الجزء 24
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ
عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى
لِلْكَافِرِينَ ( 32 )
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 )
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 )
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) .
يقول تعالى، محذرا ومخبرا: أنه
لا أظلم وأشد ظلما ( مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى
اللَّهِ ) إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو
الإخبار بأن اللّه تعالى قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا وهو كاذب، فهذا داخل
في قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ إن كان جاهلا
وإلا فهو أشنع وأشنع.
( وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ
جَاءَهُ ) أي: ما أظلم ممن جاءه الحق المؤيد بالبينات فكذبه، فتكذيبه
ظلم عظيم منه، لأنه رد الحق بعد ما تبين له، فإن كان جامعا بين الكذب على اللّه
والتكذيب بالحق، كان ظلما على ظلم.
(
أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ) يحصل
بها الاشتفاء منهم، وأخذ حق اللّه من كل ظالم وكافر. إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ
ولما ذكر الكاذب المكذب وجنايته
وعقوبته، ذكر الصادق المصدق وثوابه، فقال: (
وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) في قوله وعمله، فدخل في ذلك
الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر اللّه وأحكامه، وفيما فعله من
خصال الصدق.
( وَصَدَّقَ بِهِ ) أي:
بالصدق لأنه قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، أو
احتقاره لمن قاله وأتى به، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل على علمه
وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره.
( أُولَئِكَ ) أي:
الذين وفقوا للجمع بين الأمرين ( هُمُ الْمُتَّقُونَ ) فإن
جميع خصال التقوى ترجع إلى الصدق بالحق والتصديق به.
(
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) من
الثواب، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فكل ما تعلقت به
إرادتهم ومشيئتهم، من أصناف اللذات والمشتهيات، فإنه حاصل لهم، معد مهيأ، (
ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ) الذين يعبدون اللّه كأنهم
يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم (
الْمُحْسِنِينَ ) إلى عباد اللّه.
( لِيُكَفِّرَ اللَّهُ
عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) عمل الإنسان له ثلاث حالات:
إما أسوأ، أو أحسن، أو لا أسوأ، ولا أحسن.
والقسم الأخير قسم المباحات وما
لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، والأسوأ، المعاصي كلها، والأحسن الطاعات كلها، فبهذا
التفصيل، يتبين معنى الآية، وأن قوله: (
لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ) أي:
ذنوبهم الصغار، بسبب إحسانهم وتقواهم، (
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أي:
بحسناتهم كلها إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ
عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ( 36 )
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ
( 37 ) .
(
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) أي:
أليس من كرمه وجوده، وعنايته بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه،
خصوصا أكمل الخلق عبودية لربه، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم، فإن اللّه تعالى
سيكفيه في أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء.
(
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) من
الأصنام والأنداد أن تنالك بسوء، وهذا من غيهم وضلالهم.
( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ
فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ) لأنه
تعالى الذي بيده الهداية والإضلال، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. (
أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ) له العزة الكاملة التي قهر
بها كل شيء، وبعزته يكفي عبده ويدفع عنه مكرهم. ( ذِي
انْتِقَامٍ ) ممن عصاه، فاحذروا موجبات نقمته.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ
كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ
قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) .
أي: ولئن سألت هؤلاء الضلال
الذين يخوفونك بالذين من دونه، وأقمت عليهم دليلا من أنفسهم، فقلت: ( مَنْ
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) لم يثبتوا لآلهتهم من خلقها
شيئا. ( لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) الذي
خلقها. وحده. ( قُلْ ) لهم
مقررا عجز آلهتهم، بعد ما تبينت قدرة اللّه: (
أَفَرَأَيْتُمْ ) أي: أخبروني ( مَا
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ ) أيَّ
ضر كان.
( هَلْ
هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ ) بإزالته بالكلية، أو بتخفيفه
من حال إلى حال؟. ( أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ ) يوصل
إليَّ بها منفعة في ديني أو دنياي. ( هَلْ
هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ) ومانعاتها عني؟.سيقولون: لا
يكشفون الضر ولا يمسكون الرحمة.
قل لهم بعد ما تبين الدليل
القاطع على أنه وحده المعبود، وأنه الخالق للمخلوقات، النافع الضار وحده، وأن غيره
عاجز من كل وجه.عن الخلق والنفع والضر، مستجلبا كفايته، مستدفعا مكرهم وكيدهم: ( قُلْ
حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) أي:
عليه يعتمد المعتمدون في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، فالذي بيده - وحده - الكفاية هو
حسبي، سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به.
قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ
يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( 40 ) .
أي: ( قُلْ ) لهم يا
أيها الرسول: ( يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى
مَكَانَتِكُمْ ) أي: على حالتكم التي رضيتموها
لأنفسكم، من عبادة من لا يستحق من العبادة شيئا ولا له من الأمر شيء.
( إِنِّي عَامِلٌ ) على ما
دعوتكم إليه، من إخلاص الدين للّه تعالى وحده. (
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) لمن العاقبة
و ( مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيهِ ) في الدنيا. (
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ ) في الأخرى (
عَذَابٌ مُقِيمٌ ) لا يحول عنه ولا يزول، وهذا
تهديد عظيم لهم، وهم يعلمون أنهم المستحقون للعذاب المقيم، ولكن الظلم والعناد حال
بينهم وبين الإيمان.
إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ
لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا
يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 41 ) .
يخبر تعالى أنه أنزل على رسوله
الكتاب المشتمل على الحق، في أخباره وأوامره ونواهيه، الذي هو مادة الهداية، وبلاغ
لمن أراد الوصول إلى اللّه وإلى دار كرامته، وأنه قامت به الحجة على العالمين.
(
فَمَنِ اهْتَدَى ) بنوره واتبع أوامره فإن نفع
ذلك يعود إلى نفسه ( وَمَنْ ضَلَّ ) بعدما
تبين له الهدى ( فَإِنَّمَا يَضِلُّ
عَلَيْهَا ) لا يضر اللّه شيئا. ( وَمَا
أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم
عليها، وتجبرهم على ما تشاء، وإنما أنت مبلغ تؤدي إليهم ما أمرت به.
اللَّهُ يَتَوَفَّى
الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ
الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 42 ) .
يخبر تعالى أنه المتفرد بالتصرف
بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال حياتهم وموتهم، فقال: (
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) وهذه
الوفاة الكبرى، وفاة الموت.
وإخباره أنه يتوفى الأنفس
وإضافة الفعل إلى نفسه، لا ينافي أنه قد وكل بذلك ملك الموت وأعوانه، كما قال
تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ لأنه
تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه، باعتبار أنه الخالق المدبر، ويضيفها إلى أسبابها،
باعتبار أن من سننه تعالى وحكمته أن جعل لكل أمر من الأمور سببا.
وقوله: (
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) وهذه
الموتة الصغرى، أي: ويمسك النفس التي لم تمت في منامها، ( فَيُمْسِكُ
) من هاتين النفسين النفس (
الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ) وهي
نفس من كان مات، أو قضي أن يموت في منامه.
(
وَيُرْسِلُ ) النفس ( الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ
مُسَمًّى ) أي: إلى استكمال رزقها وأجلها. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) على
كمال اقتداره، وإحيائه الموتى بعد موتهم.
وفي هذه الآية دليل على أن
الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف
اللّه فيها في الوفاة والإمساك والإرسال، وأن أرواح الأحياء والأموات تتلاقى في
البرزخ، فتجتمع، فتتحادث، فيرسل اللّه أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات.
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ
اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ
( 43 ) قُلْ
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 44 ) .
ينكر تعالى، على من اتخذ من
دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم. ( قُلْ ) لهم -
مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة- : (
أَوَلَوْ كَانُوا ) أي: من اتخذتم من الشفعاء ( لا
يَمْلِكُونَ شَيْئًا ) أي: لا مثقال ذرة في السماوات
ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، بل وليس لهم عقل، يستحقون أن يمدحوا به،
لأنها جمادات من أحجار وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو
من أضل الناس وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟.
( قُلْ ) لهم: (
لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) لأن الأمر كله للّه.وكل شفيع
فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده، أذن للشفيع
الكريم عنده أن يشفع، رحمة بالاثنين. ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله ( لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي: جميع ما فيهما من الذوات
والأفعال والصفات. فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها، وتخلص له العبادة. ( ثُمَّ
إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) فيجازي المخلص له بالثواب
الجزيل، ومن أشرك به بالعذاب الوبيل.
وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ
وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا
ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 45 ) قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 46 ) .
يذكر تعالى حالة المشركين، وما
الذي اقتضاه شركهم أنهم ( إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ ) توحيدا
له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون
ذلك أشد الكراهة.
( وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ
مِنْ دُونِهِ ) من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، ( إِذَا
هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم،
ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم
الجزاء. فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون
اللّه شيئا؟.
ولهذا قال ( قُلِ
اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:
خالقهما ومدبرهما. ( عَالِمَ الْغَيْبِ ) الذي
غاب عن أبصارنا وعلمنا ( وَالشَّهَادَةِ ) الذي
نشاهده.
(
أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) وإن من
أعظم الاختلاف اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم
الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان،
وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم،
واشمأزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم
الحسنى.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها
بقوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ
* يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ
حَدِيدٍ إلى أن قال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا
مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
وقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ
مُهْتَدُونَ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ففي هذه الآية، بيان عموم خلقه تعالى وعموم علمه،
وعموم حكمه بين عباده، فقدرته التي نشأت عنها المخلوقات، وعلمه المحيط بكل شيء،
دال على حكمه بين عباده وبعثهم، وعلمه بأعمالهم، خيرها وشرها، وبمقادير جزائها،
وخلقه دال على علمه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ
ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ
سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ
يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 ) .
لما ذكر تعالى أنه الحاكم بين عباده، وذكر مقالة المشركين
وشناعتها، كأن النفوس تشوقت إلى ما يفعل اللّه بهم يوم القيامة، فأخبر أن لهم ( سُوءَ
الْعَذَابِ ) أي: أشده وأفظعه، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه، وأنهم على -
الفرض والتقدير - لو كان لهم ما في الأرض جميعا، من ذهبها وفضتها ولؤلؤها
وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها ومثله معه، ثم بذلوه يوم
القيامة ليفتدوا به من العذاب وينجوا منه، ما قبل منهم، ولا أغنى عنهم من عذاب
اللّه شيئا، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ
بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ
مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) أي:
يظنون من السخط العظيم، والمقت الكبير، وقد كانوا يحكمون لأنفسهم بغير ذلك.
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 48 ) .
(
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) أي:
الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم. (
وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) من
الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل عليهم العقاب.
فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ
ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ( 50 )
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ
سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 )
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) .
يخبر تعالى عن حالة الإنسان
وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو كرب. (
دَعَانَا ) ملحا في تفريج ما نزل به ( ثُمَّ
إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) فكشفنا
ضره وأزلنا مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه منكرا. و ( قَالَ
إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) أي:
علم من اللّه، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني بطرق
تحصيله.
قال تعالى: ( بَلْ
هِيَ فِتْنَةٌ ) يبتلي اللّه به عباده، لينظر
من يشكره ممن يكفره. ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ) فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد
يكون سببا للخير أو للشر.
قال تعالى: ( قَدْ
قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي:
قولهم ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ) فما زالت
متوارثة عند المكذبين، لا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقا، فلم يزل دأبهم حتى
أهلكوا، ولم يغن ( عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ) حين جاءهم العذاب.
( فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا ) والسيئات في هذا الموضع: العقوبات، لأنها تسوء الإنسان
وتحزنه. ( وَالَّذِينَ ظَلَمُوا من هؤلاء سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُوا ) فليسوا خيرا من أولئك، ولم يكتب لهم براءة في الزبر.
ولما ذكر أنهم اغتروا بالمال،
وزعموا - بجهلهم - أنه يدل على حسن حال صاحبه، أخبرهم تعالى، أن رزقه، لا يدل على
ذلك، وأنه ( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ) من
عباده، سواء كان صالحا أو طالحا (
وَيَقْدِرُ ) الرزق، أي: يضيقه على من يشاء، صالحا أو طالحا، فرزقه مشترك
بين البرية، والإيمان والعمل الصالح يخص به خير البرية. ( إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي:
بسط الرزق وقبضه، لعلمهم أن مرجع ذلك، عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه أعلم بحال
عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض، فيكون تعالى
مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم، واللّه أعلم.
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 )
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ
كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) .
يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل
أن لا يمكنهم ذلك فقال: ( قُلْ ) يا
أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرا للعباد عن ربهم: ( يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) باتباع
ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.
( لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ ) أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا
قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون
بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم
بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل،
والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. (
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) أي:
وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما
سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي
النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة
سبقت الغضب وغلبته، .ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد
أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة
إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا
السبب الأجل، والطريق الأعظم.
ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: (
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ) بقلوبكم (
وَأَسْلِمُوا لَهُ ) بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة،
دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، كما في هذا الموضع، كان المعنى ما
ذكرنا.
وفي قوله ( إِلَى رَبِّكُمْ
وَأَسْلِمُوا لَهُ ) دليل على الإخلاص، وأنه من
دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ) مجيئا
لا يدفع ( ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ) فكأنه
قيل: ما هي الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟
فأجاب تعالى بقوله: (
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) مما
أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة اللّه، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح لعباده،
ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك.
ومن الأعمال الظاهرة، كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج،
والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، مما أمر اللّه به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من
ربنا، فالمتبع لأوامر ربه في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم، ( مِنْ
قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) وكل
هذا حثٌّ على المبادرة وانتهاز الفرصة.
ثم حذرهم ( أَن )
يستمروا على غفلتهم، حتى يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة.و (
تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ) أي: في
جانب حقه. ( وَإِنْ كُنْت ) في
الدنيا ( لَمِنَ السَّاخِرِينَ ) في
إتيان الجزاء، حتى رأيته عيانا.
أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ
اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 57 ) أَوْ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ
الْكَافِرِينَ ( 59 ) .
( أَوْ
تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) و « لو » في هذا
الموضع للتمني،أي: ليت أن اللّه هداني فأكون متقيا له، فأسلم من العقاب وأستحق
الثواب، وليست « لو » هنا
شرطية، لأنها لو كانت شرطية، لكانوا محتجين بالقضاء والقدر على ضلالهم، وهو حجة
باطلة، ويوم القيامة تضمحل كل حجة باطلة.
( أَوْ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ ) وتجزم بوروده ( لَوْ
أَنَّ لِي كَرَّةً ) أي: رجعة إلى الدنيا لكنت ( مِنَ
الْمُحْسِنِينَ ) قال تعالى: إن ذلك غير ممكن
ولا مفيد، وإن هذه أماني باطلة لا حقيقة لها، إذ لا يتجدد للعبد لَوْ رُدَّ، بيان
بعد البيان الأول.
( بَلَى
قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي ) الدالة دلالة لا يمترى فيها.
على الحق ( فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ ) عن
اتباعها ( وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) فسؤال
الرد إلى الدنيا، نوع عبث، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 )
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) .
يخبر تعالى عن خزي الذين كذبوا
عليه، وأن وجوههم يوم القيامة مسودة كأنها الليل البهيم، يعرفهم بذلك أهل الموقف،
فالحق أبلج واضح كأنه الصبح، فكما سوَّدوا وجه الحق بالكذب، سود اللّه وجوههم،
جزاء من جنس عملهم.
فلهم سواد الوجوه، ولهم العذاب
الشديد في جهنم، ولهذا قال: ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) عن الحق، وعن عبادة ربهم،
المفترين عليه؟ بلى واللّه، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا، يبلغ من المتكبرين كل
مبلغ، ويؤخذ الحق منهم بها.
والكذب على اللّه يشمل الكذب
عليه باتخاذ الشريك والولد والصاحبة، والإخبار عنه بما لا يليق بجلاله، أو ادعاء
النبوة، أو القول في شرعه بما لم يقله، والإخبار بأنه قاله وشرعه.
ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر
حالة المتقين، فقال: ( وَيُنَجِّي اللَّهُ
الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) أي:
بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى اللّه تعالى، التي هي العدة عند كل
هول وشدة. ( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ) أي:
العذاب الذي يسوؤهم ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) فنفى
عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان.
فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى
يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم،
ويقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا
لَغَفُورٌ شَكُورٌ
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ
مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( 63 ) .
يخبر تعالى عن عظمته وكماله،
الموجب لخسران من كفر به فقال: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ
شَيْءٍ ) هذه العبارة وما أشبهها، مما هو كثير في القرآن، تدل على أن
جميع الأشياء - غير اللّه - مخلوقة، ففيها رد على كل من قال بقدم بعض المخلوقات،
كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات، وكالقائلين بقدم الأرواح، ونحو ذلك من
أقوال أهل الباطل، المتضمنة تعطيل الخالق عن خلقه.
وليس كلام اللّه من الأشياء
المخلوقة، لأن الكلام صفة المتكلم، واللّه تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء،
فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أنه مخلوق، من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم
يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث له صفة من صفاته، ولم يكن معطلا عنها بوقت من
الأوقات، والشاهد من هذا، أن اللّه تعالى أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع
العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل، والوكالة التامة لا بد فيها من علم
الوكيل، بما كان وكيلا عليه، وإحاطته بتفاصيله، ومن قدرة تامة على ما هو وكيل
عليه، ليتمكن من التصرف فيه، ومن حفظ لما هو وكيل عليه، ومن حكمة، ومعرفة بوجوه
التصرفات، ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق، فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما
نقص من ذلك، فهو نقص فيها.
ومن المعلوم المتقرر، أن اللّه
تعالى منزه عن كل نقص في صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة
علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع
بها الأشياء مواضعها.
( لَهُ مَقَالِيدُ
السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي: مفاتيحها، علما وتدبيرا،
فـ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ
فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلما بين من عظمته
ما يقتضي أن تمتلئ القلوب له إجلالا وإكراما، ذكر حال من عكس القضية فلم يقدره حق
قدره، فقال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) الدالة
على الحق اليقين والصراط المستقيم. (
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) خسروا ما به تصلح القلوب من
التأله والإخلاص للّه، وما به تصلح الألسن من إشغالها بذكر اللّه، وما تصلح به
الجوارح من طاعة اللّه، وتعوضوا عن ذلك كل مفسد للقلوب والأبدان، وخسروا جنات
النعيم، وتعوضوا عنها بالعذاب الأليم.
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ( 64 )
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) .
( قُلْ ) يا
أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين، الذين دعوك إلى عبادة غير اللّه: (
أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ) أي:
هذا الأمر صدر من جهلكم، وإلا فلو كان لكم علم بأن اللّه تعالى الكامل من جميع
الوجوه، مسدي جميع النعم، هو المستحق للعبادة، دون من كان ناقصا من كل وجه، لا
ينفع ولا يضر، لم تأمروني بذلك.
وذلك لأن الشرك باللّه محبط
للأعمال، مفسد للأحوال، ولهذا قال: (
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) من
جميع الأنبياء. ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ ) هذا مفرد مضاف، يعم كل عمل، ففي نبوة جميع الأنبياء، أن
الشرك محبط لجميع الأعمال، كما قال تعالى في سورة الأنعام - لما عدد كثيرا من
أنبيائه ورسله قال عنهم: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) دينك
وآخرتك، فبالشرك تحبط الأعمال، ويستحق العقاب والنكال.
ثم قال: ( بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ ) لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه
بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره بالإخلاص فقال: ( بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ ) أي: أخلص له العبادة وحده لا
شريك له، ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) للّه
على توفيق اللّه تعالى، فكما أنه تعالى يشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم
وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك، كذلك يشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق
للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة، وفي تدبر أنها من اللّه
تعالى والشكر للّه عليها، سلامة من آفة العجب التي تعرض لكثير من العاملين، بسبب
جهلهم، وإلا فلو عرف العبد حقيقة الحال، لم يعجب بنعمة تستحق عليه زيادة الشكر.
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) .
يقول تعالى: وما قدر هؤلاء المشركون ربهم حق قدره، ولا عظموه
حق تعظيمه، بل فعلوا ما يناقض ذلك، من إشراكهم به من هو ناقص في أوصافه وأفعاله،
فأوصافه ناقصة من كل وجه، وأفعاله ليس عنده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا
يملك من الأمر شيئا.
فسووا هذا المخلوق الناقص بالخالق الرب العظيم، الذي من عظمته
الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم القيامة قبضة للرحمن، وأن السماوات -
على سعتها وعظمها - مطويات بيمينه، فلا عظمه حق عظمته من سوَّى به غيره، ولا أظلم
منه.
( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي: تنزه وتعاظم عن شركهم به.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 )
وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ
بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا
يُظْلَمُونَ ( 69 )
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 70 ) .
لما خوفهم تعالى من عظمته،
خوفهم بأحوال يوم القيامة، ورغَّبهم ورهَّبهم فقال: (
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته
إلا خالقه، ومن أطلعه اللّه على علمه من خلقه، فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، أحد
الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن.
(
فَصَعِقَ ) أي: غشي أو مات، على اختلاف القولين: ( مَنْ
فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ ) أي:
كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له. ( إِلا
مَنْ شَاءَ اللَّهُ ) ممن ثبته اللّه عند النفخة،
فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم. وهذه النفخة الأولى، نفخة الصعق، ونفخة
الفزع.
( ثُمَّ
نُفِخَ فِيهِ ) النفخة الثانية نفخة البعث (
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظرون ) أي: قد قاموا من قبورهم
لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم (
يَنْظُرُونَ ) ماذا يفعل اللّه بهم.
(
وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) علم من
هذا، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضمحل، وهو كذلك، فإن اللّه أخبر أن الشمس
تكور، والقمر يخسف، والنجوم تندثر، ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور
ربها، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم، وذلك اليوم يجعل اللّه للخلق قوة، وينشئهم
نشأة يَقْوَوْنَ على أن لا يحرقهم نوره، ويتمكنون أيضا من رؤيته، وإلا فنوره تعالى
عظيم، لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
(
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) أي: كتاب الأعمال وديوانه،
وضع ونشر، ليقرأ ما فيه من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ويقال للعامل من
تمام العدل والإنصاف: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ
حَسِيبًا
( وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ )
ليسألوا عن التبليغ، وعن أممهم، ويشهدوا عليهم. (
وَالشُّهَدَاءِ ) من الملائكة، والأعضاء
والأرض. ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ) أي:
العدل التام والقسط العظيم، لأنه حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط
بكل شيء، وكتابه الذي هو اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام،
والذين لا يعصون ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك
الحكم، فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب.
فيحصل حكم يقر به الخلق،
ويعترفون للّه بالحمد والعدل، ويعرفون به من عظمته وعلمه وحكمته ورحمته ما لم يخطر
بقلوبهم، ولا تعبر عنه ألسنتهم، ولهذا قال: (
وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ )
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ
لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ
آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى
وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( 71 )
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 )
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا
جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ
طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ( 73 )
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ
نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 74 ) .
لما ذكر تعالى حكمه بين عباده، الذين جمعهم في خلقه ورزقه
وتدبيره، واجتماعهم في الدنيا، واجتماعهم في موقف القيامة، فرقهم تعالى عند
جزائهم، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر، والتقوى والفجور، فقال: (
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ ) أي:
سوقا عنيفا، يضربون بالسياط الموجعة، من الزبانية الغلاظ الشداد، إلى شر محبس
وأفظع موضع، وهي جهنم التي قد جمعت كل عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل سرور،
كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا أي: يدفعون إليها
دفعا، وذلك لامتناعهم من دخولها.
ويساقون إليها (
زُمَرًا ) أي: فرقا متفرقة، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب عملها،
وتشاكل سعيها، يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض. (
حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ) أي: وصلوا إلى ساحتها (
فُتِحَتْ ) لهم أي: لأجلهم (
أَبْوَابُهَا ) لقدومهم وقِرًى لنزولهم.
( وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ) مهنئين
لهم بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي، وموبخين لهم على الأعمال التي أوصلتهم إلى
هذا المحل الفظيع: ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
مِنْكُمْ ) أي: من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي
عنهم؟. ( يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ) التي
أرسلهم اللّه بها، الدالة على الحق اليقين بأوضح البراهين.
( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا ) أي: وهذا يوجب عليكم اتباعهم
والحذر من عذاب هذا اليوم، باستعمال تقواه، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال؟
( قَالُوا ) مقرين
بذنبهم، وأن حجة اللّه قامت عليهم: ( بَلَى
) قد جاءتنا رسل ربنا بآياته وبيناته، وبينوا لنا غاية التبيين،
وحذرونا من هذا اليوم. ( وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ
الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) أي: بسبب كفرهم وجبت عليهم
كلمة العذاب، التي هي لكل من كفر بآيات اللّه، وجحد ما جاءت به المرسلون، فاعترفوا
بذنبهم وقيام الحجة عليهم.
فـ ( قِيلَ ) لهم
على وجه الإهانة والإذلال: ( ادْخُلُوا أَبْوَابَ
جَهَنَّمَ ) كل طائفة تدخل من الباب الذي يناسبها ويوافق عملها. (
خَالِدِينَ فِيهَا ) أبدا، لا يظعنون عنها، ولا
يفتر عنهم العذاب ساعة ولا ينظرون. (
فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ) أي:
بئس المقر، النار مقرهم، وذلك لأنهم تكبروا على الحق، فجازاهم اللّه من جنس عملهم،
بالإهانة والذل، والخزي.
ثم قال عن أهل الجنة: (
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ )
بتوحيده والعمل بطاعته، سوق إكرام وإعزاز، يحشرون وفدا على النجائب. ( إِلَى
الْجَنَّةِ زُمَرًا ) فرحين مستبشرين، كل زمرة مع الزمرة،
التي تناسب عملها وتشاكله. ( حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ) أي:
وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة والمنازل الأنيقة، وهبَّ عليهم ريحها ونسيمها، وآن
خلودها ونعيمها. ( وَفُتِحَتْ ) لهم (
أَبْوَابُهَا ) فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها. (
وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ) تهنئة لهم وترحيبا: (
سَلامٌ عَلَيْكُمْ ) أي: سلام من كل آفة وشر
حال.عليكم ( طِبْتُمْ ) أي:
طابت قلوبكم بمعرفة اللّه ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته. ( فـ ) بسبب
طيبكم ( ادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) لأنها
الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا الطيبون.
وقال في النار (
فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) وفي الجنة (
وَفُتِحَتْ ) بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت
لهم أبوابها من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم
لحرها، وأشد لعذابها.
وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها
ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها
لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى
اللّه بمحمد صلى اللّه عليه وسلم، حتى يشفع، فيشفعه اللّه تعالى.
وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما أبواب تفتح وتغلق،
وأن لكل منهما خزنة، وهما الداران الخالصتان، اللتان لا يدخل فيهما إلا من
استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور.
( وَقَالُوا ) عند
دخولهم فيها واستقرارهم، حامدين ربهم على ما أولاهم ومنَّ عليهم وهداهم: ( الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ) أي:
وعدنا الجنة على ألسنة رسله، إن آمنا وصلحنا، فوفَّى لنا بما وعدنا، وأنجز لنا ما
منَّانا. ( وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ ) أي:
أرض الجنة ( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ) أي:
ننزل منها أي مكان شئنا، ونتناول منها أي نعيم أردنا، ليس ممنوعا عنا شيء نريده. (
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) الذين اجتهدوا بطاعة ربهم، في
زمن قليل منقطع، فنالوا بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا.
وهذه الدار التي تستحق المدح على الحقيقة، التي يكرم اللّه
فيها خواص خلقه، ورضيها الجواد الكريم لهم نزلا وبنى أعلاها وأحسنها، وغرسها بيده،
وحشاها من رحمته وكرامته ما ببعضه يفرح الحزين، ويزول الكدر، ويتم الصفاء.
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ
حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 75 ) .
(
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ ) أيها الرائي ذلك اليوم العظيم
( حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) أي: قد
قاموا في خدمة ربهم، واجتمعوا حول عرشه، خاضعين لجلاله، معترفين بكماله، مستغرقين
بجماله. ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أي:
ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله، مما نسب إليه المشركون وما لم ينسبوا.
(
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي: بين الأولين والآخرين من
الخلق ( بِالْحَقِّ ) الذي
لا اشتباه فيه ولا إنكار، ممن عليه الحق. (
وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) لم
يذكر القائل من هو، ليدل ذلك على أن جميع الخلق نطقوا بحمد ربهم وحكمته على ما قضى
به على أهل الجنة وأهل النار، حمد فضل وإحسان، وحمد عدل وحكمة.
تم تفسير سورة الزمر بحمد اللّه
وعونه.
تفسير سورة المؤمن
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ حم ( 1 ) تَنْزِيلُ
الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 )
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) .
يخبر تعالى عن كتابه العظيم
وبأنه صادر ومنزل من الله، المألوه المعبود، لكماله وانفراده بأفعاله، (
الْعَزِيزِ ) الذي قهر بعزته كل مخلوق (
الْعَلِيمِ ) بكل شيء.
(
غَافِرِ الذَّنْبِ ) للمذنبين (
وَقَابِلِ التَّوْبِ ) من التائبين، (
شَدِيدِ الْعِقَابِ ) على من تجرأ على الذنوب ولم
يتب منها، ( ذِي الطَّوْلِ ) أي:
التفضل والإحسان الشامل.
فلما قرر ما قرر من كماله وكان
ذلك موجبًا لأن يكون وحده، المألوه الذي تخلص له الأعمال قال: ( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ )
ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن
من الله الموصوف بهذه الأوصاف أن هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن،
من المعاني.
فإن القرآن: إما إخبار عن أسماء
الله، وصفاته، وأفعاله، وهذه أسماء، وأوصاف، وأفعال.
وإما إخبار عن الغيوب الماضية
والمستقبلة، فهي من تعليم العليم لعباده.
وإما إخبار عن نعمه العظيمة،
وآلائه الجسيمة، وما يوصل إلى ذلك، من الأوامر، فذلك يدل عليه قوله: ( ذِي
الطَّوْلِ )
وإما إخبار عن نقمه الشديدة،
وعما يوجبها ويقتضيها من المعاصي، فذلك يدل عليه قوله: (
شَدِيدِ الْعِقَابِ )
وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة
والإنابة، والاستغفار، فذلك يدل عليه قوله: (
غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ )
وإما إخبار بأنه وحده المألوه
المعبود، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على ذلك، والحث عليه، والنهي عن عبادة ما
سوى الله، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على فسادها والترهيب منها، فذلك يدل
عليه قوله تعالى: ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ )
وإما إخبار عن حكمه الجزائي العدل،
وثواب المحسنين، وعقاب العاصين، فهذا يدل عليه قوله: (
إِلَيْهِ الْمَصِيرُ )
فهذا جميع ما يشتمل عليه القرآن
من المطالب العاليات.
مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ
اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 )
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ
أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ
الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ( 5 ) وَكَذَلِكَ
حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ
( 6 ) .
يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل
في آياته إلا الذين كفروا والمراد بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله
ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع الكفار، وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى الذي
يلقي الحق ليدحض به الباطل، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية،
ويظن أن إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له وأنه على الحق ولهذا قال: ( فَلا
يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) أي:
ترددهم فيها بأنواع التجارات والمكاسب، بل الواجب على العبد، أن يعتبر الناس
بالحق، وينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما عليه
من لا علم ولا عقل له.
ثم هدد من جادل بآيات الله
ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين
تحزبوا وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، ( و ) أنه
بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه (
هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ) من الأمم (
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ) أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما
يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا
اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي
لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: (
فَأَخَذْتُهُمْ ) أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم (
فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو
إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم
خامدون.
(
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي:
كما حقت على أولئك، حقت عليهم كلمة الضلال التي نشأت عنها كلمة العذاب، ولهذا قال:
( أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ )
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ
الْجَحِيمِ ( 7 ) .
يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض
لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم،
ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك الإخبار عن شرف حملة العرش
ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب
ذلك منهم فقال: ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ ) أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها
وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء
الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة
وأعظمهم وأقواهم، واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل
على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ
فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
( وَمَنْ حَوْلَهُ ) من
الملائكة المقربين في المنزلة والفضيلة (
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) هذا
مدح لهم بكثرة عبادتهم للّه تعالى، وخصوصًا التسبيح والتحميد، وسائر العبادات تدخل
في تسبيح الله وتحميده، لأنها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره، وحمد له تعالى،
بل الحمد هو العبادة للّه تعالى، وأما قول العبد: « سبحان
الله وبحمده » فهو داخل في ذلك وهو من جملة العبادات.
( وَيَسْتَغْفِرُونَ
لِلَّذِينَ آمَنُوا ) وهذا من جملة فوائد الإيمان
وفضائله الكثيرة جدًا، أن الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان،
فالمؤمن بإيمانه تسبب لهذا الفضل العظيم.
ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها - غير ما
يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة الذنوب- ذكر تعالى
صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، فقال: (
رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ) فعلمك
قد أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ولا في
السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون علويه وسفليه قد
امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم، ووصل إلى ما وصل إليه خلقه.
( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ
تَابُوا ) من الشرك والمعاصي (
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ) باتباع رسلك، بتوحيدك وطاعتك.
( وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) أي:
قهم العذاب نفسه، وقهم أسباب العذاب.
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 )
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) .
(
رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) على
ألسنة رسلك ( وَمَنْ صَلَحَ ) أي:
صلح بالإيمان والعمل الصالح ( مِنْ آبَائِهِمْ
وَأَزْوَاجِهِمْ ) زوجاتهم وأزواجهن وأصحابهم
ورفقائهم ( وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) (
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ) القاهر لكل شيء، فبعزتك تغفر ذنوبهم،
وتكشف عنهم المحذور، وتوصلهم بها إلى كل خير (
الْحَكِيمُ ) الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا نسألك يا ربنا أمرا تقتضي
حكمتك خلافه، بل من حكمتك التي أخبرت بها على ألسنة رسلك، واقتضاها فضلك، المغفرة
للمؤمنين.
(
وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ) أي: الأعمال السيئة وجزاءها،
لأنها تسوء صاحبها. ( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ
يَوْمَئِذٍ ) أي: يوم القيامة (
فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) لأن رحمتك لم تزل مستمرة على
العباد، لا يمنعها إلا ذنوب العباد وسيئاتهم، فمن وقيته السيئات وفقته للحسنات
وجزائها الحسن. ( وَذَلِكَ ) أي:
زوال المحذور بوقاية السيئات، وحصول المحبوب بحصول الرحمة، ( هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) الذي لا فوز مثله، ولا يتنافس
المتنافسون بأحسن منه.
وقد تضمن هذا الدعاء من
الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، التي يحب من عباده
التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه، فلما كان دعاؤهم بحصول
الرحمة، وإزالة أثر ما اقتضته النفوس البشرية التي علم الله نقصها واقتضاءها لما
اقتضته من المعاصي، ونحو ذلك من المبادئ والأسباب التي قد أحاط الله بها علمًا
توسلوا بالرحيم العليم.
وتضمن كمال أدبهم مع الله تعالى
بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء وإنما
دعاؤهم لربهم صدر من فقير بالذات من جميع الوجوه، لا يُدْلِي على ربه بحالة من
الأحوال، إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه.
وتضمن موافقتهم لربهم تمام
الموافقة، بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها، واجتهدوا
اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين
خلقه، فسائر الخلق المكلفين يبغضهم الله إلا المؤمنين منهم، فمن محبة الملائكة لهم
دعوا الله، واجتهدوا في صلاح أحوالهم، لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته،
لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه.
وتضمن ما شرحه الله وفصله من
دعائهم بعد قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا التنبيه اللطيف على كيفية
تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرًا على مجرد معنى اللفظ بمفرده، بل ينبغي له
أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهمًا صحيحًا على وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر
والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما
يجزم أنه أراد المعنى الخاص، الدال عليه اللفظ.
والذي يوجب له الجزم بأن الله
أراده أمران:
أحدهما: معرفته وجزمه بأنه من
توابع المعنى والمتوقف عليه.
والثاني: علمه بأن الله بكل شيء
عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه.
وقد علم تعالى ما يلزم من تلك
المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحًا،
فبذلك يحصل للعبد من العلم العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في
تفسيرنا هذا، كثير من هذا من به الله علينا.
وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه
على غير المتأمل صحيح الفكرة، ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون
سببًا لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلق بكرمه، والتوسل
بإحسانه، الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآنات، وفي جميع اللحظات، ونسأله من فضله،
أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضل
بالأسباب ومسبباتها.
وتضمن ذلك، أن المقارن من زوج
وولد وصاحب، يسعد بقرينه، ويكون اتصاله به سببًا لخير يحصل له، خارج عن عمله وسبب
عمله كما كانت الملائكة تدعو للمؤمنين ولمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقد
يقال: إنه لا بد من وجود صلاحهم لقوله: (
وَمَنْ صَلَحَ ) فحينئذ يكون ذلك من نتيجة
عملهم والله أعلم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ
تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 )
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 )
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ
بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) .
يخبر تعالى عن الفضيحة والخزي
الذي يصيب الكافرين، وسؤالهم الرجعة، والخروج من النار، وامتناع ذلك عليهم
وتوبيخهم، فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أطلقه
ليشمل أنواع الكفر كلها، من الكفر بالله، أو بكتبه، أو برسله، أو باليوم الآخر،
حين يدخلون النار، ويقرون أنهم مستحقونها، لما فعلوه من الذنوب والأوزار، فيمقتون
أنفسهم لذلك أشد المقت، ويغضبون عليها غاية الغضب، فينادون عند ذلك، ويقال لهم: (
لَمَقْتُ اللَّهِ ) أي: إياكم ( إِذْ
تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ) أي:
حين دعتكم الرسل وأتباعهم إلى الإيمان، وأقاموا لكم من البينات ما تبين به الحق،
فكفرتم وزهدتم في الإيمان الذي خلقكم الله له، وخرجتم من رحمته الواسعة، فمقتكم
وأبغضكم، فهذا ( أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ
أَنْفُسَكُمْ ) أي: فلم يزل هذا المقت مستمرًا عليكم، والسخط من الكريم
حَالا بكم، حتى آلت بكم الحال إلى ما آلت، فاليوم حلَّ عليكم غضب الله وعقابه حين
نال المؤمنون رضوان الله وثوابه.
فتمنوا الرجوع و (
قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) يريدون
الموتة الأولى وما بين النفختين على ما قيل أو العدم المحض قبل إيجادهم، ثم أماتهم
بعدما أوجدهم، ( وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
) الحياة الدنيا والحياة الأخرى، (
فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) أي:
تحسروا وقالوا ذلك، فلم يفد ولم ينجع، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة، فقيل لهم:
( ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ ) أي:
إذا دعي لتوحيده، وإخلاص العمل له، ونهي عن الشرك به (
كَفَرْتُمْ ) به واشمأزت لذلك قلوبكم ونفرتم غاية النفور.
(
وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) أي:
هذا الذي أنزلكم هذا المنزل وبوأكم هذا المقيل والمحل، أنكم تكفرون بالإيمان،
وتؤمنون بالكفر، ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة، وتكرهون ما هو خير
وصلاح في الدنيا والآخرة.
تؤثرون سبب الشقاوة والذل
والغضب وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ
لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا
(
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) العلي:
الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر ومن علو
قدره، كمال عدله تعالى، وأنه يضع الأشياء مواضعها، ولا يساوي بين المتقين والفجار.
(
الْكَبِير ) الذي له الكبرياء والعظمة والمجد، في أسمائه وصفاته وأفعاله
المتنزه عن كل آفة وعيب ونقص، فإذا كان الحكم له تعالى، وقد حكم عليكم بالخلود
الدائم، فحكمه لا يغير ولا يبدل.
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ
آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ
يُنِيبُ ( 13 )
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( 14 ) رَفِيعُ
الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 )
يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) .
يذكر تعالى نعمه العظيمة على عباده، بتبيين الحق من الباطل،
بما يُرِي عباده من آياته النفسية والآفاقية والقرآنية، الدالة على كل مطلوب
مقصود، الموضحة للهدى من الضلال، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها والمتأمل لها أدنى شك
في معرفة الحقائق، وهذا من أكبر نعمه على عباده، حيث لم يُبْقِ الحق مشتبهًا ولا
الصواب ملتبسًا، بل نوَّع الدلالات ووضح الآيات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من
حي عن بينة وكلما كانت المسائل أجل وأكبر، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر، فانظر
إلى التوحيد لما كانت مسألته من أكبر المسائل، بل أكبرها، كثرت الأدلة عليها
العقلية والنقلية وتنوعت، وضرب الله لها الأمثال وأكثر لها من الاستدلال، ولهذا
ذكرها في هذا الموضع، ونبه على جملة من أدلتها فقال: (
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
ولما ذكر أنه يُرِي عباده آياته، نبه على آية عظيمة فقال: ( وينزل
لكم من السماء رزقا ) أي: مطرًا به ترزقون وتعيشون
أنتم وبهائمكم، وذلك يدل على أن النعم كلها منه، فمنه نعم الدين، وهي المسائل
الدينية والأدلة عليها، وما يتبع ذلك من العمل بها. والنعم الدنيوية كلها، كالنعم
الناشئة عن الغيث، الذي تحيا به البلاد والعباد. وهذا يدل دلالة قاطعة أنه وحده هو
المعبود، الذي يتعين إخلاص الدين له، كما أنه - وحده- المنعم.
( وَمَا يَتَذَكَّرُ )
بالآيات حين يذكر بها ( إِلا مَنْ يُنِيبُ ) إلى
الله تعالى، بالإقبال على محبته وخشيته وطاعته والتضرع إليه، فهذا الذي ينتفع
بالآيات، وتصير رحمة في حقه، ويزداد بها بصيرة.
ولما كانت الآيات تثمر التذكر، والتذكر يوجب الإخلاص للّه،
رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال: (
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وهذا
شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، والإخلاص معناه: تخليص القصد للّه تعالى في
جميع العبادات الواجبة والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا للّه تعالى
في كل ما تدينونه به وتتقربون به إليه.
( وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
) لذلك، فلا تبالوا بهم، ولا يثنكم ذلك عن دينكم، ولا تأخذكم
بالله لومة لائم، فإن الكافرين يكرهون الإخلاص لله وحده غاية الكراهة، كما قال
تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ
ثم ذكر من جلاله وكماله ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال: (
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ ) أي:
العلي الأعلى، الذي استوى على العرش واختص به، وارتفعت درجاته ارتفاعًا باين به
مخلوقاته، وارتفع به قدره، وجلت أوصافه، وتعالت ذاته، أن يتقرب إليه إلا بالعمل
الزكي الطاهر المطهر، وهو الإخلاص، الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه ويجعلهم
فوق خلقه، ثم ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي، فقال: (
يُلْقِي الرُّوحَ ) أي: الوحي الذي للأرواح
والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد بدون الروح لا يحيا ولا يعيش،
فالروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا يفلح، فهو تعالى (
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ) الذي فيه نفع العباد
ومصلحتهم.
( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ ) وهم الرسل الذين فضلهم الله واختصهم الله لوحيه ودعوة
عباده.
والفائدة في إرسال الرسل، هو تحصيل سعادة العباد في دينهم
ودنياهم وآخرتهم، وإزالة الشقاوة عنهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولهذا قال: (
لِيُنْذِرَ ) من ألقى الله إليه الوحي (
يَوْمَ التَّلاقِ ) أي: يخوف العباد بذلك، ويحثهم
على الاستعداد له بالأسباب المنجية مما يكون فيه.
وسماه ( يوم التلاق ) لأنه
يلتقي فيه الخالق والمخلوق والمخلوقون بعضهم مع بعض، والعاملون وأعمالهم وجزاؤهم.
( يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ) أي:
ظاهرون على الأرض، قد اجتمعوا في صعيد واحد لا عوج ولا أمت فيه، يسمعهم الداعي
وينفذهم البصر.
( لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ
مِنْهُمْ شَيْءٌ ) لا من ذواتهم ولا من أعمالهم،
ولا من جزاء تلك الأعمال.
( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) أي: من
هو المالك لذلك اليوم العظيم الجامع للأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض،
الذي انقطعت فيه الشركة في الملك، وتقطعت الأسباب، ولم يبق إلا الأعمال الصالحة أو
السيئة؟ الملك ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
) أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له
في شيء منها بوجه من الوجوه. ( الْقَهَّارِ ) لجميع
المخلوقات، الذي دانت له المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصًا في ذلك اليوم الذي عنت فيه
الوجوه للحي القيوم، يومئذ لا تَكَلَّمُ نفس إلا بإذنه.
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 17 ) .
(
الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) في
الدنيا، من خير وشر، قليل وكثير. ( لا
ظُلْمَ الْيَوْمَ ) على أحد، بزيادة في سيئاته،
أو نقص من حسناته. ( إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ
الْحِسَابِ ) أي: لا تستبطئوا ذلك اليوم فإنه آت، وكل آت قريب. وهو أيضا
سريع المحاسبة لعباده يوم القيامة، لإحاطة علمه وكمال قدرته.
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ( 18 )
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 )
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ
بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 20 ) .
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) أي:
يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، ( إِذِ
الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ) أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم
هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم. (
كَاظِمِينَ ) لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما
في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة.
( مَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ) أي: قريب ولا صاحب، ( وَلا
شَفِيعٍ يُطَاعُ ) لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم
نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها.
(
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ ) وهو النظر الذي يخفيه العبد
من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة، ( وَمَا
تُخْفِي الصُّدُورُ ) مما لم يبينه العبد لغيره،
فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى.
( وَاللَّهُ يَقْضِي
بِالْحَقِّ ) لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، وحكمه الجزائي حق وهو المحيط
علمًا وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو
الذي يقضي قضاءه القدري، الذي إذا شاء شيئًا كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي
بين عباده المؤمنين والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه
وأحبابه.
(
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ) وهذا
شامل لكل ما عبد من دون الله ( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) لعجزهم
وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. ( إِنَّ
اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ ) لجميع الأصوات، باختلاف
اللغات، على تفنن الحاجات. ( الْبَصِيرُ ) بما
كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون.
قال في أول هاتين الآيتين ( وَأَنْذِرْهُمْ
يَوْمَ الآزِفَةِ ) ثم وصفها بهذه الأوصاف
المقتضية للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ
كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ
اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ( 21 )
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 22 ) .
يقول تعالى: (
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ ) أي: بقلوبهم وأبدانهم سير نظر
واعتبار، وتفكر في الآثار، ( فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) من
المكذبين، فسيجدونها شر العواقب، عاقبة الهلاك والدمار والخزي والفضيحة، وقد كانوا
أشد قوة من هؤلاء في الْعَدَد والْعُدَد وكبر الأجسام. ( و ) أشد ( آثارا
في الأرض ) من البناء والغرس، وقوة الآثار تدل على قوة المؤثر فيها
وعلى تمنعه بها. ( فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ )
بعقوبته بذنوبهم حين أصروا واستمروا عليها.
( إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ) فلم تغن قوتهم عند قوة اللّه شيئًا، بل من أعظم الأمم قوة،
قوم عاد الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أرسل اللّه إليهم ريحا أضعفت
قواهم، ودمرتهم كل تدمير.
ثم ذكر نموذجا من أحوال المكذبين بالرسل وهو فرعون وجنوده
فقال:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ
( 23 - 46 ) إلى آخر القصة.
أي: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا ) إلى
جنس هؤلاء المكذبين ( مُوسَى ) ابن
عمران، ( بِآيَاتِنَا )
العظيمة، الدالة دلالة قطعية، على حقية ما أرسل به، وبطلان ما عليه من أرسل إليهم
من الشرك وما يتبعه. ( وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) أي:
حجة بينة، تتسلط على القلوب فتذعن لها، كالحية والعصا ونحوهما من الآيات البينات،
التي أيد الله بها موسى، ومكنه مما دعا إليه من الحق.
والمبعوث إليهم فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وزيره وَقَارُونَ الذي
كان من قوم موسى، فبغى عليهم بماله، وكلهم ردوا عليه أشد الرد فَقَالُوا سَاحِرٌ
كَذَّابٌ
فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا وأيده الله
بالمعجزات الباهرة، الموجبة لتمام الإذعان، لم يقابلوها بذلك، ولم يكفهم مجرد
الترك والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها بباطلهم، بل وصلت بهم الحال الشنيعة إلى
أن قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا
نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ حيث كادوا هذه المكيدة، وزعموا أنهم إذا
قتلوا أبناءهم، لم يقووا، وبقوا في رقهم وتحت عبوديتهم.
فما كيدهم إلا في ضلال، حيث لم يتم لهم ما قصدوا، بل أصابهم
ضد ما قصدوا، أهلكهم الله وأبادهم عن آخرهم.
وتدبر هذه النكتة التي يكثر مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان
السياق في قصة معينة أو على شيء معين، وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم، لا
يختص به ذكر الحكم، وعلقه على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق
الكلام لأجلها، وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين.
فلهذا لم يقل ( وما
كيدهم إلا في ضلال ) . بل قال: وَمَا كَيْدُ
الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ .
وَقَالَ فِرْعَوْنُ متكبرًا متجبرًا مغررًا لقومه السفهاء:
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ أي: زعم - قبحه الله- أنه لولا
مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة
قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في الأرض فقال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ
دِينَكُمْ الذي أنتم عليه أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ وهذا من
أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه
والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ
فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
وَقَالَ مُوسَى حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة التي
أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينًا بربه: إِنِّي عُذْتُ
بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أي: امتنعت بربوبيته التي دبر بها جميع الأمور مِنْ كُلِّ
مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ أي: يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم
الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه فرعون وغيره، كما تقدم قريبًا في القاعدة،
فمنعه الله تعالى بلطفه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما
اندفع به عنه شر فرعون وملئه.
ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، الذي من آل فرعون، من
بيت المملكة، لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصًا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم
إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما منع الله
رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب من قريش، حيث كان أبو طالب كبيرًا
عندهم، موافقًا لهم على دينهم، ولو كان مسلمًا لم يحصل منه ذلك المنع.
فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحًا فعل
قومه، وشناعة ما عزموا عليه: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
أي: كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي الله، ولم يكن أيضا قولا
مجردًا عن البينات، ولهذا قال: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
لأن بينته اشتهرت عندهم اشتهارًا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله.
فهلا أبطلتم قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان
ببرهان يرده، ثم بعد ذلك نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟ فأما
وقد ظهرت حجته، واستعلى برهانه، فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي.
ثم قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال:
وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ
الَّذِي يَعِدُكُمْ
أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق فيها، فإن كان
كاذبًا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر حيث امتنعتم من إجابته
وتصديقه، وإن كان صادقًا وقد جاءكم بالبينات، وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم
الله عذابًا في الدنيا وعذابًا في الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم،
وهو عذاب الدنيا.
وهذا من حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب
الذي لا تشويش فيه عليهم، وجعل الأمر دائرًا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير
فقتله سفه وجهل منكم.
ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى
من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل. كَذَّابٌ بنسبته ما أسرف
فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله،
ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله
إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن
أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه.
ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار
بالملك الظاهر، فقال: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ أي: في الدنيا
ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، فهبكم حصل
لكم ذلك وتم، ولن يتم، فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ أي: عذابه إِنْ
جَاءَنَا ؟ وهذا من حسن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركًا بينه وبينهم بقوله: فَمَنْ
يَنْصُرُنَا وقوله: إِنْ جَاءَنَا ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم
ما يرضى لنفسه.
فـ قَالَ فِرْعَوْنُ معارضًا له في ذلك، ومغررًا لقومه أن
يتبعوا موسى: مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ
الرَّشَادِ وصدق في قوله: مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى ولكن ما الذي رأى؟
رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق
معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به مستيقنًا له.
وكذب في قوله: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ فإن
هذا قلب للحق، فلو أمرهم باتباعه اتباعًا مجردًا على كفره وضلاله، لكان الشر أهون،
ولكنه أمرهم باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق وفي اتباع الحق، اتباع الضلال.
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ مكررًا دعوة قومه غير آيس من هدايتهم،
كما هي حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك
راد، ولا يثنيهم عتو من دعوه عن تكرار الدعوة فقال لهم: يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ
عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ يعني الأمم المكذبين، الذين تحزبوا على
أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم فقال: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب
وعادة الله فيهم بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ
ظُلْمًا لِلْعِبَادِ فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه.
ولما خوفهم العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية،
فقال: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ أي: يوم القيامة،
حين ينادي أهل الجنة أهل النار: أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا
حَقًّا إلى آخر الآيات.
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ
أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ
اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ
وحين ينادي أهل النار مالكًا لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ
فيقول: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ وحين ينادون ربهم: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا
فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ فيجيبهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ
وحين يقال للمشركين: ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا
لَهُمْ
فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن أقاموا
على شركهم بذلك، ولهذا قال: يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أي: قد ذهب بكم إلى
النار مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ لا من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب
الله، ولا ينصركم من دونه من أحد يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ
قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ لأن الهدى بيد
الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، لخبثه، فلا سبيل إلى
هدايته.
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب عليهما السلام مِنْ
قَبْلُ إتيان موسى بالبينات الدالة على صدقه، وأمركم بعبادة ربكم وحده لا شريك له،
فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ في حياته حَتَّى إِذَا هَلَكَ
ازداد شككم وشرككم، و قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا أي:
هذا ظنكم الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه
سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم رسله، وظن أن الله لا يرسل رسولا ظن ضلال،
ولهذا قال: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ وهذا هو وصفهم
الحقيقي الذي وصفوا به موسى ظلمًا وعلوا، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه
إلى الضلال، وهم الكذبة، حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا رسوله.
فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا
يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن
يمنعه الهدى، كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي
آيَاتِ اللَّهِ التي بينت الحق من الباطل، وصارت - من ظهورها- بمنزلة الشمس للبصر،
فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ويبطلوها بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ أي:
بغير حجة وبرهان، وهذا وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن
يجادل بسلطان، لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي
أصلا كَبُرَ ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ
الَّذِينَ آمَنُوا فالله أشد بغضًا لصاحبه، لأنه تضمن التكذيب بالحق والتصديق
بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن اتصف بها، وكذلك عباده
المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، وهؤلاء خواص خلق الله تعالى،
فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه، كَذَلِكَ أي: كما طبع على قلوب آل فرعون يَطْبَعُ
اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ متكبر في نفسه على الحق برده وعلى
الخلق باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه.
وَقَالَ فِرْعَوْنُ معارضًا لموسى ومكذبًا له في دعوته إلى
الإقرار برب العالمين، الذي على العرش استوى، وعلى الخلق اعتلى: يَا هَامَانُ
ابْنِ لِي صَرْحًا أي: بناء عظيمًا مرتفعًا، والقصد منه لعلي أطلع إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا في دعواه أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات.
ولكنه يريد أن يحتاط فرعون، ويختبر الأمر بنفسه، قال الله
تعالى في بيان الذي حمله على هذا القول: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ
عَمَلِهِ فزين له العمل السيئ، فلم يزل الشيطان يزينه، وهو يدعو إليه ويحسنه، حتى
رآه حسنًا ودعا إليه وناظر مناظرة المحقين، وهو من أعظم المفسدين، وَصُدَّ عَنِ
السَّبِيلِ الحق، بسبب الباطل الذي زين له. وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ الذي أراد أن
يكيد به الحق، ويوهم به الناس أنه محق، وأن موسى مبطل إِلا فِي تَبَابٍ أي: خسار
وبوار، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة.
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ معيدًا نصيحته لقومه: يَا قَوْمِ
اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ لا كما يقول لكم فرعون، فإنه لا يهديكم
إلا طريق الغي والفساد.
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ
يتمتع بها ويتنعم قليلا ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعنكم عما خلقتم له
وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ التي هي محل الإقامة، ومنزل السكون
والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملا يسعدكم فيها.
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً من شرك أو فسوق أو عصيان فَلا يُجْزَى
إِلا مِثْلَهَا أي: لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه لأن جزاء السيئة السوء.
وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى من أعمال
القلوب والجوارح، وأقوال اللسان فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ
فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ أي: يعطون أجرهم بلا حد ولا عد، بل يعطيهم الله ما لا
تبلغه أعمالهم.
وَيَا قَوْمِ مَا لِي
أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ بما قلت لكم وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ بترك
اتباع نبي الله موسى عليه السلام.
ثم فسر ذلك فقال: تَدْعُونَنِي
لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أنه يستحق أن
يعبد من دون الله، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب وأقبحها، وَأَنَا
أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الذي له القوة كلها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء.
الْغَفَّارِ الذي يسرف العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه ثم إذا تابوا
وأنابوا إليه، كفر عنهم السيئات والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية
والأخروية.
لا جَرَمَ أي: حقًا يقينًا
أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي
الآخِرَةِ أي: لا يستحق من الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، في الدنيا ولا في
الآخرة، لعجزه ونقصه، وأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة، ولا
نشورًا.
وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى
اللَّهِ تعالى فسيجازي كل عامل بعمله. وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ
النَّارِ وهم الذين أسرفوا على أنفسهم بالتجرؤ على ربهم بمعاصيه والكفر به، دون
غيرهم.
فلما نصحهم وحذرهم وأنذرهم ولم
يطيعوه ولا وافقوه قال لهم:
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ
لَكُمْ من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم العقاب، وتحرمون جزيل
الثواب.
وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ودفع الضرر
الذي يصيبني منكم أو من غيركم. إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ يعلم أحوالهم
وما يستحقون، يعلم حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا
تتصرفون إلا بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي،َّ فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته
ومشيئته صدر ذلك.
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ
مَا مَكَرُوا أي: وقى الله القويّ الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر
فرعون وآله له، من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم
الموافقة التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا
يحتملونه وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، فأرادوا به
كيدًا فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على أنفسهم، وَحَاقَ بِآلِ
فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ أغرقهم الله تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم.
وفي البرزخ النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل
بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره.
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي
النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ( 47 )
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ
الْعِبَادِ ( 48 )
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ
عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ( 49 ) .
يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم
بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: (
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ ) يحتج
التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، (
فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ ) أي: الأتباع للقادة (
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) على الحق، ودعوهم إلى ما
استكبروا لأجله. ( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ
تَبَعًا ) أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك والشر، (
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ) أي:
ولو قليلا.
( قَالَ الَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا ) مبينين لعجزهم ونفوذ الحكم
الإلهي في الجميع: ( إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ
اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) وجعل لكل
قسطه من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم.
( وَقَالَ الَّذِينَ فِي
النَّارِ ) من المستكبرين والضعفاء (
لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ
) لعله تحصل بعض الراحة.
فـ قَالُوا لهم موبخين ومبينين أن شفاعتهم لا تنفعهم، ودعاءهم
لا يفيدهم شيئًا: أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ التي
تبينتم بها الحق والصراط المستقيم، وما يقرب من الله وما يبعد منه؟
قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ
تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ( 50 ) .
(
قَالُوا بَلَى ) قد جاءونا بالبينات، وقامت
علينا حجة الله البالغة فظلمنا وعاندنا الحق بعد ما تبين. (
قَالُوا ) أي: الخزنة لأهل النار، متبرئين من الدعاء لهم والشفاعة: (
فَادْعُوا ) أنتم ولكن هذا الدعاء هل يغني شيئا أم لا؟
قال تعالى: ( وَمَا
دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) أي:
باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صادّ لإجابة الدعاء.
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ( 51 )
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ
سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) .
لما ذكر عقوبة آل فرعون في
الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وذكر حالة أهل النار الفظيعة، الذين نابذوا رسله
وحاربوهم، قال: ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي:
بالحجة والبرهان والنصر، في الآخرة بالحكم لهم ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم
بشدة العقاب.
( يَوْمَ لا يَنْفَعُ
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ) حين يعتذرون (
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) أي:
الدار السيئة التي تسوء نازليها.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ( 53 )
هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ( 54 )
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( 55 ) .
لما ذكر ما جرى لموسى وفرعون،
وما آل إليه أمر فرعون وجنوده، ثم ذكر الحكم العام الشامل له ولأهل النار، ذكر أنه
أعطى موسى ( الْهُدَى ) أي:
الآيات، والعلم الذي يهتدي به المهتدون. (
وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) أي:
جعلناه متوارثًا بينهم، من قرن إلى آخر، وهو التوراة، وذلك الكتاب مشتمل على الهدى
الذي هو: العلم بالأحكام الشرعية وغيرها، وعلى التذكر للخير بالترغيب فيه، وعن
الشر بالترهيب عنه، وليس ذلك لكل أحد، وإنما هو (
لأولِي الألْبَابِ )
( فَاصْبِرْ ) يا
أيها الرسول كما صبر من قبلك من أولي العزم المرسلين. ( إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أي: ليس مشكوكًا فيه، أو فيه
ريب أو كذب، حتى يعسر عليك الصبر، وإنما هو الحق المحض، والهدى الصرف، الذي يصبر
عليه الصابرون، ويجتهد في التمسك به أهل البصائر.
فقوله: ( إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) من الأسباب التي تحث على
الصبر على طاعة الله وعن ما يكره الله.
(
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) المانع لك من تحصيل فوزك
وسعادتك، فأمره بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور،
وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصًا (
بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ ) اللذين هما أفضل الأوقات،
وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما فيهما، لأن في ذلك عونًا على
جميع الأمور.
إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ
فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا
كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ ( 56 ) .
يخبر تعالى أن من جادل في آياته
ليبطلها بالباطل، بغير بينة من أمره ولا حجة، إن هذا صادر من كبر في صدورهم على
الحق وعلى من جاء به، يريدون الاستعلاء عليه بما معهم من الباطل، فهذا قصدهم
ومرادهم.
ولكن هذا لا يتم لهم وليسوا
ببالغيه، فهذا نص صريح، وبشارة، بأن كل من جادل الحق أنه مغلوب، وكل من تكبر عليه
فهو في نهايته ذليل.
( فَاسْتَعِذْ ) أي:
اعتصم والجأ ( بِاللَّهِ ) ولم
يذكر ما يستعيذ، إرادة للعموم. أي: استعذ بالله من الكبر الذي يوجب التكبر على
الحق، واستعذ بالله من شياطين الإنس والجن، واستعذ بالله من جميع الشرور.
(
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) لجميع الأصوات على اختلافها،
( الْبَصِيرُ ) بجميع
المرئيات، بأي محل وموضع وزمان كانت.
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ ( 57 )
وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) .
يخبر تعالى بما تقرر في العقول، أن خلق السماوات والأرض - على
عظمهما وسعتهما- أعظم وأكبر، من خلق الناس، فإن الناس بالنسبة إلى خلق السماوات
والأرض من أصغر ما يكون فالذي خلق الأجرام العظيمة وأتقنها، قادر على إعادة الناس
بعد موتهم من باب أولى وأحرى. وهذا أحد الأدلة العقلية الدالة على البعث، دلالة
قاطعة، بمجرد نظر العاقل إليها، يستدل بها استدلالا لا يقبل الشك والشبهة بوقوع ما
أخبرت به الرسل من البعث.
وليس كل أحد يجعل فكره لذلك، ويقبل بتدبره، ولهذا قال: (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ولذلك لا
يعتبرون بذلك، ولا يجعلونه منهم على بال.
ثم قال تعالى: ( وَمَا
يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وَلا الْمُسِيءُ ) أي: كما لا يستوي الأعمى
والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل الصالحات، ومن كان مستكبرًا على عبادة
ربه، مقدمًا على معاصيه، ساعيًا في مساخطه، (
قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) أي: تذكركم قليل وإلا فلو
تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار والفجار، وكانت لكم
همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على الضلال، والسعادة الدائمة، على
الدنيا الفانية.
إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا
رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) .
( إِنَّ
السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا ) قد
أخبرت بها الرسل الذين هم أصدق الخلق ونطقت بها الكتب السماوية، التي جميع أخبارها
أعلى مراتب الصدق، وقامت عليها الشواهد المرئية، والآيات الأفقية. (
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) مع هذه
الأمور، التي توجب كمال التصديق، والإذعان.
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ
جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( 60 ) .
هذا من لطفه بعباده، ونعمته
العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأمرهم بدعائه، دعاء العبادة،
ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: ( إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) أي:
ذليلين حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة، جزاء على استكبارهم.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو
فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 )
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ ( 62 )
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 )
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 64 ) هُوَ
الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 65 ) .
تدبر هذه الآيات الكريمات،
الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم
سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل
ما اتصف به من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته،
وانفراده فيها، وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات
وحاضرها، ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء،
فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد من العبودية
شيئًا، كما لم يستحق من الربوبية شيئًا، وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله
تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران - وهما معرفته وعبادته- هما اللذان خلق
الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل
خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم
لعباده، وهما أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا، فات كل خير، وحضر كل
شر.
فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا
بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره،
إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه نوال.
فقوله تعالى: (
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ) أي:
لأجلكم جعل الله الليل مظلمًا، ( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) من
حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي
يستريح به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضًا، كل
حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل.
( و ) جعل
تعالى ( النَّهَارَ مُبْصِرًا ) منيرًا
بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا
لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا
لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برًا وبحرًا، وهذا لفلاحته،
وهذا لتصليح حيواناته.
( إِنَّ
اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ ) أي: عظيم، كما يدل عليه
التنكير ( عَلَى النَّاسِ ) حيث
أنعم عليهم بهذه النعم وغيرها، وصرف عنهم النقم، وهذا يوجب عليهم، تمام شكره
وذكره، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) بسبب
جهلهم وظلمهم. وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ الذين يقرون بنعمة ربهم،
ويخضعون للّه، ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه.
(
ذَلِكُمُ ) الذي فعل ما فعل (
اللَّهُ رَبُّكُمْ ) أي: المنفرد بالإلهية،
والمنفرد بالربوبية، لأن انفراده بهذه النعم، من ربوبيته، وإيجابها للشكر، من
ألوهيته، ( لا إِلَهَ إِلا هُوَ ) تقرير
أنه المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، (
خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) تقرير لربوبيته.
ثم صرح بالأمر بعبادته فقال: ( فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ ) أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان
لكم الدليل، وأنار لكم السبيل؟ «
» (
كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) أي:
عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما
قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ
يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
(
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا ) أي:
قارة ساكنة، مهيأة لكل مصالحكم، تتمكنون من حرثها وغرسها، والبناء عليها، والسفر،
والإقامة فيها.
( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ) سقفًا
للأرض، التي أنتم فيها، قد جعل الله فيها ما تنتفعون به من الأنوار والعلامات،
التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، (
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) فليس
في جنس الحيوانات، أحسن صورة من بني آدم، كما قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا
الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
وإذا أردت أن تعرف حسن الآدمي
وكمال حكمة الله تعالى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه،
يليق به، ويصلح أن يكون في غير محله؟ وانظر أيضًا، إلى الميل الذي في القلوب،
بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل
والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور.
(
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) وهذا
شامل لكل طيب، من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، ومنظر، ومسمع، وغير ذلك، من الطيبات
التي يسرها الله لعباده، ويسر لهم أسبابها، ومنعهم من الخبائث، التي تضادها، وتضر
أبدانهم، وقلوبهم، وأديانهم، ( ذَلِكُمُ ) الذي
دبر الأمور، وأنعم عليكم بهذه النعم (
اللَّهُ رَبُّكُمْ ) (
فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) أي:
تعاظم، وكثر خيره وإحسانه، المربي جميع العالمين بنعمه.
( هُوَ
الْحَيُّ ) الذي له الحياة الكاملة التامة، المستلزمة لما تستلزمه من
صفاته الذاتية، التي لا تتم حياته إلا بها، كالسمع، والبصر، والقدرة، والعلم،
والكلام، وغير ذلك، من صفات كماله، ونعوت جلاله.
( لا
إِلَهَ إِلا هُوَ ) أي: لا معبود بحق، إلا وجهه
الكريم. ( فَادْعُوهُ ) وهذا
شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة (
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي: اقصدوا بكل عبادة ودعاء
وعمل، وجه الله تعالى، فإن الإخلاص، هو المأمور به كما قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا
إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ
(
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي:
جميع المحامد والمدائح والثناء، بالقول كنطق الخلق بذكره، والفعل، كعبادتهم له، كل
ذلك للّه تعالى وحده لا شريك له، لكماله في أوصافه وأفعاله، وتمام نعمه.
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ
مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 66 ) .
لما ذكر الأمر بإخلاص العبادة للّه وحده، وذكر الأدلة على ذلك
والبينات، صرح بالنهي عن عبادة ما سواه فقال: ( قُلْ ) يا
أيها النبي ( إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ ) من الأوثان والأصنام، وكل ما
عبد من دون الله.
ولست على شك من أمري، بل على يقين وبصيرة، ولهذا قال: (
لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ) بقلبي ولساني، وجوارحي، بحيث
تكون منقادة لطاعته، مستسلمة لأمره، وهذا أعظم مأمور به، على الإطلاق، كما أن
النهي عن عبادة ما سواه، أعظم مَنْهِيٍّ عنه، على الإطلاق.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ
لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 67 ) هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ( 68 ) .
ثم قرر هذا التوحيد، بأنه
الخالق لكم والمطور لخلقتكم، فكما خلقكم وحده، فاعبدوه وحده فقال: ( هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ) وذلك
بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام. ( ثُمَّ
مِنْ نُطْفَةٍ ) وهذا ابتداء خلق سائر النوع
الإنساني، ما دام في بطن أمه، فنبه بالابتداء، على بقية الأطوار، من العلقة،
فالمضغة، فالعظام، فنفخ الروح، ( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ) ثم
هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا أشدكم من قوة العقل والبدن، وجميع قواه
الظاهرة والباطنة.
( ثُمَّ
لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ) بلوغ
الأشد ( وَلِتَبْلُغُوا ) بهذه
الأطوار المقدرة ( أَجَلا مُسَمًّى ) تنتهي
عنده أعماركم. ( وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
أحوالكم، فتعلمون أن المطور لكم في هذه الأطوار كامل الاقتدار، وأنه الذي لا تنبغي
العبادة إلا له، وأنكم ناقصون من كل وجه.
( هُوَ
الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أي هو المنفرد بالإحياء
والإماتة، فلا تموت نفس بسبب أو بغير سبب، إلا بإذنه. وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ
مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ
(
فَإِذَا قَضَى أَمْرًا ) جليلا أو حقيرًا (
فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) لا رد
في ذلك، ولا مثنوية، ولا تمنع.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 )
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ
الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي
الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 )
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 ) مِنْ
دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ
شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ( 74 )
ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا
كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 )
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 ) .
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ )
الواضحة البينة متعجبًا من حالهم الشنيعة. (
أَنَّى يُصْرَفُونَ ) أي: كيف ينعدلون عنها؟ وإلى
أي شيء يذهبون بعد البيان التام؟ هل يجدون آيات بينات تعارض آيات الله؟ لا والله.
أم يجدون شبهًا توافق أهواءهم، ويصولون بها لأجل باطلهم؟ فبئس ما استبدلوا
واختاروا لأنفسهم، بتكذيبهم بالكتاب، الذي جاءهم من الله، وبما أرسل الله به رسله،
الذين هم خير الخلق وأصدقهم، وأعظمهم عقولا فهؤلاء لا جزاء لهم سوى النار الحامية،
ولهذا توعدهم الله بعذابها فقال: (
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ )
( إِذِ
الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ) التي لا يستطيعون معها حركة.
( وَالسَّلاسِلُ ) التي
يقرنون بها، هم وشياطينهم ( يُسْحَبُونَ في الحميم )
أي: الماء الذي اشتد غليانه
وحره. ( ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) يوقد
عليهم اللهب العظيم، فيصلون بها، ثم يوبخون على شركهم وكذبهم.
ويقال (
لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) هل
نفعوكم، أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟. (
قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا ) أي: غابوا ولم يحضروا، ولو
حضروا، لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا: ( بَلْ
لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ) يحتمل
أن مرادهم بذلك، الإنكار، وظنوا أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل - وهو الأظهر- أن
مرادهم بذلك، الإقرار على بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس للّه شريك في
الحقيقة، وإنما هم ضالون مخطئون، بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى:
( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ) أي:
كذلك الضلال الذي كانوا عليه في الدنيا، الضلال الواضح لكل أحد، حتى إنهم بأنفسهم،
يقرون ببطلانه يوم القيامة، ويتبين لهم معنى قوله تعالى: وَمَا يَتَّبِعُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا
الظَّنَّ ويدل عليه قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الآيات.
ويقال لأهل النار (
ذَلِكُمْ ) العذاب، الذي نوع عليكم ( بِمَا
كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ
) أي: تفرحون بالباطل الذي أنتم عليه، وبالعلوم التي خالفتم
بها علوم الرسل وتمرحون على عباد الله، بغيًا وعدوانًا، وظلمًا، وعصيانًا، كما قال
تعالى في آخر هذه السورة: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
وكما قال قوم قارون له: لا
تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
وهذا هو الفرح المذموم الموجب
للعقاب، بخلاف الفرح الممدوح الذي قال الله فيه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا وهو الفرح بالعلم النافع، والعمل
الصالح.
(
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ ) كل بطبقة من طبقاتها، على قدر
عمله. ( خَالِدِينَ فِيهَا ) لا
يخرجون منها أبدًا ( فَبِئْسَ مَثْوَى
الْمُتَكَبِّرِينَ ) مثوى يخزون فيه، ويهانون،
ويحبسون، ويعذبون، ويترددون بين حرها وزمهريرها.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ
نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ( 77 ) .
أي ( فَاصْبِرْ ) يا
أيها الرسول، على دعوة قومك، وما ينالك منهم، من أذى، واستعن على صبرك بإيمانك ( إِنَّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) سينصر دينه، ويُعْلِي كلمته،
وينصر رسله في الدنيا والآخرة، واستعن على ذلك أيضًا، بتوقع العقوبة بأعدائك في
الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ
الَّذِي نَعِدُهُمْ ) في الدنيا فذاك ( أَوْ
نَتَوَفَّيَنَّكَ ) قبل عقوبتهم (
فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) فنجازيهم بأعمالهم، وَلا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ثم سلاه وصبَّره، بذكر
إخوانه المرسلين فقال:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا
مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ
الْمُبْطِلُونَ ( 78 ) .
أي: (
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ ) كثيرين
إلى قومهم، يدعونهم ويصبرون على أذاهم. ( مِنْهُمْ
مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ ) خبرهم (
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) وكل
الرسل مدبرون، ليس بيدهم شيء من الأمر.
وما كان لأحد منهم ( أَنْ
يَأْتِيَ بِآيَةٍ ) من الآيات السمعية والعقلية ( إِلا
بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي: بمشيئته وأمره، فاقتراح
المقترحين على الرسل الإتيان بالآيات، ظلم منهم، وتعنت، وتكذيب، بعد أن أيدهم
اللّه بالآيات الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به. (
فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ) بالفصل بين الرسل وأعدائهم،
والفتح. ( قُضِىَ ) بينهم (
بِالْحَقِّ ) الذي يقع الموقع، ويوافق الصواب بإنجاء الرسل وأتباعهم،
وإهلاك المكذبين، ولهذا قال: ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ ) أي:
وقت القضاء المذكور ( الْمُبْطِلُونَ ) الذين
وصفهم الباطل، وما جاءوا به من العلم والعمل، باطل، وغايتهم المقصودة لهم، باطلة،
فَلْيَحْذَر هؤلاء المخاطبون، أن يستمروا على باطلهم، فيخسروا، كما خسر أولئك، فإن
هؤلاء لا خير منهم، ولا لهم براءة في الكتب بالنجاة.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ( 79 )
وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 80 )
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 ) .
يمتن تعالى على عباده، بما جعل
لهم من الأنعام، التي بها، جملة من الإنعام:
منها: منافع الركوب عليها،
والحمل.
ومنها: منافع الأكل من لحومها،
والشرب من ألبانها.
ومنها: منافع الدفء، واتخاذ
الآلات والأمتعة، من أصوافها، وأوبارها وأشعارها، إلى غير ذلك من المنافع.
(
وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ ) من
الوصول إلى الأوطان البعيدة، وحصول السرور بها، والفرح عند أهلها. (
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) أي:
على الرواحل البرية، والفلك البحرية، يحملكم الله الذي سخرها، وهيأ لها ما هيأ، من
الأسباب، التي لا تتم إلا بها.
(
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) الدالة على وحدانيته،
وأسمائه، وصفاته، وهذا من أكبر نعمه، حيث أشهد عباده، آياته النفسية، وآياته
الأفقية، ونعمه الباهرة، وعدَّدَها عليهم، ليعرفوه، ويشكروه، ويذكروه.
(
فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ) أي: أي
آية من آياته لا تعترفون بها؟ فإنكم، قد تقرر عندكم، أن جميع الآيات والنعم، منه تعالى،
فلم يبق للإنكار محل، ولا للإعراض عنها موضع، بل أوجبت لذوي الألباب، بذل الجهد،
واستفراغ الوسع، للاجتهاد في طاعته، والتبتل في خدمته، والانقطاع إليه.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي
الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا
أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 )
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ
الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 )
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا
كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 )
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ
الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 ) .
يحث تعالى، المكذبين لرسولهم، على السير في الأرض، بأبدانهم،
وقلوبهم: وسؤال العالمين. ( فَيَنْظُرُوا ) نظر
فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال.
( كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) من الأمم السالفة، كعاد،
وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارًا في الأرض من
الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة ( فَمَا
أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) حين
جاءهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم.
ثم ذكر جرمهم الكبير فقال: (
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ) من
الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من الضلال، والحق
من الباطل ( فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )
المناقض لدين الرسل.
ومن المعلوم، أن فرحهم به، يدل على شدة رضاهم به، وتمسكهم،
ومعاداة الحق، الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقًا، وهذا عام لجميع العلوم، التي
نوقض بها، ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، علوم الفلسفة، والمنطق
اليوناني، الذي رُدَّت به كثير من آيات القرآن، ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته
اليقينية القاطعة، أدلة لفظية، لا تفيد شيئًا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل
السفه والباطل، وهذا من أعظم الإلحاد في آيات الله، والمعارضة لها، والمناقضة،
فالله المستعان.
( وَحَاقَ بِهِمْ ) أي:
نزل ( مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) من
العذاب.
( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) أي:
عذابنا، أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار (
قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) من
الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل، من علم أو عمل.
( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ
إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) أي: في
تلك الحال، وهذه ( سُنَّتَ اللَّهِ ) وعادته
( الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) أن
المكذبين حين ينزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا
منجيًا لهم من العذاب، وذلك لأنه إيمان ضرورة، قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة،
وإنما الإيمان النافع الذي ينجي صاحبه، هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانًا
بالغيب، وذلك قبل وجود قرائن العذاب.
( وَخَسِرَ هُنَالِكَ ) أي:
وقت الإهلاك، وإذاقة البأس ( الْكَافِرُونَ ) دينهم
ودنياهم وأخراهم، ولا يكفي مجرد الخسارة، في تلك الدار، بل لا بد من خسران يشقي في
العذاب الشديد، والخلود فيه، دائما أبدًا.
تم تفسير سورة المؤمن بحمد الله ولطفه ومعونته، لا بحولنا
وقوتنا، فله الشكر والثناء
سورة فصلت
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ حم ( 1 )
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 )
كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 )
بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 )
وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا
وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ( 5 ) قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ
وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 )
الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 7 )
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 8 ) .
يخبر تعالى عباده أن هذا الكتاب
الجليل والقرآن الجميل ( تَنزيلُ ) صادر ( مِنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي
من أعظم رحمته وأجلها، إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به، من العلم والهدى، والنور،
والشفاء، والرحمة، والخير الكثير، ما هو من أجل نعمه على العباد، وهو الطريق
للسعادة في الدارين.
ثم أثنى على الكتاب بتمام
البيان فقال: ( فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) أي:
فصل كل شيء من أنواعه على حدته، وهذا يستلزم البيان التام، والتفريق بين كل شيء،
وتمييز الحقائق. ( قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) أي:
باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل عربيًا. (
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) أي: لأجل أن يتبين لهم معناه،
كما تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والْغَيِّ من الرشاد.
وأما الجاهلون، الذين لا يزيدهم
الهدى إلا ضلالا ولا البيان إلا عَمًى فهؤلاء لم يُسَقِ الكلام لأجلهم، سَوَاءٌ
عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
(
بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) أي: بشيرًا بالثواب العاجل
والآجل، ونذيرًا بالعقاب العاجل والآجل، وذكر تفصيلهما، وذكر الأسباب والأوصاف
التي تحصل بها البشارة والنذارة، وهذه الأوصاف للكتاب، مما يوجب أن يُتَلقَّى
بالقبول، والإذعان، والإيمان، والعمل به، ولكن أعرض أكثر الخلق عنه إعراض
المستكبرين، ( فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ) له
سماع قبول وإجابة، وإن كانوا قد سمعوه سماعًا، تقوم عليهم به الحجة الشرعية.
(
وَقَالُوا ) أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينين عدم انتفاعهم به، بسد
الأبواب الموصلة إليه: ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) أي:
أغطية مغشاة ( مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ) أي:
صمم فلا نسمع لك ( وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابٌ ) فلا نراك.
القصد من ذلك، أنهم أظهروا
الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه، والرضا بما هم عليه، ولهذا قالوا: (
فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) أي: كما رضيت بالعمل بدينك،
فإننا راضون كل الرضا، بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا بالضلال
عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا الآخرة بالدنيا.
( قُلْ ) لهم يا
أيها النبي: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ) أي:
هذه صفتي ووظيفتي، أني بشر مثلكم، ليس بيدي من الأمر شيء، ولا عندي ما تستعجلون به،
وإنما فضلني اللّه عليكم، وميَّزني، وخصَّني، بالوحي الذي أوحاه إليَّ وأمرني
باتباعه، ودعوتكم إليه.
( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ) أي.
اسلكوا الصراط الموصل إلى اللّه تعالى، بتصديق الخبر الذي أخبر به، واتباع الأمر،
واجتناب النهي، هذه حقيقة الاستقامة، ثم الدوام على ذلك، وفي قوله: (
إِلَيْهِ ) تنبيه على الإخلاص، وأن العامل ينبغي له أن يجعل مقصوده
وغايته، التي يعمل لأجلها، الوصول إلى اللّه، وإلى دار كرامته، فبذلك يكون عمله
خالصًا صالحًا نافعًا، وبفواته، يكون عمله باطلا.
ولما كان العبد، - ولو حرص على الاستقامة-
لا بد أن يحصل منه خلل بتقصير بمأمور، أو ارتكاب منهي، أمره بدواء ذلك بالاستغفار
المتضمن للتوبة فقال: ( وَاسْتَغْفِرُوهُ ) ثم
توَّعد من ترك الاستقامة فقال: ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ *
الذين لا يؤتون الزكاة ) أي: الذين عبدوا من دونه من
لا يملك نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا ودنسوا أنفسهم، فلم
يزكوها بتوحيد ربهم والإخلاص له، ولم يصلوا ولا زكوا، فلا إخلاص للخالق بالتوحيد
والصلاة، ولا نفع للخلق بالزكاة وغيرها. (
وَهُمْ بِالآخِرَةِ هم كَافِرُونَ ) أي: لا
يؤمنون بالبعث، ولا بالجنة والنار، فلذلك لما زال الخوف من قلوبهم، أقدموا على ما
أقدموا عليه، مما يضرهم في الآخرة.
ولما ذكر الكافرين، ذكر
المؤمنين، ووصفهم وجزاءهم، فقال: ( إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا ) بهذا الكتاب، وما اشتمل عليه
مما دعا إليه من الإيمان، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة للإخلاص،
والمتابعة. ( لَهُمْ أَجْرٌ ) أي:
عظيم ( غَيْرُ مَمْنُونٍ ) أي:
غير مقطوع ولا نافد، بل هو مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، مشتمل على جميع
اللذات والمشتهيات.
قُلْ أَئِنَّكُمْ
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ
أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( 9 )
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا
أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 )
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ
ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( 11 ) .
ينكر تعالى ويعجِّب، من كفر الكافرين به، الذين جعلوا معه
أندادا يشركونهم معه، ويبذلون لهم ما يشاؤون من عباداتهم، ويسوونهم بالرب العظيم،
الملك الكريم، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة، في يومين، ثم دحاها في يومين، بأن
جعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل وعدم الاستقرار.
فكمل خلقها، ودحاها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك ( فِي
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ) عن
ذلك، فلا ينبئك مثل خبير، فهذا الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص.
( ثُمَّ ) بعد أن
خلق الأرض ( اسْتَوَى ) أي:
قصد ( إِلَى ) خلق (
السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ) قد ثار على وجه الماء، (
فَقَالَ لَهَا ) ولما كان هذا التخصيص يوهم
الاختصاص، عطف عليه بقوله: ( وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) أي: انقادا لأمري، طائعتين أو
مكرهتين، فلا بد من نفوذه. ( قَالَتَا أَتَيْنَا
طَائِعِينَ ) ليس لنا إرادة تخالف إرادتك.
فَقَضَاهُنَّ
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا
وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) .
( فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ
سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ )
فَتَمَّ خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، مع
أن قدرة اللّه ومشيئته صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة، ولكن مع أنه قدير، فهو
حكيم رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة.
واعلم أن
ظاهر هذه الآية، مع قوله تعالى في النازعات، لما ذكر خلق السماوات قال: وَالأَرْضَ
بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا يظهر منهما التعارض، مع أن كتاب اللّه، لا تعارض فيه ولا
اختلاف.
والجواب
عن ذلك، ما قاله كثير من السلف، أن خلق الأرض وصورتها متقدم على خلق السماوات كما
هنا، ودحي الأرض بأن أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ
أَرْسَاهَا متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات، ولهذا قال فيها:
وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا إلى آخره ولم يقل: « والأرض بعد ذلك خلقها »
وقوله: ( وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ
أَمْرَهَا ) أي:
الأمر والتدبير اللائق بها، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين.
( وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ
الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ) هي:
النجوم، يستنار، بها، ويهتدى، وتكون زينة وجمالا للسماء ظاهرًا، وجمالا لها،
باطنًا، بجعلها رجومًا للشياطين، لئلا يسترق السمع فيها. ( ذَلِكَ ) المذكور، من الأرض وما فيها،
والسماء وما فيها (
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ ) الذي
عزته، قهر بها الأشياء ودبرها، وخلق بها المخلوقات. ( الْعَلِيمِ ) الذي أحاط علمه بالمخلوقات،
الغائب والشاهد.
فَتَرْكُ
المشركين الإخلاص لهذا الرب العظيم الواحد القهار، الذي انقادت المخلوقات لأمره
ونفذ فيها قدره، من أعجب الأشياء، واتخاذهم له أندادًا يسوونهم به، وهم ناقصون في
أوصافهم وأفعالهم، أعجب، وأعجب، ولا دواء لهؤلاء، إن استمر إعراضهم، إلا العقوبات
الدنيوية والأخروية، فلهذا خوفهم بقوله:
فَإِنْ
أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا
لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
كَافِرُونَ ( 14 ) .
أي: فإن
أعرض هؤلاء المكذبون بعد ما بين لهم من أوصاف القرآن الحميدة، ومن صفات الإله
العظيم (
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً ) أي:
عذابًا يستأصلكم ويجتاحكم، (
مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) القبيلتين المعروفتين، حيث اجتاحهم العذاب، وحل عليهم، وبيل
العقاب، وذلك بظلمهم وكفرهم.
حيث ( جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ) أي: يتبع بعضهم بعضا متوالين، ودعوتهم جميعا واحدة. ( أَلا تَعْبُدُوا إِلا
اللَّهَ ) أي:
يأمرونهم بالإخلاص للّه، وينهونهم عن الشرك، فردوا رسالتهم وكذبوهم، ( قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا
لأنزلَ مَلائِكَةً ) أي:
وأما أنتم فبشر مثلنا (
فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين المكذبين، [ من الأمم ] وهي
من أوهى الشُّبَهِ، فإنه ليس من شرط الإرسال، أن يكون المرسل مَلَكًا، وإنما شرط
الرسالة، أن يأتي الرسول بما يدل على صدقه، فَلْيَقْدَحُوا، إن استطاعوا بصدقهم،
بقادح عقلي أو شرعي، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا.
فَأَمَّا
عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) .
هذا
تفصيل لقصة هاتين الأمتين، عاد، وثمود. ( فَأَمَّا عَادٌ ) فكانوا - مع كفرهم باللّه، وجحدهم بآيات اللّه، وكفرهم
برسله- مستكبرين في الأرض، قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم
قوتهم. (
وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) قال تعالى ردًا عليهم، بما يعرفه كل أحد: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ
اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) فلولا خلقه إياهم، لم يوجدوا
فلو نظروا إلى هذه الحال نظرًا صحيحًا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم اللّه عقوبة،
تناسب قوتهم، التي اغتروا بها.
( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ) أي: ريحًا عظيمة، من قوتها وشدتها،
لها صوت مزعج، كالرعد القاصف. فسخرها اللّه عليهم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ
أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ ( نحسات
)
فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وقال هنا: ( لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) الذي اختزوا به وافتضحوا بين الخليقة. ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ
أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) أي: لا
يمنعون من عذاب اللّه، ولا ينفعون أنفسهم.
وَأَمَّا
ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ
صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) .
وأما
ثمود وهم القبيلة المعروفة الذين سكنوا الحجر وحواليه، الذين أرسل اللّه إليهم
صالحًا عليه السلام، يدعوهم إلى توحيد ربهم، وينهاهم عن الشرك وآتاهم اللّه
الناقة، آية عظيمة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، يشربون لبنها يومًا ويشربون من
الماء يومًا، وليسوا ينفقون عليها، بل تأكل من أرض اللّه، ولهذا قال هنا: ( وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ ) أي:
هداية بيان، وإنما نص عليهم، وإن كان جميع الأمم المهلكة، قد قامت عليهم الحجة،
وحصل لهم البيان، لأن آية ثمود، آية باهرة، قد رآها صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم
وأنثاهم، وكانت آية مبصرة، فلهذا خصهم بزيادة البيان والهدى.
ولكنهم -
من ظلمهم وشرهم- استحبوا العمى - الذي هو الكفر والضلال- على الهدى - الذي هو:
العلم والإيمان- (
فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) لا ظلمًا من اللّه لهم.
( وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) أي نجى
اللّه صالحًا عليه السلام ومن اتبعه من المؤمنين المتقين للشرك، والمعاصي.
وَيَوْمَ
يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا
شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ( 20 ) .
يخبر
تعالى عن أعدائه، الذين بارزوه بالكفر به وبآياته، وتكذيب رسله ومعاداتهم
ومحاربتهم، وحالهم الشنيعة حين يحشرون، أي: يجمعون. ( إِلَى النَّارِ فَهُمْ
يُوزَعُونَ ) [ أي ]
: يرد أولهم على آخرهم، ويتبع آخرهم أولهم، ويساقون إليها سوقا عنيفًا، لا
يستطيعون امتناعًا، ولا ينصرون أنفسهم، ولا هم ينصرون.
( حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا ) أي: حتى إذا وردوا على النار،
وأرادوا الإنكار، أو أنكروا ما عملوه من المعاصي، ( شَهِدَ عَلَيْهِمْ
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ ) عموم بعد خصوص. [ ( بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ] أي: شهد عليهم كل عضو من
أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا. وخص هذه الأعضاء
الثلاثة، لأن أكثر الذنوب، إنما تقع بها، أو بسببها.
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ
شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 )
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا
أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ
كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 )
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ
مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) .
فإذا شهدت عليهم عاتبوها، (
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ ) هذا دليل عل أن الشهادة تقع
من كل عضو كما ذكرنا: ( لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ) ونحن
ندافع عنكن؟ ( قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ
شَيْءٍ ) فليس في إمكاننا، الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا
يستعصي عن مشيئته أحد.
(
وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) فكما
خلقكم بذواتكم، وأجسامكم، خلق أيضا صفاتكم، ومن ذلك، الإنطاق. (
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) في الآخرة، فيجزيكم بما
عملتم، ويحتمل أن المراد بذلك، الاستدلال على البعث بالخلق الأول، كما هو طريقة
القرآن.
( وَمَا
كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ
وَلا جُلُودُكُمْ ) أي: وما كنتم تختفون عن شهادة
أعضائكم عليكم، ولا تحاذرون من ذلك. (
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ ) بإقدامكم على المعاصي ( أَنَّ
اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ) فلذلك
صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم وشقائهم ولهذا قال: (
وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ ) الظن
السيئ، حيث ظننتم به، ما لا يليق بجلاله. (
أَرْدَاكُمْ ) أي: أهلككم (
فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
لأنفسهم وأهليهم وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت
عليكم كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم، في العذاب، الذي لا يفتر
عنهم ساعة.
(
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ) فلا
جَلَدَ عليها، ولا صبر، وكل حالة قُدِّر إمكان الصبر عليها، فالنار لا يمكن الصبر
عليها، وكيف الصبر على نار، قد اشتد حرها، وزادت على نار الدنيا، بسبعين ضعفًا،
وعظم غليان حميمها، وزاد نتن صديدها، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت سلاسلها وأغلالها،
وكبرت مقامعها، وغلظ خُزَّانها، وزال ما في قلوبهم من رحمتهم، وختام ذلك سخط
الجبار، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ
(
وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا ) أي: يطلبوا أن يزال عنهم
العتب، ويرجعوا إلى الدنيا، ليستأنفوا العمل. ( فَمَا
هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ) لأنه ذهب وقته، وعمروا، ما
يعمر فيه من تذكر وجاءهم النذير وانقطعت حجتهم، مع أن استعتابهم، كذب منهم وَلَوْ
رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ
قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ
عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ( 25 ) .
أي: وقضينا لهؤلاء الظالمين
الجاحدين للحق ( قُرَنَاءَ ) من
الشياطين، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى
الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا أي تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما
زينوا ( لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ )
فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا،
فأقدموا على معاصي اللّه، وسلكوا ما شاءوا من محاربة اللّه ورسله والآخرة
بَعّدُوها عليهم وأنسوهم ذكرها، وربما أوقعوا عليهم الشُّبه، بعدم وقوعها، فترحَّل
خوفها من قلوبهم، فقادوهم إلى الكفر، والبدع، والمعاصي.
وهذا التسليط والتقييض من اللّه
للمكذبين الشياطين، بسبب إعراضهم عن ذكر اللّه وآياته، وجحودهم الحق كما قال
تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ
لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ
أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
(
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) أي: وجب عليهم، ونزل القضاء
والقدر بعذابهم ( فِي ) جملة (
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا
خَاسِرِينَ ) لأديانهم وآخرتهم، ومن خسر، فلا بد أن يذل ويشقى ويعذب.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 )
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 27 )
ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً
بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ( 28 )
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ( 29 ) .
يخبر تعالى عن إعراض الكفار عن القرآن، وتواصيهم بذلك، فقال:
( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا
الْقُرْآنِ ) أي: أعرضوا عنه بأسماعكم، وإياكم أن تلتفتوا، أو تصغوا إليه
ولا إلى من جاء به، فإن اتفق أنكم سمعتموه، أو سمعتم الدعوة إلى أحكامه، فـ (
الْغَوْا فِيهِ ) أي: تكلموا بالكلام الذي لا
فائدة فيه، بل فيه المضرة، ولا تمكنوا - مع قدرتكم- أحدًا يملك عليكم الكلام به، وتلاوة
ألفاظه ومعانيه، هذا لسان حالهم، ولسان مقالهم، في الإعراض عن هذا القرآن، (
لَعَلَّكُمْ ) إن فعلتم ذلك (
تَغْلِبُونَ ) [ وهذه ] شهادة من الأعداء، وأوضح الحق، ما شهدت به
الأعداء، فإنهم لم يحكموا بغلبتهم لمن جاء بالحق إلا في حال الإعراض عنه والتواصي
بذلك، ومفهوم كلامهم، أنهم إن لم يلغوا فيه، بل استمعوا إليه، وألقوا أذهانهم،
أنهم لا يغلبون، فإن الحق، غالب غير مغلوب، يعرف هذا، أصحاب الحق وأعداؤه.
ولما كان هذا ظلمًا منهم وعنادًا، لم يبق فيهم مطمع للهداية،
فلم يبق إلا عذابهم ونكالهم، ولهذا قال: (
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وهو
الكفر والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون، لكونهم يعملون المعاصي وغيرها،
فالجزاء بالعقوبة، إنما هو على عمل الشرك وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا
( ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ
اللَّهِ ) الذين حاربوه، وحاربوا أولياءه، بالكفر والتكذيب، والمجادلة
والمجالدة. ( النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ ) أي:
الخلود الدائم، الذي لا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا هم ينصرون، وذلك (
جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) فإنها
آيات واضحة، وأدلة قاطعة مفيدة لليقين، فأعظم الظلم وأكبر العناد، جحدها، والكفر
بها.
(
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: الأتباع منهم، بدليل ما
بعده، على وجه الحنق، على من أضلهم: (
رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ ) أي:
الصنفين اللذين، قادانا إلى الضلال والعذاب، من شياطين الجن، وشياطين الإنس،
الدعاة إلى جهنم.
( نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ
أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ ) أي:
الأذلين المهانين كما أضلونا، وفتنونا، وصاروا سببًا لنزولنا. ففي هذا، بيان حنق
بعضهم على بعض، وتبرِّي بعضهم من بعض.
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا
تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
( 30 )
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ
فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( 31 )
نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ( 32 ) .
يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن
ذلك، تنشيطهم، والحث على الاقتداء بهم، فقال: ( إِنَّ
الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) أي:
اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم استقاموا على
الصراط المستقيم، علمًا وعملا فلهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
(
تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ )
الكرام، أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار. ( أَلا
تَخَافُوا ) على ما يستقبل من أمركم، ( وَلا
تَحْزَنُوا ) على ما مضى، فنفوا عنهم المكروه الماضي والمستقبل، (
وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) فإنها
قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولا ويقولون لهم أيضا - مثبتين لهم، ومبشرين:
( نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الآخِرَةِ ) يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه لهم، ويرهبونهم عن
الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله لهم، ويثبتونهم عند المصائب والمخاوف،
وخصوصًا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي
الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون عليهم من كل باب سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا
صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ويقولون لهم أيضا: (
وَلَكُمْ فِيهَا ) أي: في الجنة ( مَا
تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ) قد أعد وهيئ. (
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) أي: تطلبون من كل ما تتعلق به
إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
خطر على قلب بشر.
( نزلا
مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) أي: هذا الثواب الجزيل،
والنعيم المقيم، نزلٌ وضيافة ( مِنْ غَفُورٍ ) غفر
لكم السيئات، ( رَحِيمٍ ) حيث
وفقكم لفعل الحسنات، ثم قبلها منكم. فبمغفرته أزال عنكم المحذور، وبرحمته، أنالكم
المطلوب.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) .
هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر
أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلامًا وطريقة، وحالة (
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ) بتعليم الجاهلين، ووعظ
الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين، بالأمر بعبادة الله، بجميع أنواعها،والحث
عليها، وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه،
خصوصًا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن،
والنهي عما يضاده من الكفر والشرك، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ومن الدعوة إلى الله، تحبيبه
إلى عباده، بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ونعوت
جلاله.
ومن الدعوة إلى الله، الترغيب
في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك، بكل طريق موصل
إليه، ومن ذلك، الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء
بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين.
ومن ذلك، الوعظ لعموم الناس، في
أوقات المواسم، والعوارض، والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى غير ذلك، مما لا
تنحصر أفراده، مما تشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب من جميع الشر.
ثم قال تعالى: (
وَعَمِلَ صَالِحًا ) أي: مع دعوته الخلق إلى الله،
بادر هو بنفسه، إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح، الذي يُرْضِي ربه. (
وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي:
المنقادين لأمره، السالكين في طريقه، وهذه المرتبة، تمامها للصديقين، الذين عملوا
على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل، كما أن من أشر
الناس، قولا من كان من دعاة الضالين السالكين لسبله.
وبين هاتين المرتبتين
المتباينتين، اللتين ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين، ونزلت الأخرى، إلى أسفل
سافلين، مراتب، لا يعلمها إلا الله، وكلها معمورة بالخلق وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ
مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ
وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ
عَظِيمٍ ( 35 ) .
يقول تعالى: ( وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) أي: لا
يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي
تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها،
ولا في وصفها، ولا في جزائها هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ
ثم أمر بإحسان خاص، له موقع
كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال: (
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي:
فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب،
ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْهُ، وإن
ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله
بالقول اللين. وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا
قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة.
( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) أي:
كأنه قريب شفيق.
( وَمَا
يُلَقَّاهَا ) أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة ( إِلا
الَّذِينَ صَبَرُوا ) نفوسهم على ما تكره، وأجبروها
على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه،
فكيف بالإحسان؟.
فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل
أمر ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله، لا يفيده شيئًا،
ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه، ليس بواضع قدره، بل من تواضع للّه
رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك، متلذذًا مستحليًا له.
( وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) لكونها
من خصال خواص الخلق، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي هي من
أكبر خصال مكارم الأخلاق.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 36 )
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا
لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 )
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) .
لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته
بالإحسان، ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله، والاحتماء من شره
فقال:
( وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ
الشَّيْطَانِ نزغٌ ) أي: أي وقت من الأوقات، أحسست
بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، وتكسيله عن الخير، وإصابة
ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به (
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) أي: اسأله، مفتقرًا إليه، أن
يعيذك ويعصمك منه، ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ) فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم حالك واضطرارك إلى عصمته
وحمايته.
ثم ذكر تعالى أن ( مِنْ
آيَاتِهِ ) الدالة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وسعة سلطانه، ورحمته
بعباده، وأنه الله وحده لا شريك له (
اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ) هذا بمنفعة ضيائه، وتصرف
العباد فيه، وهذا بمنفعه ظلمه، وسكون الخلق فيه. (
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) اللذان لا تستقيم معايش
العباد، ولا أبدانهم، ولا أبدان حيواناتهم، إلا بهما، وبهما من المصالح ما لا يحصى
عدده.
( لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ
وَلا لِلْقَمَرِ ) فإنهما مدبران مسخران
مخلوقان. ( وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خلقهن ) أي:
اعبدوه وحده، لأنه الخالق العظيم، ودعوا عبادة ما سواه، من المخلوقات، وإن كبر،
جرمه وكثرت مصالحه، فإن ذلك ليس منه، وإنما هو من خالقه، تبارك وتعالى. ( إِنْ
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين
له.
( فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا ) عن
عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن يضروا الله شيئًا، والله غني عنهم،
وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: (
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) يعني: الملائكة المقربين (
يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ) أي: لا
يملون من عبادته، لقوتهم، وشدة الداعي القوي منهم إلى ذلك.
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ
تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ
وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) .
(
وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدالة على كمال قدرته،
وانفراده بالملك والتدبير والوحدانية، (
أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً ) أي: لا
نبات فيها ( فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ ) أي:
المطر ( اهْتَزَّتْ ) أي:
تحركت بالنبات ( وَرَبَتْ ) ثم:
أنبتت من كل زوج بهيج، فيحيي به العباد والبلاد.
( إِنَّ
الَّذِي أَحْيَاهَا ) بعد موتها وهمودها، (
لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) من قبورهم إلى يوم بعثهم،
ونشورهم ( إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) فكما
لم تعجز قدرته عن إحياء الأرض بعد موتها، لا تعجز عن إحياء الموتى.
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ
فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ
مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 40 )
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ
عَزِيزٌ ( 41 ) لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ
حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( 42 ) .
الإلحاد في آيات الله: الميل
بها عن الصواب، بأي وجه كان: إما بإنكارها وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما
بتحريفها وتصريفها عن معناها الحقيقي، وإثبات معان لها، ما أرادها الله منها.
فتوعَّد تعالى من ألحد فيها
بأنه لا يخفى عليه، بل هو مطلع على ظاهره وباطنه، وسيجازيه على إلحاده بما كان
يعمل، ولهذا قال: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي
النَّارِ ) مثل الملحد بآيات الله (
خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) من
عذاب الله مستحقًا لثوابه؟ من المعلوم أن هذا خير.
لما تبين الحق من الباطل،
والطريق المنجي من عذابه من الطريق المهلك قال: (
اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) إن شئتم، فاسلكوا طريق الرشد
الموصلة إلى رضا ربكم وجنته، وإن شئتم، فاسلكوا طريق الغيِّ المسخطة لربكم،
الموصلة إلى دار الشقاء.
(
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )
يجازيكم بحسب أحوالكم وأعمالكم، كقوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ
ثم قال تعالى: ( إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ ) أي: يجحدون القرآن الكريم
المذكر للعباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية والأخروية، المُعلي لقدر من اتبعه،
( لَمَّا جَاءَهُمْ ) نعمة
من ربهم على يد أفضل الخلق وأكملهم. ( و ) الحال
( إِنَّهُ لَكِتَابٌ ) جامع
لأوصاف الكمال ( عَزِيزٌ ) أي:
منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ولهذا قال: ( لا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) أي: لا
يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا
بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله
بحفظه كما قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ
(
تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ ) في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه،
وينزله منزله. ( حَمِيدٌ ) على ما
له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه،
مشتملا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي
يحمد عليها.
مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ
قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ
أَلِيمٍ ( 43 ) .
أي: ( مَا
يُقَالُ لَكَ ) أيها الرسول من الأقوال الصادرة، ممن كذبك وعاندك ( إِلا
مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) أي: من
جنسها، بل ربما إنهم تكلموا بكلام واحد، كتعجب جميع الأمم المكذبة للرسل، من
دعوتهم إلى الإخلاص للّه وعبادته وحده لا شريك له، وردهم هذا بكل طريق يقدرون
عليه، وقولهم: مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا
واقتراحهم على رسلهم الآيات،
التي لا يلزمهم الإتيان بها، ونحو ذلك من أقوال أهل التكذيب، لما تشابهت قلوبهم في
الكفر، تشابهت أقوالهم، وصبر الرسل عليهم السلام على أذاهم وتكذيبهم، فاصبر كما
صبر من قبلك.
ثم دعاهم إلى التوبة والإتيان
بأسباب المغفرة، وحذرهم من الاستمرار على الغيّ فقال: ( إِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ) أي: عظيمة، يمحو بها كل ذنب لمن
أقلع وتاب ( وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) لمن:
أصر واستكبر.
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا
أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي
آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ
بَعِيدٍ ( 44 ) .
يخبر تعالى عن فضله وكرمه، حيث
أنزل كتابا عربيًا، على الرسول العربي، بلسان قومه، ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم
زيادة الاغتناء به، والتلقي له والتسليم، وأنه لو جعله قرآنا أعجميًا، بلغة غير
العرب، لاعترض، المكذبون وقالوا: (
لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ) أي: هلا بينت آياته، ووضحت
وفسرت. ( أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ) أي:
كيف يكون محمد عربيًا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون فنفى الله تعالى كل أمر، يكون
فيه شبهة لأهل الباطل، عن كتابه، ووصفه بكل وصف، يوجب لهم الانقياد، ولكن المؤمنون
الموفقون، انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم.
ولهذا قال: ( قُلْ
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ) أي:
يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة، ما به تحصل
الهداية التامة وشفاء لهم من الأسقام البدنية، والأسقام القلبية، لأنه يزجر عن
مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح، التي تغسل الذنوب وتشفي
القلب.
(
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) بالقرآن ( فِي
آذَانِهِمْ وَقْرٌ ) أي: صمم عن استماعه وإعراض، (
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) أي: لا يبصرون به رشدًا، ولا
يهتدون به، ولا يزيدهم إلا ضلالا فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمى إلى عماهم،
وغيًّا إلى غيَّهم.
(
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ) أي:
ينادون إلى الإيمان، ويدعون إليه، فلا يستجيبون، بمنزلة الذي ينادي، وهو في مكان
بعيد، لا يسمع داعيًا ولا يجيب مناديًا. والمقصود: أن الذين لا يؤمنون بالقرآن، لا
ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرًا، لأنهم سدوا على أنفسهم
أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ
بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ
عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ
لِلْعَبِيدِ ( 46 ) .
يقول تعالى: (
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) كما
آتيناك الكتاب، فصنع به الناس ما صنعوا معك، اختلفوا فيه: فمنهم من آمن به واهتدى
وانتفع، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به، وإن اللّه تعالى، لولا حلمه وكلمته السابقة،
بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا يتأخر (
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بمجرد ما يتميز المؤمنون من
الكافرين، بإهلاك الكافرين في الحال، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق. (
وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) أي: قد
بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم، فلذلك كذبوه وجحدوه.
( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ) وهو
العمل الذي أمر اللّه به، ورسوله (
فَلِنَفْسِهِ ) نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة (
وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ) ضرره وعقابه، في الدنيا
والآخرة، وفي هذا، حثٌّ على فعل الخير، وترك الشر، وانتفاع العاملين، بأعمالهم
الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. ( وَمَا
رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ) فَيُحمِّل أحدًا فوق سيئاتهم.