القول
في تأويل قوله : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا
رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ
الدُّعَاءِ ( 38 )
قال أبو
جعفر: وأما قوله: « هنالك
دعا زكريا ربه » ،
فمعناها: عند ذلك، أي: عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رَزَقها، وفضله
الذي آتاها من غير تسبُّب أحد من الآدميين في ذلك لها ومعاينته عندَها الثمرة
الرّطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندَها في الأرض طمع بالولد، مع كبر سنه،
من المرأة العاقر. فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، كما رزق
مريم على تخلِّيها من الناس ما رَزَقها من ثمرة الصيف في الشتاء وثمرة الشتاء في
الصيف، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العاداتُ في الأرض، بل
المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غيرُ الأمر الجاريةِ به العادات في
الناس. فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله ذرّيةً طيبة.
وذلك أن
أهل بيت زكريا - فيما ذكر لنا - كانوا قد انقرضوا في ذلك الوقت، كما:-
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فلما رأى زكريا من حالها ذلك
يعني: فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا
في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرية طيبة! ورغب في الولد، فقام فصلَّى، ثم دعا
ربه سرًّا فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ
مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا *
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [ سورة مريم: 4- 6 ] ، وقوله: ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ
لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) وقال: رَبِّ لا تَذَرْنِي
فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [ سورة الأنبياء: 89 ] .
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فلما رأى ذلك زكريا - يعني فاكهة الصيف في
الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف - عند مريم قال: إنّ الذي يأتي بهذا مريمَ في غير
زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال الله عز وجل: « هنالك دعا زكريا ربه » ، قال: فذلك حين دعا.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: فدخل
المحرابَ وغلَّق الأبوابَ، وناجى ربه فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا إلى قوله: رَبِّ رَضِيًّا فَنَادَتْهُ
الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ الآية.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم قال: فدعا زكريا
عند ذلك بعد ما أسنّ ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته فقال: « ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة
إنك سميع الدعاء » ، ثم
شكا إلى ربه فقال: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا إلى وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ
يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ الآية.
وأما
قوله: « ربّ هب
لي من لدنك ذرية طيبة » ، فإنه
يعني بـ « الذرية
» النسل،
وبـ « الطيبة
»
المباركة، كما:-
حدثني
موسى قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « قال رَبّ هب لي من لدنك ذرية
طيبة » ، يقول:
مباركة.
وأما
قوله: « من
لدنك » ، فإنه
يعني: من عندك.
وأما « الذرية » ، فإنها جمع، وقد تكون في معنى
الواحد، وهي في هذا الموضع الواحد. وذلك أنّ الله عز وجل قال في موضع آخر، مخبرًا
عن دعاء زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [ سورة مريم: 5 ] ، ولم يقل: أولياء - فدلّ على
أنه سأل واحدًا. وإنما أنث « طيبة » ، لتأنيث الذرّية، كما قال
الشاعر:
أَبُــوكَ
خَلِيفَــةٌ وَلَدَتْــهُ أُخْــرَى وَأَنْـــتَ خَلِيفَـــةٌ, ذَاكَ الكَمَــالُ
فقال: « ولدته أخرى » ، فأنَّث، وهو ذَكر، لتأنيث
لفظ «
الخليفة » ، كما
قال الآخر:
فَمَــا
تَْــزدَرِي مِـنْ حَيَّـةٍ جَبَلِيَّـةٍ سُـكَاتٍ, إذَا مَـا عَـضَّ لَيْسَ
بِـأَدْرَدَا
فأنث « الجبلية » لتأنيث لفظ « الحية » ، ثم رجع إلى المعنى فقال: « إذا مَا عَضّ » ، لأنه كان أراد حَية ذكرًا،
وإنما يجوز هذا فيما لم يقع عليه « فلانٌ
» من
الأسماء، كـ «
الدابة، والذرية، والخليفة » . فأما
إذا سُمّي رجل بشيء من ذلك، فكان في معنى « فلان » ، لم
يجز تأنيثُ فعله ولا نعته.
وأما
قوله: « إنك
سميع الدعاء » ، فإن
معناه: إنك سامع الدعاء، غير أنّ « سميع » ، أمدَحُ، وهو بمعنى: ذو سمع
له.
وقد زعم
بعض نحويي البصرة أن معناه: إنك تَسمعَ ما تُدْعى به.
قال أبو
جعفر: فتأويل الآية، فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال: رب هب لي من عندك ولدًا
مباركًا، إنك ذو سَمعٍ دُعاءَ من دَعاك.
القول
في تأويل قوله : فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
قال أبو
جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته
عامة قرأة أهل المدينة وبعضُ أهل الكوفة والبصرة: « فنادته الملائكة » على التأنيث بالتاء، يراد بها: جمع « الملائكة » . وكذلك تفعل العرب في جماعة
الذّكور إذا تقدّمت أفعالها، أنَّثت أفعالها، ولا سيما الأسماء التي في ألفاظها
التأنيث، كقولهم: جاءَت الطَّلحات « . »
وقد قرأ
ذلك جماعة من أهل الكوفة بالياء، بمعنى فناداه جبريل، فذكروه للتأويل، كما قد
ذكرنا آنفًا أنهم يُؤنثون فعل الذّكر للفظ، فكذلك يذكِّرون فعلَ المؤنث أيضًا
للفظ. واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءةٍ يذكر أنها قراءَةُ عبد الله بن مسعود، وهو
ما:-
حدثني به
المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، أنّ قراءة
ابن مسعود: (
فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) .
وكذلك
تأوّل قوله: « فنادته
الملائكة » جماعةٌ
من أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « فنادته الملائكة » ، وهو جبريل أو: قالت
الملائكة، وهو جبريل « أنّ
الله يُبشرك بيَحيى » .
قال أبو
جعفر: فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل: « فنادته الملائكة » ، و « الملائكة » جمع لا واحد؟ قيل: ذلك جائز في
كلام العرب، بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام: « خرج فلان على بغال البُرُد » ، وإنما ركب بغلا واحدًا « وركب السفن » ، وإنما ركب سفينةً واحدة.
وكما يقال: « ممن
سمعتَ هذا الخبر » ؟
فيقال: « من
الناس » ، وإنما
سمعه من رجل واحد. وقد قيل إنّ منه قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [
سورة آل عمران: 173 ] ،
والقائلُ كانَ فيما كان ذُكر - واحدًا وقوله: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ [ سورة الروم: 33 ] ، والناس بمعنى واحد. وذلك
جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد.
قال أبو
جعفر: وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك، أنهما قراءتان معروفتان أعني « التاء » و « الياء » فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وذلك أنه لا اختلافَ في معنى ذلك باختلاف القراءتين، وهما جميعًا فصيحتان عند
العرب، وذلك أنّ «
الملائكة » إن كان
مرادًا بها جبريل، كما روى عن عبد الله، فإن التأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب
للفظها، إن تقدمها الفعل. وجائز فيه التذكير لمعناها.
وإن كان
مرادًا بها جمع «
الملائكة » ، فجائز
في فعلها التأنيث، وهو من قَبلها، للفظها. وذلك أن العرب إذا قدّمت على الكثير من
الجماعة فعلها، أنثته، فقالت: « قالت
النساء » . وجائز
التذكير في فعلها، بناءً على الواحد، إذا تقدم فعله، فيقال: « قال الرجال » .
وأما
الصّواب من القول في تأويله، فأنْ يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنّ الملائكة
نادته. والظاهرُ من ذلك، أنها جماعة من الملائكة دون الواحد، وجبريلُ واحد.
ولا يجوز
أن يحمل تأويل القرآن إلا على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب،
دون الأقل ما وُجِد إلى ذلك سبيل. ولم تَضطَّرنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنه بمعنى
واحد، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
وبما
قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل العلم، منهم: قتادة، والربيع بن أنس،
وعكرمة، ومجاهد، وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مَضَى.
القول
في تأويل قوله : وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي
الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى
قال أبو
جعفر: وتأويل قوله: « وهو
قائم: » فنادته
الملائكة في حال قيامه مصلِّيًا. فقوله: « وهو قائم » ، خبر
عن وقت نداء الملائكة زكريا.
وقوله: « يُصَلي » في موضع نصب على الحال من « القيام » ، وهو رفع بالياء.
وأما « المحراب » ، فقد بينا معناه، وأنه مقدّم
المسجد.
واختلفت
القرأة في قراءة قوله: « أنّ
اللهَ يبشرك » .
فقرأته
عامة القرأة: ( أَنَّ
اللَّهَ ) بفتح « الألف » من « أن » ، بوقوع « النداء » عليها، بمعنى: فنادته الملائكة
بذلك.
وقرأه
بعض قرأة أهل الكوفة: ( إِنَّ
اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) بكسر « الألف » ، بمعنى: قالت الملائكة: إنّ
الله يبشرك، لأن النداء قولٌ. وذكروا أنها في قراءة عبد الله: ( فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ يَا زَكَرِيَّا إِنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ ) قالوا:
وإذا بطل النداء أن يكون عاملا في قوله: « يا زكريا » ،
فباطلٌ أيضًا أن يكون عاملا في « إن » .
والصواب
من القراءة في ذلك عندنا: « أنّ
الله يبشرك » بفتح « أن » بوقوع النداء عليه، بمعنى:
فنادته الملائكة بذلك.
وليست
العلة التي اعتلّ بها القارئون بكسر « إن » منْ أنّ
عبد الله كان يقرؤها كذلك، فقرءوها كذلك [ لهم بعلة ] وذلك أن عبد الله إنْ كان قرأ ذلك كذلك، فإنما قرأها
بزعمهم، وقد اعترض بنداء زكريا بين « إن » وبين
قوله: فَنَادَتْهُ ، وإذا اعترض به بينهما، فإن العرَب تعمل حينئذ النداء في « أنّ » ، وتبطله عنها. أما الإبطال،
فلأنه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه في بطول عمله. وأما
الإعمال، فلأن النداء فعل واقعٌ كسائر الأفعال.
وأما
قراءتنا، فليس نداء زكريا ب « يا
زكريا » معترضًا
به بين « أن » وبين قوله: فَنَادَتْهُ . وإذا
لم يكن ذلك بينهما، فالكلامُ الفصيح من كلام العرب إذا نصبتْ بقوْلِ: « ناديت » اسمَ المنادَى وأوقعوه عليه،
أن يوقعوه كذلك على « أنّ » بعده. وإن كان جائزًا إبطالُ
عمله، فقوله: « نادته
» ، قد
وَقع على مكنيّ « زكريا
» ، فكذلك
الصواب أن يكون واقعًا على « أن » وعاملا فيها.
مع أنّ
ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام. ولا يُعترض بالشاذّ على الجماعة
التي تجيء مجيءَ الحجة.
وأما
قوله: « يبشرك
» ، فإن
القرأة اختلفت في قراءته.
فقرأته
عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: ( أَنَّ
اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) بتشديد
« الشين
» وضم « الياء » ، على وجه تبشير الله زكريا
بالولد، من قول الناس: «
بشَّرتْ فلانًا البُشَراء بكذا وكذا » ، أي: أتته بشارات البُشراء بذلك.
وقرأ ذلك
جماعة من قرأة الكوفة وغيرهم: ( أَنَّ
اللَّهَ يَبْشُرُكَ ) ، بفتح
« الياء
» وضم « الشين » وتخفيفها، بمعنى: أن الله
يَسرّك بولد يَهَبُه لك، من قول الشاعر:
بَشَـرْتُ
عِيَـالِي إِذْ رَأَيْـتُ صَحِيفَـةً أَتَتْــكَ مِـنَ الحَجَّـاجُ يُتْـلَى
كِتَابُهَـا
وقد قيل:
إن « بشَرت
» لغة
أهلِ تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم يقولون: « بشَرتُ فلانًا بكذا، فأنا
أبشُرُه بَشْرًا » ، و « هل أنتَ باشرٌ بكذا » ؟ وينشد لهم البيت في ذلك:
وَإذَا
رَأَيْــتَ البَاهِشِـينَ إلَـى العُـلَى غُــبْرًا أَكُــفُّهُمُ بِقَــاعٍ
مُمْحِــلِ
فَـأَعِنْهُمُ,
وَابْشَـرْ بِمَـا بَشِـرُوا بِـهِ, وَإذَا هُــمُ نَزَلُــوا بِضَنْـكٍ
فَـانْزِلِ
فإذا
صاروا إلى الأمر، فالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف فيقال: « ابشَرْ فلانًا بكذا » ، ولا يكادون يقولون: « بشِّره بكذا، ولا أبشِره » .
وقد روي
عن حميد بن قيس أنه كان يقرأ: ( يبشرك
) ، بضم « الياء » وكسر « الشين » وتخفيفها. وقد:-
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن معاذ الكوفيّ قال:
من قرأ: (
يُبَشِّرُهُمْ ) مثقلة،
فإنه من البشارة، ومن قرأ: (
يَبْشُرُهُمْ ) ،
مخففة، بنصب « الياء
» ، فإنه
من السرور، يسرُّهم.
قال أبو
جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا في ذلك، ضم « الياء » وتشديد « الشين » ، بمعنى التبشير. لأن ذلك هي
اللغة السائرةُ والكلامُ المستفيض المعروف في الناس، مع أن جميع قرأة الأمصار
مجمعون في قراءة: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [ سورة الحجر: 54 ] ، على التشديد. والصواب في سائر ما في القرآن من نظائره،
أنْ يكون مثله في التشديد وضم « الياء
» .
وأما ما
روي عن معاذ الكوفي من الفرق بين معنى التخفيف والتشديد في ذلك، فلم نجدْ أهل
العلم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لما حُكي من ذلك عنه، وقد قال
جرير بن عطية:
يَــا
بِشْـرُ حُـقَّ لِوَجْـهِكَ التَّبْشِـيرُ هَـلا غَضِبْـتَ لَنَـا? وَأَنْـتَ
أَمِـيرُ!
فقد علم
أنه أراد بقوله «
التبشير » ،
الجمال والنضارة والسرور، فقال «
التبشير » ولم يقل
« البشر
» ، فقد
بيَّن ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحدٌ.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « إن الله يبشرك بيحيى » ، قال: بشرته الملائكة بذلك.
وأما
قوله: « بيحيى
» ، فإنه
اسم، أصله « يفعل » ، من قول القائل: « حيي فلانٌ فهو يحيَى » ، وذلك إذا عاش. « فيحيى » « يفعل » من قولهم « حيي » .
وقيل: إن
الله جل ثناؤه سماه بذلك، لأنه يتأوّل اسمه: أحياه بالإيمان.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « أنّ الله يبشرُك بيحيى » ، يقول: عبدٌ أحياه الله بالإيمان.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة
قوله: « إنّ
الله يبشرك بيحيى » ، قال:
إنما سمي يحيى، لأن الله أحياه بالإيمان.
القول
في تأويل قوله : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ
اللَّهِ
قال أبو جعفر:
يعني بذلك جل ثناؤه: أن الله يبشرك يا زكريا بيحيى ابنًا لك، « مصدّقًا بكلمة من الله » ، يعني: بعيسى ابن مريم.
ونصب
قوله: « مصدقًا
» على
القطع من « يحيى » ، لأنّ « مصدقًا » نعتٌ له، وهو نكرة، و « يحيى » غير نكرة.
وبنحو ما
قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن
عربيّ، عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: إني أجد الذي في بطني يتحرّك للذي
في بطنك! قال: فوضعت امرأةُ زكريا يحيى، ومريمُ عيسى، ولذا قال: « مصدِّقًا بكلمة من الله » ، قال: يحيى مصدّق بعيسى.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الرقاشي
في قول الله: « يبشرك
بيحيى مصدّقًا بكلمة من الله » ، قال:
مصدّقًا بعيسى ابن مريم.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: « مصدقًا بكلمة من الله » ، قال: مصدقًا بعيسى.
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « مصدقًا بكلمة من الله » ، يقول: مصدّقًا بعيسى ابن مريم، وعلى سُنَّته ومنهاجه.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « مصدقًا بكلمة من الله » ، يعني: عيسى ابن مريم.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة: « مصدقًا بكلمة من الله » ، يقول: مصدقًا بعيسى ابن
مريم، يقول على سننه ومنهاجه.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « مصدقًا بكلمة من الله » ، قال: كان أوّلَ رجل صدَّق
عيسى، وهو كلمة من الله ورُوحٌ.
حدثني موسى
قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « مصدقًا بكلمة من الله » ، يصدق بعيسى.
حدثت عن
الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في
قوله: « إنّ
الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله » ، كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهدَ أنه كلمة من الله، وكان
يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.
حدثنا
ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس قوله: « مصدقًا بكلمة من الله » ، قال: عيسى ابن مريم، هو
الكلمة من الله، اسمه المسيح.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله:
« مصدقًا
بكلمة من الله » ، قال:
كان عيسى ويحيى ابنَيْ خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني
يسجدُ للذي في بطنك! فذلك تصديقه بعيسى: سُجوده في بطن أمه. وهو أول من صدق بعيسى
وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى.
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
« أن
الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله » ، قال: الكلمة التي صدق بها: عيسى.
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لقيت أمّ يحيى أمّ عيسى،
وهذه حامل بيحيى، وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، استشعرتُ أنِّي
حبلى! قالت مريم: استشعرت أني أيضًا حبلى! قالت امرأة زكريا: فإني وجدتُ ما في
بطني يسجُد لما في بطنك! فذلك قوله: « مصدّقًا بكلمة من الله » .
حدثني
محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قول الله: « أنّ الله يبشرك بيحيى مصدقًا
بكلمة من الله » ، قال:
مصدّقًا بعيسى ابن مريم.
قال أبو
جعفر: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة، أنّ معنى قوله: « مصدقًا بكلمة من الله » ، بكتاب من الله، من قول العرب:
« أنشدني
فلانٌ كلمة كذا » ، يراد
به: قصيدة كذا جهلا منه بتأويل « الكلمة
» ،
واجتراءً على تَرجمة القرآن برأيه.
القول
في تأويل قوله : وَسَيِّدًا
قال أبو
جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « وسيدًا
» ،
وشريفًا في العلم والعبادة.
ونصب « السيد » عطفًا على قوله: مُصَدِّقًا .
وتأويل
الكلام: أن الله يبشرك بيحيى مصدّقًا بهذا، وسيدًا.
« والسيد
» « الفيعل » من قول القائل: « سادَ يسود » ، كما:-
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وسيدًا » إي
والله، لسيدٌ في العبادة والحلم والعلِم والوَرَع.
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: « وسيدًا » ، قال: السيدُ، لا أعلمه إلا
قال: في العلم والعبادة.
حدثت عن
عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة قال: السيد الحليم.
حدثنا
ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، « وسيدًا » ، قال: الحليم.
حدثني
المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: « وسيدًا » ، قال: السيد التقيُّ.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول
الله عز وجل: « وسيدا
» ، قال:
السيد الكريم على الله.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرّقاشي أنّ السيد، الكريم
على الله.
حدثني
المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قول الله
عز وجل: « وسيدًا
» ، قال:
السيد الحليم التقي.
حدثت عن
الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في
قوله: « وسيدًا
» ، قال:
يقول: تقيًّا حليما.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان في قوله: « وسيدًا » ، قال: حليما تقيًّا.
حدثني
يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: « وسيدًا » ، قال:
السيد: الشريف.
حدثني
سعيد بن عمرو السكوني قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب في قول الله عز وجل: « وسيدًا » ، قال:
السيد الفقيه العالم.
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
« وسيدًا
» ، قال،
يقول: حليما تقيًّا.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة: « وسيدًا » ، قال: السيد الذي لا يغلبُه
الغضب.
القول
في تأويل قوله : وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ
الصَّالِحِينَ ( 39 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النساء، من قول القائل: « حَصِرْتُ من كذا أحْصَر » ، إذا امتنع منه. ومنه قولهم: « حَصِرَ فلان في قراءته » ، إذا امتنع من القراءة فلم
يقدر عليها. وكذلك « حَصْرُ
العدوّ » ،
حَبْسهم الناسَ ومنعهم إياهم التصرف، ولذلك قيل للذي لا يُخرج مع ندمائه شيئًا، « حَصُور » ، كما قال الأخطل:
وَشَــارِبٍ
مُـرْبِحٍ بِالكَـأْسِ نَـادَمَنِي لا بِــالَحصُورِ وَلا فِيهَــا بِسَــوَّارِ
ويروى: « بسآر » . ويقال أيضًا للذي لا يخرج
سره ويكتمه « حصور » ، لأنه يمنع سره أن يظهر، كما
قال جرير:
وَلَقَـدْ
تَسَـاقَطَنِي الوُشَـاةُ, فَصَـادَفُوا حَــصِرًا بِسِـرِّكِ يَـا أُمَيْـمَ
ضَنِينَـا
وأصل
جميع ذلك واحد، وهو المنع والحبس.
وبمثل
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا أبو
كريب قال، حدثنا ابن خلف قال، حدثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله في
قوله: « وسيدًا
وحصورًا » ، قال:
الحصور، الذي لا يأتي النساء.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه
قال: حدثني ابن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل بني آدم
يأتي يوم القيامة وله ذنبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا. قال: ثم دلَّى رسول الله
صلى الله عليه وسلم يدَه إلى الأرض، فأخذ عُوَيْدًا صغيرًا، ثم قال: وذلك أنه لم
يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، وبذلك سماه الله « سيدًا وحصُورًا » .
حدثني
يونس قال، أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى بن سعيد قال، سمعت سعيد بن المسيب يقول:
ليس أحدٌ إلا يلقى الله يوم القيامة ذا ذَنْبٌ إلا يحيى بن زكريا، كان حصورًا، معه
مثل الهُدْبة.
حدثنا
أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا عمر بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن العاص - إما عبد الله، وإما أبوه - : ما أحد يلقى
الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيى بن زكريا. قال وقال سعيد بن المسيب: « وسيدًا وحصورًا » ، قال: الحصور، الذي لا يغشى
النساء، ولم يكن ما معه إلا مثل هُدْبة الثوب.
حدثني
سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيد،
عن سعيد بن المسيب في قوله: «
وحصورًا » قال:
الحصور الذي لا يشتهي النساء. ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه
إلا مثل هذه.
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جبير قال: الحصور، الذي لا يأتي النساء.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد مثله.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد مثله.
حدثني عبد
الرحمن بن الأسود قال، حدثنا محمد بن ربيعة قال، حدثنا النضر بن عربي، عن مجاهد: « وحصورًا » ، قال: الذي لا يأتي النساء.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:
الحصور: لا يقرَبُ النساء.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال: زعم الرقاشي: « الحصور » الذي لا يقرب النساء.
حدثني
المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: « الحصور » ، الذي لا يولد له، وليس له
ماء.
حدثت عن
الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك
يقول في قوله: «
وحصورًا » ، قال:
هو الذي لا ماء له.
حدثنا
بشر قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: « وحصورًا » ، كنا
نُحدّث أن الحصور الذي لا يقرب النساء.
حدثنا
ابن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: « وسيدًا وحصورًا » ، قال: الحصور الذي لا يأتي
النساء.
حدثت عن
عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة مثله.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا
ينـزل الماء.
حدثني
يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد: « وحصورًا » ، قال:
الحصور الذي لا يأتي النساء.
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « وحصورًا » ، قال: الحصور، الذي لا يريد
النساء.
حدثني محمد
بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: « وحصورًا » ، قال: لا يقرب النساء.
وأمّا
قوله: «
ونبيًّا من الصالحين » فإنه
يعني: رسولا لربه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلِّغهم عنه
ما أرسله به إليهم.
ويعني
بقوله: « من الصّالحين
» ، من
أنبيائه الصالحين.
وقد
دللنا فيما مضى على معنى «
النبوّة » وما
أصلها، بشواهد ذلك والأدلة الدالة على الصحيح من القول فيه، بما أغنى عن إعادته.
القول
في تأويل قوله : قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ
لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ
قال أبو
جعفر: يعني أنّ زكريا قال إذ نادته الملائكة: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى
مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ
الصَّالِحِينَ « أنى
يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر » ؟ يعني:
مَنْ بلغ من السن ما بلغتُ لم يولد لهُ « وامرأتي عاقر » .
«
والعاقر » من
النساء التي لا تلد. يقال منه: « امرأة
عاقر، ورجلٌ عاقرٌ » ، كما
قال عامر بن الطفيل:
لَبِئْـسَ
الفَتَـى! إنْ كُـنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًـا, فَمَـا عُذْرِي لَدَى كُلِّ
مَحْضَرِ!!
وأما « الكبر » فمصدر: « كبِرَ فهو يَكبَرُ كِبَرا » .
وقيل: « بلغني الكبر » ، وقد قال في موضع آخر: وَقَدْ
بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ [
سورة مريم: 8 ] ، لأن
ما بلغك فقد بلغته. وإنما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: « قد بلغني الجهد » بمعنى: أني في جهد.
فإن قال
قائل: وكيف قال زكريا وهو نبيّ الله: « ربّ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر » ، وقد بشرته الملائكة بما
بشرته به عن أمر الله إياها به؟ أشكّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يوصفَ به أهل
الإيمان بالله! فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرة ربه؟
فذلك أعظم في البلية!
قيل: كان
ذلك منه صلى الله عليه وسلم على غير ما ظننتَ، بل كان قِيله ما قال من ذلك، كما:-
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما سمع النداء - يعني زكريا،
لما سمع نداء الملائكة بالبشارة بيحيى - جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت
الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان يسخرُ بك! ولو كان من الله أوحاه
إليك كما يُوحى إليك في غيره من الأمر! فشكّ مَكانه، وقال: « أنَّي يكون لي غلام » ، ذكرٌ؟ يقول: من أين؟ « وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر
» .
حدثنا القاسم
قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة قال: فأتاه الشيطان
فأراد أن يكدّر عليه نعمةَ ربه فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم! نادتني ملائكةُ
ربي! قال: بل ذلك الشيطان! لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك! فقال:
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً .
فكان
قولهُ ما قال من ذلك، ومراجعته ربَّه فيما راجع فيه بقوله: « أنى يكون لي غلام » ، للوسوسة التي خالطتْ قلبه من
الشيطان حتى خيَّلت إليه أنّ النداء الذي سمعه كان نداءً من غير الملائكة، فقال: « رب أنَّى يكون لي غلام » ، مستثبتًا في أمره، ليتقرّر عنده
بآية يريها الله في ذلك - أنه بشارة من الله على ألسن ملائكته، ولذلك قال: « رب اجعل لي آية » .
وقد يجوز
أن يكون قيله ذلك، مسألةً منه ربَّه: من أيّ وجه يكون الولدُ الذي بُشر به؟ أمن
زوجته؟ فهي عاقر - أم من غيرها من النساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الذي قاله
عكرمة والسدي ومن قال مثلَ قولهما.
القول
في تأويل قوله : قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ
يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ( 40 )
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « كذلك
الله » ، أي هو
ما وصفَ به نفسه أنه هيِّنٌ عليه أن يخلق ولدًا من الكبير الذي قد يَئس من الولد،
ومن العاقر التي لا يُرْجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريا من قبل خلْق
الولدِ منك ولم تك شيئًا، لأنه الله الذي لا يتعذر عليه خلق شيء أراده، ولا يمتنع
عليه فعل شيء شاءَه، لأن قدرَته القدرةُ التي لا تُشبهها قدرة، كما:-
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: « كذلك الله يفعل ما يشاء » ، وقد خلقتك من قبل ولم تكُ
شيئًا.
القول
في تأويل قوله : قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي
آيَةً
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، خبرًا عن زكريا، قال زكريا: ربّ إن كان هذا النداء الذي
نُوديتُه، والصوتُ الذي سمعته، صوتَ ملائكتك وبشارةً منك لي، فاجعل لي آية يقول:
علامةً أن ذلك كذلك، ليزول عنِّي ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أنّ
ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك، كما:-
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: « رب اجعل لي آية » ، قال: قال - يعني زكريا - :
يا ربّ، فإن كان هذا الصوت منكَ، فاجعل لي آيةً.
وقد
دللنا فيما مضى على معنى « الآية
» ، وأنها
العلامة، بما أغنى عن إعادته.
وقد
اختلف أهل العربية في سبب ترك العرب همْزها، ومن شأنها همزُ كل « ياء » جاءت بعد « ألف » ساكنة.
فقال
بعضهم: ترك همزها، لأنها كانت « أيَّة
» ، فثقُل
عليهم التشديد، فأبدلوه « ألفًا
» لانفتاح
ما قبل التشديد كما قالوا: « أيْما
فلانٌ فأخزاه الله » .
وقال
آخرون منهم: بل هي « فاعلة
» منقوصة.
فسئلوا
فقيل لهم: فما بال العرب تصغرها «
أيَيَّة » ، ولم
يقولوا «
أوَيَّة » .
فقالوا: قيل ذلك، كما قيل في « فاطمة
» ، « هذه فُطيمة » . فقيل لهم: فإنهم إنما يصغرون
« فاعلة
» ، على « فعيلة » ، إذا كان اسمًا في معنى فلان
وفلانة، فأما في غير ذلك فليس من تصغيرهم « فاعلة » على « فعيلة » .
وقال
آخرون: إنه « فَعْلة
» صيرت
ياؤها الأولى « ألفا » ، كما فعل بـ « حاجة، وقامة » .
فقيل
لهم: إنما تفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة.
وقال من
أنكر ذلك من قِيلهم: لو كان كما قالوا: لقيل في « نواة » ناية،
وفي « حَياة
» حَاية.
القول
في تأويل قوله : قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا
قال أبو
جعفر: فعاقبه الله - فيما ذكر لنا - بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه
بالبشارة، فجعل آيته على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة بيحيى أنه من عند
الله آية من نفسه، جمعَ تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربَّه على ما يبيِّن له
حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصًا له من هفوته، وخطإ قِيله ومسألته.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: « رب اجعل لي آية قال آيتك ألا
تكلم الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا » ، إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك،
فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه. فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا
يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: « آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ
أيام إلا رمزًا » .
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: أَنَّ
اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا ، قال: شافهته الملائكة، فقال: « رب اجعل لي آية قال آيتك ألا
تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقب بها، إذ سأل الآيةَ
مع مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع في
قوله: « رب
اجعل لي آية، قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، قال: ذكر لنا، والله أعلم،
أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ
بلسانه.
حدثت عن
عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ذكر لنا،
والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته فبشرته بيحيى، قالت: أَنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ، فسأل بعد كلام الملائكة إياه الآية، فأخِذ عليه لسانه،
فجعل لا يقدر على الكلام إلا رمزًا - يقول: يومئ إيماءً.
حدثني
أبو عبيد الوَصّابي قال، حدثنا محمد بن حمير قال، حدثنا صفوان بن عمرو، عن جُبير
بن نُفير في قوله: « قال رب
اجعل لي آيةً قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، قال: ربَا لسانه في فيه حتى
ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ.
قال أبو
جعفر: وإنما اختارت القرأةُ النصبَ في قوله: « ألا تكلم الناس » ، لأن معنى الكلام: قال آيتك أن لا تكلمَ الناسَ فيما
يستقبلُ ثَلاثة أيام فكانت « أن » هي التي تصحب الاستقبال، دون
التي تصحب الأسماء فتنصبها. ولو كان المعنى فيه: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة
أيام أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيام كان وجه الكلام الرفع. لأن « أن » كانت تكون حينئذ بمعنى الثقيلة
خففت. ولكن لم يكن ذلك جائزًا، لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر.
وأما « الرّمز » ، فإنّ الأغلب من معانيه عند
العرب: الإيماءُ بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا،
وذلك غير كثير فيهم. وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثلُ الهمس بخفض الصّوت: « الرمز » ، ومنه قول جُؤيّة بن عائذ:
وَكَــانَ
تَكَــلُّمُ الأبْطَــالِ رَمْــزًا وَهَمْهَمَــةً لَهُــمْ مِثْــلَ الهَدِيــرِ
يقال
منه: « رَمز
فلان فهو يَرْمِزُ ويرمُز رَمزًا ويترمَّزُ ترمُّزًا » ، ويقال: « ضربه ضربةً فارتمز منها » ، أي اضطرب للموت، قال الشاعر:
خَرَرْتُ
مِنْهَا لِقِفَايَ أَرْتَمِزْ
وقد
اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله عز وجل به في إخباره عن زكريا من قوله:
« آيتك
ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، وأيّ معاني « الرمز » عني
بذلك؟
فقال
بعضهم: عني بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غير
أن ترمز بلسانك الكلام.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله: « إلا رمزًا » ، قال: تحريك الشفتين.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، قال: إيماؤه بشفتيه.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
وقال
آخرون: بل عنى الله بذلك: الإيماء والإشارة.
ذكر من
قال ذلك:
حدثنا
ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: « إلا رمزًا » ، قال: الإشارة.
حدثت عن
الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك
يقول في قوله: « إلا
رمزًا » ، قال:
الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم.
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:
« إلا
رمزًا » ، قال:
الرمزُ: أنْ أخِذ بلسانه، فجعل يكلم الناس بيده.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: « إلا رمزًا » ، قال: والرمز الإشارة.
حدثني
يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « رب اجعل لي آية قال آيتك ألا
تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، الآية، قال: جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا
رمزًا، إلا أنه يذكر الله. والرّمز: الإشارة، يشير إليهم.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: « إلا رمزًا » ، إلا إيماءً.
حدثنا عن
عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « إلا رمزًا » ، يقول: إشارة.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن
كثير: « إلا
رمزًا » ، إلا
إشارة.
حدثني
محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: « قال آيتك ألا تكلم الناس
ثلاثة أيام إلا رمزًا » ، قال:
أمسكَ بلسانه، فجعل يومئ بيده إلى قومه: أنْ سبِّحوا بُكرة وعشيًّا.
القول
في تأويل قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ( 41 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا، آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ
النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا ، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض، « واذكر ربك كثيرًا » ، فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا
يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره، وقد:-
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: لو
كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: « آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة
أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا » ، أيضًا.
وأما
قوله: « وسبح
بالعشي » ، فإنه
يعني: عَظِّم ربك بعبادته بالعشي.
و « العَشيّ » من حين تزُول الشمس إلى أن
تغيب، كما قال الشاعر:
فَـلا
الظِّـلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ, وَ لا الفَـيْءَ مِـنْ بَـرْدِ
العَشِـيِّ تَذُوقُ
فالفيء،
إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها.
وأما « الإبكار » فإنه مصدر من قول القائل: « أبكر فلان في حاجة فهو
يُبْكِر إبكارًا » ، وذلك
إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى، فذلك « إبكار » . يقال فيه: « أبكر فلان » و « بكر يَبكُر بُكورًا » . فمن « الإبكار » ، قول عمر بن أبي ربيعة:
أَمِنْ
آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ
ومن « البكور » قول جرير:
أَلا
بَكَــرَتْ سَـلْمَى فَجَـدَّ بُكُورُهَـا وَشَـقَّ العَصَـا بَعْـدَ اجْتِمَـاعٍ
أَمِيرُهَا
ويقال من
ذلك: « بكر
النخلُ يَبْكُر بُكورًا وأبكر يُبكر إبكارًا » ، و « الباكور
» من
الفواكه: أوّلها إدراكًا.
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « وسبِّح بالعشيّ والإبكار » ، قال: الإبكار أوّل الفجر،
والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
القول
في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ
الْعَالَمِينَ ( 42 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ
عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ، « وإذ قالت الملائكة يا مريمُ
إن الله اصطفاك . »
ومعنى
قوله: « اصطفاك
» ،
اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته.
وقوله: « وطهَّرك » ، يعني: طهَّر دينك من الرّيب
والأدناس التي في أديان نساء بني آدم
«
واصطفاك على نساء العالمين » ، يعني:
اختارك على نساء العالمين في زمانك، بطاعتك إياه، ففضَّلك عليهم، كما روى عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة بنت خويلد
» يعني
بقوله: « خير
نسائها » ، خير
نساء أهل الجنة.
حدثني
بذلك الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا محاضر بن المورّع قال، حدثنا هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة.
حدثني
يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن هشام بن
عروة، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة خديجة بنت خويلد.
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وإذ قالت الملائكة يا مريم
إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين » ، ذكر لنا أن نبي الله صلى
الله عليه وسلم كان يقول: حسبك بمريم بنت عمران، وامرأة فرعون وخديجة بنت خويلد
وفاطمة بنت محمد، من نساء العالمين قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه
وسلم كان يقول: « خيرُ
نساء ركبن الإبل صوالحُ نساء قريش، أحناهُ على ولد في صغره، وأرعاهُ على زوج في
ذات يده » قال
قتادة: وذكر لنا أنهُ كان يقول: « لو علمت
أنّ مريم ركبت الإبل، ما فضّلت عليها أحدًا » .
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: « يا مريم إنّ الله اصطفاك
وطهرك واصطفاك على نساء العالمين » ، قال: كان أبو هريرة يحدث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
قال: خيرُ نساء ركبن الإبل صُلحُ نساء قُرْيش، أحناه على ولد، وأرعاه لزوج في ذات
يده قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيرًا قط.
حدثت عن
عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: « وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك
على نساء العالمين » ، قال:
كان ثابت البناني يحدث، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير
نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد.
حدثني
المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا عمرو بن مرة قال،
سمعت مرة الهمداني يحدث، عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: كمل من الرّجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون،
وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو الأسود المصري قال، حدثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن
محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أن فاطمة بنت حسين بن علي حدثته: أن فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وأنا
عند عائشة، فناجاني، فبكيتُ، ثم ناجاني فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد
عَجلْتِ! أخبرُك بسرّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم!! فتركتني. فلما تُوفي رسول
الله صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة فقالت: نعم، ناجاني فقال: جبريلُ كان يعارضُ
القرآنَ كلّ عام مرة، وإنه قد عارضَ القرآنَ مرّتين؛ وإنه ليس من نبيّ إلا عُمِّر
نصف عُمر الذي كان قبله، وإن عيسى أخي كان عُمْره عشرين ومئة سنة، وهذه لي ستون،
وأحسبني ميتًا في عامي هذا، وإنه لم تُرْزأ امرأةٌ من نساء العالمين بمثل ما
رُزئتِ، ولا تكوني دون امرأة صبرًا! قالت: فبكيتُ، ثم قال: أنت سيدة نساء أهل
الجنة إلا مريم البتول. فتوفي عامه ذلك.
حدثني المثنى
قال حدثنا أبو الأسود قال، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن الحارث، أن أبا زياد
الحميريّ حدثه، أنه سمع عمار بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فُضّلت خديجةُ على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين.
وبمثل
الذي قلنا في معنى قوله: « وطهرك
» ، أنه:
وطهَّر دِينك من الدّنس والرّيب، قاله مجاهد.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول
الله: « إن
الله اصطفاك وطهرك » ، قال:
جعلك طيبةً إيمانًا.
حدثني المثنى
قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح: « واصطفاك على نساء العالمين » ، قال: ذلك للعالمين يومئذ.
وكانت
الملائكة - فيما ذكر ابن إسحاق - تقول ذلك لمريم شفاهًا.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: كانت مريم حبيسًا في الكنيسة،
ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا،
فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا
قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، فيملآن
قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلة على مريم: « يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك
واصطفاك على نساء العالمين » ، فإذا
سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا.
القول
في تأويل قوله : يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي
لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 )
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله - خبرًا عن قِيل ملائكته لمريم: « يا مريم اقنتي لربك » ، أخلصي الطاعة لربك وحده.
وقد
دللنا على معنى « القنوت
» ،
بشواهده فيما مضى قبل. والاختلافُ بين أهل التأويل فيه في هذا الموضع، نحو
اختلافهم فيه هنالك. وسنذكر قول بعضهم أيضًا في هذا الموضع.
فقال
بعضهم: معنى « اقنتي
» ، أطيلي
الرُّكود.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال: أطيلي الركود، يعني
القنوت.
حدثني
المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج « اقنتي لربك » ، قال قال مجاهد: أطيلي الركود
في الصّلاة يعني القنوت.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: لما
قيل لها: « يا
مريم اقنتي لربك » ، قامت
حتى وَرِم كعباها.
حدثنا
القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال:
لما قيل لها: « يا
مريم اقنتي لربك » ، قامت
حتى ورمت قدَماها.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن أبي
ليلى، عن مجاهد: « اقنتي
لربك » ، قال:
أطيلي الركود.
حدثت عن
عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال: القنوت: الركود. يقول:
قومي لربك في الصلاة. يقول: اركدي لربّك: أي انتصبي له في الصلاة « واسجدي واركعي مع الراكعين » .
حدثني
محمد بن سنان قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال: كانت تصلي حتى تَرِم
قدماها.
حدثني
ابن البرقي قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا الأوزاعي: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال: كانت تقوم حتى يَسيل القيح من قدميها.
وقال
أخرون: معناه: أخلصي لربك.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال: أخلصي لربك.
وقال
أخرون: معناه: أطيعي ربك.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « اقنتي لربك » ، قال: أطيعي ربك.
حدثني
موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: « اقنتي لربك » ، أطيعي ربك.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال حدثنا ابن لهيعة، عن درّاج،
عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل حرف يذكر
فيه القنوت من القرآن، فهو طاعة لله.
حدثني محمد
بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: « يا مريم اقنتي لربك » ، قال يقول: اعبدي ربك.
قال أبو
جعفر: وقد بينا أيضًا معنى «
الرّكوع » « والسجود » بالأدلة الدالة على صحته،
وأنهما بمعنى الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعُبُودة.
فتأويل
الآية، إذًا: يا مريم أخلصي عبادةَ ربك لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته مع من
خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتَّطهير من الأدناس،
والتفضيل على نساء عالم دَهرك.
القول
في تأويل قوله : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ
الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله ذلك: الأخبارَ التي أخبرَ بها عبادَه عن امرأة عمران
وابنتها مريم، وزكريا وابنه يحيى، وسائر ما قصَّ في الآيات من قوله: إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ، ثم جمعَ جميعَ ذلك تعالى ذكره بقوله: « ذلك » ، فقال: هذه الأنباء من « أنباء الغيب » ، أي: من أخبار الغيب.
ويعني ب « الغيب » ، أنها من خفيّ أخبار القوم
التي لم تطَّلع أنت، يا محمد، عليها ولا قومك، ولم يعلمها إلا قليلٌ من أحبار أهل
الكتابين ورهبانهم.
ثم أخبر
تعالى ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إليه، حجةً على نبوته،
وتحقيقًا لصدقه، وقطعًا منه به عذرَ منكري رسالته من كفار أهل الكتابين، الذين
يعلمون أنّ محمدًا لم يصل إلى علم هذه الأنباء مع خفائها، ولم يدرك معرفتها مع
خُمولها عند أهلها، إلا بإعلام الله ذلك إياه. إذ كان معلومًا عندهم أنّ محمدًا
صلى الله عليه وسلم أميٌّ لا يكتب فيقرأ الكتب، فيصل إلى علم ذلك من قِبَل الكتب،
ولا صاحبَ أهل الكتُب فيأخذ علمه من قِبَلهم.
وأما « الغيْب » فمصدر من قول القائل: « غاب فلان عن كذا فهو يَغيب
عنه غيْبًا وَغيبةً » .
وأما
قوله: « نُوحيه
إليك » ، فإن
تأويله: نُنَـزِّله إليك.
وأصل « الإيحاء » ، إلقاء الموحِي إلى الموحَى
إليه.
وذلك قد
يكون بكتاب وإشارة وإيماء، وبإلهام، وبرسالة، كما قال جل ثناؤه: وَأَوْحَى رَبُّكَ
إِلَى النَّحْلِ [
سورة النحل: 68 ] ،
بمعنى: ألقى ذلك إليها فألهمها، وكما قال: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
الْحَوَارِيِّينَ [
سورة المائدة: 111 ] ،
بمعنى: ألقيت إليهم علمَ ذلك إلهامًا، وكما قال الراجز:
*
أَوْحَى لَهَا القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ *
بمعنى
ألقى إليها ذلك أمرًا، وكما قال جل ثناؤه: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا
بُكْرَةً وَعَشِيًّا [
سورة مريم: 11 ] ،
بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماء. والأصل فيه ما وصفتُ، من إلقاء ذلك إليهم. وقد يكون
إلقاؤه ذلك إليهم إيماءً، ويكون بكتاب. ومن ذلك قوله: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ
لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ [ سورة الأنعام: 121 ] ، يلقون إليهم ذلك وسوسةً، وقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا
الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ سورة الأنعام: 19 ] ، ألقى إلي بمجيء جبريل عليه السلام به إليّ من عند الله عز
وجل.
وأما « الوحْي » ، فهو الواقع من الموحِي إلى
الموحَى إليه، ولذلك سمت العرب الخط والكتاب « وحيًا » ، لأنه
واقع فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعب بن زهير:
أَتَـى
العُجْـمَ والآفَـاقَ مِنْـهُ قَصَـائِدٌ بَقِيـنَ بَقَـاءَ الوَحْيِ فِي الحَجَرِ
الأصَمّ
يعني به:
الكتابَ الثابت في الحجر. وقد يقال في الكتاب خاصةً، إذا كتبه الكاتب: « وحَى » بغير ألف، ومنه قول رؤبة:
كَأَنَّـــهُ
بَعْــدَ رِيَــاحِ تَدْهَمُــهْ وَمُرْثَعِنَّـــاتِ الدُّجُـــونِ تَثِمُــهْ
إنْجِيلُ
أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ
القول
في تأويل قوله : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
قال أبو
جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وما
كنت لديهم » ، وما
كنت، يا محمد، عندهم فتعلم ما نعلِّمكه من أخبارهم التي لم تشهدها، ولكنك إنما
تعلم ذلك فتدركُ معرفته، بتعريفناكَهُ.
ومعنى
قوله: « لديهم
» ،
عندهم.
ومعنى
قوله: « إذ
يلقون » ، حينَ
يلقون أقلامهم.
وأما « أقلامهم » ، فسهامهم التي استهم بها
المتسهمون من بني إسرائيل على كفالة مريم، على ما قد بينا قبل في قوله:
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا .
وبنحو
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من
قال ذلك:
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة في قوله: « وما كنت لديهم » ، يعني محمدًا صلى الله عليه
وسلم.
حدثني
محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: « يلقون أقلامهم » ، زكريا وأصحابه، استهموا
بأقلامهم على مريم حين دخلتْ عليهم.
حدثني المثنى
قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
حدثنا
بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « وما كنت لديهم إذ يلقون
أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون » ، كانت مريم ابنة إمامهم
وسيّدهم، فتشاحّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا فيها بسهامهم أيُّهم يكفلها،
فقَرَعهم زكريا، وكان زوجَ أختها، « فكفَّلها زكريا » ، يقول: ضمها إليه.
حدثنا
الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: « يلقون أقلامهم » ، قال: تساهموا على مريم
أيُّهم يكفلها، فقرَعهم زكريا.
حدثني
محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس
قوله: « وما
كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم » ، وإنّ مريم لما وضعت في المسجد، اقترع عليها أهلُ المصلَّى
وهم يكتبون الوَحْى، فاقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفُلها، فقال الله عز وجل لمحمد
صلى الله عليه وسلم: « وما
كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لدَيهم إذْ يختصمون » .
حدثت عن
الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل
مريم » ،
اقترعوا بأقلامهم أيُّهم يكفل مريم، فقرَعهم زكريا.
حدثنا
محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: « وما كنت لديهم إذ يلقون
أقلامهم » ، قال:
حيث اقترعوا على مريم، وكان غَيبًا عن محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبرَه الله.
وإنما قيل:
« أيهم
يكفل مريم » ، لأن
إلقاء المستهمين أقلامَهم على مريم، إنما كان لينظروا أيهم أولى بكفالتها وأحقّ.
ففي قوله عز وجل: « إذ
يلقون أقلامهم » ، دلالة
على محذوف من الكلام، وهو: «
لينظروا أيهم يكفل، وليتبيَّنوا ذلك ويعلموه » .
فإن ظن
ظانّ أنّ الواجب في « أيهم » النصبُ، إذ كان ذلك معناه، فقد
ظن خطأ. وذلك أن « النظر
» و « التبين » و « العلم » مع « أيّ » يقتضي استفهامًا واستخبارًا،
وحظ « أىّ » في الاستخبار، الابتداءُ
وبطولُ عمل المسألة والاستخبار عنه. وذلك أن معنى قول القائل: « لأنظُرَنّ أيهم قام » ، لأستخبرنَ الناس: أيهم قام،
وكذلك قولهم: « لأعلمن
» .
وقد
دللنا فيما مضى قبل أن معنى « يكفل » ، يضمُّ، بما أغنى عن إعادته
في هذا الموضع.
القول
في تأويل قوله : وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ ( 44 )
قال أبو
جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما كنتَ، يا محمد، عند قوم مريم، إذ يختصمون فيها
أيُّهم أحقّ بها وأولى.
وذلك من
الله عز وجل، وإن كان خطابًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فتوبيخٌ منه عز وجل
للمكذبين به من أهل الكتابين. يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم وأنت تنبئهم هذه
الأنباءَ ولم تشهدْها، ولم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمورَ، ولست ممن قرأ الكتب
فعَلِم نبأهم، ولا جالَس أهلها فسمع خبَرَهم؟
كما:-
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « وما كنت لديهم إذ يختصمون » ، أي ما كنت معهم إذ يختصمون
فيها. يخبره بخفيّ ما كتموا منه من العلم عندهم، لتحقيق نبوته والحجة عليهم لما
يأتيهم به مما أخفوا منه.
القول
في تأويل قوله : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
قال أبو
جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « إذ قالت
الملائكة » ، وما
كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضًا إذ قالت الملائكة: يا مريم إنّ الله
يبشرك.
«
والتبشير » إخبار
المرء بما يسره من خبر.
وقوله: « بكلمة منه » ، يعني برسالة من الله وخبر من
عنده، وهو من قول القائل: « ألقى فلانٌ
إليّ كلمةً سَرّني بها » ،
بمعنى: أخبرني خبرًا فرحت به، كما قال جل ثناؤه: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى
مَرْيَمَ [
سورة النساء: 171 ] ،
يعني: بشرى الله مريمَ بعيسى، ألقاها إليها.
فتأويل
الكلام: وما كنت، يا محمد، عند القوم إذ قالت الملائكة لمريم: يا مريم إنّ الله
يبشرك ببُشرى من عنده، هي ولدٌ لك اسمهُ المسيحُ عيسى ابن مريم.
وقد قال
قوم - وهو قول قتادة - : إن « الكلمة
» التي
قال الله عز وجل: « بكلمة
منه » ، هو
قوله: « كن » .
حدثنا
بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: « بكلمة منه » ، قال: قوله: « كن » .
فسماه
الله عز وجل « كلمته
» ، لأنه
كان عن كلمته، كما يقال لما قدّر الله من شيء: « هذا قدَرُ الله وقضاؤُه » ، يعنى به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جل ثناؤه:
وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا [ سورة النساء: 47 \ سورة الأحزاب: 37 ] ، يعني به: ما أمر الله به،
وهو المأمور [ به ] الذي كان عن أمر الله عز وجل.
وقال
آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها، كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء.
وروي عن
ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: « الكلمة
» هي
عيسى.
حدثنا
ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: « إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ
الله يبشرك بكلمة منه » ، قال:
عيسى هو الكلمة من الله.
قال أبو
جعفر: وأقربُ الوُجوه إلى الصواب عندي، القولُ الأول. وهو أنّ الملائكة بشَّرت مريمَ
بعيسى عن الله عز وجل برسالته وكلمته التي أمرَها أن تُلقيها إليها: أنّ الله
خالقٌ منها ولدًا من غير بَعْل ولا فَحل، ولذلك قال عز وجل: « اسمه المسيح » ، فذكَّر، ولم يقُل: « اسمُها » فيؤنث، و « الكلمة » مؤنثة، لأن « الكلمة » غير مقصود بها قصدُ الاسم الذي
هو بمعنى « فلان » ، وإنما هي بمعنى البشارة،
فذكِّرت كنايتها كما تذكر كناية «
الذرّية » و « الدابّة » والألقاب، على ما قد بيناه قبل
فيما مضى.
فتأويل
ذلك كما قلنا آنفًا، من أنّ معنى ذلك: إن الله يبشرك ببشرى ثم بيَّن عن البشرى
أنها ولدٌ اسمه المسيح.
وقد زعم
بعض نحويي البصرة أنه إنما ذكر فقال: « اسمه المسيح » ، وقد قال: « بكلمة
منه » ، و « الكلمة » ، عنده هي عيسى لأنه في المعنى
كذلك، كما قال جل ثناؤه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا ، ثم قال بَلَى قَدْ
جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا [ سورة الزمر: 56 ،59 ] ، وكما يقال: « ذو الثُّدَيَّة » ، لأن يده كانت قصيرة قريبة من ثدييه، فجعلها كأنّ اسمها « ثَدْيَة » ، ولولا ذلك لم تدخل « الهاء » في التصغير.
وقال بعض
نحويي الكوفة نحو قول من ذكرنا من نحويي البصرة: في أنّ « الهاء » من ذكر « الكلمة » ، وخالفه في المعنى الذي من
أجله ذكر قوله « اسمه » ، و « الكلمة » ، متقدمة قبله. فزعم أنه إنما
قيل: « اسمه » ، وقد قدّمت « الكلمة » ، ولم يقل: « اسمها » ، لأن من شأن العرب أن تفعل
ذلك فيما كان من النعوت والألقاب والأسماء التي لم توضَع لتعريف المسمى به، كـ « فلان » و « فلان » ، وذلك، مثل « الذرّية » و « الخليفة » و « الدابة » ، ولذلك جاز عنده أن يقال: « ذرية طيبة » و « ذرّيةً طيبًا » ، ولم يجز أن يقال: « طلحة أقبلت ومغيرة قامت » .
وأنكر
بعضهم اعتلالَ من اعتلّ في ذلك بـ « ذي الثدية » ، وقالوا: إنما أدخلت « الهاء » في « ذي الثدية » ، لأنه أريد بذلك القطعة منَ
الثَّدْي، كما قيل: « كنا في
لحمة ونَبيذة » ، يراد
به القطعة منه. وهذا القول نحو قولنا الذي قلناه في ذلك.
وأما
قوله: « اسمهُ
المسيح عيسى ابن مريم » ، فإنه
جل ثناؤه أنبأ عباده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمّه مريم، ونفى بذلك عنه ما أضاف
إليه الملحدون في الله جل ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوّته إلى الله عز وجل،
وما قَرَفَتْ أمَّه به المفتريةُ عليها من اليهود، كما:-
حدثني به
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ
الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن
المقربين » ، أي:
هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه.
وأما « المسيح » ، فإنه « فعيل » صرف من « مفعول » إلى « فعيل » ، وإنما هو « ممسوح » ، يعني: مَسحه الله فطهَّره من
الذنوب، ولذلك قال إبراهيم: « المسيح
»
الصدّيق...
حدثنا
ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم مثله.
وقال
آخرون: مُسح بالبركة.
حدثنا
ابن البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، قال سعيد: إنما سمي « المسيح » ، لأنه مُسِح بالبركة.
القول
في تأويل قوله : وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا
وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
قال أبو
جعفر: يعني بقوله « وجيهًا
» ، ذا
وَجْهٍ ومنـزلة عالية عند الله، وشرفٍ وكرامة. ومنه يقال للرجل الذي يَشرُف وتعظمه
الملوك والناس « وجيه » ، يقال منه: « ما كان فلان وَجيهًا، ولقد
وَجُهَ وَجاهةً » « وإن له لَوجْهًا عند السلطان
وَجاهًا ووَجاهةً » ، و « الجاه » مقلوب، قلبت، واوه من أوّله
إلى موضع العين منه، فقيل: « جاه » ، وإنما هو « وجه » ، و « فعل » من الجاه: « جاهَ يَجوه » . مسموع من العرب: « أخاف أن يجوهني بأكثر من هذا
» ،
بمعنى: أن يستقبلني في وجهي بأعظم منه.
وأما نصب
« الوجيه
» ، فعلى
القطع من « عيسى » ، لأن « عيسى » معرفة، و « وجيه » نكرة، وهو من نعته. ولو كان
مخفوضًا على الردّ على « الكلمة
» كانَ جائزًا.
وبما
قلنا من أنّ تأويل ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله قال، فيما بلغنا، محمد
بن جعفر.
حدثنا
ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: « وجيهًا » ، قال: وجيهًا في الدنيا
والآخرة عند الله.
وأما
قوله: « ومِنَ
المقرّبين » ، فإنه
يعني أنه ممن يقرِّبه الله يوم القيامة، فيسكنه في جواره ويدنيه منه، كما:-
حدثنا
بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: « ومن المقربين » ، يقول: من المقربين عند الله
يوم القيامة.
حدثت عن
عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: « ومن المقرّبين » ، يقول: من المقربين عند الله
يوم القيامة.
حدثني
المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.