القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 53 )

يقول تعالى ذكره: كما كذبت قريش نبيها محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وقالت: هو شاعر, أو ساحر أو مجنون, كذلك فعلت الأمم المكذّبة رسلها, الذين أحلّ الله بهم نقمته, كقوم نوح وعاد وثمود, وفرعون وقومه, ما أتى هؤلاء القوم الذين ذكرناهم من قبلهم, يعني من قبل قريش قوم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون, كما قالت قريش لمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

وقوله ( أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) يقول تعالى ذكره: أأوصى هؤلاء المكذّبين من قريش محمدا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ما جاءهم به من الحق أوائلهم وآباؤهم الماضون من قبلهم, بتكذيب محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقبلوا ذلك عنهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) قال: أوصى أولاهم أخراهم بالتكذيب.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( أَتَوَاصَوْا بِهِ ) : أي كان الأوّل قد أوصى الآخر بالتكذيب.

وقوله ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) يقول تعالى ذكره: ما أوصى هؤلاء المشركون آخرهم بذلك, ولكنهم قوم متعدّون طغاة عن أمر ربهم, لا يأتمرون لأمره, ولا ينتهون عما نهاهم عنه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 )

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : فتولّ يا محمد عن هؤلاء المشركين بالله من قريش, يقول: فأعرض عنهم حتى يأتيك فيهم أمر الله, يقال: ولى فلان عن فلان: إذا أعرض عنه وتركه, كما قال حصين بن ضمضم:

أمَّــا بَنُــو عبس فــإنَّ هَجِـينَهُمْ وَلَّــى فَوَارِســهُ وَأفْلَــتَ أَعْـوَرا

والأعور في هذا الوضع: الذي عور فلم تقض حاجته, ولم يصب ما طلب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) قال: فأعرض عنهم.

وقوله ( فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) يقول جلّ ثناؤه: فما أنت يا محمد بملوم, لا يلومك ربك على تفريط كان منك في الإنذار, فقد أنذرت, وبلغت ما أرسلت به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) قال: محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد. في قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) قال: قد بلغت ما أرسلناك به, فلست بملوم, قال: وكيف يلومه, وقد أدّى ما أمر به.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) ذُكر لنا أنها لما نـزلت هذه الآية, اشتدّ على أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , ورأوا أن الوحي قد انقطع, وأن العذاب قد حضر, فأنـزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك : ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: أخبرنا ابن علية, قال: أخبرنا أيوب, عن مجاهد, قال: خرج عليّ معتجرًا ببرد, مشتملا بخميصة, فقال لما نـزلت ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) أحزننا ذلك وقلنا: أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتولى عنا حتى نـزل ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .

وقوله ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) يقول: وعظ يا محمد من أرسلت إليه, فإن العظة تنفع أهل الإيمان بالله.

كما حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) قال: وعظهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 )

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: وما خلقت السُّعداء من الجنّ والإنس إلا لعبادتي, والأشقياء منهم لمعصيتي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا مؤمل, قال: ثنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم بنحوه.

حدثني عبد الأعلى بن واصل, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا سفيان, عن ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم, بمثله.

حدثنا حُمَيد بن الربيع الخراز, قال: ثنا ابن يمان, قال: ثنا ابن جُرَيج, عن زيد بن أسلم, في قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: جَبَلَهم على الشقاء والسعادة.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) قال: من خلق للعبادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك. وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) : إلا ليقروا بالعبودة طوعا وكَرها.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرنا عن ابن عباس, وهو: ما خلقت الجنّ والإنس إلا لعبادتنا, والتذلل لأمرنا.

فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم, لأن قضاءه جار عليهم, لا يقدرون من الامتناع منه إذا نـزل بهم, وإنما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به, فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه.

وقوله ( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ) يقول تعالى ذكره: ما أريد ممن خلقت من الجنّ والإنس من رزق يرزقونه خلقي ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) يقول: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم, ومن طعام أن يطعموهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثنا أبي, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس ( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) قال: يطعمون أنفسهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 )

يقول تعالى ذكره: إن الله هو الرزّاق خلقه, المتكفل بأقواتهم, ذو القوّة المتين.

اختلفت القرّاء في قراءة قوله ( المَتِين ) , فقرأته عامة قرّاء الأمصار خلا يحيى بن وثاب والأعمش : ( ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) رفعا, بمعنى: ذو القوّة الشديد, فجعلوا المتين من نعت ذي, ووجهوه إلى وصف الله به. وقرأه يحيى والأعمش ( المَتِين ) خفضا, فجعلاه من نعت القوّة, وإنما استجاز خفض ذلك من قرأه بالخفض, ويصيره من نعت القوّة, والقوّة مؤنثة, والمتين في لفظ مذكر, لأنه ذهب بالقوّة من قوي الحبل والشيء المبرم: الفتل, فكأنه قال على هذا المذهب: ذو الحبل القوي. وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده:

لكُــلّ دَهْــرٍ قَــدْ لَبِسْـتُ أثْؤُبَـا مِــنْ رَبْطَــةٍ واليُمْنَــةَ المُعصَّبـا

فجعل المعصب نعت اليمنة, وهي مؤنثة في اللفظ, لأن اليمنة ضرب وصنف من الثياب , فذهب بها إليه.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ( ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) رفعا على أنه من صفة الله جلّ ثناؤه , لإجماع الحجة من القرّاء عليه, وأنه لو كان من نعت القوّة لكان التأنيث به أولى, وإن كان للتذكير وجه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) يقول: الشديد.

وقوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) يقول تعالى ذكره: فإن للذين أشركوا بالله من قريش وغيرهم ذنوبا, وهي الدلو العظيمة, وهو السجل أيضا إذا مُلئت أو قاربت الملء, وإنما أريد بالذنوب في هذا الموضع: الحظّ والنصيب; ومنه قول علقمة بن عبدة:

وفـي كُـلّ قَـوْمٍ قَـدْ خَـبَطْتَ بنعمَة فَحُــقَّ لِشَـأس مِـنْ نَـدَاكَ ذَنُـوبُ

أي نصيب, وأصله ما ذكرت; ومنه قول الراجز:

لَنَـــا ذَنُــوبٌ ولَكُــمْ ذَنُــوبُ فـــإن أبَيَتُـــمْ فَلَنَــا الْقَلِيــبُ

ومعنى الكلام: فإن للذين ظلموا من عذاب الله نصيبا وحظا نازلا بهم, مثل نصيب أصحابهم الذين مضوا من قبلهم من الأمم, على منهاجهم من العذاب, فلا يستعجلون به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ) يقول: دلوا.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: يقول للذين ظلموا عذابا مثل عذاب أصحابهم فلا يستعجلون.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) فلا يستعجلون: سجلا من العذاب.

قال: ثنا عفان بن مسلم, قال: ثنا شهاب بن سُريعة, عن الحسن, في قوله ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: دلوا مثل دلو أصحابهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( ذَنُوبا ) قال: سجلا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ) : سجلا من عذاب الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثني محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: عذابا مثل عذاب أصحابهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: يقول ذنوبا من العذاب, قال: يقول لهم سجل من عذاب الله, وقد فعل هذا بأصحابهم من قبلهم, فلهم عذاب مثل عذاب أصحابهم فلا يستعجلون.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم ( ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) قال: طَرَفا من العذاب.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 )

يقول تعالى ذكره: فالوادي السائل في جهنم من قيح وصديد للذين كفروا بالله وجحدوا وحدانيته من يومهم الذي يوعدون فيه نـزول عذاب الله إذا نـزل بهم ماذا يلقون فيه من البلاء والجهد.

آخر تفسير سورة الذاريات

 

تفسير سورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 )

يعني تعالى ذكره بقوله: ( والطور ) : والجبل الذي يُدعى الطور.

وقد بيَّنت معنى الطور بشواهده، وذكرنا اختلاف المختلفين فيه فيما مضى بما أغْنى عن إعادته في هذا الموضع

وقد حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله تبارك وتعالى: ( والطور ) قال الجبل بالسُّريانية.

وقوله: ( وكتاب مسطور ) يقول: وكتاب مكتوب; ومنه قول رُؤْبة:

إني وآياتٍ سُطِرْنَ سَطْرًا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) قال: صحف.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: ( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) والمسطور: المكتوب.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( مَسْطُورٍ ) قال: مكتوب.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( مَسْطُور ) قال: مكتوب.

وقوله: ( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) يقول: في ورق منشور.

وقوله: « في » من صلة مسطور, ومعنى الكلام: وكتاب سطر, وكُتب في ورق منشور.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) وهو الكتاب.

حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, ( فِي رَقٍّ ) قال: الرقّ: الصحيفة.

وقوله: ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) يقول: والبيت الذي يعمر بكثرة غاشيته وهو بيت فيما ذُكر في السماء بحيال الكعبة من الأرض, يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة, ثم لا يعودون فيه أبدا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن سعيد, عن قتادة, عن أنس بن مالك, عن مالك بن صعصعة, رجل من قومه قال: قال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم: « رفِعَ إليَّ البَيْتُ المَعْمُورُ, فَقُلْتُ: يا جبريلُ ما هَذَا؟ قال: البَيْتُ المَعْمُورُ, يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إذَا خَرَجوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ ما عَلَيْهِمْ » .

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا خالد بن الحارث, قال: ثنا شعبة, عن قتاده, عن أنس بن مالك, عن مالك بن صعصعة رجل من قومه, عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا هناد بن السريّ, قال: ثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب, عن خالد بن عُرعُرة, أن رجلا قال لعليّ رضي الله عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح, وهو بحيال الكعبة, من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض, يصلي فيه كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة, ولا يعودون فيه أبدا.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن سماك بن حرب, قال: سمعت خالد بن عرعرة, قال: سمعت عليا رضي الله عنه , وخرج إلى الرحبة, فقال له ابن الكوّاء أو غيره: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء السادسة يقال له الضراح, يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون فيه أبدا.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا طلق بن غنام, عن زائدة, عن عاصم, عن عليّ بن ربيعة, قال: سأل ابن الكوّاء عليا,رضي الله عنه عن البيت المعمور, قال: مسجد في السماء يقال له الضراح, يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة, لا يرجعون فيه أبدا.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن عبيد المكتب, عن أبي الطفيل, قال: سأل ابن الكوّاء عليًا عن البيت المعمور, قال: بيت بحيال البيت العتيق في السماء يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلك على رسم راياتهم, يقال له الضراح, يدخله كلّ يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يرجعون فيه أبدا.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا بهرام, قال: ثنا سفيان, عن سماك بن حرب, عن خالد بن عرعرة, عن عليّ رضي الله عنه , قال: سأله رجل عن البيت المعمور, قال: بيت في السماء يقال له الضريح قصد البيت, يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك, ثم لا يعودون فيه.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) قال: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة, يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه.

حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبُّويه, قال: ثنا عليّ بن الحسن, قال: ثنا حسين, قال: سُئل عكرمة وأنا جالس عنده عن البيت المعمور, قال: بيت في السماء بحيال الكعبة.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) قال: بيت في السماء يقال له الضراح.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( والبيت المعمور ) ذكر لما أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: « هَلْ تَدْرُونَ مَا البَيْتُ المَعْمُورُ » قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: « فإنَّهُ مَسْجِدٌ في السَّماء تَحْتَهُ الكَعْبَة لَوْ خَرّ لَخَرّ عَلَيها, أَوْ عَلَيْه, يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك إذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخرَ مَا عَلَيهِمْ » .

حدُثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) يزعمون أنه يروح إليه كلّ يوم سبعون ألف مَلك من قبيلة إبليس, يقال لهم الجنّ.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) قال: بيت الله الذي في السماء. وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إنَّ بَيْتَ الله في السماء لَيَدخلُهُ كُلَّ يَوْمٍ طَلَعَتْ شَمْسُه سَبْعُونَ ألْفَ مَلَك, ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبَدًا بَعْدَ ذَلِك » .

حدثنا محمد بن مرزوق, قال: ثنا حجاج, قال: ثنا حماد, عن ثابت, عن أنس, عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: « البَيْتُ المَعْمُورُ في السَّماءِ السَّابِعَة يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك, ثُمَّ لا يَعُودُون إِلَيهِ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ » .

حدثنا محمد بن سِنان القَزّاز, قال: ثنا موسى بن إسماعيل, قال: ثنا سليمان عن ثابت, عن أنس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لمّا عَرَجَ بِي المَلَكُ إلَى السَّماء السَّابِعَة انْتَهَيْتُ إلَى بِنَاء فَقُلْتُ للْمَلَك: ما هَذَا؟ قال: هذا بِنَاء بَنَاه اللهُ للمَلائكَةِ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك, يُقَدِّسُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ, لا يَعُودُونَ فِيه » .

وقوله: ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يعني بالسقف في هذا الموضع: السماء, وجعلها سقفا, لأنها سماء للأرض, كسماء البيت الذي هو سقفه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ, قال: ثنا أبو الأحوص, عن سماك, عن خالد بن عرعرة, أن رجلا قال لعليّ رضي الله عنه: ما السقف المرفوع ؟ قال: السماء.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن سماك, عن خالد بن عُرْعرة, عن عليّ, قال: السقف المرفوع: السماء.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, قال: ثنا سفيان, عن سماك بن حرب, عن خالد بن عُرْعرة, عن عليّ رضي الله عنه قال: سأله رجل عن السقف المرفوع, فقال: السماء.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن سماك بن حرب, قال: سمعت خالد بن عُرْعرة, قال: سمعت عليًّا يقول: والسقف المرفوع: هو السماء, قال: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ .

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( السقف المرفوع ) : قال: السماء.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( والسقف المرفوع ) سقف السماء.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) : سقف السماء.

وقوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) اختلف أهل التأويل في معنى البحر المسجور, فقال بعضهم: الموقد. وتأويل ذلك: والبحر الموقد المحميّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, عن داود, عن سعيد بن المسيب, قال: قال عليّ رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر, فقال: ما أراه إلا صادقا, ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ مخففة.

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا يعقوب, عن حفص بن حُميد, عن شمر بن عطية, في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بمنـزلة التنُّور المسجور.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث. قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: الموقد.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: الموقد, وقرأ قول الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ قال: أوقدت.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا البحار مُلئت, وقال: المسجور: المملوء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) الممتلئ.

وقال آخرون: بل المسجور: الذي قد ذهب ماؤه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: سجره حين يذهب ماؤه ويفجر.

وقال آخرون: المسجور: المحبوس.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) يقول: المحبوس.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض, وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد, كما يقال: سجرت التنور, بمعنى: أوقدت, أو الامتلاء على ما وصفت, كما قال لبيد:

فتوسـطا عُـرْضَ السَّـريِّ وصدعـا مســـجورةً متجــاورًا قُلامُهــا

وكما قال النمر بن تولب العكلي:

إذَا شـــاءَ طـــالَعَ مَسْـــجورةً تَــرَى حَوْلَهَــا النَّبْــعَ والسَّاسـمّا

سَــقَتْها رَوَاعِــدُ مِــنْ صَيّــفٍ وَإنْ مِــنْ خَــريفٍ فَلَــنْ يَعدمَـا

فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر, وكان البحر غير مُوقَد اليوم, وكان الله تعالى ذكره قد وصفه بأنه مسجور, فبطل عنه إحدى الصفتين, وهو الإيقاد صحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم, وهو الامتلاء, لأنه كلّ وقت ممتلئ.

وقيل: إن هذا البحر المسجور الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى بحر في السماء تحت العرش.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, عن عليّ ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر في السماء تحت العرش.

قال: ثنا مهران, قال: وسمعته أنا من إسماعيل, قال: ثنا مهران عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, عن عبد الله بن عمرو ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر تحت العرش.

حدثني محمد بن عمارة, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قال: بحر تحت العرش.

وقوله: ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) يا محمد, لكائن حالّ بالكافرين به يوم القيامة.

كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) وقع القسم هاهنا ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) وذلك يوم القيامة.

وقوله: ( مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) يقول: ما لذلك العذاب الواقع بالكافرين من دافع يدفعه عنهم, فينقذهم منه إذا وقع.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 )

يقول تعالى ذكره: إن عذاب ربك لواقع ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) فيوم من صلة واقع, ويعني بقوله: تمور: تدور وتكفأ. وكان معمر بن المثنى يُنشد بيت الأعشى:

كــأنَّ مشْـيتَها مِـنْ بَيْـتِ جارَتهـا مَـوْرُ السَّـحابَة لا رَيْـثٌ ولا عَجًـلُ

فالمور على روايته: التكفي والترهيل في المشية, وأما غيره فإنه كان يرويه مرّ السحابة.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: يقول: تحريكا.

حدثنا ابن المثنى وعمرو بن مالك, قالا حدثنا أبو معاوية الضرير, عن سفيان بن عُيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: تدور السماء دورا.

حدثنا الحسن بن عليّ الصدائي, قال: ثنا إبراهيم بن بشار, قال: ثنا سفيان بن عيينة قال: أخبروني عن معاوية الضرير, عني, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: تدور دورا.

حدثنا هارون بن حاتم المقري, قال: ثنا سفيان بن عيينة, قال: ثني أبو معاوية, عني, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: تدور دورا.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) مورها: تحريكها.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) يعني: استدارتها وتحريكها لأمر الله, وموج بعضها في بعض.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, قال: قال الضحاك ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: تموج بعضها في بعض, وتحريكها لأمر الله.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: هذا يوم القيامة, وأما المور: فلا علم لنا به.

وقال آخرون: مورها: تشققها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) قال: يوم تشقَّق السماء.

وقوله: ( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ) يقول: وتسير الجبال عن أماكنها من الأرض سيرا, فتصير هباء منبثا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 )

يقول تعالى ذكره: فالوادي الذي يسيل من قيح وصديد في جهنم, يوم تمور السماء مورا, وذلك يوم القيامة للمكذّبين بوقوع عذاب الله للكافرين, يوم تمور السماء مورا. وكان بعض نحويّي البصرة يقول: أدخلت الفاء في قوله: ( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ ) لأنه في معنى إذا كان كذا وكذا, فأشبه المجازاة, لأن المجازاة يكون خبرها بالفاء. وقال بعض نحويّي الكوفة: الأوقات تكون كلها جزاء مع الاستقبال, فهذا من ذاك, لأنهم قد شبهوا « إن » وهي أصل الجزاء بحين, وقال: إن مع يوم إضمار فعل, وإن كان التأويل جزاء, لأن الإعراب يأخذ ظاهر الكلام, وإن كان المعنى جزاء.

وقوله: ( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) يقول: الذين هم في فتنة واختلاط في الدنيا يلعبون, غافلين عما هم صائرون إليه من عذاب الله في الآخرة.

وقوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) يقول تعالى ذكره: فويل للمكذبين يوم يُدَعُّونَ.

وقوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ ) ترجمة عن قوله: ( يَوْمَئِذٍ ) وإبدال منه. وعنى بقوله: ( يُدَعُّونَ ) يدفعون بإرهاق وإزعاج, يقال منه: دعَعْت في قفاه: إذا دفعت فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: ثنا أبو كدينة, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) قال: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار.

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس , قوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) يقول: يدفعون.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) قال: يدفعون فيها دفعا.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) يقول: يدفعون إلى نار جهنم دفعا.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ) قال: يدفعون.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) قال: يزعجون إليها إزعاجا.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة بنحوه.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ, يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) الدعّ: الدفع والإرهاق.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) قال: يدفعون دفعا, وقرأ قول الله تبارك وتعالى : فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ قال: يدفعه, ويغلظ عليه.

وقوله: ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) يقول تعالى ذكره: يقال لهم: هذه النار التي كنتم بها في الدنيا تكذّبون, فتجحدون أن تردوها, وتصلوها, أو يعاقبكم بها ربكم وترك ذكر يُقال لهم, اجتزاء بدلالة الكلام عليه.