القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ

قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره. ومعنى الكلام: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة, فصدقوا عند ذلك نبيهم وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم, وأذعنوا له بذلك. يدل على ذلك قوله: « فلما فصل طالوت بالجنود » . وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له, لأنه لم يكن ممن يقدر على إكراههم على ذلك، فيظن به أنه حملهم على ذلك كرها.

وأما قوله: « فصل » فإنه يعني به: شخص بالجند ورحل بهم.

وأصل « الفصل » القطع, يقال، منه: « فصل الرجل من موضع كذا وكذا » , يعني به قطع ذلك, فجاوزه شاخصا إلى غيره, « يفصل فصولا » ، و « فصل العظم والقول من غيره، فهو يفصله فصلا » ، إذا قطعه فأبانه، و « فصل الصبي فصالا » ، إذا قطعه عن اللبن . و « قول فصل » ، يقطع فيفرق بين الحق والباطل لا يرد.

وقيل: إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل, لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته, أو كبير لهرمه, أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه قال: خرج بهم طالوت حين استوسقوا له, ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة, أو ضرير معذور, أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون, وسلموا ملك طالوت, فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا.

قال أبو جعفر: فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا، قال: « إن الله مبتليكم بنهر » ، يقول: إن الله مختبركم بنهر, ليعلم كيف طاعتكم له.

وقد دللنا على أن معنى « الابتلاء » ، الاختبار، فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

* وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قول الله تعالى: « إن الله مبتليكم بنهر » ، قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.

وقيل: إن طالوت قال: « إن الله مبتليكم بنهر » ، لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم, وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا, فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: « إن الله مبتليكم بنهر » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه قال: لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا, فادع الله لنا يجري لنا نهرا! فقال لهم طالوت: « إن الله مبتليكم بنهر » الآية.

« والنهر » الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به، قيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: « إن الله مبتليكم بنهر » ، قال الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إن الله مبتليكم بنهر » ، قال: ذكر لنا أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قوله: « إن الله مبتليكم بنهر » ، قال: هو نهر بين الأردن وفلسطين.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن عباس: فلما فصل طالوت بالجنود غازيا إلى جالوت, قال طالوت لبني إسرائيل: « إن الله مبتليكم بنهر » ، قال: نهر بين فلسطين والأردن, نهر عذب الماء طيبه.

وقال آخرون: بل هو نهر فلسطين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: « إن الله مبتليكم بنهر » ، فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل، نهر فلسطين.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إن الله مبتليكم بنهر » ، هو نهر فلسطين.

وأما قوله: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم » . فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت بما قال لجنوده، إذ شكوا إليه العطش, فأخبر أن الله مبتليهم بنهر, ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر, هو أن من شرب من مائه فليس هو منه يعني بذلك: أنه ليس من أهل ولايته وطاعته, ولا من المؤمنين بالله وبلقائه. ويدل على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا، ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوهم من جالوت وجنوده بقوله: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وأخبرهم أنه من لم يطعمه يعني: من لم يطعم الماء من ذلك النهر. « والهاء » في قوله: « فمن شرب منه » ، وفي قوله: « ومن لم يطعمه » ، عائدة على « النهر » , والمعنى لمائه. وإنما ترك ذكر « الماء » اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك: أن المراد به الماء الذي فيه.

ومعنى قوله: « لم يطعمه » ، لم يذقه, يعني: ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي، والمؤمنين بالله وبلقائه. ثم استثنى من « من » في قوله: « ومن لم يطعمه » ، المغترفين بأيديهم غرفة, فقال: ومن لم يطعم ماء ذلك النهر، إلا غرفة يغترفها بيده، فإنه مني.

ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: « إلا من اغترف غرفة بيده » .

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: ( غرفة ) ، بنصب « الغين » من « الغرفة » بمعنى الغرفة الواحدة, من قولك، « اغترفت غرفة » , و « الغرفة » ، و « الغرفة » هي الفعل بعينه من « الاغتراف » . .

وقرأه آخرون بالضم, بمعنى الماء الذي يصير في كف المغترف. ف « الغرفة » الاسم, و « الغرفة » المصدر.

وأعجب القراءتين في ذلك إلي، ضم « الغين » في « الغرفة » ، بمعنى: إلا من اغترف كفا من ماء لاختلاف « غرفة » إذا فتحت غينها, وما هي له مصدر. وذلك أن مصدر « اغترف » ، « اغترافة » , وإنما « غرفة » مصدر: « غرفت » . فلما كانت « غرفة » مخالفة مصدر « اغترف » ، كانت « الغرفة » التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا، أشبه منها ب « الغرفة » التي هي بمعنى الفعل.

قال أبو جعفر: وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء, فكان من شرب منه عطش, ومن اغترف غرفة روي .

ذكر من قال ذلك:

حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم » ، فشرب القوم على قدر يقينهم. أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون, وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده » ، قال: كان الكفار يشربون فلا يروون, وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزيهم ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم » ، يعني المؤمنين منهم. وكان القوم كثيرا، فشربوا منه إلا قليلا منهم يعني المؤمنين منهم. كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: قال لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت, آمنوا بنبوة شمعون, وسلموا ملك طالوت, فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا. وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا, فخرج يسير بين يدي الجند, ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي. فلما خرجوا قال لهم طالوت: « إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني » ، فشربوا منه هيبة من جالوت, فعبر منهم أربعة آلاف, ورجع ستة وسبعون ألفا، فمن شرب منه عطش, ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي. .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود, فقال: لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد. فلم يتخلف عنه مؤمن, ولم يتبعه منافق،... رجعوا كفارا، لكذبهم في قيلهم إذ قالوا: « لن نمس هذا الماء غرفة ولا غير » وذلك أنه قال لهم: « إن الله مبتليكم بنهر » ، الآية، فقالوا: لن نمس من هذا، غرفة ولا غير غرفة قال: وأخذ البقية الغرفة فشربوا منها حتى كفتهم, وفضل منهم. قال: والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده » ، فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه. فمن اغترف غرفة وأطاعه، روي لطاعته. ومن شرب فأكثر، عصى فلم يرو لمعصيته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق في حديث ذكره, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه في قوله: « فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده » ، يقول الله تعالى ذكره: « فشربوا منه إلا قليلا منهم » ، وكان - فيما يزعمون- من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه, ومن لم يطعمه إلا كما أمر: غرفة بيده، أجزاه وكفاه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فلما جاوزه هو » ، فلما جاوز النهر طالوت. « والهاء » في « جاوزه » عائدة على « النهر » , و « هو » كناية اسم طالوت وقوله: « والذين آمنوا معه » ، يعني: وجاوز النهر معه الذين آمنوا، قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ثم اختلف في عدة من جاوز النهر معه يومئذ، ومن قال منهم: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » .

فقال بعضهم: كانت عدتهم عدة أهل بدر: ثلثمئة رجل وبضعة عشر رجلا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قالا جميعا، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق, عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر معه, ولم يجز معه إلا مؤمن: ثلثمئة وبضعة عشر رجلا.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا أبو إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أنَّ أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت، ثلثمئة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه, وما جاز معه إلا مؤمن.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء بنحوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جاوزوا النهر, وما جاوز معه إلا مسلم.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر, عن أبي إسحاق, عن البراء مثله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر رجلا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: محص الله الذين آمنوا عند النهر، وكانوا ثلثمئة, وفوق العشرة ودون العشرين, فجاء داود صلى الله عليه وسلم فأكمل به العدة.

وقال آخرون: بل جاوز معه النهر أربعة آلاف, وإنما خلص أهل الإيمان منهم من أهل الكفر والنفاق، حين لقوا جالوت.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف, فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت، رجعوا أيضا وقالوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » . فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمئة وبضعة وثمانون, وخلص في ثلثمئة وبضعة عشر، عدة أهل بدر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: لما جاوزه هو والذين آمنوا معه, قال الذين شربوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » .

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي; وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة, والكافر الذي شرب منه الكثير. ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه, وانخزل عنه أهل الشرك والنفاق وهم الذين قالوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » ومضى أهل البصيرة بأمر الله على بصائرهم, وهم أهل الثبات على الإيمان, فقالوا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .

فإن ظن ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم, ومن لم يشرب من النهر إلا الغرفة, لأن الله تعالى ذكره قال: « فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ » ، فكان معلوما أنه لم يجاوز معه إلا أهل الإيمان, على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب, ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيمان، لما خص الله بالذكر في ذلك أهل الإيمان فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان- أعني فريق الإيمان وفريق الكفر جاوزوا النهر, وأخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم, عن المؤمنين بالمجاوزة, لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر, وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين .

والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك، قول الله تعالى ذكره: « فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » ، فأوجب الله تعالى ذكره أن الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ، هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله- وأن « الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله » ، هم الذين قالوا: ( لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ) وغير جائز أن يضاف الإيمان إلى من جحد أنه ملاقي الله، أو شك فيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين أعني القائلين: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » ، والقائلين: « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » ، من هما؟

فقال بعضهم: الفريق الذين قالوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » ، هم أهل كفر بالله ونفاق, وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده, لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه, وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي بذلك.

وهو قول ابن عباس. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله » ، الذين اغترفوا وأطاعوا، الذين مضوا مع طالوت المؤمنون, وجلس الذين شكوا.

وقال آخرون: كلا الفريقين كان أهل إيمان, ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة, بل كانوا جميعا أهل طاعة, ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض. وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » . والآخرون كانوا أضعف يقينا. وهم الذين قالوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين » ، ويكون [ والله ] المؤمنون بعضهم أفضل جدا وعزما من بعض, وهم مؤمنون كلهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » ، أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت: ثلثمئة. قال قتادة: وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا, وهم الذين قالوا : « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين » .

ويجب على القول الذي روي عن البراء بن عازب: أنه لم يجاوز النهر مع طالوت إلا عدة أصحاب بدر- أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به، أمرهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس والسدي وابن جريج، وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا.

وأما تأويل قوله: « قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله » ، فإنه يعني: قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو الله.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي « قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله » ، الذين يستيقنون.

فتأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدقون بالمرجع إلى الله، للذين قالوا: « لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده » « كم من فئة قليلة » ، يعني ب « كم » ، كثيرا، غلبت فئة قليلة « فئة كثيرة بإذن الله » , يعني: بقضاء الله وقدره « والله مع الصابرين » ، يقول : مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته.

وقد أتينا على البيان عن وجوه « الظن » ، وأن أحد معانيه: العلم اليقين، بما يدل على صحة ذلك فيما مضى, فكرهنا إعادته.

وأما « الفئة » ، فإنهم الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه, وهو مثل « الرهط » و « النفر » ، يجمع « فئات » ، و « فئون » في الرفع، و « فئين » في النصب والخفض، بفتح نونها في كل حال. و « فئين » بالرفع بإعراب نونها بالرفع وترك الياء فيها, وفي النصب « فئينا » , وفي الخفض « فئين » , فيكون الإعراب في الخفض والنصب في نونها. وفي كل ذلك مقرة فيها « الياء » على حالها. فإن أضيفت قيل: « هؤلاء فئينك » ، بإقرار النون وحذف التنوين, كما قال الذين لغتهم: « هذه سنين » ، في جمع « السنة » : « هذه سنينك » ، بإثبات النون وإعرابها وحذف التنوين منها للإضافة. وكذلك العمل في كل منقوص مثل « مئة » و « ثبة » و « قلة » و « عزة » : فأما ما كان نقصه من أوله، فإن جمعه بالتاء، مثل « عدة وعدات » ، و « صلة وصلات » .

وأما قوله: « والله مع الصابرين » فإنه يعني: والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته, وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله, المخالفين منهاج دينه.

وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره: « هو معه » ، بمعنى هو معه بالعون له والنصرة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 250 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله : « ولما برزوا لجالوت وجنوده » ، ولما برز طالوت وجنوده لجالوت وجنوده.

ومعنى قوله: « برزوا » صاروا بالبراز من الأرض, وهو ما ظهر منها واستوى. ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته: « تبرز » ، لأن الناس قديما في الجاهلية، إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأرض. وذلك كما قيل: « تغوط » ، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في « الغائط » من الأرض، وهو المطمئن منها, فقيل للرجال: « تغوط » أي صار إلى الغائط من الأرض.

وأما قوله: « ربنا أفرغ علينا صبرا » ، فإنه يعني أن طالوت وأصحابه قالوا: « ربنا أفرغ علينا صبرا » ، يعني أنـزل علينا صبرا.

وقوله: « وثبت أقدامنا » ، يعني: وقو قلوبنا على جهادهم، لتثبت أقدامنا فلا نهزم عنهم « وانصرنا على القوم الكافرين » ، الذين كفروا بك فجحدوك إلها وعبدوا غيرك، واتخذوا الأوثان أربابا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فهزموهم » ، فهزم طالوت وجنوده أصحاب جالوت, وقتل داود جالوت.

وفي هذا الكلام متروك، ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ظهر منه عليه. وذلك أن معنى الكلام: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ، فاستجاب لهم ربهم, فأفرغ عليهم صبره وثبت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين « فهزموهم بإذن الله » ولكنه ترك ذكر ذلك اكتفاء بدلالة قوله: « فهزموهم بإذن الله » ، على أن الله قد أجاب دعاءهم الذي دعوه به.

ومعنى قوله: « فهزموهم بإذن الله » ، فلوهم بقضاء الله وقدره. يقال منه: « هزم القوم الجيش هزيمة وهزيمى » .

« وقتل داود جالوت » . وداود هذا هو داود بن إيشى، نبي الله صلى الله عليه وسلم. وكان سبب قتله إياه، كما: -

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا بكار بن عبد الله قال، سمعت وهب بن منبه يحدث قال: لما خرج أو قال: لما برز طالوت لجالوت, قال جالوت: أبرزوا إلي من يقاتلني, فإن قتلني فلكم ملكي, وإن قتلته فلي ملككم! فأتي بداود إلى طالوت, فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله. فألبسه طالوت سلاحا, فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله لم ينصرني عليه، لم يغن السلاح! فخرج إليه بالمقلاع، وبمخلاة فيها أحجار, ثم برز له. قال له جالوت: أنت تقاتلني! ! قال داود: نعم! قال: ويلك! ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة! لأبددن لحمك, ولأطعمنّه اليوم الطير والسباع! فقال له داود: بل أنت عدو الله شر من الكلب! فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع, فأصابت بين عينيه حتى نفذ في دماغه, فصرع جالوت وانهزم من معه, واحتز داود رأسه. فلما رجعوا إلى طالوت، ادّعى الناس قتل جالوت, فمنهم من يأتي بالسيف، وبالشيء من سلاحه أو جسده, وخبأ داود رأسه. فقال طالوت: من جاء برأسه فهو الذي قتله! فجاء به داود، ثم قال لطالوت: أعطني ما وعدتني! فندم طالوت على ما كان شرط له, وقال: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع, فاحتمل صداقها ثلثمئة غلفة من أعدائنا. وكان يرجو بذلك أن يقتل داود. فغزا داود وأسر منهم ثلثمئة وقطع غلفهم، وجاء بها. فلم يجد طالوت بدا من أن يزوجه، ثم أدركته الندامة. فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل, فنهض إليه طالوت فحاصره. فلما كان ذات ليلة سلط النوم على طالوت وحرسه, فهبط إليهم داود فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب منه ويتوضأ, وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه, ثم رجع داود إلى مكانه فناده: أن [ قد نمت ونام ] حرسك, فإني لو شئت أقتلك البارحة فعلت, فإنه هذا إبريقك، وشيء من شعر لحيتك وهدب ثيابك! وبعث [ به ] إليه، فعلم طالوت أنه لو شاء قتله, فعطفه ذلك عليه فأمنه, وعاهده بالله لا يرى منه بأسا. ثم انصرف. ثم كان في آخر أمر طالوت أنه كان يدس لقتله. وكان طالوت لا يقاتل عدوا إلا هزم, حتى مات قال بكار: وسئل وهب وأنا أسمع: أنبيا كان طالوت يوحى إليه؟ فقال: لم يأته وحي, ولكن كان معه نبي يقال له أشمويل يوحى إليه, وهو الذي ملك طالوت.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، كان داود النبي وإخوة له أربعة, معهم أبوهم شيخ كبير, فتخلف أبوهم، وتخلف معه داود من بين إخوته في غنم أبيه يرعاها له, وكان من أصغرهم. وخرج إخوته الأربعة مع طالوت، فدعاه أبوه وقد تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض.

قال ابن إسحاق: وكان داود، فيما ذكر لي بعض أهل العلم عن وهب بن منبه: رجلا قصيرا أزرق، قليل شعر الرأس, وكان طاهر القلب نقيه فقال له أبوه: يا بني، إنا قد صنعنا لإخوتك زادا يتقوون به على عدوهم, فاخرج به إليهم, فإذا دفعته إليهم فأقبل إلي سريعا! فقال: أفعل. فخرج وأخذ معه ما حمل لإخوته, ومعه مخلاته التي يحمل فيها الحجارة، ومقلاعه الذي كان يرمي به عن غنمه. حتى إذا فصل من عند أبيه, فمر بحجر فقال: يا داود! خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت, فإني حجر يعقوب! فأخذه فجعله في مخلاته, ومشى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر آخر فقال: يا داود! خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت, فإني حجر إسحاق ! فأخذه فجعله في مخلاته, ثم مضى. فبينا هو يمشي إذ مر بحجر فقال: يا داود! خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت, فإني حجر إبراهيم! فأخذه فجعله في مخلاته. ثم مضى بما معه حتى انتهى إلى القوم, فأعطى إخوته ما بعث إليهم معه. وسمع في العسكر خوض الناس بذكر جالوت وعظم شأنه فيهم, وبهيبة الناس إياه, وبما يعظمون من أمره, فقال لهم: والله إنكم لتعظمون من أمر هذا العدو شيئا ما أدري ما هو! ! والله إني لو أراه لقتلته! فأدخلوني على الملك. فأدخل على الملك طالوت, فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو! والله إني لو أراه لقتلته! فقال: يا بني! ما عندك من القوة على ذلك؟ وما جربت من نفسك؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه، فآخذ برأسه, فأفك لحييه عنها, فآخذها من فيه, فادع لي بدرع حتى ألقيها علي. فأتي بدرع فقذفها في عنقه، ومثل فيها ملء عين طالوت ونفسه ومن حضره من بني إسرائيل, فقال طالوت: والله، لعسى الله أن يهلكه به! فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت, فلما التقى الناس قال داود: أروني جالوت! فأروه إياه على فرس عليه لأمته، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تواثب من مخلاته, فيقول هذا: خذني! ويقول هذا: خذني! ويقول هذا: خذني! فأخذ أحدها فجعله في مقذافه, ثم فتله به, ثم أرسله، فصك به بين عيني جالوت فدمغه, وتنكس عن دابته، فقتله. ثم انهزم جنده, وقال الناس: قتل داود جالوت! وخلع طالوت وأقبل الناس على داود مكانه, حتى لم يسمع لطالوت بذكر إلا أن أهل الكتاب يزعمون أنه لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود, هم بأن يغتال داود وأراد قتله، فصرف الله ذلك عنه وعن داود، وعرف خطيئته, والتمس التوبة منها إلى الله.

وقد روي عن وهب بن منبه في أمر طالوت وداود قول خلاف الروايتين اللتين ذكرنا قبل, وهو ما: -

حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه قال: لما سلمت بنو إسرائيل الملك لطالوت، أوحى إلى نبي بني إسرائيل: أن قل لطالوت فليغز أهل مدين, فلا يترك فيها حيا إلا قتله, فإني سأظهره عليهم. فخرج بالناس حتى أتى مدين, فقتل من كان فيها إلا ملكهم فإنه أسره, وساق مواشيهم. فأوحى الله إلى أشمويل: ألا تعجب من طالوت إذ أمرته بأمري فاختل فيه, فجاء بملكهم أسيرا, وساق مواشيهم! فالقه. فقل له: لأنـزعن الملك من بيته ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة, فإني إنما أكرم من أطاعني, وأهين من هان عليه أمري! فلقيه فقال له: ما صنعت!! لم جئت بملكهم أسيرا, ولم سقتَ مواشيهم؟ قال: إنما سقت المواشي لأقربها. قال له أشمويل: إن الله قد نـزع من بيتك الملك, ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة! فأوحى الله إلى أشمويل: أن انطلق إلى إيشى, فيعرض عليك بنيه, فادهن الذي آمرك بدهن القدس، يكن ملكا على بني إسرائيل. فانطلق حتى أتى إيشى فقال: اعرض علي بنيك! فدعا إيشى أكبر ولده, فأقبل رجل جسيم حسن المنظر, فلما نظر إليه أشمويل أعجبه فقال: الحمد لله، إن الله لبصير بالعباد! فأوحى الله إليه: إن عينيك يبصران ما ظهر, وإني أطلع على ما في القلوب، ليس بهذا! فقال : ليس بهذا، اعرض علي غيره, فعرض عليه ستة في كل ذلك يقول: ليس بهذا. فقال: هل لك من ولد غيرهم؟ فقال: بلى! لي غلام أمغر، وهو راع في الغنم . فقال: أرسل إليه. فلما أن جاء داود، جاء غلام أمغر, فدهنه بدهن القدس وقال لأبيه: اكتم هذا, فإن طالوت لو يطلع عليه قتله. فسار جالوت في قومه إلى بني إسرائيل, فعسكر، وسار طالوت ببني إسرائيل وعسكر, وتهيئوا للقتال. فأرسل جالوت إلى طالوت: لم يقتل قومي وقومك؟ ابرز لي، أو أبرز لي من شئت, فإن قتلتك كان الملك لي, وإن قتلتني كان الملك لك. فأرسل طالوت في عسكره صائحا: من يبرز لجالوت, فإن قتله فإن الملك يُنْكحه ابنته, ويشركه في ملكه. فأرسل إيشى داود إلى إخوته قال الطبري، هو أيشى، ولكن قال المحدث: إشى وكانوا في العسكر فقال: اذهب فزود إخوتك, وأخبرني خبر الناس ماذا صنعوا؟ فجاء إلى إخوته وسمع صوتا: إن الملك يقول: من يبرز لجالوت! فإن قتله أنكحه الملك ابنته. فقال داود لإخوته: ما منكم رجل يبرز لجالوت فيقتله وينكح ابنة الملك؟ فقالوا: إنك غلام أحمق! ومن يطيق جالوت، وهو من بقية الجبارين!! فلما لم يرهم رغبوا في ذلك قال: فأنا أذهب فأقتله! فانتهروه وغضبوا عليه، فلما غفلوا عنه ذهب حتى جاء الصائح فقال: أنا أبرز لجالوت! فذهب به إلى الملك, فقال له: لم يجبني أحد إلا غلام من بني إسرائيل، هو هذا! قال : يا بني، أنت تبرز لجالوت فتقاتله! قال: نعم. قال: وهل آنست من نفسك شيئا؟ قال: نعم, كنت راعيا في الغنم فأغار علي الأسد, فأخذت بلحييه ففككتهما. فدعا له بقوس وأداة كاملة, فلبسها وركب الفرس, ثم سار منهم قريبا، ثم صرف فرسه, فرجع إلى الملك, فقال الملك ومن حوله: جبن الغلام! فجاء فوقف على الملك, فقال: ما شأنك؟ قال داود: إن لم يقتله الله لي، لم يقتله هذا الفرس وهذا السلاح! فدعني فأقاتل كما أريد. فقال: نعم يا بني. فأخذ داود مخلاته فتقلدها، وألقى فيها أحجارا, وأخذ مقلاعه الذي كان يرعى به، ثم مضى نحو جالوت. فلما دنا من عسكره قال: أين جالوت يبرز لي؟ فبرز له على فرس عليه السلاح كله, فلما رآه جالوت قال: إليك أبرز؟! قال نعم. قال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كم يؤتى إلى الكلب! قال: هو ذاك. قال: لا جرم أني سوف أقسم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض! قال داود: أو يقسم الله لحمك! فوضع داود حجرا في مقلاعه ثم دوره فأرسله نحو جالوت, فأصاب أنف البيضة التي على جالوت حتى خالط دماغه, فوقع من فرسه. فمضى داود إليه فقطع رأسه بسيفه, فأقبل به في مخلاته, وبسلبه يجره, حتى ألقاه بين يدي طالوت, ففرحوا فرحا شديدا. وانصرف طالوت، فلما كان داخل المدينة سمع الناس يذكرون داود, فوجد في نفسه. فجاءه داود فقال: أعطني امرأتي! فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما اشترطت علي صداقا, وما لي من شيء!! قال: لا أكلفك إلا ما تطيق, أنت رجل جريء, وفي جبالنا هذه جراجمة يحتربون الناس، وهم غلف, فإذا قتلت منهم مئتي رجل فأتني بغلفهم. فجعل كلما قتل منهم رجلا نظم غلفته في خيط, حتى نظم مئتي غلفة. ثم جاء بهم إلى طالوت فألقى بها إليه فقال: ادفع إلي امرأتي، قد جئت بما اشترطت. فزوجه ابنته، وأكثر الناس ذكر داود, وزاده عند الناس عجبا. فقال طالوت لابنه: لتقتلن داود! قال: سبحان الله، ليس بأهل ذلك منك! قال: إنك غلام أحمق! ما أراه إلا سوف يخرجك وأهل بيتك من الملك! فلما سمع ذلك من أبيه انطلق إلى أخته فقال لها: إني قد خفت أباك أن يقتل زوجك داود, فمريه أن يأخذ حذره ويتغيب منه. فقالت له امرأته ذلك، فتغيب. فلما أصبح أرسل طالوت من يدعو له داود, وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحفته. فلما جاء رسول طالوت قال: أين داود؟ ليجب الملك! فقالت له: بات شاكيا ونام الآن، ترونه على الفراش. فرجعوا إلى طالوت فأخبروه ذلك, فمكث ساعة ثم أرسل إليه, فقالت: هو نائم لم يستيقظ بعد. فرجعوا إلى الملك فقال: ائتوني به وإن كان نائما ! فجاؤوا إلى الفراش فلم يجدوا عليه أحدا، فجاؤوا الملك فأخبروه، فأرسل إلى ابنته فقال: ما حملك على أن تكذبين؟ قالت: هو أمرني بذلك, وخفت إن لم أفعل أمره أن يقتلني! وكان داود فارا في الجبل حتى قتل طالوت وملك داود بعده.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: كان طالوت أميرا على الجيش, فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته, فقال داود لطالوت: ماذا لي فأقتل جالوت؟ قال: لك ثلث ملكي, وأنكحك ابنتي. فأخذ مخلاته, فجعل فيها ثلاث مروات, ثم سمى حجارته تلك: « إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب » , ثم أدخل يده فقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب! فخرج على « إبراهيم » , فجعله في مرجمته, فخرقت ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه, وقتلت ثلاثين ألفا من ورائه.

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر، مع ثلاثة عشر ابنا له, وكان داود أصغر بنيه. فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته! فقال: أبشر يا بني! فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك. ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه، لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا, فركبت عليه فأخذت بأذنيه, فلم يهجني! قال: أبشر يا بني! فإن هذا خير يعطيكه الله. ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبّح, فما يبقى جبل إلا سبح معي! فقال: أبشر يا بني! فإن هذا خير أعطاكه الله. وكان داود راعيا, وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام. فأتى النبي [ عليه السلام ] بقرن فيه دهن، وسَنَوَّرٍ من حديد, فبعث به إلى طالوت فقال: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حتى يدهن منه، ولا يسيل على وجهه, يكون على رأسه كهيئة الإكليل, ويدخل في هذا السَّنَوَّر فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم به، فلم يوافقه منهم أحد. فلما فرغوا, قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك من ولد لم يشهدنا؟ قال: نعم! بقي ابني داود, وهو يأتينا بطعام. فلما أتاه داود، مر في الطريق بثلاثة أحجار فكلمنه وقلن له: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت ! قال: فأخذهن فجعلهن في مخلاته. وكان طالوت قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي. فلما جاء داود، وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه, ولبس السَّنَوَّر فملأه وكان رجلا مسقاما مصفارا ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه. فلما لبسه داود تضايق الثوب عليه حتى تنقض. . ثم مشى إلى جالوت وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه, فقال له: يا فتى! ارجع، فإني أرحمك أن أقتلك! قال داود: لا بل أنا أقتلك! فأخرج الحجارة فجعلها في القذافة, كلما رفع حجرا سماه, فقال: هذا باسم أبي إبراهيم, والثاني باسم أبي إسحاق, والثالث باسم أبي إسرائيل. ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجرا واحدا, ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت, فنقبتُ رأسَه فقتلته، ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه، تنفذ منه حتى لم يكن يحيا لها أحد. فهزموهم عند ذلك, وقتل داود جالوت، ورجع طالوت, فأنكح داود ابنته, وأجرى خاتمه في ملكه. فمال الناس إلى داود فأحبوه. فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده, فأراد قتله. فعلم به داود أنه يريد به ذلك, فسجى له زق خمر في مضجعه, فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود، فضرب الزق ضربة فخرقه, فسالت الخمر منه, فوقعت قطرة من خمر في فيه, فقال: يرحم الله داود! ما كان أكثر شربه للخمر!! ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم, فوضع سهمين عند رأسه، وعند رجليه، وعن يمينه وعن شماله سهمين سهمين، ثم نـزل. فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها, فقال: يرحم الله داود! هو خير مني, ظفرت به فقتلته, وظفر بي فكف عني! ثم إنه ركب يوما فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس, فقال طالوت: اليوم أقتل داود ! وكان داود إذا فزع لا يدرك فركض على أثره طالوت, ففزع داود فاشتد فدخل غارا, وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتا. فلما انتهى طالوت إلى الغار، نظر إلى بناء العنكبوت فقال: لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت!! فخيل إليه، فتركه.

حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة فيها ثلاثة أحجار. وإن جالوت برز لهم فنادى: ألا رجل لرجل ! فقال طالوت: من يبرز له؟ وإلا برزت له؟ فقام داود فقال: أنا! فقام له طالوت فشد عليه درعه, فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع، فعجب من ذلك طالوت, فشد عليه أداته كلها وإن داود رماهم بحجر من تلك الحجارة، فأصاب في القوم, ثم رمى الثانية بحجر، فأصاب فيهم, ثم رمى الثالثة فقتل جالوت. فآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء, وصار هو الرئيس عليهم, وأعطوه الطاعة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني ابن زيد في قول الله تعالى ذكره: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فقرأ حتى بلغ: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، قال: أوحى الله إلى نبيهم: إن في ولد فلان رجلا يقتل الله به جالوت, ومن علامته هذا القرن تضعه على رأسه فيفيض ماء. فأتاه فقال: إن الله أوحى إلي أن في ولدك رجلا يقتل الله به جالوت! فقال: نعم يا نبي الله! قال: فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري, وفيهم رجل بارع عليهم, فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا, فيقول لذلك الجسيم: ارجع! فيردده عليه. فأوحى الله إليه: إنا لا نأخذ الرجال على صورهم, ولكنا نأخذهم على صلاح قلوبهم. قال: يا رب، قد زعم أنه ليس له ولد غيره! فقال: كذب! فقال: إن ربي قد كذبك! وقال: إن لك ولدا غيرهم! فقال: صدق يا نبي الله, . لي ولد قصير استحييت أن يراه الناس, فجعلته في الغنم! قال: فأين هو؟ قال في شعب كذا وكذا، من جبل كذا وكذا. فخرج إليه, فوجد الوادي قد سال بينه وبين البقعة التي كان يريح إليها، قال: ووجده يحمل شاتين يجيز بهما ولا يخوض بهما السيل. فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه! هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم! قال: فوضع القرن على رأسه ففاض. فقال له: ابن أخي! هل رأيت ها هنا من شيء يعجبك؟ قال: نعم، إذا سبحت, سبحت معي الجبال, وإذا أتى النمر أو الذئب أو السبع أخذ شاة، قمت إليه فافتح لحييه عنها فلا يهيجني! قال: وألفى معه صفنه. قال: فمر بثلاثة أحجار ينتزى بعضها على بعض، كل واحد منها يقول: أنا الذي يأخذ! ويقول هذا: لا! بل إياي يأخذ! ويقول الآخر مثل ذلك. قال: فأخذهن جميعا فطرحهن في صُفْنِه. فلما جاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وخرجوا، قال لهم نبيهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ، فكان من قصة نبيهم وقصتهم ما ذكر الله في كتابه, وقرأ حتى بلغ: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . قال: واجتمع أمرهم وكانوا جميعا, وقرأ: وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . وبرز جالوت على بِرْذَوْن له أبلق, في يده قوس نُشَّاب, فقال: من يبرز؟ أبرزوا إلي رأسكم! قال: ففظع به طالوت, قال: فالتفت إلى أصحابه فقال: من رجل يكفيني اليوم جالوت؟ فقال داود: أنا. فقال: تعال! قال: فنـزع درعا له, فألبسه إياها. قال: ونفخ الله من روحه فيه حتى ملأه. قال: فرمى بنشابة فوضعها في الدرع. قال: فكسرها داود ولم تضره شيئا، ثلاث مرات, ثم قال له: خذ الآن! فقال داود: اللهم اجعله حجرا واحدا. قال: وسمى واحدا إبراهيم, وآخر إسحاق, وآخر يعقوب. قال: فجمعهن جميعا فكن حجرا واحدا. قال: فأخذهن وأخذ مقلاعا, فأدارها ليرمي بها فقال: أترميني كما يرمي السبع والذئب؟ أرمني بالقوس! قال: لا أرميك اليوم إلا بها! فقال له مثل ذلك أيضا، فقال: نعم! وأنت أهون علي من الذئب! فأدارها وفيها أمر الله وسلطان الله. قال: فخلى سبيلها مأمورة. قال: فجاءت مظلة فضربت بين عينيه حتى خرجت من قفاه, ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا, وهزمهم الله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: لما قطعوا ذلك يعني النهر الذي قال الله فيه مخبرا عن قيل طالوت لجنوده: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وجاء جالوت، وشق على طالوت قتاله, فقال طالوت للناس: لو أن جالوت قتل، أعطيت الذي يقتله نصف ملكي, وناصفته كل شيء أملكه! فبعث الله داود وداود يومئذ في الجبل راعي غنم, وقد غزا مع طالوت تسعة إخوة لداود, وهم أبدّ منه، وأغنى منه, وأعرف في الناس منه, وأوجه عند طالوت منه, فغزوا وتركوه في غنمهم فقال داود حين ألقى الله في نفسه ما ألقى، وأكرمه: لأستودعن ربي غنمي اليوم, ولآتين الناس، فلأنظرن ما الذي بلغني من قول الملك لمن قتل جالوت! فأتى داود إخوته, فلاموه حين أتاهم, فقالوا: لم جئت؟ قال: لأقتل جالوت, فإن الله قادر أن أقتله. فسخروا منه قال ابن جريج، قال مجاهد: كان بعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته, فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات, ثم سماهن « إبراهيم » و « إسحاق » و « يعقوب » قال ابن جريج، قالوا: وهو ضعيف رث الحال, فمر بثلاثة أحجار فقلن له: خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت! فأخذهن داود وألقاهن في مخلاته. فلما ألقاهن سمع حجرا منهن يقول لصاحبه: أنا حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا وكذا. قال الثاني: أنا حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا. قال الثالث: أنا حجر داود الذي أقتل جالوت! فقال الحجران: يا حجر داود، نحن أعوان لك! فصرن حجرا واحدا. وقال الحجر : يا داود، اقذف بي، فإني سأستعين بالريح وكانت بيضته، فيما يقولون والله أعلم، فيها ستمئة رطل فأقع في رأس جالوت فأقتله! قال ابن جريج، وقال مجاهد: سمى واحدا إبراهيم, والآخر إسحاق, والآخر يعقوب, وقال: باسم إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب! وجعلهن في مرجمته- قال ابن جريج: فانطلق حتى نفذ إلى طالوت فقال: إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف ملكك ونصف كل شيء تملكه! أفلي ذلك إن قتلته؟ قال: نعم! والناس يستهزئون بداود, وإخوة داود أشد من هنالك عليه. وكان طالوت لا ينتدب إليه أحد زعم أنه يقتل جالوت إلا ألبسه درعا عنده, فإذا لم تكن قدرا عليه نـزعها عنها. وكانت درعا سابغة من دروع طالوت, فألبسها داود، فلما رأى قدرها عليه أمره أن يتقدم. فتقدم داود, فقام مقاما لا يقوم فيه أحد، وعليه الدرع. فقال له جالوت: ويحك! من أنت؟ إني أرحمك! ليتقدم إلي غيرك من هذه الملوك! أنت إنسان ضعيف مسكين! فارجع. فقال داود: أنا الذي أقتلك بإذن الله, ولن أرجع حتى أقتلك! فلما أبي داود إلا قتاله, تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدرا عليه, فأخرج الحجر من المخلاة, فدعا ربه ورماه بالحجر, فألقت الريح بيضته عن رأسه, فوقع الحجر في رأس جالوت حتى دخل في جوفه فقتله قال ابن جريج، وقال مجاهد: لما رمى جالوت بالحجر خرق ثلاثا وثلاثين بيضة عن رأسه, وقتلت من ورائه ثلاثين ألفا, قال الله تعالى: « وقتل داود جالوت » . فقال داود لطالوت: ف لي بما جعلت. فأبى طالوت أن يعطيه ذلك. فانطلق داود فسكن مدينة من مدائن بني إسرائيل حتى مات طالوت. فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داود فجاؤوا به فملّكوه, وأعطوه خزائن طالوت, وقالوا: لم يقتل جالوت إلا نبي! قال الله: « وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء « والهاء » في قوله: « وآتاه الله » ، عائدة على داود « والملك » السلطان « والحكمة » ، النبوة. وقوله: « وعلمه مما يشاء » ، يعني: علمه صنعة الدروع والتقدير في السرد, كما قال الله تعالى ذكره: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [ سورة الأنبياء: 80 ] .

وقد قيل إن معنى قوله: « وآتاه الله الملك والحكمة » ، أن الله آتَى داودَ ملك طالوت ونبوَّة أشمويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: مُلِّك داودُ بعدما قتل طالوتَ, وجعله الله نبيًّا, وذلك قوله: « وآتاه الله الملك والحكمة » ، قال: الحكمة هي النبوة, آتاه نبوّة شمعون وملك طالوت.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 251 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولولا أنّ الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به بعضًا، وهم أهلُ المعصية لله والشرك به- كما دفعَ عن المتخلِّفين عن طالوتَ يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً: من بَعْثةِ ملك عليهم ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر, جالوتَ وجنوده « لفسدت الأرض » , يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم, ففسدت بذلك الأرض ولكن الله ذو منٍّ على خلقه وتطوُّلٍ عليهم، بدفعه بالبَرِّ من خلقه عن الفاجر, وبالمطيع عن العاصي منهم, وبالمؤمن عن الكافر.

وهذه الآية إعلامٌ من الله تعالى ذكره أهلَ النفاق الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتخلِّفين عن مَشاهده والجهادِ معه للشكّ الذي في نفوسهم ومرض قلوبهم، والمشركين وأهلِ الكفر منهم, وأنه إنما يدفع عنهم معاجَلَتهم العقوبة على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله, الذين هم أهل البصائر والجدّ في أمر الله, وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعدَه على جهاد أعدائه وأعداء رسوله، من النصر في العاجل, والفوز بجنانه في الآجل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمر قال، حدثنا أبو عاصم عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « ولولا دفعُ الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » ، يقول: ولولا دفع الله بالبَرِّ عن الفاجر, وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض، « لفسدت الأرض » ، بهلاك أهلها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » ، يقول: ولولا دفاع الله بالبَرِّ عن الفاجر, وببقية أخلاف الناس بعضهم عن بعض لهلك أهلها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن حنظلة, عن أبي مسلم قال: سمعت عليًّا يقول: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » ، يقول: لهلك من في الأرض .

حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا حفص بن سليمان, عن محمد بن سوقة, عن وبرة بن عبد الرحمن, عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مئةِ أهلِ بيت من جيرانه البلاءَ » ، ثم قرأ ابن عمر: « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » .

حدثني أحمد أبو حميد الحمصي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن, عن محمد بن المنكدر, عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليُصلح بصلاح الرجل المسلم ولدَه وولد ولدِه، وأهلَ دُوَيْرَته ودُويْراتٍ حوله, ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.

قال أبو جعفر: وقد دللنا على قوله: « العالمين » , وذكرنا الرواية فيه .

وأما القرأة، فإنها اختلفت في قراءة قوله: « ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض » .

فقرأته جماعة من القرأة: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ ) على وجه المصدر، من قول القائل: « دفعَ الله عن خلقه فهو يدفع دفعًا » . واحتجت لاختيارها ذلك، بأن الله تعالى ذكره هو المتفرِّد بالدفع عن خلقه, ولا أحد يُدافعه فيغالبه.

وقرأت ذلك جماعة أُخَر من القرأة: ( وَلَوْلا دِفَاعُ اللهِ النَّاسَ ) على وجه المصدر، من قول القائل: « دافع الله عن خلقه فهو يُدافع مدافعة ودفاعًا » واحتجت لاختيارها ذلك بأن كثيرًا من خلقه يعادون أهل دين الله وولايته والمؤمنين به, فهو بمحاربتهم إياهم ومعادتهم لهم، لله مُدافعون بظنونهم, ومغالبون بجهلهم, والله مُدافعهم عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به.

قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأت بهما القرأة، وجاءت بهما جماعة الأمة, وليس في القراءة بأحد الحرفين إحالةُ معنى الآخر. وذلك أن من دافع غيره عن شيء فمدافعه عنه بشيء دافع. ومتى امتنع المدفوع عن الاندفاع, فهو لمدافعه مدافع. ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم طالوت وجنوده محاولين مغالبة حزب الله وجنده, وكان في محاولتهم ذلك محاولةُ مغالبة الله ودفاعه عما قد تضمن لهم من النُّصرة. وذلك هو معنى « مدافعة الله » عن الذين دافع الله عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فبيِّنٌ إذًا أن سَواءً قراءةُ من قرأ: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ) ، وقراءة من قرأ : ( ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض ) ، في التأويل والمعنى.

 

القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « تلك آيات الله » هذه الآيات التي اقتص الله فيها أمر الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وأمر الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيهم أن يبعث لهم طالوت ملكا وما بعدها من الآيات إلى قوله : وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ .

ويعني بقوله : « آيات الله » ، حججه وأعلامه وأدلته. .

يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التي أخبرتك بها يا محمد، وأعلمتك من قدرتي على إماتة من هرب من الموت في ساعة واحدة وهم ألوف، وإحيائي إياهم بعد ذلك، وتمليكي طالوت أمر بني إسرائيل، بعد إذ كان سقاء أو دباغا من غير أهل بيت المملكة، وسلبي ذلك إياه بمعصيته أمري، وصرفي ملكه إلى داود لطاعته إياي، ونصرتي أصحاب طالوت، مع قلة عددهم، وضعف شوكتهم على جالوت وجنوده، مع كثرة عددهم، وشدة بطشهم حججي على من جحد نعمتي، وخالف أمري، وكفر برسولي من أهل الكتابين التوراة والإنجيل، العالمين بما اقتصصت عليك من الأنباء الخفية، التي يعلمون أنها من عندي، .

لم تتخرصها ولم تتقولها أنت يا محمد، لأنك أمي، ولست ممن قرأ الكتب، فيلتبس عليهم أمرك، ويدعوا أنك قرأت ذلك فعلمته من بعض أسفارهم ولكنها حججي عليهم أتلوها عليك يا محمد، بالحق اليقين كما كان، لا زيادة فيه، ولا تحريف، ولا تغيير شيء منه عما كان « وإنك » يا محمد « لمن المرسلين » ، يقول: إنك لمرسل متبع في طاعتي، وإيثار مرضاتي على هواك، فسالكٌ في ذلك من أمرك سبيل من قبلك من رسلي الذين أقاموا على أمري، وآثروا رضاي على هواهم، ولم تغيرهم الأهواء، ومطامع الدنيا، كما غير طالوت هواه، وإيثاره ملكه، على ما عندي لأهل ولايتي، ولكنك مؤثر أمري كما آثره المرسلون الذين قبلك.