القول في تأويل قوله : وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الجهلة من المشركين أنهم كانوا يحرمون ويحللون من قِبَل أنفسهم، من غير أن يكون الله أذن لهم بشيء من ذلك .

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم من المشركين، جهلا منهم, لأنعام لهم وحرث: هذه أنعامٌ وهذا حرث حجر يعني بـ « الأنعام » و « الحرث » ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم، التي قد مضى ذكرها في الآية قبل هذه .

وقيل: إن « الأنعام » ، السائبة والوصيلة والبحيرة التي سمَّوا .

حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « الأنعام » ، السائبة والبحيرة التي سمُّوا .

و « الحِجْر » في كلام العرب، الحرام. يقال: « حَجَرت على فلان كذا » ، أي حرَّمت عليه, ومنه قول الله: وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ، [ سورة الفرقان: 22 ] ، ومنه قول المتلمس:

حَـنَّتْ إلَـى النَّخْلَةِ القُصْوَى فَقُلْتُ لَهَا: حِجْــرٌ حَــرَامٌ, أَلا ثَـمَّ الدَّهَـارِيسُ

وقول رؤبة، [ العجاج ] :

* وَجَارَةُ البَيْتِ لَهَا حُجْرِيُّ *

يعني المحرّمَ ، ومنه قول الآخر:

فَبِــتُّ مُرْتَفِقًــا, والعَيْـنُ سَـاهِرَةٌ كَـأَنَّ نَـوْمِي عَـلَيَّ اللَّيْـلَ مَحْجُـورُ

أي حرام. يقال : « حِجْر » و « حُجْر » , بكسر الحاء وضمها .

وبضمها كان يقرأ، فيما ذُكر، الحسنُ وقتادة .

حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي [ قال، حدثني عمي ] قال، حدثني أبي, عن الحسين, عن قتادة أنه: كان يقرؤها: « وَحَرْثٌ حُجْرٌ » ، يقول: حرام, مضمومة الحاء .

وأما القرأة من الحجاز والعراق والشام، فعلى كسرها. وهي القراءة التي لا أستجيز خلافها، لإجماع الحجة من القرأة عليها, وأنها اللغة الجُودَى من لغات العرب .

وروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « وَحَرْثٌ حِرْجٌ » ، بالراء قبل الجيم .

حدثني بذلك الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها كذلك .

وهي لغة ثالثة، معناها ومعنى « الحجر » واحد. وهذا كما قالوا: « جذب » و « جبذ » , و « ناء » و « نأى » .

ففي « الحجر » ، إذًا، لغات ثلاث: « حجر » بكسر الحاء، والجيم قبل الراء « وحُجر » بضم الحاء، والجيم قبل الراء و « حِرْج » ، بكسر الحاء، والراء قبل الجيم .

وبنحو الذي قلنا في تأويل الحجر قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث, عن حميد, عن مجاهد وأبي عمرو: ( وحرث حجر ) ، يقول: حرام .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( وحرث حجر ) ، فالحجر . ما حرّموا من الوصيلة, وتحريم ما حرموا .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( وحرث حجر ) ، قال: حرام .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( هذه أنعام وحرث حجر ) الآية, تحريمٌ كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظ وتشديد. وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) ، فيقولون: حرام، أن نطعم إلا من شئنا .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( هذه أنعام وحرث حجر ) ، نحتجرها على مَنْ نريد وعمن نريد, لا يطعمها إلا مَنْ نشاء، بزعمهم. قال: إنما احتجروا ذلك لآلهتهم, وقالوا: لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ) ، قالوا: نحتجرها عن النساء, ونجعلها للرجال .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أنعام وحرث حجر ) ، أما « حجر » , يقول: محرَّم . وذلك أنهم كانوا يصنعون في الجاهلية أشياء لم يأمر الله بها, كانوا يحرّمون من أنعامهم أشياء لا يأكلونها, ويعزلون من حرثهم شيئًا معلومًا لآلهتهم, ويقولون: لا يحل لنا ما سمّينا لآلهتنا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( أنعام وحرث حجر ) ، ما جعلوه لله ولشركائهم .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

 

القول في تأويل قوله : وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وحرّم هؤلاء الجهلة من المشركين ظهورَ بعض أنعامهم, فلا يركبون ظهورها, وهم ينتفعون برِسْلِها ونِتَاجها وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب . وحرموا من أنعامهم أنعامًا أخر، فلا يحجُّون عليها، ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحالٍ، ولا إن حلبوها، ولا إن حمَلوا عليها .

وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم قال: قال لي أبو وائل : أتدري ما « أنعام لا يذكرون اسم الله عليها » ؟ قال: قلت: لا! قال: أنعام لا يحجون عليها .

حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال، حدثنا شاذان قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم قال: قال لي أبو وائل: أتدري ما قوله: ( حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) ؟ قال: قلت: لا! قال: هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها .

حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال، حدثنا محمد بن سعيد الشهيد قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن عاصم, عن أبي وائل: ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) ، قال: لا يحجون عليها .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي أما: ( أنعام حرمت ظهورها ) ، فهي البحيرة والسائبة والحام وأما « الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها » , قال: إذا أولدوها, ولا إن نحروها .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) ، قال: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوها, ولا إن حلبوا, ولا إن حملوا, ولا إن منحوا, ولا إن عملوا شيئًا .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وأنعام حرمت ظهورها ) ، قال: لا يركبها أحد ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) .

وأما قوله: ( افتراء على الله ) , فإنه يقول: فعل هؤلاء المشركون ما فعلوا من تحريمهم ما حرموا, وقالوا ما قالوا من ذلك, كذبًا على الله, وتخرّصًا الباطلَ عليه; لأنهم أضافوا ما كانوا يحرّمون من ذلك، على ما وصفه عنهم جل ثناؤه في كتابه، إلى أنّ الله هو الذي حرّمه, فنفى الله ذلك عن نفسه, وأكذبهم, وأخبر نبيه والمؤمنين أنهم كذبة فيما يدّعون .

ثم قال عز ذكره: ( سيجزيهم ) ، يقول: سيثيبهم ربُّهم بما كانوا يفترونَ على الله الكذبَ ثوابَهم, ويجزيهم بذلك جزاءهم .

 

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ( ما في بطون هذه الأنعام ) .

فقال بعضهم: عنى بذلك اللَّبن .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن أبي الهذيل, عن ابن عباس: ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) ، قال: اللبن .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن ابن أبي الهذيل, عن ابن عباس، مثله .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) ، ألبان البحائر كانت للذكور دون النساء, وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا ) ، قال: ما في بطون البحائر، يعني ألبانها, كانوا يجعلونه للرجال، دون النساء .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن زكريا, عن عامر قال: « البحيرة » لا يأكل من لبنها إلا الرجال, وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,قوله: ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) الآية, فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تركب لم تذبح. وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء . فنهى الله عن ذلك .

وقال آخرون: بل عنى بذلك ما في بطون البحائر والسوائب من الأجنة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ) ، فهذه الأنعام، ما ولد منها من حيّ فهو خالص للرجال دون النساء. وأما ما ولد من ميت، فيأكله الرجال والنساء .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ) ، السائبة والبحيرة .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الكفرة أنهم قالوا في أنعام بأعيانها: « ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا دون إناثنا » ، واللبن ما في بطونها, وكذلك أجنتها. ولم يخصُص الله بالخبر عنهم أنهم قالوا: بعضُ ذلك حرام عليهن دون بعض .

وإذ كان ذلك كذلك, فالواجب أن يقال إنهم قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم خالصة دون إناثهم, وإنهم كانوا يؤثرون بذلك رجالهم, إلا أن يكون الذي في بطونها من الأجنة ميتًا، فيشترك حينئذ في أكله الرجال والنساء .

واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله أنثت « الخالصة » .

فقال بعض نحويي البصرة وبعض الكوفيين: أنثت لتحقيق « الخلوص » , كأنه لما حقق لهم الخلوص أشبه الكثرة, فجرى مجرى « راوية » و « نسابة » .

وقال بعض نحويي الكوفة: أنثت لتأنيث « الأنعام » , لأن « ما في بطونها » ، مثلها, فأنثت لتأنيثها . ومن ذكّره فلتذكير « ما » . قال: وهي في قراءة عبد الله: « خَالِصٌ » . قال: وقد تكون الخالصة في تأنيثها مصدرًا, كما تقول: « العافية » و « العاقبة » , وهو مثل قوله: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ سورة ص: 46 ] .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: أريد بذلك المبالغة في خلوص ما في بطون الأنعام التي كانوا حرَّموا ما في بطونها على أزواجهم, لذكورهم دون إناثهم, كما فعل ذلك « بالراوية » و « النسابة » و « العلامة » , إذا أريد بها المبالغة في وصف من كان ذلك من صفته, كما يقال: « فلان خالصة فلان، وخُلصانه » .

وأما قوله: ( ومحرم على أزواجنا ) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيِّ بـ « الأزواج » .

فقال بعضهم: عنى بها النساء .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( ومحرم على أزواجنا ) ، قال: النساء .

وقال آخرون: بل عنى بالأزواج البنات .

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ( ومحرم على أزواجنا ) ، قال: « الأزواج » ، البنات . وقالوا: ليس للبنات منه شيء .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن هؤلاء المشركين أنهم كانوا يقولون لما في بطون هذه الأنعام يعني أنعامهم : « هذا محرم على أزواجنا » ، و « الأزواج » ، إنما هي نساؤهم في كلامهم, وهن لا شك بنات من هن أولاده, وحلائل من هن أزواجه .

وفي قول الله عز وجل: ( ومحرم على أزواجنا ) ، الدليلُ الواضح على أن تأنيث « الخالصة » ، كان لما وصفت من المبالغة في وصف ما في بطون الأنعام بالخلوصة للذكور, لأنه لو كان لتأنيث الأنعام لقيل: و « محرمة على أزواجنا » , ولكن لما كان التأنيث في « الخالصة » لما ذكرت, ثم لم يقصد في « المحرم » ما قصد في « الخالصة » من المبالغة, رجع فيها إلى تذكير « ما » , واستعمال ما هو أولى به من صفته .

وأما قوله: ( وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ) ، فاختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه يزيد بن القعقاع، وطلحة بن مصرِّف، في آخرين: « وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ » بالتاء في « تكن » ، ورفع « ميتة » , غير أن يزيد كان يشدّد الياء من « مَيِّتَةٌ » ويخففها طلحة .

حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا عيسى, عن طلحة بن مصرف .

وحدثنا أحمد بن يوسف, عن القاسم, وإسماعيل بن جعفر, عن يزيد .

وقرأ ذلك بعض قَرَأة المدينة والكوفة والبصرة: ( وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً ) ، بالياء، و « ميتة » ، بالنصب، وتخفيف الياء .

وكأنّ من قرأ: ( وإن يكن ) ، بالياء ( ميتة ) بالنصب, أراد: وإن يكن ما في بطون تلك الأنعام فذكر « يكن » لتذكير « ما » ونصب « الميتة » ، لأنه خبر « يكن » .

وأما من قرأه : « وإن تكن ميتة » ، فإنه إن شاء الله أراد: وإن تكن ما في بطونها ميتة, فأنث « تكن » لتأنيث « ميتة » .

وقوله: ( فهم فيه شركاء ) ، فإنه يعني أن الرجال وأزواجهم شركاء في أكله، لا يحرمونه على أحد منهم, كما ذكرنا عمن ذكرنا ذلك عنه قبل من أهل التأويل .

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ( وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ) ، قال: تأكل النساء مع الرجال, إن كان الذي يخرج من بطونها ميتة، فهم فيه شركاء, وقالوا: إن شئنا جعلنا للبنات فيه نصيبًا، وإن شئنا لم نجعل .

قال أبو جعفر: وظاهر التلاوة بخلاف ما تأوَّله ابن زيد, لأن ظاهرها يدل على أنهم قالوا: « إن يكن ما في بطونها ميتة, فنحن فيه شركاء » بغير شرط مشيئة . وقد زعم ابن زيد أنهم جعلوا ذلك إلى مشيئتهم .

 

القول في تأويل قوله : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 139 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: « سيجزي » ، أي: سيثيب ويكافئ هؤلاء المفترين عليه الكذب في تحريمهم ما لم يحرّمه الله, وتحليلهم ما لم يحلله الله, وإضافتهم كذبهم في ذلك إلى الله وقوله: ( وصفهم ) ، يعني بـ « وصفهم » ، الكذبَ على الله, وذلك كما قال جلَّ ثناؤه في موضع آخر من كتابه: وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ، [ سورة النحل: 62 ] .

و « الوصف » و « الصفة » في كلام العرب واحد, وهما مصدران مثل « الوزن » و « الزنة » .

وبنحو الذي قلنا في معنى « الوصف » قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( سيجزيهم وصفهم ) ، قال: قولهم الكذب في ذلك .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: ( سيجزيهم وصفهم ) قال: كذبهم .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( سيجزيهم وصفهم ) ، أي كذبهم .

وأما قوله: ( إنه حكيم عليم ) ، فإنه يقول جل ثناؤه: إن الله في مجازاتهم على وصفهم الكذب وقيلهم الباطل عليه « حكيم » ، في سائر تدبيره في خلقه « عليم » ، بما يصلحهم، وبغير ذلك من أمورهم .

 

القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 140 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قد هلك هؤلاء المفترون على ربهم الكذبَ, العادلون به الأوثانَ والأصنام, الذين زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم, وتحريم [ ما أنعمت به ] عليهم من أموالهم, فقتلوا طاعة لها أولادهم, وحرّموا ما أحل الله لهم وجعله لهم رزقًا من أنعامهم « سفها » ، منهم. يقول: فعلوا ما فعلوا من ذلكَ جهالة منهم بما لهم وعليهم, ونقصَ عقول, وضعفَ أحلام منهم, وقلة فهم بعاجل ضرّه وآجل مكروهه، من عظيم عقاب الله عليه لهم ( افتراء على الله ) ، يقول: تكذّبًا على الله وتخرصًا عليه الباطل ( قد ضلوا ) ، يقول: قد تركوا محجة الحق في فعلهم ذلك, وزالوا عن سواء السبيل ( وما كانوا مهتدين ) ، يقول: ولم يكن فاعلو ذلك على هدًى واستقامة في أفعالهم التي كانوا يفعلون قبل ذلك, ولا كانوا مهتدين للصواب فيها، ولا موفقين له .

ونـزلت هذه الآية في الذين ذكر الله خبرهم في هذه الآيات من قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا الذين كانوا يبحرون البحائر, ويسيِّبون السوائب, ويئدون البنات ، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عكرمة، قوله: ( الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم ) ، قال: نـزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومُضَر, كان الرجل يشترط على امرأته أن تستحيي جارية وتئد أخرى. فإذا كانت الجارية التي تَئِد، غدا الرجل أو راح من عند امرأته، وقال لها: « أنت علي كظهر أمِّي إن رجعت إليك ولم تئديها » ، فتخُدُّ لها في الأرض خدًّا, وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها, ثم يتداولنها, حتى إذا أبصرته راجعًا دستها في حفرتها, ثم سوّت عليها التراب .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ثم ذكر ما صنعوا في أولادهم وأموالهم فقال: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ) .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم ) ، فقال: هذا صنيع أهل الجاهلية. كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه وقوله: ( وحرموا ما رزقهم الله ) ، الآية, وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا, تحكمًا من الشياطين في أموالهم .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، إذا سرَّك أن تعلم جهل العرب, فاقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام قوله: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم ) ، الآية .

وكان أبو رزين يتأوّل قوله: ( قد ضلوا ) ، أنه معنيٌّ به: قد ضلوا قبل هؤلاء الأفعال من قتل الأولاد، وتحريم الرزق الذي رزقهم الله بأمور غير ذلك .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا سعيد, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبى رزين في قوله: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم ) ، إلى قوله: ( قد ضلوا ) ، قال: قد ضلوا قبل ذلك .

 

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ

قال أبو جعفر: وهذا إعلام من الله تعالى ذكره ما أنعم به عليهم من فضله, وتنبيهٌ منه لهم على موضع إحسانه, وتعريفٌ منه لهم ما أحلَّ وحرَّم وقسم في أموالهم من الحقوق لمن قسم له فيها حقًّا .

يقول تعالى ذكره: وربكم، أيها الناس ( أنشأ ) ، أي أحدث وابتدع خلقًا, لا الآلهة والأصنام ( جنات ) ، يعني: بساتين ( معروشات ) ، وهي ما عَرَش الناس من الكروم ( وغير معروشات ) ، غير مرفوعات مبنيَّات, لا ينبته الناس ولا يرفعونه, ولكن الله يرفعه وينبته وينمِّيه ، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( معروشات ) ، يقول: مسموكات .

وبه عن ابن عباس: ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات ) ، فـ « المعروشات » ، ما عرش الناس « وغير معروشات » ، ما خرج في البر والجبال من الثمرات .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما « جنات » ، فالبساتين وأما « المعروشات » ، فما عرش كهيئة الكَرْم .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات ) ، قال: ما يُعرَش من الكروم ( وغير معروشات ) ، قال: ما لا يعرش من الكرم .

 

القول في تأويل قوله : وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وأنشأ النخل والزرع مختلفا أكله يعني بـ « الأكل » ، الثمر. يقول: وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب « والزيتون والرمان متشابهًا وغير متشابه » ، في الطعم, منه الحلو، والحامض، والمزّ، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: ( متشابهًا وغير متشابه ) ، قال: « متشابهًا » ، في المنظر « وغير متشابه » ، في الطعم .

وأما قوله: ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) ، فإنه يقول: كلوا من رطبه ما كان رطبًا ثمره ، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب في قوله: ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) ، قال: من رطبه وعنبه .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن الزبرقان قال، حدثنا موسى بن عبيدة في قوله: ( كلوا من ثمره إذا أثمر ) ، قال: من رطبه وعنبه .

 

القول في تأويل قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: هذا أمر من الله بإيتاء الصدقة المفروضة من الثمر والحبِّ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا يونس, عن الحسن, في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة .

حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا يزيد بن درهم قال، سمعت أنس بن مالك يقول: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة المفروضة .

حدثنا عمرو قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا الحجاج بن أرطاة, عن الحكم, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: العشر ونصف العشر .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن محمد بن عبيد الله, عن عبد الله بن شداد, عن ابن عباس: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: العشر ونصف العشر .

حدثنا عمرو بن علي وابن وكيع وابن بشار قالوا، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إبراهيم بن نافع المكي, عن ابن عباس, عن أبيه, في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة .

حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو هلال, عن حيان الأعرج, عن جابر بن زيد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا يونس, عن الحسن في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: هي الصدقة قال: ثم سئل عنها مرة أخرى فقال: هي الصدقة من الحبّ والثمار .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال، أخبرني أبو بكر بن عبد الله, عن عمرو بن سليمان وغيره, عن سعيد بن المسيب أنه قال: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الصدقة المفروضة .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: هي الصدقة من الحب والثمار .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، يعني بحقه، زكاته المفروضة, يوم يُكال أو يُعلم كيله .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده, وهو أن يعلم ما كيله وحقّه, فيخرج من كل عشرة واحدًا, وما يَلْقُط الناس من سنبله .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، و « حقه يوم حصاده » ، الصدقة المفروضة ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة, أو سقاه الطل و « الطل » ، الندى أو كان بَعْلا العشرَ كاملا. وإن سقي برشاء: نصفَ العشر قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسقٍ, وذلك ثلثمئة صاع, فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة وطاوس: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قالا هو الزكاة .

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن الحجاج, عن سالم المكي, عن محمد بن الحنفية قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: يوم كيله, يعطي العشر أو نصف العشر .

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم المكي, عن محمد ابن الحنفية قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: العشر, ونصف العشر .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, وعن قتادة: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قالا الزكاة .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو معاوية الضرير, عن الحجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: العشر ونصف العشر .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شريك, عن الحكم بن عتيبة, عن ابن عباس, مثله .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال،سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، يعني: يوم كيله، ما كان من برّ أو تمر أو زبيب . و « حقه » ، زكاته .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: كُلْ منه, وإذا حصدته فآت حقه ، و « حقه » ، عشوره .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن يونس بن عبيد, عن الحسن أنه قال في هذه الآية: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة إذا كِلْتَه .

حدثنا عمرو قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الزكاة .

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، سألت ابن زيد بن أسلم عن قول الله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، فقلت له: هو العشور؟ قال: نعم! فقلت له: عن أبيك؟ قال: عن أبي وغيره .

وقال آخرون: بل ذلك حقٌّ أوجبه الله في أموال أهل الأموال, غيرُ الصدقة المفروضة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن أبيه: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: شيئًا سوى الحق الواجب قال: وكان في كتابه: « عن علي بن الحسين » .

حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا عبد الملك, عن عطاء في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: القبضة من الطعام .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج, عن عطاء: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: من النخل والعنب والحب كله .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت ما حصدتُ من الفواكه؟ قال: ومنها أيضًا تؤتي . وقال: من كل شيء حصدتَ تؤتي منه حقه يوم حصاده, من نخل أو عنب أو حب أو فواكه أو خضر أو قصب, من كل شيء من ذلك . قلت لعطاء: أواجب على الناس ذلك كله؟ قال: نعم! ثم تلا ( وآتوا حقه يوم حصاده ) . قال: قلت لعطاء: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ،هل في ذلك شيء مُؤَقّت معلوم؟ قال: لا .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الملك, عن عطاء في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: يعطي من حُضورِ يومئذ ما تيسر, وليس بالزكاة .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن عبد الملك, عن عطاء: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: ليس بالزكاة, ولكن يطعم من حضره ساعتئذٍ حَصِيده .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن العلاء بن المسيب, عن حماد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: كانوا يعطون رُطبًا .

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه, وإذا أنقيته وأخذت في كيله حَثَوْت لهم منه. وإذا علمتَ كيله عزلتَ زكاته. وإذا أخذت في جَدَاد النخل طَرَحت لهم من الثفاريق. وإذا أخذت في كيله حثَوْت لهم منه. وإذا علمت كيله عزلت زكاته .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: سوى الفريضة .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن مجاهد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: يلقي إلى السؤَّال عند الحصاد من السنبل, فإذا طِينَ أو طُيِّن، الشك من أبي جعفر ألقى إليهم . فإذا حمله فأراد أن يجعله كُدْسًا ألقى إليهم. وإذا داس أطعمَ منه, وإذا فرغ وعلم كم كيله، عزل زكاته . وقال: في النخل عند الجَدَاد يطعم من الثمرة والشماريخ. فإذا كان عند كيله أطعم من التمر. فإذا فرغ عزل زكاته .

حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: إذا حصد الزرع ألقى من السنبل, وإذا جَدَّ النخل ألقى من الشماريخ. فإذا كاله زكّاه .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: عند الحصاد, وعند الدِّياس, وعند الصِّرام، يقبض لهم منه, فإذا كاله عزل زكاته .

وبه، عن سفيان, عن مجاهد مثله إلا أنه قال: سوى الزكاة .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: شيء سوى الزكاة، في الحصاد والجَدَاد, إذا حَصَدوا وإذا حَزَرُوا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, في قول الله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: واجب، حين يصرم .

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن منصور, عن مجاهد: أنه قال في هذه الآية: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: إذا حصد أطعم, وإذا أدخله البَيْدَر, وإذا داسه أطعم منه .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن أشعث, عن ابن عمر, قال: يطعم المعترَّ، سوى ما يعطي من العشر ونصف العشر .

وبه، عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال: قبضة عند الحصاد, وقبضة عند الجَدَاد .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن أشعث, عن ابن سيرين, قال: كانوا يعطون مَنْ اعترَّ بهم الشيءَ .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: الضِّغث .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: يعطي مثل الضِّغث .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا حماد, عن إبراهيم: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: مثل هذا من الضغث ووضع يحيى إصبعه الإبهام على المفصل الثاني من السَّبّابة .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قال: نحو الضِّغث .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر وعن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, قالا يعطي ضغثًا .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا كثير بن هشام قال، حدثنا جعفر بن برقان, عن يزيد بن الأصم قال، كان النخل إذا صُرِم يجيء الرجل بالعِذْق من نخله، فيعلِّقه في جانب المسجد, فيجيء المسكين فيضربُه بعصاه, فإذا تناثر أكلَ منه . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حَسن أو حسين, فتناول تمرةً, فانتزعها من فيه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصَّدقة, ولا أهلُ بيته . فذلك قوله: ( وآتوا حقَّه يوم حصاده ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن حيان, عن جعفر بن برقان, عن ميمون بن مهران, ويزيد بن الأصم قالا كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعِذْق فيضعونه في المسجد, ثم يجيء السائل فيضربه بعصاه, فيسقط منه, وهو قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) .

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن جعفر, عن يزيد وميمون، في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قالا كان الرجل إذا جدَّ النخلَ يجيء بالعِذْق فيعلقه في جانب المسجد, فيأتيه المسكين فيضربه بعصاه, فيأكل ما يتناثر منه .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: لَقَطُ السُّنبل .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عبد الكريم الجزري, عن مجاهد قال: كانوا يعلقون العذق في المسجد عند الصِّرام, فيأكل منه الضعيف .

وبه، عن معمر قال, قال مجاهد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، يطعم الشيءَ عند صِرَامه .

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: الضغث، وما يقع من السنبل .

وبه، عن سالم, عن سعيد: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: العلَف .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شريك, عن سالم, عن سعيد في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين, القبضةُ والضِّغث لعلف دابته .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا محمد بن رفاعة, عن محمد بن كعب في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: ما قلّ منه أو كثر .

حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: عند الزرع يعطي القبضَ, وعند الصِّرام يعطي القبض, ويتركهم فيتتبعون آثار الصِّرام .

وقال آخرون: كان هذا شيئًا أمر الله به المؤمنين قبل أن تفرض عليهم الصدقة المؤقتة. ثم نسخته الصدقة المعلومة, فلا فرض في مال كائنًا ما كان زرعًا كان أو غرسًا, إلا الصدقة التي فرضها الله فيه .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: نسخها العُشْر ونصف العشر .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص, عن الحجاج, عن الحكم, عن ابن عباس قال: نسخها العُشْر ونصف العشر .

وبه، عن حجاج, عن سالم, عن ابن الحنفية قال: نسخها العُشْر, ونصف العشر .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: هذا قبل الزكاة, فلما نـزلت الزكاة نسختها, فكانوا يعطون الضِّغْث .

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: كانوا يفعلون ذلك، حتى سُنَّ العُشر ونصف العشر. فلما سُنّ العشر ونصف العشر، تُرك .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: هي منسوخة, نسختها العُشر ونصف العشر .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن المغيرة, عن إبراهيم: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: نسختها العشر ونصف العشر .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم قال: نسختها العشر ونصف العشر .

وبه، عن سفيان, عن يونس, عن الحسن قال: نسختها الزكاة .

وبه، عن سفيان, عن السدى قال: نسختها الزكاة: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) .

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم, في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: هذه السورة مكية، نسختها العشر ونصف العشر. قلت: عمّن؟ قال: عن العلماء .

وبه، عن سفيان, عن مغيرة, عن شباك, عن إبراهيم قال: نسختها العشر ونصف العشر .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، فكانوا إذا مرّ بهم أحدٌ يوم الحصاد أو الجدَادِ، أطعموه منه, فنسخها الله عنهم بالزكاة, وكان فيما أنبتتِ الأرضُ، العشرُ ونصف العشر .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن يونس, عن الحسن قال: كانوا يَرْضَخون لقرَابتهم من المشركين .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: نسخه العشر ونصف العشر. كانوا يعطون إذا حصَدوا وإذا ذَرَّوا, فنسختها العشر ونصف العشر.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: كان ذلك فرضًا فرضه الله على المؤمنين في طعامِهم وثمارهم التي تُخْرجها زروعهم وغرُوسهم, ثم نسخه الله بالصدقة المفروضة, والوظيفة المعلومةِ من العشر ونصف العشر. وذلك أن الجميع مجمعون لا خلاف بينهم: أنّ صدقة الحرث لا تؤخذ إلا بعد الدِّياس والتنقية والتذرية, وأن صدقة التمر لا تؤخذ إلا بعد الإجزاز.

فإذا كان ذلك كذلك, وكان قوله جل ثناؤه: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، ينبئ عن أنه أمرٌ من الله جل ثناؤه بإيتاء حقه يوم حصاده, وكان يوم حصاده هو يوم جَدِّه وقطعه، والحبُّ لا شك أنه في ذلك اليوم في سنبله, والتَّمر وإن كان ثمر نخل أو كَرْم غيرُ مستحكم جُفوفه ويبسه, وكانت الصدقة من الحبِّ إنما تؤخذ بعد دِياسه وتذريته وتنقيته كيلا والتمر إنما تؤخذ صدقته بعد استحكام يبسه وجفوفه كَيْلا علم أن ما يؤخذ صدقة بعد حين حَصْده، غير الذي يجب إيتاؤه المساكين يوم حَصاده .

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك إيجابًا من الله في المال حقًّا سوى الصدقة المفروضة؟

قيل: لأنه لا يخلو أن يكون ذلك فرضًا واجبًا، أو نَفْلا.

فإن يكن فرضًا واجبًا، فقد وجب أن يكون سبيلُه سبيلَ الصدقات المفروضات التي من فرَّط في أدائها إلى أهلها كان بربِّه آثمًا، ولأمره مخالفًا. وفي قيام الحجة بأن لا فرض لله في المال بعد الزكاة يجبُ وجوبَ الزكاة سوى ما يجبُ من النفقة لمن يلزم المرءَ نفقته، ما ينبئ عن أنّ ذلك ليس كذلك .

أو يكون ذلك نَفْلا. فإن يكن ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون الخيارُ في إعطاء ذلك إلى ربّ الحرث والثمر. وفي إيجاب القائلين بوجوب ذلك، ما ينبئ عن أن ذلك ليسَ كذلك .

وإذا خرجت الآية من أن يكون مرادًا بها الندب, وكان غير جائز أن يكون لها مخرجٌ في وجوب الفرض بها في هذا الوقت, علم أنها منسوخة .

ومما يؤيد ما قلنا في ذلك من القول دليلا على صحته, أنه جل ثناؤه أتبع قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ، ومعلوم أنّ من حكم الله في عباده مذ فرض في أموالهم الصدقة المفروضة المؤقتة القدرِ, أنّ القائم بأخذ ذلك ساستهم ورُعاتهم . وإذا كان ذلك كذلك, فما وجه نهي ربّ المال عن الإسراف في إيتاء ذلك, والآخذ مُجْبِرٌ, وإنما يأخذ الحق الذي فرض لله فيه؟

فإن ظن ظانّ أن ذلك إنما هو نهي من الله القيِّمَ بأخذ ذلك من الرعاة عن التعدِّي في مال رب المال، والتجاوز إلى أخذ ما لم يُبَحْ له أخذه, فإن آخر الآية وهو قوله: وَلا تُسْرِفُوا ، معطوف على أوله، وهو قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) . فإن كان المنهيَّ عن الإسراف القيِّمُ بقبض ذلك, فقد يجب أن يكون المأمورُ بإيتائه، المنهيَّ عن الإسراف فيه, وهو السلطان .

وذلك قول إن قاله قائل, كان خارجًا من قول جميع أهل التأويل، ومخالفًا المعهود من الخطاب, وكفى بذلك شاهدًا على خطئه .

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معنى قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، وآتوا حقه يوم كيله, لا يوم قصله وقطعه, ولا يوم جداده وقطافه؟ فقد علمتَ مَنْ قال ذلك من أهل التأويل؟ وذلك ما:-

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: يوم كيله .

وحدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن الحجاج, عن سالم المكي, عن محمد بن الحنفية قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، قال: يوم كيله، يعطي العشر ونصف العشر .

مع آخرين قد ذكرت الرواية فيما مضى عنهم بذلك؟

قيل: لأن يوم كيله غير يوم حصاده . ولن يخلو معنى قائلي هذا القول من أحد أمرين: إما أن يكونوا وجّهوا معنى « الحصاد » ، إلى معنى « الكيل » , فذلك ما لا يعقل في كلام العرب، لأن « الحصاد » و « الحصد » في كلامهم: الجدّ والقطع, لا الكيل أو يكونوا وجّهوا تأويل قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، إلى: وآتوا حقه بعد يوم حصاده إذا كلتموه ، فذلك خلاف ظاهر التنـزيل. وذلك أن الأمر في ظاهر التنـزيل بإيتاء الحقّ منه يوم حصاده، لا بعد يوم حصاده . ولا فرقَ بين قائلٍ: إنما عنى الله بقوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ) ، بعد يوم حصاده وآخرَ قال: عنى بذلك قبل يوم حصاده, لأنهما جميعًا قائلان قولا دليلُ ظاهر التنـزيل بخلافه .

 

القول في تأويل قوله : وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 141 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « الإسراف » ، الذي نهى الله عنه بهذه الآية, ومن المنهيّ عنه .

فقال بعضهم: المنهيّ عنه: ربّ النخل والزرع والثمر و « السرف » الذي نهى الله عنه في هذه الآية, مجاوزة القدر في العطِيّة إلى ما يجحف برب المال .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثنا عاصم, عن أبي العالية في قوله: ( وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا ) ، الآية, قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة, ثم تسارفوا, فأنـزل الله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان, عن عاصم الأحول, عن أبي العالية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا سوى الزكاة, ثم تبارَوْا فيه، أسرفوا, فقال الله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان, عن عاصم الأحول, عن أبي العالية: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، قال: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا, ثم تسارفوا, فقال الله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: نـزلت في ثابت بن قيس بن شماس, جَدَّ نخلا فقال: لا يأتين اليوم أحدٌ إلا أطعمته ! فأطعم، حتى أمسى وليست له ثمرة, فقال الله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ( ولا تسرفوا ) ، يقول: لا تسرفوا فيما يؤتى يوم الحصاد, أم في كل شيء؟ قال: بلى ! في كل شيء، ينهى عن السرف . قال: ثم عاودته بعد حين, فقلت: ما قوله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ؟ قال: ينهى عن السرف في كل شيء . ثم تلا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ، [ سورة الفرقان: 67 ] .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا سفيان بن حسين, عن أبي بشر قال: أطاف الناس بإياس بن معاوية بالكوفة, فسألوه: ما السَّرَف؟ فقال: ما دون أمرِ الله فهو سَرَف .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ولا تسرفوا ) ، لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء .

وقال آخرون: « الإسراف » الذي نهى الله عنه في هذا الموضع: منع الصدقة والحقّ الذي أمر الله ربَّ المال بإيتائه أهلَه بقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر, عن ابن جريج قال، أخبرني أبو بكر بن عبد الله, عن عمرو بن سليم وغيره, عن سعيد بن المسيب في قوله: ( ولا تسرفوا ) ، قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن الزبرقان قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ، والسرف، أن لا يعطي في حق .

وقال آخرون: إنما خوطب بهذا السلطان. نُهِى أن يأخذ من ربّ المال فوق الذي ألزم الله ماله .

ذكر من قال ذلك .

حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب, قال ابن زيد في قوله: ( ولا تسرفوا ) ، قال: قال للسلطان: « لا تسرفوا » , لا تأخذوا بغير حق ، فكانت هذه الآية بين السلطان وبين الناس يعني قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ، الآية .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: ( ولا تسرفوا ) ، عن جميع معاني « الإسراف » , ولم يخصص منها معنًى دون معنى .

وإذ كان ذلك كذلك, وكان « الإسراف » في كلام العرب: الإخطاء بإصابة الحق في العطية, إما بتجاوز حدّه في الزيادة، وإما بتقصير عن حدّه الواجب كان معلومًا أن المفرِّق مالَه مباراةً، والباذلَهُ للناس حتى أجحفت به عطيته, مسرفٌ بتجاوزه حدَّ الله إلى ما [ ليس له ] . وكذلك المقصِّر في بذله فيما ألزمه الله بذله فيه, وذلك كمنعه ما ألزمه إيتاءه منه أهلَ سُهْمَان الصدقة إذا وجبت فيه, أو منعه من ألزمه الله نفقته من أهله وعياله ما ألزمه منها. وكذلك السلطان في أخذه من رعيته ما لم يأذن الله بأخذه . كل هؤلاء فيما فعلوا من ذلك مسرفون, داخلون في معنى مَنْ أتى ما نهى الله عنه من الإسراف بقوله: ( ولا تسرفوا ) ، في عطيتكم من أموالكم ما يجحف بكم إذ كان ما قبله من الكلام أمرًا من الله بإيتاء الواجب فيه أهله يوم حصاده. فإنّ الآية قد كانت تنـزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب خاصّ من الأمور، والحكم بها على العامّ, بل عامّة آي القرآن كذلك. فكذلك قوله: ( ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) .

ومن الدليل على صحة ما قلنا من معنى « الإسراف » أنه على ما قلنا، قول الشاعر:

أَعْطَــوا هُنَيْــدَةَ يَحْدُوهَـا ثَمَانِيَـةٌ مَـا فِـي عَطَـائِهِمُ مَـنٌّ وَلا سَـرَفُ

يعني بـ « السرف » : الخطأ في العطيّة .

 

القول في تأويل قوله : وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا, مع ما أنشأ من الجنات المعروشات وغير المعروشات .

و « الحمولة » ، ما حمل عليه من الإبل وغيرها.

و « الفرش » ، صغار الإبل التي لم تدرك أن يُحْمَل عليها .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: « الحمولة » ، ما حمل عليه من كبار الإبل ومسانّها و « الفرش » ، صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله في قوله: ( حمولة وفرشًا ) ، قال: « الحمولة » ، الكبار من الإبل « وفرشًا » ، الصغار من الإبل .

. . . . وقال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن عكرمة, عن ابن عباس: « الحمولة » ، هي الكبار, و « الفرش » ، الصغار من الإبل .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن أبي يحيى, عن مجاهد قال: « الحمولة » ، ما حمل من الإبل, و « الفرش » ، ما لم يحمل .

وبه عن إسرائيل, عن خصيف, عن مجاهد: « الحمولة » ، ما حمل من الإبل, و « الفرش » ، ما لم يحمل .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( وفرشًا ) ، قال: صغار الإبل .

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله في قوله: ( حمولة وفرشًا ) ، قال: « الحمولة » ، الكبار, و « الفرش » ، الصغار .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن ابن مسعود في قوله: ( حمولة وفرشًا ) ، « الحمولة » ، ما حمل من الإبل, و « الفرش » ، هنّ الصغار .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية: ( حمولة وفرشًا ) ، قال: « الحمولة » ، ما حمل عليه من الإبل, و « الفرش » ، الصغار قال ابن المثنى, قال محمد, قال شعبة: إنما كان حدثني سفيان، عن أبي إسحاق .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه قال، قال الحسن: « الحمولة » ، من الإبل والبقر .

وقال بعضهم: « الحمولة » ، من الإبل, وما لم يكن من « الحمولة » ، فهو « الفرش » .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن الحسن: ( حمولة وفرشًا ) ، قال: « الحمولة » ، ما حمل عليه, و « الفرش » ، حواشيها, يعني صغارها .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( ومن الأنعام حمولة وفرشًا ) ، فـ « الحمولة » ، ما حمل من الإبل, و « الفرش » ، صغار الإبل, الفصيل وما دون ذلك مما لا يحمل .

ويقال: « الحمولة » ، من البقر والإبل و « الفرش » ، الغنم .

وقال آخرون: « الحمولة » ، ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك, و « الفرش » ، الغنم .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( ومن الأنعام حمولة وفرشًا ) ، فأما « الحمولة » ، فالإبل والخيل والبغال والحمير, وكل شيء يحمل عليه، وأما « الفرش » ، فالغنم .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس: « الحمولة » ، من الإبل والبقر و « فرشًا » . المعز والضأن .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( ومن الأنعام حمولة وفرشًا ) ، قال: أما « الحمولة » ، فالإبل والبقر . قال: وأما « الفرش » ، فالغنم .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, كان غير الحسن يقول: « الحمولة » ، الإبل والبقر, و « الفرش » ، الغنم .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ومن الأنعام حمولة وفرشًا ) ، أما « الحمولة » ، فالإبل . وأما « الفرش » ، فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم. وما حمل عليه فهو « حمولة » .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( حمولة وفرشًا ) ، « الحمولة » ، الإبل, و « الفرش » , الغنم .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن الحسن: ( وفرشًا ) ، قال: « الفرش » ، الغنم .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( حمولة وفرشًا ) قال: « الحمولة » ، ما تركبون, و « الفرش » ، ما تأكلون وتحلبون, شاة لا تحمل, تأكلون لحمها, وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن « الحمولة » ، هي ما حمل من الأنعام, لأن ذلك من صفتها إذا حملت, لا أنه اسم لها، كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سميت « حمولة » لأنها تحمل, فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة. وهي جمع لا واحد لها من لفظها, كالرَّكوبة، و « الجزورة » . وكذلك « الفرش » ، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه, ويقال له: « الفرش » . وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض, وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس .

فأما « الحمولة » ، بضم « الحاء » ، فإنها الأحمال, وهي « الحمول » أيضًا بضم الحاء .

 

القول في تأويل قوله : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: كلوا مما رزقكم الله، أيها المؤمنون, فأحلّ لكم ثمرات حروثكم وغروسكم، ولحوم أنعامكم, إذ حرّم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله, فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا وللشيطان مثله, فقالوا: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) ، كما اتبعها باحرُو البحيرة، ومسيِّبو السوائب, فتحرموا على أنفسكم من طيب رزق الله الذي رزقكم ما حرموه, فتطيعوا بذلك الشيطان، وتعصوا به الرحمن ، كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) ، لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم, وهي طاعة للخبيث .

إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم ( مبين ) ، قد أبان لكم عدواته، بمناصبته أباكم بالعداوة, حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخدَعه حسدًا منه له، وبغيًا عليه .