في الموطأ. وقال مرة: هي مكروهة، وهو ظاهر المدونة؛ لظاهر الآية؛ ولما روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها، وهو قول الأوزاعي. روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة؛ ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ « قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما » . وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخشني فقال: لا ندع كتاب الله ربنا لحديث أعرابي يبول على ساقيه. وسئل الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية؛ وقال القاسم: كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع: ذلك حلال، وتتلو هذه الآية « قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما » ثم قالت: إن كانت البرمة ليكون ماؤها أصفر من الدم ثم يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرمها. والصحيح في هذا الباب ما بدأنا بذكره، وإن ما ورد من المحرمات بعد الآية مضموم إليها معطوف عليها. وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربي إلى هذا في قبسه خلاف ما ذكر في أحكامه قال: روي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ما نزل؛ فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ما عداها حلال، لكنه يكره أكل السباع. وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبدالملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: « قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما » بما يرد من الدليل فيها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) فذكر الكفر والزنى والقتل. ثم قال علماؤنا: إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة، إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى؛ وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وروى مسلم عن معن عن مالك: « نهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير » والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب وبه ترجم مالك في الموطأ حين قال: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال: وهو الأمر عندنا. فأخبر أن العمل أطرد مع الأثر. قال القشيري: فقول مالك « هذه الآية من أواخر ما نزل » لا يمنعنا من أن نقول: ثبت تحريم بعض هذه الأشياء بعد هذه الآية، وقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث، ونهى رسول الله صلى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيبر. والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماع على تحريم العذرة والبول والحشرات المستقذرة والحمر مما ليس مذكورا في هذه الآية.

 

قوله تعالى: « محرما » قال ابن عطية: لفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه مسلم فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية الحظر والمنع، وصالحة أيضا بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهة ونحوها؛ فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع، ولحق بالخنزير والميتة والدم، وهذه صفة تحريم الخمر. وما اقترنت به قرينة اضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام: ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) . وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها. وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنه نجس، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حمولة الناس، وتأول بعضهم التحريم المحض. وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها؛ فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها نحوها بحسب اجتهاده وقياسه.

قلت: وهذا عقد حسن في هذا الباب وفي سبب الخلاف على ما تقدم. وقد قيل: إن الحمار لا يؤكل، لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوط؛ فسمي رجسا. قال محمد بن سيري: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار؛ ذكره الترمذي في نوادر الأصول.

 

روى عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه؛ فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، وتلا هذه الآية « قل لا أجد » الآية. يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية. وروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عباس أنه قرأ « قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما » قال: إنما حرم من الميتة أكلها، ما يؤكل منها وهو اللحم؛ فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال. وروى أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما. الحشرة: صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ. ونحوها؛ قال الشاعر:

أكلنا الرُبى يا أم عمرو ومن يكن غريبا لديكم يأكل الحشرات

أي ما دب ودرج. والربى جمع ربية وهي الفأرة. قال الخطابي: وليس في قوله « لم أسمع ل لها تحريما » دليل على أنها مباحة؛ لجواز أن يكون غيره قد سمعه. وقد اختلف الناس في اليربوع والوبر والجمع وبار ونحوهما من الحشرات؛ فرخص في اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور. قال الشافعي: لا بأس بالوبر وكرهه ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي. وكره أصحاب الرأي القنفذ. وسئل عنه مالك بن أنس فقال: لا أدري. وحكى أبو عمرو: وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ. وكان أبو ثور لا يرى به بأسا؛ وحكاه عن الشافعي. وسئل عنه ابن عمر فتلا « قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما » الآية؛ فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( خبيثة من الخبائث ) . فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال. ذكره أبو داود. وقال مالك: لا بأس بأكل الضب واليربوع والورل. وجائز عنده أكل الحيات إذا ذكيت؛ وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي. وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر والعظاية والقنفذ والضفدع. وقال ابن القاسم: ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك؛ لأنه قال: موته في الماء لا يفسده. وقال مالك: لا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه. والحجة له حديث ملقام بن تلب، وقول ابن عباس وأبي الدرداء: ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو. وقالت عائشة في الفأرة: ما هي بحرام، وقرأت « قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما » . ومن علماء أهل المدينة جماعة لا يجيزون أكل كل شيء من خشاش الأرض وهوامها؛ مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه. وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله، ولا تعمل الذكاة عندهم فيه. وهو قول ابن شهاب وعروة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم. ولا يؤكل عند مالك وأصحابه شيء من سباع الوحش كلها، ولا الهر الأهلي ولا الوحشي لأنه سبع. وقال: ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب، ولا بأس بأكل سباع الطير كلها: الرخم والنسور والعقبان وغيرها، ما أكل الجيف منها وما لم يأكل. وقال الأوزاعي الطير كله حلال، إلا أنهم يكرهون الرخم. وحجة مالك أنه لم يجد أحدا من أهل العلم يكره أكل سباع الطير، وأنكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير ) . وروي عن أشهب أنه قال: لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي؛ وهو قول الشعبي، ومنع منه الشافعي. وكره النعمان وأصحابه أكل الضبع والثعلب.

ورخص في ذلك الشافعي، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع. وحجة مالك، عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخصى سبعا من سبع. وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي؛ لأنه حديث أنفرد به عبدالرحمن بن أبي عمار، وليس مشهورا بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه. قال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة. وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار. قال أبو عمر: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه. قال: وما علمت أحدا رخص في أكله إلا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن أيوب. سئل مجاهد عن أكل القرد فقال: ليس من بهيمة الأنعام.

قلت: ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم فقال: يحكم به ذوا عدل. قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه؛ لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد. وفي ( بحر المذهب ) للروياني على مذهب الإمام الشافعي: وقال الشافعي يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع. وحكى الكشفلي عن ابن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به. فقيل له: وما وجه الانتفاع به؟ قال تفرح به الصبيان. قال أبو عمر: والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثل القرد. والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره. وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس. وروى أبو داود عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها. في رواية: عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. قال الحليمي أبو عبدالله: فأما الجلالة فهي التي تأكل العذرة من الدواب والدجاج المخلاة. ونهى النبي عن لحومها. وقال العلماء: كل ما ظهر منها ريح العذرة في لحمه أو طعمه فهو حرام، وما لم يظهر فهو حلال. وقال الخطابي: هذا نهي تنزه وتنظف، وذلك أنها إذا اغتذت الجلة وهي العذرة وجد نتن رائحتها في لحومها، وهذا إذا كان غالب علفها منها؛ فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال مع ذلك شيئا من الجلة فليست بجلالة؛ وإنما هي كالدجاج المخلاة، ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره أكلها. وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد: لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف علفا غيرها؛ فإذا طاب لحمها أكلت. وقد روي في الحديث ( أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل لحمها ) . وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبح. وقال إسحاق: لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا. وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل لحم الجلالة؛ وكذلك مالك بن أنس. ومن هذا الباب نهي أن تلقى في الأرض العذرة. روي عن بعضهم قال: كنا نكري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط على من يكريها ألا يلقي فيها العذرة. وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا تدمن بالعذرة. وروي أن رجل كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر: أنت الذي تطعم الناس ما يخرج ما منهم. واختلفوا في أكل الخيل؛ فأباحها الشافعي، وهو الصحيح، وكرهها مالك. وأما البغل فهو متولد من بين الحمار والفرس، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو الفرس، والآخر محرم وهو الحمار؛ فغلب حكم التحريم؛ لأن التحليل والتحريم إذا اجتمعا في عين واحدة غلب حكم التحريم. وسيأتي بيان هذه المسألة في « النحل » إن شاء الله بأوعب من هذا. وسيأتي حكم الجراد في « الأعراف » . والجمهور من الخلف والسلف على جواز أكل الأرنب. وقد حكي عن عبدالله بن عمرو بن العاص تحريمه. وعن ابن أبي ليلى كراهته. قال عبدالله بن عمرو: جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها. وزعم أنها تحيض. ذكره أبو داود. وروى النسائي مرسلا عن موسى بن طلحة قال: أتي النبي بأرنب قد شواها رجل وقال: يا رسول الله، إني رأيت بها دما؛ فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأكلها، وقال لمن عنده: ( كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها ) .

قلت: وليس في هذا ما يدل على تحريمه، وإنما هو نحو من قوله عليه السلام: ( إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ) . وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: مررنا بمر الظهران فاستنفجنا أرنبا فسعوا عليه فلغبوا. قال: فسعيت حتى أدركتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، فبعث بوركها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله.

 

قوله تعالى: « على طاعم يطعمه » أي أكل يأكله. وروي عن ابن عامر أنه قرأ « أوحى » بفتح الهمزة. وقرأ علي بن أبي طالب « يطعمه » مثقل الطاء، أراد يتطعمه فأدغم. وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية « على طاعم طعمه » بفعل ماض « إلا أن يكون ميتة » قرئ بالياء والتاء؛ أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو النفس ميتة. وقرئ « يكون » بالياء « ميتة » بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة. والمسفوح: الجاري الذي يسيل وهو المحرم. وغيره معفو عنه. وحكى الماوردي أن الدم غير المسفوح أنه إن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال؛ لقوله عليه السلام: ( أحلت لنا ميتتان ودمان ) الحديث. وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها، وإنما هو مع اللحم ففي تحريمه قولان: أحدهما أنه حرام؛ لأنه من جملة المسفوح أو بعضه. وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه. والثاني أنه لا يحرم؛ لتخصيص التحريم بالمسفوح.

قلت: وهو الصحيح. قال عمران بن حدير: سألت أبا مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم، وعن القدر تعلوها الحمرة من الدم فقال: لا بأس به، إنما حرم الله المسفوح. وقالت نحوه عائشة وغيرها، وعليه إجماع العلماء. وقال عكرمة: لو لا هذه الآية لا تبع المسلمون من العروق ما تتبع اليهود. وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ. وقد تقدم هذا وحكم المضطر في « البقرة » والله أعلم.

 

الآية: 146 ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون )

 

قوله تعالى: « وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر » لما ذكر الله عز وجل ما حرم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بذكر ما حرم على اليهود؛ لما في ذلك من تكذيبهم في قولهم: إن الله لم يحرم علينا شيئا، وإنما نحن حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه. وهذا التحريم على الذين هادوا إنما هو تكليف بلوى وعقوبة. فأول ما ذكر من المحرمات عليهم كل ذي ظفر. وقرأ الحسن « ظفر » بإسكان الفاء. وقرأ أبو السمال « ظفر » بكسر الظاء وإسكان الفاء. وأنكر أبو حاتم كسر الظاء وإسكان الفاء، ولم يذكر هذه القراءة وهي لغة. « وظفر » بكسرهما. والجمع أظفار وأظفور وأظافير؛ قال الجوهري. وزاد النحاس عن الفراء أظافير وأظافرة؛ قال ابن السكيت: يقال رجل أظفر بين الظفر إذا كان طويل الأظفار؛ كما يقال: رجل أشعر للطويل الشعر. قال مجاهد وقتادة: « ذي ظفر » ما ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير؛ مثل الإبل والنعام والإوز والبط. وقال ابن زيد: الإبل فقط. وقال ابن عباس: « ذي ظفر » البعير والنعامة؛ لأن النعامة ذات ظفر كالإبل. وقيل: يعني كل ذي بخلب من الطير وذي حافر من الدواب. ويسمى الحافر ظفرا استعارة. وقال الترمذي الحكيم: الحافر ظفر، والمخلب ظفر؛ إلا أن هذا على قدره، وذاك على قدره وليس ههنا استعارة؛ ألا ترى أن كليهما يقص ويؤخذ منهما وكلاهما جنس واحد: عظم لين رخو. أصله من غذاء ينبت فيقص مثل ظفر الإنسان، وإنما سمي حافرا لأنه يحفر الأرض بوقعه عليها. وسمي مخلبا لأنه يخلب الطير برؤوس تلك الإبر منها. وسمي ظفرا لأنه يأخذ الأشياء بظفره، أي يظفر به الآدمي والطير.

 

قوله تعالى: « ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما » قال قتادة: يعني الثروب وشحم الكليتين؛ وقال السدي. والثروب جمع الثرب، وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش. قال ابن جريج: حرم عليهم كل شحم غير مختلط بعظم أو على عظم، وأحل لهم شحم الجنب والألية؛ لأنه على العصعص.

 

قوله تعالى: « إلا ما حملت ظهورهما » « ما » في موضع نصب على الاستثناء « ظهورهما » رفع « بحملت » « أو الحوايا » في موضع رفع عطف على الظهور أي أو حملت حواياهما، والألف واللام بدل من الإضافة. وعلى هذا تكون الحوايا من جملة ما أحل. « أو ما أختلط بعظم » « ما » في موضع نصب عطف على « ما حملت » أيضا هذا أصح ما قيل فيه. وهو. قول الكسائي والفراء وأحمد بن يحيى. والنظر يوجب أن يعطف الشيء على ما يليه، إلا ألا يصح معناه أو يدل دليل على غير ذلك. وقيل: إن الاستثناء في التحليل إنما هو ما حملت الظهور خاصة، وقوله: « أو الحوايا أو ما اختلط بعظم » معطوف على المحرم. والمعنى: حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم؛ إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم. وقد احتج الشافعي بهذه الآية في أن من حلف ألا يأكل الشحم حنث بأكل شحم الظهور؛ لاستثناء الله عز وجل ما على ظهورهما من جملة الشحم.

 

قوله تعالى: « أو الحوايا » الحوايا: هي المباعر، عن ابن عباس وغيره. وهو جمع مبعر، سمي بذلك لاجتماع البعر فيه. وهو الزبل. وواحد الحوايا حاوياء؛ مثل قاصعاء وقواصع. وقيل: حاوية مثل ضاربة وضوارب. وقيل: حوية مثل سفينة وسفائن. قال أبو عبيدة: الحوايا ما تحوى من البطن أي استدار. وهي منحوية أي مستديرة. وقيل: الحوايا خزائن اللبن، وهو يتصل بالمباعر وهي المصارين. وقيل: الحوايا الأمعاء التي عليها الشحوم. والحوايا في غير هذا الموضع: كساء يحوى حول سنام البعير. قال امرؤ القيس:

جعلن حوايا واقتعدن قعائدا وخففن من حوك العراق المنمق

فأخبر الله سبحانه أنه كتب عليهم تحريم هذا في التوراة ردا لكذبهم. ونصه فيها: « حرمت عليكم » الميتة والدم ولحم الخنزير وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه سفاسق « أي بياض. ثم نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد. وأباح لهم ما كان محرما عليهم من الحيوان، وأزال الحرج بمحمد عليه السلام، وألزم الخليقة دين الإسلام بحله وحرمه وأمره ونهيه. »

لو ذبحوا أنعامهم فأكلوا ما أحل الله لهم في التوراة وتركوا ما حرم عليهم فهل يحل لنا؛ قال مالك في كتاب محمد: هي محرمة. وقال في سماع المبسوط: هل محللة وبه قال ابن نافع. وقال ابن القاسم: أكرهه. وجه الأول أنهم يدينون بتحريمها ولا يقصدونها عند الذكاة، فكانت محرمة كالدم. ووجه الثاني وهو الصحيح أن الله عز وجل رفع ذلك التحريم بالإسلام، واعتقادهم فيه لا يؤثر؛ لأنه اعتقاد فاسد؛ قاله ابن العربي.

قلت: ويدل على صحته ما رواه الصحيحان عن عبدالله بن مغفل قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم فنزلت لآخذه فالتفت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه. لفظ البخاري. ولفظ مسلم: قال عبدالله بن مغفل: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، قال فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما. قال علماؤنا: تبسمه عليه السلام إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به، ولم يأمره بطرحه ولا نهاه. وعلى جواز الأكل مذهب أبي حنيفة والشافعي وعامة العلماء؛ غير أن مالكا كرهه للخلاف فيه. وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها؛ وإليه ذهب كبراء أصحاب مالك. ومتمسكهم ما تقدم، والحديث حجة عليهم؛ فلو ذبحوا كل ذي ظفر قال أصبغ: ما كان محرما في كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله؛ لأنهم يدينون بتحريمها. وقاله أشهب وابن القاسم، وأجازه ابن وهب. وقال ابن حبيب: ما كان محرما عليهم، وعلمنا ذلك من كتابنا فلا يحل لنا من ذبائحهم، وما لم نعلم تحريمه إلا من أقوالهم واجتهادهم فهو غير محرم علينا من ذبائحهم.

 

قوله تعالى: « ذلك » أي ذلك التحريم. فذلك في موضع رفع، أي الأمر ذلك. « جزيناهم ببغيهم » أي بظلمهم، عقوبة لهم لقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل. وفي هذا دليل على أن التحريم إنما يكون بذنب؛ لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند المؤاخذة. « وإنا لصادقون » في إخبارنا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من اللحوم والشحوم.

 

الآية: 147 ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين )

 

قوله تعالى: « فإن كذبوك » شرط والجواب « فقل ربكم ذو رحمة واسعة » أي من سعة رحمته حلم عنكم فلم يعاقبكم في الدنيا. ثم أخبر بما أعده لهم في الآخرة من العذاب فقال: « ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين » وقيل: المعنى ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا.

 

الآية: 148 ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون )

 

قوله تعالى: « سيقول الذين أشركوا » قال مجاهد: يعني كفار قريش. قالوا « لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا » يريد البحيرة والسائبة والوصيلة. أخبر الله عز وجل بالغيب عما سيقولونه؛ وظنوا أن هذا متمسك لهم لما لزمتهم الحجة وتيقنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشرك وعن تحريم ما أحل لهم فينتهوا فأتبعناهم على ذلك. فرد الله عليهم ذلك فقال « قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا » أي أعندكم دليل على أن هذا كذا؟: « إن تتبعون إلا الظن » في هذا القول. « وإن أنتم إلا تخرصون » لتوهموا ضعفتكم أن لكم حجة. وقول « ولا آباؤنا » عطف على النون في « أشركنا » . ولم يقل نحن ولا آباؤنا؛ لأن قول « ولا » قام مقام توكيد المضمر؛ ولهذا حسن أن يقال: ما قمت ولا زيد.

 

الآية: 149 ( قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين )

 

قوله تعالى: « قل فلله الحجة البالغة » أي التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها. فحجته البالغة على هذا تبيينه أنه الواحد، وإرساله الرسل والأنبياء؛ فبين التوحيد بالنظر في المخلوقات، وأيد الرسل بالمعجزات، ولزم أمره كل مكلف. فأما علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد، إلا من ارتضى من رسول. ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه. وقد لبست المعتزلة بقول: « لو شاء الله ما أشركنا » فقالوا: قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته. وتعلقهم بذلك باطل؛ لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق. وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب. نظيره « وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم » [ الزخرف: 20 ] . ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم؛ لأن الله تعالى يقول: « لو شاء الله ما أشركوا » [ الأنعام: 107 ] . و « ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله » [ الأنعام: 111 ] . « ولو شاء لهداكم أجمعين » [ النحل: 9 ] . ومثله كثير. فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى.

 

الآية: 150 ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون )

 

قوله تعالى: « قل هلم شهداءكم » أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم. و « هلم » كلمة دعوة إلى شيء، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز، إلا في لغة نجد فإنهم يقولون: هلما هلموا هلمي، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال. وعلى لغة أهل الحجاز جاء القرآن، قال الله تعالى: « والقائلين لإخوانهم هلم إلينا » [ الأحزاب: 18 ] يقول: هلم أي أحضر أو ادن. وهلم الطعام، أي هات الطعام. والمعنى ههنا: هاتوا شهداءكم، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين؛ كما تقول: رد يا هذا، ولا يجوز ضمها ولا كسرها. والأصل عند الخليل « ها » ضمت إليها « لم » ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال. وقال غيره. الأصل « هل » زيدت عليها « لم » . وقيل: هي على لفظها تدل على معنى هات. وفي كتاب العين للخليل: أصلها هل أؤم، أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم إياها حتى صار المقصود بقولها احضر كما أن تعال أصلها أن يقولها المتعالي للمتسافل؛ فكثر استعمالهم إياها حتى صار المتسافل يقول للمتعالي تعال.

 

قوله تعالى: « فإن شهدوا » أي شهد بعضهم لبعض « فلا تشهد معهم » أي فلا تصدق أداء الشهادة إلا من كتاب أو على لسان نبي، وليس معهم شيء من ذلك.

 

الآية: 151 ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون )

 

قوله تعالى: « قل تعالوا أتل » أي تقدموا واقرؤوا حقا يقينا كما أوحى إلى ربي، لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم. ثم بين ذلك فقال « ألا تشركوا به شيئا » يقال للرجل: تعال، أي تقدم، وللمرأة تعالي، وللاثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة الرجال تعالوا، ولجماعة النساء تعالين؛ قال الله تعالى: « فتعالين أمتعكن » [ الأحزاب: 28 ] . وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم؛ واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي؛ قاله ابن الشجري.

 

قوله تعالى: « ما حرم » الوجه في « ما » أن تكون خبرية في موضع نصب بـ « أتل » والمعنى: تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم؛ فإن علقت « عليكم » « بحرم » فهو الوجه؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين. وإن علقته بـ « أتل » فجيد لأنه الأسبق؛ وهو اختيار الكوفيين؛ فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم. « ألا تشركوا » في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول، أي أتل عليكم ألا تشركوا؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في « عليكم » من الإغراء، وتكون « عليكم » منقطعة مما قبلها؛ أي عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش. كما تقول: عليك شأنك؛ أي الزم شأنك. وكما قال: « عليكم أنفسكم » [ المائدة: 105 ] قال جميعه ابن الشجري. وقال النحاس: يجوز أن تكون « أن » في موضع نصب بد لا من « ما » ؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك. واختار الفراء أن تكون « لا » للنهي؛ لأن بعده « ولا » .

 

هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله. وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل. قال الله تعالى: « لتبيننه للناس ولا تكتمونه » [ آل عمران: 187 ] . وذكر ابن المبارك: أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال: قال ربيع بن خيثم لجليس له: أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها؟ قال نعم. قال فاقرأ « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم » فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: ( بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ) الآية. وقال ابن عباس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة « آل عمران » أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى.

 

قوله تعالى: « وبالوالدين إحسانا » الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما. و « إحسانا » نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه؛ تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا.

 

قوله تعالى: « ولا تقتلوا أولادكم من إملاق » الإملاق الفقر: أي لا تئدوا من الموؤودة - بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق أي افتقر. وأملقه أي أفقره؛ فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال: الإملاق الجوع بلغة لخم. وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق؛ يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه. وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته: أملقي من مالك ما شئت. ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه. فالملق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه.

 

وقد يستدل بهذا من يمنع العزل؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل؛ والعزل منع أصل النسل فتشابها؛ إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا؛ ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل: ( ذلك الوأد الخفي ) الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله عليه السلام: ( لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر ) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا. وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل. والتأويل الأول أولى؛ لقوله عليه السلام: ( إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ) . قال مالك والشافعي: لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها. وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذاتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر.

 

قوله تعالى: « ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن » نظيره « وذروا ظاهر الإثم وباطنه » [ الأنعام: 120 ] . فقوله: « ما ظهر » نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. « وما بطن » ما عقد عليه القلب من المخالفة. وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. و « ما ظهر » نصب على البدل من « الفواحش » . « وما بطن » عطف عليه.

 

قوله تعالى: « ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق » الألف واللام في « النفس » لتعريف الجنس؛ كقولهم: أهلك الناس حب الدرهم والدينار. ومثله « إن الإنسان خلق هلوعا » [ المعارج: 19 ] ألا ترى قول سبحانه: « إلا المصلين » ؟ وكذلك قوله: « والعصر. إن الإنسان لفي خسر » [ العصر: 1،2 ] لأنه قال: « إلا الذين آمنوا » وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها. قال رسول الله صلى: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ما له ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله ) . وهذا الحق أمور: منها منع الزكاة وترك الصلاة؛ وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة. وفي التنزيل « فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم » [ التوبة: 5 ] وهذا بين. وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) . وقال عليه السلام: ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ) . أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى: ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) . وسيأتي بيان هذا في « الأعراف » . وفي التنزيل: « إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا » [ المائدة: 33 ] الآية. وقال: « وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا » [ الحجرات: 9 ] الآية. وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل. فهذا معنى قوله: « إلا بالحق » . وقال عليه السلام: ( المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين ) . وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الحنة « . وفي رواية أخرى لأبي داود قال: ( من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما ) . في البخاري في هذا الحديث ( وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما ) . خرجه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. »

 

قوله تعالى: « ذلكم » إشارة إلى هذه المحرمات. والكاف والميم للخطاب، ولا حظ لهما من الإعراب. « وصاكم به لعلكم تعقلون » الوصية الأمر المؤكد المقدور. والكاف والميم محله النصب؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله. وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال: علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانه فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل ) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسول، ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون!

 

الآية: 152 ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون )

 

قوله تعالى: « ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن » أي بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصول وتثمير فروعه. وهذا أحسن الأقوال في هذا؛ فإنه جامع. قال مجاهد: « ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن » بالتجارة فيه، ولا تشتري منه ولا تستقرض.

 

قوله تعالى: « حتى يبلغ أشده » يعني قوته، وقد تكون في البدن، وقد تكون في المعرفة بالتجربة، ولا بد من حصول الوجهين؛ فإن الأشد وقعت هنا مطلقة وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة « النساء » مقيدة، فقال: « وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا » [ النساء: 6 ] فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد؛ فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهوته وبقي صعلوكا لا مال له. وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال بفقيد الأب أولى. وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن؛ لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة. وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله. والمعنى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده. وفي الكلام حذف؛ فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله. واختلف العلماء في أشد اليتيم؛ فقال ابن زيد: بلوغه. وقال أهل المدينة. بلوغه وإيناس رشده. وعند أبي حنيفة: خمس وعشرون سنة. قال ابن العربي: وعجبا من أبي حنيفة، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما تثبت نقلا، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين. وقد قيل: إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد؛ كما قال سحيم بن وثيل:

أخو خمسين مجتمع أشدي ونجذني مداورة الشؤون

يروى « نجدني » بالدال والذال. والأشد واحد لا جمع له؛ بمنزلة الآنك وهو الرصاص. وقد قيل: واحده شد؛ كفلس وأفلس. وأصله من شد النهار أي ارتفع؛ يقال: أتيته شد النهار ومد النهار. وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة:

عهدي به النهار كأنما خضب اللبان ورأسه بالعظلم

وقال آخر:

تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق

وكان سيبويه يقول: واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى؛ لأنه يقال: بلغ الغلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل، وأما أنعم فإنما هو جمع نعم؛ من قولهم: يوم بؤس ويوم نعم. وأما قول من قال: واحده شد؛ مثل كلب وأكلب، وشد مثل ذئب وأذؤب فإنما هو قياس. كما يقولون في واحد الأبابيل: أبول، قياسا على عجول، وليس هو شيئا سمع من العرب. قال أبو زيد: أصابتني شدى على فعلى؛ أي شدة. وأشد الرجل إذا كانت معه دابة شديدة.

 

قوله تعالى: « وأوفوا الكيل والميزان بالقسط » أي بالاعتدال في الأخذ والعطاء عند البيع والشراء. والقسط: العدل. « لا نكلف نفسا إلا وسعها » أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن. وهذا يقتضي أن هذه الأوامر إنما هي فيما يقع تحت قدرة البشر من التحفظ والتحرر. وما لا يمكن الاحتراز عنه من تفاوت ما بين الكيلين، ولا يدخل تحت قدرة البشر فمعفو عنه. وقيل: الكيل بمعنى المكيال. يقال: هذا كذا وكذا كيلا؛ ولهذا عطف عليه بالميزان. وقال بعض العلماء: لما علم الله سبحانه من عباده أن كثيرا منهم تضيق نفسه عن أن تطيب للغير بما لا يجب عليها له أمر المعطي بإيفاء رب الحق حقه الذي هو له، ولم يكلفه الزيادة؛ لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها. وأمر صاحب الحق بأخذ حقه ولم يكلفه الرضا بأقل منه؛ لما في النقصان من ضيق نفسه. وفي موطأ مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن عبدالله بن عباس أنه قال: ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنى في قوم إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو. وقال ابن عباس أيضا: إنكم معشر الأعاجم قد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم الكيل والميزان.

 

قوله تعالى: « وإذا قلتم فاعدلوا » يتضمن الأحكام والشهادات. « ولو كان ذا قربى » أي ولو كان الحق على مثل قراباتكم. « وبعهد الله أوفوا » عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. ومحتمل أن يراد به جميع ما انعقد بين إنسانين. وأضيف ذلك العهد إلى الله من حيث أمر بحفظه والوفاء به « لعلكم تتذكرون » تتعظون.

 

الآية: 153 ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )

 

قوله تعالى: « وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه » هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. « وأن » في موضع نصب، أي واتل أن هذا صراطي. عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضا، أي وصاكم به وبأن هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي؛ كما قال: « وأن المساجد لله » [ الجن: 18 ] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي « وإن هذا » بكسر الهمزة على الاستئناف؛ أي الذي ذكر في الآيات صراطي مستقيما. وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب « وأن هذا » بالتخفيف. والمخففة مثل المشددة، إلا أن فيه ضمير القصة والشان؛ أي وأنه هذا. فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد؛ كما قال عز وجل: « فلما أن جاء البشير » [ يوسف: 96 ] . والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. « مستقيما » نصب على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: « ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله » أي تميل. روى الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: ( هذا سبيل الله ) ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال ( هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ) ثم قرأ هذه الآية. وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبدالله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: ( هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية - « وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله » . وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد؛ قاله ابن عطية.

قلت: وهو الصحيح. ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس: حدثنا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن يساره جواد، وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: « وأن هذا صراطي مستقيما » الآية. وقال عبدالله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي. وقال مجاهد في قوله: « ولا تتبعوا السبل » قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا » [ الأنعام: 159 ] الآية. فالهرب الهرب، والنجاة النجاة! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا ) . وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون؛ ووجلت منها القلوب؛ فقلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فما تعهد إلينا؟ فقال: ( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم والأمور المحدثات فإن كل بدعة ضلالة وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد ) أخرجه الترمذي بمعناه وصححه. وروى أبو داود قال حدثنا ابن كثير قال أخبرنا سفيان قال: كتب رجل إلى عمر بن عبدالعزيز يسأل عن القدر؛ فكتب إليه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكفوا مؤونته، فعليك بلزوم الجماعة فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم أعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة فيها؛ فان السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق؛ فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وإنهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدي ما أنتم عليه فقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم إنما حدث بعدهم فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم؛ فإنهم هم السابقون، قد تكلموا فيه بما يكفي ووصفوا ما يشفي؛ فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من مجسر، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا وإنهم مع ذلك لعلى مستقيم. وذكر الحديث. وقال سهل بن عبدالله التستري: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في جميع أحوال ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه وأذلوه وأهانوه. قال سهل: إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم؛ فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة فسمعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره. وقال سهل: لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخَذْمَة.

قال سهل: لا أعلم حديثا جاء في المبتدعة أشد هذا الحديث: ( حجب الله الجنة عن صاحب البدعة ) . قال: فاليهودي والنصراني أرجى منهم. قال سهل: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان، ولا يخاصمن أهل الأهواء. وقال أيضا: أتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم. وفي مسند الدارمي: أن أبا موسى الأشعري جاء إلى عبدالله بن مسعود فقال: يا أبا عبدالرحمن، إن رأيت في المسجد آنفا شيئا أنكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة؛ في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول لهم: كبروا مائة؛ فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة؛ فيهللون مائة. ويقول: سبحوا مائة؛ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا؛ انتظار رأيك وانتظار أمرك. قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق؛ فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبدالرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم وأنا ضامن لكم ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم. أو مفتتحي باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبدالرحمن، ما أردنا إلا الخير. فقال: وكم من مريد للخير لن يصيبه. وعن عمر بن عبدالعزيز وسأله رجل عن شيء من أهل الأهواء والبدع؛ فقال: عليك بدين الأعراب والغلام في الكتاب، وآله عما سوى ذلك. وقال الأوزاعي: قال إبليس لأوليائه من أي شيء تأتون بنى آدم؟ فقالوا: من كل شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ قالوا: هيهات! ذلك شيء قرن بالتوحيد. قال: لأبثن فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه. قال: فبث فيهم الأهواء. وقال مجاهد: ولا أدري أي النعمتين علي أعظم أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء. وقال الشعبي: إنما سموا أصحاب الأهواء لأنهم يهوون في النار. كله عن الدارمي. وسئل سهل بن عبدالله عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم وتزوجهم. فقال: لا، ولا كرامة! هم كفار، كيف يؤمن من يقول: القرآن مخلوق، ولا جنة مخلوقة ولا نار مخلوقة، ولا لله صراط ولا شفاعة، ولا أحد من المؤمنين يدخل النار ولا يخرج من النار من مذنبي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عذاب القبر ولا منكر ولا نكير، ولا رؤية لربنا في الآخرة ولا زيادة، وأن علم الله مخلوق، ولا يرون السلطان ولا جمعة؛ ويكفرون من يؤمن بهذا. وقال الفضيل بن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وقال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال ابن عباس: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة، عبادة. وقال أبو العالية: عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا. قال عاصم الأحول: فحدثت به الحسن فقال: قد نصحك والله وصدقك. وقد مضى في « آل عمران » معنى قوله عليه السلام: ( تفرقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ) . الحديث. وقد قال بعض العلماء العارفين: هذه الفرقة التي زادت في فرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم هم قوم يعادون العلماء ويبغضون الفقهاء، ولم يكن ذلك قط في الأمم السالفة. وقد روى رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى ) . قال فقلت: جعلت فداك يا رسول الله! كيف ذاك؟ قال: ( يقرون ببعض ويكفرون ببعض ) . قال قلت: جعلت فداك يا رسول الله! وكيف يقولون؟ قال: ( يجعلون إبليس عدلا لله في خلقه وقوته ورزقه ويقولون الخير من الله والشر من إبليس ) . قال: فيكفرون بالله ثم يقرؤون على ذلك كتاب الله، فيكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة؟ قال: ( فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة ) . وذكر الحديث.

ومضى في « النساء » وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم فقال: « وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا » [ الأنعام: 68 ] الآية. ثم بين في سورة « النساء » وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به فقال: « وقد نزل عليكم في الكتاب » [ النساء: 140 ] الآية. فألحق من جالسهم بهم. وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة وحكم بموجب هذه الآيات في مجالس أهل البدع على المعاشرة والمخالطة منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع قالوا: ينهي عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ألحق بهم، يعنون في الحكم. وقد حمل عمر بن عبدالعزيز الحد على مجالس شربة الخمر، وتلا « إنكم إذا مثلهم » . قيل له: فإنه يقول إني أجالسهم لأباينهم وأرد عليهم. قال ينهى عن مجالستهم، فإن لم ينته أُلحق بهم.

 

الآية: 154 ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون )

 

قوله تعالى: « ثم آتينا موسى الكتاب » مفعولان. « تماما » مفعول من أجله أو مصدر. « على الذي أحسن » قرئ بالنصب والرفع. فمن رفع - وهي قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق. فعلى تقدير: تماما على الذي هو أحسن. قال المهدوي: وفيه بعد من أجل حذف المبتدأ العائد على الذي. وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع « ما أنا بالذي قائل لك شيئا » . ومن نصب فعلى أنه فعل ماضي داخل في الصلة؛ هذا قول البصريين. وأجاز الكسائي والفراء أن يكون اسما نعتا للذي. وأجازا « مررت بالذي أخيك » ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها. قال النحاس: وهذا محال عند البصريين؛ لأنه نعت للاسم قبل أن يتم، والمعنى عندهم: على المحسن. قال مجاهد: تماما على المحسن المؤمن. وقال الحسن في معنى قوله: « تماما على الذين أحسن » كان فيهم محسن وغير محسن؛ فأنزل الله الكتاب تماما على المحسنين. والدليل على صحة هذا القول أن ابن مسعود قرأ: « تماما على الذين أحسنوا » . وقيل: المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه الله قبل نزول التوراة عليه. قال محمد بن يزيد: فالمعنى « تماما على الذي أحسن » أي تماما على الذي أحسنه الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من الرسالة وغيرها. وقال عبدالله بن زيد: معناه على إحسان الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام من الرسالة وغيرها. وقال الربيع بن أنس: تماما على إحسان موسى من طاعته لله عز وجل؛ وقاله الفراء. ثم قيل: « ثم » يدل على أن الثاني بعد الأول، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا؛ فقيل: « ثم » بمعنى الواو؛ أي وآتينا موسى الكتاب، لأنهما حرفا عطف. وقيل: تقدير الكلام ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ثم أتل ما آتينا موسى تماما. « وتفصيلا » عطف عليه. وكذا « وهدى ورحمة » .

 

الآية: 155 ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون )

 

قوله تعالى: « وهذا كتاب » ابتداء وخبر. « أنزلناه مبارك » نعت؛ أي كثير الخيرات. ويجوز في غير القرآن « مباركا » على الحال. « فاتبعوه » أي أعملوا بما فيه. « واتقوا » أي اتقوا تحريفه. « لعلكم ترحمون » أي لتكونوا راجين للرحمة فلا تعذبون.

 

الآية: 156 ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين )

 

قوله تعالى: « أن تقولوا » في موضع نصب. قال الكوفيون. لئلا تقولوا. وقال البصريون: أنزلناه كراهية أن تقولوا. وقال الفراء والكسائي: المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة. « إنما أنزل الكتاب » أي التوراة والإنجيل. « على طائفتين من قبلنا » أي على اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا كتاب. « وإن كنا عن دراستهم لغافلين » أي عن تلاوة كتبهم وعن لغاتهم. ولم يقل عن دراستهما؛ لأن كل طائفة جماعة.

 

الآية: 157 ( أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون )

 

قوله تعالى: « أو تقولوا » عطف على « أن تقولوا » . « فقد جاءكم بينة من ربكم » أي قد زال العذر بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة والبيان واحد؛ والمراد محمد صلى الله عليه وسلم، سماه سبحانه بينة. « وهدى ورحمة » أي لمن أتبعه. ثم قال: « فمن أظلم » أي فإن كذبتم فلا أحد أظلم منكم. « صدف » أعرض، و « يصدفون » يعرضون. وقد تقدم.

 

الآية: 158 ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون )

 

قوله تعالى: « هل ينظرون » معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا، فماذا ينتظرون. « إلا أن تأتيهم الملائكة » أي عند الموت لقبض أرواحهم. « أو يأتي ربك » قال ابن عباس والضحاك: أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره، وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف؛ كقوله تعالى: « واسأل القرية » [ يوسف: 82 ] يعني أهل القرية. وقول: « وأشربوا في قلوبهم العجل » [ البقرة: 93 ] أي حب العجل. كذلك هنا: يأتي أمر ربك، أي عقوبة ربك وعذاب ربك. ويقال: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. « أو يأتي بعض آيات ربك » قيل: هو طلوع الشمس من مغربها. بين بهذا أنهم يمهلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. وقيل: إتيان الله تعالى مجيئه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة؛ كما قال تعالى: « وجاء ربك والملك صفا صفا » [ الفجر: 22 ] . وليس مجيئه تعالى حركة ولا انتقالا ولا زوالا؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسما أو جوهرا. والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: يجيء وينزل ويأتي. ولا يكيفون؛ لأنه « ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » [ الشورى: 11 ] . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ) . وعن صفوان بن عسال المرادي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن بالمغرب باب مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه ) . أخرجه الدارقطني والدارمي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال سفيان: قبل الشام، خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض. ( مفتوحا ) يعني للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه. قال: حديث حسن صحيح.

قلت: وكذب بهذا كله الخوارج والمعتزلة كما تقدم. وروى ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس، إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وأنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا. ذكر أبو عمر. وذكر الثعلبي في حديث فيه طول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: أن الشمس تحبس عن الناس - حين تكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه - مقدار ليلة تحت العرش، كلما سجدت واستأذنت ربها تعالى من ابن تطلع لم يجيء لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها، ويستأذن من أين يطلع فلا يجاء إليهما جواب حتى يحبسا مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر؛ فلا يعرف طول تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين فإذا تم لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالى إليهما جبريل عليه السلام فيقول: ( إن الرب سبحانه وتعالى يأمر كما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور ) فيطلعان من مغاربهما أسودين، لا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلك. فذلك قوله تعالى: « وجمع الشمس والقمر » [ القيامة: 9 ] وقوله: « إذا الشمس كورت » [ التكوير: 1 ] فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين؛ فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرة السماء وهي منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما وردهما إلى المغرب، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يرد المصراعين، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صدع. فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها؛ إلا من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم؛ فذلك قوله تعالى: « يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا » . ثم إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان.

قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته، كما لا تقبل توبة من حضره الموت. قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله. وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة. فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدثوا عنه إلا قليلا، فيصير الخبر عنه خاصا وينقطع التواتر عنه؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه. والله أعلم. وفي صحيح مسلم عن عبدالله قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا ) . وفيه عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه، فأطلع إلينا فقال: « ما تذكرون ) ؟ قلنا: الساعة. قال: ( إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات. خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس ) . قال شعبة: وحدثني عبدالعزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر.»

قلت: وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات. وقد وقع بعضها وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجوزي من وقوعها بعراق العجم والمغرب. وهلك، بسببها خلق كثير؛ ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره. ويأتي ذكر الدابة في « النمل » . ويأجوج ومأجوج في « الكهف » . ويقال: إن الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما. وقيل: إن الحكم في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمروذ: « فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر » [ البقرة: 258 ] وأن الملحدة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: هو غير كائن؛ فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين قدرته أن الشمس في ملكه، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب. وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى الله عليه وسلم بطلوعها، فأما المصدقون لذلك فإنه تقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك. وروي عن عبدالله بن عباس أنه قال: لا يقبل من كافر عمل ولا توبة إذا أسلم حين يراها، إلا من كان صغيرا يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه. ومن كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبل منه. وروي عن عمران بن حصين أنه قال: إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحة فيهلك فيها كثير من الناس؛ فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته؛ ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره. وقال عبدالله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتى يغرسوا النحل. والله بغيبه أعلم. وقرأ ابن عمر وابن الزبير « يوم تأتي » بالتاء؛ مثل « تلقطه بعض السيارة » . وذهبت بعض أصابعه. وقال جرير:

لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع

قال المبرد: التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل. وقرأ ابن سيرين « لا تنفع » بالتاء. قال أبو حاتم: يذكرون أن هذا غلط من ابن سيرين. قال النحاس: في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها؛ وأنشد سيبويه:

مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم

قال المهدوي: وكثيرا ما يؤنثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنث، وكان المضاف بعض المضاف إليه منه أو به؛ وعليه قول ذي الرمة: مشين.... البيت فأنث المر لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة، إذ كان المر من الرياح. قال النحاس: وفيه قول آخر وهو أن يؤنث الإيمان لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث؛ مثل « فمن جاءه موعظة من ربه » [ البقرة: 275 ] وكما قال:

فقد عذرتنا في صحابته العذر

ففي أحد الأقوال أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة. « قل انتظروا إنا منتظرون » بكم العذاب.

 

الآية: 159 ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون )

 

قوله تعالى: « إن الذين فرقوا دينهم » قرأه حمزة والكسائي « فارقوا » بالألف، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان علي يقول: والله ما فرقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلا النخعي فإنه قرأ « فرقوا » مخففا؛ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وقد وصفوا بالتفرق؛ قال الله تعالى: « وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة » [ البينة: 4 ] . وقال: « ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله » [ النساء: 150 ] . وقيل: عنى المشركين، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة. وقيل: الآية عامة في جميع الكفار. وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه. وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية « إن الذين فرقوا دينهم » هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وروي بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء ) . وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ « إن الذين فارقوا دينهم » . « وكانوا شيعا » فرقا وأحزابا. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. « لست منهم في شيء » فأوجب براءته منهم؛ وهو كقوله عليه السلام: ( من غشنا فليس منا ) أي نحن برآء منه. وقال الشاعر:

إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني

أي أنا أبرأ منك. وموضع « في شيء » نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر؛ قاله أبو علي. وقال الفراء هو على حذف مضاف، المعنى لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار.

 

قوله تعالى: « إنما أمرهم إلى الله » تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم.

 

الآية: 160 ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون )

 

قوله تعالى: « من جاء بالحسنة » ابتداء، وهو شرط، والجواب « فله عشر أمثالها » أي فله عشر حسنات أمثالها؛ فحذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها؛ جمع مثل وحكى سيبويه: عندي عشرة نسابات، أي عندي عشرة رجال نسابات. وقال أبو علي: حسن التأنيث في « عشر أمثالها » لما كان الأمثال مضافا إلى مؤنث، والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك؛ نحو « تلقطه بعض السيارة » . وذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش « فله عشر أمثالها » . والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له. ويجوز أن يكون له مثل، ويضاعف المثل فيصير عشرة. والحسنة هنا: الإيمان. أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب. « ومن جاء بالسيئة » يعني الشرك « فلا يجزى إلا مثلها » وهو الخلود في النار؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة؛ فذلك قوله تعالى: « جزاء وفاقا » [ النبأ: 26 ] يعني جزاء وافق العمل. وأما الحسنة فبخلاف ذلك؛ لنص الله تعالى على ذلك. وفي الخبر ( الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ) . وروى الأعمش عن أبي صالح قال: الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك. « وهم لا يظلمون » أي لا ينقص ثواب أعمالهم. وقد مضى في « البقرة » بيان هذه الآية، وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله؛ ولهذا قال بعض العلماء: العشر لسائر الحسنات؛ والسبعمائة للنفقة في سبيل الله، والخاص والعام فيه سواء. وقال بعضهم: يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى؛ وهذا يحتاج إلى توقيف. والأول أصح؛ لحديث خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: ( وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله ) .

 

الآية: 161 ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين )

 

قوله تعالى: « قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم » لما بين تعالى أن الكفار تفرقوا بين أن الله هداه إلى الدين المستقيم وهو دين إبراهيم « دينا » نصب على الحال؛ عن قطرب. وقيل: نصب بـ « هداني » عن الأخفش. قال غيره: انتصب حملا على المعنى؛ لأن معنى هداني عرفني دينا. ويجوز أن يكون بد لا من الصراط، أي هداني صراطا مستقيما دينا. وقيل: منصوب بإضمار فعل؛ فكأنه قال: اتبعوا دينا، واعرفوا دينا. « قيما » قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء، مصدر كالشبع فوصف به. والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدها، وهما لغتان. وأصل الياء الواو « قيوم » ثم أدغمت الواو في الياء كميت. ومعناه دينا مستقيما لاعوج فيه « ملة إبراهيم » بدل « حنيفا » قال الزجاج: هو حال من إبراهيم. وقال علي بن سليمان: هو نصب بإضمار أعني.

 

الآيات: 162 - 163 ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )

 

قوله تعالى: « قل إن صلاتي ونسكي » قيل: المراد بههنا صلاة الليل. وقيل: صلاة العيد. والنسك جمع نسيكة، وهي الذبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم. والمعنى: ذبحي في الحج والعمرة. وقال الحسن: نسكي ديني. وقال الزجاج: عبادتي؛ ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة. وقال قوم: النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات؛ من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد. « ومحياي » أي ما أعمله في حياتي « ومماتي » أي ما أوصي به بعد وفاتي « لله رب العالمين » أي أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل: « ومحياي ومماتي لله » أي حياتي وموتي له. وقرأ الحسن: « نُسْكي » بإسكان السين. وأهل المدينة « ومحياي » بسكون الياء في الإدراج. والعامة بفتحها؛ لأنه يجتمع ساكنان. قال النحاس: لم يجزه أحد من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن قبله ألفا، والألف المدة التي فيها تقوم مقام الحركة. وأجاز يونس آضربان زيدا، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يسلم من اللحن وقف على « محياي » فيكون غير لاحن عند جميع النحويين. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري « ومحيي » بتشديد الياء الثانية من غير ألف؛ وهي لغة عليا مضر يقولون: قفي وعصي. وأنشد أهل اللغة:

سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم

 

قال الكيا الطبري: قوله تعالى: « قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم » إلى قوله: « قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين » استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر؛ فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل في كتابه، ثم ذكر حديث علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: « وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - إلى قوله - وأنا من المسلمين ) .»

قلت: روي مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك. الحديث. وأخرجه الدارقطني وقال في آخره: بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والشر ليس إليك ) الشر ليس مما يتقرب به إليك. قال مالك: ليس التوجيه في الصلاة بواجب على الناس، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة. قال ابن القاسم: لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة: سبحانك اللهم وبحمدك. وفي مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكا كان يقوله في خاصة نفسه؛ لصحة الحديث به، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. قال أبو الفرج الجوزي: وكنت أصلى وراء شيخنا أبي بكر الدينوري الفقيه في زمان الصبا، فرآني مرة أفعل هذا فقال: يا بني، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا أن الافتتاح سنه، فاشتغل بالواجب ودع السنن. والحجة لمالك قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي علمه الصلاة: ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ) ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة، ولا قل وجهت وجهي، كما يقول الشافعي. وقال لأبي: ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ) ؟ قال: قلت الله أكبر، الحمد لله رب العالمين. فلم يذكر توجيها ولا تسبيحا. فإن قيل: فإن عليا قد أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله.

قلنا: يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كبر، وذلك حسن عندنا. فإن قيل: فقد روى النسائي والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم يقول: ( إن صلاتي ونسكي ) الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل؛ كما جاء في كتاب النسائي عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة بالليل قال: ( سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) . أو في النافلة مطلقا؛ فإن النافلة أخف من الفرض؛ لأنه يجوز أن يصليها قائما وقاعدا وراكبا، وإلى القبلة وغيرها في السفر، فأمرها أيسر. وقد روى النسائي عن محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي تطوعا قال: ( الله أكبر. وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ) . ثم يقرأ. وهذا نص في التطوع لا في الواجب. وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير، فيحمل على الجواز والاستحباب، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير، والله بحقائق الأمور عليم. ثم إذا قال فلا يقل: « وأنا أول المسلمين » إذ ليس أحدهم بأولهم إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أو ليس إبراهيم والنبيون قبله؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: الأول: أنه أول الخلق أجمع معنى؛ كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام: ( نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة ) . وفي حديث حذيفة ( نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق ) . الثاني: أنه أولهم لكونه مقدما في الخلق عليهم؛ قال الله تعالى: « وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح » [ الأحزاب: 7 ] . قال قتادة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث ) . فلذلك وقع ذكره هنا مقدما قبل نوح وغيره. الثالث: أول المسلمين من أهل ملته؛ قال ابن العربي، وهو قول قتادة وغيره. واختلفت الروايات في « أول » ففي بعضها ثبوتها وفي بعضها لا، على ما ذكرنا. وروى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه ثم قولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) . قال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: ( بل للمسلمين عامة ) .

 

الآية: 164 ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )

 

قوله تعالى: « قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء » أي مالكه. روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ. و « غير » نصب بـ « أبغي » و « ربا » تمييز.

 

قوله تعالى: « ولا تكسب كل نفس إلا عليها » أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك؛ إلا تكسب كل نفس إلا عليها؛ أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها.

 

وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح، وهو قول الشافعي. وقال علماؤنا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا، بدليل قوله تعالى: « ولا تزر وازرة وزر أخرى » على ما يأتي. وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز. هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبه قال أبو حنيفة. وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال: عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال: ( أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار ) فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما - أو قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت: يا رسول الله، هذه الشاة وهذا ديناركم. قال: ( كيف صنعت ) ؟ فحدثته الحديث. قال: ( اللهم بارك له في صفقة يمينه ) . قال: فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. لفظ الدارقطني. قال أبو عمر: وهو حديث جيد، وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين، ولو لا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع.

وفيه دليل على جواز الوكالة، ولا خلاف فيها بين العلماء. فإذا قال الموكل لو كيله: اشتر كذا؛ فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا؟. كرجل قال لرجل: أشتر بهذا الدرهم رطل لحم، صفته كذا؛ فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم. فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه محسن. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وهذا الحديث حجة عليه.

 

قوله تعالى: « ولا تزر وازرة وزر أخرى » أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوزر الثقل؛ ومنه قوله تعالى: « ووضعنا عنك وزرك » [ الشرح: 2 ] . وهو هنا الذنب؛ كما قال تعالى: « وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم » [ الأنعام: 31 ] . قال الأخفش: يقال وزر يوزر، ووزر يزر، ووزر يوزر وزرا. ويجوز إزرا، كما يقال: إسادة. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم؛ ذكره ابن عباس. وقيل: إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه.

قلت: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها؛ فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض، لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين، كما تقدم في حديث أبي بكر في قوله: « عليكم أنفسكم » [ المائدة: 105 ] . وقوله تعالى: « واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة » [ الأنفال: 25 ] . « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » [ الرعد: 11 ] . وقالت زينب بنت جحش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ( نعم إذا كثر الخنث ) . قال العلماء: معناه أولاد الزنى. والخبث ( بفتح الباء ) اسم للزنى. فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء. وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك؛ فدل على ما قلناه. وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها. وروى أبو داود عن أبي رمثة قال؛ انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي: ( ابنك هذا ) ؟ قال: أي ورب الكعبة. قال: ( حقا ) . قال: أشهد به. قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي. ثم قال: ( أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ) . وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « ولا تزر وازرة وزر أخرى » . ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله: « وليحملن أثقالهم » وأثقالا مع أثقالهم « [ العنكبوت: 13 ] ؛ فإن هذا مبين في الآية الأخرى قوله: » ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم « [ النحل: 25 ] . فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.»

 

الآية: 165 ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم )

 

قوله تعالى: « وهو الذي جعلكم خلائف الأرض » « خلائف » جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة. وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة. قال الشماخ:

تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع

« ورفع بعضكم فوق بعض » في الخلق. الرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم. « درجات » نصب بإسقاط الخافض، أي إلى درجات. « ليبلوكم » نصب بلام كي. والابتلاء الاختبار؛ أي ليظهر منكم ما يكون غايته التواب والعقاب. ولم يزل بعلمه غنيا؛ فأبتلي الموسر بالغني وطلب منه الشكر، وأبتلي المعسر بالفقر وطلب منه الصبر. ويقال: « ليبلوكم » أي بعضكم ببعض. كما قال: « وجعلنا بعضكم لبعض فتنة » [ الفرقان: 20 ] على ما يأتي بيانه. ثم خوفهم فقال: « إن ربك سريع العقاب » لمن عصاه. « وإنه لغفور رحيم » لمن أطاعه. وقال: « سريع العقاب » مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أن عقاب النار في الآخرة؛ لأن كل آت قريب؛ فهو سريع على هذا. كما قال تعالى: « وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب » [ النحل: 77 ] . وقال « يرونه بعيدا. ونراه قريبا » [ المعارج: 6،7 ] . ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا؛ فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم.

 

سورة الأعراف

 

سورة الأعراف هي مكية، إلا ثمان آيات، وهي قوله تعالى: « واسألهم عن القرية » [ الأعراف: 163 ] إلى قوله: « وإذ نتقنا الجبل فوقهم » [ الأعراف: 171 ] . وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين. صححه أبو محمد عبدالحق.

 

الآية: 1 - 2 ( المص، كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين )

 

قوله تعالى « المص » تقدم في أول « البقرة » وموضعه رفع بالابتداء. و « كتاب » خبره. كأنه قال: « المص » حروف كتاب أنزل إليك « وقال الكسائي: أي هذا كتاب. »

 

قوله تعالى: « حرج » أي ضيق؛ أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ؛ لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال: ( إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ) الحديث. خرجه مسلم. قال الكيا: فظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه؛ أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم، ومثله قوله تعالى: « فلعلك باخع نفسك » [ الكهف: 6 ] الآية. وقال: « لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين » [ الشعراء: 3 ] . ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: « ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون » [ الحجر: 97 ] . وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. وفيه بعد. والهاء في « منه » للقرآن. وقيل: للإنذار؛ أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام. أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له.

 

قوله تعالى: « وذكرى » يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض. فالرفع من وجهين؛ قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: عطف على « كتاب » والنصب من وجهين؛ على المصدر؛ أي وذكر به ذكرى؛ قال البصريون. وقال الكسائي: عطف على الهاء في « أنزلناه » . والخفض حملا على موضع « لتنذر به » والإنذار للكافرين، والذكرى للمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به.

 

الآية: 3 ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون )

 

قوله تعالى: « اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم » يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: « وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » [ الحشر: 7 ] . وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه. أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص.

 

قوله تعالى: « ولا تتبعوا من دونه أولياء » « من دونه » من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا. وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه. وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ « ولا تبتغوا من دونه أولياء » أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف « أولياء » لأن فيه ألف التأنيث. وقيل: تعود على « ما » من قوله: « اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم » . « قليلا ما تتذكرون » « ما » زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدرا.

 

الآيتان: 4 - 5 ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون، فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين )

 

قوله تعالى: « وكم من قرية أهلكناها » « كم » للتكثير؛ كما أن « رب » للتقليل. وهي في موضع رفع بالابتداء، و « أهلكنا » الخبر. أي وكثير من القرى - وهي مواضع اجتماع الناس - أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها، ولا يقدر قبلها؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوي الأول قوله: « وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح » ولو لا اشتغال « أهلكنا » بالضمير لانتصب به موضع « كم » . ويجوز أن يكون « أهلكنا » صفة للقرية، و « كم » في المعنى هي القرية؛ فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. يدل على ذلك قوله تعالى: « وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا » [ النجم: 26 ] فعاد الضمير على « كم » . على المعنى؛ إذ كانت الملائكة في المعنى. فلا يصح على هذا التقدير أن يكون « كم » في موضع نصب بإضمار فعل بعدها. « فجاءها بأسنا » فيه إشكال للعطف بالفاء. فقال الفراء: الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ كقوله: « فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم » [ النحل: 98 ] . وقيل: إن الهلاك. واقع ببعض القوم؛ فيكون التقدير: وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال. والبأس، العذاب الآتي على النفس. وقيل: المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا؛ فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأس غير الإهلاك؛ كما ذكرنا. وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت؛ فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها؛ مثل دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وكذلك قوله: « اقتربت الساعة وانشق القمر » [ القمر: 1 ] . المعنى - والله أعلم - انشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى واحد. « بياتا » أي ليلا؛ ومنه البيت، لأنه يبات فيه. يقال: بات يبيت بيتا وبياتا. « أو هم قائلون » أي أو وهم قائلون، فاستثقلوا فحذفوا الواو؛ قاله الفراء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا عاد الذكر استغني عن الواو، تقول: جاءني زيد راكبا أو هو ماش، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدوي: ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغني عن الواو. وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو للشك بل للتفصيل؛ كقولك: لأكرمنك منصفا لي أو ظالما. وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت. و « قائلون » من القائلة وهي القيلولة؛ وهي نوم نصف النهار. وقيل: الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم. والمعنى جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا. والدعوى الدعاء؛ ومنه قوله: « وآخر دعواهم » [ يونس: 10 ] . وحكى النحويون: اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك. وقد تكون الدعوى بمعنى الادعاء. والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. و « دعواهم » في موضع نصب خبر كان، واسمها « إلا أن قالوا » . نظيره « فما كان جواب قومه إلا أن قالوا » [ النمل: 56 ] ويجوز أن تكون الدعوى رفعا، و « أن قالوا » نصبا؛ كقوله تعالى: « ليس البر أن تولوا » [ البقرة: 177 ] برفع « البر » وقوله: « ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا » [ الروم: 10 ] برفع « عاقبة » .

 

الآيتان: 6 - 7 ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين )

 

قوله تعالى: « فلنسألن الذين أرسل إليهم » دليل على أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل « ثم إن علينا حسابهم » [ الغاشية: 26 ] . وفي سورة القصص « ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون » [ القصص: 78 ] يعني إذا استقروا في العذاب. والآخرة مواطن: موطن يسألون فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم تقرير وتوبيخ وإفضاح. وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح؛ أي عن جواب القوم لهم. وهو معنى قوله: « ليسأل الصادقين عن صدقهم » [ الأحزاب: 8 ] على ما يأتي. وقيل: المعنى « فلنسألن الذين أرسل إليهم » أي الأنبياء « ولنسألن المرسلين » أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في « فلنسألن » لام القسم وحقيقتها التوكيد. وكذا « فلنقصن عليهم بعلم » . قال ابن عباس: ينطق عليهم. « وما كنا غائبين » أي كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم.

 

الآية: 8 - 9 ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون )

 

قوله تعالى: « والوزن يومئذ الحق » ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون « الحق » نعته، والخبر « يومئذ » . ويجوز نصب « الحق » على المصدر. والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقال مجاهد: الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضا والضحاك والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذكر الوزن ضرب مثل؛ كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن. قال الزجاج: هذا سائغ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الذين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا. قال ابن فورك: وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلمين من يقول: إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك، وهو أنه روي ( أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه « لا إله إلا الله » فيثقل ) . فقد علم أن لك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال. وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ قال سمعته يقول: ( يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ) . فقوله: ( فيعطى صحيفة حسناته ) دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن.

وروى ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ) . زاد الترمذي ( فلا يثقل مع اسم الله شيء ) وقال: حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في « الكهف والأنبياء » إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: « فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون » جمع ميزان، وأصله موزان، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله. ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع؛ كما تقول: خرج فلان إلى مكة على البغال، وخرج إلى البصرة في السفن. وفي التنزيل: « كذبت قوم نوح المرسلين » [ الشعراء: 105 ] . « كذبت عاد المرسلين » [ الشعراء: 123 ] . وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد بالموازين الأعمال الموزونة. « ومن خفت موازينه » مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان كفتان؛ فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته؛ فذلك قوله: « فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون » ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار. وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر. ورده ابن فورك وغيره. وفي الخبر ( إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صل الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي على قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ) . ذكره القشيري في تفسيره. وذكر أن البطاقة ( بكسر الباء ) رقعة فيها رقم المتاع بلغة. أهل مصر. وقال ابن ماجة: قال محمد بن يحيى: البطاقة الرقعة، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، يقول الله تعالى: ( يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض ) . قال: وليس ثم ذهب ولا فضة؛ فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم؛ فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وأنظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ) .

 

الآية: 10 ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون )

 

أي جعلناها لكم قرارا ومهادا، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. والمعايش مع معيشة، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة. وقال الزجاج: المعيشة ما يتوصل به إلى العيش. ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة. وقرأ الأعرج: « معائش » بالهمز. وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز؛ لأن الواحدة معيشة، أصلها معيشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو مناور ومناور، ومقام ومقاوم؛ كما قال الشاعر:

وإني لقوام مقاوم لم يكن جرير ولا مولى جرير يقومها

وكذا مصيبة ومصاوب. هذا الجيد، ولغة شاذة مصائب. قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة معتلة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة. وقيل: لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة؛ فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.

 

الآية: 11 ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين )

 

قوله تعالى: « ولقد خلقناكم ثم صورناكم » لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع. « ثم صورناكم » أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره. وقال الأخفش: « ثم » بمعنى الواو. وقيل: المعنى « ولقد خلقناكم » يعني آدم عليه السلام، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم؛ على التقديم والتأخير. وقيل: « ولقد خلقناكم » يعني آدم؛ ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. « ثم صورناكم » راجع إليه أيضا. كما يقال: نحن قتلناكم؛ أي قتلنا سيدكم. « ثم قلنا لملائكة اسجدوا لآدم » وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير؛ عن ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحواء؛ فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما؛ قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوي هذا « وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم » [ الأعراف: 172 ] . والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ) . وقيل: « ثم » للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صورناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس.

قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يعضده التنزيل؛ قال الله تعالى: « ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين » [ المؤمنون: 12 ] يعني آدم. وقال: « وخلق منها زوجها » [ النساء: 1 ] . ثم قال: « جعلناه » أي جعلنا نسله وذريته « نطفة في قرار مكين » [ المؤمنون: 13 ] الآية. فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدم في أول سورة « الأنعام » أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة؛ فتأمله. وقال هنا: « خلقناكم ثم صورناكم » وقال في آخر الحشر: « هو الله الخالق البارئ المصور » [ الحشر: 24 ] . فذكر التصوير بعد البرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: معنى « ولقد خلقناكم » أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا.

 

قوله تعالى: « إلا إبليس لم يكن من الساجدين » استثناء من غير الجنس. وقيل: من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا؛ كما سبق بيانه في « البقرة » .

 

الآية: 12 ( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )

 

قوله تعالى: « قال ما منعك » « ما » في موضع رفع بالابتداء؛ أي أي شيء منعك. وهذا سؤال توبيخ. « ألا تسجد » في موضع نصب، أي من أن تسجد. و « لا » زائدة. وفي ص « ما منعك أن تسجد » [ ص: 75 ] وقال الشاعر:

أبى جوده لا البخل فاستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود نائله

أراد أبى جوده البخل، فزاد « لا » . وقيل: ليست بزائدة؛ فان المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألا تسجد؟ أو من دعاك إلى ألا تسجد؟ كما تقول: قد قلت لك ألا تفعل كذا. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد. قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد؛ وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك. وكان أمره من قبل خلق آدم؛ يقول الله تعالى: « إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين » [ ص: 71، 72 ] . فكأنه دخله أمر عظيم من قوله « فقعوا له ساجدين » . فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له؛ فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا، وبقي هو قائما بين أظهرهم؛ فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره. فقال الله تعالى: « ما منعك ألا تسجد » أي ما منعك من الانقياد لأمري؛ فأخرج سر ضميره فقال: « أنا خير منه » .

 

قوله تعالى: « إذ أمرتك » يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة؛ لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة: « اسجدوا لآدم » وهذا بين.

 

قوله تعالى: « قال أنا خير منه » أي منعني من السجود فضلي عليه؛ فهذا من إبليس جواب على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطب: مالكها زيد. فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. « خلقتني من نار وخلقته من طين » فرأى أن النار أشرف من الطين؛ لعلوها وصعودها وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق. فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: أحدها: أن من جوهر الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر. وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية. ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار؛ فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء؛ قال القفال. الثاني: إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا. الثالث: أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه؛ وليس التراب سببا للعذاب. الرابع: أن الطين مستغن عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب.

قلت: ومحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور؛ كما جاء في صحيح الحديث. والنار تخويف وعذاب؛ كما قال تعالى: « ذلك يخوف الله به عباده » [ الزمر: 16 ] . وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وهو أول من قاس برأيه. والقياس في مخالفة النص مردود.

 

واختلف الناس في القياس إلى قائل به، وراد له؛ فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا، وهو الصحيح. وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا. وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا؛ ورده بعض أهل الظاهر. والأول الصحيح. قال البخاري في ( كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ) : المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ترجم على هذا ( باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل ) . وترجم بعد هذا ( باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها ) . وقال الطبري: الاجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكي: أجمعت الأمة على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة. وقال أبو بكر: أقيلوني بيعتي. فقال علي: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ فقاس الإمامة على الصلاة. وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله. وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى؛ فحده حد القاذف. وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه: الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، أعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى. الحديث بطوله ذكره الدارقطني. وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوباء، حين رجع عمر من سرغ: نفر من قدر الله؟ فقال عمر: نعم! نفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم قال له عمر: أرأيت... فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار، وحسبك. وأما الآثار وأي القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع إليه العلماء العاملون، فيستنبطون به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة، ولا يلتفت إلى من شذ عنها. وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة؛ لأن ذلك ظن ونزغ من الشيطان؛ قال الله تعالى: « ولا تقف ما ليس لك به علم » [ الإسراء: 36 ] . وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأصول.

 

الآية: 13 ( قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين )

 

قوله تعالى: « قال فاهبط منها » أي من السماء. « فما يكون لك أن تتكبر فيها » لأن أهلها الملائكة المتواضعون. « فاخرج إنك من الصاغرين » أي من الأذلين. ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. وقال أبو روق والبجلي: « فاهبط منها » أي من صورتك التي أنت فيها؛ لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه. وقيل: « فاهبط منها » أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار؛ كما يقال: هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها، فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها. والقول الأول أظهر. وقد تقدم في « البقرة » .

 

الآيتان: 14 - 15 ( قال أنظرني إلى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين )

 

سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده؛ فقال الله تعالى: « إنك من المنظرين » . قال ابن عباس والسدي وغيرها: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين؛ فأبى الله ذلك عليه. وقال: « إلى يوم يبعثون » ولم يتقدم من يبعث؛ لأن القصة في آدم وذريته، فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون.

 

الآيتان: 16 - 17 ( قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين )

 

قوله تعالى: « قال فبما أغويتني » الإغواء إيقاع الغي في القلب؛ أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل؛ بل هو كفر عناد واستكبار. قيل: معنى الكلام القسم، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك، أو في صراطك؛ فحذف. دليل على هذا القول قوله في ( ص ) : « فبعزتك لأغوينهم أجمعين » [ ص: 82 ] فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاما لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنى اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنى مع، والمعنى فمع إغوائك إياي. وقيل: هو استفهام، كأنه سأل بأي شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن يكون: فبم أغويتني؟. وقيل: المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء الإهلاك، قال الله تعالى: « فسوف يلقون غيا » [ مريم: 59 ] أي هلاكا. وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد؛ قال ابن عباس. وقيل: خيبتني من رحمتك؛ ومنه قول الشاعر:

ومن يغو لا يعدم عل الغي لائما

أي من يخب. وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحد معاني قوله تعالى: « وعصى آدم ربه فغوى » [ طه: 121 ] أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه.

 

مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر؛ ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليس، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالى الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم، وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه: « ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون » [ هود: 34 ] وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهما بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار؛ فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه! فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: رب بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أغوي نفسي.

 

قوله تعالى: « لأقعدن لهم صراطك المستقيم » أي بالصد عنه، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يخيبوا كما خيب؛ حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في « أغويتني » . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة. و « صراطك » منصوب على حذف « على » أو « في » من قوله: « صراطك المستقيم » ؛ كما حكى سيبويه « ضرب زيد الظهر والبطن » . وأنشد:

لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب

ومن أحسن ما قيل في تأويل « ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم » أي لأصدنهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال: « ولأضلنهم » [ النساء: 119 ] حسب ما تقدم. وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة: « من بين أيديهم » من دنياهم. « ومن خلفهم » من آخرتهم. « وعن أيمانهم » يعني حسناتهم. « وعن شمائلهم » يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن وشرحه: أن معنى « ثم لآتينهم من بين أيديهم » من دنياهم، حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة « ومن خلفهم » من آخرتهم حتى يكذبوا بها. « وعن أيمانهم » من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: « إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين » [ الصافات: 28 ] « وعن شمائلهم » يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات؛ لأنه يزينها لهم. « ولا تجد أكثرهم شاكرين » أي موحدين طائعين مظهرين الشكر.

 

الآية: 18 ( قال اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين )

 

قوله تعالى: « قال اخرج منها » أي من الجنة. « مذؤوما مدحورا » . « مذؤوما » أي مذموما. والذأم: العيب، بتخفيف الميم. قال ابن زيد: مذؤوما ومذموما سواء؛ يقال: ذأمته وذممته وذمته بمعنى واحد. وقرأ الأعمش « مذوما » . والمعنى واحد؛ إلا أنه خفف الهمزة. وقال مجاهد: المذؤوم المنفي. والمعنيان متقاربان. والمدحور: المبعد المطرود؛ عن مجاهد وغيره. وأصله الدفع. « لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين » اللام لام القسم، والجواب « لأملأن جهنم » . وقيل: « لمن تبعك » لام توكيد. « لأملأن » لام قسم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولى، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنى الشرط والمجازاة؛ أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز؛ إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عياش « لمن تبعك منهم » بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره - والله أعلم - من أجل من تبعك. كما يقال: أكرمت فلانا لك. وقد يكون المعنى: الدحر لمن تبعك. ومعنى « منكم أجمعين » أي منكم ومن بني آدم؛ لأن ذكرهم قد جرى إذ قال: « ولقد خلقناكم » [ الأعراف: 11 ] . خاطب ولد آدم.

 

الآية: 19 ( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )

 

قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء: اسكن أنت وحواء الجنة. وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان، فأغنى عن إعادته. وقد تقدم معنى « ولا تقربا هذه الشجرة » [ البقرة: 35 ] هناك. والحمد لله.

 

الآية: 20 ( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )

 

قوله تعالى: « فوسوس لهما الشيطان » أي إليهما. قيل: داخل الجنة بإدخال الحية إياه وقيل: من خارج، بالسلطنة التي جعلت له. والوسوسة: الصوت الخفي. والوسوسة: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا ( بكسر الواو ) . والوسواس ( بالفتح ) : اسم، مثل الزلزال. ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلى: وسواس. قال الأعشى:

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل

والوسواس: اسم الشيطان؛ قال الله تعالى: « من شر الوسواس الخناس » [ الناس: 4 ] . « ليبدي لهما » أي ليظهر لهما. واللام لام العاقبة؛ كما قال: « ليكون لهم عدوا وحزنا » [ القصص: 8 ] . وقيل: لام كي. « ما ووري عنهما » أي ستر وغطي عنهما. ويجوز في غير القرآن أوري، مثل أقتت و « من سوآتهما » من عوراتهما وسمي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه. ودل هذا على قبح كشفها فقيل: إنما بدت سوآتهما لهما لا لغيرهما؛ كان عليهما نور لا ترى عوراتهما فزال النور. وقيل: ثوب؛ فتهافت، والله أعلم. « إلا أن تكونا ملكين » « أن » في موضع نصب، بمعنى إلا، كراهية أن؛ فحذف المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون يقولون: لئلا تكونا. وقيل: أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر. وقيل: طمع آدم في الخلود؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة. قال النحاس: وبين الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن؛ فمنها هذا، وهو « إلا أن تكونا ملكين » . ومنه « ولا أقول إني ملك » [ هود: 31 ] . ومنه « ولا الملائكة المقربون » [ النساء: 172 ] . وقال الحسن: فضل الله الملائكة بالصور. والأجنحة والكرامة. وقال غيره: فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية؛ فلهذا يقع التفضيل في كل شيء. وقال ابن فورك. لا حجة في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في طعام. واختيار ابن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة؛ وقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم، غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت؛ لأنهم من جملة رسل الله. وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة، والفضل بيد الله. وقرأ ابن عباس « ملكين » بكسر اللام، وهي قراءة يحيى بن أبي كثير والضحاك. وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال: لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملك فيصيرا ملكين. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام، ولا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة. قال ابن عباس: أتاهما الملعون من جهة الملك؛ ولهذا قال: « هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى » [ طه: 120 ] . وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله: « وملك لا يبلى » حجة بينة، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: « إلا أن تكون مَلِكين » قراءة شاذة. وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام، وجعل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة؛ وهو غاية الطالبين. وإنما معنى « وملك لا يبلى » المقام في ملك الجنة، والخلود فيه.

 

الآية: 21 ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين )

 

قوله تعالى: « وقاسمهما » أي حلف لهما. يقال: أقسم إقساما؛ أي حلف. قال الشاعر:

وقاسمها بالله جهدا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها

وجاء « فاعلت » من واحد. وهو يرد على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين. وقد تقدم في « المائدة » . « إني لكما لمن الناصحين » ليس « لكما » داخلا في الصلة. والتقدير: إني ناصح لكما لمن الناصحين؛ قاله هشام النحوي. وقد تقدم مثله في « البقرة » . ومعنى الكلام: اتبعاني أرشدكما؛ ذكره قتادة.

الآية [ 22 ] في الصفحة التالية ...

 

الآيات: 22 - 24 ( فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين )

 

قوله تعالى: « فدلاهما بغرور » أوقعهما في الهلاك. قال ابن عباس: غرهما باليمين. وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا، فغررهما بوسوسته وقسمه لهما. وقال قتادة: حلف بالله لهما حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن بالله. كان بعض العلماء يقول: من خادعنا بالله خدعنا. وفي الحديث عنه صلى: ( المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم ) . وأنشد نفطويه:

إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجربا لا يخدع

« فدلاهما » يقال: أدلى دلوه: أرسلها. ودلاها: أخرجها. وقيل: « دلاهما » أي دللهما؛ من الدالة وهي الجرأة. أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة.

 

قوله تعالى: « فلما ذاقا الشجرة » أي أكلا منها. « بدت لهما سوآتهما » أكلت حواء أولا فلم يصبها شيء؛ فلما أكل آدم حلت العقوبة؛ لأن النهي ورد عليهما كما تقدم في « البقرة » . قال ابن عباس: تقلص النور الذي كان لباسهما فصار أظفارا في الأيدي والأرجل.

 

قوله تعالى: « وطفقا » ويجوز إسكان الفاء. وحكى الأخفش طفق يطفق؛ مثل ضرب يضرب. يقال: طفق، أي أخذ في الفعل. « يخصفان » وقرأ الحسن بكسر الخاء وشد الصاد. والأصل « يختصفان » فأدغم، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح الخاء، ألقيا حركة التاء عليها. ويجوز « يخصفان » بضم الياء، من خصف يخصف. وقرأ الزهري « يخصفان » من أخصف. وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنى: يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به، ومنه خصف النعل. والخصاف الذي يرقعها. والمخصف المثقب. قال ابن عباس: هو ورق التين. ويروى أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يسل منها ورقة يغطي بها عورته؛ فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة. « فطفقا » يعني آدم وحواء « يخصفان عليهما من ورق الجنة » فكافأ الله التين بأن سوى ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين.

 

وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة؛ كما قيل لهما: « ولا تقربا هذه الشجرة » . وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها؛ كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم.

 

قوله تعالى: « وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين » أي قال لهما: ألم أنهكما. قالا ربنا نداء مضاف. والأصل يا ربنا. وقيل. إن في حذف « يا » معنى التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا صلى الله عليهما وسلم وقد مضى في « البقرة » . ومعنى قوله: « قلنا اهبطوا » تقدم أيضا إلى آخر الآية.

 

الآية: 25 ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون )

 

الضمائر كلها للأرض. ولم يذكر الواو في « قال » ، ولو ذكرها لجاز أيضا. وهو كقولك: قال زيد لعمرو كذا قال له كذا.

 

الآية: 26 ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون )

 

قوله تعالى: « يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا » قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة؛ لأنه قال: « يواري سوآتكم » . وقال قوم إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام فقط.

قلت: القول الأول أصح. ومن جملة الإنعام ستر العورة؛ فبين أنه سبحانه وتعالى جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل على الأمر بالستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعين الناس. واختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ابن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عبلة والطبري؛ لقوله تعالى: « لباسا يواري سوآتكم » ، « بدت لهما سوآتهما » [ الأعراف: 22 ] ، « ليريهما سوآتهما » [ الأعراف: 27 ] . وفي البخاري عن أنس: « فأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر - وفيه - ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم » . وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعي: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعي في السرة قولين. وحجة مالك قوله عليه السلام لجرهد: ( غط فخذك فإن الفخذ عورة ) . خرجه البخاري تعليقا وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط حتى يخرج من اختلافهم. وحديث جرهد هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. وروي أن أبا هريرة قبل سرة الحسن بن علي وقال: أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ما قبلها أبو هريرة، ولا مكنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين.. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها ) . ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أم الولد فقال الأثرم: سمعته - يعني أحمد بن حنبل - يسأل عن أم الولد كيف تصلي؟ فقال: تغطي رأسها وقدميها؛ لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة. وأما الأمة فالعورة منها ما تحت ثديها، ولها أن تبدي رأسها ومعصميها. وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا تشبهن بالحرائر. وقال أصبغ: إن انكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن أقوال الفقهاء؛ لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولى، وأم الولد أغلظ حالا من الأمة. والصبي الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت الجارية إلى حد تأخذها العين وتشتهى سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبدالرحمن قوله تعالى: « يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن » [ الأحزاب: 59 ] . وحديث أم سلمة أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها. وقد روي مرفوعا. والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ؛ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: عبدالرحمن هذا ضعيف عندهم؛ إلا أنه قد خرج البخاري بعض حديثه. والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر.

قوله تعالى: « أنزلنا عليكم لباسا » يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان، ويقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبار والأشعار؛ فهو مجاز مثل « وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج » [ الزمر: 6 ] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحواء، ليكون مثالا لغيره. وقال سعيد بن جبير: « أنزلنا عليكم » أي خلقنا لكم؛ كقوله: « وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أواج » أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية صنعته.

قرأ أبو عبدالرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضل الضبي، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجعفي « ورياشا » . ولم يحكه أبو عبيد إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. وهو جمع ريش. وهو ما كان من المال واللباس. وقال الفراء: ريش ورياش، كما يقال: لبس ولباس. وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخصب ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه:

فريشي منكم وهواي معكم وإن كانت زياتكم لماماوحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهت له دابة بريشها؛ أي بكسوتها وما عليها من اللباس.

 

قوله تعالى: « ولباس التقوى ذلك خير » بين أن التقوى خير لباس؛ كما قال:

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عيانا وإن كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا

وروى قاسم بن مالك عن عوف عن معبدالجهني قال: « لباس التقوى » الحياء. وقال ابن عباس: « لباس التقوى » هو العمل الصالح. وعنه أيضا: السمت الحسن في الوجه. وقيل: ما علمه عز وجل وهدى به. وقيل: « لباس التقوى » لبس الصوف والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله تعالى ويتعبد له خير من غيره. وقال زيد بن علي: « لباس التقوى » الدرع والمغفر؛ والساعدان، والساقان، يتقى بهما في الحرب. وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوى الله تعالى فيما أمر به ونهى عنه.

قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ابن عباس وعروة. وقول زيد بن علي حسن، فإنه خض على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وهذا فيه تكرار، إذ قال أولا: « قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم » . ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدعوى؛ فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبينا إن شاء الله تعالى. وقرأ أهل المدينة والكسائي « لباس » بالنصب عطفا على « لباسا » الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر؛ أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع على الابتداء. و « ذلك » نعته و « خير » خبر الابتداء. والمعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لباس الثياب التي تواري سوآتكم، ومن الرياش الذي أنزلنا إليكم؛ فألبسوه. وقيل: ارتفع بإضمار هو؛ أي وهو لباس التقوى؛ أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ابن زيد. وقيل: المعنى ولباس التقوى هو خير؛ « فذلك » بمعنى هو. والإعراب الأول أحسن ما قيل فيه. وقرأ الأعمش « ولباس التقوى خير » ولم يقرأ « ذلك » . وهو خلاف المصحف. « ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون » أي مما يدل على أن له خالقا. و « ذلك » رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان.

 

الآية: 27 ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون )

 

قوله تعالى: « لا يفتننكم » أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين؛ كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. « أب » للمذكر، و « أبة » للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان « ينزع عنهما لباسهما » في موضع نصب على الحال. ويكون مستأنفا فيوقف على « من الجنة » . « ليريهما » نصب بلام كي. وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة؛ لقوله: « ينزع عنهما لباسهما » . قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة؛ كما نزل بآدم. هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك.

 

قوله تعالى: « إنه يراكم هو وقبيله » « قبيله » جنوده. قال مجاهد: يعني الجن والشياطين. ابن زيد: « قبيله » نسله. وقيل: جيله. « من حيث لا ترونهم » قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجن لا يرون؛ لقوله « من حيث لا ترونهم » قيل: جائز أن يروا؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى. قال النحاس: « من حيث لا ترونهم » يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي؛ ليكون ذلك دلالة على نبوته؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القشيري: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم. وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقال تعالى: « الذي يوسوس في صدور الناس » [ الناس: 5 ] . وقال عليه السلام: ( إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ) . وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة طويلة، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( ما فعل أسيرك البارحة ) . وقد تقدم في البقرة. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لو لا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ) - في العفريت الذي تفلت عليه. وسيأتي في « ص » إن شاء الله تعالى. « إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون » أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق.

 

الآية: 28 ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون )

 

الفاحشة هنا في قول كثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة. وقال الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها. وقال الحسن: « والله أمرنا بها » قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. « قل إن الله لا يأمر بالفحشاء » بين أنهم متحكمون، ولا دليل لهم على أن الله أمرهم بما ادعوا. وقد مضى ذم التقليد وذم كثير من جهالاتهم. وهذا منها.

 

الآية: 29 ( قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون )

 

قوله تعالى: « قل أمر ربي بالقسط » قال ابن عباس: لا إله إلا الله. وقيل: القسط العدل؛ أي أمر: العدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. « وأقيموا وجوهكم » أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. « عند كل مسجد » أي في أي مسجد كنتم. « وادعوه مخلصين له الدين » أي وحدوه ولا تشركوا به. « كما بدأكم تعودون » نظيره « ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة » [ الأنعام: 94 ] وقد تقدم. والكاف في موضع نصب؛ أي تعودون كما بدأكم؛ أي كما خلقكم أول مرة يعيدكم. وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون.

 

الآية: 30 ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )

 

قوله تعالى: « فريقا هدى » « فريقا » نصب على الحال من المضمر في « تعودون » أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوي هذا قراءة أبي « تعودون فريقين فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة » ؛ عن الكسائي. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى « فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة » قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهدى. ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمل بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه. قال: « وكان من الكافرين » [ البقرة: 34 ] وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم. وقيل: « فريقا » نصب بـ « هدى » ، « وفريقا » الثاني نصب بإضمار فعل؛ أي وأضل فريقا. وأنشد سيبويه:

أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا

والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا

قال الفراء: ولو كان مرفوعا لجاز. « إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله » وقرأ عيسى بن عمر: « أنهم » بفتح الهمزة، يعني لأنهم.

 

الآية: 31 ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين )

 

قوله تعالى: « يا بني آدم » هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانا؛ فإنه عام في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعموم لا! للسبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة. وهذا قول من خفي عليه مقاصد الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يعيرني تِطوافا؟ تجعله على فرجها. وتقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

فنزلت هذه الآية: « خذوا زينتكم عند كل مسجد » . التطواف ( بكسر التاء ) . وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط؛ قاله القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبا ولا يسار يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى؛ قال قائل من العرب:

كفى حزنا كري عليه كأنه لقى بين أيدي الطائفين حريم

فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى: « يا بني آدم خذوا زينتكم » الآية. وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يطوف بالبيت عريان. قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال؛ لما رواه كرز بن وبرة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: ( خذوا زينة الصلاة ) قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: ( البسوا نعالكم فصلوا فيها ) .

 

دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهري هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح؛ لقوله عليه السلام للمسور بن مخرمة: ( أرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة ) . أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سنن الصلاة، واحتج بأنه لو كان فرضا في الصلاة لكان العريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ابن العربي: وإذا قلنا إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه فغطاه أجزأه؛ قاله ابن القاسم. وقال سحنون: وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد. وروي عن سحنون أيضا: أنه يعيد ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة. أصله الطهارة. قال القاضي ابن العربي: أما من قال، إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطا، وأما من قال إن أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخاري والنسائي عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قال: ( ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن ) . قال: فدعوني فعلموني الركوع والسجود؛ فكنت أصلي بهم وكانت علي بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تغطي عنا إست ابنك. لفظ النسائي. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال الصبيان؛ فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود.

 

واختلفوا إذا رأى عورة نفسه؛ فقال الشافعي: إذا كان الثوب ضيقا يزره أو يخلله بشيء لئلا يتجافى القميص فترى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالم يصلي محلول الأزرار. وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأثرم عن أحمد. فإن كان إماما فلا يصلي إلا بردائه؛ لأنه من الزينة. وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين؛ رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح. وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. وقال عمر رضي الله عنه: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلى في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء - وأحسبه قال: في تبان وقميص - في تبان ورداء، في تبان وقباء. رواه البخاري والدارقطني.

 

قوله تعالى: « وكلوا واشربوا ولا تسرفوا » قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا. وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة؛ منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بيانا شافيا يغني عن كلام الأطباء فقال: ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) . خرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب. قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: « وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا » . فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال علي: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: ( المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته ) . فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا.

قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصف دواء ونصف حمية: فإن اجمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصح. وإلا فالحمية به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية. ولقد تنفع الحمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أصل كل دواء الحمية ) . والمعني بها - والله أعلم - أنها تغني عن كل دواء؛ ولذلك يقال: إن الهند جل معالجتهم الحمية، يمتنع المريض عن الأكل والشراب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح.

 

روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعىً واحد ) . وهذا منه صلى الله عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم:

تكفيه فلذة كبد إن ألم بها من الشواء ويروي شربه الغمر

وقالت أم زرع في ابن أبي زرع: ويشبعه ذراع الجفرة. وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل:

فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقال الخطاب: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن يأكل في معى واحد ) أنه يتناول دون شبعه، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره؛ فيقنعه ما أكل. والتأويل الأول أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام: ( والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) ليس على عمومه؛ لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن، ويسلم الكافر فلا يقل أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى معين. ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف كافر يقال: إنه الجهجاه الغفاري. وقيل: ثمامة بن أثال. وقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. فشرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فكأنه قال: هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوي على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط. واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقبل: حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم: يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما. وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معى واحد؛ فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثال. والمعى في هذا الحديث هو المعدة.

وإذا تقرر هذا فاعلم أنه يستحب للإنسان غسل اليد قبل الطعام وبعده؛ لقوله عليه السلام: ( الوضوء قبل الطعام وبعده بركة ) . وكذا في التوراة. رواه زاذان عن سلمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء بالحديث أولى. ولا يأكل طعاما حتى يعرف أحارا هو أم باردا؟ فإنه إن كان حارا فقد يتأذى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أبردوا بالطعام فإن الحار غير ذي بركة ) حديث صحيح. ولا يشمه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يعد شرها. ويسمي الله تعالى في أوله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل؛ لأن في رفع الصوت منعا لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة « هود » إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضا آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشمال ويشرب بشماله ) .

 

قوله تعالى: « ولا تسرفوا » أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبط الإنسان عن خدمة ربه، والأخذ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام الواجب عليه حرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أكلت ثريدا بلحم سمين، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشأ؛ فقال: ( اكفف عليك من جشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ) . فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدى لا يتعشى، وإذا تعشى لا يتغدى. قلت: وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام: ( المؤمن يأكل في معى واحد ) أي التام الإيمان؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده؛ فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم. وقال ابن زيد: معنى « ولا تسرفوا » لا تأكلوا حراما. وقيل: ( من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ) . رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، خرجه ابن ماجة في سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سمرة بن جندب عن ابنه ما فعل؟ قالوا: بشم البارحة. قال: بشم! فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: « خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم.»

 

الآية: 32 ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون )

 

قوله تعالى: « قل من حرم زينة الله » بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. والزينة هنا الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب؛ كما روي عن عمر: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدم. وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين ويقول: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق » .

وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا. وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة ) . فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء. وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب. ويقول: « ولباس التقوى ذلك خير » [ الأعراف: 26 ] هيهات! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى. قال خالد بن شوذب: شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل. ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن يسار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي. وقال رجل للشبلي: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقعات والفوط، فأنشأ يقول:

أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائه

قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله: وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه: أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. والثاني: أنه يتضمن ادعاء الفقر، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم الله عليه. والثالث: إظهار التزهد؛ وقد أمرنا بستره. والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال الطبري: ولقد أخطأ من أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله. ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض شهوة النساء. وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا. وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس؛ وكل ذلك مكروه منهي عنه. فإن قال قائل: تجويد اللباس هوى النفس وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يذم، وليس كل ما يتزين به للناس يكره، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين. فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا. وذلك حظ للنفس لا يلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يذم. وقد روى مكحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء؛ فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: ( نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) . فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال: ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا مندل عن ثور عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدهن والسواك والكحل. وعن ابن جريج: مشط عاج يمتشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا سفيان عن ربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرح لحيته بالماء. أخبرنا يزيد بن هارون حدثنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثا في كل عين.

 

قوله تعالى: « والطيبات من الرزق » الطيبات اسم عام لما طاب كسبا وطعما. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. وقيل: هي كل مستلذ من الطعام. وقد اختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات؛ فقال قوم: ليس ذلك من القربات، والفعل والترك يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قربة في ذاته، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا، وقصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها؛ وذلك مندوب إليه، والمندوب قربة. وقال آخرون: ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا صلاء وصلائق وصنابا، ولكني سمعت الله تعالى يذم أقواما فقال: « أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا » [ الأحقاف: 20 ] . ويروى « صرائق » بالراء، وهما جميعا الجرادق. والصلائق ( باللام ) : ما يلصق من اللحوم والبقول. والصلاء ( بكسر الصاد والمد ) : الشواء: والصناب: الخردل بالزبيب. وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكلفة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل؛ فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه امتنع من طعام لأجل طيبه قط، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب، وإنما يكره التكلف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. والله تعالى أعلم.

قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات؛ واحتج بقول عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضرواة الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر إلى عمال: إياكم والتنعم وزي أهل العجم، واخشوشنوا. ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيء أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه. وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه. قال الله تعالى: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق » . وقال عليه السلام: ( سيد آدام الدنيا والآخرة اللحم ) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطبيخ بالرطب ويقول: ( يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا ) . والطبيخ لغة في البِطيخ، وهو من المقلوب. وقد مضى في « المائدة » الرد على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية ترد عليه وغيرها: والحمد لله.

 

قوله تعالى: « قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا » يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له؛ فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه. وفي صحيح الحديث ( لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم وير زقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد ) . وتم الكلام على « الحياة الدنيا » . ثم قال « خالصة » بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. « خالصة يوم القيامة » أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصة يوم القيامة. فخالصة مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصة يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: « في الحياة الدنيا » متعلق بـ « آمنوا » . وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تم دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على « الدنيا » ؛ لأن ما بعده متعلق بقول « للذين آمنوا » حال منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو علي. وخبر الابتداء « للذين آمنوا » . والعالم في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: « للذين » واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف. « كذلك نفصل الآيات » أي كالذي فصلت لكم الحلال والحرام أفصل لكم ما تحتاجون إليه.

 

الآية: 33 ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )

 

قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن. وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: « ما ظهر منها » نكاح الأمهات في الجاهلية. « وما بطن » الزنى. وقال قتادة: سرها وعلانيتها. وهذا فيه نظر؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش. بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم. « والإثم » قال الحسن: الخمر. قال الشاعر:

شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول

وقال آخر:

نشرب الإثم بالصواع جهارا وترى المسك بيننا مستعارا

« والبغي » الظلم وتجاوز الحد فيه. وقد تقدم. وقال ثعلب: البغي أن يقع ا? إني وجدت الأمر أرشده تقوى الإله وشره الإثم

قلت: وأنكره ابن العربي أيضا وقال: « ولا حجة في البيت؛ لأنه لو قال: شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك، ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك، الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني » . قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. وقال الجوهري في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد:

شربت الإثم...... البيت

وأنشده الهروي في غريبيه، على أن الخمر الإثم. فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة، فلا تناقض. والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد.

 

الآية: 34 ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )

 

قوله تعالى: « ولكل أمة أجل » أي وقت مؤقت. « فإذا جاء أجلهم » أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل. وقرأ ابن سيرين « جاء آجالهم » بالجمع « لا يستأخرون » عنه ساعة ولا أقل من ساعة؛ إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان. « ولا يستقدمون » فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله. وأجل الموت هو وقت الموت؛ كما أن أجل الدين هو وقت حلوله. وكل شيء وقت به شيء فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحي فيه لا محالة. وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدورا تأخيره. وقال كثير من المعتزلة إلا من شذ منهم: إن المقتول مات بغير أجله الذي ضرب له، وإنه لو لم يقتل لحيي. وهذا غلط، لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له. فإن قيل: فإن مات بأجله فلم تقتلون ضاربه وتقتصون منه؟. قيل له: نقتله لتعديه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله. ولو ترك الناس والتعدي من غير قصاص لأدى ذلك إلى الفساد ودمار العباد. وهذا واضح.

 

الآيتان: 35 - 36 ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )

 

قوله تعالى: « يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم » شرط. ودخلت النون توكيدا لدخول « ما » . وقيل: ما صلة، أي إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب. والقصص اتباع الحديث بعضه بعضا. « آياتي » أي فرائضي وأحكامي.

 

قوله تعالى: « فمن اتقى وأصلح » شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأول. أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. « فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون » دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع. وقيل: قد يلحقهم أهوال يوم القيامة، ولكن مآلهم الأمن. وقيل: جواب « إما يأتينكم » ما دل عليه الكلام، أي فأطيعوهم « فمن اتقى وأصلح » والقول الأول قول الزجاج.

 

الآية: 37 ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين )

 

قوله تعالى: « فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته » المعنى أي ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: « أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب » أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل؛ عن ابن زيد. ابن جبير: من شقاء وسعادة. ابن عباس: من خير وشر. الحسن وأبو صالح: من العذاب بقدر كفرهم. واختيار الطبري أن يكون المعنى: ما كتب لهم، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل؛ على ما تقدم عن ابن زيد وابن عباس وابن جبير. « حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم » يعني رسل ملك الموت. وقيل: « الكتاب » هنا القرآن؛ لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل: « الكتاب » اللوح المحفوظ. ذكر الحسن بن علي الحلواني قال: أملى علي علي بن المديني قال: سألت عبدالرحمن بن مهدي عن القدر فقال لي: كل شيء بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفرية من قال: إن المعاصي ليست بقدر. قال علي وقال لي عبدالرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء. ثم عرضت كلام عبدالرحمن بن مهدي على يحيى بن سعيد فقال: لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير. وروى يحيى بن معين حدثنا مروان الفزاي حدثنا إسماعيل بن سميع عن بكير الطويل عن مجاهد عن ابن عباس « أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب » قال: قوم يعملون أعمالا لا بد لهم من أن يعملوها. و « حتى » ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم. قال الخليل وسيبويه: حتى وإما وألا لا يملن لأنهن حروف ففرق بينها وبين الأسماء نحو حبلى وسكرى. قال الزجاج: تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى، ولو كتبت ألا بالياء لأشبهت إلى. ولم تكتب إما بالياء لأنها « إن » ضمت إليها ما. « قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله » سؤال توبيخ. ومعنى « تدعون » تعبدون. « قالوا ضلوا عنا » أي بطلوا وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. « وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين » أي أقروا بالكفر على أنفسهم.

 

الآيتان: 38 - 39 ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون، وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون )

 

قوله تعالى: « قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار » أي مع أمم؛ فـ « في » بمعنى مع. وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم، أي مع القوم. وقيل: هي على بابها، أي ادخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عز وجل، أي قال الله ادخلوا. وقيل: هو مالك خازن النار. « كلما دخلت أمة لعنت أختها » أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في، الدين والملة. « حتى إذا اداركوا فيها جميعا » أي اجتمعوا. وقرأ الأعمش « تداركوا » وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل. وحكاها المهدوي عن ابن مسعود. النحاس: وقرأ ابن مسعود « حتى إذا أدركوا » أي أدرك بعضهم بعضا. وعصمة عن أبي عمرو « حتى إذا اداركوا » بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين. وحكى: هذان عبدا الله. وله ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضا: « إذا اداركوا » بقطع ألف الوصل؛ فكأنه سكت على « إذا » للتذكر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل؛ كالمبتدئ بها. وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله:

يا نفس صبرا كل حي لاقي وكل اثنين إلى افتراق

وعن مجاهد وحميد بن قيس « حتى إذ ادركوا » بحذف ألف « إذا » لالتقاء الساكنين، وحذف الألف التي بعد الدال. « جميعا » نصب على الحال. « قالت أخراهم لأولاهم » أي آخرهم دخولا وهم الأتباع لأولاهم وهم القادة. « ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار » فاللام في « لأولاهم » لام أجل؛ لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا. والضعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات. وعن ابن مسعود أن الضعف ههنا الأفاعي والحيات. ونظير هذه الآية « ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا » [ الأحزاب: 68 ] . وهناك يأتي ذكر الضعف بأبشع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام، إن شاء الله تعالى. « قال لكل ضعف » أي للتابع والمتبوع. « ولكن لا تعلمون » على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى « ولكن لا تعلمون » بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يأهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب. « وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل » أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفا من العذاب « فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون » .

 

الآية: 40 - 41 ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين، لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين )

 

قوله تعالى: « إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء » أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) . منها حديث البراء بن عازب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تفتح لهم أبواب السماء » الآية. وقيل: لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا؛ قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة؛ لأن الجنة في السماء. ودل على ذلك قوله: « ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط » والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة. وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم. وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزة والكسائي: « لا تفتح » بالياء مضمومة على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة؛ كما قال: « مفتحة لهم الأبواب » [ ص: 50 ] فأنث. ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل. والجمل من الإبل. قال الفراء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبدالله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة؛ كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا. والجمع جمال وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يسمى جملا إذا أربع. وفي قراءة عبدالله: « حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط » . ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبدالله...؛ فذكره. وقرأ ابن عباس « الجمل » بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة؛ قاله أحمد بن يحيى ثعلب. وقيل: الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير: « الجمل » بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروي عنه أيضا « الجمل » بضمتين جمع جمل؛ كأسد وأسد، والجمل مثل أسد وأسد. وعن أبي السمال « الجمل » بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف « جمل » . وسم الخياط: ثقب الإبرة؛ عن ابن عباس وغيره. وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسماه وجمعه سموم. وجمع السم القاتل سمام. وقرأ ابن سيرين « في سُم » بضم السين. والخياط: ما يخاط به؛ يقال: خياط ومخيط؛ مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع. و « المهاد » الفراش. و « غواش » جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. « وكذلك نجزي الظالمين » يعني الكفار. والله أعلم.

 

الآية: 42 ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون )

 

قوله تعالى: « لا نكلف نفسا إلا وسعها » كلام معترض، أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، ومعنى « لا نكلف نفسا إلا وسعها » أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل؛ قال ابن الطيب. نظيره « لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها » [ الطلاق: 7 ] .

 

الآية: 43 ( ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون )

 

ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم. والنزع: الاستخراج. والغل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال. أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين ) . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: « ونزعنا ما في صدورهم من غل » . وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم. وقد قيل: إن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: « وسقاهم ربهم شرابا طهورا » [ الإنسان: 21 ] أي يطهر الأوضار من الصدور؛ على ما يأتي بيانه في سورة « الإنسان » و « الزمر » إن شاء الله تعالى. « وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا » أي لهذا الثواب؛ بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية. وهذا رد على القدرية. « وما كنا » قراءة ابن عامر بإسقاط الواو. والباقون بإثباتها. « لنهتدي » لام كي. « لولا أن هدانا الله » في موضع رفع. « ونودوا » أصله. نوديوا « أن » في موضع نصب مخففة من الثقيلة؛ أي بأنه « تلكم الجنة » وقد تكون تفسيرا لما نودوا به؛ لأن النداء قول؛ فلا يكون لها موضع. أي قيل لهم: « تلكم الجنة » لأنهم وعدوا بها في الدنيا؛ أي قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. وقيل: « تلكم » بمعنى هذه. ومعنى « أورثتموها بما كنتم تعملون » أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال: « ذلك الفضل من الله » [ النساء: 70 ] . وقال: « فسيدخلهم في رحمة منه وفضل » [ النساء: 175 ] . وفي صحيح مسلم: ( لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة ) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ( ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل ) . وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل؛ فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم يقال: يأهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون؛ فتقسم بين أهل الجنة منازلهم.

قلت: وفي صحيح مسلم: ( لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا ) . فهذا أيضا ميراث؛ نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته؛ فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته؛ إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقرئ « أورثتموها » من غير إدغام. وقرئ بإدغام التاء في الثاء.

 

الآية: 44 ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين )

 

قوله تعالى: « ونادى أصحاب الجنة » هذا سؤال تقريع وتعيير. « أن قد وجدنا » مثل « أن تلكم الجنة » أي أنه قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. « فأذن مؤذن بينهم » أي نادى وصوت؛ يعني من الملائكة. « بينهم » ظرف؛ كما تقول: أعلم وسطهم. وقرأ الأعمش والكسائي: « نعم » بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين. قال مكي: من قال « نعم » بكسر العين أراد أن يفرق بين « نعم » التي هي جواب وبين « نعم » التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار « نعم » بفتح العين في الجواب، وقال: قل نعم. ونعم ونعم، لغتان بمعنى العدة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك: أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك، فيقول بلى. فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. وبلى، لجواب الاستفهام الداخل على النفي؛ كما قال تعالى: « ألست بربكم قالوا بلى » [ الأعراف: 172 ] . وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي « أن لعنة الله » وهو الأصل. وقرأ الباقون بتخفيف « أن » ورفع اللعنة على الابتداء. فـ « أن » في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسرة كما تقوم. وحكي عن الأعمش أنه قرأ « إن لعنة الله » بكسر الهمزة؛ فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون « فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله » ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبدالملك فقال له: اتق الله واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى: « فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين » فصعق هشام. فقال طاوس: هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة.

 

الآية: 45 ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون )

 

قوله تعالى: « الذين يصدون عن سبيل الله » في موضع خفض لـ « ظالمين » على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني. أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام. فهو من الصد الذي هو المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون. وهذا من الصدود. « ويبغونها عوجا » يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها. وقد مضى هذا المعنى. « وهم بالآخرة كافرون » أي وكانوا بها كافرين، فحذف وهو كثير في الكلام.

 

الآية: 46 ( وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون )

 

قوله تعالى: « وبينهما حجاب » أي بين النار والجنة - لأنه جرى ذكرهما - حاجز؛ أي سور. وهو السور الذي ذكره الله في قوله: « فضرب بينهم بسور » [ الحديد: 13 ] . « وعلى الأعراف رجال » أي على أعراف السور؛ وهي شرفه. ومنه عرف الفرس وعرف الديك. روى عبدالله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشيء المشرف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المشرف؛ جمع عرف. قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس؛ فكتبه. وهذا الكلام خرج مخرج المدح؛ كما قال فيه: « رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله » [ النور: 37 ] وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال عبدالله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان ( في آخر الجزء الخامس عشر ) حديث عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار ] . قيل: يا وسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: ( أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون ) . وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء؛ ذكره المهدوي. وقال القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس؛ فإذا رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها. وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل: « وعلى الأعراف رجال » قال: الأعراف موضع عال على الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. واختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه؛ فهم على السور بين الجنة والنار. وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم. وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزنى؛ ذكره القشيري عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار؛ ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم؛ كما أوقع على الجن في قوله: « وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن » [ الجن: 6 ] . فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم؛ فيبشرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين. و « يعرفون كلا بسيماهم » أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء.

قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. ثم قيل: الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض. قال ابن عباس: الأعراف شرف الصراط. وقيل: هو جبل أحد يوضع هناك. قال ابن عطية: وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة ) . وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أحدا على ركن من أركان الجنة ) .

قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة ) .

 

قوله تعالى: « ونادوا أصحاب الجنة » أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة. « أن سلام عليكم » أي قالوا لهم سلام عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. « لم يدخلوها وهم يطمعون » أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعد. « وهم يطمعون » على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها. وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم؛ ذكره النحاس. وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف. والوقف على قوله: « سلام عليكم » . وعلى قوله: « لم يدخلوها » . ثم يبتدئ « وهم يطمعون » على معنى وهم يطمعون في دخولها. ويجوز أن يكون « وهم يطمعون » حالا، ويكون المعنى: لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها؛ فلا يوقف على « لم يدخلوها » .

 

الآية: 47 ( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين )

 

قوله تعالى: « وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار » أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة. ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين: تلقاء وتبيان. والباقي بالفتح؛ مثل تسيار وتهمام وتذكار. وأما الاسم بالكسر فيه فكثير؛ مثل تقصار وتمثال. « قالوا » أي قال أصحاب الأعراف. « ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين » سألوا الله ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم. فهذا على سبيل التذلل؛ كما يقول أهل الجنة: « ربنا أتمم لنا نورنا » [ التحريم: 8 ] ويقولون: الحمد لله. على سبيل الشكر لله عز وجل. ولهم في ذلك لذة.

 

الآيتان: 48 - 49 ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون، أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون )

 

قوله تعالى: « ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم » أي من أهل النار. « قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون » أي للدنيا واستكباركم عن الإيمان. « أهؤلاء الذين » إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء؛ كبلال وسلمان وخباب وغيرهم. « أقسمتم » في الدنيا. « لا ينالهم الله » في الآخرة. « برحمة » يوبخونهم بذلك. وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم « ادخلوا الجنة » . وقرأ عكرمة « دخلوا الجنة » بغير ألف والدال مفتوحة. وقرأ طلحة بن مصرف « أدخِلوا الجنة » بكسر الخاء على أنه فعل ماض.

ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء؛ فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار « وما كنتم تستكبرون » ويكون « أهؤلاء الذين » إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا. وروي عن ابن عباس، والأول عن الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف؛ فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف: « ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون »

 

الآية: 50 ( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين )

 

قوله تعالى: « ونادى » قيل: إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات في الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم، فيقولون: « أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله » فبين أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب. « قالوا إن الله حرمهما على الكافرين » يعني طعام الجنة وشرابها.

والإفاضة التوسعة؛ يقال: أفاض عليه نعمه.

 

في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة « أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله » ؟. وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: ( الماء ) . وفي رواية: فحفر بئرا فقال: ( هذه لأم سعد ) . وعن أنس قال قال سعد: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: ( نعم وعليك بالماء ) . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه. روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ) . قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: ( في كل ذات كبد رطبة أجر « . وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) . وفي حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها ) . خرجه ابن ماجة في السنن. »

 

وقد استدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: « إن الله حرمهما على الكافرين » لا حق لكم فيها. وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى: ( باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه ) وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض ) . قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛ لقوله عليه السلام: ( لأذودن رجالا عن حوضي ) .

 

الآية: 51 ( الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون )

 

قوله تعالى: « الذين » في موضع خفض نعت للكافرين. وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار. قيل: هو من قول أهل الجنة. « فاليوم ننساهم » أي نتركهم في النار. « كما نسوا لقاء يومهم هذا » أي تركوا العمل به وكذبوا به. و « ما » مصدرية، أي كنسيهم. « وما كانوا بآياتنا يجحدون » عطف عليه، أي وجحدهم.

 

الآية: 52 ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون )

 

قوله تعالى: « ولقد جئناهم بكتاب » يعني القرآن. « فصلناه » أي بيناه حتى يعرفه من تدبره. وقيل: « فصلناه » أنزلناه متفرقا. « على علم » منا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط. « هدى ورحمة » قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالا من الهاء التي في « فصلناه » . قال الزجاج: ويجوز هدى ورحمة، بمعنى هو هدى ورحمة. وقيل: يجوز هدى ورحمة بالخفض على البدل من كتاب. وقال الكسائي والفراء: ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب. قال الفراء: مثل « وهذا كتاب أنزلناه مبارك » [ الأنعام: 155 ] . « لقوم يؤمنون » خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به.

 

الآية: 53 ( هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون )

 

قوله تعالى: « هل ينظرون إلا تأويله » بالهمز، من آل. وأهل المدينة يخففون الهمزة. والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: « ينظرون » من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في « تأويله » ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: « تأويله » جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: « تأويله » عاقبته. والمعنى متقارب. « يوم يأتي تأويله » أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و « يوم » منصوب بـ « يقول » ، أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله. « قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء » استفهام فيه معنى التمني. « فيشفعوا » نصب لأنه جواب الاستفهام. « لنا أو نرد » قال الفراء: المعنى أو هل نرد « فنعمل غير الذي كنا نعمل » قال الزجاج: نرد عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نرد. وقرأ ابن إسحاق « أو نرد فنعمل » بالنصب فيهما. والمعنى إلا أن نرد؛ كما قال:

فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

وقرأ الحسن « أو نرد فنعمل » برفعهما جميعا. « قد خسروا أنفسهم » أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها. وقيل: خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. « وضل عنهم ما كانوا يفترون » أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر.

 

الآية: 54 ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين )

 

قوله تعالى: « إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام » بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد. وأصل « ستة » سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال؛ لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع أسداس، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادسا وسادتا وساتا؛ فمن قال: سادتا أيدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن لم يكن شمس فلا يوم؛ قال القشيري. وقال: ومعنى ( في ستة أيام ) أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة؛ لتفخيم خلق السماوات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أولها الأحد وآخرها الجمعة. وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شيء. وهذا عند من يقول: خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض. وحكمة أخرى - خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلا. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلا. وهذا كقول: « ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب. فاصبر على ما يقولون » [ ق: 38، 39 ] . بعد أن قال: « وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا » [ ق: 36 ] .

 

قوله تعالى: « ثم استوى على العرش » هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء. وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب ( الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ) وذكرنا فيههناك أربعة عشر قولا. والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: واستوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته؛ أي استقر. واستوى إلى السماء أي قصد. واستوى أي استولى وظهر. قال:

قد استوى بِشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

واستوى الرجل أي انتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبدالبر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: « الرحمن على العرش استوى » [ طه: 5 ] قال: علا. وقال الشاعر:

فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى

أي علا وارتفع.

قلت: فعلو الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه؛ لكنه العلي بالإطلاق سبحانه.

 

قوله تعالى: « على العرش » لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري وغيره: العرش سرير الملك. وفي التنزيل « نكروا لها عرشها » [ النمل: 41 ] ، « ورفع أبويه على العرش » [ يوسف: 100 ] . والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع. وعرش السماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العواء، يقال: إنها عجز الأسد. وعرش البئر: طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة؛ فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش. والعرش اسم لمكة. والعرش الملك والسلطان. يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه. قال زهير:

تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل

وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز. وهو قول حسن وفيه نظر، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله.

 

قوله تعالى: « يغشي الليل النهار » أي يجعله كالغشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل. فالليل للسكون، والنهار للمعاش. وقرئ « يغشى » بالتشديد؛ ومثله في « الرعد » . وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. وخفف الباقون. وهما لغتان أغشى وغشى. وقد أجمعوا على « فغشاها ما غشى » [ النجم: 54 ] مشددا. وأجمعوا على « فأغشيناهم » [ يس: 9 ] فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى التكرير والتكثير. والتغشية والإغشاء: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، مثل « سرابيل تقيكم الحر » [ النحل: 81 ] . « بيدك الخير » [ آل عمران: 26 ] . وقرأ حميد بن قيس « يغشي الليل النهار » ومعناه أن النهار يغشي الليل.

 

قوله تعالى: « يطلبه حثيثا » أي يطلبه دائما من غير فتور. و « يغشي الليل النهار » في موضع نصب على الحال. والتقدير: استوى على العرش مغشيا الليل النهار. وكذا « يطلبه حثيثا » حال من الليل؛ أي يغشي الليل النهار طالبا له. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال. « حثيثا » بدل من طالب المقدر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي يطلبه طلبا سريعا. والحث: الإعجال والسرعة. وولى حثيثا أي مسرعا. « والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره » قال الأخفش: هي معطوفة على السماوات؛ أي وخلق الشمس. وروي عن عبدالله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر.

 

قوله تعالى: « ألا له الخلق والأمر » صدق الله في خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. قال ابن عيينة: فرق بين الخلق والأمر؛ فمن جمع بينهما فقد كفر. فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: « كن » . « إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون » [ يس: 82 ] . وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. ويدل عليه قوله سبحانه. « ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره » [ الروم: 25 ] . « والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره » [ الأعراف: 54 ] . فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره؛ فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له. وذلك محال. فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق؛ ليصح قيام المخلوقات به. ويدل عليه أيضا قوله تعالى: « وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق » [ الحجر: 85 ] . وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله للمكونات: « كن » . فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه « ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين » [ الصافات: 171 ] . « إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون » [ الأنبياء: 101 ] . « ولكن حق القول مني » [ السجدة: 13 ] . وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم، وذلك يوجب الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الرد عليهم. ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم، مثل قوله تعالى: « ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث » [ الأنبياء: 2 ] الآية. ومثل قوله تعالى: « وكان أمر الله قدرا مقدورا » [ الأحزاب: 38 ] . و « مفعولا » [ المزمل: 18 ] وما كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى « ما يأتيهم من ذكر » أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد وتخويف « إلا استمعوه وهم يلعبون » ؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى: « فذكر إنما أنت مذكر » [ الغاشية: 21 ] . ويقال: فلان في مجلس الذكر. ومعنى « وكان أمر الله قدرا مقدورا » و « مفعولا » أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله. ومن ذلك قوله تعالى: « حتى إذا جاء أمرنا » [ هود: 40 ] وقال عز وجل: « وما أمر فرعون برشيد » [ هود: 97 ] يعني به شأنه وأفعال وطرائقه. قال الشاعر:

لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا

وإذا تقرر هذا فاعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول: « ويتخذ منكم شهداء » [ آل عمران: 140 ] . وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح نفيس في بابه، فتأمله.

 

قوله تعالى: « تبارك الله رب العالمين » « تبارك » تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع. يقال: بورك الشيء وبورك فيه؛ قال ابن عرفة. وقال الأزهري: « تبارك » تعالى وتعاظم وارتفع. وقيل: إن باسمه يتبرك ويتيمن. وقد مضى في الفاتحة معنى « رب العالمين » [ الفاتحة، 1 ] .

 

الآية: 55 ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين )

 

قوله تعالى: « ادعوا ربكم » هذا أمر بالدعاء وتعبد به. ثم قرن جل وعز بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع. ومعنى « خفية » أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء؛ وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبرا عنه: « إذ نادى ربه نداء خفيا » [ مريم: 3 ] . ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي ) . والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر. قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: « ادعوا ربكم تضرعا وخفية » . وذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: « إذ نادى ربه نداء خفيا » [ مريم: 3 ] . وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء « آمين » أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في « الفاتحة » . وروى مسلم عن أبي موسى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر - وفي رواية في غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير - وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية قال: لا إله إلا الله - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ) . الحديث.

 

واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء؛ فكرهه طائفة منهم جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. ورأى شريح رجلا رافعا يديه فقال: من تتناول بهما، لا أم لك! وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قطعها الله. واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة. ويقولون: ذلك الإخلاص. وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه. وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ذكره البخاري. قال أبو موسى الأشعري: دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه. ومثله عن أنس. وقال ابن عمر: رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) . وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادا يديه، فجعل يهتف بربه؛ وذكر الحديث. وروى الترمذي عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجة عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا أو قال خائبتين ) . احتج الأولون بما رواه مسلم عن عمارة بن رويبة ورأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا؛ وأشار بأصبعه المسبحة. وبما روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه. والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي عروبة؛ فإن سعيدا كان قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن مالك فقال فيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بدر.

قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا؛ فقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث. وقد قال تعالى: « ادعوا ربكم تضرعا وخفية » [ الأعراف: 55 ] . ولم يرد صفة من رفع دين وغيرها. وقال: « الذين يذكرون الله قياما وقعودا » [ آل عمران: 191 ] فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة.

 

قوله تعالى: « إنه لا يحب المعتدين » يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما إلى هذا هي الإشارة. والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء ) . أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة. حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبدالله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنة وعذبه من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء ) . والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم. ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال؛ ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة؛ فيتخير ألفاظا مفقرة وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء، كما تقدم بيانه في « البقرة » .

 

الآية: 56 ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين )

 

قوله تعالى: « ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها » أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر. فهو على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تعوروا الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا. وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض. وقال القشيري: المراد ولا تشركوا؛ فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل، وتقرير الشرائع ووضوح ملة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر.

قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عور ماء قليب بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في « هود » إن شاء الله تعالى.

 

قوله تعالى: « وادعوه خوفا وطمعا » أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى: « نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم » [ الحجر: 49،50 ] . فرجى وخوف. فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه؛ قال الله تعالى: « ويدعوننا رغبا ورهبا » [ الأنبياء: 90 ] . وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار. والطمع: توقع المحبوب؛ قال القشيري. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) . صحيح أخرجه مسلم.

 

قوله تعالى: « إن رحمة الله قريب من المحسنين » ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه: أولها أن الرحمة والرحم واحد، وهي بمعنى العفو والغفران؛ قاله الزجاج واختاره النحاس. وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير؛ كقوله: « فمن جاءه موعظة » [ البقرة: 275 ] . وهذا قريب من قول الزجاج؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: أراد بالرحمة الإحسان؛ ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره؛ ذكره الجوهري. وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر؛ قاله الأخفش. قال: ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث. وأنشد:

فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها

وقال أبو عبيدة: ذكر « قريب » على تذكير المكان، أي مكانا قريبا. قال علي بن سليمان: وهذا خطأ، ولو كان كما قال لكان « قريب » منصوبا في القرآن؛ كما تقول: إن زيدا قريبا منك. وقيل: ذكر على النسب؛ كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب؛ كما تقول: امرأة طالق وحائض. وقال الفراء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر مؤنث، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة قريبتي، أي ذات قرابتي؛ ذكره الجوهري. وذكره غيره عن الفراء: يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث؛ يقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب؛ قال الله تعالى: « وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا » [ الأحزاب: 63 ] . وقال من احتج له: كذا كلام العرب؛ كما قال امرؤ القيس:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا

قال الزجاج: وهذا خطأ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما.

 

الآية: 57 ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون )

 

قوله تعالى: « وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته » عطف على قوله: « يغشي الليل النهار » [ الرعد: 3 ] . ذكر شيئا آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلاهيته. ورياح جمع كثرة وأرواح جمع قلة. وأصل ريح روح. وقد خطئ من قال في جمع القلة أرياح. « بشرا » فيه سبع قراءات: قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو « نشرا » بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ذات نشر؛ فهو مثل شاهد وشهد. ويجوز أن يكون جمع نشور كرسول ورسل. يقال: ريح النشور إذا أتت من ههنا وهاهنا. والنشور بمعنى المنشور؛ كالركوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة. وقرأ الحسن وقتادة « نشرا » بضم النون وإسكان الشين مخففا من نشر؛ كما يقال: كتب ورسل. وقرأ الأعمش وحمزة « نشرا » بفتح النون وإسكان الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله؛ كأنه قال: وهو الذي ينشر الرياح نشرا. نشرت الشيء فانتشر، فكأنها كانت مطوية فنشرت عند الهبوب. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح؛ كأنه قال يرسل الرياح منشرة، أي محيية؛ من أنشر الله الميت فنشر، كما تقول أتانا ركضا، أي راكضا. وقد قيل: إن نشرا ( بالفتح ) من النشر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طيها ذلك فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى ينشرها ههنا وهاهنا. وقرأ عاصم: « بشرا » بالباء وإسكان الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله: « ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات » . وأصل الشين الضم، لكن سكنت تخفيفا كرسل ورسل. وروي عنه « بشرا » بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ « بشرا » و « بشر مصدر بشره يبشره بمعنى بشره » فهذه خمس قراءات. وقرأ محمد اليماني « بشرى » على وزن حبلى. وقراءة سابعة « بشرى » بضم الباء والشين.

 

قوله تعالى: « حتى إذا أقلت سحابا ثقالا » السحاب يذكر ويؤنث. وكذا كل جمع بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت الريح سحابا ثقالا بالماء، أي أثقلت بحمله. يقال: أقل فلان الشيء أي حمله. « سقناه » أي السحاب. « لبلد ميت » أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا. وقيل: لأجل بلد ميت؛ فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد والبلدان. والبلد الأثر وجمعه أبلاد. قال الشاعر:

من بعد ما شمل البلى أبلادها

والبلد: أدحي النعام. يقال: هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها. والبلدة الأرض؛ يقال: هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا. والبلدة من منازل القمر، وهي ستة أنجم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة. والبلدة الصدر؛ يقال: فلان واسع البلدة أي واسع قال الشاعر:

أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها

يقول: بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبلدة ( بفتح الباء وضمها ) : نقاوة ما بين الحاجبين؛ فهما من الألفاظ المشتركة. « فأنزلنا به الماء » أي بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء؛ كقول: « يشرب بها عباد الله » [ الإنسان: 6 ] أي منها. « فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون » الكاف في موضع نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيي الموتى. وخرج البيهقي وغيره عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: ( أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز خضرا ) قال: نعم، قال: ( فتلك آية الله في خلقه ) . وقيل: وجه التشبيه أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشق عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ( ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسؤولون ) . وذكر الحديث. وقد ذكرناه بكماله في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله. فدل على البعث والنشور؛ وإلى الله ترجع الأمور.

 

الآية: 58 ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون )

 

قوله تعالى: « والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا » أي التربة الطيبة. والخبيث الذي في تربته حجارة أو شوك؛ عن الحسن. وقيل: معناه التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالذي خبث؛ عن النحاس. وقيل: هذا مثل للقلوب؛ فقلب يقبل الوعظ والذكرى، وقلب فاسق ينبو عن ذلك؛ قال الحسن أيضا. وقال قتادة: مثل للمؤمن يعمل محتسبا متطوعا، والمنافق غير محتسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء ) . « نكدا » نصب على الحال، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل. قال مجاهد: يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث. وقرأ طلحة « إلا نكدا » حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ابن القعقاع « نكدا » بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال:

فإنما هي إقبال وإدبار

وقيل: « نكدا » بنصب الكاف وخفضها بمعنى؛ كالدنف والدنف، لغتان. « كذلك نصرف الآيات » أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج والدلالات، في إبطال الشرك؛ كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس. « لقوم يشكرون » وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.

 

الآية: 59 ( لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم )

 

قوله تعالى: « لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله » لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في « لقد » للتأكيد المنبه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول. « يا قوم » نداء مضاف. ويجوز « يا قومي » على الأصل. ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح؛ وقد تقدم. قال ابن العربي: ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم: ( مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ) . وقال له إدريس: ( مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ) . فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا. قال القاضي عياض: وجاء جواب الآباء ههنا كنوح وإبراهيم وآدم ( مرحبا بالابن الصالح ) . وقال عن إدريس ( بالأخ الصالح ) كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال المازري: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام. فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث، لان لم يقم دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض: قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث - كافة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم. وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى: « وإن إلياس لمن المرسلين. إذ قال لقومه ألا تتقون » [ الصافات: 123، 124 ] . وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرئ « سلام على إدراسين » . قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان. قال ابن عطية: ومجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان؛ فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة. والله أعلم.

وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قال الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما؛ كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة. حتى كثر الناس وفشوا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. وقال عون بن شداد: بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من كتب الحديث: الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري: أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح. والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح. والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح. والخلق كلهم ذرية نوح.

 

قوله تعالى: « ما لكم من إله غيره » برفع « غيره » قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة. أي ما لكم إله غيره. نعت على الموضع. وقيل: « غير » بمعنى إلا؛ أي ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب « غير » في كل موضع يحسن فيه « إلا » تم الكلام أو لم يتم. فأجازا: ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أسد وقضاعة. وأنشد:

لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت حمامة في سحوق ذات أو قال

قال الكسائي: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب؛ لأن إلا لا تقع ههنا. قال النحاس: لا يجوز عند البصريين نصب « غير » إذا لم يتم الكلام. وذلك عندهم من أقبح اللحن.

 

الآيات: 60 - 62 ( قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين، قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون )

 

الملأ: أشراف القوم ورؤساهم. وقد تقدم بيانه في « البقرة » . والضلال والضلالة: العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. « أبلغكم » بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. وقيل: هما بمعنى واحد لغتان؛ مثل كرمه وأكرمه. « وأنصح لكم » النصح: إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة ونصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى: « وأنصح لكم » والاسم النصيحة. والنصيح الناصح، وقوم نصحاء. ورجل ناصح الجيب أي نقي القلب. قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره. مثل الناصع. وكل شيء خلص فقد نصح. وانتصح فلان أقبل على النصيحة. يقال: انتصحني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنصاح السلك يخاط به. والنصاحات أيضا الجلود. قال الأعشى:

فترى الشرب نشاوى كلهم مثل ما مدت نصاحات الربح

الربح لغة في الربع، وهو الفصيل. والربح أيضا طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنى في « براءة » إن شاء الله تعالى.

 

الآيتان: 63 - 64 ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون، فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين )

 

قوله تعالى: « أوعجبتم » فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها. « أن جاءكم ذكر » أي وعظ من ربكم. « على رجل منكم » أي على لسان رجل. وقيل: « على » بمعنى « مع » ، أي مع رجل وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان ملكا فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع. و « الفلك » يكون واحدا ويكون جمعا. وقد تقدم في « البقرة » . و « عمين » أي عن الحق؛ قال قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال: رجل عم بكذا، أي جاهل.

 

الآية: 65 ( وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون )

 

الآية: 66 ( قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين )

 

الآية: 67 ( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين )

 

الآية: 68 ( أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين )

 

قوله تعالى: « وإلى عاد أخاهم هودا » أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. قال ابن عباس أي ابن أبيهم. وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي بشرا من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. وعاد من ولد سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهود هو هود بن عبدالله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. بعثه الله إلى عاد نبيا. وكان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا. و « عاد » من لم يصرفه جعله اسما للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي. قال أبو حاتم: وفي حرف أبي وابن مسعود « عاد الأولى » [ النجم: 50 ] بغير ألف. و « هود » أعجمي، وانصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون عربيا مشتقا من هاد يهود. والنصب على البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما روي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز. وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. « إنا لنراك في سفاهة » أي في حمق وخفة عقل. قال:

مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم

وقد تقدم هذا المعنى في « البقرة » . والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. وقيل: ويجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن.

 

الآية: 69 ( أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون )

 

قوله تعالى: « أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم » « أو عجبتم » فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها. أي وعظ من ربكم. « على رجل منكم » أي على لسان رجل. وقيل: « على » بمعنى « مع » ، أي مع رجل وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان ملكا فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع.

 

قوله تعالى: « واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح » « خلفاء » جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ، من عليهم بأن جعلهم سكان الأرض بعد قوم نوح. « وزادكم في الخلق بسطة » ويجوز « بصطة » بالصاد لأن بعدها طاء؛ أي طولا في الخلق وعظم الجسم. قال ابن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمة لم يطيقوه، وأن كان أحدهم ليغمز برجله الأرض فتدخل فيها. « فاذكروا آلاء الله » أي نعم الله، واحدها إلى وإلي وإلو وألى. كالآناء واحدها إنى وإني وإنو وأنى. « لعلكم تفلحون » تقدم.

 

الآيتان: 70 - 72 ( قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين، فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين )

 

طلبوا العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه. فقال لهم: « قد وقع عليكم » ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع القول والحكم أي وجب ! ومثله: « ولما وقع عليهم الرجز » [ الأعراف: 134 ] . أي نزل بهم. « وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض » [ النمل: 82 ] . والرجس العذاب وقيل: عني بالرجس الرين على القلب بزيادة الكفر. « أتجادلونني في أسماء » يعني الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. « ما نزل الله بها من سلطان » أي من حجة لكم في عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمى. نظيره « إن هي إلا أسماء سميتموها » [ النجم: 23 ] . وهذه الأسماء مثل العزى من العز والأعز واللات، وليس لها من العز والإلهية شيء. « دابر » آخر. وقد تقدم. أي لم يبق لهم بقية.

 

الآية: 73 ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم )

 

قوله تعالى: « وإلى ثمود أخاهم صالحا » هو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جديس، وكانوا في سعة من معايشهم؛ فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله إليهم صالحا نبيا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وكانوا قوما عربا. وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط ولا يتبعه. منهم إلا قليل مستضعفون. ولم ينصرف « ثمود » لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف، لأنه اسم أعجمي. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه مشتق من الثمد وهو الماء القليل. وقد قرأ القراء « ألا إن ثمود كفروا ربهم » [ هود: 68 ] على أنه اسم للحي. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وهم من ولد سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي بيانه في « الحجر » إن شاء الله تعالى.

 

قوله تعالى: « هذه ناقة الله لكم آية » أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد؛ فكان لها يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. وكان بقدر حاجتهم على كرتهم؛ قال الله تعالى: « لها شرب ولكم شرب يوم معلوم » [ الشعراء: 155 ] . وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق. وفيه معنى التشريف والتخصيص.

 

قوله تعالى: « فذروها تأكل في أرض الله » أي ليس عليكم رزقها ومؤونتها.

 

الآية: 74 ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )

 

قوله تعالى: « وبوأكم في الأرض » فيه محذوف، أي بوأكم في الأرض منازل. « تتخذون من سهولها قصورا » أي تبنون القصور بكل موضع. « وتنحتون الجبال بيوتا » اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم؛ فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة. وفيه حرف من حروف الحلق؛ فلذلك جاء على فعل يفعل.

 

استدل بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله: « قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق » [ الأعراف: 32 ] . ذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين نبني دارا وأنفق فيها مالا كثيرا؛ فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسا أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام قال: ( إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه ) . ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه إذا اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك؛ فكذلك البناء. وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام: ( إذا أراد الله بعبد شرا أهلك مال في الطين واللبن ) . وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: ( من بنى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه ) .

قلت: بهذا أقول؛ لقوله عليه السلام: ( وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية ) . رواه جابر بن عبدالله وخرجه الدارقطني. وقوله عليه السلام: ( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء ) أخرجه الترمذي.

 

قوله تعالى: « فاذكروا آلاء الله » أي نعمه. وهذا يدل على أن الكفار منعم عليهم. وقد مضى في « آل عمران » القول فيه. « ولا تعثوا في الأرض مفسدين » والعثي والعثو لغتان. وقرأ الأعمش « تعثوا » بكسر التاء أخذه من عثي لا من عثا يعثو.

 

الآيتان: 75 - 76 ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون )

 

قوله تعالى: « قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم » الثاني بدل من الأول، لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل.

 

الآيات: 77 - 79 ( فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين، فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين )

 

قوله تعالى: « فعقروا الناقة » العقر الجرح. وقيل: قطع عضو يؤثر في النفس. وعقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وخيل عقرى. وعقرت ظهر الدابة: إذا أدبرته. قال امرؤ القيس:

تقول وقد مال الغبيط بنا معا عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

أي جرحته وأدبرته قال القشيري: العقر كشف عرقوب البعير؛ ثم قيل للنحر عقر؛ لأن العقر سبب النحر في الغالب. وقد اختلف في عاقر الناقة على أقوال. أصحها ما في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن زمعة قال؛ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: ( إذ انبعث أشقاها انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة ) وذكر الحديث. وقيل في اسمه: قدار بن سالف. وقيل: إن ملكهم كان إلى امرأة يقال لها ملكي، فحسدت صالحا لما مال إليه الناس، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانهما: لا تطيعاهما واسألاهما عقر الناقة؛ ففعلتا. وخرج الرجلان وألجآ الناقة إلى مضيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها. وجاء السقب وهو ولدها إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فرغا ثلاثا وانفرجت الصخرة فدخل فيها. ويقال: إنه الدابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس؛ على ما يأتي بيانه في « النمل » . وقال ابن إسحاق: أتبع السقب أربعة نفر ممن كان عقر الناقة، مصدع وأخوه ذؤاب. فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه، ثم جره برجله فألحقه بأمه، وأكلوه معها. والأول أصح؛ فإن صالحا قال لهم: إنه بقي من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا رغا ثلاثا. وقيل: عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم: « وكان في المدينة تسعة رهط » [ النمل: 48 ] على ما يأتي بيانه في « النمل » . وهو معنى قوله « فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر » . [ القمر: 29 ] . وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن الناقة، فقام أحدهم وترصد الناس وقال: لأريحن الناس منها؛ فعقرها.

 

قوله تعالى: « وعتوا عن أمر ربهم » أي استكبروا. عتا يعتو عتوا أي استكبر. وتعتى فلان إذا لم يطع. والليل العاتي: الشديد الظلمة؛ عن الخليل.

 

قوله تعالى: « وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا » أي من العذاب. « فأخذتهم الرجفة » أي الزلزلة الشديدة. وقيل: كان صيحة شديدة خلعت قلوبهم؛ كما في قصة ثمود في سورة « هود » في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة. يقال: رجف الشيء يرجف رجفا رجفانا. وأرجفت الريح الشجر حركته. وأصله حركة مع صوت؛ ومنه قوله تعالى « يوم ترجف الراجفة » [ النازعات: 6 ] قال الشاعر:

ولما رأيت الحج قد آن وقته وظلت مطايا القوم بالقوم ترجف

 

قوله تعالى: « فأصبحوا في دارهم » أي بلدهم. وقيل: وحد على طريق الجنس، والمعنى: في دورهم. وقال في موضع آخر: « في ديارهم » [ هود: 67 ] أي في منازلهم. « جاثمين » أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم؛ كما يجثم الطائر. أي صاروا خامدين من شدة العذاب. وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، والموضع مجثم. قال زهير:

بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وقيل: احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. « فتولى عنهم » أي عند اليأس منهم. « وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم » يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم. ويحتمل أنه قال بعد موتهم؛ كقوله عليه السلام لقتلى بدر: ( هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ) فقيل: أتكلم هؤلاء الجيف ؟ فقال: ( ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب ) . والأول أظهر. يدل عليه « ولكن لا تحبون الناصحين » أي لم تقبلوا نصحي.

 

الآية: 80 ( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين )

 

قوله تعالى: « ولوطا إذ قال لقومه » قال الفراء: لوط مشتق من قولهم: هذا أليط بقلبي، أي ألصق. وقال النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين - يعني الفراء - أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت إذا ملسته بالطين. قال: وهذا غلط؛ لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق، فلا يقال: إنه من السحق وهو البعد. وإنما صرف لوط لخفته لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لطت الحوض، وهذا أليط بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق. قال سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية، إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت. بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم، وكان ابن أخي إبراهيم. ونصبه إما بـ « أرسلنا » المتقدمة فيكون معطوفا. ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى واذكر.

 

قوله تعالى: « أتأتون الفاحشة » يعني إتيان الذكور. ذكرها الله باسم الفاحشة ليبين أنها زنى؛ كما قال الله تعالى: « ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة » [ الإسراء: 32 ] . واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه؛ فقال مالك: يرجم؛ أحصن أو لم يحصن. وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلما. وروي عنه أيضا: يرجم إن كان محصنا، ويحبس ومؤدب إن كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعي وابن المسيب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يعزر المحصن وغيره؛ وروي عن مالك. وقال الشافعي: يحد حد الزنى قياسا عليه. احتج مالك بقوله تعالى: « وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل » [ الحجر: 74 ] . فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم. فإن قيل: لا حجة فيها لوجهين؛ أحدهما - أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم. الثاني: أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها؛ فدل على خروجها من باب الحدود. قيل: أما الأول فغلط؛ فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها؛ منها هذه. وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده. وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا. والله أعلم. وقد روى أبو داود وابن ماجة والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ) . لفظ أبي داود وابن ماجة. وعند الترمذي ( أحصنا أو لم يحصنا ) . وروى أبو داود والدارقطني عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية قال: يرجم. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي علي بن أبي طالب؛ فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستشارهم فيه؛ فقال علي: إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يحرق بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق. وروي أن سبعة أخذوا في زمن ابن الزبير في لواط؛ فسأل عنهم فوجد أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فخرجوا بهم من الحرم فرجموا بالحجارة حتى ماتوا، وحد الثلاثة؛ وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعي. قال ابن العربي: والذي صار إليه مالك أحق، فهو أصح سندا وأقوى معتمدا. وتعلق الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزنى معلومة؛ فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألا يشاركها في حدها. ويأثرون في هذا حديثا: ( من وضع حدا في غير حد فقد تعدى وظلم ) . وأيضا فإنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان، ولا وجوب مهر ولا ثبوت نسب؛ فلم يتعلق به حد.

 

فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان؛ حكاه ابن المنذر عن أبي سلمة بن عبدالرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود والدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه ) . فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال ابن المنذر: إن يك الحديث ثابتا فالقول به يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيرا، وإن عزره الحاكم كان حسنا. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا تلقي خلقا مشوها؛ فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحكم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني. وقال الزهري: يجلد مائة أحصن أو لم يحصن. وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي يعزر. وروي عن عطاء والنخعي والحكم. واختلفت الرواية عن الشافعي، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب. وقال جابر بن زيد: يقام عليه الحد، إلا أن تكون البهيمة له.

 

قوله تعالى: « ما سبقكم بها من أحد من العالمين » « من » لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللواط في أمة قبل قوم لوط. والملحدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم. والصدق ما ورد به القرآن. وحكى النقاش أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان ينكح بعضهم بعضا. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك بالغرباء، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجة عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ) . وقال محمد بن سيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار.

 

الآية: 81 ( إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون )

 

قوله تعالى: « إنكم » قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيرا للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وحسن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأول أبو عبيد والنسائي وغيرهما؛ واحتجوا بقوله عز وجل: « أفإن مت فهم الخالدون » [ الأنبياء: 34 ] ولم يقل أفهم. وقال: « أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم » [ آل عمران: 144 ] ولم يقل انقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكي وغيرهما « شهوة » نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. « بل أنتم قوم مسرفون » نظيرة « بل أنتم قوم عادون » [ الشعراء: 166 ] في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة.

 

الآيتان: 82 - 83 ( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين )

 

قوله تعالى: « وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم » أي لوطا وأتباعه. ومعنى « يتطهرون » عن الإتيان في هذا المأتى. يقال: تطهر الرجل أي تنزه عن الإثم. قال قتادة: عابوهم والله بغير عيب. « من الغابرين » أي الباقين في عذاب الله؛ قال ابن عباس وقتادة. غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقي. وهو من الأضداد. وقال قوم: الماضي عابر بالعين غير معجمة. والباقي غابر بالغين معجمة. حكاه ابن فارس في المجمل. وقال الزجاج: « من الغابرين » أي من الغائبين عن النجاة وقيل: لطول عمرها. قال النحاس: وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمرين؛ أي أنها قد هرمت. والأكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي؛ قال الراجز:

فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر

 

الآية: 84 ( وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين )

 

سرى لوط بأهله كما وصف الله « بقطع من الليل » [ هود: 81 ] ثم أمر جبريل، عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سجيل، قيل: على من غاب منهم. وأدرك امرأة لوط، وكانت معه حجر فقتلها. وكانت فيما ذكر أربع قرى. وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف. وسيأتي في سورة « هود » قصة لوط بأبين من هذا، إن شاء الله تعالى.

 

الآيات: 85 - 86 ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين )

 

قوله تعالى: « وإلى مدين » قيل في مدين: اسم بلد وقطر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بكر وتميم. وقيل: هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي. ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى بألا يصرفه. قال المهدوي: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكي: كان زوج بنت لوط. واختلف في نسبه؛ فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان اسمه بالسريانية بيروت. وأمه ميكائيل بنت لوط. وزعم الشرقي بن القطامي أن شعيبا بن عيفاء بن يوبب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أن شعيبا بن جزى بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وشعيب تصغير شعب أو شعب. وقال قتادة: هو شعيب بن يوبب. وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. والله أعلم. وكان أعمى؛ ولذلك قال قومه: « وإنا لنراك فينا ضعيفا » [ هود: 91 ] . وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان.

 

قوله تعالى: « قد جاءتكم بينة من ربكم » أي بيان، وهو مجيء شعيب بالرسالة. ولم يذكر له معجزة في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء.

 

قوله تعالى: « فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم » البخس النقص. وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

قوله تعالى: « ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها » عطف على « ولا تبخسوا » . وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء. قال: فذلك فسادها. فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل نبي بعث إلى قومه فهو صلاحهم.

 

قوله تعالى: « ولا تقعدوا بكل صراط » نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله، وكانوا يوعدون العذاب من آمن. واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان؛ قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه؛ كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق، وأخذ السلب؛ وكان ذلك من فعلهم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه - ثم تلا - « ولا تقعدوا بكل صراط توعدون » الآية. وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله. وقال السدي أيضا: كانوا عشارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر؛ فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها؛ فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! لم يبق من الإسلام إلا رسمه، ولا من الدين إلا اسمه. يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس.

 

قوله تعالى: « من آمن به » الضمير في « به » يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد، وأن يعود على السبيل. « عوجا » قال أبو عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في الأجرام. « واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم » أي كثر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم. « فاصبروا » ليس هذا أمرا بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: « وإن كان طائفة منكم » فذكر على المعنى، ولو راعى اللفظ قال: كانت.

 

الآية: 87 ( وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )