القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 65 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: « ولو أن أهل الكتاب » ، وهم اليهود والنصارى « آمنوا » بالله وبرسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فصدَّقوه واتبعوه وما أنـزل عليه « واتقوا » ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه « لكفرنا عنهم سيئاتهم » ، يقول: محوْنا عنهم ذنوبَهم فغطينا عليها، ولم نفضحهم بها

« ولأدخلناهم جنات النعيم » ، يقول: ولأدخلناهم بساتِين ينعَمون فيها في الآخرة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا » ، يقول: آمنوا بما أنـزل الله، واتقوا ما حرم الله، « لكفرنا عنهم سيئاتهم » .

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيلَ » ، ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل « وما أنـزل إليهم من ربهم » ، يقول: وعملوا بما أنـزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخِ بعضها بعضًا؟

قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفِقة في الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله. فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بما فيها، والعملُ بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به.

وأما معنى قوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، فإنه يعني: لأنـزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها.

وأما قوله: « ومن تحت أرجلهم » ، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم » ، يعني: لأرسل السماءَ عليهم مدرارًا « ومن تحت أرجلهم » ، تخرج الأرض برَكتها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: إذًا لأعطتهم السماء برَكتها والأَرْضُ نَباتها.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: لو عملوا بما أنـزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنـزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم » ، أمّا « إقامتهم التوراة » ، فالعمل بها وأما « ما أنـزل إليهم من ربهم » ، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل عليه. يقول: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، أما « من فوقهم » ، فأرسلت عليهم مطرًا، وأما « من تحت أرجلهم » ، يقول: لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقي ما يُغْنيهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، قال: بركات السماء والأرض قال ابن جريج: « لأكلوا من فوقهم » ، المطر « ومن تحت أرجلهم » ، من نبات الأرض.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: « من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينـزل من السماء « ومن تحت أرجلهم » ، يقول: من الأرض.

وكان بعضهم يقول إنما أريد بقوله: « لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم » ، التَّوْسِعَة، كما يقول القائل: « هو في خير من قَرْنه إلى قدمه » .

وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده.

 

القول في تأويل قوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ( 66 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « منهم أمة » ، منهم جماعة « مقتصدة » ، يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة « وكثير منهم » ، يعني: من بني إسرائيل من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى « ساء ما يعملون » ، يقول: كثير منهم سيئ عملهم، وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما. فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: « ساء ما يعملون » ، في ذلك من فعلهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « منهم أمة مقتصدة » ، وهم مسلمة أهل الكتاب « وكثير منهم ساءَ ما يعملون » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت فرقة: « عيسى هو ابن الله » ، وقالت فرقة: « هو الله » ، وقالت فرقة: « هو عبد الله وروحه » ، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: « منهم أمة مقتصدة » ، يقول: على كتابه وأمره. ثم ذمّ أكثر القوم فقال: « وكثير منهم ساء ما يعملون » .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « منهم أمة مقتصدة » ، يقول: مؤمنة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون » قال: المقتصدة، أهلُ طاعة الله. قال: وهؤلاء أهل الكتاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: « منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون » ، قال: فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا. قال: و « الغلو » ، الرغبة [ عنه ] ، و « الفسق » ، التقصير عنه.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 67 )

قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أنـزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرًا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله، ولا جَزعًا من كثرة عددهم وقلّة عدد من معه، وأن لا يتّقى أحدًا في ذات الله، فإن الله تعالى ذكره كافيه كلَّ أحد من خلقه، ودافعٌ عنه مكروهَ كل من يبغي مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنـزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قلّ ما لم يبلّغ منه فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنـزلته لو لم يبلِّغ من تنـزيله شيئًا.

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: « يا أيها الرسول بلِّغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، يعني: إن كتمت آية مما أنـزل عليك من ربك، لم تبلِّغ رسالاتي.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، الآية، أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس، ويعصمه منهم، وأمره بالبلاغ. ذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم قيل له: لو احتجبت! فقال: والله لأبديَنَّ عَقِبي للناس ما صاحبتهم.

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نـزلت: « بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، قال: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! فنـزلت: « وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، الآية.

حدثنا هناد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس » ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني.

حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نـزلت: « والله يعصمك من الناس » ، خرج فقال: يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنـزل الله تعالى ذكره: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته » ، إلى آخرها.

حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحارث بن عبيدة أبو قدامة الإيادي قال، حدثنا سعيد الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحْرَس، حتى نـزلت هذه الآية: « والله يعصمك من الناس » ، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القُبَّة فقال:أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن القرظيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يُحْرَس، حتى أنـزل الله: « والله يعصمك من الناس » .

واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاه الله إياه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نـزل منـزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيَقِيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال من يمنعك مني؟ قال: الله! فرُعِدت يد الأعرابيّ وسقط السيف منه، قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه، فأنـزل الله: « والله يعصمك من الناس » .

وقال آخرون: بل نـزلت لأنه كان يخاف قريشًا، فأومن من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشًا، فلما نـزلت: « والله يعصمك من الناس » ، استلقى ثم قال:من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثًا.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن ابن أبي خالد، عن عامر، عن مسروق قال، قالت عائشة: من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب! ثم قرأت: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك » ، الآية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي قال، قالت عائشة: من قال إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم، فقد كذبَ وأعظم الفرية على الله! قال الله تعالى ذكره: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » الآية.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال، قالت عائشة: من زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية! والله يقول: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » ، الآية.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن مسروق بن الأجدع قال: دخلت على عائشة يومًا فسمعتها تقول: لقد أعظمَ الفرية من قال إنّ محمدًا كتم شيئًا من الوحي! والله يقول: « يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك » .

ويعني بقوله: « والله يعصمك من الناس » ، يمنعك من أن ينالوك بسوء. وأصله من « عِصَام القربة » ، وهو ما تُوكىَ به من سير وخيط،

ومنه قول الشاعر:

وَقُلْــتُ: عَلَيْكُــمْ مَالِكًـا, إنَّ مَالِكًـا سَـيَعْصِمُكُمُ, إنْ كَانَ فِي النَّاسِ عَاصِمُ

يعني: يمنعكم.

وأما قوله: « إن الله لا يهدي القوم الكافرين » ، فإنه يعني: إن الله لا يوفِّق للرُّشْد من حاد عن سبيل الحق، وجار عن قصد السبيل، وجحد ما جئته به من عند الله، ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإبلاغ اليهود والنصارى الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَره. يقول تعالى ذكره له: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء اليهود والنصارى « يا أهل الكتاب » ، التوراة والإنجيل « لستم على شيء » ، مما تدَّعون أنكم عليه مما جاءكم به موسى صلى الله عليه وسلم، معشرَ اليهود، ولا مما جاءكم به عيسى، معشرَ النصارى « حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم » ، مما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من الفرقان، فتعملوا بذلك كله، وتؤمنوا بما فيه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، وتقرُّوا بأن كل ذلك من عند الله، فلا تكذِّبوا بشيء منه، ولا تفرِّقوا بين رسل الله فتؤمنوا ببعض وتكفروا ببعض، فإن الكفر بواحد من ذلك كفر بجميعه، لأنّ كتب الله يصدِّق بعضها بعضًا، فمن كذَّب ببعضها فقد كذَّب بجميعها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر.

حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رافعُ بن حارثة وسَلام بن مِشْكم، ومالك بن الصيف، ورافع بن حريملة، فقالوا: يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخِذَ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبيِّنوه للناس، وأنا بريء من أحداثكم! قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الحق والهدى، ولا نؤمن بك، ولا نتبعك! فأنـزل الله تعالى ذكره: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) إلى: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم » ، قال: فقد صرنا من أهل الكتاب « التوراة » ، لليهود، و « الإنجيل » ، للنصارى، « وما أنـزل إليكم من ربكم » ، وما أنـزل إلينا من ربنا أي: « لستم على شيء حتى تقيموا » ، حتى تعملوا بما فيه.

 

القول في تأويل قوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 68 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » ، وأقسم: ليزيدن كثيرًا من هؤلاء اليهود والنصارى الذين قص قصصهم في هذه الآيات، الكتابُ الذي أنـزلته إليك، يا محمد « طغيانًا » ، يقول: تجاوزًا وغلوًّا في التكذيب لك، على ما كانوا عليه لك من ذلك قبل نـزول الفرقان « وكفرًا » يقول: وجحودًا لنبوتك.

وقد أتينا على البيان عن معنى « الطغيان » ، فيما مضى قبل.

وأما قوله: « فلا تأس على القوم الكافرين » ، يعني بقوله: « فلا تأس » ، فلا تحزن.

يقال: « أسِيَ فلان على كذا » ، إذا حزن « يأسَى أسىً » ،، ومنه قول الراجز:

وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى

يقول تعالى ذكره لنبيه: لا تحزن، يا محمد، على تكذيب هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى من بني إسرائيل لك، فإن مثلَ ذلك منهم عادة وخلق في أنبيائهم، فكيف فيك؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: « وليزيدن كثيًرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا » ، قال: الفرقان يقول: فلا تحزن.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « فلا تأس على القوم الكافرين » ، قال: لا تحزن.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدّقوا الله ورسوله، وهم أهل الإسلام « والذين هادوا » ، وهم اليهود « والصابئون » ، وقد بينا أمرهم « والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر » ، فصدّق بالبعث بعد الممات « وعمل » ، من العمل « صالحًا » لمعاده « فلا خوف عليهم » ، فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة « ولا هم يحزنون » ، على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه.

وقد بينا وجه الإعراب فيه فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ( 70 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على الإخلاص في توحيدنا، والعمل بما أمرناهم به، والانتهاء عما نهيناهم عنه وأرسلنا إليهم بذلك رسلا ووعدناهم على ألسن رسلنا إليهم على العمل بطاعتنا الجزيلَ من الثواب، وأوعدناهم على العمل بمعصيتنا الشديدَ من العقاب كلما جاءهم رسول لنا بما لا تشتهيه نفوسهم ولا يوافق محبَّتهم، كذّبوا منهم فريقًا، ويقتلون منهم فريقًا، نقضًا لميثاقنا الذي أخذناه عليهم، وجرأة علينا وعلى خلاف أمرنا.