القول
في تأويل قوله تعالى: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي
رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ( 43 )
وأما
قوله (
مُهْطِعِينَ ) فإن
أهل التأويل اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم: معناه: مسرعين.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد المؤدّب ، عن سالم ، عن سعيد
بن جبير (
مُهْطِعِينَ ) قال:
النَّسَلان ، وهو الخبب ، أو ما دون الخبب ، شكّ أبو سعيد ، يخبون وهم ينظرون.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( مُهْطِعِينَ ) قال: مسرعين.
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( مُهْطِعِينَ ) يقول: منطلقين عامدين إلى
الداعي.
وقال
آخرون: معنى ذلك: مديمي النظر.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثنى أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس ، قوله (
مُهْطِعِينَ ) يعني بالإهطاع:
النظر من غير أن يطرف.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن سعيد بن مسروق ، عن أبي الضحى ( مُهْطِعِينَ ) فقيل: الإهطاع: التحميج
الدائم الذي لا يَطْرَف.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن أبي الخير بن
تميم بن حَدْلَم ، عن أبيه ، في قوله ( مُهْطِعِينَ ) قال: الإهطاع: التحميج.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ( مُهْطِعِينَ ) قال: شدة النظر الذي لا يطرف.
حدثني المثنى
، قال : أخبرنا عمرو ، قال : أخبرنا هُشَيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله ( مُهْطِعِينَ ) قال: شدة النظر في غير طَرْف.
حُدثت عن
الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك
يقول في قوله (
مُهْطِعِينَ )
الإهطاع: شدة النظر في غير طَرْف.
حدثني
محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثنا الحسن بن محمد ، قال
: ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا
ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حُذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح
، عن مجاهد (
مُهْطِعِينَ ) قال:
مُديمي النظر.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
وقال
آخرون: معنى ذلك: لا يرفع رأسه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( مُهْطِعِينَ ) قال: المهطع الذي لا يرفع
رأسه. والإهطاع في كلام العرب بمعنى الإسراع أشهر منه: بمعنى إدامة النظر ، ومن
الإهطاع بمعنى الإسراع ، قول الشاعر:
وبِمُهْطِــعٍ
سُــرُحٍ كــأنَّ زِمامَـهُ فـي رأسِ جـذْعٍ مِـنْ أوَال مُشَـدَّبِ
وقول
الآخر:
بمُسْــتَهطعٍ
رَسْــلٍ كــأنَّ جَدِيلَـهُ بقَيْـدُومِ رَعْـنٍ مِـنْ صَـوَامٍ مُمَنَّـعُ
وقوله ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) يعني رافعي رءوسهم. وإقناع
الرأس: رفعه ، ومنه قول الشماخ:
يُبـــاكِرْنَ
العِضَـــاةَ بمُقْنَعــاتٍ نَوَاجِـــذُهُنَّ كـــالحِدَإِ الـــوَقيعِ
يعني:
أنهنّ يباكرن العضاة برؤسهن مرفوعات إليها لتتناول منها ، ومنه أيضا قول الراجز:
أنْغَــضَ
نحْــوِي رأسَــهُ وأقْنَعـا كأنمَــا أبْصَــرَ شــيْئا أطْمَعــا
وبنحو
الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس ، قوله (
مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال:
الإقناع: رفع رءوسهم.
حدثني
محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحسين بن محمد ،
قال : ثنا ورقاء ، وقال الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو
حُذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: رافعيها.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله.
حدثنا
أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر ، عن أبي سعد ، قال : قال الحسن: وجوه الناس يوم
القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن عثمان بن الأسود ، أنه
سمع مجاهدا يقول في قوله (
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: رافع رأسه هكذا ، ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) .
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر عن الضحاك ، في
قوله (
مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال:
رافعي رءوسهم.
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: الإقناع رفع رءوسهم.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: المقنع الذي يرفع رأسه
شاخصا بصره لا يطرف.
حُدثت عن
الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في
قوله ( مُقْنِعِي
رُءُوسِهِمْ ) قال:
رافعيها.
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: المقنع الذي يرفع رأسه.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: رافعي رءوسهم.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد ، عن سالم ، عن سعيد ( مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ) قال: رافعي رءوسهم.
وقوله ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ
طَرْفُهُمْ ) يقول:
لا ترجع إليهم لشدّة النظر أبصارهم .
كما
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ،
عن ابن عباس قوله ( لا
يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال: شاخصة أبصارهم.
وقوله ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) اختلف أهل التأويل في تأويله
، فقال بعضهم: معناه: متخرقة لا تعي من الخير شيئا.
حدثنا
محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مرّة
، في قوله (
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال:
متخرقة لا تعي شيئا.
حدثنا
ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا مالك بن مغول ، عن أبي إسحاق ، عن
مرّة بمثل ذلك.
حدثنا
ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مرّة ،
مثله.
حدثنا
محمد بن عمارة ، قال : ثنا سهل بن عامر ، قال : ثنا مالك وإسرائيل ، عن أبي إسحاق
، عن مرّة ، مثله.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مرّة ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال: متخرقة لا تعي شيئا من
الخير.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا مالك ، يعني ابن مغول ، قال :
سمعت أبا إسحاق ، عن مرّة إلا أنه قال: لا تعي شيئا. ولم يقل من الخير.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن مرّة
، مثله.
حدثنا
أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا مالك بن مغول ، وإسرائيل عن أبي
إسحاق ، عن مرّة (
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال
أحدهما: خربة ، وقال الآخر: متخرقة لا تعي شيئا.
حدثني
محمد بن سعد ، قال: حدثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس (
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال:
ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : ليس
من الخير شيء في أفئدتهم ، كقولك للبيت الذي ليس فيه شيء إنما هو هواء.
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد في قوله ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال: الأفئدة: القلوب هواء
كما قال الله ، ليس فيها عقل ولا منفعة.
حدثنا
ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي بكرة ، عن أبي صالح ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال: ليس فيها شيء من الخير.
وقال
آخرون: إنها لا تستقرّ في مكان تردّد في أجوافهم.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع وأحمد بن إسحاق ، قالا حدثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن سالم ، عن
سعيد (
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال:
تمور في أجوافهم ، ليس لها مكان تستقرّ فيه.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي سعيد ، عن سالم ، عن سعيد بنحوه.
وقال
آخرون: معنى ذلك: أنها خرجت من أماكنها فنشبت بالحلوق.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع وأحمد بن إسحاق ، قالا حدثنا أبو أحمد الزبيري ، عن إسرائيل ، عن سعيد ،
عن مسروق عن أبي الضحى (
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال:
قد بلغت حناجرهم.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) قال: هواء ليس فيها شيء ،
خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم.
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) انتزعت حتى صارت في حناجرهم
لا تخرج من أفواههم ، ولا تعود إلى أمكنتها.
وأولى هذه
الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناه: أنها خالية ليس فيها شيء من
الخير ، ولا تعقل شيئا ، وذلك أن العرب تسمي كلّ أجوف خاو: هواء ، ومنه قول حسَّان
بن ثابت:
ألا
أبْلِـــغْ أبــا سُــفْيانَ عَنّــي فــأنْتَ مُجَــوَّفٌ نَخِــبٌ هَــوَاءُ
ومنه قول
الآخر:
وَلا
تَـكُ مِـنْ أخْـدانِ كُـلّ بِراعـةٍ هَـوَاءٍ كَسَـقْبِ البـانِ جُوفٍ مَكاسِرُهْ
القول
في تأويل قوله تعالى : وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ
يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى
أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ( 44 )
يقول
تعالى ذكره: وأنذر يا محمد الناس الذين أرسلتك إليهم داعيا إلى الإسلام ما هو نازل
بهم ، يوم يأتيهم عذاب الله في القيامة. ( فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يقول: فيقول الذين كفروا
بربهم ، فظلموا بذلك أنفسهم ( رَبَّنَا
أَخِّرْنَا ) أي
أخِّر عنا عذابك ، وأمهلنا ( إِلَى
أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ) الحقّ ، فنؤمن بك ، ولا نشرك بك شيئا ، ( وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) يقولون: ونصدّق رسلك فنتبعهم
على ما دعوتنا إليه من طاعتك واتباع أمرك.
وبنحو الذي
قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ
يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ) قال:
يوم القيامة (
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ) قال: مدّة يعملون فيها من
الدنيا.
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ
يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ ) يقول:
أنذرهم في الدنيا قبل أن يأتيهم العذاب.
وقوله ( فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَمُوا ) رفع عطفا
على قوله (
يَأْتِيهِمُ ) في
قوله (
يَأْتِيهِمُ العَذَابُ ) وليس
بجواب للأمر ، ولو كان جوابا لقوله ( وَأَنْذِرِ النَّاسَ ) جاز فيه الرفع والنصب. أما النصب فكما قال الشاعر:
يــا
نَــاقَ سِـيرِي عَنقَـا فَسِـيحا إلـــى سُـــلَيْمَانَ فَنَسْـــتَرِيحا
والرفع
على الاستئناف. وذُكر عن العلاء بن سيابة أنه كان ينكر النصب في جواب الأمر بالفاء
، قال الفراء: وكان العلاء هو الذي علَّم معاذا وأصحابه.
القول
في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ تَكُونُوا
أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ( 44 )
وهذا
تقريع من الله تعالى ذكره للمشركين من قريش ، بعد أن دخلوا النار بإنكارهم في
الدنيا البعث بعد الموت ، يقول لهم: إذ سألوه رفع العذاب عنهم ، وتأخيرهم لينيبوا
ويتوبوا (
أَوَلَمْ تَكُونُوا ) في
الدنيا (
أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) يقول: ما لكم من انتقال من
الدنيا إلى الآخرة ، وإنكم إنما تموتون ، ثم لا تبعثون.
كما
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال
(
أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ) كقوله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ
اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى . ثم قال ( مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) قال: الانتقال من الدنيا إلى الآخرة.
حدثني
محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا
الحسن قال: ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء
، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا سلمة ، وحدثني المثنى ، قال :
أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ،
عن مجاهد ، قوله ( مَا
لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ ) قال:
لا تموتون لقريش.
حدثني
القاسم ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عمرو بن أبي
ليلى أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني ، أو ذُكر لي أن
أهل النار ينادون رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ فردّ عليهم أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ
مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ ... إلى قوله لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ .
القول
في تأويل قوله تعالى : وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ
وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ( 45 )
يقول
تعالى ذكره: وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين كفروا بالله ، فظلموا بذلك أنفسهم من
الأمم التي كانت قبلكم (
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ) يقول: وعلمتم كيف أهلكناهم حين عتوا على ربهم وتمادوا في
طغيانهم وكفرهم (
وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ ) يقول:
ومثَّلنا لكم فيما كنتم عليه من الشرك بالله مقيمين الأشباه ، فلم تنيبوا ولم
تتوبوا من كفركم ، فالآن تسألون التأخير للتوبة حين نـزل بكم ما قد نـزل بكم من
العذاب ، إن ذلك غير كائن.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) يقول:
سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود ، وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم. ( وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ ) قد والله بعث رسله ، وأنـزل كتبه ، ضرب لكم الأمثال ، فلا
يصم فيها إلا أصمّ ، ولا يخيب فيها إلا الخائب ، فاعقلوا عن الله أمره.
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ
الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ) قال: سكنوا في قراهم مدين
والحجر والقرى التي عذب الله أهلها ، وتبين لكم كيف فعل الله بهم ، وضرب لهم
الأمثال.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد
، قوله (
الأمْثَالَ ) قال:
الأشباه.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
( 46 )
يقول
تعالى ذكره: قد مكر هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، فسكنتم من بعدهم في مساكنهم ،
مكرهم. وكان مكرهم الذي مكروا ما:
حدثنا
محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا أبو إسحاق ، عن عبد
الرحمن بن أبان قال: سمعت عليا يقرأ: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال: كان ملك فره أخذ فروخ
النسور ، فعلفها اللحم حتى شبَّت واستعلجت واستغلظت . فقعد هو وصاحبه في التابوت
وربطوا التابوت بأرجل النسور ، وعلقوا اللحم فوق التابوت ، فكانت كلما نظرت إلى
اللحم صعدت وصعدت ، فقال لصاحبه: ما ترى؟ قال: أرى الجبال مثل الدخان ، قالا ما
ترى؟ قال: ما أرى شيئا ، قال : ويحك صوّب صوّب ، قال: فذلك قوله: ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) .
حدثنا
محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عبد
الرحمن بن واصل عن عليّ بن أبي طالب ، مثل حديث يحيى بن سعيد ، وزاد فيه: وكان عبد
الله بن مسعود يقرؤها: « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا محمد بن أبي عديّ ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال : ثنا
عبد الرحمن بن واصل أن عليا قال في هذه الآية: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال: أخذ ذلك الذي حاجّ
إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما ، ثم استغلظا واستعلجا وشبَّا ، قال: فأوثق
رجل كلّ واحد منهما بوتد إلى تابوت ، وجوّعهما ، وقعد هو ورجل آخر في التابوت ،
قال : ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم ، قال : فطارا ، وجعل يقول لصاحبه: انظر
ماذا ترى؟ قال: أرى كذا وكذا ، حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب ، فقال: صوّب العصا
، فصوّبها فهبطا ، قال: فهو قول الله تعالى « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال أبو إسحاق: وكذلك في قراءة
عبد الله « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثني
المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » مكر
فارس. وزعم أن بختنصر خرج بنسور ، وجعل له تابوتا يدخله ، وجعل رماحا في أطرافها
واللحم فوقها . أراه قال: فعلت تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها ،
فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟ ففرق : ثم سمع الصوت فوقه ، فصوّب الرماح ، فتصوّبت
النسور ، ففزعت الجبال من هدّتها ، وكادت الجبال أن تزول منه من حسّ ذلك ، فذلك
قوله « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثا القاسم
، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد: « وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ
وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ » كذا قرأها مجاهد « كَادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ
مِنْهُ الجِبالُ » وقال:
إن بعض من مضى جوّع نسورا ، ثم جعل عليها تابوتا فدخله ، ثم جعل رماحا في أطرافها
لحم ، فجعلت ترى اللحم فتذهب ، حتى انتهى بصره ، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟
فصوّب الرماح ، فتصوّبت النسور ، ففزعت الجبال ، وظنت أن الساعة قد قامت ، فكادت
أن تزول ، فذلك قوله تعالى « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
قال ابن
جريج: أخبرني عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن عمر بن الخطاب ، أنه كان يقرأ « وَإِنْ كادَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثني
هذا الحديث أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن
جريج ، عن مجاهد ، أنه كان يقرأ على نحو: « لَتَزُولُ » بفتح اللام الأولى ورفع الثانية.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن دانيل
قال: سمعت عليا يقول: « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن دانيل
قال : سمعت عليا يقول: « وَإِنْ
كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال: ثم أنشأ عليّ يحدّث فقال: نـزلت في جبَّار من الجبابرة
قال: لا أنتهي حتى أعلم ما في السماء ، ثم اتخذ نسورا فجعل يطعمها اللحم حتى غلظت
واستعلجت واشتدّت ، وذكر مثل حديث شعبة.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبو داود الحضرمي ، عن يعقوب ، عن حفص بن حميد أو جعفر ، عن
سعيد بن جبير: « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال: نمرود صاحب النسور ، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلا ثم
أمر بالنسور فاحتمل ، فلما صعد قال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: أرى الماء وجزيرة -
يعني الدنيا- ثم صعد فقال لصاحبه: أي شيء ترى؟ قال: ما نـزداد من السماء إلا بعدا
، قال : اهبط - وقال غيره: نودي- أيها الطاغية أين تريد؟ قال: فسمعت الجبال حفيف النسور
، فكانت ترى أنها أمر من السماء ، فكادت تزول ، فهو قوله: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، أن أنسا كان يقرأ: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » .
وقال
آخرون: كان مكرهم: شركهم بالله ، وافتراؤهم عليه.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » يقول:
شركهم ، كقوله تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ .
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال: هو
كقوله وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ
الْجِبَالُ هَدًّا .
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في
قوله (
وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ) ثم ذكر
مثله.
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، أن الحسن كان يقول: كان أهون
على الله وأصغر من أن تزول منه الجبال ، يصفهم بذلك. قال قتادة: وفي مصحف عبد الله
بن مسعود: « وَإِنْ
كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » ، وكان قتادة يقول عند ذلك تَكَادُ السَّمَاوَاتُ
يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أي
لكلامهم ذلك.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله: « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » قال ذلك
حين دعوا لله ولدا. وقال في آية أخرى تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ
وَلَدًا .
حُدِثت
عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك
يقول في قوله (
وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) في حرف ابن مسعود: « وَإِنْ كادَ مَكْرُهُمْ
لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » هو مثل
قوله تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ
الْجِبَالُ هَدًّا .
واختلفت
القرّاء في قراءة قوله (
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) فقرأ
ذلك عامَّة قرّاء الحجاز والمدينة والعراق ما خلا الكسائي ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) بكسر
اللام الأولى وفتح الثانية ، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وقرأه
الكسائي: « وَإِنْ
كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » بفتح اللام الأولى ورفع الثانية على تأويل قراءة من قرا ذلك:
« وَإِنْ
كادَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » من المتقدمين الذين ذكرت أقوالهم ، بمعنى: اشتدّ مكرهم حتى
زالت منه الجبال ، أو كادت تزول منه ، وكان الكسائي يحدّث عن حمزة ، عن شبل عن
مجاهد ، أنه كان يقرأ ذلك على مثل قراءته « وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبالُ » برفع تزول.
حدثني
بذلك الحارث عن القاسم عنه.
والصواب
من القراءة عندنا ، قراءة من قرأه ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) بكسر اللام الأولى وفتح
الثانية ، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال.
وإنما
قلنا: ذلك هو الصواب ، لأن اللام الأولى إذا فُتحت ، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم
تزول منه الجبال ، ولو كانت زالت لم تكن ثابتة ، وفي ثبوتها على حالتها ما يبين عن
أنها لم تزُل ، وأخرى إجماع الحجة من القرّاء على ذلك ، وفي ذلك كفاية عن الاستشهاد
على صحتها وفساد غيرها بغيره.
فإن ظنّ
ظانٌّ أن ذلك ليس بإجماع من الحجة إذ كان من الصحابة والتابعين من قرأ ذلك كذلك ،
فإن الأمر بخلاف ما ظنّ في ذلك ، وذلك أن الذين قرءوا ذلك بفتح اللام الأولى ورفع
الثانية قرءوا: « وَإِنْ
كادَ مَكْرُهُمْ » بالدال
، وهي إذا قرئت كذلك ، فالصحيح من القراءة مع « وَإِنْ كادَ » فتح اللام الأولى ورفع الثانية على ما قرءوا ، وغير جائز
عندنا القراءة كذلك ، لأن مصاحفنا بخلاف ذلك ، وإنما خطَّ مصاحفنا وإن كان بالنون
لا بالدال ، وإذ كانت كذلك ، فغير جائز لأحد تغيير رسم مصاحف المسلمين ، وإذا لم
يجز ذلك لم يكن الصحاح من القراءة إلا ما عليه قرّاء الأمصار دون من شذ بقراءته
عنهم.
وبنحو ما
قلنا في معنى (
وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ ) قال
جماعة من أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني محمد
بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس
، قوله (
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) بقول:
ما كان مكرهم لتزول منه الجبال.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، قال : قال الحسن ، في
قوله (
وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) ما كان مكرهم لتزول منه
الجبال.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن عوف ، عن الحسن ، قال :
ما كان مكرهم لتزول منه الجبال.
حدثني
الحارث ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن يونس وعمرو ، عن
الحسن (
وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) قالا وكان الحسن يقول: وإن
كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال.
- قال:
قال هارون: وأخبرني يونس ، عن الحسن قال: أربع في القرآن ( وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) ما كان
مكرهم لتزول منه الجبال ، وقوله لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا
فَاعِلِينَ ما كنا فاعلين ، وقوله إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ
الْعَابِدِينَ ما كان للرحمن ولد ، وقوله وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ
مَكَّنَّاكُمْ ما مكناكم فيه.
قال
هارون: وحدثني بهنّ عمرو بن أسباط ، عن الحسن ، وزاد فيهنّ واحدة فَإِنْ كُنْتَ
فِي شَكٍّ ما كنت في شكّ مِمَّا أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ .
فالأولى
من القول بالصواب في تأويل الآية ، إذ كانت القراءة التي ذكرت هي الصواب لما
بيَّنا من الدلالة في قوله (
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) وقد
أشرك الذين ظلموا أنفسهم بربهم وافتروا عليه فريتهم عليه ، وعند الله علم شركهم به
وافترائهم عليه ، وهو معاقبهم على ذلك عقوبتهم التي هم أهلها ، وما كان شركهم
وفريتهم على الله لتزول منه الجبال ، بل ما ضرّوا بذلك إلا أنفسهم ، ولا عادت بغية
مكروهه إلا عليهم.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا وكيع بن الجرّاح ، قال : ثنا الأعمش ، عن شمر ، عن عليّ
، قال : الغدر: مكر ، والمكر كفر.
القول
في تأويل قوله تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 47 )
يقول
تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ ) الذي وعدهم من كذّبهم ، وجحد
ما أتَوْهم به من عنده ، وإنما قاله تعالى ذكره لنبيه تثبيتا وتشديدا لعزيمته ،
ومعرّفه أنه منـزل من سخطه بمن كذّبه وجحد نبوّته ، وردّ عليه ما أتاه به من عند
الله ، مثال ما أنـزل بمن سلكوا سبيلهم من الأمم الذين كانوا قبلهم على مثل
منهاجهم من تكذيب رسلهم وجحود نبوّتهم وردّ ما جاءوهم به من عند الله عليهم.
وقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو
انْتِقَامٍ ) يعني
بقوله ( إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا
يمانع منه شيء أراد عقوبته ، قادر على كلّ من طلبه ، لا يفوتُه بالهَرَب منه. ( ذُو انْتِقَامٍ ) ممن كفر برسله وكذّبهم ، وجحد
نبوتهم ، وأشرك به واتخذ معه إلها غيره. وأضيف قوله ( مُخْلِفَ ) إلى الوعد ، وهو مصدر ، لأنه
وقع موقع الاسم ، ونصب قوله (
رُسُلَهَ )
بالمعنى ، وذلك أن المعنى: فلا تحسبنّ الله مخلف رسله وعده ، فالوعد وإن كان
مخفوضا بإضافة « مخلف » إليه ، ففي معنى النصب ، وذلك
أن الإخلاف يقع على منصوبين مختلفين ، كقول القائل: كسوت عبد الله ثوبا ، وأدخلته
دارا ؛ وإذا كان الفعل كذلك يقع على منصوبين مختلفين ، جاز تقديم أيِّهما قُدّم ،
وخفضُ ما وَلِيَ الفعل الذي هو في صورة الأسماء ، ونصب الثاني ، فيقال: أنا مدخلُ
عبد الله الدار ، وأنا مدخلُ الدَّارِ عبدَ الله ، إن قدَّمت الدار إلى المُدْخل
وأخرت عبدَ الله خفضت الدار ، إذ أضيف مُدْخل إليها ، ونُصِب عبد الله ؛ وإن قُدّم
عبدُ الله إليه ، وأخِّرت الدار ، خفض عبد الله بإضافة مُدْخلٍ إليه ، ونُصِب
الدار ؛ وإنما فعل ذلك كذلك ، لأن الفعل ، أعني مدخل ، يعمل في كلّ واحد منهما
نصبا نحو عمله في الآخر ؛ ومنه قول الشاعر:
تَـرَى
الثَّـوْرَ فيهـا مُدْخِلَ الظِّلِّ رأسَهُ وسـائرُهُ بـادٍ إلـى الشَّـمْسِ
أجْـمَعُ
أضاف
مُدْخل إلى الظلّ ، ونصب الرأس ، وإنما معنى الكلام: مدخلٌ رأسَه الظلَّ. ومنه قول
الآخر:
فَرِشْــني
بِخَـيْرٍ لا أكُـونَ وَمِدْحَـتِي كنــاحِتِ يَــوْمٍ صَخْــرَةٌ بعَسِـيلِ
والعسيل:
الريشة جُمع بها الطيب ، وإنما معنى الكلام: كناحت صخرة يوما بعسيل ، وكذلك قول
الآخر:
رُبَّ
ابْــنِ عَــمٍّ لِسُـلَيْمَى مُشْـمَعِلْ طَبَّـاخِ سـاعاتِ الكَـرَى زَادَ
الكَسِـلْ
وإنما
معنى الكلام: طباخ زاد الكَسل ساعات الكَرَى.
فأما من
قرأ ذلك ( فَلا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلُهُ ) فقد بيَّنا وجه بُعْدِه من الصحة في كلام العرب في سورة
الأنعام ، عند قوله وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ
غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( 48
)
يقول
تعالى ذكره: إن الله ذو انتقام (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) من مشركي قومك يا محمد من
قريش ، وسائر من كفر بالله وجحد نبوّتك ونبوّة رسله من قبلك. فيوم من صلة
الانتقام.
واختلف
في معنى قوله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم تبدّل الأرض التي عليها الناس
اليوم في دار الدنيا غير هذه الأرض ، فتصير أرضا بيضاء كالفضة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، قال :
سمعت عمرو بن ميمون يحدّث ، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) قال:
أرض كالفضة نقية لم يَسِل فيها دم ، ولم يُعْمَل فيها خطيئة ، يسمعهم الداعي ،
وينفُذهُم البصر ، حُفاة عُراة قياما ،أحسب قال: كما خُلِقوا ، حتى يلجمهم العرق
قياما وَحْدَه.
قال:
شعبة: ثم سمعته يقول: سمعت عمرو بن ميمون ، ولم يذكر عبد الله ثم عاودته فيه ، قال
: حدثنيه هبيرة ، عن عبد الله.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : أخبرنا شعبة ، قال : أخبرنا أبو إسحاق
، قال : سمعت عمرو بن ميمون وربما قال: قال عبد الله: وربما لم يقل ، فقلت له: عن
عبد الله؟ قال: سمعت عمرو بن ميمون يقول ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: أرض كالفضة بيضاء نقية ،
لم يسل فيها دم ، ولم يعمل فيها خطيئة ، فينفُذهُم البصر ، ويسمعهم الداعي ، حفاة
عُراة كما خُلِقوا ، قال: أراه قال: قياما حتى يُلجمهم العرق.
حدثنا
الحسن ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ،
عن ابن مسعود ، في قوله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) قال: تبدّل أرضا بيضاء نقية
كأنها فضة ، لم يسفك فيها دم حرام ، ولم يُعمَل فيها خطيئة.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : أخبرنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو
بن ميمون ، عن عبد الله ، في قوله ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: أرض الجنة بيضاء نقية ،
لم يعمل فيها خطيئة ، يسمعهم الداعي ، وينفذه البصر ، حفاة عراة قياما يلجمهم
العرق.
حدثنا
محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو
بن ميمون (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: أرض بيضاء كالفضة لم يسفك فيها دم حرام ، ولم يُعمل
فيها خطيئة.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا يحيى بن عباد ، قال : ثنا حماد بن زيد ، قال : أخبرنا
عاصم بن بَهْدلة ، عن زِرّ بن حُبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، أنه تلا هذه الآية ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) قال: يجاء بأرض بيضاء كأنها
سبيكة فضة لم يُسْفك فيها دم ، ولم يُعمل عليها خطيئة ، قال : فأوّل ما يحكم بين
الناس فيه في الدماء.
حدثنا
أبو كريب ، قال : ثنا معاوية بن هشام ، عن سنان ، عن جابر الجُعفيّ ، عن أبي جبيرة
، عن زيد ، قال : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود ، فقال: هَلْ
تَدْرُونَ لِمَ أَرْسَلْتُ إلَيْهِمْ ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال: فإني
أرْسَلْتُ إلَيْهِمْ أسألُهُمْ عَنْ قَوْلِ الله ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) إنَّها تَكُونُ يَوْمَئذٍ
بَيْضَاءَ مثْلُ الفضَّةِ ، فلما جاءوا سألهم . فقالوا: تكون بيضاء مثل النقيّ .
حدثنا
أبو إسماعيل الترمذي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي
حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك ، أنه تلا هذه الآية ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ ) قال:
يبدّلها الله يوم القيامة بأرض من فضة لم يُعمل عليها الخطايا ، ينـزلها الجبَّار
تبارك تعالى.
حدثني
محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا
الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا
ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ ) قال:
أرض كأنها الفضة ، زاد الحسن في حديثه عن شبابة: والسموات كذلك أيضا كأنها الفضة.
حدثا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ ) قال:
أرض كأنها الفضة ، والسموات كذلك أيضا.
حدثنا
ابن البرقي ، قال : ثنا ابن أبي مريمَ ، قال : أخبرنا محمد بن جعفر ، قال : ثني
أبو حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ
القيامَةِ على أرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصةِ النُّقِيّ » . قال سهل أو غيره: ليس فيها
معلم لغيره.
وقال
آخرون: تبدّل نارا.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن
السَّكن ، قال : قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة ، والجنة من ورائها ترى
أكوابها وكواعبها ، والذي نفس عبد الله بيده ، إن الرجل ليفيض عرقا ، حتى يرشح في
الأرض قدمه ، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب ، فقالوا: مم ذاك يا أبا عبد
الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون.
حدثنا
ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة ،
قال : قال عبد الله: الأرض كلها يوم القيامة نار ، والجنة من ورائها ترى كواعبها
وأكوابها ، ويلجم الناس العرق ، أو يبلغ منهم العرق ، ولم يبلغوا الحساب.
وقال
آخرون: بل تبدّل الأرض أرضا من فضة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، قال : سمعت المغيرة بن
مالك يحدّث عن المجاشع أو المجاشعي ، شكّ أبو موسى، عمن سمع عليا يقول في هذه
الآية (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: الأرض من فضة ، والجنة من ذهب.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن شعبة ، عن المغيرة بن مالك ، قال
: ثني رجل من بني مجاشع ، يقال له عبد الكريم ،أو ابن عبد الكريم، قال: حدثني هذا
الرجل أراه بسمرقند ، أنه سمع عليّ بن أبي طالب قرأ هذه الآية ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ ) قال:
الأرض من فضة ، والجنة من ذهب.
حدثنا
ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن مغيرة بن مالك ، عن رجل من بني مجاشع ،
يقال له عبد الكريم ،أو يكنى أبا عبد الكريم، قال: أقامني على رجل بخراسان ، فقال:
حدثني هذا أنه سمع عليّ بن أبي طالب ، فذكر نحوه.
حدثني
محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن
عباس ، قوله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) ... الآية ، فزعم أنها تكون فضة.
حدثنا
محمد بن إسماعيل ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي
حبيب ، عن سنان بن سعد ، عن أنس بن مالك قال: يبدّلها الله يوم القيامة بأرض من
فضة.
وقال
آخرون: يبدّلها خبزة.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
المثنى ، قال : ثنا أبو سعد سعيد بن دلّ من صغانيان ، قال : ثنا الجارود بن معاذ
الترمِذِيّ ، قال : ثنا وكيع بن الجرّاح ، عن عمر بن بشر الهمداني ، عن سعيد بن
جبير ، في قوله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: تبدّل خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا وكيع ، عن أبى معشر ، عن محمد بن كعب القرظي
، أو عن محمد بن قيس (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.
وقال
آخرون: تبدّل الأرض غير الأرض.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا عليّ
بن سهل ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن
كعب في قوله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) قال: تصير السماوات جنانا
ويصير مكان البحر النار. قال: وتبدل الأرض غيرها.
حدثنا أبو
كريب ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ ، عن إسماعيل بن رافع المدني ، عن
يزيد ، عن رجل من الأنصار ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن رجل من الأنصار ، عن أبي
هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ
فَيَبْسُطُهَا وَيُسَطِّحهَا وَيَمُدّهَا مَدّ الأدِيم الْعُكَاظِيّ لا تَرَى
فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ، ثُمَّ يَزْجُر اللَّه الْخَلْق زَجْرَةً وَاحِدَةً
فَإِذَا هُمْ فِي هَذِهِ الأرْض الْمُبَدَّلَة فِي مِثْل مَوَاضِعِهِمْ مِنْ
الأوْلَى مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا كَانَ فِي بَطْنِهَا وَمَا كَانَ عَلَى
ظَهْرِهَا كَانَ عَلى ظَهْرِها، وَذلكَ حينَ يَطْوِي السَّمَاواتِ كَطَيّ السِّجلّ
للْكِتابِ ، ثُمَّ يَدْحُو بِهِما ، ثُمَّ تُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأرضِ
والسَّمَواتُ » .
حدثنا
ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو بن قيس ، عن أبي إسحاق ، عن
عمرو بن ميمون الأودي ، قال : يجمع الناس يوم القيامة في أرض بيضاء ، لم يُعمل
فيها خطيئة مقدار أربعين سنة يلجمهم العرق.
وقالت
عائشة في ذلك ، ما:
حدثنا
ابن أبي الشوارب وحميد بن مسعدة وابن بزيع ، قالوا: حدثنا يزيد بن زريع ، عن داود
، عن عامر ، عن عائشة ، قالت: قلت: يا رسول الله ، إذا بدّلَت الأرض غير الأرض ،
وبرزوا لله الواحد القهَّار ، أين الناس يومئذ ؟ قال: عَلى الصِّرَاطِ « . »
حدثنا
حميد بن مسعدة وابن بزيع ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا داود ، عن عامر ،
عن عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوه.
حدثني
إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد ، عن داود ، عن عامر ، عن مسروق ، قال : قلت
لعائشة: « يا أم
المؤمنين أرأيت قول الله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ
الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) أين
الناس يومئذ؟ فقالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال: عَلَى
الصِّرَاطِ » .
حدثنا
ابن المثنى ، قال : ثنا الحسن بن عنبسة الورَّاق ، قال : ثنا عبد الرحيم ، يعني
ابن سليمان الرازي عن داود بن أبي هند ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت: « سألت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، عن قول الله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) قلت: يا رسول الله ، إذا بُدّلت الأرض غير الأرض ، أين يكون
الناس؟ قال: عَلى الصِّراطِ » .
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا عاصم بن عليّ ، قال : ثنا إسماعيل بن زكريا ، عن داود ،
عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة بنحوه.
حدثنا
ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن عائشة أمّ
المؤمنين قالت : « أنا
أوّل الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية » ثم ذكر نحوه.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا ربعيّ بن إبراهيم الأسدي أخو إسماعيل بن إبراهيم ، عن
داود بن أبي هند ، عن عامر ، قال : قالت عائشة: يا رسول الله ، أرأيت إذا بُدّلت
الأرض غير الأرض ، أين الناس يومئذ؟ قال: عَلى الصراط « . »
حدثنا
الحسن ، قال : ثنا عليّ بن الجند ، قال : أخبرني القاسم ، قال : سمعت الحسن ، قال
: قالت عائشة: يا رسول الله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ) فأين الناس يومئذ؟ قال: إنَّ هذَا الشَّيْءَ ما سألَنِي
عَنْهُ أحَدٌ ، قال : عَلى الصِّراطِ يا عائِشَةُ « . »
حدثنا
الحسن ، قال : ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، قال : ثني الوليد ، عن سعيد ، عن قتادة
، عن حسان بن بلال المزنيّ ، عن عائشة: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
عن قول الله (
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) قال: قالت: يا رسول الله ،
فأين الناس يومئذ؟ قال: لَقَدْ سألْتنِي عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عنه أَحَدٌ مِنْ
أُمَّتِي ، ذَاكَ إذَا النَّاسُ على جِسْر جَهَنَّمَ « . »
حدثنا
بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) ذُكر
لنا أن عائشة قالت: « يا
رسول الله ، فأين الناس يومئذ؟ فقال: لَقَدْ سألْتِ عَنْ شَيْءٍ ما سألَنِي عنه
أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي قَبْلَكِ ، قال: هُمْ يَوْمَئِذٍ على جِسْرِ جَهَنَّمَ » .
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عائشة سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه ، إلا أنه قال: عَلى الصِّرَاطِ.
حدثنا
ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أسماء ،
عن ثوبان ، قال : « سأل
حبر من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: أين الناس يوم تبدّل الأرض
غير الأرض؟ قال: هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُون الجسْرِ. »
حدثني
محمد بن عون ، قال : ثنا أبو المغيرة ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : ثنا سعيد
بن ثوبان الكلاعي ، عن أبي أيوب الأنصاريّ ، قال : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم
حبرٌ من اليهود ، وقال: أرأيت إذ يقول الله في كتابه ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ) فأين
الخلق عند ذلك ؟ قال: أضْيافُ اللَّهِ فَلَنْ يُعْجِزَهُمْ ما لَدَيْهِ « . »
وأولى
الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال: معناه: يوم تبدّل الأرض التي نحن عليها
اليوم يوم القيامة غيرها ، وكذلك السماوات اليوم تبدّل غيرها ، كما قال جلّ ثناؤه
، وجائز أن تكون المبدلة أرضا أخرى من فضة ، وجائز أن تكون نارا وجائز أن تكون
خبزا ، وجائز أن تكون غير ذلك ، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم
له أي ذلك يكون ، فلا قول في ذلك يصحّ إلا ما دلّ عليه ظاهر التنـزيل.
وبنحو ما
قلنا في معنى قوله (
وَالسَّمَاوَاتُ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ
غَيْرَ الأرْضِ ) قال:
أرضا كأنها الفضة (
وَالسَّمَاوَاتُ ) كذلك
أيضا.
وقوله ( وَبَرَزُوا لِلَّهِ
الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) يقول:
وظهروا لله المنفرد بالربوبية ، الذي يقهر كلّ شيء فيغلبه ويصرفه لما يشاء كيف
يشاء ، فيحيي خلقه إذا شاء ، ويميتهم إذا شاء ، لا يغلبه شيء ، ولا يقهره من
قبورهم أحياء لموقف القيامة.
القول
في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ
يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ( 49 ) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ
وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ( 50 ) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا
كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 51 )
يقول
تعالى ذكره: وتعاين الذين كفروا بالله ، فاجترموا في الدنيا الشرك يومئذ ، يعني:
يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات. ( مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ ) يقول: مقرنة أيديهم وأرجلهم
إلى رقابهم بالأصفاد ، وهي الوثاق من غلّ وسلسلة ، واحدها: صَفَد ، يقال منه:
صفدته في الصَّفَد صَفْدا وصِفادا ، والصفاد: القيد ، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
فَـــآبُوا
بالنِّهـــابِ وبالسَّـــبايا وأُبْنـــا بـــالمُلُوكِ مُصَفَّدِينـــا
ومن جعل
الواحد من ذلك صِفادا جمعه: صُفُدا لا أصفادا ، وأما من العطاء ، فإنه يقال منه:
أصفدتُهُ إصفادا ، كما قال الأعشى:
تَضَيَّفْتُــهُ
يَوْمــا فـأكْرَمَ مَجْلِسِـي وأصْفَــدَنِي عِنْــدَ الزَّمانَـةِ قـائِدَا
وقد قيل
في العطاء أيضا: صَفَدَني صَفْدا ، كما قال النابغة الذبياني:
هَــذَا
الثَّنــاءُ فـإنْ تَسْـمَعْ لِقَائِلِـهِ فَمَـا عَـرَضْتُ أبَيْـتَ اللَّعْـنَ بالصَّفَدِ
وبنحو
الذي قلنا في معنى قوله (
مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ ) قال
أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
المثنى ، قال : ثني عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس
، قوله (
مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ ) يقول:
في وثاق.
حدثني محمد
بن عيسى الدامغاني ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال :
الأصفاد: السلاسل
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ
) قال:
مقرّنين في القيود والأغلال.
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا عليّ بن هاشم بن البريد ، قال : سمعت
الأعمش ، يقول: الصفد: القيد.
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ
) قال:
صفدت فيها أيديهم وأرجلهم ورقابهم ، والأصفاد: الأغلال.
وقوله ( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ
قَطِرَانٍ ) يقول:
قمصهم التي يلبسونها ، واحدها: سربال ، كما قال امرؤ القيس:
لَعُوبٌ
تُنَسِّيني إذَا قُمْتُ سرْبالي
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ
قَطِرَانٍ ) قال:
السرابيل: القُمُص. وقوله ( مِنْ
قَطِرَانٍ ) يقول:
من القطران الذي يهنأ به الإبل ، وفيه لغات ثلاث: يقال: قِطران وقَطْران بفتح
القاف وتسكين الطاء منه. وقيل: إن عيسى بن عمر كان يقرأ « مِنْ قِطْرَانٍ » بكسر القاف وتسكين الطاء ،
ومنه قول أبي النجم:
جَــوْنٌ
كــأنَّ العَــرَقَ المَنْتُوحـا لَبَّسُـــه القِطْـــرَانَ والمُسُــوحا
بكسر
القاف ، وقال أيضا:
كـــأنَّ
قِطْرَانـــا إذَا تَلاهَـــا تَــرْمي بِـهِ الـرّيحُ إلـى مَجْرَاهـا
بالكسر.
وبنحو ما
قلناه في ذلك يقول من قرأ ذلك كذلك.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا الحسن
بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ( مِنْ قَطِرَانٍ ) يعني: الخَصْخَاص هِناء
الإبل.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ( مِنْ قَطِرَانٍ ) قال: قطران الإبل.
وقال
بعضهم: القطران: النحاس.
ذكر
من قال ذلك:
حدثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال :
قَطران: نحاس ، قال ابن جريج: قال ابن عباس ( مِنْ قَطِرَانٍ ) نحاس.
حدّثنا
القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة ( مِنْ قَطِرَانٍ ) قال: هي نحاس ، وبهذه
القراءة: أعني بفتح القاف وكسر الطاء ، وتصيير ذلك كله كلمة واحدة ، قرأ ذلك جميع
قرّاء الأمصار ، وبها نقرأ لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
وقد رُوي
عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ ذلك: « مِنْ قَطْرٍ آنٍ » بفتح القاف وتسكين الطاء وتنوين الراء وتصيير آن من نعتِه ،
وتوجيه معنى القَطر إلى أنه النحاس ، ومعنى الآن ، إلى أنه الذي قد انتهى حرّه في
الشدّة.
وممن كان
يقرأ ذلك كذلك فيما ذكر لنا عكرمة مولى ابن عباس ، حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال
: ثنا القاسم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حُصَين عنه.
ذكر من
تأوّل ذلك على هذه القراءة التأويل الذي ذكرت فيه حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا
يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد ، في قوله « سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ » قال: قطر ، والآن: الذي قد
انتهى حرّه.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا داود بن مِهران ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير
نحوه.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ،
عن سعيد ، بنحوه.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد ، قال : ثنا يعقوب القمي
، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ « سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ » .
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا عفان ، قال : ثنا المبارك بن فضالة ، قال : سمعت الحسن
يقول: كانت العرب تقول للشيء إذا انتهى حرّه: قد أنى حرّ هذا ، قد أوقدت عليه جهنم
منذ خلقت فأنى حرّها.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن بن سعيد ، قال : ثنا أبو جعفر ،
عن الربيع بن أنس في قوله «
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ آنٍ » قال:
القطر: النحاس ، والآن: يقول: قد أنى حرّه ، وذلك أنه يقول: حميمٌ آن.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا عفان بن مسلم ، قال : ثنا ثابت بن يزيد ، قال : ثنا
هلال بن خباب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في هذه الآية « سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ
آنٍ » قال: من
نحاس ، قال : آن أنى لهم أن يعذّبوا به.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن حُصَين ، عن عكرمة ، في
قوله « مِنْ
قَطْرٍ آنٍ » قال:
الآني: الذي قد انتهى حرّه.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن عليّ ، عن ابن عباس
، قوله: « مِنْ
قَطْرٍ آنٍ » قال: هو
النحاس المذاب.
حدثنا
الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة « مِنْ قَطْرٍ آنٍ » يعني: الصِّفر المذاب.
حدثنا
محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن قتادة « سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطْرٍ
آنٍ » قال: من
نحاس.
حدثني
المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا هشام ، قال : ثنا أبو حفص ، عن هارون ، عن
قتادة أنه كان يقرأ « مِنْ
قَطْرٍ آنٍ » قال: من
صفر قد انتهى حرّه.
وكان
الحسن يقرؤها « مِنْ
قَطْرٍ آنٍ » .
وقوله ( وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ
النَّارُ ) يقول:
وتلفَحُ وجوههم النار فتحرقها (
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ) يقول: فعل الله ذلك بهم جزاء لهم بما كسبوا من الآثام في
الدنيا ، كيما يثيب كلّ نفس بما كسبت من خير وشرّ ، فيَجْزِي المحسن بإحسانه ،
والمسيء بإساءته ( إِنَّ
اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) يقول:
إن الله عالم بعمل كلّ عامل ، فلا يحتاج في إحصاء أعمالهم إلى عقد كفّ ولا معاناة
، وهو سريع حسابه لأعمالهم ، قد أحاط بها علما ، لا يعزب عنه منها شيء ، وهو
مجازيهم على جميع ذلك صغيره وكبيره.
القول
في تأويل قوله تعالى : هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ
وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ
أُولُو الأَلْبَابِ ( 52 )
يقول
تعالى ذكره: هذا القرآن بلاغ للناس ، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم ، وأعذر
إليهم بما أنـزل فيه من مواعظه وعبره ( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) يقول: ولينذروا عقاب الله ، ويحذروا به نقماته ، أنـزله إلى
نبيه صلى الله عليه وسلم (
وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) يقول: وليعلموا بما احتجّ به عليهم من الحجج فيه أنما هو
إله واحد ، لا آلهة شتى ، كما يقول المشركون بالله ، وأن لا إله إلا هو الذي له ما
في السماوات وما في الأرض ، الذي سخر لهم الشمس والقمر والليل والنهار وأنـزل من
السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم ، وسخر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره
وسخر لهم الأنهار. (
وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ ) يقول: وليتذكر فيتعظ بما احتجّ الله به عليه من حججه التي
في هذا القرآن ، فينـزجر عن أن يجعل معه إلها غيره ، ويُشْرِك في عبادته شيئا سواه
أهلُ الحجى والعقول ، فإنهم أهل الاعتبار والادّكار دون الذين لا عقول لهم ولا
أفهام ، فإنهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.
ذكر
من قال ذلك:
حدثني
يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) قال: القرآن ( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) قال: بالقرآن. ( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا
هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ )
آخر
تفسير سورة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله ربّ العالمين.