القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ

قال أبو جعفر: قوله: ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) في المعنى والإعراب نظير قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ .

وأما « سفك الدم » , فإنه صبه وإراقته.

فإن قال قائل: وما معنى قوله: ( لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ؟ وقال: أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها, فنهوا عن ذلك؟ قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت, ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا. فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه, إذ كانت ملتهما [ واحدة، فهما ] بمنـزلة رجل واحد. كما قال عليه السلام:

« إنما المؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنـزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » .

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ( لا تسفكون دماءكم ) ، أي: لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم, فيقاد به قصاصا, فيكون بذلك قاتلا نفسه، لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل. فأضيف بذلك إليه، قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه. كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة، فيعاقب العقوبة: « أنت جنيت هذا على نفسك » .

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا, ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ، ونفسُك يا ابن آدم أهل ملتك.

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ) ، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا، ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ، يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار.

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة في قوله: ( لا تسفكون دماءكم ) ، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق، ( ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ) ، فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ( ثم أقررتم ) ، بالميثاق الذي أخذنا عليكم: لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، كما:-

حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: ( ثم أقررتم ) ، يقول: أقررتم بهذا الميثاق.

وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله: ( وأنتم تشهدون ) . فقال بعضهم: ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه، مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها, فقال الله تعالى لهم: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ، يعني بذلك، إقرار أوائلكم وسلفكم، ( وأنتم تشهدون ) على إقرارهم بأخذ الميثاق عليهم, بأن لا يسفكوا دماءهم, ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم, وتصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم. وممن حُكي معنى هذا القول عنه، ابنُ عباس.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: ( وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) أن هذا حق من ميثاقي عليكم.

وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم, ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مُخرج المخاطبة، على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها، التي قد بينا تأويلها فيما مضى.

وتأولوا قوله: ( وأنتم تشهدون ) ، على معنى: وأنتم شهود.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قوله: ( وأنتم تشهدون ) ، يقول: وأنتم شهود.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي: أن يكون قوله: ( وأنتم تشهدون ) خبرا عن أسلافهم, وداخلا فيه المخاطبون منهم، الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما كان قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل - على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه - فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة، مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم. ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق, وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود، بقوله: ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) . فإذْ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم منهم, فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده, وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة. لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: ( ثم أقررتم وأنتم تشهدون ) - وما أشبه ذلك من الآي - بعضهم دون بعض. والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم. فإذْ كان ذلك كذلك، فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض. وكذلك حكم الآية التي بعدها, أعني قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية. لأنه قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

قال أبو جعفر: ويتجه في قوله: ( ثم أنتم هؤلاء ) وجهان. أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء, فترك « يا » استغناء بدلالة الكلام عليه, كما قال: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [ يوسف: 29 ] ، وتأويله: يا يوسف أعرض عن هذا. فيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم, ثم أقررتم بعد شهادتكم على أنفسكم بأن ذلك حق لي عليكم، لازم لكم الوفاء لي به - تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، متعاونين عليهم، في إخراجكم إياهم، بالإثم والعدوان.

والتعاون هو « التظاهر » . وإنما قيل للتعاون « التظاهر » , لتقوية بعضهم ظهر بعض. فهو « تفاعل » من « الظهر » , وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.

والوجه الآخر: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم. فيرجع إلى الخبر عن « أنتم » . وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم « بهؤلاء » , كما تقول العرب: « أنا ذا أقوم, وأنا هذا أجلس » , وإذْ قيل: « أنا هذا أجلس » كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم « . »

وقد زعم بعض البصريين أن قوله « هؤلاء » في قوله: ( ثم أنتم هؤلاء ) ، تنبيه وتوكيد لـ « أنتم » . وزعم أن « أنتم » وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين, فإنما جاز أن يؤكدوا بـ « هؤلاء » و « أولاء » , لأنها كناية عن المخاطبين, كما قال خفاف بن ندبة:

أقـول لـه والـرمح يَـأطر متنـه : تبيــن خُفافــا إننــي أنـا ذلكـا

يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس: 22 ]

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ .

* ذكر اختلاف المختلفين في ذلك:

حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) إلى أهل الشرك، حتى تسفكوا دماءهم معهم, وتخرجوهم من ديارهم معهم. قال: أنبهم الله [ على ذلك ] من فعلهم, وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم, وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج, وخرجت النضير وقريظة مع الأوس, يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا, ولا بعثا ولا قيامة, ولا كتابا, ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم, تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس, وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم, ويطلون ما أصابوا من الدماء، وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا.

ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغني- نـزلت هذه القصة.

وحدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قال: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة: أن لا يقتل بعضهم بعضا, وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه، فأعتقوه. فكانت قريظة حلفاء الأوس, والنضير حلفاء الخزرج, فكانوا يقتتلون في حرب سُمير. فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم, فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها. فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه, فتعيرهم العرب بذلك, ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا. فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كانت قريظة والنضير أخوين, وكانوا بهذه المثابة, وكان الكتاب بأيديهم. وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا, وافترقت قريظة والنضير, فكانت النضير مع الخزرج, وكانت قريظة مع الأوس، فاقتتلوا. وكان بعضهم يقتل بعضا, فقال الله جل ثناؤه: ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ) الآية.

وقال آخرون بما:-

حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.

قال أبو جعفر: وأما « العدوان » فهو « الفعلان » من « التعدي » , يقال منه: « عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا, واعتدى يعتدي اعتداء » , وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا.

وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: ( تظاهرون ) . فقرأها بعضهم: « تظاهرون » على مثال « تفاعلون » فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة. وقرأها آخرون: ( تظَّاهرون ) , فشدد، بتأويل: ( تتظاهرون ) , غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. وهاتان القراءتان، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار « تظاهرون » المشددة طلبا منه تتمة الكلمة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ( وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ) اليهود. يوبخهم بذلك, ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فقال لهم: ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: أن لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم يعني به: يقتل بعضكم بعضا وأنتم، مع قتلكم من تقتلون منكم، إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم، تفدونه، ويخرج بعضكم بعضا من دياره. وقتلكم إياهم وإخراجكموهم من ديارهم، حرام عليكم، وتركهم أسرى في أيدي عدوكم [ حرام عليكم ] , فكيف تستجيزون قتلهم، ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم، وتستجيزون قتلهم؟ وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم - سواء. لأن الذي حرمت عليكم من قتلهم وإخراجهم من دورهم، نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذي فرضت عليكم فيه فرائضي، وبينت لكم فيه حدودي، وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي - فتصدقون به, فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم; وتكفرون ببعضه، فتجحدونه، فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم, وتخرجونهم من ديارهم؟ وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي؟ كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تَفْدُوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، [ أفتؤمنون ببعض الكتاب فادين، وتكفرون ببعض قاتلين ومخرجين ] ؟ والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر. فكانوا يخرجونهم من ديارهم, وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم أفتكوهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة, عن ابن عباس: ( وإن يأتوكم أسارى تَفْدوهم ) ، قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم, ( وهو محرم عليكم ) في كتابكم ( إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، أتفادونهم مؤمنين بذلك, وتخرجونهم كفرا بذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وإن يأتوكم أسارى تفدوهم ) يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك؟

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر قال، قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، فكان إخراجهم كفرا، وفداؤهم إيمانا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الآية, قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم, وقد أخذ عليهم الميثاق: أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم, وأخذ عليهم الميثاق: إن أسر بعضهم أن يفادوهم. فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. آمنوا بالفداء ففدوا, وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا.

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، حدثنا الربيع بن أنس قال، أخبرني أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب, فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك: أن فادوهن كلهن.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ، قال: كفرهم القتل والإخراج, وإيمانهم الفداء. قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم، وأما إذا أسروا تفدونهم؟ وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث.

قال أبو جعفر: واختلف الْقَرَأَة في قراءة قوله: ( وإن يأتوكم أسارى تفدوهم ) . فقرأه بعضهم: ( أسرى تَفْدوهم ) , وبعضهم: ( أُسارى تُفادوهم ) , وبعضهم ( أُسارى تَفدوهم ) , وبعضهم: ( أسرى تفادوهم ) .

قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: ( وإن يأتوكم أسرى ) , فإنه أراد جمع « الأسير » , إذ كان على « فعيل » ، على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير « فعيل » , إذ كان « الأسر » شبيه المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا, فقيل: أسير وأسرى « , كما قيل: » مريض ومرضى، وكسير وكَسرى, وجريح وجرحى « . »

وقال أبو جعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: ( أُسارى ) ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع « فَعلان » ، إذ كان جمع « فَعلان » الذي له « فَعلى » قد يشارك جمع « فعيل » كما قالوا: « سَكارى وسَكرى، وكَسالى وكَسلى » ، فشبهوا « أسيرا » - وجمعوه مرة « أسارى » ، وأخرى « أسرى » - بذلك .

وكان بعضهم يزعم أن معنى « الأسرى » مخالف معنى « الأسارى » , ويزعم أن معنى « الأسرى » استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم, وأن معنى « الأسارى » معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.

قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع « الأسير » مرة على « فَعلى » لما بينت من العلة, ومرة على « فُعالى » ، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع « سكران وكسلان » وما أشبه ذلك.

وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ ( وإن يأتوكم أسرى ) ، لأن « فعالى » في جمع « فعيل » غير مستفيض في كلام العرب، فإذ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم, وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات - التي بمعنى الآلام والزمانة - وواحده على تقدير « فعيل » ، على « فعلى » ، كالذي وصفنا قبل, وكان أحد ذلك « الأسير » ، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها.

وأما من قرأ: ( تفادوهم ) ، فإنه أراد: أنكم تفدونهم من أسرهم, ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.

وأما من قرأ ذلك ( تفدوهم ) ، فإنه أراد: إنكم يا معشر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم.

وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني: ( أسرى تفادوهم ) - لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم.

وأما قوله: ( وهو محرم عليكم إخراجهم ) ، فإن في قوله: ( وهو ) وجهين من التأويل. أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره. كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم, وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر « الإخراج » الذي بعد « وهو محرم عليكم » تكريرا على « هو » , لما حال بين « الإخراج » و « هو » كلام.

والتأويل الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت « الواو » التي مع « هو » تقتضي اسما يليها دون الفعل. فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه « الواو » أن يليها - أُولِيَتْ « هو » ، لأنه اسم, كما تقول: « أتيتك وهو قائم أبوك » , بمعنى: « وأبوك قائم » , إذ كانت « الواو » تقتضي اسما، فعمدت بـ « هو » , إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام. كما قال الشاعر:

فــأبلغ أبــا يحـيى إذا مـا لقيتـه عـلى العيس فـي آباطهـا عَرَق يَبْسُ

بـــأن السُّلامِيَّ الــذي بِضَــرِيَّة أمـيرَ الحـمى, قد باع حَقِّي بني عبسِ

بثــوب ودينــار وشــاة ودرهـم فهـل هـو مرفـوع بمـا ههنـا رَأْسُ

فأوليت « هل » « هو » لطلبها الاسم العماد.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) : فليس لمن قتل منكم قتيلا فكفر بقتله إياه، بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة - وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنـزله إلى موسى جزاء - يعني « بالجزاء » : الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه - إلا خزي في الحياة الدنيا. و « الخزي » : الذل والصغار, يقال منه: « خزي الرجل يخزى خزيا » ، ( في الحياة الدنيا ) ، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة.

ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه. فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنـزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا, والانتقام للمظلوم من الظالم.

وقال آخرون: بل ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا.

وقال آخرون: بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا: إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير من ديارهم لأول الحشر, وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) : ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه.

وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا.

ولا معنى لقول قائل ذلك. ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه « الألف واللام » , لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 )

قال أبو جعفر: اختلف الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ( وما الله بغافل عما يعملون ) بـ « الياء » ، على وجه الإخبار عنهم, فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى: ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون ) ، يعني: عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا, ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب.

وقرأه آخرون: ( وما الله بغافل عما تعملون ) بـ « التاء » على وجه المخاطبة. قال: فكأنهم نحوا بقراءتهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . وما الله بغافل، يا معشر اليهود، عما تعملون أنتم.

وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ « الياء » ، اتباعا لقوله: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، ولقوله: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ . لأن قوله: ( وما الله بغافل عما يعملون ) إلى ذلك، أقرب منه إلى قوله: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فاتباعه الأقرب إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.

وتأويل قوله: « وما الله بغافل عما يعملون » ، وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة, بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أسراهم من اليهود, ويكفرون ببعض, فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم, ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره, نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [ هم ] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم, وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا، كما:-

حدثنا بشر، حدثنا يزيد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) ، استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.

قال أبو جعفر: ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة - بتركهم طاعته, وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه - لا حظ لهم في نعيم الآخرة, وأن الذي لهم في الآخرة العذاب، غير مخفف عنهم فيها العذاب. لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب، هو الذي له حظ في نعيمها, ولا حظ لهؤلاء، لاشترائهم - بالذي كان في الدنيا - دنياهم بآخرتهم.

وأما قوله: ( ولا هم ينصرون ) فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد، فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله - لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ( آتينا موسى الكتاب ) : أنـزلناه إليه. وقد بينا أن معنى « الإيتاء » الإعطاء، فيما مضى قبل.

و « الكتاب » الذي آتاه الله موسى عليه السلام، هو التوراة.

وأما قوله: ( وقفينا ) ، فإنه يعني: وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض, كما يقفو الرجل الرجل: إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من « القفا » , يقال منه: « قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه, كما يقال: » دبرته « : إذا صرت في دبره. »

ويعني بقوله: ( من بعده ) ، من بعد موسى.

ويعني بـ ( الرسل ) : الأنبياء, وهم جمع « رسول » . يقال: « هو رسول وهم رسل » , كما يقال: « هو صبور وهم قوم صبر, وهو رجل شكور وهم قوم شكر. »

وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: ( وقفينا من بعده بالرسل ) ، أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم, فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها. فلذلك قيل: ( وقفينا من بعده بالرسل ) ، يعني على منهاجه وشريعته, والعمل بما كان يعمل به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) ، أعطينا عيسى ابن مريم.

ويعني بـ « البينات » التي آتاه الله إياها: ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، ونحو ذلك من الآيات، التي أبانت منـزلته من الله, ودلت على صدقه وصحة نبوته، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثنا محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) : أي الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى, وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله, وإبراء الأسقام, والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم, وما رد عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

قال أبو جعفر: أما معنى قوله: ( وأيدناه ) ، فإنه قويناه فأعناه, كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر, عن الضحاك: ( وأيدناه ) ، يقول: نصرناه. يقال منه: « أيدك الله » ، أي قواك, « وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد » , يراد: ذو قوة. ومنه قول العجاج:

من أن تبدلت بآدي آدا *

يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر:

إن القــداح إذا اجــتمعن فرامهــا بالكســـر ذو جَــلَد وبطش أيِّــد

يعني بالأيد: القوي.

ثم اختلف في تأويل قوله: ( بروح القدس ) . فقال بعضهم: « روح القدس » الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به، هو جبريل عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: ( وأيدناه بروح القدس ) قال: هو جبريل.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: هو جبريل عليه السلام.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: روح القدس، جبريل.

حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس.

وقال ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي, عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو [ الذي ] يأتيني؟ قالوا: نعم.

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى، هو الإنجيل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا، كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله, كما قال الله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشورى: 52 ] .

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: « الروح » في هذا الموضع جبريل. لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به, كما أخبر في قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [ المائدة: 110 ] ، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل، لكان قوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، و « إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل » ، تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، إنما هو: إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل. وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكرير كلام واحد، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر. وذلك خلف من الكلام, والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة. وإذْ كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ فساد قول من زعم أن « الروح » في هذا الموضع، الإنجيل, وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة, وتنتعش بها النفوس المولية, وتهتدي بها الأحلام الضالة.

وإنما سمى الله تعالى جبريل « روحا » وأضافه إلى « القدس » ، لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده، من غير ولادة والد ولده, فسماه بذلك « روحا » ، وأضافه إلى « القدس » - و « القدس » ، هو الطهر - كما سمي عيسى ابن مريم « روحا » لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده.

وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا، أن معنى « التقديس » : التطهير, و « القدس » - الطهر، من ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: القدس، البركة.

حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال: القدس، وهو الرب تعالى ذكره.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ( وأيدناه بروح القدس ) ، قال: الله، القدس, وأيد عيسى بروحه، قال: نعت الله، القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [ الحشر: 23 ] ، قال: القدس والقدوس، واحد.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال، [ عن هلال ] بن أسامة, عن عطاء بن يسار قال، قال كعب: الله، القدس.

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( 87 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ) ، اليهود من بني إسرائيل.

حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد.

قال أبو جعفر: يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل, لقد آتينا موسى التوراة, وتابعنا من بعده بالرسل إليكم, وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج، إذ بعثناه إليكم, وقويناه بروح القدس، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس، فكذبتم بعضا منهم. وقتلتم بعضا. فهذا فعلكم أبدا برسلي.

وقوله: ( أفكلما ) ، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب، فهو بمعنى الخبر.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ

قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ( وقالوا قلوبنا غُلْف ) مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. وقرأه بعضهم: « وقالوا قلوبنا غُلُف » مثقلة اللام مضمومة.

فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها, فإنهم تأولوها، أنهم قالوا: قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف. و « الغلْف » - على قراءة هؤلاء- جمع « أغلف » , وهو الذي في غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذي لم يختتن « أغلف » , والمرأة « غلفاء » . وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه: « سيف أغلف » , وقوس غلفاء « وجمعها » غُلْف « , وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على » أفعل « وأنثاه على » فعلاء « , يجمع على » فُعْل « مضمومة الأول ساكنة الثاني, مثل: » أحمر وحمر, وأصفر وصفر « , فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير. ولا يجوز تثقيل عين » فعل « منه، إلا في ضرورة شعر, كما قال طرفة بن العبد: »

أيهـــا الفتيــان فــي مجلســنا جـــردوا منهـــا وِرادا وشُــقُر

يريد: شُقْرًا, إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه. ومنه الخبر الذي:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي, عن عمرو بن مرة الجملي, عن أبي البختري, عن حذيفة قال: القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف معصوب عليه, فذلك قلب الكافر.

ذكر من قال ذلك, يعني أنها في أغطية.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، أي في أكنة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( قلوبنا غلف ) ، أي في غطاء.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، فهي القلوب المطبوع عليها.

حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج, أخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد قوله: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، عليها غشاوة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، أخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، عليها غشاوة.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك عن الأعمش قوله: ( قلوبنا غلف ) ، قال: هي في غُلُف.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، أي لا تفقه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، قال: هو كقوله: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: ( قلوبنا غلف ) قال: عليها طابَع, قال: هو كقوله: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ .

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: ( قلوبنا غلف ) ، أي لا تفقه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، قال: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( قلوبنا غلف ) ، قال يقول: قلبي في غلاف, فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [ فصلت: 5 ] .

قال أبو جعفر: وأما الذين قرأوها « غلف » بتحريك اللام وضمها, فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم, بمعنى أنها أوعية.

قال: و « الغلف » على تأويل هؤلاء جمع « غلاف » . كما يجمع « الكتاب كتب, والحجاب حجب, والشهاب شهب. فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ » غلف « بتحريك اللام وضمها، وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم, وأوعية له ولغيره. »

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال، حدثنا أبي, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، قال: أوعية للذكر.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا فضيل, عن عطية في قوله: ( قلوبنا غلف ) قال: أوعية للعلم.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل, عن عطية مثله.

حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: ( وقالوا قلوبنا غلف ) ، قال: مملوءة علما، لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله: ( قلوبنا غلف ) ، هي قراءة من قرأ ( غلف ) بتسكين اللام - بمعنى أنها في أغشية وأغطية، لاجتماع الحجة من الْقَرَأَة وأهل التأويل على صحتها, وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه، من قراءة ذلك بضم « اللام » .

وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه، حجة على من بلغه. وما جاء به المنفرد، فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان. .

 

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( بل لعنهم الله ) ، بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته, وما ابتعث به رسله, وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك.

وأصل « اللعن » الطرد والإبعاد والإقصاء يقال: « لعن الله فلانا يلعنه لعنا، وهو ملعون » . ثم يصرف « مفعول » : فيقال: هو « لعين » . ومنه قول الشماخ بن ضرار:

ذعــرت بـه القطـا ونفيـت عنـه مكــان الــذئب كـالرجل اللعيـن

قال أبو جعفر: في قول الله تعالى ذكره: ( بل لعنهم الله بكفرهم ) تكذيب منه للقائلين من اليهود: ( قلوبنا غلف ) . لأن قوله: ( بل ) دلالة على جحده جل ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك، إذ كانت « بل » لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود. فإذ كان ذلك كذلك, فبَيِّنٌ أن معنى الآية: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا, ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله، فقليلا ما يؤمنون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( فقليلا ما يؤمنون ) . فقال بعضهم، معناه فقليل منهم من يؤمن, أي لا يؤمن منهم إلا قليل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) ، فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب, إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: ( فقليلا ما يؤمنون ) ، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر, عن قتادة: ( فقليلا ما يؤمنون ) ، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في قوله: ( فقليلا ما يؤمنون ) بالصواب، ما نحن متقنوه إن شاء الله. وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية, ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنـزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك نصب قوله: ( فقليلا ) ، لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره. ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم، فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك. لأن معنى ذلك، لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل, أو فقليل منهم من يؤمن, لكان « القليل » مرفوعا لا منصوبا. لأنه إذا كان ذلك تأويله، كان « القليل » حينئذ مرافعا « ما » . فإذْ نصب « القليل » - و « ما » في معنى « من » أو « الذي » - [ فقد ] بقيت « ما » لا مرافع لها. وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب.

فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى « ما » التي في قوله: ( فقليلا ما يؤمنون ) . فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها, وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون, كما قال جل ذكره: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران: 159 ] وما أشبه ذلك، فزعم أن « ما » في ذلك زائدة, وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك - بيت مهلهل:

لـــو بأبــانين جــاء يخطبهــا خــضب مـا أنـف خـاطب بـدم

وزعم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم, وأن « ما » زائدة.

وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في « ما » ، في الآية وفي البيت الذي أنشده, وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء, إذ كانت « ما » كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.

وهذا القول عندنا أولى بالصواب. لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه.

ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون - من الإيمان قليل أو كثير، فيقال فيهم: « فقليلا ما يؤمنون » ؟

قيل: إن معنى « الإيمان » هو التصديق. وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله، وبالبعث والثواب والعقاب, وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته, وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به، لأنه في كتبهم, ومما جاءهم به موسى، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم - وكذبوا ببعض، فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.

وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء, وإنما قيل: ( فقليلا ما يؤمنون ) ، وهم بالجميع كافرون, كما تقول العرب: « قلما رأيت مثل هذا قط » . وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل « يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل, وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بـ » القلة « , والمعنى فيه نفي جميعه. »