القول
في تأويل قوله : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي
نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ
وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لسائليك عن
الساعة: أَيَّانَ مُرْسَاهَا ( لا
أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا ) ،
يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي, ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله
أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني ( ولو كنت أعلم الغيب ) ، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد ( لاستكثرت من الخير ) ، يقول: لأعددت الكثير من
الخير.
ثم اختلف
أهل التأويل في معنى « الخير
» الذي
عناه الله بقوله: (
لاستكثرت من الخير ) . فقال
بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: ( قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا
ضرًّا ) قال:
الهدى والضلالة ( لو كنت
أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ) قال: « أعلم الغيب » ، متى أموت لاستكثرت من العمل
الصالح.
حدثني
المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد, مثله.
حدثني
يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت
من الخير وما مسني السوء ) ، :
قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.
وقال
آخرون: معنى ذلك: « ولو
كنت أعلم الغيب » لأعددت
للسَّنة المجدبة من المخصبة, ولعرفت الغلاء من الرُّخْص, واستعددت له في الرُّخْص.
وقوله: ( وما مسني السوء ) ، يقول: وما مسني الضر ( إن أنا إلا نذير وبشير ) ، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله
أرسلني إليكم, أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره, وأبشّرَ بثوابه وكرامته من
آمن به وأطاعه منكم.
وقوله: ( لقوم يؤمنون ) ، يقول: يصدقون بأني لله
رسول, ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده.
القول
في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا
تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا
اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (
189 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره: ( هو
الذي خلقكم من نفس واحدة ) ، يعني
بالنفس الواحدة: آدم، كما: -
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: ( خلقكم من نفس واحدة ) قال: آدم عليه السلام.
حدثنا
بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ، من آدم.
ويعني
بقوله: ( وجعل
منها زوجها ) ، :
وجعل من النفس الواحدة, وهو آدم, زوجها حواء، كما: -
حدثني
بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة. ( وحمل منها زوجها ) ، : حواء, فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها.
ويعني
بقوله: ( ليسكن
إليها ) ، :
ليأوي إليها لقضاء حاجته ولذته.
ويعني
بقوله: ( فلما
تغشاها ) ، فلما
تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها ( حملت حملا خفيفًا ) ، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف,
وذلك قوله: ( فلما
تغشاها حملت ) ،
وإنما الكلام: فلما تغشاها فقضى حاجته منها حملت.
وقوله: ( حملت حملا خفيفًا ) ، يعني ب « خفة الحمل » : الماء الذي حملته حواء في
رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا, وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ
عليها.
وأما
قوله: ( فمرت
به ) ، فإنه
يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت, وأتمت الحمل، كما: -
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة, عن أبي عمير, عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: ( حملت حملا خفيفًا فمرت به ) قال: لو كنت امرءًا عربيًّا
لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرَّت به.
حدثنا بشر
قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ( فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به ) ، استبان حملها.
حدثني
محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فمرت به ) قال: استمرّ حملها.
حدثني
موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: ( حملت حملا خفيفًا ) قال: هي النطفة وقوله: ( فمرّت به ) ، يقول: استمرّت به.
وقال
آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,
في قوله: ( فمرت
به ) قال:
فشكت، أحملت أم لا؟
ويعني
بقوله: ( فلما
أثقلت ) ، فلما
صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.
يقال
منه: « أثقلت
فلانة » إذا
صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: «
أَتْمَرَ فلان » : إذا
صار ذا تَمْر. كما: -
حدثني
موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: ( فلما أثقلت ) ، : كبر الولد في بطنها.
قال أبو
جعفر: ( دعوا
الله ربهما ) ،
يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، « لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين » .
واختلف
أهل التأويل في معنى « الصلاح
» الذي أقسم
آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.
فقال
بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال: قال الحسن, في قوله: ( لئن آتيتنا صالحًا ) قال: غلامًا.
وقال
آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما, ولا يكون بهيمة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن زيد بن جبير الجُشَمي, عن أبي البختري, في
قوله: ( لئن
آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين ) قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان.
... قال:
حدثنا يحيى بن يمان, عن سفيان, عن زيد بن جبير, عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا
يكون إنسانًا.
... قال:
حدثنا محمد بن عبيد, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت,
كانا يشفقان أن يكون بهيمة, فدعوا ربهما: ( لئن آتيتنا صالحًا ) ، الآية.
... قال:
حدثنا جابر بن نوح, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.
حدثني
القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما
هبط آدم وحواء, ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها, فليس إلا أن أصابها حملت, فليس إلا
أن حملت تحرك في بطنها ولدها، قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس, فقال [ لها: إنك حملت فتلدين!
قالت: ما ألد؟ قال ] :
أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك! [ ويخرج من أنفك، أو من
أذنك، أو من عينك ] .
قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعيني وسميه « عبد الحارث » [ وكان اسمه في الملائكة
الحارث ] تلدي
شبهكما مثلكما ! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام , فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت!
فمات, ثم حملت بآخر, فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث - وكان اسمه في
الملائكة الحارث وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة, أو قتلته, فإني أنا
قتلت الأول! قال: فذكرت ذلك لآدم, فكأنه لم يكرهه, فسمته « عبد الحارث » , فذلك قوله: ( لئن آتيتنا صالحًا ) ، يقول: شبهنا مثلنا فَلَمَّا
آتَاهُمَا صَالِحًا قال: شبههما مثلهما.
حدثني
موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: ( فلما أثقلت ) ، كبر الولد في بطنها، جاءها
إبليس, فخوَّفها وقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ لعله كلب، أو خنـزير، أو حمار!
وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك, أو من قُبُلك, أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فذلك
حين ( دعوا
الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا ) ،
يقول: مثلنا (
لنكونن من الشاكرين ) .
قال أبو
جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا
الله ربهما بحمل حواء, وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من
الشاكرين.
و « الصلاح » قد يشمل معاني كثيرة: منها « الصلاح » في استواء الخلق، ومنها « الصلاح » في الدين, و « الصلاح » في العقل والتدبير.
وإذ كان
ذلك كذلك, ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني « الصلاح » دون بعض, ولا فيه من العقل
دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله, فيقال: إنهما قالا ( لئن آتيتنا صالحًا ) بجميع معاني « الصلاح » .
وأما
معنى قوله: (
لنكونن من الشاكرين ) ،
فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.
القول
في تأويل قوله : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا
جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (
190 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا جعلا له شركاء
فيما آتاهما ورزقهما.
ثم اختلف
أهل التأويل في «
الشركاء » التي
جعلاها فيما أوتيا من المولود.
فقال
بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم, عن قتادة, عن
الحسن, عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت حوّاء لا يعيش لها
ولد, فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه « عبد الحارث » , فعاش لها ولد, فسمته « عبد الحارث » , وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان.
حدثني
محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر, عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء, عن سمرة بن
جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه « عبد الحارث » .
.... قال:
حدثنا المعتمر, عن أبيه قال: حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي العلاء بن
الشخّير, عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: « عبد الحارث » .
حدثنا
ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن داود بن الحصين, عن عكرمة, عن ابن
عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم, فتعبِّدهم لله, وتسميه « عبيد الله » و « عبد الله » ونحو ذلك, فيصيبهم الموت,
فأتاها إبليسُ وآدمَ, فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش ! فولدت له
رجلا فسماه « عبد
الحارث » , ففيه
أنـزل الله تبارك وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى
قوله: ( جعلا
له شركاء فيما آتاهما ) ، إلى
آخر الآية.
حدثني
محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس
قوله في آدم: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، إلى قوله:
فَمَرَّتْ بِهِ ، فشكّت: أحبلت أم لا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ
رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا الآية, فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما
يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون أم لا؟ وزيَّن لهما الباطل، إنه
غويٌّ مبين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا, فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم
تسمياه بي، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان! فسميا ولدهما « عبد الحارث » ; فذلك قوله: ( فلما آتاهما صالحًا جعلا له
شركاء فيما آتاهما ) ،
الآية.
حدثنا
القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما
ولد له أول ولد, أتاه إبليس فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تسميه « عبد الحارث » ! فقال آدم: أعوذ بالله من
طاعتك ! قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء « الحارث » قال
آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتك في أكل الشجرة, فأخرجتني من الجنة, فلن
أطيعك. فمات ولده, ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر, فقال: أطعني وإلا مات كما مات الأول
! فعصاه, فمات, فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه « عبد الحارث » . فلم يزل به حتى سماه « عبد الحارث » , فذلك قوله: ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) ، أشركه في طاعته في غير
عبادة, ولم يشرك بالله, ولكن أطاعه.
حدثنا
ابن حميد قال: حدثنا سَلَمَة, عن هارون قال: أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت, عن عكرمة
قال: ما أشرك آدم ولا حواء, وكان لا يعيش لهما ولد, فأتاهما الشيطان فقال: إن
سرَّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه « عبد
الحارث » ! فهو
قوله: ( جعلا
له شركاء فيما آتاهما ) .
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: فَلَمَّا
تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا قال: كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد
إلا مات, فجاءه الشيطان, فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا, فسمِّه « عبد الحارث » ! ففعل قال: فأشركا في الاسم،
ولم يشركا في العبادة.
حدثنا
بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ( فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) ، ذكر لنا أنه كان لا يعيش
لهما ولد, فأتاهما الشيطان, فقال لهما: سمياه « عبد الحارث » ! وكان من وحي الشيطان وأمره, وكان شركًا في طاعةٍ, ولم يكن
شركًا في عبادةٍ.
حدثني
محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فلما آتاهما صالحًا جعلا له
شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد. فقال لهما الشيطان: إذا
ولد لكما ولد, فسمياه « عبد
الحارث » ! ففعلا
وأطاعاه, فذلك قول الله: ( فلما
آتاهما صالحًا جعلا له شركاء ) ،
الآية.
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا ابن فضيل, عن سالم بن أبي حفصة, عن سعيد بن جبير, قوله:
أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا ، .. إلى قوله تعالى: ( فتعالى الله عما يشركون ) قال: لما حملت حوّاء في أوّل
ولد ولدته حين أثقلت, أتاها إبليس قبل أن تلد, فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في
بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك, أو من عينك, أو من أذنك؟ قالت:
لا أدري. قال: أرأيت إن خرج سليمًا أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم. قال:
سميه « عبد
الحارث » ! وقد
كان يسمى إبليس الحارث فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال
لي كذا وكذا, فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه, فإنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة !
ثم أتاها إبليس, فأعاد عليها, فقالت: نعم. فلما وضعته أخرجه الله سليمًا, فسمته « عبد الحارث » فهو قوله: ( جعلا له شركاء فيما آتاهما
فتعالى الله عما يشركون ) .
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن فضيل, عن عبد الملك, عن سعيد بن جبير قال: قيل له:
أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت, أتاها إبليس
فقال لها: من أين يخرج هذا, من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها, ثم قال:
أرأيت إن خرج سويًّا زاد ابن فضيل: لم يضرك ولم يقتلك أتطيعيني؟ قالت: نعم. قال:
فسميه « عبد
الحارث » ! ففعلت
زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم.
حدثني
موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: فولدت غلامًا يعني
حوّاء فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم عليه السلام: قد
أطعتك وأخرجتني من الجنة! فأبى أن يطيعه, فسماه « عبد الرحمن » , فسلط الله عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر; فلما ولدته قال
لها: سميه عبدي وإلا قتلته ! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة! فأبى, فسماه
« صالحًا
» فقتله.
فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه « عبد الحارث » ، وكان اسم إبليس; وإنما سمي « إبليس » حين أبلس فَعَنَوَا, فذلك حين
يقول الله تبارك وتعالى: ( جعلا
له شركاء فيما آتاهما ) ، يعني
في التسمية.
وقال
آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من
الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ
إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا : أي هذا الرجل الكافر, ( حملت حملا خفيفًا فلما أثقلت
) دعوتما
الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب, ثم رُدَّ إلى الخبر
عن الغائب, كما قيل: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى
إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ، [ سورة يونس: 22 ] وقد بينا نظائر ذلك بشواهده
فيما مضى قبل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف, عن عمرو, عن الحسن: ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) قال: كان هذا في بعض أهل
الملل, ولم يكن بآدم.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال. قال الحسن: عني بهذا
ذرية آدم, من أشرك منهم بعده يعني بقوله: ( فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما ) .
حدثنا
بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم
اليهود والنصارى, رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا.
قال أبو
جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: ( فلما آتاهما صالحًا جعلا له
شركاء ) في
الاسم لا في العبادة وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل
على ذلك.
فإن قال
قائل: فما أنت قائل إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية, وأن المعنيّ بها
آدم وحواء في قوله: (
فتعالى الله عما يشركون ) ؟ أهو
استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: « في الأسماء » دلّ على فساده قوله:
أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ؟ فإن قلت: « في العبادة » , قيل لك: أفكان آدم أشرك في
عباد الله غيره؟
قيل له:
إن القول في تأويل قوله: (
فتعالى عما يشركون ) ، ليس
بالذي ظننت, وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة
الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) ، ثم استؤنف قوله: ( فتعالى الله عما يشركون ) ، كما:-
حدثني
محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: ( فتعالى الله عما يشركون ) ، يقول: هذه فصْلٌ من آية
آدم، خاصة في آلهة العرب.
واختلفت
القرأة في قراءة قوله: ( شركاء
) ،
فقرأ ذلك
عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: « جَعَلا لَهُ شِرْكًا » بكسر الشين, بمعنى الشَّرِكَة.
وقرأه
بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: ( جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ ) ، بضم الشين, بمعنى جمع « شريك » .
قال أبو
جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب, لأن القراءة لو صحت بكسر الشين، لوجب
أن يكون الكلام: فلما أتاهما صالحًا جعلا لغيره فيه شركًا لأن آدم وحواء لم يدينا
بأن ولدهما من عطية إبليس، ثم يجعلا لله فيه شركًا لتسميتهما إياه ب « عبد الله » , وإنما كانا يدينان لا شك بأن
ولدهما من رزق الله وعطيته, ثم سمياه « عبد الحارث » , فجعلا لإبليس فيه شركًا بالاسم.
فلو كانت
قراءة من قرأ: «
شِرْكًا » ،
صحيحة، وجب ما قلنا، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركًا. وفي نـزول وحي الله
بقوله: ( جعلا
له ) ، ما
يوضح عن أن الصحيح من القراءة: (
شُرَكَاء ) ، بضم
الشين على ما بينت قبل.
فإن قال
قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما « عبد الحارث » , و « الحارث
» واحد,
وقوله: ( شركاء
) ،
جماعة, فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما « جعلا له شركاء » , وإنما أشركا واحدًا!
قيل: قد
دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم
تقصد واحدًا بعينه ولم تسمِّه, كقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ، [ سورة آل عمران: 173 ] وإنما كان القائل ذلك واحدًا, فأخرج الخبر مخرج الخبر عن
الجماعة, إذ لم يقصد قصده, وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها.
وأما
قوله: (
فتعالى الله عما يشركون ) ، فتنـزيه
من الله تبارك وتعالى نفسَه, وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون، ويدَّعون معه من
الآلهة والأوثان، كما: -
حدثنا
القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج: ( فتعالى الله عما يشركون ) قال: هو الإنكاف, أنكف نفسه
جل وعز يقول: عظَّم نفسه وأنكفته الملائكة وما سبَّح له.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة
يحدِّث عن السدي قال: هذا من الموصول والمفصول، قوله: ( جعلا له شركاء فيما آتاهما ) ، في شأن آدم وحواء, ثم قال
الله تبارك وتعالى: (
فتعالى الله عما يشركون ) قال:
عما يشرك المشركون, ولم يعنهما.
القول
في تأويل قوله : أَيُشْرِكُونَ مَا لا
يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشركون في عبادة الله, فيعبدون معه « ما لا يخلق شيئًا » ، والله يخلقها وينشئها؟ وإنما
العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق.
وكان ابن
زيد يقول في ذلك بما: -
حدثني
يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد قال: ولد لآدم وحواء ولد, فسمياه « عبد الله » , فأتاهما إبليس فقال: ما
سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد, فسمياه « عبد الله » , فمات. فقالا سميناه « عبد الله » . فقال إبليس: أتظنان أن الله
تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهبَ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى
لكما ما بقيتما، فسمياه « عبد
شمس » ! قال:
فذلك قول الله تبارك وتعالى: (
أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون ) ، آلشمس تخلق شيئًا حتى يكون لها عبد؟ إنما هي مخلوقة! وقد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة, وخدعهما في الأرض. »
وقيل: ( وهم يخلقون ) ، , فأخرج مكنيَّهم مخرج
مكنيّ بني آدم, (
أيشركون ما ) ،
فأخرج ذكرهم ب « ما » لا ب « من » مخرج الخبر عن غير بني آدم,
لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرًا أو خشبًا أو نحاسًا, أو بعض الأشياء التي
يخبر عنها ب « ما » لا ب « من » , فقيل لذلك: « ما » ، ثم قيل: « وهم » , فأخرجت كنايتهم مُخْرَج
كناية بني آدم, لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها، نظير الخبر عن تعظيم الناس
بعضهم بعضًا.
القول
في تأويل قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ
نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئًا من
خلق الله, ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحلّ بهم عقوبة, ولا
هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده
لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في
عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم, بل لا تجتلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع عنها
ضرًّا, فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ؟ يعجِّب تبارك وتعالى خلقه
من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم اللهَ غيرَه.
القول
في تأويل قوله : وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى
الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ
صَامِتُونَ ( 193 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربَّهم
إياه: ومن صفته أنكم، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم, والأمر الصحيح
السديد لا يتبعوكم، لأنها ليست تعقل شيئًا, فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا
جائرًا, وتركب ما كان مستقيمًا سديدًا.
وإنما
أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها، تنبيهَهم على عظيم خطئهم, وقبح
اختيارهم. يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعي إلى الرشاد
وعُرِّفه لم يعرفه, ولم يفهم رشادًا من ضلال, وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد
وسكوته, لأنه لا يفهم دعاءه, ولا يسمع صوته, ولا يعقل ما يقال له. يقول: فكيف
يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهًا؟
وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده, الضارّ من يعصيه, الناصرُ وليَّه, الخاذل
عدوه, الهادي إلى الرشاد من أطاعه, السامع دعاء من دعاه.
وقيل: ( سواء عليكم أدعوتموهم أم
أنتم صامتون ) ، فعطف
بقوله: « صامتون
» , وهو
اسم على قوله: «
أدعوتموهم » , وهو
فعل ماض, ولم يقل: أم صمتم, كما قال الشاعر: سَــوَاءٌ عَلَيْـكَ النَّفْـرُ أَمْ
بِـتَّ لَيْلَـةً بِـأَهْلِ الْقِبَـابِ مِـنْ نُمَـيْرِ بنِ عَامِرِ
وقد
ينشد: « أم
أنْتَ بَائِتٌ » .
القول
في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 194 )
قال أبو
جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا
يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: ( إن
الذين تدعون ) أيها
المشركون، آلهةً ( من
دون الله ) ,
وتعبدونها، شركًا منكم وكفرًا بالله ( عباد أمثالكم ) ، يقول: هم أملاك لربكم, كما أنتم له مماليك. فإن كنتم
صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم, فليستجيبوا
لدعائكم إذا دعوتموهم, فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم, فأيقنوا بأنها
لا تنفع ولا تضر; لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى
وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب
الضرّ.
القول
في تأويل قوله : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ
بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ
بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ
كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ( 195 )
قال أبو
جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم
عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه ، أيها القوم ( أرجل يمشون بها ) ، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم ( أم لهم أيد يبطشون بها ) ، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها
عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ ( أم
لهم أعين يبصرون بها ) ،
فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه ( أم لهم آذان يسمعون بها ) ، فيخبروكم بما سمعوا دونكم
مما لم تسمعوه؟
يقول جل
ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها,
والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه
المعاني عندكم, فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها, وهي خالية من كل هذه الأشياء
التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟
وقوله: ( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ) ، [ قل، يا محمد، لهؤلاء
المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة ( ثم كيدون ) ، ] أنتم وهي ( فلا تنظرون ) ، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر,
ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه, وأنه قد عصمه منهم,
ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.