القول في تأويل قوله تعالى : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أهذا الذي يعلم أنّ الذي أنـزله الله عليك، يا محمد، حق فيؤمن به ويصدق ويعمل بما فيه, كالذي هو أعمى فلا يعرف موقع حُجَة الله عليه به ولا يعلم ما ألزمه الله من فَرَائصه؟

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا إسحاق قال: حدثنا هشام, عن عمرو, عن سعيد, عن قتادة في قوله: ( أفمن يعلم أنما أنـزل إليك من ربك الحق ) ، قال: هؤلاء قوم انتفعُوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووَعَوْه، قال الله: ( كمن هو أعمى ) ، قال: عن الخير فلا يبصره .

وقوله: ( إنما يتذكر أولو الألباب ) يقول: إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول، وهي « الألباب » واحدها « لُبٌّ » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ( 20 ) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ( 21 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب، الذين يوفون بوصية الله التي أوصاهم بها ( ولا ينقضون الميثاق ) ، ولا يخالفون العهد الذي عاهدوا الله عليه إلى خلافه, فيعملوا بغير ما أمرهم به، ويخالفوا إلى ما نهى عنه .

وقد بينا معنى « العهد » و « الميثاق » فيما مضى بشواهده, فأغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا هشام, عن عمرو, عن سعيد, عن قتادة قال: ( إنما يتذكر أولو الألباب ) ، فبيَّن من هم, فقال: ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ) ، فعليكم بوفاء العهد, ولا تنقضوا هذا الميثاق, فإن الله تعالى قد نهى وقدَّم فيه أشد التَّقْدمة, فذكره في بضع وعشرين موضعًا نصيحةً لكم وتقدِمَةً إليكم، وحجة عليكم, وإنما يعظُمُ الأمر بما عظَّمه الله به عند أهل الفهم والعقل, فعظِّموا ما عظم الله. قال قتادة: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: « لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له » .

وقوله: ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) ، يقول تعالى ذكره: والذين يصلون الرَّحم التي أمرهم الله بوصلها فلا يقطعونها ( ويخشون ربهم ) ، يقول: ويخافون الله في قطْعها أن يقطعوها, فيعاقبهم على قطعها وعلى خلافهم أمرَه فيها .

وقوله: ( ويخافون سوء الحساب ) ، يقول: ويحذرون مناقشة الله إياهم في الحساب, ثم لا يصفح لهم عن ذنب, فهم لرهبتهم ذلك جادُّون في طاعته، محافظون على حدوده . كما:-

حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا عفان قال: حدثنا جعفر بن سليمان, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء في قوله: ( الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) قال: المقايسةُ بالأعمال .

... قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد, عن فرقد, عن إبراهيم قال: ( سوء الحساب ) أن يحاسب من لا يغفر له .

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ( ويخافون سوء الحساب ) ، قال، فقال: وما ( سوء الحساب ) ؟ قال: الذي لا جَوَاز فيه .

حدثني ابن سمان القزاز قال، حدثنا أبو عاصم, عن الحجاج, عن فرقد قال: قال لي إبراهيم: تدري ما ( سوء الحساب ) ؟ قلت: لا أدري قال: يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفرُ له منه شيء .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ( 22 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين صبروا على الوفاء بعهد الله، وترك نقض الميثاق وصلة الرحم ( ابتغاء وجه ربهم ) ، ويعني بقوله: ( ابتغاء وجه ربهم ) ، طلب تعظيم الله, وتنـزيهًا له أن يُخالَفَ في أمره أو يأتي أمرًا كره إتيانه فيعصيه به ( وأقاموا الصلاة ) ، يقول: وأدُّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها ( وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية ) يقول: وأدَّوا من أموالهم زكاتها المفروضة وأنفقوا منها في السبل التي أمرهم الله بالنفقة فيها ( سرًّا ) في خفاء « وعلانية » في الظاهر . كما:-

حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وأقاموا الصلاة ) يعني الصلوات الخمس ( وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية ) . يقول الزكاة .

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد « الصبر » ، الإقامة. قال، وقال « الصبر » في هاتين, فصبرٌ لله على ما أحبَّ وإن ثقل على الأنفس والأبدان, وصبرٌ عمَّا يكره وإن نازعت إليه الأهواء. فمن كان هكذا فهو من الصابرين . وقرأ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ . [ سورة الرعد:24 ]

وقوله: ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) ، يقول: ويدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس, بالإحسان إليهم. كما:-

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) ، قال: يدفعون الشر بالخير, لا يكافئون الشرّ بالشر، ولكن يدفعونه بالخير .

وقوله: ( أولئك لهم عقبى الدار ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، هم الذين ( لهم عقبى الدار ) , يقول: هم الذين أعقبهم الله دارَ الجنان، من دارهم التي لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم في النار, فأعقبهم الله من تلك هذه .

وقد قيل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عقِيبَ طاعتهم ربَّهم في الدنيا، دارُ الجنان .

 

القول في تأويل قوله تعالى : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ( 24 )

قال أبو جعفر: يقول ( جنات عدن ) ، ترجمة عن ( عقبى الدار ) كما يقال: « نعم الرجل عبد الله » , فعبد الله هو الرجل المقول له: « نعم الرجل » , وتأويل الكلام: أولئك لهم عَقيِبَ طاعتهم ربِّهم الدارُ التي هي جَنَّات عدْنٍ .

وقد بينا معنى قوله: ( عدن ) , وأنه بمعنى الإقامة التي لا ظَعْنَ معها .

وقوله: ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) ، يقول تعالى ذكره: جنات عدن يدخلها هؤلاء الذين وصف صفتهم وهم الذين يوفون بعهد الله, والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم, والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم, وأقاموا الصلاة, وفعلوا الأفعال التي ذكرها جل ثناؤه في هذه الآيات الثلاث ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ) ، وهي نساؤهم وأهلوهم و « ذرّيّاتهم » . . و « صلاحهم » إيمانهم بالله واتباعهم أمره وأمر رسوله عليه السلام . كما:-

حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( ومن صلح من آبائهم ) قال: من آمن في الدنيا .

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد

وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: ( ومن صلح من آبائهم ) قال: من آمن من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم .

وقوله: ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ) ، يقول: تعالى ذكره: وتدخل الملائكة على هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه صفتهم في هذه الآيات الثلاث في جنات عدن, من كل باب منها, يقولون لهم: ( سلام عليكم بما صبرتم ) على طاعة ربكم في الدنيا ( فنعم عقبى الدار ) .

وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب .

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا علي بن جرير قال: حدثنا حماد بن سلمة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو قال: إن في الجنة قصرًا يقال له « عدن » , حوله البروج والمروج, فيه خمسة آلاف باب, على كل باب خمسة آلاف حِبَرة, لا يدخله إلا نبيٌ أو صديق أو شهيدٌ .

... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرحمن بن مغراء, عن جويبر, عن الضحاك, في قوله: ( جنات عدن ) قال: مدينة الجنة, فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى, والناسُ حولهم بعدد الجنات حوْلها .

وحذف من قوله: ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) ، « يقولون » ، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه, كما حذف ذلك من قوله: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا . [ سورة السجدة:12 ]

حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن بقية بن الوليد قال: حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له « أبو الحجاج » , يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متّكئًا على أريكته إذا دخل الجنة, وعنده سِمَاطان من خَدَمٍ, وعند طرف السِّماطين بابٌ مبوَّبٌ، فيقبل المَلَك يستأذن؛ فيقول أقصى الخدم للذي يليه: « ملك يستأذن » ، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا. فيقول: أقربهم إلى المؤمن ائذنوا. ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا. فكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب, فيفتح له, فيدخل فيسلّم ثم ينصرف .

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك, عن إبراهيم بن محمد, عن سُهَيْل بن أبي صالح, عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: « السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار » , وأبو بكر وعمر وعثمان .

وأما قوله: ( سلام عليكم بما صبرتم ) فإن أهل التأويل قالوا في ذلك نحو قولنا فيه .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الرزاق, عن جعفر بن سليمان, عن أبي عمران الجوني أنه تلا هذه الآية: ( سلام عليكم بما صبرتم ) قال: على دينكم .

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: ( سلام عليكم بما صبرتم ) قال: حين صبروا بما يحبه الله فقدّموه . وقرأ: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ، حتى بلغ: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [ سورة الإنسان:12- 22 ] وصبروا عما كره الله وحرم عليهم, وصبروا على ما ثقل عليهم وأحبه الله, فسلم عليهم بذلك . وقرأ: ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) .

وأما قوله: ( فنعم عقبى الدار ) فإن معناه إن شاء الله كما:-

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال حدثنا عبد الرزاق, عن جعفر, عن أبي عمران الجوني في قولهم ( فنعم عقبى الدار ) قال: الجنة من النار .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 25 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره و أما الذين ينقضون عهد الله , ونقضهم ذلك، خلافهم أمر الله, وعملهم بمعصيته ( من بعد ميثاقه ) ، يقول: من بعد ما وثّقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) ، يقول: ويقطعون الرحم التي أمرهم الله بوصلها ( ويفسدون في الأرض ) ، فسادهم فيها: عملهم بمعاصي الله ( أولئك لهم اللعنة ) ، يقول: فهؤلاء لهم اللعنة, وهي البعد من رحمته، والإقصاء من جِنانه ( ولهم سوء الدار ) يقول: ولهم ما يسوءهم في الدار الآخرة .

حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله, لأن الله يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [ سورة الحج:31 ] ، ونقض العهد، وقطيعة الرحم, لأن الله تعالى يقول: ( أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) ، يعني: سوء العاقبة .

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال : قال ابن جريج, في قوله: ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) ، قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « إذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك ولم تعطه من مالك فقد قطعته » .

حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة, عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي عن هذه الآية: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [ سورة الكهف:103 ، 104 ] ، أهم الحرورية؟ قال: لا ولكن الحرورية ( الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) ، فكان سعدٌ يسميهم الفاسقين .

حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة قال: سمعت مصعب بن سعد قال: كنت أمسك على سعدٍ المصحف, فأتى على هذه الآية, ثم ذكر نحو حديث محمد بن جعفر .

 

القول في تأويل قوله تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ ( 26 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الله يوسّع على من يَشاء من خلقه في رزقه, فيبسط له منه لأن منهم من لا يُصْلحه إلا ذلك ( ويقدر ) ، يقول: ويقتِّر على من يشاء منهم في رزقه وعيشه, فيضيّقه عليه, لأنه لا يصلحه إلا الإقتار ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) ، يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا من الرزق على كفرهم بالله ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به في الآخرة من الكرامة والنعيم .

ثم أخبر جلّ ثناؤه عن قدر ذلك في الدنيا فيما لأهل الإيمان به عنده في الآخرة وأعلم عباده قِلّته, فقال: ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) ، يقول: وما جميع ما أعطى هؤلاء في الدنيا من السَّعة وبُسِط لهم فيها من الرزق ورغد العيش، فيما عند الله لأهل طاعته في الآخرة ( إلا متاع ) قليل، وشيء حقير ذاهب . كما:-

حدثنا الحسن بن محمد، قال، حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( إلا متاع ) قال: قليلٌ ذاهب .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد

... قال: وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) ، قال: قليلٌ ذاهب .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن بكير بن الأخنس, عن عبد الرحمن بن سابط في قوله: ( وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاعٌ ) قال: كزاد الرّاعي يُزوِّده أهله: الكفِّ من التمر, أو الشيء من الدقيق, أو الشيء يشرَبُ عليه اللبن .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ( 27 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويقول لك يا محمد، مشركو قومك: هلا أنـزل عليك آية من ربك, إمّا ملك يكون معك نذيرًا, أو يُلْقَى إليك كنـز؟ فقل: إن الله يضل منكم من يشاء أيها القوم، فيخذله عن تصديقي والإيمان بما جئته به من عند ربي ( ويَهدي إليه من أناب ) , فرجع إلى التوبة من كفره والإيمان به, فيوفقه لاتباعي وتصديقي على ما جئته به من عند ربه، وليس ضلالُ من يضلّ منكم بأن لم ينـزل علي آية من ربّي ولا هداية من يهتدي منكم بأنَّها أنـزلت عليّ, وإنما ذلك بيَدِ الله, يوفّق من يشاء منكم للإيمان ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن .

وقد بينت معنى « الإنابة » ، في غير موضع من كتابنا هذا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( ويهدي إليه من أناب ) : أي من تاب وأقبل .

 

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ بالتوبة الذين آمنوا .

و ( الذين آمنوا ) في موضع نصب، ردٌّ على « مَنْ » , لأن « الذين آمنوا » ، هم « من أناب » ، ترجم بها عنها .

وقوله: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ، يقول: وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله، كما:-

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به .

وقوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ، يقول: ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوبُ المؤمنين .

وقيل: إنه عنى بذلك قلوب المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ لمحمد وأصحابه .

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل

وحدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ قال: لمحمد وأصحابه .

... قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا أحمد بن يونس قال، حدثنا سفيان بن عيينة في قوله: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .