الجزء 27
قال لهم إبراهيم عليه السلام: ( فَمَا
خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ )
الآيات، أي: ما شأنكم وما تريدون؟ لأنه استشعر أنهم رسل، أرسلهم الله لبعض الشئون
المهمة.
( قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا
إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ) وهم قوم لوط، قد أجرموا ،
أشركوا بالله، وكذبوا رسولهم، وأتوا الفاحشة الشنعاء التي ما سبقهم إليها أحد من
العالمين.
( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ
حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ) أي: معلمة،
على كل حجر منها سمة صاحبه لأنهم أسرفوا، وتجاوزوا الحد، فجعل إبراهيم يجادلهم في
قوم لوط، لعل الله يدفع عنهم العذاب، فقال الله: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ
مَرْدُودٍ
( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ
فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ) وهم بيت لوط عليه السلام، إلا
امرأته، فإنها من المهلكين.
(
وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ )
يعتبرون بها ويعلمون، أن الله شديد العقاب، وأن رسله صادقون، مصدقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمنته هذه
القصة من الحكم والأحكام
منها: أن من الحكمة، قص الله
على عباده نبأ الأخيار والفجار، ليعتبروا بحالهم وأين وصلت بهم الأحوال.
ومنها: فضل إبراهيم الخليل،
عليه الصلاة والسلام، حيث ابتدأ الله قصته، بما يدل على الاهتمام بشأنها،
والاعتناء بها.
ومنها: مشروعية الضيافة، وأنها
من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ملته، وساقها
الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء.
ومنها: أن الضيف يكرم بأنواع
الإكرام، بالقول، والفعل، لأن الله وصف أضياف إبراهيم، بأنهم مكرمون، أي: أكرمهم
إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة، قولا وفعلا ومكرمون أيضًا عند الله
تعالى.
ومنها: أن إبراهيم عليه السلام،
قد كان بيته، مأوى للطارقين والأضياف، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وإنما سلكوا
طريق الأدب، في الابتداء السلام فرد عليهم إبراهيم سلامًا، أكمل من سلامهم وأتم،
لأنه أتى به جملة اسمية، دالة على الثبوت والاستمرار.
ومنها: مشروعية تعرف من جاء إلى
الإنسان، أو صار له فيه نوع اتصال، لأن في ذلك، فوائد كثيرة.
ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام،
حيث قال: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ولم يقل: «
أنكرتكم » [ وبين اللفظين من الفرق، ما لا يخفى ] .
ومنها: المبادرة إلى الضيافة
والإسراع بها، لأن خير البر عاجله [ ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه ] .
ومنها: أن الذبيحة الحاضرة،
التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له، ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من
الإكرام، كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون.
ومنها: ما من الله به على خليله
إبراهيم، من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضرًا عنده وفي بيته معدًا، لا يحتاج إلى أن
يأتي به من السوق، أو الجيران، أو غير ذلك.
ومنها: أن إبراهيم، هو الذي خدم
أضيافه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيف الضيفان.
ومنها: أنه قربه إليهم في
المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: «
تفضلوا، أو ائتوا إليه » لأن هذا أيسر عليهم وأحسن.
ومنها: حسن ملاطفة الضيف في
الكلام اللين، خصوصًا، عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا
لطيفًا، وقال: أَلا تَأْكُلُونَ ولم يقل: « كلوا » ونحوه
من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: أَلا تَأْكُلُونَ
فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق بالحال،
كقوله لأضيافه: « ألا تأكلون » أو: « ألا
تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا » ونحوه.
ومنها: أن من خاف من الإنسان
لسبب من الأسباب، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمن روعه، ويسكن جأشه،
كما قالت الملائكة لإبراهيم [ لما خافهم ] : لا تَخَفْ وأخبروه بتلك البشارة
السارة، بعد الخوف منهم.
ومنها: شدة فرح سارة، امرأة
إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى، من صك وجهها، وصرتها غير المعهودة.
ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم
وزوجته سارة، من البشارة، بغلام عليم.
وَفِي مُوسَى إِذْ
أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 38 )
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 39 )
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ( 40 ) .
أي: ( وَفِي
مُوسَى ) وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه، بالآيات البينات، والمعجزات
الظاهرات، آية للذين يخافون العذاب الأليم، فلما أتى موسى بذلك السلطان المبين،
فتولى فرعون ( بِرُكْنِهِ ) أي:
أعرض بجانبه عن الحق، ولم يلتفت إليه، وقدح فيه أعظم القدح فقالوا: (
سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) أي: إن موسى، لا يخلو، إما أن
يكون ساحرا وما أتى به شعبذة ليس من الحق في شيء، وإما أن يكون مجنونًا، لا يؤخذ
بما صدر منه، لعدم عقله.
هذا، وقد علموا، خصوصًا فرعون،
أن موسى صادق، كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [
ظُلْمًا وَعُلُوًّا ] وقال موسى لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ
إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ بَصَائِرَ الآية ] ،
(
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ) أي:
مذنب طاغ، عات على الله، فأخذه عزيز مقتدر.
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ( 41 ) مَا
تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ( 42 ) .
أي ( وفي
عَادٍ ) القبيلة المعروفة آية عظيمة ( إِذْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) أي:
التي لا خير فيها، حين كذبوا نبيهم هودا عليه السلام.
( مَا
تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) أي:
كالرميم البالية، فالذي أهلكهم على قوتهم وبطشهم، دليل على [ كمال ] قوته
واقتداره، الذي لا يعجزه شيء، المنتقم ممن عصاه.
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ
لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ( 43 )
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
( 44 )
فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ( 45 ) .
أي ( وَفِي
ثَمُودَ ) [ آية عظيمة ] ، حين أرسل الله إليهم صالحًا عليه السلام، فكذبوه
وعاندوه، وبعث الله له الناقة، آية مبصرة، فلم يزدهم ذلك إلا عتوًا ونفورًا.
فقيل (
لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ ) أي: الصيحة العظيمة المهلكة (
وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) إلى عقوبتهم بأعينهم.
( فَمَا
اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ ) ينجون به من العذاب، ( وَمَا
كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ) لأنفسهم.
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ( 46 ) .
أي: وكذلك ما فعل الله بقوم
نوح، حين كذبوا نوحًا عليه السلام وفسقوا عن أمر الله، فأرسل الله عليهم السماء
والأرض بالماء المنهمر، فأغرقهم الله تعالى [ عن آخرهم ] ، ولم يبق من الكافرين
ديارًا، وهذه عادة الله وسنته، فيمن عصاه.
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا
بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ( 47 )
وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ( 48 )
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 )
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا
تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) .
يقول تعالى مبينًا لقدرته العظيمة: (
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا ) أي: خلقناها وأتقناها،
وجعلناها سقفًا للأرض وما عليها.
( بِأَيْدٍ ) أي:
بقوة وقدرة عظيمة ( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ )
لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون [ أيضا ] على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله
دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل
إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها.
فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته
جميع البريات.
( وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا ) أي: جعلناها
فراشًا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن، وغراس، وزرع،
وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش، قد يكون
صالحًا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن
مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك فقال: (
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) الذي مهد لعباده ما اقتضته [
حكمته ] ورحمته وإحسانه.
( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ
خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) [ أي: صنفين ] ، ذكر وأنثى،
من كل نوع من أنواع الحيوانات، ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [ لنعم
الله التي أنعم بها عليكم ] في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع
الحيوانات كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من
المنافع.
فلما دعا العباد النظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه،
أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا
وباطنًا، إلى ما يحبه، ظاهرًا وباطنًا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى
الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، و من الغفلة إلى ذكر الله فمن استكمل هذه
الأمور، فقد استكمل الدين كله وقد زال عنه المرهوب، وحصل له، نهاية المراد
والمطلوب.
وسمى الله الرجوع إليه، فرارَا، لأن في الرجوع لغيره، أنواع
المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه، أنواع المحاب والأمن، [ والسرور ] والسعادة
والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره، إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلا
الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه، يكون الفرار إليه، (
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أي:
منذر لكم من عذاب الله، ومخوف بين النذارة.
( وَلا تَجْعَلُوا مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) هذا من الفرار إلى الله، بل
هذا أصل الفرار إليه أن يفر العبد من اتخاذ آلهة غير الله، من الأوثان، والأنداد
والقبور، وغيرها، مما عبد من دون الله، ويخلص العبد لربه العبادة والخوف، والرجاء
والدعاء، والإنابة.
كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 )
أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 53 ) .
يقول الله مسليًا لرسوله صلى
الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين بالله، المكذبين له، القائلين فيه من الأقوال
الشنيعة، ما هو منزه عنه، وأن هذه الأقوال، ما زالت دأبًا وعادة للمجرمين المكذبين
للرسل فما أرسل الله من رسول، إلا رماه قومه بالسحر أو الجنون.
يقول الله تعالى: هذه الأقوال
التي صدرت منهم - الأولين والآخرين- هل هي أقوال تواصوا بها، ولقن بعضهم بعضًا
بها؟
فلا يستغرب - بسبب ذلك- اتفاقهم
عليها: ( أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) تشابهت
قلوبهم وأعمالهم بالكفر والطغيان، فتشابهت أقوالهم الناشئة عن طغيانهم؟ وهذا هو
الواقع، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا
اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ
قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ وكذلك المؤمنون، لما تشابهت قلوبهم بالإذعان
للحق وطلبه، والسعي فيه، بادروا إلى الإيمان برسلهم وتعظيمهم، وتوقيرهم، وخطابهم
بالخطاب اللائق بهم.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا
أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 )
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) .
يقول تعالى آمرًا رسوله
بالإعراض عن المعرضين المكذبين: ( فَتَوَلَّ
عَنْهُمْ ) أي: لا تبال بهم ولا تؤاخذهم، وأقبل على شأنك.
فليس عليك لوم في ذنبهم، وإنما
عليك البلاغ، وقد أديت ما حملت، وبلغت ما أرسلت به.
(
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ )
والتذكير نوعان: تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول فإن الله
فطر العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك،
فكل أمر ونهي من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن يذكر ما في المأمور به
، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه، من المضار.
والنوع الثاني من التذكير:
تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك،
ويكرر عليهم ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه، من ذلك، وليحدث لهم
نشاطًا وهمة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع.
وأخبر الله أن الذكرى تنفع
المؤمنين، لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة، واتباع رضوان الله، يوجب لهم
أن تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها كما قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ
نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى
وأما من ليس له معه إيمان ولا
استعداد لقبول التذكير، فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها
المطر شيئًا، وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) مَا
أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 )
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) .
هذه الغاية، التي خلق الله الجن
والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة
إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام
العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت عبادته
أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم.
فما يريد منهم من رزق وما يريد
أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع
الخلق، فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها، ولهذا قال: ( إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) أي: كثير الرزق، الذي ما من
دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ( ذُو
الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) أي: الذي له القوة والقدرة
كلها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تصرف في الظواهر
والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن،
ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته، أنه أوصل رزقه إلى جميع
العالم، ومن قدرته وقوته، أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم
الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج البحار،
فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي المتين.
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 )
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) .
أي: وإن للذين ظلموا وكذبوا
محمدًا صلى الله عليه وسلم، من العذاب والنكال (
ذَنُوبًا ) أي: نصيبًا وقسطًا، مثل ما فعل بأصحابهم من أهل الظلم
والتكذيب.
( فَلا
يَسْتَعْجِلُونِ ) بالعذاب، فإن سنة الله في
الأمم واحدة، فكل مكذب يدوم على تكذيبه من غير توبة وإنابة، فإنه لا بد أن يقع
عليه العذاب، ولو تأخر عنه مدة، ولهذا توعدهم الله بيوم القيامة، فقال: (
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) وهو
يوم القيامة، الذي قد وعدوا فيه بأنواع العذاب والنكال والسلاسل والأغلال، فلا
مغيث لهم، ولا منقذ من عذاب الله تعالى [ نعوذ بالله منه ] .
تفسير سورة الطور
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ وَالطُّورِ ( 1 )
وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي
رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 )
وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 )
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 )
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 )
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا
لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 )
يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 )
وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 )
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 )
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 )
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ
النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 ) .
يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة، المشتملة على الحكم الجليلة،
على البعث والجزاء للمتقين والمكذبين، فأقسم بالطور الذي هو الجبل الذي كلم الله
عليه نبيه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وأوحى إليه ما أوحى من الأحكام، وفي
ذلك من المنة عليه وعلى أمته، ما هو من آيات الله العظيمة،
ونعمه التي لا يقدر العباد لها على عد ولا ثمن.
( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) يحتمل
أن المراد به اللوح المحفوظ، الذي كتب الله به كل شيء، ويحتمل أن المراد به القرآن
الكريم، الذي هو أفضل كتاب أنزله الله محتويا على نبأ الأولين والآخرين، وعلوم
السابقين واللاحقين.
وقوله: ( فِي رَقٍّ ) أي:
ورق ( مَنْشُورٍ ) أي:
مكتوب مسطر، ظاهر غير خفي، لا تخفى حاله على كل عاقل بصير.
( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) وهو
البيت الذي فوق السماء السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، الذي يدخله
كل يوم سبعون ألف ملك [ يتعبدون فيه لربهم ثم ] ، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة
وقيل: إن البيت المعمور هو بيت الله الحرام، والمعمور بالطائفين والمصلين
والذاكرين كل وقت، وبالوفود إليه بالحج والعمرة.
كما أقسم الله به في قوله: (
وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ ) وحقيق ببيت أفضل بيوت الأرض،
الذي قصده بالحج والعمرة، أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، التي لا يتم إلا
بها، وهو الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، وجعله الله مثابة للناس وأمنا، أن يقسم الله
به، ويبين من عظمته ما هو اللائق به وبحرمته.
(
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) أي: السماء، التي جعلها الله
سقفا للمخلوقات، وبناء للأرض، تستمد منها أنوارها، ويقتدى بعلاماتها ومنارها،
وينزل الله منها المطر والرحمة وأنواع الرزق.
(
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) أي: المملوء ماء، قد سجره
الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض،
ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه الأرض، من أنواع
الحيوان وقيل: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد [ نارا ] يوم القيامة، فيصير
نارا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب.
هذه الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات
الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات، ولهذا قال: ( إِنَّ
عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) أي: لا بد أن يقع، ولا يخلف
الله وعده وقيله.
( مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) يدفعه،
ولا مانع يمنعه، لأن قدرة الله تعالى لا يغالبها
مغالب، ولا يفوتها هارب، ثم ذكر وصف ذلك اليوم، الذي يقع فيه
العذاب، فقال: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ
مَوْرًا ) أي: تدور السماء وتضطرب، وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكون،
( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا
) أي: تزول عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلون كالعهن
المنفوش، وتبث بعد ذلك [ حتى تصير ] مثل الهباء، وذلك كله لعظم هول يوم القيامة،
وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة، والزلازل المقلقة، التي أزعجت هذه الأجرام
العظيمة، فكيف بالآدمي الضعيف!؟
( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ) والويل: كلمة جامعة لكل عقوبة
وحزن وعذاب وخوف.
ثم ذكر وصف المكذبين الذين استحقوا به الويل، فقال: (
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) أي:
خوض في الباطل ولعب به. فعلومهم وبحوثهم بالعلوم الضارة المتضمنة للتكذيب بالحق،
والتصديق بالباطل، وأعمالهم أعمال أهل الجهل والسفه واللعب، بخلاف ما عليه أهل
التصديق والإيمان من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة.
( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى
نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) أي: يوم يدفعون إليها دفعا، ويساقون
إليها سوقا عنيفا، ويجرون على وجوههم، ويقال لهم توبيخا ولوما: (
هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) فاليوم
ذوقوا عذاب الخلد الذي لا يبلغ قدره، ولا يوصف أمره.
أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ
أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 )
اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا
تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) .
(
أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ) يحتمل
أن الإشارة إلى النار والعذاب، كما يدل عليه سياق الآية أي: لما رأوا النار
والعذاب قيل لهم من باب التقريع: « أهذا
سحر لا حقيقة له، فقد رأيتموه، أم أنتم في الدنيا لا تبصرون » أي: لا
بصيرة لكم ولا علم عندكم، بل كنتم جاهلين بهذا الأمر، لم تقم عليكم الحجة؟ والجواب
انتفاء الأمرين:
أما كونه سحرا، فقد ظهر لهم أنه
أحق الحق، وأصدق الصدق، المخالف للسحر من جميع الوجوه، وأما كونهم لا يبصرون، فإن
الأمر بخلاف ذلك، بل حجة الله قد قامت عليهم، ودعتهم الرسل إلى الإيمان بذلك،
وأقامت من الأدلة والبراهين على ذلك، ما يجعله من أعظم الأمور المبرهنة الواضحة
الجلية.
ويحتمل أن الإشارة [ بقوله: (
أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ) ] إلى
ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق المبين، والصراط المستقيم أي: هذا
الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر أم عدم بصيرة بكم، حتى اشتبه عليكم
الأمر، وحقيقة الأمر أنه أوضح من كل شيء وأحق الحق، وأن حجة الله قامت عليهم .
(
اصْلَوْهَا ) أي: ادخلوا النار على وجه تحيط بكم، وتستوعب جميع أبدانكم
وتطلع على أفئدتكم.
(
فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ) أي: لا
يفيدكم الصبر على النار شيئا، ولا يتأسى بعضكم ببعض، ولا يخفف عنكم العذاب، وليست
من الأمور التي إذا صبر العبد عليها هانت مشقتها وزالت شدتها.
وإنما فعل بهم ذلك، بسبب
أعمالهم الخبيثة وكسبهم، [ ولهذا قال ] (
إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي
جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 )
فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ( 18 )
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 )
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) .
لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر
نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال:
( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) لربهم،
الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
( فِي
جَنَّاتِ ) أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفة، والأنهار
المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل المزخرفة، (
وَنَعِيمٍ ) [ وهذا ] شامل لنعيم القلب والروح والبدن،
(
فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ) أي:
معجبين به، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن
وصفه، ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب،
ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه.
(
كُلُوا وَاشْرَبُوا ) أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [
أصناف ] المآكل والمشارب اللذيذة، (
هَنِيئًا ) أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب على وجه الفرح والسرور
والبهجة والحبور. ( بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أي:
نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة.
(
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ )
الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك
المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية.
ووصف الله السرر بأنها مصفوفة،
ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف
كلام بعضهم لبعض فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال،
ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [ اللذيذة ] ، والمجالس الحسنة الأنيقة،
لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن فذكر الله أن لهم من الأزواج
أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: (
وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ) وهن النساء اللواتي قد جمعن
من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن
الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش شوقا إليهن، ورغبة في
وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ ( 21 )
وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 )
يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 )
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 )
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 25 )
قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ( 26 )
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ( 27 )
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) .
وهذا من تمام نعيم أهل الجنة،
أن ألحق الله [ بهم ] ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان أي: الذين لحقوهم بالإيمان
الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم
ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون، يلحقهم الله بمنازل آبائهم
في الجنة وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك، لا ينقص الله
الآباء من أعمالهم شيئا، ولما كان ربما توهم متوهم أن أهل النار كذلك، يلحق الله
بهم أبناءهم وذريتهم، أخبر أنه ليس حكم الدارين حكما واحدا، فإن النار دار العدل،
ومن عدله تعالى أن لا يعذب أحدا إلا بذنب، ولهذا قال: ( كُلُّ
امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) أي: مرتهن بعمله، فلا تزر
وازرة وزر أخرى، ولا يحمل على أحد ذنب أحد. هذا اعتراض من فوائده إزالة الوهم
المذكور.
وقوله: (
وَأَمْدَدْنَاهُمْ ) أي: أمددنا أهل الجنة من
فضلنا الواسع ورزقنا العميم، ( بِفَاكِهَةٍ ) من
العنب والرمان والتفاح، وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوتون، (
وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) من كل ما طلبوه واشتهته
أنفسهم، من لحم الطير وغيرها.
(
يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا ) أي: تدور كاسات الرحيق والخمر
عليهم، ويتعاطونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدان المخلدون بأكواب وأباريق وكأس
( لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ) أي:
ليس في الجنة كلام لغو، وهو الذي لا فائدة فيه ولا تأثيم، وهو الذي فيه إثم
ومعصية، وإذا انتفى الأمران، ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلام طيب طاهر،
مسر للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا
يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم [ ومحبته لهم ] .
(
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ ) أي:
خدم شباب ( كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) من
حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء ما يحتاجون إليه وهذا يدل على كثرة
نعيمهم وسعته، وكمال راحتهم.
(
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) عن أمور
الدنيا وأحوالها. ( قَالُوا ) في [
ذكر ] بيان الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من الحبرة والسرور: (
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ ) أي: في دار الدنيا ( فِي
أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ) أي: خائفين وجلين، فتركنا من
خوفه الذنوب، وأصلحنا لذلك العيوب.
(
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) بالهداية والتوفيق، (
وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) أي: العذاب الحار الشديد حره.
(
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ) أن
يقينا عذاب السموم، ويوصلنا إلى النعيم، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة
أي: لم نزل نتقرب إليه بأنواع القربات وندعوه في سائر الأوقات، (
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) فمن
بره بنا ورحمته إيانا، أنالنا رضاه والجنة، ووقانا سخطه والنار.
فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ
بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ
يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ
تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) .
يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم
وكافرهم، لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي
بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن اتباعه، مع
علمهم أنه أبعد الناس عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به فقال: ( فَمَا
أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ ) أي: منه ولطفه، (
بِكَاهِنٍ ) أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم
إليها مائة كذبة، ( وَلا مَجْنُونٍ ) فاقد
للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا وأبعدهم عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم
وأكملهم،
وتارة ( يَقُولُونَ ) فيه:
إنه ( شَاعِرٌ ) يقول الشعر، والذي جاء به
شعر،
والله يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي
لَهُ
( نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ
الْمَنُونِ ) أي: ننتظر به الموت فسيبطل أمره، [ ونستريح منه ] .
( قُلْ ) لهم
جوابا لهذا الكلام السخيف: ( تَرَبَّصُوا ) أي:
انتظروا بي الموت،
( فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ
الْمُتَرَبِّصِينَ ) نتربص بكم، أن يصيبكم الله
بعذاب من عنده، أو بأيدينا.
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ
بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 32 ) أَمْ
يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 )
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ( 34 ) أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ( 35 ) أَمْ
خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ
عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ( 37 ) أَمْ
لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ
مُبِينٍ ( 38 ) أَمْ
لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ
تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) أَمْ
عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) أَمْ
يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 ) أَمْ
لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) .
( أَمْ
تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) أي:
أهذا التكذيب لك، والأقوال التي قالوها؟ هل صدرت عن عقولهم وأحلامهم؟ فبئس العقول
والأحلام، التي أثرت ما أثرت، وصدر منها ما صدر .
فإن عقولا جعلت أكمل الخلق عقلا
مجنونا، وأصدق الصدق وأحق الحق كذبا وباطلا لهي العقول التي ينزه المجانين عنها،
أم الذي حملهم على ذلك ظلمهم وطغيانهم؟ وهو الواقع، فالطغيان ليس له حد يقف عليه،
فلا يستغرب من الطاغي المتجاوز الحد كل قول وفعل صدر منه.
( أَمْ
يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ) أي: تقول محمد القرآن، وقاله
من تلقاء نفسه؟ ( بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ) فلو
آمنوا، لم يقولوا ما قالوا.
(
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ) أنه
تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق
معارضتكم أو تقروا بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على
معارضته والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين أمرين: إما مؤمنون به، مهتدون بهديه،
وإما معاندون متبعون لما علمتم من الباطل.
( أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) وهذا
استدلال عليهم، بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل
والدين، وبيان ذلك: أنهم منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار
أن الله خلقهم.
وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن
الأمر لا يخلو من أحد ثلاثة أمور:
إما أنهم خلقوا من غير شيء أي:
لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا موجد، وهذا عين المحال.
أم هم الخالقون لأنفسهم، وهذا
أيضا محال، فإنه لا يتصور أن يوجدوا أنفسهم .
فإذا بطل [ هذان ] الأمران،
وبان استحالتهما، تعين [ القسم الثالث ] أن الله الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم
أن الله تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى.
وقوله: ( أَمْ
خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ ) وهذا
استفهام يدل على تقرير النفي أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله،
وهذا أمر واضح جدا. ولكن المكذبين ( لا
يُوقِنُونَ ) أي: ليس عندهم علم تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة
الشرعية والعقلية.
( أَمْ
عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) أي:
أعند هؤلاء المكذبين خزائن رحمة ربك، فيعطون من يشاءون ويمنعون من يريدون؟ أي:
فلذلك حجروا على الله أن يعطي النبوة عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وكأنهم
الوكلاء المفوضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقر وأذل من ذلك، فليس في أيديهم
لأنفسهم نفع ولا ضر، ولا موت ولا حياة ولا نشور.
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ
رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
( أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) أي:
المتسلطون على خلق الله وملكه، بالقهر والغلبة؟
ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون
الفقراء
( أَمْ
لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ) أي:
ألهم اطلاع على الغيب، واستماع له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمور لا يعلمها
غيرهم؟
(
فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ) المدعي لذلك (
بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) وأنى له ذلك؟
والله تعالى عالم الغيب
والشهادة، فلا يظهر على غيبه [ أحدا ] إلا من ارتضى من رسول يخبره بما أراد من
علمه.
وإذا كان محمد صلى الله عليه
وسلم أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به، من توحيد الله، ووعده،
ووعيده، وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذبون هم أهل الجهل والضلال والغي
والعناد، فأي المخبرين أحق بقبول خبره؟ خصوصا والرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام
من الأدلة والبراهين على ما أخبر به، ما يوجب أن يكون خبره عين اليقين وأكمل
الصدق، وهم لم يقيموا على ما ادعوه شبهة، فضلا عن إقامة حجة.
وقوله: ( أَمْ
لَهُ الْبَنَاتُ ) كما زعمتم (
وَلَكُمُ الْبَنُونَ ) فتجمعون بين المحذورين؟ جعلكم
له الولد، واختياركم له أنقص الصنفين؟ فهل بعد هذا التنقص لرب العالمين غاية أو
دونه نهاية؟
( أَمْ
تَسْأَلُهُمْ ) يا أيها الرسول (
أَجْرًا ) على تبليغ الرسالة، (
فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ) ليس
الأمر كذلك، بل أنت الحريص على تعليمهم، تبرعا من غير شيء، بل تبذل لهم الأموال
الجزيلة، على قبول رسالتك، والاستجابة [ لأمرك و ] دعوتك، وتعطي المؤلفة قلوبهم [
ليتمكن العلم والإيمان من قلوبهم ] .
( أَمْ
عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) ما
كانوا يعلمونه من الغيوب، فيكونون قد اطلعوا على ما لم يطلع عليه رسول الله،
فعارضوه وعاندوه بما عندهم من علم الغيب؟ وقد علم أنهم الأمة الأمية، الجهال
الضالون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي عنده من العلم أعظم من غيره،
وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم يطلع عليه أحدا من الخلق، وهذا كله إلزام لهم
بالطرق العقلية والنقلية على فساد قولهم، وتصوير بطلانه بأحسن الطرق وأوضحها
وأسلمها من الاعتراض.
وقوله: ( أَمْ
يُرِيدُونَ ) بقدحهم فيك وفيما جئتهم به (
كَيْدًا ) يبطلون به دينك، ويفسدون به أمرك؟
(
فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ) أي:
كيدهم في نحورهم، ومضرته عائدة إليهم، وقد فعل الله ذلك - ولله الحمد- فلم يبق
الكفار من مقدورهم من المكر شيئا إلا فعلوه، فنصر الله نبيه ودينه عليهم وخذلهم
وانتصر منهم.
( أَمْ
لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ) أي: ألهم إله يدعى ويرجى
نفعه، ويخاف من ضره، غير الله تعالى؟ (
سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فليس
له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية والعبادة، وهذا هو المقصود من الكلام الذي
سيق لأجله، وهو بطلان عبادة ما سوى الله وبيان فسادها بتلك الأدلة القاطعة، وأن ما
عليه المشركون هو الباطل، وأن الذي ينبغي أن يعبد ويصلى له ويسجد ويخلص له دعاء
العبادة ودعاء المسألة، هو الله المألوه المعبود، كامل الأسماء والصفات، كثير
النعوت الحسنة، والأفعال الجميلة، ذو الجلال والإكرام، والعز الذي لا يرام، الواحد
الأحد، الفرد الصمد، الكبير الحميد المجيد.
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ
السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ( 44 )
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ( 45 ) يَوْمَ
لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 46 ) .
يقول تعالى في [ ذكر ] بيان أن
المشركين المكذبين بالحق الواضح، قد عتوا [ عن الحق ] وعسوا على الباطل، وأنه لو
قام على الحق كل دليل لما اتبعوه، ولخالفوه وعاندوه، ( وَإِنْ
يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا ) أي: لو
سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كسف أي: قطع كبار من العذاب (
يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) أي: هذا سحاب متراكم على
العادة أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات ولا يعتبرون بها، وهؤلاء لا دواء لهم إلا
العذاب والنكال، ولهذا قال: ( فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا
يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ )
وهو يوم القيامة الذي يصيبهم [
فيه ] من العذاب والنكال، ما لا يقادر قدره، ولا يوصف أمره.
(
يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) أي: لا
قليلا ولا كثيرا، وإن كان في الدنيا قد يوجد منهم كيد يعيشون به زمنا قليلا فيوم
القيامة يضمحل كيدهم، وتبطل مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله ( وَلا
هُمْ يُنْصَرُونَ )
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 47 )
وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
حِينَ تَقُومُ ( 48 )
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ( 49 ) .
لما ذكر [ الله ] عذاب الظالمين في القيامة، أخبر أن لهم
عذابا دون عذاب يوم القيامة وذلك شامل لعذاب الدنيا، بالقتل والسبي والإخراج من
الديار، ولعذاب البرزخ والقبر، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا
يَعْلَمُونَ ) أي: فلذلك أقاموا على ما يوجب العذاب، وشدة العقاب.
ولما بين تعالى الحجج والبراهين على بطلان أقوال المكذبين،
أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يعبأ بهم شيئا، وأن يصبر لحكم ربه القدري
والشرعي بلزومه والاستقامة عليه، ووعده الله بالكفاية بقوله: (
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) أي: بمرأى منا وحفظ، واعتناء
بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، فقال: (
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ) أي: من
الليل.
ففيه الأمر بقيام الليل، أو حين تقوم إلى الصلوات الخمس،
بدليل قوله: ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ) أي:
آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر، والله أعلم.
تم تفسير سورة والطور والحمد لله
تفسير سورة النجم
[ وهي ] مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ( 1 ) مَا
ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ( 2 )
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ
هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ( 4 )
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو
مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 )
وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ( 7 )
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ( 8 )
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ( 9 )
فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ( 10 ) مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ( 11 )
أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ( 12 )
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ( 13 ) عِنْدَ
سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ( 14 )
عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( 15 ) إِذْ
يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ( 16 ) مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ( 17 )
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ( 18 ) .
يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي:
سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات
الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به، والصحيح أن النجم، اسم جنس شامل للنجوم كلها،
وأقسم بالنجوم على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي، لأن
في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة للسماء، فكذلك الوحي وآثاره
زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل
البهيم.
والمقسم عليه، تنزيه الرسول صلى
الله عليه وسلم عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في
علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم،
وفساد القصد .
وقال (
صَاحِبُكُمْ ) لينبههم على ما يعرفونه منه، من الصدق والهداية، وأنه لا
يخفى عليهم أمره، ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى ) أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه
( إِنْ
هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله
إليه من الهدى والتقوى، في نفسه وفي غيره.
ودل هذا على أن السنة وحي من
الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن
كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى.
ثم ذكر المعلم للرسول صلى الله
عليه وسلم، وهو جبريل [ عليه السلام ] ، أفضل الملائكة [ الكرام ] وأقواهم
وأكملهم، فقال: ( عَلَّمَهُ [ شَدِيدُ
الْقُوَى ] ) أي: نزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه
السلام، ( شديد القوى ) أي:
شديد القوة الظاهرة والباطنة، قوي على تنفيذ ما أمره الله بتنفيذه، قوي على إيصال
الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنعه من اختلاس الشياطين له، أو إدخالهم
فيه ما ليس منه، وهذا من حفظ الله لوحيه، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين.
( ذُو مِرَّةٍ ) أي:
قوة، وخلق حسن، وجمال ظاهر وباطن.
( فَاسْتَوَى ) جبريل
عليه السلام ( وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ) أي:
أفق السماء الذي هو أعلى من الأرض، فهو من الأرواح العلوية، التي لا تنالها
الشياطين ولا يتمكنون من الوصول إليها.
( ثُمَّ
دَنَا ) جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم، لإيصال الوحي إليه. (
فَتَدَلَّى ) عليه من الأفق الأعلى (
فَكَانَ ) في قربه منه ( قَابَ
قَوْسَيْنِ ) أي: قدر قوسين، والقوس معروف، ( أَوْ
أَدْنَى ) أي: أقرب من القوسين، وهذا يدل على كمال المباشرة للرسول
صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السلام.
(
فَأَوْحَى ) الله بواسطة جبريل عليه السلام ( إِلَى
عَبْدِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم ( مَا
أَوْحَى ) أي: الذي أوحاه إليه من الشرع العظيم، والنبأ المستقيم.
( مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) أي: اتفق فؤاد الرسول صلى
الله عليه وسلم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه وقلبه
وبصره، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه منه تلقيا لا
شك فيه ولا شبهة ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم يشك بذلك. ويحتمل أن
المراد بذلك ما رأى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، من آيات الله العظيمة، وأنه
تيقنه حقا بقلبه ورؤيته، هذا [ هو ] الصحيح في تأويل الآية الكريمة، وقيل: إن
المراد بذلك رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء، وتكليمه إياه،
وهذا اختيار كثير من العلماء رحمهم الله، فأثبتوا بهذا رؤية الرسول صلى الله عليه
وسلم لربه في الدنيا، ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل عليه السلام،
كما يدل عليه السياق، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته الأصلية [
التي هو عليها ] مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا كما تقدم، والمرة
الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال:
( وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى ) أي:
رأى محمد جبريل مرة أخرى، نازلا إليه.
( عِنْدَ سِدْرَةِ
الْمُنْتَهَى ) وهي شجرة عظيمة جدا، فوق السماء السابعة، سميت سدرة
المنتهى، لأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله، من
الوحي وغيره، أو لانتهاء علم الخلق إليها أي: لكونها فوق السماوات والأرض، فهي
المنتهى في علوها أو لغير ذلك، والله أعلم.
فرأى محمد صلى الله عليه وسلم
جبريل في ذلك المكان، الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية الجميلة، التي لا
يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة.
عند تلك الشجرة (
جَنَّةُ الْمَأْوَى ) أي: الجنة الجامعة لكل نعيم،
بحيث كانت محلا تنتهي إليه الأماني، وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليها الرغبات،
وهذا دليل على أن الجنة في أعلى الأماكن، وفوق السماء السابعة.
( إِذْ
يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ) أي:
يغشاها من أمر الله، شيء عظيم لا يعلم وصفه إلا الله عز وجل.
( مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) أي: ما زاغ يمنة ولا يسرة عن
مقصوده ( وَمَا طَغَى ) أي:
وما تجاوز البصر، وهذا كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه، أن قام مقاما أقامه
الله فيه، ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه،
وهذا أكمل ما يكون من الأدب
العظيم، الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور: إما أن
لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو على وجه الإفراط، أو
على وجه الحيدة يمينا وشمالا وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلى الله عليه وسلم.
(
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) من
الجنة والنار، وغير ذلك من الأمور التي رآها صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به.
أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ
وَالْعُزَّى ( 19 )
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ( 20 )
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ( 21 )
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ( 22 ) إِنْ
هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ( 23 ) أَمْ
لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ( 24 )
فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى ( 25 ) .
لما ذكر تعالى ما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والأمر بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما
عليه المشركون من عبادة من ليس له من أوصاف الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما
هي أسماء فارغة عن المعنى، سماها المشركون هم وآباؤهم الجهال الضلال، ابتدعوا لها
من الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الضلال، فالآلهة
التي بهذه الحال، لا تستحق مثقال ذرة من العبادة، وهذه الأنداد التي سموها بهذه
الأسماء، زعموا أنها مشتقة من أوصاف هي متصفة بها، فسموا « اللات
» من « الإله » المستحق
للعبادة، و « العزى » من « العزيز
» و « مناة » من « المنان
» إلحادا في أسماء الله وتجريا على الشرك به، وهذه أسماء
متجردة عن المعاني، فكل من له أدنى مسكة من عقل، يعلم بطلان هذه الأوصاف فيها.
(
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى ) أي:
أتجعلون لله البنات بزعمكم، ولكم البنون؟.
(
تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ) أي: ظالمة جائرة، [ وأي ظلم
أعظم من قسمة ] تقتضي تفضيل العبد المخلوق على الخالق؟ [ تعالى عن قولهم علوا
كبيرا ] .
وقوله: ( إِنْ
هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ
بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) أي: من حجة وبرهان على صحة
مذهبكم، وكل أمر ما أنزل الله به من سلطان، فهو باطل فاسد، لا يتخذ دينا، وهم - في
أنفسهم- ليسوا بمتبعين لبرهان، يتيقنون به ما ذهبوا إليه، وإنما دلهم على قولهم،
الظن الفاسد، والجهل الكاسد، وما تهواه أنفسهم من الشرك، والبدع الموافقة
لأهويتهم، والحال أنه لا موجب لهم يقتضي اتباعهم الظن، من فقد العلم والهدى، ولهذا
قال تعالى: ( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) أي:
الذي يرشدهم في باب التوحيد والنبوة، وجميع المطالب التي يحتاج إليها العباد،
فكلها قد بينها الله أكمل بيان وأوضحه، وأدله على المقصود، وأقام عليه من الأدلة
والبراهين، ما يوجب لهم ولغيرهم اتباعه، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة من بعد البيان
والبرهان، وإذا كان ما هم عليه، غايته اتباع الظن، ونهايته الشقاء الأبدي والعذاب
السرمدي، فالبقاء على هذه الحال، من أسفه السفه، وأظلم الظلم، ومع ذلك يتمنون
الأماني، ويغترون بأنفسهم.
ولهذا أنكر تعالى على من زعم
أنه يحصل له ما تمنى وهو كاذب في ذلك، فقال: ( أَمْ
لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى ) فيعطي
منهما من يشاء، ويمنع من يشاء، فليس الأمر تابعا لأمانيهم، ولا موافقا لأهوائهم.
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي
السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ
اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ( 26 ) .
يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الملائكة وغيرهم، وزعم
أنها تنفعه وتشفع له عند الله يوم القيامة: (
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ ) من
الملائكة المقربين، وكرام الملائكة، ( لا
تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ) أي: لا تفيد من دعاها وتعلق
بها ورجاها، ( إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ
وَيَرْضَى ) أي: لا بد من اجتماع الشرطين: إذنه تعالى في الشفاعة، ورضاه
عن المشفوع له. ومن المعلوم المتقرر، أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجه
الله، موافقا فيه صاحبه الشريعة، فالمشركون إذا لا نصيب لهم من شفاعة الشافعين،
وقد سدوا على أنفسهم رحمة أرحم الراحمين.
إِنَّ الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى ( 27 )
وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ
لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ( 28 )
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا ( 29 )
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ
عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ( 30 ) .
يعني أن المشركين بالله
المكذبين لرسله، الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبسبب عدم إيمانهم بالآخرة تجرأوا على
ما تجرأوا عليه، من الأقوال، والأفعال المحادة لله ولرسوله، من قولهم: «
الملائكة بنات الله » فلم ينزهوا ربهم عن الولادة،
ولم يكرموا الملائكة ويجلوهم عن تسميتهم إياهم إناثا، والحال أنه ليس لهم بذلك
علم، لا عن الله، ولا عن رسوله، ولا دلت على ذلك الفطر والعقول، بل العلم كله دال
على نقيض قولهم، وأن الله منزه عن الأولاد والصاحبة، لأنه الواحد الأحد، الفرد
الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأن الملائكة كرام مقربون إلى
الله، قائمون بخدمته لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ والمشركون إنما يتبعون في ذلك القول القبيح، وهو الظن الذي لا يغني من
الحق شيئا، فإن الحق لا بد فيه من اليقين المستفاد من الأدلة القاطعة والبراهين
الساطعة.
ولما كان هذا دأب هؤلاء
المذكورين أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم،
أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، والقرآن العظيم،
والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فهذا منتهى
إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا للشيء الذي يريده، فسعيهم مقصور على
الدنيا ولذاتها وشهواتها، كيف حصلت حصلوها، وبأي: طريق سنحت ابتدروها، (
ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) أي:
هذا منتهى علمهم وغايته، وأما المؤمنون بالآخرة، المصدقون بها، أولو الألباب
والعقول، فهمتهم وإرادتهم للدار الآخرة، وعلومهم أفضل العلوم وأجلها، وهو العلم
المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم بمن يستحق
الهداية فيهديه، ممن لا يستحق ذلك فيكله إلى نفسه، ويخذله، فيضل عن سبيل الله،
ولهذا قال تعالى: ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ
بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) فيضع
فضله حيث يعلم المحل اللائق به.
وَلِلَّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 )
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ
رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ
الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا
أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ( 32 ) .
يخبر تعالى أنه مالك الملك،
المتفرد بملك الدنيا والآخرة، وأن جميع من في السماوات والأرض ملك لله، يتصرف فيهم
تصرف الملك العظيم، في عبيده ومماليكه، ينفذ فيهم قدره، ويجري عليهم شرعه، ويأمرهم
وينهاهم، ويجزيهم على ما أمرهم به ونهاهم [ عنه ] ، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي،
ليجزي الذين أساؤوا العمل السيئات من الكفر فما دونه بما عملوا من أعمال الشر
بالعقوبة البليغة .
(
وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا ) في
عبادة الله تعالى، وأحسنوا إلى خلق الله، بأنواع المنافع (
بِالْحُسْنَى ) أي: بالحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، وأكبر ذلك وأجله رضا
ربهم، والفوز بنعيم الجنة .
ثم ذكر وصفهم فقال: (
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ ) أي:
يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون
المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب
العظيمة، ( إِلا اللَّمَمَ ) وهي
الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم بها العبد، المرة بعد
المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن
يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة
الله التي وسعت كل شيء، ولهذا قال: ( إِنَّ
رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ) فلولا مغفرته لهلكت البلاد
والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «
الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما
اجتنبت الكبائر » [ وقوله: ] ( هُوَ
أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي
بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ) أي: هو تعالى أعلم بأحوالكم
كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم الله به، ومن كثرة
الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة الجواذب إليها، وعدم الموانع القوية، والضعف
موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل
موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم
يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم
برحمته ومغفرته وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا
كان العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر
الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة بعد الفلتة،
فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أرحم بعباده من الوالدة بولدها، فلا
بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا وأن يكون الله له في جميع أحواله مجيبا،
ولهذا قال تعالى: ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
) أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح .
( هُوَ
أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) [ فإن التقوى، محلها القلب،
والله هو المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون
عنكم من الله شيئا ] .
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي
تَوَلَّى ( 33 )
وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى ( 34 ) أَعِنْدَهُ
عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى ( 35 ) أَمْ
لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ( 36 )
وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ( 37 ) أَلا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( 38 )
وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ( 39 )
وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ( 40 )
ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ( 41 )
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ( 42 )
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ( 43 )
وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ( 44 ) .
إلى آخر السورة يقول تعالى: (
أَفَرَأَيْتَ ) قبح حالة من أمر بعبادة ربه وتوحيده، فتولى عن ذلك وأعرض
عنه؟
فإن سمحت نفسه ببعض الشيء، القليل، فإنه لا يستمر عليه، بل
يبخل ويكدى ويمنع.
فإن المعروف ليس سجية له وطبيعة بل طبعه التولي عن الطاعة،
وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع هذا، فهو يزكي نفسه، وينزلها غير منزلتها التي
أنزلها الله بها.
( أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ
فَهُوَ يَرَى ) الغيب ويخبر به، أم هو متقول على الله، متجرئ على الجمع بين
الإساءة والتزكية كما هو الواقع، لأنه قد علم أنه ليس عنده علم من الغيب، وأنه لو
قدر أنه ادعى ذلك فالإخبارات القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبي المعصوم، تدل
على نقيض قوله، وذلك دليل على بطلانه.
( أَمْ
لَمْ يُنَبَّأْ ) هذا المدعي ( بِمَا
فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) أي:
قام بجميع ما ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول الدين وفروعه، وفي تلك
الصحف أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: ( أَلا
تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) أي: كل
عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل أحد عن أحد
ذنبا
( وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
يُرَى ) في الآخرة فيميز حسنه من سيئه، ( ثُمَّ
يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى ) أي: المستكمل لجميع العمل
الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب بحسبه، جزاء تقر بعدله
وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن أهل النار ليدخلون النار، وإن
قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين
أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: (
وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى ) من يرى
أن القرب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا لأن الله قال: (
وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) فوصول
سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل على أنه ليس
للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف فيه، وليس فيها ما يدل على أنه لا
ينتفع بسعي غيره، إذا أهداه ذلك الغير له، كما أنه ليس للإنسان من المال إلا ما هو
في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي
يملكه.
وقوله: ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ
الْمُنْتَهَى ) أي: إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء والخلائق بالبعث
والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي العلم والحكم، والرحمة وسائر
الكمالات.
( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ
وَأَبْكَى ) أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشر،
والفرح والسرور والهم [ والحزن ] ، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك،
( وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ
وَأَحْيَا ) أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم
ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدنيا.
وَأَنَّهُ خَلَقَ
الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ( 45 ) مِنْ
نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ( 46 )
وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى ( 47 ) .
(
وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ) فسر الزوجين بقوله: (
الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) وهذا اسم جنس شامل لجميع
الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد بخلقها، ( مِنْ
نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) وهذا من أعظم الأدلة على كمال
قدرته وانفراده بالعزة العظيمة، حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها من نطفة
ضعيفة من ماء مهين، ثم نماها وكملها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما
إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين.
ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة،
فقال: ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) فيعيد
العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات.
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى
وَأَقْنَى أي: أغنى العباد بتيسير أمر معاشهم من التجارات وأنواع المكاسب، من
الحرف وغيرها، وأقنى أي: أفاد عباده من الأموال بجميع أنواعها، ما يصيرون به
مقتنين لها، ومالكين لكثير من الأعيان، وهذا من نعمه على عباده أن جميع النعم منه
تعالى وهذا يوجب للعباد أن يشكروه، ويعبدوه وحده لا شريك له
وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ
الشِّعْرَى وهي النجم المعروف بالشعرى العبور، المسماة بالمرزم، وخصها الله
بالذكر، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن
جنس ما يعبده المشركون مربوب مدبر مخلوق،
فكيف تتخذ إلها مع الله .
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا
الأُولَى وهم قوم هود عليه السلام، حين كذبوا هودا، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية
وَثَمُودَ قوم صالح عليه
السلام، أرسله الله إلى ثمود فكذبوه، فبعث الله إليهم الناقة آية، فعقروها وكذبوه،
فأهلكهم الله تعالى، فَمَا أَبْقَى منهم أحدا، بل أهلكهم الله عن آخرهم .
وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ
إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى من هؤلاء الأمم، فأهلكهم الله وأغرقهم
في اليم
وَالْمُؤْتَفِكَةَ وهم قوم لوط
عليه السلام أَهْوَى أي: أصابهم الله بعذاب ما عذب به أحدا من العالمين، قلب أسفل
ديارهم أعلاها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل.
ولهذا قال: فَغَشَّاهَا مَا
غَشَّى أي: غشيها من العذاب الأليم الوخيم ما غشى أي: شيء عظيم لا يمكن وصفه.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ
تَتَمَارَى أي: فبأي: نعم الله وفضله تشك أيها الإنسان؟ فإن نعم الله ظاهرة لا
تقبل الشك بوجه من الوجوه، فما بالعباد من نعمة إلا منه تعالى، ولا يدفع النقم إلا
هو.
هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ
الأُولَى أي: هذا الرسول القرشي الهاشمي محمد بن عبد الله، ليس ببدع من الرسل، بل
قد تقدمه من الرسل السابقين، ودعوا إلى ما دعا إليه، فلأي شيء تنكر رسالته؟ وبأي
حجة تبطل دعوته؟
أليست أخلاقه [ أعلا ] أخلاق
الرسل الكرام، أليست دعوته إلى كل خير والنهي عن كل شر؟ ألم يأت بالقرآن الكريم
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؟ ألم يهلك الله
من كذب من قبله من الرسل الكرام؟ فما الذي يمنع العذاب عن المكذبين لمحمد سيد
المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين؟
أَزِفَتِ الآزِفَةُ أي: قربت
القيامة، ودنا وقتها، وبانت علاماتها. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ
أي: إذا أتت القيامة وجاءهم العذاب الموعود به.
ثم توعد المنكرين لرسالة الرسول
محمد صلى الله عليه وسلم، المكذبين لما جاء به من القرآن الكريم، فقال: أَفَمِنْ هَذَا
الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ؟ أي: أفمن هذا الحديث الذي هو خير الكلام وأفضله وأشرفه
تتعجبون منه، وتجعلونه من الأمور المخالفة للعادة الخارقة للأمور [ والحقائق ]
المعروفة؟ هذا من جهلهم وضلالهم وعنادهم، وإلا فهو الحديث الذي إذا حدث صدق، وإذا
قال قولا فهو القول الفصل الذي ليس بالهزل، وهو القرآن العظيم، الذي لو أنزل على
جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، الذي يزيد ذوي الأحلام رأيا وعقلا وتسديدا
وثباتا، وإيمانا ويقينا والذي ينبغي العجب من عقل من تعجب منه، وسفهه وضلاله.
وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ
أي: تستعملون الضحك والاستهزاء به، مع أن الذي ينبغي أن تتأثر منه النفوس، وتلين
له القلوب، وتبكي له العيون،
سماعا لأمره ونهيه، وإصغاء
لوعده ووعيده، والتفاتا لأخباره الحسنة الصادقة
وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ أي:
غافلون عنه، لاهون عن تدبره، وهذا من قلة عقولكم وأديانكم فلو عبدتم الله وطلبتم
رضاه في جميع الأحوال لما كنتم بهذه المثابة التي يأنف منها أولو الألباب، ولهذا
قال تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا الأمر بالسجود لله خصوصا، ليدل ذلك
على فضله وأنه سر العبادة ولبها، فإن لبها الخشوع لله والخضوع له، والسجود هو أعظم
حالة يخضع بها العبد فإنه يخضع قلبه وبدنه، ويجعل أشرف أعضائه على الأرض المهينة
موضع وطء الأقدام. ثم أمر بالعبادة عموما، الشاملة لجميع ما يحبه الله ويرضاه من
الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
تم تفسير سورة النجم، والحمد
لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده،
وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا.
تفسير سورة اقتربت
مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 )
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 )
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 )
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 )
حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) .
يخبر تعالى أن الساعة وهي
القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا
مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على
وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن
عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات
ما يدل على [ صحة ما جاء به و ] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن
الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان،
والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا
يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل.
فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل
ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان
في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا
محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم،
لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك،
فقالوا: ( سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) سحرنا
محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى
والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون
لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: (
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ) ولم
يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: (
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ) وليس
قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ولهذا قال: (
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ) كقوله
تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ
أَهْوَاءَهُمْ فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى
الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع،
ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، (
وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ) أي: إلى الآن، لم يبلغ الأمر
غايته ومنتهاه، وسيصير الأمر إلى آخره، فالمصدق يتقلب في جنات النعيم، ومغفرة الله
ورضوانه، والمكذب يتقلب في سخط الله وعذابه، خالدا مخلدا أبدا.
وقال تعالى - مبينا أنهم ليس
لهم قصد صحيح، ولا اتباع للهدى- : (
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ ) أي:
الأخبار السابقة واللاحقة والمعجزات الظاهرة ( مَا
فِيهِ مُزْدَجَرٌ ) أي: زاجر يزجرهم عن غيهم
وضلالهم، وذلك ( حِكْمَةٌ ) منه
تعالى ( بَالِغَةٌ ) أي:
لتقوم حجته على المخالفين ولا يبقى لأحد على الله حجة بعد الرسل، ( فَمَا
تُغْنِ النُّذُرُ ) كقوله تعالى: وَلَوْ
جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ لا يؤمنوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ
يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 ) .
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد بان أن المكذبين لا
حيلة في هداهم، فلم يبق إلا الإعراض عنهم والتولي عنهم، [ فقال: ] (
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) وانتظر بهم يوما عظيما وهولا
جسيما، وذلك حين ( يدع الداع )
إسرافيل عليه السلام ( إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ) أي:
إلى أمر فظيع تنكره الخليقة، فلم تر منظرا أفظع ولا أوجع منه، فينفخ إسرافيل نفخة،
يخرج بها الأموات من قبورهم لموقف القيامة .
خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ
يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 )
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ( 8 ) .
( خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ ) أي: من
الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلت، وخشعت لذلك أبصارهم.
(
يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ ) وهي القبور، (
كَأَنَّهُمْ ) من كثرتهم، وروجان بعضهم ببعض (
جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ) أي: مبثوث في الأرض، متكاثر
جدا، ( مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ) أي:
مسرعين لإجابة النداء الداعي وهذا يدل على أن الداعي يدعوهم ويأمرهم بالحضور لموقف
القيامة، فيلبون دعوته، ويسرعون إلى إجابته، (
يَقُولُ الْكَافِرُونَ ) الذين قد حضر عذابهم: ( هَذَا
يَوْمٌ عَسِرٌ ) كما قال تعالى عَلَى
الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [ مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين ] .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ( 9 )
فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 )
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 )
وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 )
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ( 13 )
تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ( 14 )
وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 )
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 16 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) .
لما ذكر تبارك وتعالى حال
المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم وخوفهم
بعقوبات الأمم الماضية المكذبة للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه.
فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه
الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له،
فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا
وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا
ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله
ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم،
ولهذا قال هنا: ( فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا
مَجْنُونٌ ) لزعمهم أن ما هم عليه وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل
عليه العقل، وأن ما جاء به نوح عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من
المجانين، وكذبوا في ذلك، وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا فإن ما جاء به هو
الحق الثابت، الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم
عليه جهل وضلال مبين، [ وقوله: ] (
وَازْدُجِرَ ) أي: زجره قومه وعنفوه عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم
يكفهم - قبحهم الله- عدم الإيمان به، ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم
ما قدروا عليه، وهكذا جميع أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم.
فعند ذلك دعا نوح ربه [ فقال: ]
( أَنِّي مَغْلُوبٌ ) لا
قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم
على مقاومة قومهم، ( فَانْتَصِرْ ) اللهم
لي منهم، وقال في الآية الأخرى: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ
الْكَافِرِينَ دَيَّارًا الآيات .
فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من
قومه، قال تعالى: ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ
السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) أي: كثير جدا متتابع .
(
وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا ) فجعلت السماء ينزل منها من الماء
شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء
فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار.
(
فَالْتَقَى الْمَاءُ ) أي: ماء السماء والأرض ( عَلَى
أَمْرٍ ) من الله له بذلك، ( قَدْ
قُدِرَ ) أي: قد كتبه الله في الأزل وقضاه، عقوبة لهؤلاء الظالمين
الطاغين .
(
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) أي:
ونجينا عبدنا نوحا على السفينة ذات الألواح والدسر أي: المسامير [ التي ] قد سمرت
[ بها ] ألواحها وشد بها أسرها .
(
تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) أي: تجري بنوح ومن آمن معه،
ومن حمله من أصناف المخلوقات برعاية من الله، وحفظ [ منه ] لها عن الغرق [ ونظر ]
، وكلائه منه تعالى، وهو نعم الحافظ الوكيل، (
جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) أي: فعلنا بنوح ما فعلنا من
النجاة من الغرق العام، جزاء له حيث كذبه قومه وكفروا به فصبر على دعوتهم، واستمر
على أمر الله، فلم يرده عنه راد، ولا صده عنه صاد، كما قال [ تعالى ] عنه في الآية
الأخرى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى
أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية.
ويحتمل أن المراد: أنا أهلكنا
قوم نوح، وفعلنا بهم ما فعلنا من العذاب والخزي، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وهذا
متوجه على قراءة من قرأها بفتح الكاف .
(
وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي:
ولقد تركنا قصة نوح مع قومه آية يتذكر بها المتذكرون، على أن من عصى الرسل وعاندهم
أهلكه الله بعقاب عام شديد، أو أن الضمير يعود إلى السفينة وجنسها، وأن أصل صنعتها
تعليم من الله لعبده نوح عليه السلام، ثم أبقى الله تعالى صنعتها وجنسها بين الناس
ليدل ذلك على رحمته بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته، (
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) ؟ أي: فهل من متذكر للآيات،
ملق ذهنه وفكرته لما يأتيه منها، فإنها في غاية البيان واليسر؟
(
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) أي:
فكيف رأيت أيها المخاطب عذاب الله الأليم وإنذاره الذي لا يبقي لأحد عليه حجة.
(
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي:
ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم
والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل من أقبل عليه يسر
الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه، والذكر شامل لكل ما يتذكر به العاملون
من الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد
النافعة والأخبار الصادقة، ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرا، أسهل العلوم،
وأجلها على الإطلاق، وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أعين عليه، قال بعض
السلف عند هذه الآية: هل من طالب علم فيعان [ عليه ] ؟ ولهذا يدعو الله عباده إلى
الإقبال عليه والتذكر بقوله: ( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) .
كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ
كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 18 )
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 )
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 )
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 21 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) .
( وعاد ) هي
القبيلة المعروفة باليمن، أرسل الله إليهم هودا عليه السلام يدعوهم إلى توحيد الله
وعبادته، فكذبوه، فأرسل الله عليهم (
رِيحًا صَرْصَرًا ) أي: شديدة جدا، ( فِي
يَوْمِ نَحْسٍ ) أي: شديد العذاب والشقاء
عليهم، ( مُسْتَمِرٍّ ) عليهم
سبع ليال وثمانية أيام حسوما.
(
تَنزعُ النَّاسَ ) من شدتها، فترفعهم إلى جو
السماء، ثم تدفعهم بالأرض فتهلكهم، فيصبحون ( كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) أي: كأن جثثهم بعد هلاكهم مثل
جذوع النخل الخاوي الذي أصابته الريح فسقط على الأرض، فما أهون الخلق على الله إذا
عصوا أمره .
(
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) كان [
والله ] العذاب الأليم، والنذارة التي ما أبقت لأحد عليه حجة، (
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) كرر
تعالى ذلك رحمة بعباده وعناية بهم، حيث دعاهم إلى ما يصلح دنياهم وأخراهم.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ
بِالنُّذُرِ ( 23 )
فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ
وَسُعُرٍ ( 24 )
أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ( 25 )
سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ( 26 )
إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ( 27 ) .
أي كذبت ثمود وهم القبيلة المعروفة المشهورة في أرض الحجر،
نبيهم صالحا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم
العقاب إن هم خالفوه فكذبوه واستكبروا عليه، وقالوا - كبرا وتيها- : (
أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ ) أي:
كيف نتبع بشرا، لا ملكا منا، لا من غيرنا، ممن هو أكبر عند الناس منا، ومع ذلك فهو
شخص واحد ( إِنَّا إِذًا ) أي: إن
اتبعناه وهو بهذه الحال ( لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) أي:
إنا لضالون أشقياء، وهذا الكلام من ضلالهم وشقائهم، فإنهم أنفوا أن يتبعوا رسولا
من البشر، ولم يأنفوا أن يكونوا عابدين للشجر والحجر والصور.
( أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ
عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا ) أي: كيف يخصه الله من بيننا
وينزل عليه الذكر؟ فأي مزية خصه من بيننا؟ وهذا اعتراض من المكذبين على الله، لم
يزالوا يدلون به، ويصولون ويجولون ويردون به دعوة الرسل، وقد أجاب الله عن هذه
الشبهة بقول الرسل لأممهم: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فالرسل
من الله عليهم بصفات وأخلاق وكمالات، بها صلحوا لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه، ومن
رحمته وحكمته أن كانوا من البشر، فلو كانوا من الملائكة لم يمكن البشر، أن يتلقوا
عنهم، ولو جعلهم من الملائكة لعاجل الله المكذبين لهم بالعقاب العاجل.
والمقصود بهذا الكلام الصادر من ثمود لنبيهم صالح، تكذيبه،
ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، فقالوا: ( بَلْ
هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ) أي: كثير الكذب والشر، فقبحهم
الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب الشنيع،
لا جرم عاقبهم الله حين اشتد طغيانهم، فأرسل الله الناقة التي هي من أكبر النعم
عليهم، آية من آيات الله، ونعمة يحتلبون من ضرعها ما يكفيهم أجمعين، (
فِتْنَةً لَهُمْ ) أي: اختبارا منه لهم وامتحانا
( فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ ) أي:
اصبر على دعوتك إياهم، وارتقب ما يحل بهم، أو ارتقب هل يؤمنون أو يكفرون؟
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ
قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ( 28 )
فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ( 29 )
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 30 )
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ
الْمُحْتَظِرِ ( 31 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 32 ) .
(
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ) أي:
وأخبرهم أن الماء أي: موردهم الذي يستعذبونه، قسمة بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم
ولهم شرب يوم آخر معلوم، ( كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ ) أي:
يحضره من كان قسمته، ويحظر على من ليس بقسمة له.
(
فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ) الذي باشر عقرها، الذي هو
أشقى القبيلة ( فَتَعَاطَى ) أي:
انقاد لما أمروه به من عقرها ( فَعَقَرَ )
(
فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) كان
أشد عذاب، أرسل الله عليهم صيحة ورجفة أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحا ومن آمن
معه ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
مُدَّكِرٍ ) .
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
بِالنُّذُرِ ( 33 )
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ( 34 )
نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 )
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 )
وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي
وَنُذُرِ ( 37 )
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 )
فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ( 39 )
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) .
أي: (
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) لوطا عليه السلام، حين دعاهم
إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والفاحشة التي ما سبقهم بها أحد
من العالمين، فكذبوه واستمروا على شركهم وقبائحهم، حتى إن الملائكة الذين جاءوه
بصورة أضياف حين سمع بهم قوم لوط، جاؤوهم مسرعين، يريدون إيقاع الفاحشة فيهم،
لعنهم الله وقبحهم، وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه السلام، فطمس أعينهم
بجناحه، وأنذرهم نبيهم بطشة الله وعقوبته (
فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) (
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ ) قلب
الله عليهم ديارهم، وجعل أسفلها أعلاها، وتتبعهم بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند
ربك للمسرفين، ونجى الله لوطا وأهله من الكرب العظيم، جزاء لهم على شكرهم لربهم،
وعبادته وحده لا شريك له.
وَلَقَدْ جَاءَ آلَ
فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 )
كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 )
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ
يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 )
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ( 46 )
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 )
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 )
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) .
أي: ( وَلَقَدْ جَاءَ آلَ
فِرْعَوْنَ ) أي: فرعون وقومه (
النُّذُرُ ) فأرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات،
والمعجزات القاهرات وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدا غيرهم فكذبوا بآيات
الله كلها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأغرقهم في اليم هو وجنوده والمراد من ذكر هذه
القصص تحذير [ الناس و ] المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال: (
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ) أي:
هؤلاء الذين كذبوا أفضل الرسل، خير من أولئك المكذبين، الذين ذكر الله هلاكهم وما
جرى عليهم؟ فإن كانوا خيرا منهم، أمكن أن ينجوا من العذاب، ولم يصبهم ما أصاب
أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك، فإنهم إن لم يكونوا شرا منهم، فليسوا بخير منهم،
( أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ) أي: أم
أعطاكم الله عهدا وميثاقا في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون حينئذ أنكم
الناجون بإخبار الله ووعده؟ وهذا غير واقع، بل غير ممكن عقلا وشرعا، أن تكتب
براءتهم في الكتب الإلهية المتضمنة للعدل والحكمة، فليس من الحكمة نجاة أمثال
هؤلاء المعاندين المكذبين، لأفضل الرسل وأكرمهم على الله، فلم يبق إلا أن يكون بهم
قوة ينتصرون بها، فأخبر تعالى أنهم يقولون: (
نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ) قال تعالى مبينا لضعفهم،
وأنهم مهزومون: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) فوقع كما أخبر، هزم الله
جمعهم الأكبر يوم بدر، وقتل من صناديدهم وكبرائهم ما ذلوا به ونصر الله دينه ونبيه
وحزبه المؤمنين.
ومع ذلك، فلهم موعد يجمع به أولهم وآخرهم، ومن أصيب في الدنيا
منهم، ومن متع بلذاته، ولهذا قال: ( بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ) الذي يحازون به، ويؤخذ منهم
الحق بالقسط، ( وَالسَّاعَةُ أَدْهَى
وَأَمَرُّ ) أي: أعظم وأشق، وأكبر من كل ما يتوهم، أو يدور بالبال .
( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ) أي:
الذين أكثروا من فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة من الشرك وغيره، من المعاصي ( فِي
ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) أي: هم ضالون في الدنيا، ضلال
عن العلم، وضلال عن العمل، الذي ينجيهم من العذاب، ويوم القيامة في العذاب الأليم،
والنار التي تتسعر بهم، وتشتعل في أجسامهم، حتى تبلغ أفئدتهم.
( يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي
النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ) التي هي أشرف ما بهم من
الأعضاء، وألمها أشد من ألم غيرها، فيهانون بذلك ويخزون، ويقال لهم: (
ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ) أي: ذوقوا ألم النار وأسفها
وغيظها ولهبها.
( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وهذا شامل للمخلوقات والعوالم
العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في
خلقها .
وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها،
وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير، فلهذا قال:
وَمَا أَمْرُنَا إِلا
وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 )
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 )
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 )
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 )
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) .
( وَمَا
أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) فإذا
أراد شيئا قال له كن فيكون كما أراد، كلمح البصر، من غير ممانعة ولا صعوبة.
(
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ ) من
الأمم السابقين الذين عملوا كما عملتم، وكذبوا كما كذبتم (
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي: متذكر يعلم أن سنة الله
في الأولين والآخرين واحدة، وأن حكمته كما اقتضت إهلاك أولئك الأشرار، فإن هؤلاء
مثلهم، ولا فرق بين الفريقين.
(
وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ) أي: كل
ما فعلوه من خير وشر مكتوب
عليهم في الكتب القدرية (
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ) أي:
مسطر مكتوب،
وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن
جميع الأشياء كلها، قد علمها الله تعالى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء
الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن
ليصيبه.
( إِنَّ
الْمُتَّقِينَ ) لله، بفعل أوامره وترك
نواهيه، الذين اتقوا الشرك والكبائر والصغائر.
( فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ) أي: في
جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من
الأشجار اليانعة، والأنهار الجارية، والقصور الرفيعة، والمنازل الأنيقة، والمآكل
والمشارب اللذيذة، والحور الحسان، والروضات البهية في الجنان، ورضوان الملك
الديان، والفوز بقربه، ولهذا قال: ( فِي
مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) فلا
تسأل بعد هذا عما يعطيهم ربهم من كرامته وجوده، ويمدهم به من إحسانه ومنته، جعلنا
الله منهم، ولا حرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.
تم تفسير سورة اقتربت، ولله
الحمد والشكر
تفسير سورة الرحمن
[ وهي ] مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ ( 1 )
عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 )
خَلَقَ الإِنْسَانَ ( 3 )
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( 4 )
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ( 5 )
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ( 6 )
وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( 7 ) أَلا
تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ( 8 )
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ( 9 )
وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ( 10 )
فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ ( 11 )
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ( 12 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 13 ) .
هذه السورة الكريمة الجليلة،
افتتحها باسمه « الرَّحْمَنُ » الدال
على سعة رحمته، وعموم إحسانه، وجزيل بره، وواسع فضله، ثم ذكر ما يدل على رحمته
وأثرها الذي أوصله الله إلى عباده من النعم الدينية والدنيوية [ والآخروية وبعد كل
جنس ونوع من نعمه، ينبه الثقلين لشكره، ويقول: ( فَبِأَيِّ
آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ] .
فذكر أنه (
عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) أي: علم عباده ألفاظه
ومعانيه، ويسرها على عباده، وهذا أعظم منة ورحمة رحم بها عباده، حيث أنزل عليهم
قرآنا عربيا بأحسن ألفاظ، وأحسن تفسير، مشتمل على كل خير، زاجر عن كل شر.
(
خَلَقَ الإنْسَانَ ) في أحسن تقويم، كامل الأعضاء،
مستوفي الأجزاء، محكم البناء، قد أتقن البديع تعالى البديع خلقه أي إتقان، وميزه
على سائر الحيوانات.
بأن (
عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) أي: التبيين عما في ضميره،
وهذا شامل للتعليم النطقي والتعليم الخطي، فالبيان الذي ميز الله به الآدمي على
غيره من أجل نعمه، وأكبرها عليه.
(
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) أي:
خلق الله الشمس والقمر، وسخرهما يجريان بحساب مقنن، وتقدير مقدر، رحمة بالعباد،
وعناية بهم، وليقوم بذلك من مصالحهم ما يقوم، وليعرف العباد عدد السنين والحساب.
( وَالنَّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ) أي: نجوم السماء، وأشجار
الأرض، تعرف ربها وتسجد له، وتطيع وتخشع وتنقاد لما سخرها له من مصالح عباده
ومنافعهم.
(
وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا ) سقفها للمخلوقات الأرضية،
ووضع الله الميزان أي: العدل بين العباد، في الأقوال والأفعال، وليس المراد به
الميزان المعروف وحده، بل هو كما ذكرنا، يدخل فيه الميزان المعروف، والمكيال الذي
تكال به الأشياء والمقادير، والمساحات التي تضبط بها المجهولات، والحقائق التي
يفصل بها بين المخلوقات، ويقام بها العدل بينهم، ولهذا قال: ( أَلا
تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ) أي: أنزل الله الميزان، لئلا
تتجاوزوا الحد في الميزان، فإن الأمر لو كان يرجع إلى عقولكم وآرائكم، لحصل من
الخلل ما الله به عليم، ولفسدت السماوات والأرض.
( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ
بِالْقِسْطِ ) أي: اجعلوه قائما بالعدل، الذي تصل إليه مقدرتكم وإمكانكم،
( وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) أي: لا
تنقصوه وتعملوا بضده، وهو الجور والظلم والطغيان.
( وَالأرْضَ وَضَعَهَا ) الله
على ما كانت عليه من الكثافة والاستقرار واختلاف [ أوصافها و ] أحوالها (
لِلأنَامِ ) أي: للخلق، لكي يستقروا عليها، وتكون لهم مهادا وفراشا
يبنون بها، ويحرثون ويغرسون ويحفرون ويسلكون سبلها فجاجا، وينتفعون بمعادنها وجميع
ما فيها، مما تدعو إليه حاجتهم، بل ضرورتهم.
ثم ذكر ما فيها من الأقوات
الضرورية، فقال: ( فِيهَا فَاكِهَةٌ ) وهي
جميع الأشجار التي تثمر الثمرات التي يتفكه بها العباد، من العنب والتين والرمان
والتفاح، وغير ذلك، ( وَالنَّخْلُ ذَاتُ
الأكْمَامِ ) أي: ذات الوعاء الذي ينفلق عن القنوان التي تخرج شيئا فشيئا
حتى تتم، فتكون قوتا يؤكل ويدخر، يتزود منه المقيم والمسافر، وفاكهة لذيذة من أحسن
الفواكه.
(
وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ ) أي: ذو الساق الذي يداس،
فينتفع بتبنه للأنعام وغيرها، ويدخل في ذلك حب البر والشعير والذرة [ والأرز ]
والدخن، وغير ذلك، ( وَالرَّيْحَانُ ) يحتمل
أن المراد بذلك جميع الأرزاق التي يأكلها الآدميون، فيكون هذا من باب عطف العام
على الخاص، ويكون الله قد امتن على عباده بالقوت والرزق، عموما وخصوصا، ويحتمل أن
المراد بالريحان، الريحان المعروف، وأن الله امتن على عباده بما يسره في الأرض من
أنواع الروائح الطيبة، والمشام الفاخرة، التي تسر الأرواح، وتنشرح لها النفوس.
ولما ذكر جملة كثيرة من نعمه
التي تشاهد بالأبصار والبصائر، وكان الخطاب للثقلين، الإنس والجن، قررهم تعالى
بنعمه، فقال: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ ) أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟
وما أحسن جواب الجن حين تلا
عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، فما مر بقوله: (
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) إلا
قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، فهذا الذي ينبغي للعبد إذا تليت
عليه نعم الله وآلاؤه، أن يقر بها ويشكر، ويحمد الله عليها.
خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ
صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 )
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( 15 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 16 )
وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم [ من ] آثار قدرته
وبديع صنعته، أن ( خَلَقَ ) أبا
الإنس وهو آدم عليه السلام ( مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ
) أي: من طين مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جف، فصار له
صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار .
( وَخَلَقَ الْجَانَّ ) أي:
أبا الجن، وهو إبليس اللعين ( مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) أي: من
لهب النار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدل على شرف عنصر الآدمي المخلوق
من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف عنصر الجان وهو
النار، التي هي محل الخفة والطيش والشر والفساد.
ولما بين خلق الثقلين ومادة ذلك وكان ذلك منة منه [ تعالى ]
على عباده قال: ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ ) .
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ
وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 18 ) .
أي: هو تعالى رب كل ما أشرقت
عليه الشمس والقمر، والكواكب النيرة، وكل ما غربت عليه، [ وكل ما كانا فيه ] فهي
تحت تدبيره وربوبيته، وثناهما هنا لإرادة العموم مشرقي الشمس شتاء وصيفا، ومغربها
كذلك .
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ
يَلْتَقِيَانِ ( 19 )
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ ( 20 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 21 ) .
المراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر
المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان،
ولكن الله تعالى جعل بينهما برزخا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل
النفع بكل منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء
ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرا مسخرا للسفن والمراكب، ولهذا
قال:
وَلَهُ الْجَوَارِ
الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ( 24 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 25 ) .
أي: وسخر تعالى لعباده السفن
الجواري، التي تمخر البحر وتشقه بإذن الله، التي ينشئها الآدميون، فتكون من كبرها
وعظمها كالأعلام، وهي الجبال العظيمة، فيركبها الناس، ويحملون عليها أمتعتهم
وأنواع تجاراتهم، وغير ذلك مما تدعو إليه حاجتهم وضرورتهم، وقد حفظها حافظ
السماوات والأرض، وهذه من نعم الله الجليلة، فلذلك قال: (
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )
كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ( 26 )
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ( 27 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 28 ) .
أي: كل من على الأرض، من إنس
وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت ( ذُو
الْجَلالِ وَالإكْرَامِ ) أي: ذو العظمة والكبرياء
والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي
لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، [
ويعظمونه ] ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه، (
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )
يَسْأَلُهُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 30 ) .
أي: هو الغني بذاته عن جميع
مخلوقاته، وهو واسع الجود والكرم، فكل الخلق مفتقرون إليه، يسألونه جميع حوائجهم،
بحالهم ومقالهم، ولا يستغنون عنه طرفة عين ولا أقل من ذلك، وهو تعالى ( كُلَّ
يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) يغني فقيرا، ويجبر كسيرا،
ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا
تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم
الوهاب، الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات
واللحظات، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء
الجاهلين به وبكرمه، وهذه الشئون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، هي
تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في
أوقاتها التي اقتضته حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية
التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت [ هذه ] الخليقة
وأفناهم الله تعالى وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله
وكثرة إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان
إلى دار الحيوان.
وفرغ حينئذ لتنفيذ هذه الأحكام،
التي جاء وقتها، وهو المراد بقوله:
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا
الثَّقَلانِ ( 31 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 32 ) .
(
سَنَفْرُغُ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أي:
سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا.
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ
وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ( 33 ) .
أي: إذا جمعهم الله في موقف
القيامة، أخبرهم بعجزهم وضعفهم، وكمال سلطانه، ونفوذ مشيئته وقدرته، فقال معجزا
لهم: ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ
تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) أي:
تجدون منفذا مسلكا تخرجون به عن ملك الله وسلطانه، (
فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ ) أي: لا
تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا يملكون لأنفسهم
نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟! ففي ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا
بإذنه، ولا تسمع إلا همسا، وفي ذلك الموقف يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء
والمرءوسون، والأغنياء والفقراء.
يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ
مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ ( 35 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 36 ) .
ثم ذكر ما أعد لهم في ذلك
الموقف العظيم فقال: ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شواظ
من نار [ ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان ) أي:
يرسل عليكما ] لهب صاف من النار.
( ونحاس
) وهو اللهب، الذي قد خالطه الدخان، والمعنى أن هذين الأمرين
الفظيعين يرسلان عليكما يا معشر الجن والإنس، ويحيطان بكما فلا تنتصران، لا بناصر
من أنفسكم، ولا بأحد ينصركم من دون الله.
ولما كان تخويفه لعباده نعمة
منه عليهم، وسوطا يسوقهم به إلى أعلى المطالب وأشرف المواهب، امتن عليهم فقال: (
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )
فَإِذَا انْشَقَّتِ
السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ( 37 ) .
( فَإِذَا انْشَقَّتِ
السَّمَاءُ ) [ أي ] يوم القيامة من شدة الأهوال، وكثرة البلبال، وترادف الأوجال،
فانخسفت شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، (
فَكَانَتْ ) من شدة الخوف والانزعاج (
وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) أي: كانت كالمهل والرصاص
المذاب ونحوه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ
عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ أي: سؤال استعلام بما وقع، لأنه تعالى عالم
الغيب والشهادة والماضي والمستقبل، ويريد أن يجازي العباد بما علمه من أحوالهم،
وقد جعل لأهل الخير والشر يوم القيامة علامات يعرفون بها، كما قال تعالى: يَوْمَ
تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ
فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ( 41 ) .
وقال هنا: (
يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ ) أي:
فيؤخذ بنواصي المجرمين وأقدامهم، فيلقون في النار ويسحبون فيها، وإنما يسألهم
تعالى سؤال توبيخ وتقرير بما وقع منهم، وهو أعلم به منهم، ولكنه تعالى يريد أن
تظهر للخلق حجته البالغة، وحكمته الجليلة.
هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي
يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 )
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 45 ) .
أي: يقال للمكذبين بالوعد
والوعيد حين تسعر الجحيم: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي
يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) فليهنهم تكذيبهم بها،
وليذوقوا من عذابها ونكالها وسعيرها وأغلالها، ما هو جزاء لتكذيبهم .
(
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا ) أي: بين أطباق الجحيم ولهبها
( وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) أي:
ماء حار جدا قد انتهى حره، وزمهرير قد اشتد برده وقره، (
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ولما
ذكر ما يفعل بالمجرمين، ذكر جزاء المتقين الخائفين فقال:
وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِّهِ جَنَّتَانِ ( 46 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 47 )
ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( 48 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 49 )
فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ( 50 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 51 )
فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ ( 52 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 53 )
مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ
دَانٍ ( 54 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 55 )
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
( 56 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 57 )
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ( 58 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 59 ) هَلْ
جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ ( 60 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 61 )
وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ( 62 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 63 )
مُدْهَامَّتَانِ ( 64 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 65 ) إلى
آخر السورة.
أي: وللذي خاف ربه وقيامه عليه،
فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وبنيانهما
وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات.
ومن أوصاف تلك الجنتين أنهما (
ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) [ أي: فيهما من ألوان النعيم
المتنوعة نعيم الظاهر والباطن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ]
أن فيهما الأشجار الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة
الكثيرة اللذيذة، أو ذواتا أنواع وأصناف من جميع أصناف النعيم وأنواعه جمع فن، أي:
صنف.
وفي تلك الجنتين (
عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ) يفجرونها على ما يريدون
ويشتهون.
(
فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ ) من جميع أصناف الفواكه (
زَوْجَانِ ) أي: صنفان، كل صنف له لذة ولون، ليس للنوع الآخر.
(
مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ) هذه
صفة فرش أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [ أي: ] جلوس تمكن واستقرار
[ وراحة ] ، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها إلا
الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو أحسن الحرير
وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟! (
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) الجنى هو الثمر المستوي أي:
وثمر هاتين الجنتين قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع.
(
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) أي: قد قصرن طرفهن على
أزواجهن، من حسنهم وجمالهم، وكمال محبتهن لهم، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن، من
حسنهن وجمالهن ولذة وصالهن، ( لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ
قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ) أي: لم ينلهن قبلهم أحد من الإنس
والجن، بل هن أبكار عرب، متحببات إلى أزواجهن، بحسن التبعل والتغنج والملاحة
والدلال، ولهذا قال:
(
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ) وذلك
لصفائهن وجمال منظرهن وبهائهن.
( هَلْ
جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ ) أي: هل
جزاء من أحسن في عبادة الخالق ونفع عبيده، إلا أن يحسن إليه بالثواب الجزيل،
والفوز الكبير، والنعيم المقيم، والعيش السليم، فهاتان الجنتان العاليتان
للمقربين.
( وَمِنْ دُونِهِمَا
جَنَّتَانِ ) من فضة بنيانهما وآنيتهما وحليتهما وما فيهما لأصحاب
اليمين.
وتلك الجنتان (
مُدْهَامَّتَانِ ) أي: سوداوان من شدة الخضرة
التي هي أثر الري.
فِيهِمَا عَيْنَانِ
نَضَّاخَتَانِ ( 66 ) .
أي: فوارتان.
فِيهِمَا فَاكِهَةٌ من جميع أصناف الفواكه، وأخصها النخل
والرمان، اللذان فيهما من المنافع ما فيهما.
( فِيهِنَّ ) أي: في
الجنات كلها خَيْرَاتٌ حِسَانٌ أي: خيرات الأخلاق حسان الأوجه، فجمعن بين جمال
الظاهر والباطن، وحسن الخلق والخلق.
حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ أي: محبوسات في خيام
اللؤلؤ، قد تهيأن وأعددن أنفسهن لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين ورياض
الجنة، كما جرت العادة لبنات الملوك ونحوهن [ المخدرات ] الخفرات.
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ *
فََبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ
أي: أصحاب هاتين الجنتين، متكأهم على الرفرف الأخضر، وهي الفرش التي فوق المجالس
العالية، التي قد زادت على مجالسهم، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم، لزيادة
البهاء وحسن المنظر، وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ العبقري: نسبة لكل منسوج نسجا حسنا
فاخرا، ولهذا وصفها بالحسن الشامل، لحسن الصنعة وحسن المنظر، ونعومة الملمس،
وهاتان الجنتان دون الجنتين الأوليين، كما نص الله على ذلك بقوله: وَمِنْ
دُونِهِمَا جَنَّتَانِ وكما وصف الأوليين بعدة أوصاف لم يصف بها الأخريين، فقال في
الأوليين: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ وفي الأخريين: (
عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ) ومن المعلوم الفرق بين
الجارية والنضاخة.
وقال في الأوليين: ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ولم يقل ذلك في
الأخريين. وقال في الأوليين: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ وفي
الأخريين فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقد علم ما بين الوصفين من
التفاوت.
وقال في الأوليين: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا
مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ولم يقل ذلك في الأخيرتين، بل
قال: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ
وقال في الأوليين، في وصف نسائهم وأزواجهم: فِيهِنَّ
قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ وقال في
الأخريين: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ وقد علم التفاوت بين ذلك.
وقال في الأوليين هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ
فدل ذلك أن الأوليين جزاء المحسنين، ولم يقل ذلك في الأخريين.
ومجرد تقديم الأوليين على الأخريين، يدل على فضلهما.
فبهذه الأوجه يعرف فضل الأوليين على الأخريين، وأنهما معدتان
للمقربين من الأنبياء، والصديقين، وخواص عباد الله الصالحين، وأن الأخريين معدتان
لعموم المؤمنين، وفي كل من الجنات [ المذكورات ] ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا
خطر على قلب بشر، وفيهن ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأهلها في غاية الراحة
والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى إن كلا منهم لا يرى أحدا أحسن حالا منه، ولا
أعلى من نعيمه [ الذي هو فيه ] .
ولما ذكر سعة فضله وإحسانه، قال: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي
الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ أي: تعاظم وكثر خيره، الذي له الجلال الباهر، والمجد
الكامل، والإكرام لأوليائه.
تم تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد والشكر والثناء الحسن.
تفسير سورة الواقعة
[ وهي ] مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 1 )
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ( 2 ) خَافِضَةٌ
رَافِعَةٌ ( 3 )
إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا ( 4 )
وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ( 5 )
فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ( 6 )
وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ( 7 )
فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 )
وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 9 )
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 )
أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي
جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) .
يخبر تعالى بحال الواقعة التي
لا بد من وقوعها، وهي القيامة التي (
لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) أي: لا شك فيها، لأنها قد
تظاهرت عليها الأدلة العقلية والسمعية، ودلت عليها حكمته تعالى.
(
خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) أي: خافضة لأناس في أسفل
سافلين، رافعة لأناس في أعلى عليين، أو خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت
البعيد.
( إِذَا
رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ) أي: حركت واضطربت.
( وَبُسَّتِ
الْجِبَالُ بَسًّا ) أي: فتتت.
(
فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ) فأصبحت الأرض ليس عليها جبل
ولا معلم، قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا.
(
وَكُنْتُمْ ) أيها الخلق (
أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ) أي: انقسمتم ثلاث فرق بحسب
أعمالكم الحسنة والسيئة.
ثم فصل أحوال الأزواج الثلاثة،
فقال: ( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) تعظيم
لشأنهم، وتفخيم لأحوالهم.
( وَأَصْحَابُ الْمَشأَمَةِ ) أي:
الشمال، ( مَا أَصْحَابُ الْمَشأَمَة ) تهويل
لحالهم.
( وَالسَّابِقُونَ
السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) أي:
السابقون في الدنيا إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات.
أولئك الذين هذا وصفهم،
المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل العاليات، التي لا
منزلة فوقها.
وهؤلاء المذكورون ثُلَّةٌ مِنَ
الأَوَّلِينَ أي: جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم.
وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ( 14 ) .
وهذا يدل على فضل صدر هذه الأمة في الجملة على متأخريها، لكون
المقربين من الأولين أكثر من المتأخرين.
والمقربون هم خواص الخلق، عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ أي:
مرمولة بالذهب والفضة، واللؤلؤ، والجوهر، وغير ذلك من [ الحلي ] الزينة، التي لا
يعلمها إلا الله تعالى.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا أي: على تلك السرر، جلوس تمكن
وطمأنينة وراحة واستقرار مُتَقَابِلِينَ وجه كل منهم إلى وجه صاحبه، من صفاء
قلوبهم، وحسن أدبهم، وتقابل قلوبهم.
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ
مُخَلَّدُونَ ( 17 ) .
أي: يدور على أهل الجنة لخدمة
وقضاء حوائجهم، ولدان صغار الأسنان، في غاية الحسن والبهاء، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ
مَكْنُونٌ أي: مستور، لا يناله ما يغيره، مخلوقون للبقاء والخلد، لا يهرمون ولا
يتغيرون، ولا يزيدون على أسنانهم.
ويدورون عليهم بآنية شرابهم (
بِأَكْوَابٍ ) وهي التي لا عرى لها، (
وَأَبَارِيقَ ) الأواني التي لها عرى، (
وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ) أي: من خمر لذيذ المشرب، لا
آفة فيها.
( لا
يُصَدَّعُونَ عَنْهَا ) أي: لا تصدعهم رءوسهم كما
تصدع خمرة الدنيا رأس شاربها.
ولا هم عنها ينزفون، أي: لا
تنزف عقولهم، ولا تذهب أحلامهم منها، كما يكون لخمر الدنيا.
والحاصل: أن جميع ما في الجنة
من أنواع النعيم الموجود جنسه في الدنيا، لا يوجد في الجنة فيه آفة، كما قال
تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ
يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ
مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وذكر هنا خمر الجنة، ونفى عنها كل آفة توجد في الدنيا.
وَفَاكِهَةٍ مِمَّا
يَتَخَيَّرُونَ أي: مهما تخيروا، وراق في أعينهم، واشتهته نفوسهم، من أنواع
الفواكه الشهية، والجنى اللذيذ، حصل لهم على أكمل وجه وأحسنه.
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا
يَشْتَهُونَ أي: من كل صنف من الطيور يشتهونه، ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن
شاءوا مشويا، أو طبيخا، أو غير ذلك.
وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ
اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة،
وحسن وبهاء، والعين: حسان الأعين وضخامها وحسن العين في الأنثى، من أعظم الأدلة
على حسنها وجمالها.
(
كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) أي:
كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي
يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين،
لا عيب فيهن [ بوجه ] ، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت.
فكل ما تأملته منها لم تجد فيه
إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر.
وذلك النعيم المعد لهم جَزَاءً
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فكما حسنت منهم الأعمال، أحسن الله لهم الجزاء، ووفر
لهم الفوز والنعيم.
لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا
وَلا تَأْثِيمًا أي: لا يسمعون في جنات النعيم كلاما يلغى، ولا يكون فيه فائدة،
ولا كلاما يؤثم صاحبه.
إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا أي:
إلا كلاما طيبا، وذلك لأنها دار الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب، وهذا دليل على
حسن أدب أهل الجنة في خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره للنفوس وأسلمه من
كل لغو وإثم، نسأل الله من فضله.
ثم ذكر نعيم أصحاب اليمين
فقال: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ( 27 ) أي:
شأنهم عظيم، وحالهم جسيم.
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ أي: مقطوع
ما فيه من الشوك والأغصان [ الرديئة ] المضرة، مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر
من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم فيه.
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ والطلح
معروف، وهو شجر [ كبار ] يكون بالبادية، تنضد أغصانه من الثمر اللذيذ الشهي.
وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ أي: كثير من
العيون والأنهار السارحة، والمياه المتدفقة.
وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا
مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ أي: ليست بمنزلة فاكهة الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات،
وتكون ممتنعة [ أي: متعسرة ] على مبتغيها، بل هي على الدوام موجودة، وجناها قريب
يتناوله العبد على أي حال يكون.
وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أي:
مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا
يعلمه إلا الله.
إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ
إِنْشَاءً أي: إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا،
نشأة كاملة لا تقبل الفناء.
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا
صغارهن وكبارهن.
وعموم ذلك، يشمل الحور العين
ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف - وهو البكارة- ملازم لهن في جميع الأحوال، كما
أن كونهن عُرُبًا أَتْرَابًا ملازم لهن في كل حال، والعروب: هي المرأة المتحببة
إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها وجمالها [ ومحبتها ] ، فهي التي إن
تكلمت سبت العقول، وود السامع أن كلامها لا ينقضي، خصوصا عند غنائهن بتلك الأصوات
الرخيمة والنغمات المطربة، وإن نظر إلى أدبها وسمتها ودلها ملأت قلب بعلها فرحا
وسرورا، وإن برزت من محل إلى آخر، امتلأ ذلك الموضع منها ريحا طيبا ونورا، ويدخل
في ذلك الغنجة عند الجماع.
والأتراب اللاتي على سن واحدة،
ثلاث وثلاثين سنة، التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب،
متفقات مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يحزن ولا يحزن، بل هن أفراح النفوس، وقرة
العيون، وجلاء الأبصار.
لأَصْحَابِ الْيَمِينِ أي:
معدات لهم مهيئات.
ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ *
وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ أي: هذا القسم من أصحاب اليمين عدد كثير من الأولين،
وعدد كثير من الآخرين.
وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا
أَصْحَابُ الشِّمَالِ ( 41 ) فِي
سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 )
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ( 43 ) لا
بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ( 44 )
إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ( 45 )
وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ( 46 )
وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا
لَمَبْعُوثُونَ ( 47 )
أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ ( 48 ) .
المراد بأصحاب الشمال [ هم: ] أصحاب النار، والأعمال
المشئومة.
فذكر [ الله ] لهم من العقاب، ما هم حقيقون به، فأخبر أنهم ( فِي
سَمُومٍ ) أي: ريح حارة من حر نار جهنم، يأخذ بأنفاسهم، وتقلقهم أشد
القلق، ( وَحَمِيمٍ ) أي:
ماء حار يقطع أمعاءهم.
( وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ) أي:
لهب نار، يختلط بدخان.
( لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ) أي: لا
برد فيه ولا كرم، والمقصود أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، الذي لا خير فيه،
لأن نفي الضد إثبات لضده.
ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم إلى هذا الجزاء فقال: (
إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ ) أي: قد
ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل عن إحسان العمل،
فهذا هو الترف الذي ذمهم الله عليه.
( وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى
الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) أي: وكانوا يفعلون الذنوب
الكبار ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا
عليه بأوزار كثيرة [ غير مغفورة ] .
وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا لوقوعه: (
أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ *
أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ ) أي: كيف نبعث بعد موتنا وقد
بلينا، فكنا ترابا وعظاما؟ [ هذا من المحال ] (
أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ ) قال
تعالى جوابا لهم وردا عليهم :
قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى
مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ أي: قل إن متقدم الخلق ومتأخرهم، الجميع سيبعثهم الله
ويجمعهم لميقات يوم معلوم، قدره الله لعباده، حين تنقضي الخليقة، ويريد الله تعالى
جزاءهم على أعمالهم التي عملوها في دار التكليف.
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن طريق الهدى،
التابعون لطريق الردى، الْمُكَذِّبُونَ بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به من
الحق والوعد والوعيد.
لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ وهو أقبح الأشجار
وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا.
فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ والذي أوجب لهم أكلها - مع
ما هي عليه من الشناعة- الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه
أفئدتهم. هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
وأما شرابهم، فهو بئس الشراب، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام
من الماء الحميم الذي يغلي في البطون شرب الإبل الهيم أي: العطاش، التي قد اشتد
عطشها، أو [ أن الهيم ] داء يصيب الإبل، لا تروى معه من شراب الماء.
هَذَا الطعام والشراب نُزُلُهُمْ أي: ضيافتهم يَوْمَ الدِّينِ
وهي الضيافة التي قدموها لأنفسهم، وآثروها على ضيافة الله لأوليائه.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ
عَنْهَا حِوَلا
ثم ذكر الدليل العقلي على البعث، فقال: نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ
فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أي: نحن الذين أوجدناكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا، من
غير عجز ولا تعب، أفليس القادر على ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل
شيء قدير، ولهذا وبخهم على عدم تصديقهم بالبعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ.
أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ
( 58 )
أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ( 59 )
نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 )
عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ ( 61 )
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) .
أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من
المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق
الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب
بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل.
ولهذا أحالهم الله تعالى على
الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: (
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ) أن القادر
على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
أَفَرَأَيْتُمْ مَا
تَحْرُثُونَ ( 63 )
أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ
نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 )
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ
نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) .
وهذا امتنان منه على عباده،
يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من
الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من
ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء
حقها، فقررهم بمنته، فقال: ( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ
أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) أي: أأنتم أخرجتموه نباتا من
الأرض؟ أم أنتم الذين نميتموه؟ أم أنتم الذين أخرجتم سنبله وثمره حتى صار حبا
حصيدا وثمرا نضيجا؟ أم الله الذي انفرد بذلك وحده، وأنعم به عليكم؟ وأنتم غاية ما
تفعلون أن تحرثوا الأرض وتشقوها وتلقوا فيها البذر، ثم بعد ذلك لا علم عندكم بما
يكون بعد ذلك، ولا قدرة لكم على أكثر من ذلك ومع ذلك، فنبههم على أن ذلك الحرث
معرض للأخطار لولا حفظ الله وإبقاؤه لكم بلغة ومتاعا إلى حين.
فقال: ( لَوْ
نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ ) أي: الزرع المحروث وما فيه من
الثمار ( حُطَامًا ) أي:
فتاتا متحطما، لا نفع فيه ولا رزق، (
فَظَلْتُمْ ) أي: فصرتم بسبب جعله حطاما، بعد أن تعبتم فيه وأنفقتم
النفقات الكثيرة ( تَفَكَّهُونَ ) أي:
تندمون وتحسرون على ما أصابكم، ويزول بذلك فرحكم وسروركم وتفكهكم، فتقولون: (
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) أي: إنا قد نقصنا وأصابتنا
مصيبة اجتاحتنا.
ثم تعرفون بعد ذلك من أين
أتيتم، وبأي سبب دهيتم، فتقولون: ( بَلْ
نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) فاحمدوا الله تعالى حيث زرعه الله
لكم، ثم أبقاه وكمله لكم، ولم يرسل عليه من الآفات ما به تحرمون نفعه وخيره.
أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ
الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 )
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ
نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ( 70 ) .
لما ذكر تعالى نعمته على عباده
بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره
وسهله، لما كان لكم سبيل إليه، وأنه الذي أنزله من المزن، وهو السحاب والمطر،
ينزله الله تعالى فيكون منه الأنهار الجارية على وجه الأرض وفي بطنها، ويكون منه
الغدران المتدفقة، ومن نعمته أن جعله عذبا فراتا تسيغه النفوس، ولو شاء لجعله ملحا
أجاجا مكروها للنفوس. لا ينتفع به (
فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ) الله تعالى على ما أنعم به
عليكم.
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ
الَّتِي تُورُونَ ( 71 )
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ( 72 )
نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ( 73 )
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) .
وهذه نعمة تدخل في الضروريات
التي لا غنى للخلق عنها، فإن الناس محتاجون إليها في كثير من أمورهم وحوائجهم،
فقررهم تعالى بالنار التي أوجدها في الأشجار، وأن الخلق لا يقدرون أن ينشئوا
شجرها، وإنما الله تعالى الذي أنشأها من الشجر الأخضر، فإذا هي نار توقد بقدر حاجة
العباد، فإذا فرغوا من حاجتهم، أطفأوها وأخمدوها.
(
نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ) للعباد بنعمة ربهم، وتذكرة
بنار جهنم التي أعدها الله للعاصين، وجعلها سوطا يسوق به عباده إلى دار النعيم، (
وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ) أي: [ المنتفعين أو ]
المسافرين وخص الله المسافرين لأن نفع المسافر بذلك أعظم من غيره، ولعل السبب في
ذلك، لأن الدنيا كلها دار سفر، والعبد من حين ولد فهو مسافر إلى ربه، فهذه النار،
جعلها الله متاعا للمسافرين في هذه الدار، وتذكرة لهم بدار القرار، فلما بين من
نعمه ما يوجب الثناء عليه من عباده وشكره وعبادته، أمر بتسبيحه وتحميده فقال: (
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) أي:
نزه ربك العظيم، كامل الأسماء والصفات، كثير الإحسان والخيرات، واحمده بقلبك
ولسانك، وجوارحك، لأنه أهل لذلك، وهو المستحق لأن يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى،
ويطاع فلا يعصى.
فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ
النُّجُومِ ( 75 )
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) .
أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما
يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده.
ثم عظم هذا المقسم به، فقال: (
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) وإنما
كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا
يمكن حصرها.
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي
كِتَابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا
يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ( 79 )
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 80 )
أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 )
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( 82 )
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 )
وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 )
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 )
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَا
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 87 ) .
وأما المقسم عليه، فهو إثبات
القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير
العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه.
( فِي
كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) أي: مستور عن أعين الخلق،
وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ،
معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى.
ويحتمل أن المراد بالكتاب
المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله وأن
المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص
منه واستراقه.
( لا
يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ) أي: لا يمس القرآن إلا
الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات، والذنوب والعيوب، وإذا كان لا
يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه،
دلت الآية بتنبيهها على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث،
ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر.
(
تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي: إن
هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده
بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي
قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا.
ومما يجب عليهم أن يقوموا به
ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: (
أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) أي:
أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق
وعارهم وألسنتهم؟ هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق
صاحبه منه.
وأما القرآن الكريم، فهو الحق
الذي لا يغالب به مغالب إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو
الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن.
وقوله: (
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) أي:
تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة الله، فتقولون: مطرنا
بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على
إحسانه، إذ أنزله الله إليكم ليزيدكم من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم
وحلول النقم.
(
فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ *
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) أي:
فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة، والحال أنا نحن
أقرب إليه منكم، بعلمنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرون.
(
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ) أي:
فهلا إذا كنتم تزعمون، أنكم غير مبعوثين ولا محاسبين ومجازين.
ترجعون الروح إلى بدنها ( إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن
ردها إلى موضعها، فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه
وسلم، وإما أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم.
فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ
الْمُقَرَّبِينَ ( 88 )
فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ( 89 )
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 90 )
فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ( 91 )
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ( 92 ) فَنُزُلٌ
مِنْ حَمِيمٍ ( 93 )
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ( 94 )
إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ( 95 )
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 96 ) .
ذكر الله تعالى أحوال الطوائف
الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار
القرار.
ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند
الاحتضار والموت، فقال: ( فَأَمَّا إِنْ كَانَ ) الميت
( مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) وهم
الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات.
( فـ ) لهم (
رَوْحٌ ) أي: راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح، (
وَرَيْحَانٌ ) وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب
وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام
.
(
وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ) جامعة للأمرين كليهما، فيها
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار
بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور.
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ
قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
ألا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *
نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
وقد أول قوله تبارك تعالى:
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ أن هذه البشارة
المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا.
[ وقوله: ] (
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) وهم
الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، و [ إن ] حصل منهم التقصير في بعض الحقوق
التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم، ( فـ ) يقال
لأحدهم: ( سَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ) أي:
سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين أي: يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم
ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات والبليات والعذاب، لأنك من أصحاب
اليمين، الذين سلموا من الذنوب الموبقات.
(
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ ) أي:
الذين كذبوا بالحق وضلوا عن الهدى.
(
فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) أي:
ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا
استغاثوا من شدة العطش والظمأ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ
بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
( إِنَّ
هَذَا ) الذي ذكره الله تعالى، من جزاء العباد بأعمالهم، خيرها
وشرها، وتفاصيل ذلك ( لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) أي:
الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو الحق الثابت الذي لا بد من وقوعه، وقد أشهد الله
عباده الأدلة القواطع على ذلك، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ذائقون له مشاهدون
له فحمدوا الله تعالى على ما خصهم به من هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة.
ولهذا قال تعالى: (
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) فسبحان
ربنا العظيم، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.
والحمد لله رب العالمين حمدا
كثيرا طيبا مباركا فيه.
[ تم تفسير سورة الواقعة ] .
تفسير سورة الحديد
[ وهي ] مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ( 1 ) لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ ( 2 ) هُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 ) .
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في
السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [ والجوامد ] تسبح بحمد
ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها
آثار حكمته، ولهذا قال: ( وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية
لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه
وأمره.
ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: ( لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أي: هو
الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته ( وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
( هُوَ الأوَّلُ ) الذي
ليس قبله شيء، ( وَالآخِرُ ) الذي
ليس بعده شيء ( وَالظَّاهِرُ ) الذي
ليس فوقه شيء، ( وَالْبَاطِنُ ) الذي
ليس دونه شيء. ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ ) قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا،
والأمور المتقدمة والمتأخرة.
هُوَ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ
السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 4 ) لَهُ
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 5 )
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 6 ) .
( هُوَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أولها
يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ ) استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، (
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ ) من حب
وحيوان ومطر، وغير ذلك. ( وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) من
نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، ( وَمَا يَنزلُ مِنَ
السَّمَاءِ ) من الملائكة والأقدار والأرزاق.
( وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ) من
الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. (
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) كقوله:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ
سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ
مَا كَانُوا
وهذه المعية، معية العلم
والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: ( وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي: هو تعالى بصير بما يصدر
منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها
عليكم.
( لَهُ
ملك السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف
فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، (
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ) من
الأعمال والعمال، فيعرض عليه العباد، فيميز الخبيث من الطيب، ويجازي المحسن
بإحسانه، والمسيء بإساءته.
(
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) أي:
يدخل الليل على النهار، فيغشيهم الليل بظلامه، فيسكنون ويهدأون، ثم يدخل النهار
على الليل، فيزول ما على الأرض من الظلام، ويضيء الكون، فيتحرك العباد، ويقومون
إلى مصالحهم ومعايشهم، ولا يزال الله يكور الليل على النهار، والنهار على الليل،
ويداول بينهما، في الزيادة والنقص، والطول والقصر، حتى تقوم بذلك الفصول، وتستقيم
الأزمنة، ويحصل من المصالح ما يحصل بذلك، فتبارك الله رب العالمين، وتعالى الكريم
الجواد، الذي أنعم على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، (
وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) أي:
بما يكون في صدور العالمين، فيوفق من يعلم أنه أهل لذلك، ويخذل من يعلم أنه لا
يصلح لهدايته .
آمِنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 )
وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا
بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) هُوَ
الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 9 )
وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ
الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ ( 10 ) مَنْ
ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ
كَرِيمٌ ( 11 ) .
يأمر تعالى عباده بالإيمان به
وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله، من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم
عليها، لينظر كيف يعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه
من الثواب، فقال: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا ) أي: جمعوا بين الإيمان بالله
ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه [ وأجله ] رضا ربهم، والفوز بدار
كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي أعده الله للمؤمنين والمجاهدين، ثم ذكر [
السبب ] الداعي لهم إلى الإيمان، وعدم المانع منه، فقال:
( وَمَا
لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا
بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي:
وما الذي يمنعكم من الإيمان، والحال أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل
الرسل وأكرم داع دعا إلى الله يدعوكم، فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته،
والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق بالإيمان إن
كنتم مؤمنين، ومع ذلك، من لطفه وعنايته بكم، أنه لم يكتف بمجرد دعوة الرسول الذي
هو أشرف العالم، بل أيده بالمعجزات، ودلكم على صدق ما جاء به بالآيات البينات،
فلهذا قال: ( هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) أي:
ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به وأنه حق اليقين، (
لِيُخْرِجَكُمْ ) بإرسال الرسول إليكم، وما
أنزله الله على يده من الكتاب والحكمة.
( مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) أي: من ظلمات الجهل والكفر،
إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة
بولدها ( وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ )
وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( 10 ) .
أي: وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل الله، وهي طرق الخير
كلها، ويوجب لكم أن تبخلوا، ( و ) الحال
أنه ليس لكم شيء، بل ( لله مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ
وَالأرْضِ ) فجميع الأموال ستنتقل من أيديكم أو تنقلون عنها، ثم يعود
الملك إلى مالكه تبارك وتعالى، فاغتنموا الإنفاق ما دامت الأموال في أيديكم،
وانتهزوا الفرصة، ثم ذكر تعالى تفاضل الأعمال بحسب الأحوال والحكمة الإلهية، فقال:
( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ
الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) المراد بالفتح هنا هو فتح
الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش مما هو أعظم الفتوحات التي حصل
بها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة إلى الدين من غير معارض،
فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان
المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي أسلم
أهلها، كالمدينة وتوابعها، وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى
ويخاف، فلذلك كان من أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، أعظم درجة وأجرا وثوابا ممن لم
يسلم ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك، كما هو مقتضى الحكمة، ولذلك كان السابقون وفضلاء
الصحابة، غالبهم أسلم قبل الفتح، ولما كان التفضيل بين الأمور قد يتوهم منه نقص
وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله: (
وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) أي:
الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح وبعده، كلهم وعده الله الجنة، وهذا يدل
على فضل الصحابة [ كلهم ] ، رضي الله عنهم، حيث شهد الله لهم بالإيمان، ووعدهم
الجنة، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فيجازي كلا منكم على ما يعلمه من
عمله، ثم حث على النفقة في سبيله، لأن الجهاد متوقف على النفقة فيه، وبذل الأموال
في التجهز له، فقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وهي
النفقة [ الطيبة ] التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال
طيب، طيبة به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى [ حيث ] سماه قرضا، والمال ماله،
والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافا كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة
محلها وموضعها يوم القيامة، يوم كل يتبين فقره، ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء
الحسن، ولذلك قال:
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ
بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 )
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ
مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 )
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى
جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 )
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 )
يقول تعالى - مبينا لفضل
الإيمان واغتباط أهله به يوم القيامة- : (
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ) أي: إذا كان يوم القيامة،
وكورت الشمس، وخسف القمر، وصار الناس في الظلمة، ونصب الصراط على متن جهنم، فحينئذ
ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بأيمانهم ونورهم
في ذلك الموقف الهائل الصعب، كل على قدر إيمانه، ويبشرون عند ذلك بأعظم بشارة،
فيقال: ( بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فلله
ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم، وألذها لنفوسهم، حيث حصل لهم كل مطلوب [ محبوب ] ،
ونجوا من كل شر ومرهوب، فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به وهم قد طفئ
نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قالوا للمؤمنين: (
انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) أي:
أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، فـ ( قِيلَ
) لهم: ( ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ
فَالْتَمِسُوا نُورًا ) أي: إن كان ذلك ممكنا، والحال
أن ذلك غير ممكن، بل هو من المحالات، (
فَضُرِبَ ) بين المؤمنين والمنافقين (
بِسُورٍ ) أي: حائط منيع، وحصن حصين، ( لَهُ
بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ ) وهو
الذي يلي المؤمنين ( وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ
الْعَذَابُ ) وهو الذي يلي المنافقين، فينادي المنافقون المؤمنين،
فيقولون لهم تضرعا وترحما: ( أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) في
الدنيا نقول: ( لا إله إلا الله ) ونصلي
ونصوم ونجاهد، ونعمل مثل عملكم؟ (
قَالُوا بَلَى ) كنتم معنا في الدنيا، وعملتم
[ في الظاهر ] مثل عملنا، ولكن أعمالكم أعمال المنافقين، من غير إيمان ولا نية [
صادقة ] صالحة، بل ( فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ
وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ) أي: شككتم في خبر الله الذي
لا يقبل شكا، ( وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ )
الباطلة، حيث تمنيتم أن تنالوا منال المؤمنين، وأنتم غير موقنين، (
حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ ) أي: حتى جاءكم الموت وأنتم
بتلك الحال الذميمة.
(
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ) وهو
الشيطان، الذي زين لكم الكفر والريب، فاطمأننتم به، ووثقتم بوعده، وصدقتم خبره.
(
فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فلو
افتديتم بمثل الأرض ذهبا ومثله معه، لما تقبل منكم، (
مَأْوَاكُمُ النَّارُ ) أي: مستقركم، ( هِيَ
مَوْلاكُمْ ) التي تتولاكم وتضمكم إليها، (
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) النار.
[ قال تعالى: ] وَأَمَّا مَنْ
خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ
حَامِيَةٌ .
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ
آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ
الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 16 )
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) .
لما ذكر حال المؤمنين والمؤمنات
والمنافقين والمنافقات في الدار الآخرة، كان ذلك مما يدعو القلوب إلى الخشوع
لربها، والاستكانة لعظمته، فعاتب الله المؤمنين [ على عدم ذلك ] ، فقال: (
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ
وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ )
أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به
قلوبهم وتخشع لذكر الله، الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق
الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب
لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية
والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، ( وَلا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ
) أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع
القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان
واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، (
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )
فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي
الغفلة عن ذلك، فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين.
(
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ
الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) فإن
الآيات تدل العقول على العلم بالمطالب الإلهية، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر
على أن يحيي الأموات بعد موتهم، فيجازيهم بأعمالهم، والذي أحيا الأرض بعد موتها
بماء المطر قادر على أن يحيي القلوب الميتة بما أنزله من الحق على رسوله، وهذه
الآية تدل على أنه لا عقل لمن لم يهتد بآيات الله و [ لم ] ينقد لشرائع الله.
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ
وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ
أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 ) .
( إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ
وَالْمُصَّدِّقَاتِ ) بالتشديد أي: الذين أكثروا من
الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، (
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ) بأن
قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، (
يُضَاعَفُ لَهُمُ ) الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ( وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) وهو ما
أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس.
وَالَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ
رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 19 ) .
( وَالَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ) والإيمان عند أهل السنة: هو
ما دل عليه الكتاب والسنة، هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل
ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون
أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء.
[ وقوله: ] (
وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) كما
ورد في الحديث الصحيح: ( إن في الجنة مائة درجة، ما
بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ) وهذا
يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم من الله تعالى.
(
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) فهذه
الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم،
فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما
يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله.
والصديقون هم الذين كملوا مراتب
الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا
في سبيل الله [ لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم ] فقتلوا، وأصحاب الجحيم
هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله.
وبقي قسم ذكرهم الله في سورة
فاطر، وهم المقتصدون الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم
تقصير ببعض حقوق الله وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما
فعلوا.
اعْلَمُوا أَنَّمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ
وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ
نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي
الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( 20 )
سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21 ) .
يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما
هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها
القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا
أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد،
وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم
معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى
الله، من النفع القاصر والمتعدي.
[ وقوله: ] (
وَزِينَةً ) أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور
والجاه. [ وغير ذلك ] ( وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ ) أي: كل
واحد من أهلها يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة
في أحوالها، ( وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ ) أي: كل
يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا
والمطمئنين إليها.
بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها،
فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي
توصله إلى الله وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد، نافسه بالأعمال
الصالحة.
ثم ضرب للدنيا مثلا بغيث نزل
على الأرض، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض
زخرفها، وأعجب نباته الكفار، الذين قصروا همهم ونظرهم إلى الدنيا جاءها من أمر
الله [ ما أتلفها ] فهاجت ويبست، فعادت على حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها
خضراء، ولا رؤي لها مرأى أنيق، كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها زاهرة، مهما
أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، إذ أصابها
القدر بما أذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر
اليدين، لم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه.
وأما العمل للآخرة فهو الذي
ينفع، ويدخر لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى: ( وَفِي
الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ) أي:
حال الآخرة، ما يخلو من هذين الأمرين: إما العذاب الشديد في نار جهنم، وأغلالها
وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته ومنتهى مطلبه، فتجرأ على معاصي الله،
وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله.
وإما مغفرة من الله للسيئات،
وإزالة للعقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله به دار الرضوان لمن عرف الدنيا،
وسعى للآخرة سعيها.
فهذا كله مما يدعو إلى الزهد في
الدنيا، والرغبة في الآخرة، ولهذا قال: ( وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) أي:
إلا متاع يتمتع به وينتفع به، ويستدفع به الحاجات، لا يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل
العقول الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور.
ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة
الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح،
والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل
الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق،
والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال:
( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ )
والإيمان بالله ورسله يدخل فيه أصول الدين وفروعها، (
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) أي:
هذا الذي بيناه لكم، وذكرنا لكم فيه الطرق الموصلة إلى الجنة، والطرق الموصلة إلى
النار، وأن فضل الله بالثواب الجزيل والأجر العظيم من أعظم منته على عباده وفضله.
( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) الذي
لا يحصى ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده .
مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ
فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ
نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 )
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ
لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 23 )
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) .
يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: ( مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ ) وهذا
شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ،
صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي
الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة
عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم،
مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من
نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم
أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من
أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: (
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) أي:
متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما
قال تبارك وتعالى: ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
( الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) أي:
يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق
الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على
هذا الخلق الذميم، بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، (
وَمَنْ يَتَوَلَّ ) عن طاعة الله فلا يضر إلا
نفسه، ولن يضر الله شيئا، ( فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) الذي غناه من لوازم ذاته،
الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم
حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ
لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 )
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا
النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 26 )
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ
إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ( 27 ) .
يقول تعالى: (
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) وهي
الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته.
(
وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ) وهو
اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم
في دينهم ودنياهم، ( وَالْمِيزَانَ ) وهو
العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر
والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [ والمواريث وغير ذلك ]
، وذلك ( لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) قياما
بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل
متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة
والأحوال، ( وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) من
آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك.
(
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) وهو ما يشاهد من نفعه في
أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو
يحتاج إلى الحديد.
(
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) أي:
ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر
رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود
الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا.
( إِنَّ
اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته
هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه
قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره
بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر
الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله،
وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته
التي شرعها على ألسنة رسله.
ولما ذكر نبوة الأنبياء عموما،
ذكر من خواصهم النبيين الكريمين نوحا وإبراهيم اللذين جعل الله النبوة والكتاب في
ذريتهما، فقال: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا
وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ) أي:
الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كلهم من ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكذلك
الكتب كلها نزلت على ذرية هذين النبيين الكريمين، (
فَمِنْهُمْ ) أي: ممن أرسلنا إليهم الرسل (
مُهْتَدٍ ) بدعوتهم، منقاد لأمرهم، مسترشد بهداهم.
(
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) أي: خارجون عن [ طاعة الله و
] طاعة الرسل والأنبياء كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
بِمُؤْمِنِينَ
( ثُمَّ
قَفَّيْنَا ) أي: أتبعنا ( عَلَى
آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) خص
الله عيسى عليه السلام؛ لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه
السلام، ( وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ ) الذي
هو من كتب الله الفاضلة، ( وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ) كما
قال تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ الآيات.
ولهذا كان النصارى ألين من
غيرهم قلوبا، حين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام.
(
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) والرهبانية: العبادة، فهم
ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله
عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله
تعالى، ومع ذلك ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
رِعَايَتِهَا ) أي: ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة
ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من
أحوالهم.
ومنهم من هو مستقيم على أمر
الله، ولهذا قال: ( فَآتَيْنَا الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ) أي: الذين آمنوا بمحمد صلى
الله عليه وسلم، مع إيمانهم بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه (
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ
رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلا
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ( 29 ) .
وهذا الخطاب، يحتمل أنه [ خطاب ] لأهل الكتاب الذين آمنوا
بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله
فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إن فعلوا ذلك
أعطاهم الله ( كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ) أي:
نصيبين من الأجر نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد
صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا
الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه،
أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله (
كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ) لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا
الله تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، وأجر
على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى.
( وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا
تَمْشُونَ بِهِ ) أي: يعطيكم علما وهدى ونورا
تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات.
( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ) فلا يستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عم
فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك.
[ وقوله ] ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ
الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) أي:
بينا لكم فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن
أهل الكتاب يكون لديهم علم بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا يحجرون على
الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: ( لَنْ
يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى )
ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن المؤمنين برسوله محمد صلى
الله عليه وسلم، المتقين لله، لهم كفلان من رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف
أهل الكتاب، وليعلموا ( أن الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ) ممن اقتضت حكمته تعالى أن
يؤتيه من فضله، ( وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ) [ الذي لا يقادر قدره ] .
تم تفسير سورة الحديد، ولله الحمد والمنة، والحمد لله.