القول
في تأويل قوله عز ذكره : قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ
إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ
اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 )
قال أبو
جعفر : يقول تعالى ذكره: قالت الأمم التي أتتهم الرّسلُ رُسُلهم: ( إن نحن إلا بشر مثلكم ) ، صدقتم في قولكم ، إن أنتم
إلا بشر مثلنا ، فما نحنُ إلا بَشَر من بني آدم ، إنسٌ مثلكم ( ولكنّ الله يمنُّ على من
يشاء من عباده ) ،
يقُول: ولكن الله يتفضل على من يشاء من خلقه ، فيهديه ويوفقه للحقّ ، ويفضّله على
كثير من خلقه ( وما
كان لنا أن نأتيكم بسلطان ) ،
يقول: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه ( إلا بإذن الله ) ، يقول: إلا بأمر الله لنا
بذلك ( وعلى
الله فليتوكل المؤمنون ) ،
يقول: وبالله فليثق به من آمن به وأطاعه ، فإنا به نثق ، وعليه نتوكل.
20610م - حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله: فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، قال: « السلطان المبين » ، البرهان والبينة. وقوله: مَا
لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [ سورة آل عمران : 151 / سورة الأعراف : 7 / سورة الحج :
71 ] ، قال:
بينَةً وبرهانًا.
القول
في تأويل قوله عز ذكره : وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ
عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 )
قال أبو
جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبًرا عن قِيل الرسل لأممها: ( وما لنا أن لا نتوكل على
الله ) ، فنثق
به وبكفايته ودفاعه إياكم عنَّا ( وقد
هدانا سُبُلنا ) ،
يقول: وقد بَصَّرنا طريقَ النجاة من عذابه ، فبين لنا ( ولنصبرنَّ على ما آذيتمونا ) ، في الله وعلى ما نلقى منكم
من المكروه فيه بسبب دُعائنا لكم إلى ما ندعوكم إليه ، من البراءة من الأوثان
والأصنام ، وإخلاص العبادة له ( وعلى
الله فليتوكل المتوكلون ) ،
يقول: وعلى الله فليتوكل من كان به واثقًا من خلقه ، فأما من كان به كافرًا فإنّ
وليَّه الشيطان.
القول
في تأويل قوله عز ذكره : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 )
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي
وَخَافَ وَعِيدِ ( 14 )
قال أبو
جعفر : يقول عزّ ذكره: وقال الذين كفروا بالله لرسلهم الذين أرسلوا إليهم ، حين
دعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له ، وفراق عبادة الآلهة والأوثان ( لنخرجنَّكم من أرضنا ) ، يعنون: من بلادنا فنطردكم
عنها ( أو
لتعودن في مِلّتنا ) ،
يعنون: إلا أن تَعُودوا في دِيننا الذي نحن عليه من عبادة الأصنام.
وأدخلت
في قوله: (
لتعودُنَّ ) « لام » ، وهو في معنى شرطٍ ، كأنه
جواب لليَمين ، وإنما معنى الكلام: لنخرجَنكم من أرضنا ، أو تعودون في ملتنا .
ومعنى « أو » ههنا معنى « إلا » أو معنى « حتى » كما يقال في الكلام: « لأضربنك أوْ تُقِرَّ لي » ، فمن العرب من يجعل ما بعد « أو » في مثل هذا الموضع عطفًا على
ما قبله ، إن كان ما قبله جزمًا جزموه ، وإن كان نصبًا نصبوه ، وإن كان فيه « لام » جعلوا فيه « لاما » ، إذ كانت « أو » حرف نَسق. ومنهم من ينصب « ما » بعد « أو » بكل حالٍ ، ليُعْلَم بنصبه أنه
عن الأول منقطع عما قبله ، كما قال امرؤ القيس:
بَكَـى
صَـاحِبِي لَمَّـا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ وَأَيْقَــنَ أَنَّـــا لاحِقَــانِ
بِقَيْصَـرَا
فَقُلْــتُ
لَـهُ: لا تَبْــكِ عَيْنُـكَ إِنَّمَـا نُحَــاوِلُ مُلْكًــا أَوْ نَمُـوتَ
فَنُعْـذَرَا
فنصب « نموت فنعذرا » وقد رفع « نحاول » ، لأنه أراد معنى: إلا أن
نموتَ ،أو حتى نموتَ ، ومنه قول الآخر:
لا
أَسْــتَطِيعُ نزوعًـا عَـنْ مَوَدَّتِهَـا أَوْ يَصْنَـعَ الْحُـبُّ بِي غَيْرَ
الَّذِي صَنَعَا
وقوله: ( فأوحَى إليهم ربُّهم
لنُهلكنَّ الظالمين ) ،
الذين ظلموا أنفسهم ، فأوجبوا لها عقاب الله بكفرهم. وقد يجوز أن يكون قيل لهم: « الظالمون » لعبادتهم من لا تجوز عبادته من
الأوثان والآلهة ، فيكون بوضعهم العبادةَ في غير موضعها ، إذ كان ظلمًا ، سُمُّوا
بذلك.
وقوله: ( ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) ، هذا وعدٌ من الله مَنْ وَعد
من أنبيائه النصرَ على الكَفَرة به من قومه . يقول: لما تمادتْ أمم الرسل في الكفر
، وتوعَّدوا رسُلهم بالوقوع بهم ، أوحى الله إليهم بإهلاك من كَفَر بهم من أممهم
ووعدهم النصر. وكلُّ ذلك كان من الله وعيدًا وتهدُّدا لمشركي قوم نبيِّنا محمد صلى
الله عليه وسلم على كفرهم به ، وجُرْأتهم على نبيه ، وتثبيتًا لمحمد صلى الله عليه
وسلم ، وأمرًا له بالصبر على ما لقي من المكروه فيه من مشركي قومه ، كما صبر من
كان قبله من أولي العزم من رسله ومُعرِّفَة أن عاقبة أمرِ من كفر به الهلاكُ ،
وعاقبتَه النصرُ عليهم ، سُنَّةُ الله في الذين خَلَوْا من قبل .
حدثنا
بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ( ولنسكننكم الأرضَ من بعدهم ) ، قال: وعدهم النصرَ في
الدنيا ، والجنَّةَ في الآخرة.
وقوله: ( ذلك لمن خَافَ مَقامي وخاف
وَعِيدِ ) ، يقول
جل ثناؤه: هكذا فِعْلي لمن خاف مَقامَه بين يديّ ، وخاف وعيدي فاتَّقاني بطاعته ،
وتجنَّب سُخطي ، أنصُرْه على ما أراد به سُوءًا وبَغَاه مكروهًا من أعدائي ، أهلك
عدوّه وأخْزيه ، وأورثه أرضَه وديارَه.
وقال: ( لمن خاف مَقَامي ) ، ومعناه ما قلت من أنه لمن
خاف مَقَامه بين يديَّ بحيث أقيمه هُنالك للحساب ، كما قال: وَتَجْعَلُونَ
رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [ سورة الواقعة : 82 ] ، معناه: وتجعلون رِزقي إياكم أنّكُم تكذبون . وذلك أن
العرب تُضيف أفعالها إلى أنفسها ، وإلى ما أوقعت عليه ، فتقول: « قد سُرِرتُ برؤيتك ، وبرؤيتي
إياك » ، فكذلك
ذلك.
القول
في تأويل قوله عز ذكره : وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ
كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 )
قال أبو
جعفر : يقول تعالى ذكره: واستفتحت الرُّسل على قومها: أي استنصرت الله عليها ( وخاب كل جبار عنيد ) ، يقول: هلك كل متكبر جائر
حائدٍ عن الإقرار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له.
و « العنيد » و « العاند » و « العَنُود » ، بمعنى واحد .
ومن « الجبار » ، تقول: هو جَبَّار بَيِّنُ
الجَبَريَّة ، والجَبْرِيَّة ، والجَبْرُوَّة ، والجَبَرُوت.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال ، حدثنا
الحسن قال: حدثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( واستفتحوا ) ، قال: الرسل كلها . يقول:
استنصروا ( عنيد ) ، قال معاند للحق مجانبه.
حدثنا
الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد
، مثله.
حدثني
المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ح
وحدثني الحارث قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ابن أبي نجيح ، عن
مجاهد ، في قوله: (
واستفتحوا ) ، قال:
الرسل كُلها استنصروا ( وخاب
كل جبَّار عَنيد ) ، قال:
معاند للحق مجانبه.
حدثنا
القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله وقال
ابن جريج: استفتحوا على قومهم.
حدثني
محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ...
حدثني
محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس: (
واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ) ، قال:
كانت الرسلُ والمؤمنون يستضعفهم قومُهم ، ويقهَرُونهم ويكذبونهم ، ويدعونهم إلى أن
يعودوا في مِلّتهم ، فأبَى الله عز وجل لرسله وللمؤمنين أن يعودُوا في مِلّة الكفر
، وأمرَهُم أن يتوكلوا على الله ، وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ، ووعدهم أن
يُسْكنهم الأرض من بعدهم ، فأنجز الله لهم ما وعدهم ، واستفتحوا كما أمرهم أن
يستفتحوا ، ( وخابَ
كل جبار عنيد ) .
حدثني
المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن
إبراهيم ، في قوله: ( وخاب
كل جبار عنيد ) ، قال:
هو النَّاكب عن الحق .
حدثني
المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا مطرف ، عن بشر ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن
سماك ، عن إبراهيم: ( وخاب
كل جبار عنيد ) ، قال:
الناكب عن الحق.
حدثنا
بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( واستفتحوا ) ، يقول: استنصرت الرسل على
قومها قوله: ( وخاب
كل جبار عنيد ) ، و « الجبار العنيد » : الذي أبى أن يقول: لا إله إلا
الله.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( واستفتحوا ) ، قال: استنصرت الرسل على
قومها ( وخاب
كل جبار عنيد ) ،
يقول: عَنِيد عن الحق ، مُعْرِض عنه.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله -
وزاد فيه: مُعْرِض ، أبى أن يقول: لا إله إلا الله.
حدثني
يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( وخاب كل جبار عنيد ) ، قال: « العنيد عن الحق » ، الذي يعنِدُ عن الطريق ، قال
: والعرب تقول: « شرُّ
الأهْل العَنِيد » الذي
يخرج عن الطريق.
حدثني
يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد
) ، قال:
«
الجبّار » :
المتجبّر.
وكان ابن
زيد يقول في معنى قوله: (
واستفتحوا ) ، خلاف
قول هؤلاء ، ويقول: إنما استفتحت الأمم ، فأجيبت.
حدثني
يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( واستفتحوا ) ، قال: استفتاحهم بالبلاء ،
قالوا: اللهم إن كان هذا الذي أتى به محمد هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من
السماء ، كما أمطرتها على قوم لوط ، أو ائتنا بعذاب أليم. قال: كان استفتاحهم
بالبلاء كما استفتح قوم هود: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ
الصَّادِقِينَ [
سورة الأعراف : 70 ] قال:
فالاستفتاح العذاب ، قال: قيل لهم: إنّ لهذا أجلا ! حين سألوا الله أن ينـزل عليهم
، فقال: « بلْ
نُؤخِّرُهُمْ ليَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَار » . فقالوا: لا نريد أن نؤخر إلى يوم القيامة: رَبَّنَا
عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا عَذَابَنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ سورة ص : 16 ] . وقرأ: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ حتى بلغ: وَمِنْ
تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ سورة العنكبوت : 53 - 55 ] .
القول
في تأويل قوله عز ذكره : مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ
وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ
وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ
عَذَابٌ غَلِيظٌ ( 17 )
قال أبو
جعفر : يقول عزّ ذكره: ( من
ورائه ) ، من
أمام كل جَبار ( جهنم ) ، يَرِدُونها.
و « وراء » في هذا الموضع ، يعني أمام ،
كما يقال: « إن
الموت مِنْ ورائك » ، أي
قُدّامك ، وكما قال الشاعر:
أَتُوعِـــدُنِي
وَرَاءَ بَنِــي رِيَــاحٍ كَــذَبْتَ لَتَقْصُــرَنَّ يَــدَاكَ دُونِـي
يعني: « وراء بني رياح » ، قدَّام بني رياح وأمَامهم.
وكان بعض
نحويِّي أهل البَصرة يقول: إنما يعني بقوله: ( من ورائه ) ، أي
من أمامه ، لأنه وراءَ ما هو فيه ، كما يقول لك: « وكلّ هذا من ورائك » : أي سيأتي عليك ، وهو من وراء ما أنت فيه ، لأن ما أنت فيه
قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وقال: وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ
غَصْبًا [
سورة الكهف : 79 ] ، من
هذا المعنى ، أي كان وراء ما هم فيه أمامهم.
وكان بعض
نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوزُ هذا في الأوقات ، لأن الوقت يمرُّ عليك ،
فيصير خلفك إذا جزته ، وكذلك ( كَانَ
وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ) ،
لأنهم يجوزونه فيصير وراءهم.
وكان
بعضهم يقول: هو من حروف الأضداد ، يعني وراء يكون قُدَّامًا وخلفًا.
وقوله: ( وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ
صَدِيدٍ ) ، يقول:
ويسقى من ماءٍ ، ثم بيَّن ذلك الماء جل ثناؤه وما هو ، فقال: هو « صديد » ، ولذلك رد « الصَّديد » في إعرابه على « الماء » ، لأنه بيَانٌ عنه .
و « الصديد » ، هو القَيْحُ والدم.
وكذلك
تأوَّله أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال ، حدثنا
الحسن ، قال: حدثنا ورقاء ح وحدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا
ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله: ( مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ) ، قال قيحٌ ودم.
حدثنا
المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ،
مثله.
حدثنا
بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ
صَدِيدٍ ) ، و « الصديد » ، ما يسيل من لحمه وجلدِه.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: ( وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ
صَدِيدٍ ) ، قال:
ما يسيل من بين لحمه وجلده.
حدثني
المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا هشام ، عمن ذكره ، عن الضحاك: ( وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ
صَدِيدٍ ) ، قال:
يعني بالصديد: ما يخرج من جوف الكافر ، قد خالط القَيْح والدم.
وقوله: ( يتجرَّعه ) ، يتحسَّاه ( ولا يكاد يسيغه ) ، يقول: ولا يكاد يزدرده من
شدة كراهته ، وهو مُسيغه من شدّة العطش.
والعرب
تجعل « لا
يكاد » فيما قد
فُعِل ، وفيما لم يُفْعَل. فأما ما قد فعل ، فمنه هذا ، لأن الله جل ثناؤه جعل لهم
ذلك شرابًا . وأمَّا ما لم يفعل وقد دخلت فيه « كاد » فقوله:
حتى إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [ سورة النور : 40 ] ، فهو لا يراها.
وبنحو ما
قلنا من أن معنى قوله: ( ولا
يكاد يسيغه ) ، وهو
يُسيغه ، جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
*
ذكر
الرواية بذلك:
حدثني
محمد بن المثنى قال ، حدثنا إبراهيم أبو إسحاق الطَّالقَاني قال ، حدثنا ابن
المبارك ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى
الله عليه وسلم في قوله: (
ويُسقى من ماء صديد يتجرّعه ) ، « فإذا شَربه قَطَّع أمعاءَه
حتى يخرج من دُبُره » ، يقول
الله عز وجل: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [ سورة محمد : 15 ] ، ويقول: وَإِنْ
يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ
الشَّرَابُ [
سورة الكهف : 29 ] .
حدثنا ابن
المثنى قال ، حدثنا معمر ، عن ابن المبارك قال ، حدثنا صفوان بن عمرو ، عن عبيد
الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( ويسقى من ماءٍ صديد ) ، فذكر مثله ، إلا أنه قال: ( سُقُوا مَاءً حَمِيمًا ) .
حدثني
محمد بن خلف العسقلاني قال ، حدثنا حيوة بن شريح الحمصيّ قال ، حدثنا بقية ، عن
صفوان بن عمرو قال ، حدثني عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، مثله سواءً.
وقوله: ( ويأتيه الموت من كل مكان وما
هو بميت ) ، فإنه
يقول: ويأتيه الموت من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وشماله ، ومن كل موضع من
أعضاء جسده ( وما
هو بميت ) ، لأنه
لا تخرج نفسه فيموت فيستريح ، ولا يحيا لتعلُّق نفسه بالحناجر ، فلا ترجع إلى
مكانها، كما : -
حدثنا
القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله:
(
يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ) ، قال: تعلق نفسه عند حنجرته
، فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه ، فيجد لذلك راحة ، فتنفعه
الحياة.
حدثنا
الحسن بن محمد قال ، حدثنا يزيد بن هارون قال ، حدثنا العوّام بن حوشب ، عن
إبراهيم التيمي قوله: (
ويأتيه الموت من كل مكان ) ، قال:
من تحت كل شَعَرة في جسده.
وقوله: ( ومن وَرائه عَذَابٌ غليظ ) ، يقول: ومن وراء ما هو فيه
من العذاب يعني أمامه وقدامه ( عذاب
غليظ ) .
القول
في تأويل قوله عز ذكره : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا
يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18
)
قال أبو
جعفر : اختلف أهلُ العربية في رافعِ « مَثَلُ » .
فقال بعض
نحويي البصرة: إنما هو كأنه قال: ومما نقصّ عليكم مَثَلُ الذين كفروا ، ثم أقبل
يفسّر ، كما قال: مَثَلُ الْجَنَّةِ [ سورة الرعد : 35 ] ، وهذا كثير.
وقال بعض
نحويي الكوفيين : إنما المثل للأعمال ، ولكن العرب تقدّم الأسماء ، لأنها أعرفُ ،
ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه. ومعنى الكلام: مَثَلُ أعمال الذين كفروا
بربهم كرماد ، كما قيل: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى
اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [ سورة الزمر : 60 ] ، ومعنى الكلام: ويوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على
الله مسودة. قال: ولو خفض «
الأعمال » جاز ، كما
قال: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ الآية [ سورة البقرة : 217 ] ، . وقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ
الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [ سورة الرعد : 35 ] . قال: فـ « تجري » ، هو في موضع الخبر ، كأنه
قال: أن تجري ، وأن يكون كذا وكذا ، فلو أدخل « أن » جاز.
قال : ومنه قول الشاعر:
ذَرِينِــي
إِنَّ أَمْــرَكِ لَــنْ يُطَاعَـا وَمَــا أَلْفَيْتِنِــي حِــلْمِي مُضَاعَـا
قال:
فالحلمُ منصوبٌ ب « ألفيتُ
» على
التكرير ، قال : ولو رفعه كان صوابًا. قال: وهذا مثلٌ ضربه الله لأعمال الكفّار
فقال: مَثَلُ أعمال الذين كفروا يوم القيامة ، التي كانوا يعملونها في الدنيا
يزعمُون أنهم يريدون الله بها ، مَثَلُ رمادٍ عصفت الريح عليه في يومِ ريح عاصفٍ ،
فنسفته وذهبت به ، فكذلك أعمال أهل الكفر به يوم القيامة ، لا يجدون منها شيئًا ينفعهم
عند الله فينجيهم من عذابه ، لأنهم لم يكونوا يعملونها لله خالصًا ، بل كانوا
يشركون فيها الأوثان والأصنام .
يقول
الله عز وجل: ( ذلك
هو الضلال البعيد ) ، يعني
أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ، التي يشركون فيها مع الله شركاء ، هي
أعمالٌ عُملت على غير هُدًى واستقامة ، بل على جَوْر عن الهُدَى بعيد ، وأخذٍ على
غير استقامة شديد.
وقيل: ( في يوم عاصف ) ، فوصف بالعُصوف اليومَ ، وهو
من صفة الريح ، لأن الريح تكون فيه ، كما يقال: « يوم بارد ، ويوم حارّ » ، لأن البردَ والحرارة يكونان فيه ، وكما قال الشاعر:
* يَوْمَيْنِ
غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا *
فوصف
اليومين بالغيمين ، وإنما يكون الغيم فيهما. وقد يجوز أن يكون أريد به: في يوم
عاصف الريح ، فحذفت « الريح
» ، لأنها
قد ذكرت قبل ذلك ، فيكون ذلك نظير قول الشاعر:
* إِذَا
جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ *
يريد:
كاسفُ الشمس. وقيل: هو من نعت « الريح
» خاصة ،
غير أنه لما جاء بعد « اليوم
» أُتبع
إعرابَهُ ، وذلك أن العرب تتبع الخفضَ الخفضَ في النعوت ، كما قال الشاعر:
تُــرِيكَ
سُـنَّةَ وَجْـهٍ غَـيْرِ مُقْرِفَـةٍ مَلْسَــاءَ لَيْسَ بِهَـا خَـالٌ وَلا
نَـدَبُ
فخفض « غير » إتباعًا لإعراب « الوجه » ، وإنما هي من نعت « السنَّة » ، والمعنى: سُنَّةَ وَجْه
غَيْرَ مُقْرفة ، وكما قالوا: « هذا
جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ » .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا القاسم
قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله: ( كرماد اشتدت به الريح ) ، قال: حملته الريح في يوم
عاصف .
حدثني
محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس ، قوله: ( مثل
الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) ، يقول: الذين كفروا بربهم
وعبدوا غيرَه ، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لا
يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم ، كما لا يُقْدَر على الرماد إذا أُرْسِل في يوم
عاصف.
وقوله: ( ذلك هو الضَّلال البعيد ) ، أي الخطأ البينُ ، البعيدُ
عن طريق الحق.